تحميل رواية «ومجبل علي الصعيد» PDF
بقلم رانيا الخولي
الفصل 20 — رواية ومجبل علي الصعيد الفصل العشرون 20 - بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
سقط عمران على المقعد وقد شعر بصعوبة بالغة في التنفس بعد تلك الصدمة التي تلقاها. وأي صدمة! فقد كانت صدمة قاتلة هزت ذلك الجبل الذي ظل ثابتًا رغم تلك المحن التي مرت عليه. كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده، وقد خسر كل شيء وأصبح خالي الوفاض. خسر ميراث أجداده والحائط المتين الذي كان مستندًا عليه، فينتهي به الحال داخل ذلك المنزل الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه. انتهى كل شيء الآن. زواج ابنه الأكبر، ومشروع ابنه الأصغر. كل ذلك تلاشى بعد أن كان بين يديه. شعر بنغزة حادة في قلبه وازدادت وتيرة تنفسه، فأصبح يت...
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل العشرون 20 - بقلم رانيا الخولي
لاحظ معتز شرودها طوال الطريق ونظرات الحزن التي لاحت داخل عينيها منذ أن ذهبت معهم إلى القاهرة وتعرفت عليه.
أخطأتَ، كان عليها الوقوع في حب ذلك الشخص الذي لن تجني من ورائه سوى الآلام. تعاطف معها بشدة، لكن ليس بيده شيء ليساعدها به.
تساءل: لما كتب على أولاد جمال أن يعيشوا عذاب الحب المستحيل؟
فسألها بتعاطف:
_ أمجد عامل إيه دلوقت؟
تطلعت إليه وهى على شرودها:
_ زي ما هو، مفيش جديد.
_ ليلى، انتي لو فضلتِ على حالتك دي قدامهم، أمك مستحيل تهملك، ترجعي تاني وأبوكي وقتها مش هيجي لها.
تنهدت بتعب ونظرت من نافذة السيارة. ليهز رأسه بيأس منها.
فسألته دون النظر إليه:
_ جاسر عامل إيه مع سارة؟
أجابها بحيرة:
_ والله ما أنا عارف إيه قصته معاها بالظبط، بس لو زي ما بيقول إنه رايدها خلاص، ربنا يسعده.
_ وعمك منصور مجاش؟
هز رأسه بنفي:
_ لسه ما جاش، بس جدك بيقول إنه ممكن ييجي النهاردة أو بكرة بالكتير.
اندهشت ليلى من عدم مجيئه وعادت تسأله:
_ معقول يبقى فرح بنته وميجيش!
رد معتز بحيرة:
_ أنا برضه مستغرب، ومش عارف الجوازة دي هتم على إيه، ده إن تمت أصلًا.
عادت ليلى إلى المنزل لتجد الجميع يستقبلها بحفاوة، مما جعلها تتناسى أحزانها قليلًا. بدأت في الاندماج معهم.
تلفتت حولها وهى تسأل:
_ أومال فين سارة ومصطفى؟
نزل مصطفى الدرج وهو يقول يجيب بهدوء:
_ أنا مصطفى، وإنتي أكيد ليلى.
أكدت ليلى وهى تنظر إليه بابتسامة:
_ أكيد طبعًا، مفيش غيري في البيت ده.
تقدم منهم ليقول بمرح:
_ خلاص مش هتبقي لوحدك، سارة هتكون معاكي على طول.
تلفتت حولها:
_ أومال هي فين؟
أجاب حازم بمزاح:
_ عاملة عروسة ومكسوفة مننا.
وكزته وسيلة في كتفه ونظرت لليلى:
_ هي فوق في أوضتك، اطلعيلها.
استأذنت منهم وصعدت إلى غرفتها وطرقت الباب حتى أذنت لها سارة بالدخول.
ولجت ليلى لتجدها جالسة على الفراش في وجوم، مما جعلها توقن بأن هناك خطب ما، فما تراه على ملامحها يؤكد ذلك.
فسألتها بمرح:
_ سارة، مش كده؟
نظرت سارة إليها ورسمت ابتسامة على وجهها وهي تجيب:
_ وإنتي أكيد ليلى.
رحبت بها بحفاوة ثم جلسوا على الفراش.
