رواية ومجبل علي الصعيد — الفصل 27 — بقلم رانيا الخولي
وقفت تنظر إليه بخوف جعل اوصالها ترتعد خوفًا وهو يتقدم منها كفهد يقترب من فريسته.
مما جعلها تتحدث بخوف:
_ جاسر أنا….
قاطعها بحدة وهو يتقدم منها جاذبًا إياها من ذراعها يهزها بعنف وعينيه كجذوتين نار:
_ انتي ايه يافاچرة، هى دى اخرت ثقته الزايدة فيكي؟
هزت راسها بنفي وهي تقول برجاء:
_ والله مخنت ثقتكم فيا، بس صدقني غصب عني.
تحدث من بين أسنانه كي يتحكم في صوته الذي يريد الهدر بها:
_ غصب عنك كيف وانتي عاشقة اللي آمناه ودخلناه بيتنا ومصنش ده.
نظرت إلى الحامل الذي اختفي في الداخل ثم عادت تطلع إليه بألم:
_ أرجوك ياجاسر بلاش تمنعني، لازم اسافر معاه.
_ بلاش تبصلي على إني رايحة مع الإنسان اللي حبيته، بصيلي على إني دكتورة وحالة محتاجة لمساعدتي.
تدفقت دموعها بألم وتابعت برجاء:
_ أرجوك ياجاسر مفيش وقت، أمجد خلاص بيموت مننا، لو حصله حاجة انا ممكن اموت فيها، انت لو سبتني هتكون بتنقذني انا مش بس هو.
صاح بها:
_ ومين جالك اني عايز انقذك دلوجت، اني عايز اخلص عليكي باديه.
امسكت يديه وهي ترجوه ببكاء يهشم القلوب:
_ أرجوك ياجاسر سيبني اسافر معاه وأوعدك اول مايفوق هرجع على طول، انا مستحيل اعمل حاجة تقل منكم، اللي حصلي ده غصب عني دي حاجة مش بادينا، جاسر انت مجرب الحب وعارف كويس انه مش بارادتنا.
سمعت صوت يناديها:
_ دكتورة ليلى يلا بسرعة مفيش وقت.
أومأت له ثم عادت تطلع إليه وقد لانت ملامحه قليلًا:
_ سيبني اسافر أرجوك.
نظرات الخوف التي رآها داخل عينيها والحزن الذي غلف صوتها جعل غضبه يهدأ قليلًا لكنه تحدث بعناد:
_ مستحيل اسمح بالمهزلة دي يلا معايا.
هزت راسها وقالت بعذاب:
_ لو اخدتني هموت بجد سيبني أرجوك هما يومين بس مش اكتر.
قلبه رأف بها لكن رجولته ترفض ترك أخته تسافر مع رجل لا تربطها به أي صلة.
فتحدث برعونة:
_ جلتلك لأ.
أغمضت عينيها بقهر ثم اقتربت منه أكثر لتقول بتوسل:
_ جاسر صدقني أنا مبعملش حاجة غلط أنا بس بقوم بدوري كطبيبة، دي رسالتي ودي حياة بين إيديا مينفعش أتخلى عنها، جاسر انت بتحب وعارف ناره بتكوي اد إيه، أنا واقفة قدامك دلوقتي وبصارع الموت زيه بالظبط، سيبني وأنا أوعدك إني هرجع على طول.
زم فمه بضيق شديد وهو يرى بعينيه توسلاتها له، شعر أنها حقًا تصارع الموت معه.
فوقف حائرًا لا يعرف ماذا يفعل.
***
ظلت تتقلب على جمر ملتهب وقد خيم الظلام ولم يعد.
لم تستطع الاتصال به، فما زال هاتفه قيد الإغلاق وتخشى حتى الاقتراب منه.
ماذا تفعل إذًا والقلق ينهش قلبها بلا رحمة.
فكرت بالاتصال بساندي لكنها لن تتحمل سماع.
لكنها أيضًا لن تقف مكتوفة الأيدي حتى يدمر نفسه، عليه أن تنبههم وتجعله يهرب.
هل تقوم بالاتصال على ليلى؟ فمن المؤكد أنه سيمر عليهم.
هزت رأسها برفض.
وفكرت قليلًا حتى توصلت لفكرة جيدة.
