رواية ومجبل علي الصعيد — الفصل 34 — بقلم رانيا الخولي
خرجت سارة من الجامعة لتشيح بوجهها فور أن وجدته يخرج من السيارة متجهًا إليها.
لم يمل يومًا وظل يحاول معها، لكنها أبت الرضوخ له وظلت على عنادها.
أشارت لسيارة أجرة قبل أن يقترب منها، لكنه وصل قبله ووقف أمامها ليقول بأمر:
_ تعالي معي أوصلك.
ردت بعناد:
_ لا متشكرة، أنا هركب تاكسي.
زم فمه بغضب من عنادها وقال بحدة:
_ وبعدهالك عاد، هتفضلي إكدة لحد ميتي، هعمل إيه تاني أكتر من اللي عملته؟
صاحت به سارة باستنكار:
_ وأنا مقلتلكش تعمل حاجة، كل اللي عايزاه منك إنك تبعد عني، ياريت تريح نفسك وتريحني لأن مفيش أمل نرجع لبعض.
احتدت ملامحه وقد تعب من رعونتها معه وقال من بين أسنانه:
_ قلت امش معي، متخلنيش آخدك عافية.
أجابته بتهديد:
_ لا، ولو ممشيتش من قدامي هنادي على الأمن ييجوا يتصرفوا معاك.
تقدم منها أكثر وقال بتحذير:
_ اعمليها وشوفي ردي هيكون كيف، امشِ معي من سكات خلينا نتحدتوا زي الخلج.
تعبت سارة من الجدال معه وصرخت به:
_ ابعد عني بقى، أنت عايز مني إيه تاني بعد اللي عملته؟
نظر جاسر إليها قليلًا وزم فمه بضيق من تلك التي تدفعه دائمًا للجنون وقال بتسويف:
_ تعالي واني أخبرك عايزك في إيه.
جذبها من ذراعها لكنها جذبته بحدة وصاحت به:
_ قتلك ابعد عني، مش هروح معاك في مكان.
عندما لاحظ أمن الجامعة شجارهم، تقدم منها أحدهم وسألها:
_ في حاجة يا آنسة سارة؟
احتدت ملامح جاسر بغضب من ذلك المتطفل وذكر اسمها بتلك البساطة، فرد باحتدام:
_ لا مفيش، دي مرتي وبتحدت مع بعض.
اعتذر الرجل وذهب تاركًا سارة تشتعل غيظًا منه وقالت بحنق:
_ أنت إزاي...
قاطعتها صرخة خرجت منها عندما جذبها من ذراعها بعنف واجبرها على الذهاب معه إلى السيارة ولم يبالي باحتجاجها.
قام بوضعها في السيارة وأغلق الباب خلفها كي لا تخرج منه، ثم التف ليتولى القيادة وانطلق بها.
***
وقف أمجد في شرفة غرفته يتنفس الهواء بأريحية.
فاليوم بإمكانه الخروج من المشفى بقلب آخر وبحياة هانئة مع من أحب.
سيذهب إليها ويعاتبها على تركها له.
حاول كثيرًا الوصول إليها لكنها كانت تأبى التحدث معه.
لا يعلم سببًا لذلك، لذا عليه معرفته ويجبرها على الرضوخ لعشقه مهما كلفه الأمر.
كم يشتاقها، وكم يود أن يملأ عينيه من محياها العاشق له، ويملأ صدره من رائحتها المسكرة كي يكتمل شفاءه.
أخبره الطبيب بأنه لن يستطيع التصرف بأريحية إلا بعد مرور عام، لكنه أبى ذلك وقاوم حتى استطاع الوقوف على قدمه في فترة وجيزة.
أيام قليلة وسيذهب إليها وسيعاقبها بطريقته، وهي واحدة فقط سيخبرها بها عندما يراها.
لم ينتبه في البداية لتلك التي تقدمت منه لتحاوط كتفيه بتملك مما جعله يرتد للخلف كي يبتعد عنها وقال بحدة:
_ أسيل أنا قلتلك مبحبش الحركات دي.
اغتاظت من صده الدائم لها وقالت بثبات رغم ما بداخلها من ضيق:
_ في إيه يا أمجد، إحنا مش مخطوبين؟
أغمض عينيه بضيق ورد بحدة:
_ لا مش مخطوبين، ولو نسيتي اللي عملتيه أنا ممكن أفكرك عادي.
تظاهرت بالحزن وهي تتقدم منه وقالت بزيف:
_ بس دي كانت غلطة وخلاص، ربنا شفاك وتقدر تكمل حياتك معي.