فتحدثت سارة باعتذار:
_ معلش بقى، أخدت أوضتك.
_ عادي ياحبيبتي، ولا يهمك، المهم مبسوطة معانا.
لاح الحزن على ملامحها لكنها أجابت بصدق:
_ ندمانة بس إني معملتش كده من زمان وجيت عشت وسطكم، وقتها كانت حاجات كتير أوي هتتغير.
تأكدت ليلى بوجود أمرًا تخفيه بداخلها، مما جعلها تسألها باهتمام:
_ يعني انتي وافقتي على جاسر عشان تفضلي معانا، ولا لإنك فعلًا مقتنعة بيه؟
لا تعرف لما شعرت بالراحة تجاهها وكانت تود أن تفيض بما تعانيه، لكنها لم تستطع.
فتجيب بإبتسامة لم تصل لعينيها، وهي تقول بصدق:
_ بصراحة، الاتنين. أولًا لإن جاسر فعلًا أي واحدة تتمناه. هو صحيح عصبي حبتين،
شردت بخيالها.
_ بس راجل يعتمد عليه، تقدري تقولي سند بمعنى الكلمة، حتى لو على حساب نفسه.
تذكرت نظراته المبهمة لها، لا تعرف إذا كانت لوم أو عتاب.
_ والسبب الثاني إني عايزة أفضل هنا، ودي الطريقة الوحيدة اللي هتخلي بابا يسيبني معاكم.
التمست ليلى الصدق في مشاعرها، فسألتها بتوجس:
_ مش هتحني في يوم للعيشة في المدينة والأجواء دي؟
هزت رأسها بالنفي وتحدثت:
_ أنا من النوع اللي بحب الهدوء وأجواء الريف، وجو العيلة والحياة دي. يعني لو فاكرة إني مش هقدر أكمل، فبقولك متقلقيش.
ابتسمت ليلى بسرور وربتت على يدها وهي تقول بسعادة:
_ طيب، أنا هدخل آخد شاور سريع كده وأطلع أجهز أحلى عروسة، تنور البيت والنجع كله.
هزت سارة رأسها بابتسامة عريضة ودلفت ليلى المرحاض.
في الأسفل، كان الجميع على قدم وساق لأجل الحنة التي أقامها جمال في حديقة منزله استعدادًا لتلك الليلة.
طرق الباب ليفتح جاسر، كعادته، ويتفاجأ به أمامه.
لم يبدِ أي رد فعل على ذلك البركان الذي يفور بداخله،
خاصةً عندما وجده ينزع نظارته الشمسية وهو يلقي السلام بهدوء:
_ السلام عليكم، انت أكيد جاسر.
أومأ له جاسر محاولًا التحلي بالصبر حتى يمر ذلك الزفاف وأشار له بالولوج:
_ وعليكم السلام، أيوة أنا، اتفضل.
ولج منصور وبداخله رهبة من ذلك المكان الذي غاب عنه أعوام عديدة.
لتسمر مكانه وقد انخفق قلبه وهو يرى والداه أمامه وقد ألجمتهم الصدمة وجعلتهم غير قادرين على النطق وهم يروا فلذة كبدهم بعد طول غياب أرهق كلاهما.
كانت لغة النظرات هي السائدة في تلك اللحظة.
نظرات تحمل العتاب لذلك القلب الذي رحل دون حتى وداع، وترك خلفه قلوب تتحرى شوقًا لرؤيته.
لذلك العقل الذي سعى خلف الأنانية وحب الذات.
ساد الصمت بين الجميع.
عمران يحاول بصعوبة بالغة الثبات أمام تلك الرغبة التي تحثه على أن يتناسى كل شيء وينعم بتلك اللحظة التي حلم بها وتمناها بشدة.
لكن لن يبادر بذلك حتى يرى مبادرته هو.
أما جليلة فقد شعرت بقدميها كالهلام ولم تستطيع الوقوف أكثر من ذلك، لتخونها قوتها الزائفة وتسقط على المقعد وهي تقول بوله:
_ ولدي.
أسرع الجميع إليها، ولكن تلك المرة يد منصور كانت الأقرب إليها.
