تحميل رواية «وهم على هيئة قدر» PDF
بقلم ميادة زكي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
"بنام عشان مرهقة شوية." كان ده ردي البسيط على سؤال أختي، كالعادة باختصر كل أسبابي في كلمتين، حتى لو مكنتش دي الحقيقة. أصل هقول إيه؟ ومين هيفهمني؟ الحقيقة إني بنام بس عشان أشوفه... أشوفه وألمسه، حتى لو في حلم بسيط. حبيب قلبي اللي صورته محفورة في خيالي وقلبي، رغم إننا عمرنا ما تقابلنا… ويمكن حتى ما يكونش ليه وجود! أيوه، رسمت شخصية خيالية في دماغي، شخص يفهمني، يحتوي ضعفي، يهون علي، وكأنه خُلق بس عشان يكون لي. معرفش ده جنون ولا مجرد هروب، لكني كنت مبسوطة كده، متمسكة بالوهم اللي صنعته لنفسي. وفي يوم،...
رواية وهم على هيئة قدر الفصل الأول 1 - بقلم ميادة زكي
"بنام عشان مرهقة شوية."
كان ده ردي البسيط على سؤال أختي، كالعادة باختصر كل أسبابي في كلمتين، حتى لو مكنتش دي الحقيقة. أصل هقول إيه؟ ومين هيفهمني؟
الحقيقة إني بنام بس عشان أشوفه...
أشوفه وألمسه، حتى لو في حلم بسيط.
حبيب قلبي اللي صورته محفورة في خيالي وقلبي، رغم إننا عمرنا ما تقابلنا… ويمكن حتى ما يكونش ليه وجود!
أيوه، رسمت شخصية خيالية في دماغي، شخص يفهمني، يحتوي ضعفي، يهون علي، وكأنه خُلق بس عشان يكون لي. معرفش ده جنون ولا مجرد هروب، لكني كنت مبسوطة كده، متمسكة بالوهم اللي صنعته لنفسي.
وفي يوم، وأنا بفتح الإنستجرام وبسكرول كالعادة،
لقيته!
اتصدمت...
لقيت أكونت يشبهه بكل تفصيلة رسمتها في خيالي.
معقول يكون ليه وجود حقيقي؟
إزاي صورة في دماغي تتحول لشخص حي من لحم ودم؟
بدأت أخد نفسي ببطء، دي كانت أكتر حاجة بتتمناها، لكن الغريب... إني خفت!
مليون سؤال لف في دماغي:
أعمل فولو؟ أكلمه؟ ولا أكتفي بوجوده في أحلامي؟
حاولت أهدي تفكيري، دخلت الأكونت، فضلت أتأمل صوره...
نفس الضحكة اللي كانت بتخطفني، نفس الكاريزما اللي أسرتني، نفس الملامح اللي رسمتها جوه عقلي… كل تفاصيله الجميلة كانت موجودة.
سرحت فيه، كأني في حلم جميل، تخيلت لحظة لقائنا على أرض الواقع، حسيت بنفسي فراشة طايرة في كل أرجاء الغرفة...
بس لحظة نشوتي ما طولتش.
فقت من شرودي على خبر وقعني من سابع سما لسابع أرض..
---
ومن هنا تبدأ حكايتي...
أنا ميرنا، عندي ٢٣ سنة، خريجة كلية تجارة.
عايشة مع أمي وأختي "فريدة"، اللي لسه بتدرس في كلية تمريض.
بعد وفاة بابا، حياتنا اتشقلبت.
عمي ما ضيعش وقت، واستولى على كل حاجة باسمنا، بحجة إننا ستات ومش هنقدر نشيل مسؤولية.
ومع إن بابا كان عنده شركة صغيرة بتوفر دخل كويس، عمي استغل غيابه واستولى عليها، ومبقاش يوصلنا منها غير شوية فتافيت بيبعتهم من باب الذوق—أو بالأحرى من باب "الذل".
من ساعتها، أمي قررت تبعد بينا عن أي مشاكل أو صراعات، وسكنا في حارة بسيطة، يمكن الحياة مش مريحة، لكن على الأقل عايشين بكرامتنا.
أمي شايلة كل حاجة على كتفها لوحدها، ست جدعة وقوية، وأنا بحاول أساعدها بأي طريقة.
اشتغلت كذا شغلانة بسيطة، بس كنت دايماً بحس إن في حاجة ناقصاني…
حد يحتوي أحلامي، حد أشوف فيه الأمان اللي فقدته، حد… زيه.
بس الظاهر إن القدر كان بيجهزلي مفاجأة…
والأيام الجاية كانت مليانة بحاجات عمري ما كنت أتخيلها.
رواية وهم على هيئة قدر الفصل الثاني 2 - بقلم ميادة زكي
خاطب؟!
ضحكت بخذلان، وكأن الدنيا بتأكد لي إن الحلم اللي بنيته في خيالي كان مجرد وهم.
أخيرًا لقيت الشخص اللي كنت بتمناه… بس طلع مش ليا!
الغريب إنه منزلش غير صورة واحدة تدل على خطوبته، وبس!
بس ولا دا فارق معايا قد فكرة إنه مش هينفع يكون ليا...
قمت توضيت وصليت الظهر، وسرحت في أفكاري:
"ليه ربنا ممكن يزرع في قلبك حب شخص هو مش ليك؟
ولا يمكن يكون ده وهم… وأنا اللي صدّقت؟"
وفُقت على صوت موبايلي بيرن باسم رنا.
(رنا صحبتي شبه الوحيدة، عرفتها صدفة في الجامعة، ومن ساعتها وهي مشاركاني كل حاجة.
باباها رجل أعمال معروف، وعايشة معاه هي ومامتها، وعندها أخ في كلية طب.
حياتهم مستقرة نوعًا ما، بس هي دايمًا كانت حنينة وواقفة جنبي.)
رنا: شوفتي البوست اللي بعتهولك؟
ميرنا: لا، ماله؟
رنا: طالبين بنات يشتغلوا محاسبين وسكرتيرات في فرع شركة لسه فاتح جديد.
ميرنا: أيوه يعني إيه؟
رنا: افتحي مخك معايا، إحنا خريجين تجارة… يعني إيه؟
ميرنا: فراخ بانيه؟ ههههه، بهزر، تقصدي نروح نعمل إنترفيو؟
رنا: بعيدًا عن دمك التِقل، أيوه يا أختي!
ميرنا: ماشي يا سُكرة، انزلي إنتي، لأني مفصولة ومش قادرة أتحرك.
رنا: بطّلي دلع، وقومي، خلينا نطلع بأي حاجة من الكلية دي.
ميرنا: حاضر، هجهز وأكلمك.
رميت الموبايل وأنا بتأفف.
معنديش شغف أروح أي مكان… بس هو معقول السبب راجل؟!
قُمت وقررت أبدأ من جديد… كالعادة.
لبست فستان بيبي بلو مزين بفراشات صغيرة زرقاء، فردت شعري، وحطيت توكة بسيطة في النص، وميكب خفيف.
خرجت من أوضتي، لقيت أمي واقفة بصينية الفطار.
الأم: إيه الحلاوة والجمال ده؟
ميرنا: بالله عليكي يا ماما، سبيني، أنا مش طايقة نفسي.
الأم: ليه كده، يا قلب أمك؟ كُلي السندوتشات اللي عملتها وهتبقي زي الفل.
ميرنا: لأ، لازم أنزل، عندي إنترفيو.
الأم: إنترفيو؟
ميرنا: آه، نسيت أقولك، لسه واخدة القرار. لما أرجع هفهمك.
الأم: طيب، حاولي متتأخريش، عشان عمك رن عليا وقال إنه جاي.
ميرنا: جاي ليه؟ جايب الملاليم اللي بيبعتهم كل شهر؟
الأم: مش عارفة، بس شكله جاي يتكلم في حاجة مهمة.
ميرنا: (بسخرية) مهمة؟ عمره ما جاب غير الهم!
الأم: مهما كان، هو عمك، ومش عايزة مشاكل.
ميرنا: مشاكل إيه يا ماما؟ بعد اللي عمله؟ عموماً، لو جه قبل ما أرجع، متدخليش معاه في أي كلام.
الأم: طب ما تستني محمد ابن خالتك يوصلك بالمرة، هو زمانه جاي.
ميرنا: لا لا، رنا هتعدّي عليّا، وانتي عارفة إني مش بحب أتعامل معاه.
نزلت من العمارة… ولسوء حظي، لقيته واقف قدامي.
محمد: صباح الخير يا رنون.
ميرنا: صباح النور.
محمد: على طول مستعجلة؟ حتى على ابن خالتك؟
ميرنا: مستعجلة على شغلي يا محمد.
محمد: لو مستعجلة على الشغل، كنتِ قبلتي أوصلك.
ميرنا: مش لازم توصيلات، رنا مستنياني.
مشيت بسرعة، لكني حسيّت بنظراته ورايا…
نظرات فيها حاجة مش قادرة أحددها، يمكن تعلق؟ يمكن إحباط؟
بس حاولت أقنع نفسي إني مش مهتمة.
ركبت المواصلات، وقابلت رنا عند باب الشركة.
رنا: جاهزة؟
ميرنا: ولا جاهزة ولا نيلة، وشكلي هترفض.
رنا: تترفضي إيه يا حلوة؟ ده مدير الشركة لو شاف الحلاوة دي، هيتجنن!
ميرنا: اتنيلي.
رنا: طب هتشوفي… يلا، دورنا قرب.
فضلنا قاعدين لحد ما دخلت واحدة شبه عارضات الأزياء، وقالت:
"رنا أحمد، وميرنا زكي."