رفع حاجبيه مندهشًا من قولها:
_ بالبساطة دي؟ مشاعري اللي حطمتيها وتخليك عني في عز محنتي بتسميها غلطة وانتهت؟
ارتبكت لكنها لم تبد ذلك، فتقدمت منه أكثر تحاول التأثير عليه بأي طريقة.
_ أمجد أنا...
قاطعها وهو يبتعد عنها بغضب:
_ قلتلك مية مرة مش بحب الحركات دي، ياريت تبطليها بقى.
اشتد حنقها منه وتحدثت بحدة:
_ لسه بتفكر فيها؟ ما هي كمان اتخلت عنك في عز احتياجك ليها ومع ذلك هتموت وتشوفها.
نظر إليها مطولًا مندهشًا من حديثها مما جعله يؤكد لها كي تمحي الأمل في الوصول إليه:
_ فعلاً هموت وأشوفها بس عارفه ليه؟ لأنها فضلت جانبي، مسبتنيش لحظة واحدة، قامت معي بكل الأدوار. الطبيبة والأم والحبيبة، فمهما تعمل هلتمس لها ألف عذر لإني عارف كويس إن في أسباب كتير خلتها تبعد كده.
قطبت جبينها متسائلة:
_ وأنا؟!
تقدم منها وهو ينظر لداخل عينيها ليقول بلهجة صارمة:
_ أنتي انتهيتي من حياتي وقت ما عرفتي بمرضي وانسحبتي من غير حتى ما تودعيني.
تفاجئت بسفرك زيي زي أي حد، وبعدها لقيت والدتك بعتالي الدبلة في ظرف. تعرفي جرحتني قد إيه؟
هز رأسه بالنفي وأردف:
_ أكيد طبعًا متعرفيش، ومش هتعب نفسي وأشرحلك لإني مش مجبر. أنتي دلوقتي دكتورة وخلاص مهمتك خلصت ومفيش داعي لوجودك. ياريت تتفضلي بره دلوقتي عشان أغير هدومي.
نظرت إليه باستياء وهمت بالتحدث لكن نظرات الجمود التي رآتها في عينيها جعلتها تتركه وتخرج من الغرفة.
***
خرجت ليلى من غرفة العمليات وقد بدا عليها الإرهاق، فقد أصبحت فتاة أخرى لا تبالي بشيء سوى دراستها.
أصبحت أكثر انطوائية، إما في المشفى أو داخل غرفتها.
كانت تتبعها تلك العيون التي لم تكف يومًا عن التأمل فيها بجمالها الهادئ وعينيها التي يملؤها الحزن، لكن لم يشوب جمالها شائبة.
تقدم منه أحد الأطباء الذي ربت على كتفه قائلًا:
_ ريح نفسك بقى وكفاية صدها ليك كل شوية.
هز رأسه بيأس وهو ما زال ينظر إليها وقال:
_ حاولت كتير بس للأسف مش عارف، كل مدى بتعلق بيها أكتر. من وقت ما شوفتها في القطر وأنا هتجنن عليها لدرجة إني لما شوفتها في المستشفى مصدقتش نفسي.
تحدث زميله بامتعاض لعناده:
_ طيب شيلها من دماغك خالص، الصعيد لسه على نفس عاداتهم، جواز غريب.
رد باستنكار:
_ إزاي وأحمد زميلنا متجوز من الصعيد وكانت زميلته في الجامعة ومفيش صلة قرابة تجمعهم.
تنهد بيأس منه وقال:
_ ده لأن أبوها نفسه كان رافض حياة الصعيد وعاش في القاهرة. وبعدين مش كل الأماكن زي بعضها. في أماكن الصعيد تقدمت جدًا حتى في اللهجة، وفي أماكن تانية أشد وأصعب. أه هنا القرية متحريين شوية بس في الأول والآخر بتحكمهم أعراف. مش شرط جواز ابن العم بس المهم يكون منهم. ياريت تكون فهمت.
زم فمه بأسف:
_ لو بس تديني فرصة؟
_ ابعد ياحاتم وبلاش تضيع نفسك.
***
عاد جمال من عمله ليجد الجميع جالسًا في الحديقة، فيتقدم من والده يقبل يده وقال:
_ السلام عليكم.
رد الجميع السلام ثم تابع:
_ عندي ليك خبر زين جوي ياحاج.
ردت جليلة بحزن:
_ قول يا ولدي من زمان أوي مسمعناش أخبار زينة، قول وفرحنا.