_ أمي، إيش حالك على ركبتيه أمامها وسألها بلهفة:
_ أمي، إنتي كويسة؟
تساقطت دموعها وهي تنظر إليه بإشتياق وعينيها تمر على ملامحه بلوعة. رفعت يدها لتمريرها على ملامحه وكأنها تتأكد بأن العين لم تخطئ، وها هو ذا قابعًا أمامها بعد تلك الأعوام التي بكتها خفية كي لا تحزن أباه الذي كان أيضًا ما إن تأتيه الفرصة حتى يأن قلبه شوقًا لولده.
_ ولدي.
قبل منصور يدها بحب وهو يقول:
_ كيفك يا أمي؟
تطلعت إليه بولة وعيناها تجول ملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب مهما غيرته السنين:
_ زينة، ما دام شوفتك يا ولدي.
أحتضنته جليلة بكل الشوق الذي أرقها أعوام وأعوام، وكلما جذبته إليها كلما زاد الشوق إليه.
التفت ذراعاى منصور حولها لينعم بذاك الدفء الذي افتقده كثيرًا منذ أن رحل.
واكتشف أنه هو الخاسر الوحيد من بينهم.
ابتعد عنها كي ينظر إلى والده الذي لم تسعفه قدماه على الوقوف، فمال عليه يقبل يده ورأسه:
_ كيفك يا بوي؟
لا يعرف عمران لما صوب نظراته إلى جمال وتذكر ما عاناه بسببه، لكن جمال أشار له بعينيه أن يتناسى كل شيء، فأجابه بلهجة، رغم العتاب الذي تحمله، إلا إنها أيضًا تحمل شوقًا وولعًا له:
_ الحمد لله يا ولدي، زين.
نهض منصور من أمام والده ليجد جمال، ذلك الدرع الذي يتحامى به الجميع وأولهم هو.
ابتسامته التي تبث الراحة والطمأنينة في داخل من يراها، فيشعر في تلك اللحظة أنه مهما علا وكبر، سيظل دائمًا ذلك الصغير الذي يأخذ أخاه دائمًا درعًا له.
لم يتغير، بل زاده الشيب صلابة وقوة، وكلما كبر كلما زاد وقارًا وشدة.
كانت تلك اللحظة بينهم خاصةً بحديث القلوب، فيبادر ذلك القلب الصافي باحتضانه وهو يتحدث بصدق:
_ نورت النجع يا خوي.
أجابه منصور وهو يحتضنه بشوق:
_ منورة بناسه.
توجه بنظره إلى جاسر الذي يرمقه بجمود وتحدث:
_ ازيك يا جاسر.
أومأ له بجمود وتحدث بثبات:
_ أهلًا بيك في نجعنا.
أحم حم جمال بإحراج من رعونة ابنه وقال برجاحة:
_ تعالى، لما أعرفك على الباقي.
لم يختلف حال توأمه عن حال جاسر وأبيهم، يقدمهم له.
أما مصطفى فقد صافحه ببرود لم يعهده به من قبل.
فسأله:
_ أومال أختك فين؟
أجابت وسيلة هذه المرة:
_ فوق مع ليلى في أوضتها.
أومأ لهم ثم جلسوا جميعهم، إلا جاسر الذي استأذن منهم كي يرى العمال بالخارج.
❈-❈-❈
خرجت ليلى من المرحاض وهي تحاول تجاهل اشتياقها له وقلقها عليه، فحتى الآن لم تهاتفه مرة واحدة.
خرجت لتجد سارة كما تركتها جالسة على الفراش في وجوم.
يبدو أن حالها ليس بأفضل حال منه.
تظاهرت ليلى بالمرح وهي تقول:
_ إيه ياعروسة، هتفضلي قاعدة كده؟
رفعت عينيها لتنظر إليها وقالت:
_ أعمل إيه؟
اندهشت ليلى وجلست بجوارها على الفراش:
_ النهاردة حنتك يابنتي، وكلها ساعتين بالكتير وهتلاقي البيت مليان ناس جاية تبارك، ولو شافوكي بالحالة دي هيقولوا إننا خاطفينك.
لم تستطع الثبات أكثر من ذلك وبدأت العبرات تتجمع داخل مقلتيها.
لم تتحدث ليلى، بل جذبت رأسها داخل أحضانها وربتت على رأسها بحنو.