قامت بفتح هاتفها الذي أخذ يدوي بصوت الرسائل من والدتها وأخرى من والدها وكل أصدقائها.
وكذلك رسائل من ذلك الكريه.
تلاشت كل ذلك وأخذت تبحث عن رقمها حتى وصلت إليه وقامت بكتابة رسالة لها:
"خلي أخوكي يختفي اليومين دول جوزي عرف كل حاجة وجاي عشان 🔪🔪"
ثم قامت بالضغط على زر الإرسال وأغلقت الهاتف مرة أخرى ثم أعادته إلى الدرج.
***
ظل واقفًا مكانه ينظر إلى الطائرة التي حلقت في عنان السماء رغم الضيق الذي يشعر به.
كيف استطاع موافقتها على سفرها بهذه السهولة.
لكن ماذا يفعل وقلبه لم يستطع الصمود أمام دموعها التي لمست صدقها قلبه.
نظر في ساعته فوجدها السابعة مساءًا ميعاد عودة ذلك الذي تطاول على ممتلكاته.
سيكسر أولًا تلك اليد التي لمستها ثم يقوم بقتله دون شفقة ولا رحمة.
عاد إلى سيارته وانطلق بها إلى وجهته.
***
كانت ساندي جالسة في غرفتها عندما وصلتها الرسالة.
اندهشت في البداية عندما علمت بهوية المرسل لكنها انتفضت بخوف عندما قرأت محتواها مما جعلها تتصل على أخيها الذي كان عائدًا من عمله:
_ وائل اهرب بسرعة سارة اتجوزت وجوزها عرف كل حاجة وجاي عشان يـ.ـتلك.
لم يفهم وائل شيئًا في البداية:
_ انتي بتقولي إيه براحة شوية وفهميني.
_ بقولك جوز سارة جاي في الطريق عشان يـ.ـتلك حاول تهرب في أي مكان لحد ما يرجع تاني.
زم فمه بغضب إذا فقد انكشفت لعبتهم هذا ما قاله لنفسه عندما التف بسيارته يغير وجهته بخوف.
عليه حقًا أن يبعد تلك الفترة حتى يسلم منهم.
فكر في حسام صديقه فهو يعيش وحيدًا في شقته ولن يمانع بقاءه عنده تلك الفترة حتى يجد حلًا لتلك المصيبة التي حطت فوق رأسه.
لم يمانع حسام رغم شعوره بالضيق فقد استطاع أخيرًا إقناعها بالمجيء لشقته، وعندما لاحظ وائل:
_ لو مضايق أنا ممكن أمشي.
رد بسرعة:
_ لا طبعًا دا البيت بيتك تيجي في أي وقت، أنا بس خايف لو عرفك مكانك بما إننا أصحاب يعني أكيد أول مكان هيدور فيه.
_ لا متقلقش هما يومين بس كده وآخر ما يزهق هينسى خصوصًا إن أنا فعلًا مقربتش منها مع إني كنت هموت وأعملها بس عملت حساب حاجة زي كده، ولو لقاني هقوله هي اللي بتتبلى عليا.
وبعدين المفروض يشكرني لما عرف إنها لسه بنت.
هز رأسه بنفي:
_ بس انت لعبت مع الناس الغلط وخصوصًا إن البنت دي أنا أعرفها كويس أخلاقها عالية جدًا تجبر أي حد قدامها إنه يحترمه.
تحدث بضيق:
_ اهو اللي حصل حصل وخلاص واديها اتجوزت وفلتت مني.
نهض من مقعده أنا هدخل أريح شوية لإني بجد تعبان.
أردف وائل الغرفة عندما رن هاتفه برقم ساندي فنظر ناحية الباب الذي أغلقه خلفه وأجابها:
_ حبيبة قلبي وحشتيني أوي……
***
مل جاسر من الانتظار فما زال واقفًا أسفل البناية ولم يعد حتى الآن.
ازداد غضبه.
قام بمهاتفة صديقه الذي استطاع الوصول إليه:
_ أيوه يا مراد أنت جلتلي إنه بيرجع بيته على سبعة بالليل والساعة دلوقتي عدت تسعة ومرجعش.
رد مراد بيأس منه:
_ يا ابني أنا ذنب اللي جابوني إيه، أنت قلتلي اعرفلي كل حاجة عن الشخص ده وأنا عرفتك؛ أعمل إيه تاني؟
زم فمه بغضب ثم أغلق الهاتف دون أن يرد عليه وألقاه على المقعد المجاور له.
