تحميل رواية «ومجبل علي الصعيد» PDF
بقلم رانيا الخولي
الفصل 16 — رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السادس عشر 16 - بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
سقط عمران على المقعد وقد شعر بصعوبة بالغة في التنفس بعد تلك الصدمة التي تلقاها. وأي صدمة! فقد كانت صدمة قاتلة هزت ذلك الجبل الذي ظل ثابتًا رغم تلك المحن التي مرت عليه. كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده، وقد خسر كل شيء وأصبح خالي الوفاض. خسر ميراث أجداده والحائط المتين الذي كان مستندًا عليه، فينتهي به الحال داخل ذلك المنزل الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه. انتهى كل شيء الآن. زواج ابنه الأكبر، ومشروع ابنه الأصغر. كل ذلك تلاشى بعد أن كان بين يديه. شعر بنغزة حادة في قلبه وازدادت وتيرة تنفسه، فأصبح يت...
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السادس عشر 16 - بقلم رانيا الخولي
في الصباح
في منزل عمران
كان جاسر يستعد للخروج من الغرفة عندما طرق الباب، فقام بفتحه ليجد أمامه مصطفى الذي وقف ينظر إليه بملامح مبهمة لا تعبر بشيء وقال:
_ ممكن لو وقتك يسمح نتكلم مع بعض شوية؟
رغم الضيق الذي شعر به إلا إنه تحدث بهدوء:
_ اتفضل.
دلف مصطفى وأغلق جاسر الباب خلفه، فجلس كلاهما على الأريكة وتحدث مصطفى بجدية:
_ سارة كلمتني امبارح في موضوع جوازكم، وأنا جاي أسألك أنت عايز إيه من أختي.
بغت بسؤاله وفكر في تلك اللحظة أن يقص عليه ما حدث، لكنه تراجع ليس خوفًا عليها، إنما خشية من رد فعله مما قد يؤدي إلى وصول الخبر لجده. فرد السؤال بآخر:
_ بعد ما تجولي أنت كمان عايز إيه من جدي.
تبادل كلاهما النظرات؛ أحدهم بتحدي والآخر يطلب منه إبعادها عن الأمر، فقال بجدية:
_ أنا مش هلومك وبلتمسلك العذر على أسلوبك الجاف معانا بعد اللي عرفته، بس أحب أقولك إن أنا وأختي ملناش ذنب في اللي حصل زمان. للأسف أحنا عرفنا كل حاجة متأخر وكانت صدمتنا كبيرة، بس صدقني كنا بنحاول أنا وأختي نوصلكم من زمان، وتقدر تسأل بنفسك دكتور خالد وهو هيأكدلك.
سأله جاسر بسخرية:
_ إيه هو بقى اللي عرفته؟
شعر مصطفى بالضيق من أسلوبه ومن السخرية التي يتحدث بها، وتحدث جاسر تلك المرة بجدية:
_ أحب أجولك إنك متعرفش حاجة واصل؛ لإن اللي حصل أصعب من إكده بكتير، تحب تعرفها؟
أجابه بإيماءة من رأسه ليتابع جاسر:
_ أبوك لما أخد الفلوس وسافر ومهموش إيه اللي ممكن يحصل لأهله وهو سايبهم في الظروف دي، مع إن لو كان وقف جانبهم ورجع الفلوس كانت هتحل مشكلة كبيرة جوي، ومكنوش داقوا الجوع ولا جدي فضل في فرشته سنة كاملة وهو مش قادر يجف على رجليه من الصدمة اللي أخدها من أبوك. عمك كان بيفضل بالتلات ليالي ميشوفش فيهم النوم ويشقى ليل ونهار عشان يسدد الديون، والحمد لله قدر بعد تعب سنين طويلة يجف على رجله من تاني، وبعد كل ده جاي يجول عايز ورثي، يعني عايز كمان ياخد ورثه وأبوه لساته عايش. كان أبوك عايش في رفاهية وبيتمتع في الفلوس اللي أبوي وجدي تعبوا فيها وهما أهنه بيدوقوا طعم الجوع وهو ولا على باله. وده جزء بسيط من الحقيقة.