أما سارة فقد كانت تبكي بشدة على كل شيء، على صدمتها في والديها وتخليهم عنها في أكثر الأوقات احتياجًا لهما، وعلى صديقتها التي غدرت بها وتركتها لأخيها ليستحل عرضها على زوجٍ فرضته الأيام عليها، مجبرةً عليه ومجبراً عليها.
أزاحت ليلى خصلاتها عن وجهها وتطلعت بها تسألها ببريئة:
_ مالك ياسارة؟ احكي وأنا أوعدك إنه هيفضل سر بيني وبينك.
أغمضت عينيها بشدة، وددت لو لم تمتلك الجرأة لتقص عليها ما حدث، لكنها حقًا لن تستطيع.
ابتعدت عنها قليلًا وهي تمسح دموعها:
_ صدقيني، مفيش حاجة، بس أنا ما تخيلتش إنهم هيتخلوا عني في الوقت ده، أنا فعلًا محتاجاهم.
ربتت على يدها وهي تقول بتعاطف:
_ معلش، محدش عالم بظروفهم، وبعدين معتز قالي إن باباكي جاي النهاردة وأكيد مامتك معاه، متقلقيش.
يلا بقى قومي خدي شاور لحد ما أجهز لك الفستان اللي هتلبسيه.
لم تنهض سارة، فقامت ليلى بجذبها:
_ يالا بقى، مفيش وقت.
ابتسمت لها بامتنان ودلفت المرحاض.
بعد وقت قصير خرجت سارة من المرحاض فوجدت ليلى تخرج الملابس من الخزانة فسألتها بحيرة:
_ فيه إيه يابنتي؟
ردت ليلى بغيظ وهي تواصل بحثها:
_ بدور على فستان بدل فستان العزا اللي انتوا شارينه ده.
ظلت تواصل البحث حتى عثرت عليه في أحد الحقائب، فأخرجته بسعادة وهي تقول:
_ أخيرًا لقيته.
قامت بفرده على طول الفراش لتنبهر سارة بروعته وبلونه الأوف وايت الساحر.
_ قولي بقى إيه رأيك؟
هدأ انبهارها عندما لاحظت أنه عاري الأكتاف والذراعين:
_ الفستان ده جميل جدًا، بس عريان أوي، وممكن عمو وجاسر ميوفقوش.
_ من الجهة دي اطمني، مفيش حد من الرجالة بيدخل عند العروسة إلا جاسر، ووقتها نخلي شال جنبك لو هتتكسفي منه.
قالت بتردد:
_ بس…
قاطعتها ليلى بإصرار:
_ مفيش بس، الفستان طويل ومش مبين غير الأكتاف ومحلولة إن شاء الله، أنا أصلًا كنت اشتريته أون لاين لأنه عجبني وقلت أخليه لأي مناسبة وجات خلاص أحلى مناسبة.
تطلعت سارة إليها بامتنان وقالت بحب:
_ أنا عشت طول عمري أتمنى أخت، والحمد لله لقيتها أخيرًا.
ابتسمت لها بود وقالت بصدق:
_ بس إحنا أصلًا أخوات من زمان وخلاص اتلاقينا.
أنا هكويه بسرعة، وانتي اختاري حاجة على ذوقك ليا لحد ما أخلص.
أومأت برأسها ونظرت إلى الملابس الموضوعة على الفراش وأخذت تختار منها.
❈-❈-❈
في المشفى، جلس فارس بجوار أمجد يتحدث معه عن أمور العمل وما توصلوا إليه، فشعر بأمجد شاردًا وفي عالم آخر.
فتحدث بخبث:
_ اللي واخد عقلك؟
نظر إليه أمجد ليسأله:
_ هو مين اللي واخد عقلي؟
رفع حاجبيه وهو يجيب بمكر:
_ طبيب القلوب اللي هرب من مصر من غير وداع.
شرد أمجد وقد لاح الحزن على ملامحه وهو يقول:
_ فراق أيام وعمل فينا كده، ياترى بقى هي هتعمل إيه بفراق العمر كله؟
ألمه رؤية اليأس في عين صديقه وقال بثقة:
_ إن شاء الله مش هيكون فيه فراق وهتعيش معاها العمر كله.
ابتسم بحزن وهو يقول بصوت يأس:
_ ما أظنش، أنا حاسس إن النهاية قربت، وعشان كده رفضت إني أشوفها قبل ما تمشي، كنت خايف تكون آخر مرة.