رنا: يلا يا ميرنا، دورنا.
مشينا ودخلنا المكتب، قلبي كان بيدق بسرعة.
رفعت عيني ببطء… وعيني وقعت عليه.
هو!
نظرتنا اتلاقوا للحظة… لحظة واحدة، بس الزمن فيها وقف.
أكتر حاجة كانت مُرعبة بالنسبالي مش فكرة إنه قدامي من غير شاشات ولا مسافات،
الرعب الحقيقي إنه شايفني زي ما أنا شيفاه!
يا ترى دي صدفة؟ولا القدر لسه بيكمل لعبته معايا؟
رواية وهم على هيئة قدر الفصل الثالث 3 - بقلم ميادة زكي
أحيانًا، نحاول الهروب من شيء معين، نحاول دفنه داخلنا ونقنع أنفسنا أنه لم يعد مهمًا… لكن القدر يملك طريقته الخاصة في إعادتنا إلى النقطة التي هربنا منها. لحظة واحدة كفيلة بتغيير كل شيء، وكأن الحياة تُعيد ترتيب أوراقها بطريقة لا نفهمها.
عارفين لما تحاولوا تبطلوا تفكروا في حاجة معينة، وفجأة تلاقوها قدامكم في وشكم؟
هو دا اللي حصلي بالضبط!
كنت داخلة الإنترفيو، متوترة وعقلي شغال بأقصى سرعة…
يا ترى هقبل ولا لأ؟ المكان دا مناسب ليَّ؟ المرتب كويس؟
لكن كل الأفكار دي طارت من دماغي في اللحظة اللي وقعت عيوني فيها عليه.
هو!
فضلنا باصين في عيون بعض، والغريب إنه كان سرحان فيا كأنه بيشبه عليا أو عارفني من سنين… ملامحه ثابتة، بس عيونه كانت بتتكلم. مش قادرة أحدد، هل دي نظرة اشتياق؟ ولا غرابة؟ ولا إعجاب؟ ولا يمكن هو بيبص لكل الناس كده؟
فُقنا من الشرود على صوت السكرتيرة وهي بتتكلم باحترافية:
– "يا فندم، نبدأ الإنترفيو معاهم دلوقتي؟"
هو اتجنبها تمامًا، وبصلي تاني بنفس النظرة اللي مش قادرة أفهمها، وقال بصوت هادي بس كان فيه حاجة مختلفة:
– "اسمك إيه؟"
رديت بكسوف ووشي في الأرض:
– "ميرنا… اسمي ميرنا ذكي."
ارتسمت على وشه ابتسامة خفيفة:
– "اسمِك جميل يا ميرنا، و..."
لكن قبل ما يكمل، موبايله رن.
أخده ومشي بعيد وفضل يتكلم، ولما رجع قال بحدة لسكرتيرته:
– "وقفي كل الإنترفيوهات، مابقاش ليهم لازمة."
السكرتيرة باستغراب:
– "مين اللي حضرتك اخترتهم يا أستاذ عمرو؟"
– "قدامِك أهو… خدي أوراقهم، ومن بكرا هيبدأوا شغلهم."
السكرتيرة اتلخبطت شوية:
– "بس يا فندم…!"
بصلها بحدة:
– "بس؟ انتِ هتعترضي على شُغلي؟"
السكرتيرة بسرعة:
– "لا طبعًا، تمام يا فندم."
خدت الـ CV بتاعنا ونزلنا.
---
في الطريق:
رنا كانت مستمتعة باللي حصل أكتر مني:
– "إيه يا بنتي! المدير مكنش شايل عينه من عليكي! قلتلك لو شافك هيتجنن."
بصتلها باندهاش:
– "إيه دا! هو دا المدير؟"
رنا هزت كتفها:
– "مش متأكدة، بس غالبًا هو… بس مش مهم، شفتي كان سرحان فيكي إزاي؟"
ضحكت بسخرية:
– "أكيد شبه حبيبته اللي ماتت."
لكن الحقيقة… أنا نفسي مش عارفة ليه قلبي دق بالمنظر دا. ليه حسيت كأني بعرفه بجد، رغم إن دي أول مرة أشوفه؟
---
في البيت:
فتحت الباب ودخلت:
– "السلام عليكم."
الأم: "وعليكم السلام."
العم: "أهلًا يا بنت أخويا، نورتي بيتي."
بصتله بسخرية:
– "بيتك؟ من إمتى بقى؟"
ابتسم بثقة:
– "من ساعه ما أبوكي تنازل عن كل حاجة مقابل إنه يشاركني في الشركة."
رفعت حاجبي بسخرية:
– "آه، والشركة اللي استوليت عليها وبتبعتلنا منها ملاليم آخر الشهر؟"
الأم بحزم:
– "استهدي بالله يا بنتي، خلينا نشوف هو عايز إيه."
العم زفر بضيق:
– "كنت بطمن عليكم، أنا غلطان إني بعمل بوصية أخويا!"
بصيتله بنظرة كره:
– "لا، بالله عليك، متتعبش نفسك! أنا داخلة أوضتي يا ماما… نورت يا عمي!"
---
في الأوضة:
غيرت هدومي ونمت على السرير وأنا باصة في السقف… بفكر في اللي حصل، في الشغل، في نظرات عمرو، وفي نظرات عمي اللي كلها مكر.
"منك لله يا اللي اسمك عمي، عكرت مزاجي!"
قمت أشوفه مشي ولا لسه.
ولما تأكدت إنه مشي، رجعت وقعدت جنب أمي بفرحة مش قادرة أداريها.
الأم: "ربنا يديم الضحكة على وشك يا بنتي… خير؟ فرحيني!"
ابتسمت:
– "أنا اتقبلت في الشركة يا ماما!"
بس بصراحة… أنا كنت مبسوطة عشان شوفته وعشان هشوفه علطول.
الأم بفرحة:
– "ألف ألف مبروك يا حبيبة أمك!"
– "الله يبارك فيكي…، هيا فين فريدة؟ من ساعة ما دخلت الكلية وأنا بشوفها ساعة في الأسبوع!"
الأم وهي داخلة المطبخ:
– "ما انتِ عارفة إنها بتكون طول اليوم في المستشفى، بس زمانها جاية، هقوم أحضرلكم الغداء."
– "أساعدك؟"
الأم بابتسامة:
– "لا، خليكي، أنا هسخن الأكل وخلاص."
فضلت أقلب في قنوات التلفزيون…
الأم: "طب هتشتغلي إيه في الشركة دي؟"
– "هشتغل محاسبة، والمرتب كويس جدًا."
الأم: "مش كان الأولى تشتغلي في شركة أبوكي؟"
نظرت بعيدًا وقلت بحزم:
– "مستحيل أبقى في مكان واحد مع اللي بيقولوا عليه عمي دا!"
الأم تنهدت:
– "ربنا يهديكي، يا بنتي… اسمها إيه الشركة اللي هتشتغلي فيها؟"
قلت ببساطة:
– "الزهار للاستثمارات المالية."
لكن فجأة، سمعت صوت طبق بيقع على الأرض، التفت بسرعة…
لقيت أمي كانت واقفة في صدمة!
– "إيه؟!!"
رواية وهم على هيئة قدر الفصل الرابع 4 - بقلم ميادة زكي
في بيت ميرنا:
جريت على المطبخ وقلبي بيدق بسرعة، صوت الطبق اللي وقع لسه بيرن في وداني.
بصيت لماما بقلق وقلت بصوت مخضوض:
– "في إيه؟ إيه اللي حصل؟!"
لقيتها واقفة مكانها، ملامحها متغيرة ووشها احمر.
سألتني بصوت فيه رجفة خفية:
– "هو صاحب الشركة دي اسمه إيه؟"
استغربت من السؤال ورديت ببساطة:
– "معرفش… مهتمتش أسأل عن التفاصيل دي."
ماما بعصبية:
– "وإزاي تروحي شركة مش عارفة مين صاحبها ولا تعرفي عنها حاجة؟!"
رفعت حاجبي باستغراب من رد فعلها الغريب:
– "وفيها إيه يا ماما؟ مجاش في بالي! قولت لما اتوظف هسأل عن كل دا أكيد عشان أبقى عارفة أنا بتعامل مع مين… بس مالِك متعصبة كده ليه؟!"
بصتلي بحدة ولسه ملامحها متغيرة، وقالت بعبوس واضح:
– "هتروحي تستلمي الشغل إمتى؟"
– "بكرا."
الأم:
– "طيب، بكرا تكوني عارفة كل حاجة عنهم، ولو طلع اللي في بالي صح… مش هتشتغلي في الشركة دي أبدًا!"
استغربت أكتر، كنت هرد، لكن فجأة لقيتها بتقول بحزم:
– "ولا أقولك! أنا هستنى ليه بكرا؟ مفيش شغل هناك، مفيش مرواح، ولا دخول الشركة دي أبدا! انتي فاهمة؟!"
بصتلها بذهول:
– "إيه؟! ليه؟! إيه اللي حصل لكل ده؟!"
ماما بحدة:
– "من غير ليه! أنا قولت مفيش يعني مفيش!"
حسيت بغضب، صوتي ارتفع شوية:
– "لا، مهو أنا مش صغيرة عشان تفرضي عليا رأيك! أنا مش فاهمة حتى السبب، وكمان أنا مَصدقت ألاقي شغل محترم في شركة كبيرة وبمرتب كويس!"
الأم زفرت بضيق، ثم نظرت لي بنبرة حادة مليانة مشاعر غريبة:
– "لا… انتي صغيرة! وهتفضلي صغيرة طول ما انتي عايشة في البيت ده! ومحدش غيري هيقول إيه اللي يحصل وإيه لأ! من ساعة ما أبوكي مات وأنا شايلاكم، وتعبت لحد ما كبرتك انتي وأختك، ومش هسمح إن كل ده يتهد بسببك!"