لم يجد مصطفى الكلمات التي تصف مدى الخزي الذي يشعر به تجاه والديه؛ كيف استطاعوا تزييف الحقائق ويظهر كلاهما بدور المظلوم.
فيردف جاسر كي يخرجه من شروده:
_ أنا رايد أختك بعيد عن أي حاجة وعايزك تساعدني.
سأله بشك:
_ وايه اللي يأكد لي إنك مش بتعمل كده عشان تنتقم من أبويا؟
أجابه جاسر بحنق:
_ مش اني اللي أنتقم من حرمة، لإن أنا جاسر جمال عمران راجل من ضهر راجل، وعمري ما أدخل الحريم في مشاكلنا. وبعدين إحنا معدش فيه بناتنا حاجة عشان ننتقم منها، أنا فعلًا رايد أختك وهي كمان مش عايزة تفارق أهلها وعزوتها، هتساعدني ولا لأ؟
رغم الحيرة التي أصابته إلا إنه ترك الأمر بيد والديه، علمًا بأنهم لن يوافق أحدهم على ذلك الزواج.
_ على العموم أنا هكلم بابا النهاردة وأشوف رأيه في الموضوع ده، بس اللي أنا واثق منه أنه مستحيل يوافق؛ مش عشان حاجة، لأ عشان مش هيقدر يقف قدام أبوه وعمي بعد اللي حصل ده.
نهض من مقعده وأردف:
_ بس بردوا هكلمه وهحاول أقنعه.
نهض جاسر بدوره وهو يقول بثبات:
_ هنشوف.
الثقة التي يتحدث جاسر بها تقلقه، لكن ما يطمئنه هو وجودها بين عائلتهم ومع عمه جمال الذي يعاملهم بكل الحب الذي يكمن بداخله منذ أن رآهم. أومأ برأسه ونزلوا إلى الأسفل ليجدوا توأم عمه بجواره على طاولة الإفطار يواصلون مرحهم مع سارة التي استمتعت كثيرًا بمزاحهم. لكنها اندهشت عندما كفوا عن المزاح ما إن رأوه، ليقتربوا منه ويصافحوه باحترام. ثم نظروا إلى مصطفى، تحدث معتز بابتسامة:
_ أنت طبعًا مصطفى ولد عمي، نورتنا.
صافحه مصطفى وهو يبادله الابتسامة:
_ منورة بأهلها.
صافح حازم أيضًا واجتمعوا جميعًا حول المائدة، ووسيلة تنظر إلى مكان ابنتها الفارغ باشتياق، ليشعر بها جمال الذي ربت على يدها بحنو، فتبتسم بثبات وتتداخل معهم.
خرج مصطفى إلى حديقة المنزل كي يجيب على الهاتف وهو يحاول بصعوبة جعل صوته ثابتًا كي لا تشك بشيء:
_ صباح الخير يا ماما.
أجابت سمر وهي تنظر إلى منصور النائم على الفراش بجوارها:
_ صباح النور يا حبيبي عامل إيه؟
رد بهدوء:
_ بخير الحمد لله، بابا راح الشركة ولا لسه؟
تنهدت بحيرة وهي تنظر إليه:
_ لأ لسه، المهم أختك فين خليني أكلمها.
_ هي جوا مع جدي أول ما أدخل أخليها تكلمك لإني برة في الجنينة.
علمت أنها تتهرب منها فقالت باحتدام:
_ سيبك من الحجج الفارغة دي وخليها تكلمني يا إما تجيبها وترجع سواء برضاها أو غصب عنها فاهم؟
استيقظ منصور على صوتها وهو يسألها بنعاس:
_ في إيه بتزعقي ليه؟
تابعت حديثها مع ابنها:
_ زي ما قلتلك يا إما أنا بنفسي اللي هاجي أخدكم.
أخذ منصور الهاتف منها عندما علم أنه يتحدث ابنه وقال بتثاؤب:
_ إزيك يا مصطفى عامل إيه؟
رد بهدوء:
_ الحمد لله كويس بس أنا كنت عايز حضرتك في موضوع مهم.