ظل على ذلك الحال حتى قرر التحدث مع بواب العمارة ربما يفيده بشيء.
تحدث جاسر بلهجة عادية حتى لا يشك بشيء:
_ السلام عليكم.
رد البواب باحترام لذلك الشخص الذي أقدم عليه بهيبة ووقار جعله ينهض مرحبًا به:
_ وعليكم السلام يابيه أمرني.
حاول جاسر بصعوبة أن يبدو هادئًا وهو يسأله:
_ هو وائل الحسيني لسه مرجعش من شغله لاني عايزه ضروري وفونه غير متاح.
أجاب الرجل بنفي:
_ لا يابيه هو كلمني من يومين وقالي إنه مش راجع الإجازة دي وأنه هيسافر لمدة شهرين.
انتابه الضيق لكنه سيطر عليه وسأله:
_ متعرفش سافر فين؟
_ لا والله معرفش بس إن شاء الله أول ما يرجع هقوله إنك سألت عليه، أقوله مين؟
لم يجبه من شدة الغضب الذي يعتريه وتركه وعاد إلى سيارته وانطلق بها تحت نظرات ذلك الرجل الذي ما إن تأكد من ذهابه حتى اتصل به:
_ أيوه يا وائل بيه، لسه ماشي دلوقتي أول ما سألني عليك عرفته على طول….
***
جلست تنظر إليه بألم وهو مستلقي على الحامل دون حراك.
لم تكف عن الدعاء لحظة واحدة فليس بيدهم شيئًا سواها.
نظرت إلى والده الذي انحصر الدم عن وجهه من شدة خوفه عليه وهو أيضًا يصارع القدر بالدعاء.
حطت الطائرة على الأراضي اليونانية وسيارة الإسعاف تقف بالقرب منها حتى تنقله إلى المشفى القريبة منهم.
القلب ضعفت وتيرته والوضع أصبح غير محتمل.
توقفت السيارة أمام المشفى وقد انقلبت الدنيا من حولهم.
خُطف منها متجهين به إلى غرفة العمليات التي كانت على أتم الاستعداد لاستقبال تلك الجراحة الضخمة التي ترهب الجميع.
كما أرهبت قلبها الذي يرتعد خوفًا عليه.
دلفت غرفة الجراحة لتجده مستلقيًا على سرير العمليات.
ليتمزق قلبها ألمًا على من سكن الروح والفؤاد، تدحرجت دمعة حارة على وجنتها مسحتها بظهر يدها قبل أن يراها ذلك الطبيب الذي إن علم بمكانته عندها لم يكن ليقبل مطلقًا بحضورها.
لم يستطع أحدًا ردعها عن حضور تلك الجراحة وكأن وجودها معه سيجعله دافعًا للتشبث بالحياة.
نظرت للطبيب الذي أستعد للبدء بتلك الجراحة وهو مستلقيًا أمامه عاري الصدر لينتشل ذلك القلب الذي كان يدق دومًا بعشقها.
وقفت تراقب مؤشراته بقلب ملتاع تريد منعهم من الاقتراب منه لكن عليها التحمل إذا أرادت له الشفاء.
لم يكن ما شعرت به تجاهه حبًا بل عشقًا يتغنى به قلبها.
فلتعود يا من حاربت الكون لأجلك، تشبث بالحياة كما تشبثت أنا بروحك، فإذا فارقتها؛ فارقتني الروح معك.
***
خرجت من الجامعة وهي تنتظر السائق الذي ينقلها إلى المنزل لكنه تأخر على غير عادته.
أخرجت هاتفها وقامت بالاتصال به:
_ أيوه يا عم حسين انت فين؟
أجاب حسين الذي تعطلت السيارة به في منتصف الطريق:
_ معلش يابنتي العربية عطلت بيا لو مستعجلة خدي تاكسي لإن قدامي وقت لحد ما تتصلح.
أغلقت الهاتف واشارت لسيارة الأجرة بالتوقف ثم صعدت إليها وانطلق السائق بها.
كانت شاردة ولم تنتبه لانعطاف السيارة في شارع جانبي.