رميت كلامها بصراخ ودخلت الأوضة، وقلبي مليان مشاعر متلخبطة… خوف؟ غضب؟ فضول؟! مش عارفة، لكن اللي متأكدة منه إني لازم أعرف الحقيقة!
في بيت عمرو:
عمرو الزهار – 29 سنة، شاب وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب، لكنه فقد أمه (سحر) في حادث أليم قلب حياته رأسًا على عقب. والده، حامد الزهار، رجل الأعمال القوي، لم يتحمل الصدمة، وأُصيب بالشلل منذ ذلك الحادث، تاركًا إدارة أعماله الضخمة على عاتق ابنه الأكبر.
عمرو ورث الذكاء والصرامة، لكنه ورث أيضًا جروح الماضي، وها هو اليوم يدير إمبراطورية والده، محاولًا أن يثبت أنه جدير بها.
كان قاعد على مكتبه في شركته، ماسك موبايله، وشارد في حاجة واحدة… ميرنا ذكي!
فضل يقلب في تفكيره، في ملامحها، في طريقة كلامها، في نظرتها اللي حسها غريبة… زي ما يكون شافها قبل كده!
قطع شروده صوت دخول أخوه الصغير ياسر الزهار – 22 سنة، طالب في كلية الطب، وبيمتلك روح خفيفة ودماغ متفتحة، عكس أخوه الجاد.
ياسر وهو داخل المكتب بابتسامة مستفزة:
– "خير يا سي عمرو! السكرتيرة بلغتني إنك عايزني، إيه الموضوع الخطير اللي عطلني عن حياتي؟!"
عمرو وهو بيركز في موبايله:
– "في بنت جت قدمت على شغل امبارح، وعايز ألاقي الأكونت بتاعها على السوشيال ميديا، وانت خبير في الحاجات دي أكتر مني!"
ياسر ضحك بمكر:
– "أوعى يعمور! يابن اللذينة، مين بنت المحظوظة اللي وقعتك دي؟!"
عمرو رفع عينه وضيقها بحدة:
– "أتلم يا ياسر، أنا عايز أعرفها علشان الشغل وبس!"
ياسر وهو بيغمزله بمكر:
– "مممم، هعديها لك، قولي اسمها إيه؟"
عمرو بشرود وهو بيتخيل ملامحها وطريقتها:
– "ميرنا… ميرنا ذكي."
ياسر رفع حاجبه بدهشة خفيفة:
– "اسمها تقيل على وداني… تحس إنها مش مجرد بنت جاية تشتغل!"
عمرو بصله بحدة، لكنه في قرارة نفسه كان حاسس بنفس الإحساس… الاسم دا مش غريب!
في بيت ميرنا – تحديدًا في أوضة مامتها:
كانت الام واقفة جنب سريرها، ماسكة الموبايل، وبتتكلم مع خالتي ولاء… صوتها كان مزيج من التوتر والقلق.
الأم:
– "معرفش يا ولاء، ده اللي حصل… أول ما سمعت اسم الشركة حسيت كأن مسكني عفريت، قلبي وقع في رجلي! مش عارفة أتصرف إزاي دلوقت!"
ولاء بنبرة هادية لكنها قلقانة:
– "مكانش ينفع تعملي كده يا سميحة، بنتك كبرت وأكيد هتشُك في حاجة!"
الأم بضيق:
– "آهو هو ده اللي حصل!"
ولاء بعد تفكير:
– "بصي، مفيش غير حل واحد… خليها تشتغل في الشركة، وسبيها بظروفها. الحاجة دي قديمة، وأكيد اتنسيت دلوقتي!"
الأم بخوف:
– "تفتكري مش هيعرفها لو شافها؟"
ولاء بجدية:
– "حامد الزهار جاله شلل من ساعة الحادثة، يعني مش هيشوفها، وبيقولوا ابنه هو اللي داير كل الأعمال."
الأم بقلق متزايد:
– "أنا قلبي مش مطمن، لو وافقت إنها تشتغل في الشركة دي يبقى أنا بفتح دفاتر قديمة بإيدي!"
وفجأة… دخلت ميرنا الأوضة، وعلامات الصدمة على وشها، وقالت بصوت مخضوض:
– "دفاتر إيه اللي مش عايزة تتفتح يا ماما؟!"
رواية وهم على هيئة قدر الفصل الخامس 5 - بقلم ميادة زكي
لقيتها بتبصلي بصدمة، عيونها مليانة ارتباك وكأنها مش عارفة ترد عليا.
تنحنحت بسرعة وقالت: "طب اقفلي انتِ يا ولاء، هبقى أكلمك بعدين."
بعد ما قفلت، بصتلي بقلق واضح وقالت: "انتِ واقفة من إمتى؟ وازاي تدخلي عليا من غير ما تخبطي؟"
رديت بهدوء وأنا بحاول أفهم سر التوتر اللي في عيونها: "أنا لسه جاية، لقيت الباب مفتوح وسمعتك بتقولي كده بس، مش أكتر."
حاولت تتظاهر بالهدوء، لكن صوتها كان مهزوز وهي بتقول: "آه، آه… الدفاتر دي… قصدي عليها يعني، عمك… خايفة يكون جاي يفتح في القديم، كنت بشتكي لخالتك بس."
رفعت حاجبي باستغراب: "متأكدة؟"
اتنهدت وقالت بسرعة: "أيوة، متأكدة."
فضلت باصة لها شوية قبل ما ابتسم ابتسامة خفيفة: "لا، ولو على عمي فمتخافيش منه، أنا هقفلو."
حطت إيدها على قلبي بحركة لا إرادية وقالت بدعاء: "ربنا يسترها عليكِ انتِ وأختك."
رديت بابتسامة دافية: "يارب… ممكن بقى تفهميني إيه سبب رفضك للشغل ونتناقش بهدوء؟"
أنا بطبيعتي مبحبش حد يفرض عليا رأيه، ومبقتنعش بحاجة غير لما نتناقش فيها كويس.
شفت ملامحها متوترة أكتر قبل ما تقول بصوت أقرب للهمس: "عشان… عشان أعرف حاجات مش كويسة عن صاحب الشركة."
عقدت حواجبي باستغراب: "حاجات زي إيه؟"
اتوهت للحظات، عيونها سرحت بعيد كأنها رجعت بذكريات مش حلوة، وبعدين بصتلي ودموعها على وشك النزول: "زمان كان ليا واحدة صحبتي، كانت جميلة جدًا، بنت باشا، محدش يقدر يقربلها. عصت أبوها وقررت تعتمد على نفسها وتشتغل. راحت الشركة دي كموظفة… وهناك شافته… حامد الزهار."
حست بارتباكي وأنا بسألها: "صاحب الشركه؟"
هزت راسها وأكملت: "آه… أعجبت بيه، بس غرورها منعها تعترف له. لكنه كان ماكر، بدأ يلاحقها في كل مكان، يقول لها أجمل الكلام، لحد ما خلاها تحس إنها أهم بنت في الكون. رفضت تروح له البيت ولما رفضت ، فطلب يتجوزها ، مكانتش تعرف انه متجوز ، ولما قالت ل ابوها رفض ، بس هيا كانت عنادية وبسبب حبها ليه الي كان عاميها عن كل حاجة وافقت رغم إن أبوها رفض، وعصته للمرة التانية واتجوزته في السر."
سألتها بسرعة: "اتجوزها رسمي ؟"
هزت رأسها بحزن وقالت: "اتجوزها عرفي… وبعد ما خد اللي عايزه، رماها."
قلبي وجعني من الحكاية، قلت باشمئزاز: "إيه البني آدم الحقير ده؟"
اتنهدت وقالت: "لما الدنيا سدت في وشها، واحد ابن حلال كان بيحبها بجد لاقاها قاعدة بتعيط، قعد جنبها، سمعها، وقرر يتجوزها وينقذها من اللي هي فيه."
تنهدت وأنا بتمتم: "راجل جدع… ربنا يكتر من أمثاله. طب، مين هي؟ أنا أعرفها؟"
اتوترت ملامحها بسرعة: "لا، متعرفيهاش… سافرت مع جوزها من زمان."
سكت شوية قبل ما أقول بحزم: "بصي يا أحلى ماما، صدقيني مستحيل ده يحصل معايا. متخافيش عليا، بنتك بـ١٠٠ راجل."
لمحت الخوف في عنيها وهي تهمس: "أنا خايفة عليكِ، ميرنا."
حاولت أطمنها بابتسامة: "متخافيش، عمري ما هعمل حاجة غلط. وبعدين، صاحب الشركة باين عليه شاب."
قالت بنبرة غير واثقة: "تقريبًا ابنه"
ضيقت عيوني وأنا بتمتم: "ممم… يعني هو الي بيدير شغله، ف معني كدا اني أكيد مش هقابله شخصيا يعني."
ردت والدتها وكانت تحمل تعبيرًا اخر ، تعبيرًا أخافها. " متأكدة انك مش هتقابلية ؟ احيانًا الاقدار بتجمعنا بأشخاص كان المفروض نهرب منهم "
سابتني ومشيت وأنا بفكر في كل اللي قالته… يا ترى في إيه ورا الشركة دي؟
دخلت أوضتي،ورميت نفسي على السرير غرقانة في أفكاري. مسكت كتابي اللي بهرب بيه كل مرة من الواقع، كتاب "الغريب". لفت نظري اقتباس: "الأحلام لا تأتي من العدم، إنما تولد من صورٍ خبأها الوعي عميقًا في الذاكرة."