نهض منصور وقد شعر بالقلق من حديث ابنه وقال بجدية:
_ خير في حاجة حصلت؟ أختك كويسة؟
_ آه يا بابا كويسة متقلقش.
ازداد قلقه من أن يكون والده أخبرهم كل شيء، فتابع مصطفى بتمالك:
_ أصل جاسر ابن عمي عايز يتقدم لليلى وهي موافقة، وعمي عايز يفاتحك في الموضوع.
ألجمته الصدمة قليلًا لكنه تمالك نفسه كي لا تشعر سمر بشيء وقال بمثابرة:
_ تمام يبقى نتكلم بعدين.
أغلق الهاتف ومازال على اندهاشه، فتسأله سمر بتوجس:
_ في حاجة حصلت؟
انتبه منصور لها وقال بجدية:
_ مفيش هما بس عايزين يقعدوا أسبوع هناك وأنا قلتلهم هشوف.
لم تقتنع بحديثه وشعرت بوجود خطب ما:
_ يعني مش مخبيين عليا حاجة؟
رد بثبات وهو يدلف للمرحاض:
_ لأ مفيش، ولو فيه أنا مش هكون هادي كده.
أغلق منصور الباب خلفه وقام بالوقوف أسفل المياه وهو لا يعرف ماذا يفعل.
ساوره الشك أن يكون جاسر يأخذها للانتقام، لكنه يعرف أخيه جيدًا لن يقبل بالظلم مطلقًا. إذًا ماذا يحدث؟ لن يقتنع بأن ابنته أحبت في تلك الفترة الوجيزة. قد يكون تعلقها بهم سبب من ضمن الأسباب، لكنه يشعر بأن هناك شيئًا آخر وعليه معرفته.
***
في المشفى
استيقظ أمجد ليجد نفسه مازال داخل تلك الغرفة التي يبغضها، وذلك الطنين الذي يصدر من الأجهزة المحيطة به من كل جانب تزعجه. بحث بعينيه عنها ليجدها نائمة على المقعد كعادته بها، ابتسم بحب وظل يتأمل ملامحها التي حفرت بداخله منذ أن رآها أول مرة في حديقة منزلهم، ليدق قلبه بعنف وكأنه يخبره بأنه وجد ضالته أخيرًا، والأهم من كل ذلك أنها أيضًا بادلته نفس المشاعر. لن يصدها بعد الآن، وليستسلم كلاهما لذلك الشقاء الذي كتب عليهم. ومن يدري، ربما يكون للعمر بقية وحينها لن يفرقهم شيء.
تململت ليلى في نومتها وقد شعرت بتيبس عضلاتها من تلك النومة. انتبهت على صوت أمجد الذي تحدث بهدوء:
_ صباح الخير.
نظرت ليلى إليه بلهفة وقالت بابتسامة أرهقت قلبه:
_ صباح النور.
تقدمت منه كي تلقي نظرة على الأجهزة وأردفت:
_ الحمد لله بقينا أحسن بكتير.
ابتسم بحزن لعلمه جيدًا بحالته ويعلم أيضًا أنها تقول ذلك كي توهم نفسها قبل أن توهمه، فتحدث بيأس:
_ أحسن دي تقوليها لحد مش عارف حالته كويس إنما أنا لأ.
ألمها نبرة اليأس التي يتحدث بها وقالت بحب:
_ خلي أملك في ربنا كبير.
رد بصدق:
_ ونعم بالله، بس أنا بحب الوضوح والصراحة أكتر، مش بحب تزييف الواقع، وأنا شايف إن الأمل في حالتي كل مدى ما بيضعف.
لم ترد التطرق في ذلك الأمر أكثر من ذلك وغيرت مجرى الحديث قائلة بمرح:
_ على فكرة أنا جعانة قوي إيه رأيك لو أخلي سهى تجيب لنا فطار.