تلاها شارع آخر لكن تلك المرة انتبهت عليه وشعرت بالقلق:
_ انت رايح فين؟
لم يجيبها مما جعلها ترتعب أكثر فصاحت به:
_ وقف العربية.
نظر إليها في المرآة وقال بهدوء:
_ اهدي يا آنسة متخافيش خلاص وصلنا.
همت بفتح باب السيارة والقفز منها، لكنه أوقف السيارة حينها وهمت بالترجل والهرب بسرعة لكنها فوجئت بمصطفى أمامها:
_ أنا آسف لو كنت خوفتك بس ملقيتش طريقة تانية أشوفك بيها غير دي.
صدمتها تحولت لحنق وهي تنقل بصرها بينه وبين السائق الذي سأل مصطفى:
_ أي خدمة تانى؟
ابتسم له بمجاملة:
_ لا كدة كويس أوي.
انطلق السائق بسيارته ونظرت هي إليه بغضب تضربه على صدره:
_ انت مجنون انت عايز مني إيه.
امسك يدها يمنعها من مواصلة ضرباتها لكنها جذبتها بحدة وصاحت به:
_ انت إيه حكايتك معايا؟ عايز مني إيه؟
أشار لها على سيارته وقال بهدوء:
_ تعالي الأول نركب عربيتي عشان محدش ياخد باله.
رفضت بعناد:
_ لازم.
فمه بغيظ وقال باحتدام:
_ لاحظي إن الناس بتتفرج علينا وبعدين متضمنيش ممكن حد يعرفك ويشوفنا مع بعض ويقول لأهلك.
انتابها الخوف للحظات لكنها أصرت على عنادها وقالت بحدة:
_ جلت لا مش هيحصل ولو اصريت هصرخ وأجول إنك خاطفني.
ازداد غيظه من عنادها وقال بغضب:
_ أنا مش فاهم انتي بتعملي معايا كدة ليه، لما انت شخصيتك قوية أوي كدة وبتعرفي تقولي لأ ، مقولتهاش لأهلك ليه بدل الذل والعذاب اللي معيشينك فيه ده؟ أنا مطلبتش منك حاجة غريبة أنا بقولك إني بحبك ومتمسك بيكي ولو وافقتي هحارب الدنيا كلها معاكي إيه اللي مخليكي بتصديني بالشكل ده.
قتلها حرفيًا بكلماته التي خرجت منه دون أن يشعر.
عندما لاحظ الحزن في عينيها لم يقصد ذلك لكنها تخرجه حقًا عن شعوره بعنادها:
_ أنا آسف، مكنتش أقصد….
قاطعته بثبات:
_ ولا تجصد أنا خلاص مبجاش حاجة تفرج معايا، إني فعلًا زي ما جولتك مليش شخصية مع أهلي وسيباهم يتحكموا فيا، وده أكبر دليل إنك متعرفش هما مين، ابعد عني يا ابن الناس لإن طريقي مليان شوك هترجع منه خسران.
همت بالذهاب لكنه وقف أمامها يمنعها وتحدث بتعاطف:
_ أنا عارف كل ده ومستعد أعمل أي حاجة عشانك، حلم أنا بجد حبيتك ومش قادر أبعد عنك.
ازدردت تلك الغصة التي توقفت في حلقها وقالت:
_ لازم تقدر ولازم كل واحد فينا يتحمل نصيبه من الألم اللي انكتب علينا.
رفعت عينيها إليه وتابعت:
_ أنا مش بهاجمك بس كل الحكاية إني خايفة عليك وكل ما هحبك كل ما أهاجمك أكتر لإني هخاف عليك أكتر، ابعد عني وسيبني لحالي وشوف حياتك مع واحدة غيري.
رد بإصرار:
_ مش هتفرق لإن فراقك والموت واحد.
ابتسمت بحزن وهي تقول:
_ اللي جواك ده مش حب ده عناد وحبك للمستحيل.
لإن أنا فعلًا الحب المستحيل اللي بيقولوا عليه.
وبعدين أنا لو وافقتك دلوقتي تقدر تقولي هتعمل إيه؟
رد بتأكيد:
_ هتقدملك.
هزت رأسها بتفهم وعادت تسأله:
_ هتطلبني من مين بجى؟ من خطيبي ولا من جدي؟ ولا من أبويا اللي مات وإني لسه صغيرة، ولا من أمي اللي حالها أمر من حالي؟
_ جدك مش عايز خيركم يطلع بره وأنا بعذره وعشان كده أنا هخليكي تتنازلي عن كل حاجة وأخدك ونسافر.