الاقتباس ده خلاني أفكر تاني... يعني إيه؟ يعني أحلامي مش مجرد أحلام؟ يعني أنا عمرو شوفته في مكان قبل كده؟ ولا ده إيه؟ حسيت إن عقلي كله بدأ ينهار. رميت الكتاب وفضلت أبص على السقف في فراغ.
***
في بيت عمرو:
كان قاعد قدام الكرسي المتحرك اللي أبوه عليه، صوته متوتر وهو بيقرأ الورقة بصوت عالي مخنوق: "مش قادر أفهم؟ يعني إيه؟ أيوه، ده خط أمي، هو فعلاً..."
قام يلف في الأوضة بعصبية وأبوه بيتابعه بنظرات جامدة. صرخ وهو بيكلم نفسه: "ظهرت إمتى؟ وليه جايّة تظهر بعد السنين ديه؟ رد عليا! يعني إيه الكلام ده؟!"
خبط الباب فجأة، قطع سيل أفكاره. فتح الباب، لقى ياسر واقف وعلامات الاستغراب مرسومة على وشه.
ياسر: "إيه يا عم مالك؟ ليه متعصب كده؟ هتقرف أبوك."
بصله عمرو بحدة، ومديله الورقة: "بص إنت! اقرأ كده وفهمني، عشان أنا مخي هيطير!"
ضحك ياسر بسخرية: "يعني إيه؟"
عمرو، وهو مش مركز: "أنت جاي تسألني؟"
ياسر قعد بهدوء: "اقعد يا عم نقرأها تاني، يمكن في حاجة غلط."
عمرو قعد وحط إيده على راسه، وهو بيحاول يلم نفسه. وياسر بدأ يقرا:
> "عمرو حبيبي، أنا ماما. ومعنى إنك بتقرا الرسالة ديه، يبقى أنا مت. أنا عارفة إنك ذكي وهتفهم قصدي. خليني الأول أحكيلك حكايتي... أنا عشت حياة مش مستقرة مع أب مكنش بيهمه حاجة غير الفلوس، وأم طيبة بس أنانية. كانت بتمتلك كتب عن السحر ورثتهم عن جدتي ، وبتتعلم فيهم، وكانت خادمه ليهم دا الي فهمته متأخر وكانت لما حد ييجي عليها كانت بتعمله عمل. لحد ما في يوم، سمعت أصوات غريبة طالعة من أوضتها… صراخ واستغاثة، وصوت عيل صغير بيعيط. وكنت لوحدي ف البيت ولما ابويا جيه حاولنا نفتح، لقيناها ميتة، والسلك ملفوف حوالين رقبتها… محدش فهم، وأنا لما حاولت أتكلم، لساني كان بيتربط. لما كبرت، فضولي خلاني أقرا كتبها. وللأسف، دخلت عالمهم… وبقيت خادمة زيها. أبويا باعني لأبوك… وعشت معاه أسوأ أيام حياتي. خيانة، وضرب، وإهانة، لحد ما ربنا رزقني بيك. كنت عارفة إنهم هييجوا عليك، وإن الطريقة الوحيدة عشان أحميك، إني أربط روحك بروح بنت. لما تلاقيها وتحس بحبها… كل السحر هيتفك. عملت كده فعلا… بس تمانه كان غالي. كان لازم أموت."
سكت ياسر لحظة، وبص لعمرو اللي كان عينيه مليانة دموع مش قادر يخبيها.
ياسر بكمل قراية:
> "كل حاجة مكتوبة، وكل شيء له معاد. يوم ما عينك تقع على عيونها، هتعرفها… ساعتها، يا تعافر وتحميها… يا تخسر كل حاجة."
سكت المكتب كله، صوت أنفاسهم كان هو الصوت الوحيد اللي مسموع.
عمرو قام فجأة، ورمى الكرسي برجله، وصوته عالي: "يعني إيه؟ التخريف ديه صح؟!! ده كله كان مرسوم من سنين؟"
ياسر قام وهو مصدوم: "انا مش قادر افهم ازاي يكون روحك مربوطه بواحده انت عمرك ما قابلتها؟!"
عمرو بصله بنظرة تحدي لأول مرة، وقال بصوت متحشرج، بس مليان عزم: "لازم الاقيها !"
***
في بيت ميرنا – أوضتها
كانت نايمة على السرير، بتحكي لأختها رحمة عن يومها.
"اديلو يا عم… جبتي عريس قبل ما تشتغلي حتى."
"بس يا بنتي، عريس إيه؟ أنا بس مستغربة كان بيبصلي كده ليه."
رحمة غمزت لها وقالت بمرح: "وده عايز كلام؟ أكيد معجب، يا جميلة."
"يوه، اسكتي بقى!"
قاطع كلامهم خبط على الباب.
"قومي شوفي مين، رجلك مش مكسورة!"
"أنا جاية من المستشفى تعبانة، قومي انتِ!"
ميرنا قامت بتأفف وهي بتتمتم: "أكيد محمد ابن خالتي، بخبطته المستفزة دي."
فتحت الباب، لاقته قدامها.
"أهلًا، تفضل."
ابتسم وقال: "يزيد فضلك، يا رنون."
اتنهدت بضيق: "كذا مرة أقولك مبحبش الكلمة دي. اسمي ميرنا، ياريت تلتزم حدودك معايا."
شاف الجدية في عيونها، فبلع ريقه وقال بصوت مكسور: "أسف… مكنتش أعرف إنه بيضايقك."
كان هيكمل، لكن فجأة قال بصوت مخنوق: "أنا جاي أجيب حاجات أمي بعتها لمامتك… بس شكلي مش مرحب بيّ، عند إذنك."
خرج بسرعة وقفّل الباب، فضلت واقفة مكانها، تنهدت ببرطمة: "نقصاك انت كمان!"
دخلت الأوضة لقيت رحمة نايمة، تمتمت: "نمتي؟ طب زحزحي شوية أنام جنبك."
***
في مكان آخر…
كان عمرو الزهار مستلقي غارق ف احلامه.
"أمي، أنا حاسس بيها… البنت اللي عملتِ السحر علشاني، روحي مربوطة بيها، مش كده؟"
كان يتحدث إلى والدته التي جلست على كرسيها، عيناها غارقتان في الفراغ.
"كل شيء محسوب، يا فارس. هتشوفها… بس وقت ما يكون مكتوب لك إنك تشوفها."
مرر يده في شعره بعصبية قبل أن يقول بحدة: "أنا زهقت! أنا مش مسيَّر، مش دمية في إيد القدر، أنا اللي بحدد طريقي! ليه عملتي فيا كده حرام عليكِ"
لكن والدته لم تُجب… فقط ابتسمت ابتسامة غامضة جعلت الدماء تبرد في عروقه.
استيقظ فارس وهو يقول ربنا يسمحك يامي ربنا يسمحك
***
اليوم التالي – أمام شركة الزهار
وصلت ميرنا إلى بوابة الشركة كانت مرتديه فستانها الوردي الذي كان يظهر انوثتها وبياض لونها وشنطه بيضاء وحزاء ابيض ، كانت أعمدة المبنى شاهقة، زجاجه العاكس يعكس الشمس بشكل مُبهر، لكنه لم يكن يُشعرها بالراحة.
أخرجت هاتفها واتصلت برنا: "أنا وصلت، إنتِ فين؟"
"أنا عند البوابة الخلفية، تعالي بسرعة!"
زفرت ميرنا بضيق وبدأت تتحرك، لكن فجأة…
شيء غريب حدث!
صوت الهواء تغيّر، كأن الفراغ نفسه ينذرها بالخطر.
خطواتها تباطأت… قلبها بدأ ينبض بشكل غير طبيعي.
وفجــــأة
"ميرنااااااا!! خدي بالك !!"
التفتت بسرعة، لكنها لم ترَ شيئًا…
ثم جاء الصوت…
"تاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااايتبع ....
رواية وهم على هيئة قدر الفصل السادس 6 - بقلم ميادة زكي
وهم على هيئة قدر (6)
فجأة لقيت نفسي برجع لورا بسرعة، وقعت على ظهري بقوة، حسيت بألم شديد في دراعي. قعدت وأنا بتألم، وبدون وعي انفعلت وبدأت أزعق للسواق اللي كان هيخبطني بكل قوة.
"إنت أعمى يا بهيم؟! ما تفتح يا حيوان!"
كنت بزعق بكل قهر، مش بس لأني كنت خايفة، لكن كمان لأن هدومي اتوسخت.
رنا كانت بتحاول تقومني وأنا لسه مش مصدقة، لقيته جاي عليا بلهفة:
"إنتِ كويسة؟! حصل لك حاجة؟! حابة نروح المستشفى؟!"
أنا بعبوس، وقبل ما أبص على وشه، كنت بنفض هدومي وأنا بقول:
"إنت اللي محتاج تروح تكشف نظر يا حيوان!"
رفعت راسي لقيته بيبص لي بغضب:
"طب ليه قلة الأدب؟! أنا جاي أطمن عليكِ."
بصيت له بتوتر، وأول ما استوعبت مين اللي قدامي، بلعت ريقي:
"مستر عمرو! أهلًا يا فندم."
ضحك ضحكة رجولية سحرتني، وقال بهدوء:
"أهلًا بيكِ، إنتِ يا فندم. بجد متأسف، ما كنتش واخد بالي إنك قدامي، إنتِ كنتِ ماشية بسرعة."
بصيت له وقلبي بيدق، مش عارفة ليه، وكأن الحلم اللي شفته عنه بيتحقق قدامي.