جلس جمال بجوارهم وقال بابتسامة:
_ ليلى جالها عريس زين جوي ولد الحاج وهدان. راجع من السفر الأسبوع الجاي وهييجوا يخطبوها، قلت إيه يا بوي؟
تحدثت جليلة:
_ هيقول إيه في حاجة زي دي، لا وهدان ولا ابنه يترفضوا وهو كمان دكتور زيها ومكمل علمه بره.
قال عمران بهدوء:
_ اللي تشوفه يا ولدي، ليلى زينة البنات وقاسم محدش يقدر يقول فيه حاجة. بس المهم رأيها ولو وافقت على خيرة الله.
الجميع قدم رأيه إلا وسيلة التي احتل الحزن ملامحها على أولادها الذين أصبح حالهم يرثى له.
ليلى التي انعزلت عن الجميع ما بين المشفى وغرفتها ولا تعرف سببًا لذلك.
وجاسر الذي عاد لغرفته القديمة متخذها مأوى له بعد رحيله.
تذكرت حالته بعد رفضها العودة معه، وكيف أنه عاد في انهيار لم تراه من قبل.
فلاش باك.
دلف غرفته لتجده جالسًا على الفراش واضعًا رأسه بين يديه، وقد شعر بأن الدنيا اسودت في عينيه برفضها له.
تقدمت منه لتقول بتعاطف:
_ عملت إيه يا جاسر؟
أغمض جاسر عينيه يعتصرها بألم ثم رفع وجهه إليها وقد تجمعت العبرات فيهما وقال بألم:
_ رفضت.
تألم قلبها لآلمه فجلست جواره تربت عليه:
_ هي بردك لساتها مجروحة منك. هي كانت بتحاول تراضيك بأي شكل وأنت كنت بتجرحها في كل حاجة. وده طبعًا غير الصدمة اللي أخدتها من الدكتورة.
تألم بوجع وهو ينظر إليها بأسى:
_ تعرفي إن دي أكتر حاجة قتـ.ـلتني. إننا نعرف الحقيقة من دكتورة مع إن لو سبت مشاعري كنا هنتأكد بنفسنا وكانت كل حاجة اختلفت. مكنتش هظهر قدام نفسي وقدامها بالضعة دي وكان السر هيفضل بيناتنا ويمكن كانت حبتني. لكن بعد اللي حصل لقيت نظرات الاستسلام اللي كانت في عينيها كلها نظرات كره ورفض دمرني.
كان يتحدث والألم يمزق قلبه حتى تدحرجت الدموع على وجنته.
_ إني بحبها ومقدرش أعيش لحظة واحدة من غيرها بس مقدرش أقول إكدة لأني حسيت نفسي صغير أوي قدامها. خابريه ليه؟
تدحرجت الدموع من عين وسيلة عندما سمعته يردف:
_ لأني كنت بحسسها ديمًا إنها خاطية. كنت كل ما مشاعري تاخدني ليها كنت ببعدها باشمئزاز وأسيبها وأمشي. مـسمعتش مني كلمة حلوة. دلوقتي كانت واقفة قدامي بتبصلي بنفس النظرة اللي كنت ببصلها فيها. غضب وكره واشمئزاز.
نظر لوالدته وتابع بضياع:
_ قوليلي أنتِ لو مكانها إيه اللي يراضيها واني أعمله.
تمزق قلب وسيلة على ابنها الذي ينهار بين يديها ولا تعرف ماذا تفعل له.
وضعت نفسها مكان سارة التي ذاقت مع ابنها الهوان، ولتكون صادقة مع نفسها؛ لن تغفر ولن ترحم ضعفه، هي محقة في كل كلمة نطقت بها.
تعلم جيدًا بحقيقة مشاعرها تجاه ابنها لكن تعلم أيضًا بأنه من أوصلها إلى حد الهوان ولن تغفر له بسهولة.
_ للأسف يا ولدي إني لو مكانها مش هسامح ولا أغفر، بس مع الوقت ومع محاولتك أنت معها هتسامح. حاول مرة واتنين وتلاتة لحد ما تسامحك، واني واثقة إنها بتحبك وهتسامحك، زي ما هي اتحملتك أنت كمان لازم تتحملها.
تنهد جاسر بتعب:
_ هعتذر في كل دقيقة وفـ كل لحظة بس تغفر وتسامح.
طرق الباب وذهبت وسيلة لتفتح لتجده عمران الذي يتعكز على عصاه.
_ اتفضل يا عم.