تحدث فارس بتفاؤل:
_ إن شاء الله مش هتكون آخر مرة، ليلى بنت حلال وتستاهل إنك تقاوم عشانها.
تنهد أمجد بتعب:
_ هي تستاهل أكتر من كده بكتير، بس للأسف دي حاجة مش بإيدي.
دخل والده ليتطلع إليه بسعادة بعد أن فارق غرفة العناية وتم نقله في غرفة عادية بعدما أصر على تركها.
_ عامل إيه دلوقت يا أمجد؟
أجاب أمجد بابتسامة لوالده:
_ بخير يا بابا، الحمد لله.
جلس على المقعد بجواره:
_ يستاهل الحمد، أومال فين دكتورة ليلى؟ مش شايفها النهاردة.
_ سافرت الصعيد عشان فرح أخوها.
تذكر صابر أمر دعوتهم:
_ آه صحيح، دا جمال اتصل عشان يدعينا بس اعتذر.
قال أمجد بعتاب:
_ ليه بس يابابا، كان لازم تروح.
ربت صابر على كتفه قائلاً:
_ تتعوض إن شاء الله وتبقى الفرحة فرحتين.
آمن فارس:
_ يارب يا عمي ونشوف أخت ليها وتبقى تلاتة.
ضحكوا جميعًا إثر دخول عصام الذي سألهم:
_ بتضحكوا على إيه؟ ضحكوني معاكم.
قال صابر:
_ بنقوله شد حيلك عشان نخطبلك لاحسن العروسة تطير من إيدينا.
تابع عصام فحصه وقال بثقة:
_ لا من الجهة دي أطمن، أنا ضمنتها.
نظر إلى أمجد وتابع بمكر:
_ ولا إيه يا أمجد؟
رد فارس بمكر:
_ شكله مالي إيده عـ الآخره.
اقترح صابر:
_ طيب إيه رأيك نروح نخطبها دلوقتي وبعد العملية يبقى نعمل الفرح؟
نظر لعصام وسأله:
_ هي هتخرج إمتى؟
زم عصام فمه ونظر لصابر بعتاب، فما يقوله هو المستحيل بحد ذاته، ويبدو أن أمجد يعلم حالته جيدًا إذ أجاب والده:
_ لأ يابابا، مينفعش اللي انت بتقوله ده، هنروح نقولهم إيه؟ هحجز بنتكم لحد ما أشوف ابني هيموت ولا يعيش، إن عاش خير وبركة، وإن مات مش خسرانين حاجة!
اهتزت نظرات صابر، فهو لم يفكر بتلك الطريقة، هو نظر للموضوع من جهة أنه رجل صعيدي ولا يقبل علاقة ابنه مع ليلى التي يعرف أهلها جيدًا ويريد أن تكون علاقتهم في النور.
_ أنا مفكرتش كده، كل الحكاية إني عايز علاقتكم تكون في النور ومن غير ما تحس بتأنيب ضمير إنك بتـ...
قاطعه أمجد بثبات:
_ بس إحنا مفيش علاقة بينا في الضلمة عشان نخليها في النور، كل الحكاية علاقة دكتورة بالمريض بتاعها، آه بحبها وأتمناها تكون شريكة حياتي، بس مش وأنا راقد على السرير؛ ومش وأنا داخل بيتهم متسند.
إن شاء الله لو ربنا كتب لي عمر هدخل البيت من بابه وأنا ماشي على رجلي.
تحدث عصام بجدية:
_ كفاية كده يا جماعة وخلوه يرتاح شوية.
نظر إلى أمجد وأردف:
_ ياريت متفكرش في أي حاجة غير صحتك.
أومأ أمجد بصمت ثم خرجوا جميعًا من الغرفة.
❈-❈-❈
دلف منصور غرفته ليجدها كما هي منذ تركها، لم يتغير بها شيء.
مكتبه والكتب التي تركها عليه.
فراشه وكأنه تركه أمس.
خزانته، ملابسه التي تركها بها قبل سفره.
وقف ينظر إلى أربعة جدران شاهدوا آخر لقاء مع أخيه عندما طالبه بتلك النقود.