"هاه؟! لا، عادي يا فندم، فداك يعني والله."
حسيت بسخونة في وشي، وبصيت للأرض بضيق وأنا بقول بكسوف:
"أنا اللي متأسفة، والله ما كنتش أعرف إنه حضرتك..."
عمرو لمح هدومي المتسخة، وقال بلطف:
"طب هدومك اتوسخت قوي، تسمحي لي أجيب لك هدوم غيرها؟"
"لا لا يا فندم، كتر خيرك، أنا هروح أغير وأجي بسرعة."
بص لي باستغراب:
"كتر خيرك! طب أوصلك البيت عشان ما تتأخريش."
كنت هعترض، لكن رنا قطعتني وهي بتقول:
"بطلي مقاوحة، عقبال ما تلاقي مواصلات هيكون اليوم ضاع."
بصيت لها بامتعاض، لكن كلامها كان منطقي.
"عندك حق يا آنسة...؟"
رنا بابتسامة: "رنا."
عمرو بابتسامة خفيفة: "تقدري تروحي تستلمي شغلك، وأنا هوصل آنسة ميرنا وهنيجي بسرعة."
رنا: "تمام يا فندم، عن إذنكم."
مشيت رنا، وأنا بصيت لها باستغراب:
"حتى ما قالت ليش عايزة حاجة!"
عمرو: "يلا عشان ما نتأخرش."
حسيت إنه بيأمرني، فرديت بضيق:
"حضرتك، أنا أصلًا مش موافقة، قلت إني هاخد مواصلات وهغير وأجي على طول."
عمرو: "والشغل؟! افرضي اتأخرتي؟!"
ميرنا: "أبقى أخصمه من مرتبي."
بص لي باستهزاء:
"ده أول يوم شغل وعايزة يتخصم من مرتبك بعدم اهتمام كده؟! شكلك مش جديرة بشغلك ولا إيه، آنسة ميرنا؟!"
اتعصبت وكنت هرد، لكنه قاطعني بحزم:
"يلا على العربية عشان ما نتأخرش."
في بيت ميرنا:
الأم كانت قاعدة مع خالتها وابنها محمد، بيقشروا الملوخية ويتفرجوا على التلفزيون.
محمد: "أمال فين ميرنا يا خالتي؟"
الأم: "في الشغل، يا حبيب خالتك، لسه مستلماها جديد، ربنا يسترها عليها."
ولاء (أختها) بقلق: "عملتي اللي قلت لك عليه؟"
الأم بعصبية: "أيوه، وربنا يستر."
محمد باستغراب: "هو الشغل ده وحش ولا إيه؟! لو في خطر عليها، بلاش توديها، وأنا هشوف لها شغل أحسن منه."
الأم: "كتر خيرك يا بني."
تحت بيت ميرنا:
"أيوه، هنا عند العمارة الصفراء دي."
عمرو: "تمام، يلا بسرعة، هستناكي."
كنت هطلع بسرعة، لكن حسيت بحاجة غريبة، وكأن القدر بيلعب لعبته. ضميت شفايفي بكسوف وقلت:
"ماما بتعمل شاي حلو، ممكن تعمله لك لحد ما أغير هدومي؟"
بص لي بضحكة خفيفة، وقال: "تمام، موافق."
طلعت السلم جنبه، فرق الطول بينا كان نفس الفرق اللي كان في الحلم، وعلى قد ما كنت فرحانة إنه جنبي في الواقع، كنت مرعوبة من فكرة إنه نفس الشخص اللي في الحلم. ليه كل حاجة بقت متشابهة كده؟!
وصلنا عند الباب، خبطت بهدوء، ماما فتحت لي وبصت لي بخضة:
"يا لهوي! إيه اللي عمل فيكِ كده؟!"
"ما فيش يا ماما، وقعت وهدومي اتبهدلت."
بصيت لعمرو بابتسامة خفيفة وقلت:
"ومستر عمرو، صاحب الشركة، ربنا يخليه جه يوصلني عشان ما أتأخرش."
عمرو ظهر من جنبي، كان طويل، الباب بين عرض كتافه، ابتسم رسميًا وقال:
"أهلًا يا فندم، أنا عمرو الزهار."
ماما بصت له بخضة، ووشها ظهر عليه العبوس.
"خير يا فندم؟! حضرتك كويسة؟!"
ماما، وملامح الصدمة لسه على وشها: "لا لا، ما فيش حاجة يا بني، اتفضل."
دخلت أوضتي وأنا بسمع ماما داخلة المطبخ بخطوات سريعة...
ولاء: "مين ده؟"
ماما وهي بتحط الشاي: "عمرو... عمرو الزهار... ابنه، يا ولاء!"
ولاء بصوت مرعوب: "إيه؟! يا نهار أبيض... ميرنا ما تعرفش حاجة، صح؟"
ماما بقلق: "من أول يوم واتقابلوا! لا وكمان وصلها البيت! إزاي أهدى؟!"
ولاء: "هو مديرها، طبيعي تشوفه... اهدي."
عمرو كان مع محمد في الصالة. محمد كان قاعد يهز رجله، باين عليه الغيرة، بص لعمرو وقال بسخرية:
"إنت بقى مديرها في الشغل؟"
عمرو، وهو مشغول في الفون: "أيوه، أنا."
محمد: "وعلى كده كل الموظفين عندك بتوصلهم بيوتهم كده؟"
عمرو ابتسم بسخرية وقال: "لا يا أستاذ...؟"
محمد بتحدي: "محمد."
عمرو كمل: "لا يا أستاذ محمد، بس هي وقعت قدامي وكنت أنا السبب، فعملت كده من الذوق."
محمد بصوت هجومي: "من الذوق إنك ترن على حد من أهلها، مش توصلها بنفسك. إحنا عيلة محافظة، ولو حد شافها معاك هيتقال عليها إيه؟"
عمرو بعصبية: "أنا مالي بالكلام ده؟! أنا عرضت وهي وافقت، وياريت تتكلم بأسلوب أحسن."
سمعت نبرة صوته العالية، طلعت بسرعة وقلت بقلق:
"في إيه يا أستاذ عمرو؟!"
عمرو بغضب: "ما فيش، بس الأستاذ بيتطاول عليا في الكلام."
بصيت لمحمد، وجزيت على سناني، وبعدين وجهت كلامي لعمرو بهدوء:
"أنا آسفة جدًا، أكيد هو ما كانش يقصد."
عمرو حاول يهدى وقال: "تمام، نقدر نتحرك؟"
"أيوه، أنا خلصت."
ركبت العربية، وفضلنا ساكتين نص الطريق.
حسيت إن الصمت خانق فقررت أكسره، وبهدوء قلت له:
"أنا بعتذر مرة تانية عن اللي عمله ابن خالتي."
بص قدامه من غير اهتمام وقال بنبرة باردة:
"آه... هو مش خطيبك ولا حاجة؟"
بصيت له باستغراب ورديت بسرعة:
"لا، ابن خالتي وأخويا وبس. ليه بتقول كده؟"
ابتسم بسخرية خفيفة وقال:
"أصل كان باين عليه إنه غيران عليكِ قوي."
ضحكت بخفة وقلت:
"لأ خالص، هو بس بيحب يعمل فيها كبير علينا من ساعة ما بابا مات... بس غلبان جدًا."
سكت لحظة، وبعدين ضحكت تاني بإحراج خفيف:
"باخده على قده يعني."
ابتسم لأول مرة بجد، وقال بنبرة دافية:
"ربنا يرحمه... وحصل خير. أنا اللي بعتذر لك، عليت صوتي في بيتك ومش كان المفروض أعمل كده."
رديت بابتسامة لطيفة:
"حضرتك براحتك يعني."
ابتسم بهدوء وكمل السواقة، ورجع بينا الصمت من تاني...
لكن كان صمت مريح المرة دي، مش خانق زي الأول.
وصلنا عند باب الشركة وكنت لسه هنزل.
وفجأة وقفني صوته جه هادي وجاد:
"إنتِ مين؟"
بصيت له باستغراب:
"مش فاهمة السؤال!"
ابتسم ابتسامة غامضة وقال:
"أقصد... حاسس إني أعرفك... إنتِ ووالدتك. ملامحكم مش غريبة عليا خالص. باباكي كان شغال إيه؟"
كنت لسه هفتح بقي وأرد عليه...
لكن فجأة، قاطعنا صوت أنثوي غاضب:
"انزلي يا حيوانة، انزلي لي! هيا دي اللي بتخوني معاها؟!"
كانت الصدمة مرسومة على وشي ووش عمرو.
لقيت نفسي بتسحب من العربية، شديت دراعي من إيديها وبصيت لها بعبوس:
"إنتِ هبلة يا بت إنتِ؟! مين بيخون مين؟!"
نزل عمرو وسحبها من إيدي، وهو بيقول:
"أنا آسف جدًا يا آنسة ميرنا، أحب أعرفك ياسمين خطيبتي... دمها خفيف بتحب تهزر."
ياسمين وهي بتشد إيديها منه: "أهزر إيه؟!"
"ده أنا هربيها وهعملها إزاي تتجرأ وتركب عربيتك وتبصلك بسهوكة يا خطافة الرجالة!"
هجمت عليا وشدت شعري، وأنا انفجرت، مسكت إيدها وتنيتها وقعدت أضرب فيها بكل غل.
مش عارفة إذا كان ده غيرة... ولا غضب... ولا كرامة.
الناس اتلمت حوالينا، وعمرو شالني من عليها زي الفراشة، وهو بيهديني:
"معلش، أنا آسف، اهدي، معلش."
ياسمين بصراخ:
"ده أنا هطلع روحك يا خدامة! تستجري تمدي إيدك عليا؟! ده إحنا أسيادك!"