نظر إليها عمران بمغزى مما جعلها تؤمئ له وتخرج من الغرفة.
كان جاسر يخفض عينيه بخزي من جده.
وبعد خروج وسيلة:
_ إيه يا جاسر هتفضل حاطت وشك في الأرض وسايبني واقف أكدة.
اهتزت نظراته وتقدم منه ليساعده على الجلوس:
_ اقعدي جامبي واحكيلي على كل حاجة من البداية.
حمحم باحراج وقال بثبوت زائف:
_ مفيش حاجة يا جدي، مشكلة بسيطة بتحصل بين أي اتنين وبكرة ترجع.
رفع حاجبيه متسائلًا:
_ وأنت فاكر إنك بعد اللي عملته ده ممكن تسامحك؟
رمش بعينيه يحاول فهم حديثها وتابع عمران:
_ لو فاكر إني عايش في البيت ده على عمايا تبقى غلطان يا ولدي.
تطلع إليه جاسر بشك مما جعل عمران يومئ له:
_ أيوه خابر كل حاجة من البداية، من وقت ما سمعتها بتتحدت في الجنينة وسمعت صوتك وأنت معها.
عقد حاجبيه مندهشًا وسأله بتوجس:
_ سمعت إيه؟
عاد عمران بظهره للوراء:
_ هتلاوع معي ولا هتتحدت زين؟
أومأ له باستسلام وجلس على المقعد المقابل له في وجوم.
لاحظ عمران آثار الدموع في عينيه مما جعله يرق قلبه حزنًا عليه وقال:
_ إني مش هلومك على أي شيء لإن اللي حصل حصل وانتهى بالتمسك العذر واشهد بشهامتك وفي نفس الوقت بشهد بقسوتك. بلتمسك العذر لإنك في الأول والآخر راجل وكنت صعب تقبل حاجة زي أكدة. كتمت سرها حتى عن أقرب الناس ليكم وشيلت حملها على أكتافك، وده اللي كان مخليها صابرة ومتحملة إهانتك ليها كل شوية. بس أنت كل مدى ما تتمادى في قسوتك عليها وكل ده كتمته جواتها. إني كنت مراقب كل تحركاتك وعارف إنك روحت له وملقتوش.
كان يستمع إليه وهو يقطب جبينه بدهشة وخاصةً عندما تابع:
_ يومها إني كنت خابر مكانه بس الشر اللي كان جوة عينيك خلاني أخاف ومنعت الرجالة يدخلوا. كنت خابر إنك هتأذي حالك وكان لازم أمنعك بأي طريقة. وأنت بتهورك أصريت إنك ترجع في الليلة دي ومحدش من الرجالة اللي بعتها وراك يعرف برجعتبس لما اتفاجئت بيك الصبح عرفت إنك مقدرتش تبعد عنها وخلاص على وشك إنك تسامحبس اللي حصل بعدها غير كل حاجة. معرفش إيه اللي حصل خلاك تعمل أكدة فيها، ولا أعرف ليه رجعت منهارة إكدة، بس لما ضغطت على وسيلة عرفت منها كل حاجة.
تطلع إليه بأسف وأردف:
_ واتصدمت في اللي ربيته على إيديا وعملت منه راجل افتخر بيه وبشهامته. لقيته استضعف بنت عمه اللي اتحامت فيه. واللي زاد أكتر ضربك ليها من غير ما تسمعها.
لم يتحمل جاسر عتاب جده مما جعله يدافع عن نفسه:
_ هو أنت ليه كلكم شايفيني شرير وقاسي أوي أكدة؟ ليه محدش منكم حط نفسه مكاني! إني مش ملاك، إني إنسان وليا طباعي. أنا حبيتها وكنت رايح أعترف بحبي ليها وأتغاضى عن اللي أبوها عمله زمان.
أكمل بوجع وانكسار:
_ بس اتصدمت بالمكالمة دي اللي هدمت كل حاجة. كسرتني بمعنى الكلمة. إني مهما كان راجل وصعب عليه مهما كان إنه يتحمل غلطة غيره، بس اتحملت وقررت أتزوجها لأسباب كتير مفيش داعي لذكرهالما اتقفل علينا باب واحد حسيت بالضياع وكنت مشتغلبي بيقولي انسى اللي حصل وخدها في حضنك وأبدأ حياة جديدة معها وعقلي يرفض ويفكرني باللي حصل. ورجعت تاني للأول إني أهاجمها عشان أتخلص من ضعفي قدامها. لحد ما وصلت لمرحلة الاستسلام. وقررت إني أنسى وأبدأ معها بس لما آخد حقها الأول.