وكم كان غـ…
أنكر، لا لم يخطئ بشيء، كل ما في الأمر أنه تمسك بحلمه ليس أكثر ولا أقل.
نعم لم يخطئ، وأكبر دليل على ذلك نجاحه ونجاح أخيه أيضًا.
تعب قليلًا لكنه كُفئ بعدها.
هكذا أخمد ضميره الذي عاد يستيقظ من جديد.
فرغ حقيبته ودلف المرحاض ليقف أسفل المياه.
وتذكر كلماته معها عندما أخبرها بذهابه لزفاف ابنتهم.
فلاش باك.
بعد انتهاء العزاء، طرق منصور باب غرفتها ليجدها جالسة على المقعد بوجوم.
فتقدم منها ليتحدث بجدية:
_ أنا مضطر أسافر البلد عشان فرح سارة، هتيجي معايا ولا لأ؟
لم يزيدها كلماته سوى ازدراء من ذلك الشخص الذي لا يهتم بأحد إلا بما يريد هو.
فسألته بهدوء:
_ انت عرفتهم بوفاة بابا؟
رد ببساطة:
_ لأ، لإن مينفعش أقول لهم، وهي حنتها بكرة.
نظرت إليه باشمئزاز، لا تجد الكلمات التي تصف مدى الخزي الذي تشعر به تجاهه:
_ وانت مستني أروح معاك أحضر فرح بنتي اللي أنا مش موافقة عليه، وكمان وبابا متتكملش تلات أيام؟
تحولت ملامحها إلى بغض وكراهية:
_ انت إيه يا أخي، معندكش دم؟
زم منصور فمه بغضب وهدر بها بتحذير:
_ احفظي لسانك يا إما...
قاطعته سمر بحدة:
_ يا إما إيه! هتعمل إيه أكتر من اللي عملته؟
أنا مخنتكش يا أستاذ، أنا بس كنت بأمن نفسي، لأنك ملكش أمان. كل ما كنت أشوف قسوتك على أهلك كنت بخاف منك أكتر، وعشان كده كان لازم أأمن نفسي من غدرك.
انت فاكر إنك مصدق إن جوازة بنتك لابن أخوك مالكش غرد منها؟
لأ، أنا واثقة كويس، وكويس أوي كمان، إن موافقتك دي وراها مصلحة، عشان توصل بيك الحقارة إنك تدخل بنتك فـ...
صفعة قوية سقطت على وجهها كادت أن تسقطها أرضًا، لكن يده التي جذبتها من خصلاتها منعتها من السقوط، وقال بفحيح كفحيح الأفعى:
_ أنا ساكت من بدري ومراعي حالتك، بس إنها توصل لإهانتي، فأنا أدفنك زي ما دفنت أبوكي، وزي ما قولتي مليش عزيز ولا غالي بعد مصلحتي. بنتك أنا ببعدها عنك عشان مش عايزها تبقى نسخة تانية مني ومنك.
أما بالنسبة للمصلحة اللي من ورا الجوازة دي، فيكفي أنها هتعيش في نفس المستوى اللي عايشة فيه، وكمان من إنسان مش هيطمع فيها وهيصونها. أنا مسافر الصبح، عايزة تيجي معايا اتفضلي، مش عايزة يبقى براحتك.
أزاحها من أمامه حتى سقطت على المقعد خلفها.
وخرج منصور صافقًا الباب خلفه بحدة.
باك.
عاد منصور على صوت الباب فأغلق صنبور المياه وارتدى ملابسه وخرج من المرحاض ليفتحه.
فيجد مصطفى واقفًا ينظر إليه بعتاب واضح:
_ تعالى يا مصطفى.
دلف مصطفى الغرفة منتويًا التحدث مع أبيه فيما عرفه، أشار له منصور بالجلوس وجلس بجواره ليربت على ساقه قائلاً:
_ انبسطت في الصعيد؟
أومأ مصطفى برأسه دون قول شيء، وكأنه متردد هل يصارحه بما سمعه؟ لكنه يخشى أن يكون سببًا في إلغاء الزواج،
مما جعله يتراجع ورد بإقتضاب:
_ أكيد.
اندهش منصور من وجومه وسأله بقلق:
_ مالك، في حاجة مزعلاك؟
الهدوء الذي يتحدث به جعله لا يستطيع الصمود أكثر من ذلك و……