بصتلها بعصبية، وصوتي علي:
"إنتِ إيه يا بت؟! محدش عارف يلمك ولا إيه؟!"
وجهت نظري لعمرو بتكشيرة وجه في بالي إني خلاص اطردت كده وش:
"بعتذر يا أستاذ عمرو، بس مش هسكت عن حقي."
بصلي بجدية وقال:
"حقك، وأنا آسف مرة تانية."
دخل الشركة معاها، وهي بتزعق وعمرو ماسك بوقها مسكتها بالعافية.
وأنا وقفت برا بأخد نفسي بصعوبة، لحد ما رن موبايلي... ماما.
"ألو يا ماما؟"
"تعالي البيت بسرعة، في مصيبة."
قلبي وقع: "إيه اللي حصل؟!"
ماما بصوت متوتر: "تعالي بسرعة، مش هعرف أفهمك في التليفون."
قفلت، وأنا عقلي مشوش.
دخلت الشركة وعينيا في الأرض، خبطت على باب مكتبه.
"اتفضلي."
دخلت وأنا بتكلم بتوتر:
"أنا آسفة جدًا، بس محتاجة أمشي، حصلت مشكلة في البيت."
قبل ما أكمل، ياسمين قطعتني بتعالي:
"بلا آسفة بلا نيلة! أنا هوريكي إزاي تحطي إيدك عليا!"
بصتلها باستهزاء:
"أولًا، أنا ما بتعذرش ليكِ، ولو في حد ليه حق في الموقف ده فهو أستاذ عمرو مش إنتِ."
ردت عليا بصراخ: "وقحة وخطافة رجالة!"
ضحكت بسخرية:
"أنا مِشفقة عليكِ وعلى قلة ثقتك في نفسك."
عمرو قطع الكلام وبصلها:
"لو فتحتِ بوقك تاني، هيبقى في كلام تاني."
سكتت بتأفف، وفضلت تبصلي باحتقار.
بصلي عمرو وقال بلطف:
"اتفضلي يا آنسة ميرنا، روحي، وأنا اللي بطلب منك تروحي ترتاحي شوية."
شكرته وخرجت.
وأنا طالعة، رميت ليها نظرة كأنها بتقول: "كسبت الجولة!"
طلعت من الشركة وأنا قلبي مشغول بماما.
ركبت تاكسي وطرت عالسلالم.
خبطت الباب بجنون.
ماما فتحتلي بوش كله حزن ودموع.
دخلت وأنا بقول: "إيه اللي حصل؟"
بصيت، لقيت عمي قاعد قدامي، بابتسامة صفرا، وقدامه ورقة.
قاللي بسخرية:
"معاكي قلم تمضي ولا أجيبلك؟"
بصتله بعصبية:
"أمضي على إيه يا بني آدم أنت؟!"
رواية وهم على هيئة قدر الفصل السابع 7 - بقلم ميادة زكي
بصلي بضيق ونبرته كانت كلها استفزاز وقال:
ـ لولا إني عارف إن أخويا مات قبل ما يربيكي، كان زمان ليا معاكِ تصرف تاني… بس أنا عارف إنك لا متربية ولا محترمة.
رفعت عيني له بعصبية وانفجرت فيه:
ـ لأ، أنا محترمة وأبويا رباني غصب عنك! انت اللي معندكش أصل، وكل اللي بتعمله إنك بترجع تستنزفنا كل شوية…
و تتعب في أمي اللي حاربت وبُعدت عنكم، ورفضت تحطنا في دايرة مشاكل مالناش فيها!
دموعي بدأت تنزل، بس كنت بحاول أتمالك نفسي وأنا بكمل:
ـ كان نفسها تعيش بسلام… كانت بتحارب وبتشتغل عند الناس علشان تأكّلنا!
مع إن أبويا سابلها فلوس كفيله تعيش ملكة، بس طمعكم وجشعكم خلاكم تاكلوا حقها… وسبتوها تتذل للي يسوى ومايسواش!
نبرتي اتحولت لحزن وقهر:
ـ تعرف يا عمي… أنا بكرههم، وبكره ستي، وبكره كل حاجة ليها علاقة بالعيلة دي، وعمري ما هسامحكم! وبتمنى من كل قلبي أشوفكم بتتذلوا قدامي!
ولو شفتكم بتتحرقوا وأنا ف إيدي كوباية مَيّة… هشربها وأنا باستمتع وأنا شايفة النار بتاكلكم زي ما حرقتوا قلب أمي!
اتأثر وسكت لحظة وبصلي، وقال بنبرة مندهشة:
ـ ما كنتش أعرف إن جواكي كل الحقد والسواد ده… إيه ده؟ إيه السواد اللي في قلبك ده كله؟
قلتله بمرارة:
ـ السواد ده أنت اللي ربيته جوايا… بدل ما تبقى سند، كنت قلق وخوف… بجد، حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
تنهد وقال بضيق:
ـ أنا مستعد أبعد عنكم نهائي… بس بشرط.
بصيتله وهززت راسي بمعنى "إيه هو؟"
قال:
ـ بعد ما أبوكي مات، فعلاً خدنا كل حقوق أمك… كنت شايف إن حقي أنا، لأني كنت شريكه، وبساعده، وشقيت معاه وهو كان بياخد كل حاجة… ولما مات، حسّيت إنها فرصتي آخد انا كل حاجة وحق تعبي معاه.
اتنهد وكمل:
ـ أمك ست طيبة ومبتحبش المشاكل، فـ اتنازلت، وأنا كنت شريكه في الشركة، واستوليت عليها بسهولة. بس اللي حصل ماكنتش متوقعه… زمان، جه راجل صاحب شركات كبيرة، عرض يشتري الشركة بسعر خرافي، أنا وافقت، بس ابوكِ رفض! وقال تعب فيها ومش عايز يبيع.
وقّف لحظة وكمل:
ـ نفس الراجل رجع تاني دلوقتي، وعايز يشتريها مني… وبضعف السعر كمان.
قلتله من غير اهتمام:
ـ طب وبعدين؟ قصدك إيه يعني؟
رد وهو بيضغط على الكلام:
ـ جيت أمضي العقد، المحامي وقفني… لأن الشريك التاني، اللي هو أبوكِ، كان كاتب نصيبه باسمك. لازم توقيعك علشان البيع يتم.
بصيتله بقرف من استغلاله وطمعه، وقلت:
ـ مش هوقّع… ومش هبيع… تعب أبويا مش هيروح لطمع أخوه!
اتنرفز، وقف، ورفع صوته:
ـ إنتِ إيه يا بنت إنتِ؟! محدش قادر عليكِ!
جزّ على سنانه وهو بيقول بغيظ:
ـ شِئتي أم أبيتي، هتوقعي وهتبيعي… ولو معملتيش كده، هخليكي تيجي بإيدك تتحايلي عليا!
وقبل ما أرد، قال:
ـ هسيبك يومين تفكري… يومين وبس، وبعدها يا نفرح كلنا… يا إما واحد فينا هيعيط.
بصيتله باستفزاز:
ـ بإذن الله… هيكون انت.
خرج من البيت ورزع الباب وراه.
بصيت على ماما، لقيت دموعها نازلة وقالت بصوت مرتجف:
ـ وافقي… بيعوا يا ميرنا، مش عايزين منه حاجة، الراجل ده شراني وهيبيع غصب عنك.
حضنتها وقلت بحزم:
ـ مش هيقدر، من غير توقيعي مش هيقدر يعمل حاجة.
قالتلي وهي بتبكي:
ـ هيأذينا، وهيضغط علينا لحد ما إحنا اللي نطلب منه! أنا مش قده… ولا هقدر أتحمل اشوفك بتتأذَي قدامي.
قلت بحنية وبحاول أطمنها:
ـ طب اهدي بالله عليكي… أنا هفكر، بس صدقيني، محدش هيقدر يأذينا طول ما ربنا معانا . قومي صلي وادعي لنا… ربنا أقوى منه وهيقف جنبنا.
قالت وهي بتبص للسقف:
ـ يارب… خليك معانا يارب.
دخلت أوضتي، اترميت على السرير، وانهارت دموعي.
نفسي حد ينقذني من دماغي… من أفكاري اللي بتقطعني.
كنت بكلم نفسي بصوت واطي وأنا بحاول أهدى:
ـ اهدي يا ميرنا، فوقي… لازم تقفي قصاده، انتِ قدها… والله العظيم قدها! اهدي يا حبيبتي، كل ده هيعدي.
مسحت دموعي، قمت اتوضيت وصليت العصر، وقعدت على السجادة بدعي:
ـ يارب، وقفلي في طريقي اللي يساعدني… أنا ضعيفة، وانت عارفني، خليك معايا وقويني.
وأنا بخلع الإسدال، لقيت رسالة على الموبايل…
من "عمرو".
تنهدت وأنا بقراها:
ـ إزيك يا آنسة ميرنا، أتمنى تكوني بخير. أنا بعتذر تاني على اللي حصل النهاردة… زعلان فعلًا من كل اللي حصل.
قريت الرسالة، وقلت بغيظ:
ـ هو يوم مقرف فعلاً.
رديت عليه:
ـ محصلش حاجة يا مستر عمرو… يوم وعدى.
شاف الرسالة وبعت فورًا:
ـ ممكن أرنّ عليكِ؟
اتلخبطت شوية، ورديت:
ـ تمام يا فندم.
رن عليا فورًا، وكنت متوترة، وصوتي باين عليه العياط.
ـ ألو؟
ـ أهلاً يا مستر عمرو.