تنهد بمعاناة وهو يتذكر ما حدث:
_ قدرت بعد معاناة إني أوصله واتصدمت لما ملقتوش لإني كنت متأكد من رجوعه. في الليلة دي مقدرتش أنام بعيد عنها وأصرت إني أرجع ليها. كنت راجع ومقرر إني هـخدها في حضني وأعتذر عن أي إساءة سببتهلها. ولما عملت الحادثة أصرت إني أرجع وأتداوى وأنا في حضنها. قلبي كان بيجبرني أرجع ورجعتبس هي المرة دي اللي صدتني، وسيبتها براحتها من غير ما أضغط عليها. لحد ما شفت الرسالة. متتخيلش القهر اللي حسيت بيه وقتها. قتلتني بمعنى الكلمة.
أخذ نفس عميق كي يهدئ به من روعه وتابع:
_ أي حد مكاني كان هيعمل اللي عملته وأكتر كمان. بس أنتوا حكمتوا عليا من غير ما تسمعوا. زي ما حكمت أنا عليها من غير ما أسمعها.
تدحرجت دمعة حارة لتكوي قلب عمران الذي يلتاع على حفيده وقال بحكمة:
_ اهدى يا ولدي واني واثق إن كل حاجة هتتحل ومرتك هترجع تاني، بس هي رايدة تفضل لحالها فترة أكدة لحد ما تهدي أعصابها. المهم أنت تتحملها زي ما اتحملتك.
نهض عمران ليربت على كتف حفيده وأردف:
_ متخافش كل حاجة هترجع أحسن من لول.
انتبه جمال على شرودها فنبهها:
_ وسيلة في حاجة؟
التفتت وسيلة إليهم وقالت:
_ ها.. لا أبدًا مفيش، إني بس سرحت شوية.
_ أومال فين جاسر؟
لاح الحزن على ملامح جليلة وأجابت بأسى:
_ جاسر راح لمرته يمكن ربنا يهديها وترجع معاه.
آمن جمال خلفها:
_ يارب. أنا عن نفسي تعبت من الكلام معها وهي بردك مصرة على رأيها.
قال عمران بحيادية:
_ سيبهم يا ولدي براحتهم، هيعاندوا شوية والاخر هيرجعوا لبعض تاني.
عادت ليلى من المشفى لتلقي عليهم السلام ثم تصعد إلى غرفتها كـ عادته.
نظرت وسيلة إلى جمال الذي يستطيع ببراعة إخفاء حزنه على أولاده أمام زوجته كي لا يحزنها أكثر من ذلك وتحدث بثبات:
_ ما تطلع تتحدت معاها.
ردت برفض:
_ اطلع أنت، إني لما بتحدت معاها بتعصبني وبنتخانق.
أومأ لها ثم نهض ليصعد خلفها.
دلف ليلى الغرفة لتجلس على المقعد بتعب وإنهاك.
فقد ضغطت على نفسها تلك الفترة بمحاولة فاشلة منها لنسيانه.
نظرت إلى هاتفها الذي أعلن بوصول رسالة أخرى منه لكنها لن تجيب.
ماذا ينتظر منها بعد أن أخفى عليها حقيقته؟ لما جعلها فريسة لعشقٍ خائن وهو مرتبطًا بأخرى؟
لكنها ابتسمت برضى فور إن رأت جمال يدخل مبتسمًا لها.
_ تعالي يا بابا اتفضل.
دنت منها جمال ليجلس بجوارها وقال بابتسامة عريضة:
_ هتفضلي حابسة حالك أكدة؟
حاولت إخفاء تلك الغصة التي تعلقت في حلقها وقالت بابتسامة زائفة:
_ ما أنت عارف الامتحانات لازم يكون التقدير عالي زي كل سنة.
أومأ دون تصديق لحديثها الذي يخفي الكثير خلفه لكن لن يضغط عليها ويتركها حتى تخبره بنفسها.
_ طيب إني عايز أتحدت وياكي في موضوع أكدة.
انتبهت له وسألته بقلق:
_ خير؟
طمئنها:
_ خير إن شاء الله. إني بس كنت عايز أقولك إن في عريس متقدم لك وكنت عايز آخد رأيك.
انقبض قلبها بخوف ونظرات والدها مصوبة عليها وكأنه ينتظر رد فعلها كي يؤكد شكه، فأصبحت محاصرة بين عينين والدها وقالت.