قطبت جبينها بعدم استيعاب وسألته:
_ كيف ده مفهماش؟
أكد مصطفى:
_ يعني أنا هطلبك منهم وأقولهم…..
قاطعته:
_ مش هتلحق تجول حاجة لإنهم وقتها هيجتلوك.
تحدث باحتدام:
_ ليه التشاؤم ده؟
أجابته بألم:
_ لإنك ببساطة متربي في القاهرة ومتعرفش حاجة عن الصعيد اللي مهما اتقدم إلا إنه لسه متمسك بعاداته وتقليده، روح للحاج عمران وجوله على طلبك ده وشوف هيقولك إيه؟
صمت قليلًا ثم سألها:
_ انتي شايفة كده؟
أومأت برأسها:
_ إني مش شايفة غير كده، خلي اللي في قلبك ليك لوحدك وبلاش تتكلم فيه.
همت بالذهاب لكنها فوجئت بسيارة تتوقف أمامهم ويترجل منها أربع رجال بأحجام قوية تقدموا منهم وقبل أن يستوعبوا شيئًا كانوا يهجموا عليه ويقومون بضربه ضربات مبرحة لم يستطيع تفاديها.
صرخة حلم باسمه:
_ مصطفى…
لم تكمل فوجدت اثنين منهم يقومون بجذبها وألقوها في السيارة وهي تحاول الإفلات منهم كي تذهب إليه، لكنها فوجئت بضربة في منتصف رأسها جعلها تفقد الوعي.
***
عاد جاسر إلى المنزل ليجد أخويه في انتظاره، لكن اندهش كلاهما عندما وجدوه عائدًا إليهم وحيدًا من دونها فسأله حازم بتوجس:
_ اوعاك تجول إنك ملحجتهاش؟
ارتمى جاسر على المقعد بإرهاق وأجاب بهدوء:
_ لا لحقتها.
نظر إلى معتز بدهشة ثم عاد يسأله:
_ اومال هي فين؟
عاد جاسر برأسه للوراء مستندًا على المقعد بتعب:
_ سيبتها تسافر.
ضيق حازم عينيه بعدم فهم وسأله:
_ يعني إيه مش فاهم.
حالته لا تسمح باستجواب، ولا يريد التعصب عليهم.
فنهض قائلًا بحزم وحنين جارف يأخذه إليها بقوة.
استلقى على الفراش وقد شعر بتيبس عضلاته ورغبة ملحة في النوم.
لكن من أين يأتيه النوم وقد عود عينيه على أن يغمضها على صورتها وهي مستلقية على الفراش تتظاهر بالنوم.
كان يظل يراقبها وهي نائمة، وأحيانًا أخرى كان يشعر بها تراقبه بعينيها التي لا تُرحم.
لن يستطيع الصمود أكثر من ذلك.
نهض من فراشه وأخذ مفاتيحه وخرج من المنزل دون أن يشعر به أحد.
صعد سيارته وانطلق بها يريد العودة إليها والإرتواء من شهدها حتى التشبع، لكنه يعلم جيدًا أنه لن يكتفي منها يومًا في أصبحت بالنسبة له كالمياه كلما شعر بالظمأ كلما ارتوى أكثر وأكثر منه.
لم يسامحها ولم يتقبل الأمر مطلقًا لكنه حقًا يريد بدء حياة جديدة معها.
وكلما اشتد شوقه لها كلما أسرع بالسيارة يريد أن يصل إليها قبل الفجر.
يريد أن يبدأ حياته معها في أول الشروق كي تشرق حياتهم معًا وينطوي الماضي مع انطواء الليل.
شرد بها ولم ينتبه لنفسه إلا على بوق عالٍ أخرجه من شروده على ضربة شديدة لم يدري من أين جاءته.
***
انتهى ثباتها وانتهى كل شيء وهي تخرج من باب الغرفة وترتمي على أقرب مقعد تجهش في البكاء.
انتهى ثباتها عند تلك اللحظة وهي ترى بعينيها محبوبها بذلك الوضع الذي لا يتحمله قلب.
انهارت وانهار كل شيء معها.