ـ حسيت من كلامك إنك مضايقة… وأنا بجد مش بعرف أشتغل مع حد زعلان مني. محرج أوي من اللي حصل.
قلتله بنبرة متضايقة شوية:
ـ قلتلك حصل خير… الموضوع مش مستاهل. خطيبتك، طبيعي تكون غيرانة.
قالها فجأة:
ـ مالِك؟
الكلمة ديه دايمًا بتخليني أعيط حتى لو مش في حاجة…
ـ بخير… بس مش حابة أدي للموضوع أهمية أكتر من حجمه.
قال بإصرار:
ـ صوتك باين عليه العياط… انتِ مش بخير، وأنا آسف لو بتدخل… بس أنا حاسس بيكي.
ومعرفتش أتمالك نفسي، وانهارت دموعي:
ـ أنا مخنوقة… وتعبت من كتر المشاكل! كل حاجة فوق دماغي، وكل حاجة بتبوظ… وبقنع نفسي إني قدها، بس أنا مش قدها. أنا عايزة أعيش مرتاحة… أنا تعبت، والله تعبت!
رد عليا بصوت هادي ودافي:
ـ تحبي تنزلي نتمشى شوية؟ اعتبريني صديق، واحكيلي. يمكن نلاقي حل سوا.
كنت هاعترض، لكن الحقيقة… كنت محتاجة حد يسمعني.
ـ ياريت.
قال:
ـ طيب يلا… جهّزي نفسك، أنا جاي فورًا.
قومت وأنا بمسح دموعي بسرعة عشان ألبس.
لبست دريس لونه بُني كمّ و لحد بعد الركبة، ولمّيت شعري بتوكة بُني، وحطيت كونسيلر خفيف يداري آثار العياط، ولبست شوز أبيض وشنطة بيضا.
خرجت من أوضتي ورُحت أطمن على ماما، لقيتها نايمة وهي مفرهده من كتر العياط، قلبي وجعني عليها وحسّيت بضيق بيشد على صدري.
نزلت من العمارة لقيته واقف تحت، مستنيني.
استغربت، قولت في نفسي: هو جه بدري كده ليه؟!
ركبت معاه، أول ما دخلت قالي بصوته الهادي:
ـ "حابّة ننزل نتمشى شوية؟ ولا نلف بالعربية؟"
رديت بتعب: "خلينا نتمشى بالعربية، مش قادرة أمشي."
ابتسم وقال: "ماشي.. نتمشى بالعربية وأنا عارف مكان روعة هنقف فيه، واثق إنك هتحبيه."
ابتسمت بخجل وقلت له: "شكرًا يا مستر عمرو."
ضحك بخفة وقال: "إحنا نازلين كصحاب.. ممكن تقوليلي عمرو عادي."
رديت بعفوية: "أوكيه يا معلم."
ضحك وقال: "هو آه قولت صحاب، بس مش لدرجة معلم بقى!"
ضحكت، وسرحت فـ الطريق.
وبعد شوية، وقفنا عند البحر. المشهد كان هادي والموج بيحضن الشطّ، وفي شاب وبنت واقفين في لحظة رومانسية.
ابتسمت، وأنا ببصّ عليهم، قام قال وهو بيضحك:
ـ "أنا بحب أووي أقطع اللحظات الرومانسية.. ننزل نبوّظها عليهم؟"
ضحكت وقلت بسرعة: "لا سيبهم، شكلهم عسولين.. نفضل في العربية شوية."
بصّلي وقال: "قوليلي بقى.. مالك؟"
تنهدت وقلت بحزن: "كل حاجة فوق دماغي، وكل حاجة بتتعقد. انا دايما عندي ثقة في ربنا، بس الحاجة دي بالذات حاسه إني مش قدها."
بصلي بابتسامة خفيفة وقال:
ـ "لا يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها. لو مش قدها، ماكانش حطك فيها."
رديت: "صح، عندك حق.. بس ساعات الواحد بيتعب من كتر العِراك. نفسي أعيش حياة هادية، من غير صراعات. وده اللي ماما كانت بتحاول توصله، بس الظاهر الدنيا رافضاه."
سألني باستغراب: "مين اللي معكنن عليكِ حياتك كده؟"
عيوني دمعت وأنا ببصّ بعيد:
ـ "من يوم ما بابا مات، وحياتي اتشقلبت. هو مكانش مجرد أب.. ده كان أماني وسندي وكل دنيتي. زمان، وأنا معاه، ماكنتش بشيل هم حاجة.. وعمري ما نمت زعلانة. ربنا يرحمه، أنا متأكدة إنه حاسس بيا، وان ربنا هيقف جنبي. مليش غيره."
سألني: "ومامتك؟"
قلت: "ماما مش هتقدر تواجههم لوحدها. زمان هربت منهم عشان ما يأذوناش، ومستعدة تهرب تاني بس منتأذيش."
سألني بقلق: "مين هما؟"
رديت وأنا ببصّ في الأرض:
ـ "عيلة بابا، وبالذات عمي.. سالم. كان شريك بابا في الشركة، دايمًا كان بيتعبه، وماما كانت دايمًا تحذّره منه، لكن بابا كان بيحبّه عشان أخوه.
ودلوقتي... بييجي يرمي لنا شوية ملاليم من شركة بابا على أساس إنه بينفذ الوصية.
ودلوقتي... بيهددني، وبيقولي يا إما أتنازل عن الشركة، يا إما يخليني أتنازل غصب عني."
بصلي وقال بضيق: "الراجل ده اسمه إيه؟"
ـ "سالم السيد."
بصلي بدهشة: "سالم السيد؟! طيب اسم الشركة إيه؟"
ـ (السيد للاستثمار الصناعي).
ـ "هو إنتِ...!"
استغربت: "أنا إيه؟"
قال بسرعة: "ابويا كان عايز يشتري الشركة دي زمان، وواحد من الشركا وافق، والتاني رفض.بس اللي وافق كان عمّك، وكان ناوي يرفع قضية عشان يبيع غصب، بس أبوكِ كان معاه النصيب الأكبر، فمعرفش يعمل حاجة.
من كام شهر، كنت بفكر أفتح فرع هنا، وبعت حد يطلب الشرا مره تانية وفعلاً وافقوا. بس اكتشفنا إن الشركة متسجلة باسم بنت الشريك التاني المتوفي ، وهي اللي لازم تمضي."
اتسعت عيوني وأنا بسمع، وهو كمل كلامه:
ـ "وقتها، عمّك فضّل يزعق ويقول للمحامي إنك مختلة ومتفهميش حاجة، وإنه المسؤول عنك، لكن المحامي رفض.وقال لازم توقيعك.. وأدانا معاد الأسبوع الجاي نكمل البيع."
بصتله بقرف: "يعني إنت اللي عايز تشتري تعب بابا؟!"
رد بسرعة: "أنا مكنتش أعرف إنك بنته، ولا إن في رفض من أي طرف!"
سألته بحدة: "دلوقتي عرفِت.. هتعمل إيه؟"
قال بحزم: "طبعًا هلغي البيع.بس المشكلة إن عمّك ممكن يلاقي مشتري تاني!"
رديت بإحباط: "وده اللي هيحصل."
فكر شوية وقال: "لازم نوقفه عند حده."
سألته: "طب إزاي؟"
رد بهدوء: "تعالي نجيب حاجة نشربها، وهفهمك كل حاجة."
نزلنا على كافيه قريب، طلبت آيس كوفي، وهو طلب قهوة.
قعدنا قدام البحر، والهوا بيرقص في شعري وأنا حاسه براحة خفيفة لأول مرة من زمان.
حسيت إني قرّبت أخلص من كابوس اسمه "عمي".
البحر قدامنا هادي، بس جوايا كان في موج عالي، بيخبط في كل حتة تعبانه جوا قلبي.
وأنا قاعدة قدامه، ماسكة الكوباية بإيديا الاتنين، كنت بشرب بحذر وسألته بحزن مهما كان اللي هنعمله ـ " إنت شايف إننا ممكن نكسب؟"
رد بثقة: "لو لعبناها صح، آه. بس لازم نكون يد واحدة."
ابتسمت له بخفة: "أنا جاهزة.."
وقبل ما أكمل، لقيت صوت جاي من ورايا، بنبرة فيها تهكم واضح:
ـ "جاهزة لإيه بالظبط؟"
رواية وهم على هيئة قدر الفصل الثامن 8 - بقلم ميادة زكي
تجمدت وأنا أبص لعمرو اللي وشه اتغير في لحظة.
لفيت ورايا ببطء... ولقيتها واقفة.
ملامحها كانت حادة، ونظرتها نارية.
خطيبته.
قالت وهي بتبص عليّا من فوق لتحت بسخرية واضحة:
ـ واضح إنك مش هتجيبيها لبر يا بت إنتِ.
عمرو وقف بسرعة، ووشه مليان توتر وقال بعصبية:
ـ ياسمين! إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ردت عليه بنبرة فيها استفزاز:
ـ سؤال غريب... المفروض أنا اللي أسأله.
إنت بتعمل إيه هنا مع البت دي، وقاعده تبصلك كأنك فارس احلامها؟
أنا حسيت الدم بيهرب من وشي، ومحاولتش أرد.
كانت نظراتها موجهة ليا كأنها سهم، وأنا مش لاقية مخرج من الإحراج.
كملت ياسمين كلامها وهي بتبص لعمرو بحزن وعتاب:
ـ مش المفروض إنك مشغول؟
فجأة بقي عندك وقت تتمشى مع واحدة تانية قدام البحر؟
عمرو رد بنبرة دفاعية:
ـ دي مقابلة شغل.
سكت... وبصلي كأنه مش لاقي مبرر مقنع للي حصل.