أومأ لها مبتسمًا كي يتركها تترك العنان لدموعها التي تجمعت داخل مقلتيها، فتخرج مسرعة من الغرفة وتستند بظهرها على الباب لتحرر تلك العبرات التي تدفقت بغزارة داخل عينيها، فمؤشراته لا تبشر بخير مطلقًا. وقد أصبح الأمل ضعيف. كل ذلك يحدث وهو يشعر بها خارج الغرفة تذرف دموعها بغزارة. ليته يستطيع النهوض والذهاب إليها كي يأخذها داخل أحضانه ويهوّن كلاهما على الآخر، لكن يعلم جيدًا بأنه لن يستطيع الوقوف على قدميه مرة أخرى، وظل مكانه ينظر إلى الباب الذي يحجبها عنه بقلب ملتاع، يلعن حظه العسر الذي وضعه في ذلك الموقف.
عادت بعد قليل وهي ترسم ابتسامة لم تصل لعينيها التي احمرت من شدة البكاء وقالت بحب وهي تجلس على المقعد بجواره:
_ معلش أخرت عليك بس كنت في الكافتيريا بوصي على الفطار.
يعلم جيدًا بأنها لم تتزحزح من أمام الغرفة وأنها طلبت الفطار بالهاتف، فأراد أن تكون أكثر صراحة معه. فتحدث بوهن من شدة الألم الذي يشعر به:
_ مفيش داعي إنك تكدبي عليا، أنا عارف إنك متنقلتيش من قدام الأوضة، وكنت حاسس بدموعك بتقطع في قلبي.
همت بالمعارضة لكنه منعها قائلًا:
_ متحاوليش لإني واثق من اللي بقوله.
خفضت عينيها بألم ليتابع هو:
_ أنا مش زعلان، كل الحكاية إني حسيت بالعجز وأنا مش قادر أقوم من مكاني عشان أهوّن عليكي.
ازدرد ريقه بصعوبة وهو يحاول تلاشي الألم الذي يزداد وأردف بوهن:
_ عايزك لما تعيطي تعيطي وأنتي جنبي عشان أنا اللي أديكي الأمل مش أنتي.
أخذت نفس عميق تهدئ به من لوعتها وقالت بشجن:
_ الأمل الوحيد اللي عايزاه من الدنيا هو إنك تخف وصدقني مش طالبة منها حاجة تاني.
ليته يستطيع إمساك يدها التي تضغط عليها بمحاولة فاشلة منها على الصمود وألا تعاود البكاء مرة أخرى. وقال بغصة:
_ نفس إحساسي ورغبتي في الحياة، واللي عايز أتمسك بيها لأول مرة في حياتي. وجودك فرق كتير أوي وأتمنيت أني أقابلك في ظروف أفضل من كده.
ازدردت تلك الغصة التي وقفت في حلقها وتحدثت بحب:
_ المهم إننا اتقابلنا، ودا غير كتير أوي في حياتي، أمجد أنا قبل ما أعرفك كانت الحياة بالنسبالي هي المذاكرة وبس أنت خلتني أشوفها بمنظور تاني خالص، لأول مرة بعرف يعني إيه حب والقلب اللي بيدق كل ما بيسمع اسم اللي بيحبه ولا حتى اسم مشابه لاسمه. لما بتشوفه ولو حتى من بعيد تحس إن الحياة هي اللحظات اللي بتشوفه فيها ولما بيفارقك الاشتياق بيقتلك ونفسك تهرب معاه من الدنيا كلها.
كان يستمع لكلماتها بابتسامة شغف وولع لتلك التي أطربته بأجمل الكلمات التي تصف مدى تعلقها به فأيدها قائلًا بتوق:
_ كل الكلام ده حسيت بيه من وقت ما شفتك بتذاكري في الجنينة، خطفتي قلبي من وقتها وكل ما أخزي الشيطان وأبعد عينيا عنك ألاقيها بتروح ناحيتك من تاني.
ضيقت ليلى عينيها وهي تقول بغيظ:
_ أمم يعني كنت بتبص عليا وأنا بذاكر.
رفعت إصبعها في وجهه وهي تتحدث بلهجتها الصعيدي بتحذير مرح:
_ أنت خابر لو كان جاسر ولد الحاج جمال شافك كان هيعمل فيك إيه؟
رفع حاجبه متسائلًا لتجيبه بحدة:
_ هيجتلك من غير ما يرف له جفن.
ضحك كلاهما ليطرق الباب وتدلف سهى تحمل الإفطار وهي تقول:
_ أحلى فطار زي ما وصيتي يا دكتورة ليلى.
شكرتها ليلى وهمت سهى بتحضيره على الطاولة لكنها منعتها:
_ لأ روحي أنتي يا سهى وأنا هفتحه.
أومأت وخرجت من الغرفة. فقامت ليلى بوضع الطعام على الطاولة وقربته من الفراش بعد أن قامت برفعه حتى يستطيع تناوله بأريحية، لكنه نظر لها بخبث وهو يقول:
_ بس أنا هاكل إزاي بالأجهزة اللي في إيدي دي كلها.
نظرت ليلى إلى يديه وقالت بحيرة:
_ آه صحيح.
ازداد خبثه وهو يقترح:
_ خلاص أكليني أنتي.
اتسعت عيناها ذهولًا مما نطق به وقالت بحدة صعيدية:
_ أنت بتجول إيه؟
تراجع بمرح وهو يقلد لهجتها قائلًا:
_ بجول إنك تبعتي لسهى هي اللي توكلني.
نشبت الغيرة بداخلها وقامت بإزالة المحلول من يده وتعليقه حتى ينهي طعامه وقالت باستنكار:
_ كده مش محتاج حد.
تابع مكره:
_ بس أنا فعلًا تعبان مش قادر أرفع إيدي.
زمت شفتيها بغيظ:
_ لما تاكل هتقدر.
استسلم أمجد في النهاية وبدأ بتناول طعامه وهو يبعد عينيه عنها بصعوبة كي لا تحرج منه. أما هي فكانت مندهشة من تلك الجرأة التي أصبحت عليها. تركت نفسها لتغرق أكثر في بحر عشقه دون أن تبحث عن البر، ربما لأنها تعلم جيدًا أن لا بر لها معه، ربما تكون عودة لكن تخرج منها ضائعة، أو تعود معه لبر الأمان بأحلام وردية. لا تبالي بشيء. كل ما يهم الآن أنها تأخذه ملجأ لها كما أخذها هو ملجأ له ويستند كلا منهم على الآخر باسم الحب، فقد أصبحت مثل خيل حبيس أطلق سراحه فرفرف عاليًا فرحًا بحريته التي لم يعلم بأنها الخطوة الأولى نحو آلامه.
كانت تختطف النظرات إليه بحسرة على ذلك العشق الذي حكم عليه بالموت وهو مازال وليدًا. تدحرجت دمعة حارة على وجنتيها مسحتهم بظهر يدها قبل أن يلاحظها ذلك المعشوق.
وهي تتساءل كيف تكون حياتها بدونه. انتبهت لصوته الذي يسألها:
_ سرحتي في إيه؟
ابتسمت ليلى وهي تقول باعتراض لما تفعله:
_ مش عارفة إن كنت هتفهمني ولا لأ، بس بما إنك صعيدي أكيد هتفهمني.
حرك رأسه مستفسرًا لتتابع هي بوجل:
_ أنا حاسة نفسي بعمل حاجة غلط، وأولهم إن تعاملي معاك مش تعامل مع مريض لأ ده حاجة تانية خالص.
نظرت إليه لتجد وجوم على ملامحه وتابعت:
_ لأول مرة بعمل حاجة من ورا أهلي، صحيح أنا عرفت حازم ومعتز ومغلطني جدًا بس ده بردوا ميدنيش الحق إني أخون ثقتهم فيا.
قاطعها أمجد بجدية:
_ بس أنتي معملتيش حاجة غلط عشان تخوني ثقتهم.
سألته بحيرة:
_ أومال تسمي إيه اللي بعمله ده؟ تفتكر أنت كنت هتقبلها على أختك؟
ساد الصمت قليلًا ليتحدث بعدها بصدق:
_ لو بينهم الحب اللي بينا ده أكيد كنت هقبل.
همت بالمعارضة لكنه قاطعها بجدية:
_ ليلى أنا بحالتي دي مقدرش أوعدك بحاجة بس اللي واثق منه إني لو في ظروف غير دي مكنتش حاجة هتمنعني إني أتجوزك حتى لو العالم وقف قصادي، إنما حاليًا أنا معنديش عمر أوعدك بيه.
حاولت تنظيم أنفاسها التي هدرت بقوة حزنًا وألمًا من كلماته التي تمزق قلبها بغير رحمة، وهذا ما لاحظه أمجد. فيشعر بالألم يعاوده فأراد تغيير مجرى الحديث وسألها:
_ بابا وفارس مسألوش عليا؟
ردت بتأكيد وهي تحاول بصعوبة الثبات أمامه:
_ لا طبعًا محدش منهم بيسيبك بس دكتور عصام مانع الزيارة عشان حالة باباك.
أومأ برأسه وشعر بالتعب يزداد فقامت ليلى بإضافة بعض الأدوية وقالت:
_ كفاية كلام لحد كده وأرتاح شوية.
أغمض أمجد عينيه بإرهاق وقال بألم:
_ متسيبنيش.
أكدت بألم مماثل:
_ مش هسيبك.
***
في مكتب منصور
دلف خالد المكتب ليصافح منصور وهو يقول بغيظ:
_ في إيه تاني؟ جايبني على ملى وشي ليه؟
أشار له منصور بالجلوس:
_ تشرب إيه الأول.
_ ولا حاجة قول بسرعة في إيه؟
تنهد منصور وعاد بظهره للوراء وهو يقول:
_ جاسر ابن جمال عايز يتجوز سارة.
تحدث خالد بدهشة:
_ جمال أخوك؟
أومأ بصمت ليقول خالد بجدية:
_ وإيه اللي فيها؟ جاسر أنا عارفه كويس إنسان محترم جدًا ورجل يعتمد عليه ميتخيرش عن جمال أخوك، أنا لو مكانك مترددش لحظة واحدة.
زم شفتيه بحيرة ثم تحدث بقلق:
_ أنا معاك في كل ده بس اللي أنا مستغرب له إزاي لحق يحبها ويقرر يرتبط بيها في المدة البسيطة دي؟
أجاب خالد ببساطة:
_ وإيه المشكلة؟!
بتحصل كتير، جاسر ابن ناس ومتعلم ووسيم وفيه صفات كتير حلوة أي واحدة تتمناه، وكفاية إنك هتنام وأنت مطمن عليها وسط أهلها بدل ما يجي ولد من بتوع اليومين دول يكون طمعان فيها.
تحدث منصور بتهكم:
_ يعني ابن جمال هو اللي مش هيكون طمعان فيها؟ ولا يمكن يقول...
قاطعه خالد بنفي:
_ مستحيل جاسر يعمل كده وأنا واثق فيه زي ما أنا واثق إنك أنت اللي قاعد قدامي دلوقتي، وبعدين جمال اللهم بارك بقى عنده قد اللي عندك وأكثر كمان.
وافق يا منصور وقرب المسافات بينك وبين أهلك، يا سيدي دا حتى المثل بيقول أهلك لتهلك.
فكر في أبوك، فكر في أمك اللي مالهاش ذنب في كل ده، أرجع وأعتذر وأنا واثق إنهم هيسامحوا.
مراتك دي اللي مش قادرة تتحمل فراق ولادها من أسبوعين، شوف أنت بقى والدتك اللي بقالها أكثر من خمسة وعشرين سنة ماشفتش ابنها.
تنهد خالد بتعب عندما لم ير بادرة أمل للاستجابة وأردف:
_ أنا الكلام معاك بيتعبني وأنا أصلاً تعبان لوحدي.
عايز نصيحتي وافق وأبعد بنتك عن الحرب اللي هتقوم الفترة الجاية دي مع مراتك.
رد منصور بارتباك:
_ بس أنا مش هقدر أروح هناك وأتكلم في جواز وغيره وكأن شيئًا لم يكن.
_ صدقني وقت ما تدخل عليهم كل حاجة هتتنسي وكأن فعلاً شيئًا لم يكن.