وقتها حسيت بوجع صغير... لكن غريب وقوي.
كان أعمق من أي وجع توقعت أحسه.
قاطعت الموقف وقلت بهدوء:
ـ فعلاً يا أستاذة ياسمين، دي كانت مقابلة شغل.
وجهت الكلام لعمرو بنبرة فيها نوع من التوبيخ الهادي:
ـ ومكنش المفروض نقعد القعدة دي... أدي النتيجة، المدام شكت فينا.
وقفت وأنا بحاول أتمالك نفسي، مدّيت إيدي عشان آخد شنطتي، بس ياسمين قالت بضحكة سامة:
ـ برافو... عرفتي تمشي في الوقت الصح. حرباية.
بصت لعمرو وقالت:
ـ أنا مستنياك في العربية... يا خطيبي.
ومشيت.
أما أنا... كنت فعلاً محرجة من نفسي.
إزاي وافقت أقعد معاه، وهو مديري وكمان خاطب؟
سبتهم ومشيت وقلبي بيتشد من جواي.
لأني كنت بدأت أحس إن ممكن يبقى في حد جمبي، ومرّة تانية حسيت إني رجعت لوحدي.
بس المرة دي...مش هضعف.
هكمل لوحدي.
وهخلي سالم يندم إنه فكر يهددني.
***
داخل عربية عمرو
قال وهو بيشد نفسه:
ـ مكنش ليه أي داعي للكلام اللي قولتيه ده.
وبعدين إيه اللي جابك؟ عرفتي أنا هنا إزاي؟
ياسمين بتوتر وهي بتحاول تتهرب:
ـ إيه؟ مكنتش عايزني أشوفكم ولا إيه؟
عمرو رد بنبرة حادة:
ـ ياريت فعلاً... لو كنتِ واحدة واثقة في نفسها مكنش هيبقى عندي أي مانع.
بس إنتِ بني آدمة ضعيفة... وغبية.
دموعها بدأت تلمع وهي بتقول بحزن:
ـ أنا بحبك يا عمرو... وبغير عليك.
مش عايزة أي واحدة تبصلك... عايزاك ليا لوحدي.
بصلها بنظرة فقدان أمل، وساق العربية.
حاولت تهدي الجو وقالت:
ـ بما إننا مع بعض... نتمشى شوية؟ نجيب حاجة نشربها؟ بقانا كتير مقعدناش مع بعض.
رد عليها بنبرة باردة:
ـ لا، مش هينفع. لازم أروح الشركة... عندي حاجات مهمة.
صرخت بانفعال:
ـ إيه؟ مش من شوية كنت بتتمشى مع البت دي؟
ليه بتعمل فيّا كده؟
أعمل إيه عشان تحبني زي ما أنا بحبك؟
ليه مش عايز تحبني؟
من جواه كان بيتكسر...مش عارف... حتى أنا مش عارف ليه مش قادر أحبك.
بصلها وقال بهدوء:
ـ أنا مقولتش إني مش بحبك.
بس إنتِ بتضايقيني.
خلي عندك ثقة في نفسك... إنتِ خطيبتي.
مش معناه إني بكلم بنت إنك تروحي تعمليلي فضيحة.
قالت بزعل:
ـ إنت مشوفتش نظراتها ليك كانت عاملة إزاي؟
قال بحدة:
ـ اللي يهمك نظراتي أنا ليها... مش العكس.
رجاءً... ما تحطنيش في مواقف محرجة تاني.
ابتسمت بسمة باهتة، ومسكِت إيده بخضوع:
ـ حاضر... يا حبيبي.
***
عند ميرنا
كانت ماشية على البحر، مش عارفة تعمل إيه، بس قررت تقعد قدام الموج... بدون تفكير.
قعدت، وكان جنبها كشك صغير.
لفت نظرها كوبليه طالع من سماعة قديمة:
"واللي سنين مقدماه
غير اللي قولت نفسي فيه
يلاقي قلبي فين دوا
واللي اذاه أقرب ما ليه"
دموعها نزلت من غير إذن، كانت سايبة نفسها، بتعيط وهي بتبص للموج.
فجأة...خرجت بنت من الكشك، لابسة عباية سودا وطرحة بيج، بشرتها بيضا، وعيونها عسلية.
كانت جميلة... وعيونها فيها حاجة غريبة.
قربت منها، طبطبت عليها بهدوء، وادت لها إزازة مية:
ـ ينفع أقعد جمبك؟
ميرنا حركت راسها بموافقة.
قعدت جنبها من غير ما تتكلم، وسابتها تهدى.
لما هديت، قالت لها ميرنا بهدوء:
ـ اسمك إيه؟
ابتسمت وقالت:
ـ جميلة. وإنتِ؟
ـ ميرنا.
ضحكت وقالت:
ـ اسمك جميل زيك.
بصّي، مهما كان اللي مضايقك... هو مجرد اختبار من ربنا.
ساعات نحس إننا مكسورين، بس الحقيقة إننا بنتصقل.
الوجع بيعلم... بس لو صبرنا، هنقوم أقوى.
إرضي، حتى لو خسرتي المعركة... كسبتي أجر.
إحنا ضيوف، بنلم حسنات، مش بنعيش للأبد.
ميرنا بصت لها بحب وقالت:
ـ معكِ حق... بس الأصعب لما تكون المعركة مع الناس اللي المفروض يكونوا أمان.
جميلة ردت بضحكة حزينة:
ـ العيب فينا.
ـ إزاي؟
ـ إحنا اللي بنتعشم فيهم...بس الأمان الحقيقي عند ربنا.
شياطين الإنس حوالينا، وغالبًا هما نفسهم أقرب الناس لينا.
ميرنا خافت من كلامها، وحاولت تغير الموضوع:
ـ إنتِ بتشتغلي هنا لوحدك؟
ـ أيوه.
ـ ومش بتخافي؟
ضحكت وقالت:
ـ لا، هما اللي بيخافوا أضايقهم.
ميرنا اتلخبطت:
ـ إنتِ عايشة لوحدك؟
ـ لأ، مع أمي.
ـ وأنا كمان، بس معايا أختي.
سكتت لحظة، وبعدين جميلة قالت:
ـ تحبي أقرألك الكف؟
ميرنا اتشدت وقالت بخوف:
ـ لأ! الحاجات دي حرام.
جميلة بهدوء مرعب:
ـ ليه؟ ده مجرد توقع.
ـ لأ، شكراً... أنا مبحبش الحاجات دي.
وقفت بسرعة، لكن جميلة قالت بهدوء يخوف:
ـ غريبة... اللي أعرفه إن أمك بتحبهم.
وقفت مكاني متجمدة، صوتها كان هادي، بس جملتها كانت زي السهم اللي دخل في قلبي مرة واحدة.
بصتلي بعينين مفيهمش خوف ولا تردد، وكأنها كانت متأكدة من كل حرف قالته.
اتلخبطت، قلبي دق بسرعة، وأنا ببص لها مش مصدقة.
ميرنا: "إنتي... تعرفي أمي؟"
ضحكت، وابتسامتها كانت أهدى من اللازم، مرعبة في هدوئها.
جميلة: "مش بالشكل اللي تتوقعيه... بس أعرف عنها أكتر مما تتخيلي."
قربت مني شوية، وقالت:
"ساعات الحاجات اللي بتحصل حوالينا مش صدفة، وإنتي جيتي هنا فعلاً والدنيا صغيرة أويميرنا (بتوتر): "أنا مش فاهمة حاجة... إنتي مين؟ وعايزة مني إيه؟"
سكتت شوية، وبصّت للبحر، وقالت:
جميلة: "كلنا بنتولد وعلي ضهرنا أمانة، أوقات الأمانة ديه بتكون سر، وأوقات بتكون روح... إنتي شايلة الاتنين يا ميرنا."
ميرنا (بهمس): "شايلة إيه؟! بتتكلمي عن إيه؟"
قامت من مكانها بهدوء، وسابتني في حيرتي، وقالت وهي بتبصلي للمرة الأخيرة:
"هتعرفي كل حاجة قريب... بس لما تبقي مستعدة. ولما تعرفي، خلي بالك... اللي حواليكي مش دايمًا هما اللي معاكي."
مشت بخطوات بطيئة، وعبايتها بتتحرك مع الهوا، وأنا قاعدة في مكاني مش قادرة أتحرك، في حاجه جوايا بتقولي إن اللي سمعته مش هزار...وإن اللي جاي، عمره ما هيكون زي اللي فات.
قمت وأنا مشوشة، دماغي بتلف، ولاقتني بجري عليها بخوف وأنا بقولها انا مش فاهمة حاجة انتِ لازم تفهميني انتِ تعرفي امي منين ومعني كلامك ده ايه.
بصتلي بهدوء وقالتلي: فاكره صحبه أمك اللي ضحك عليها صاحب الشركات كبير ورماها ف الشارع.
بصتلها بخضه : انتِ عرفتي منين.
بصتلي بضحكه ساخره : اكيد كان لازم تحكيلك.
سكتت لحظه وبعدين بصتلي بهدوء يخوف : بس المشكلة إن مفيش صاحبه أمك ديه.
رديت عليها بعدم فهم : يعني ايه مش فاهمة.
بصتلي بهدوء : اسأليها يمكن تلاقي عندها الإجابة واول ما هتعرفي أجابة سؤال واحد كل إجابات الاسئلة التانية هتبان ف معادها.
رجعت البيت وأنا مش شايفة قدامي، رجليّا ماشية لوحدها، وقلبي تقيل كأني شايلة جبل.
كل كلمه جميلة قالتها كانت بتلف ف دماغي.
دخلت البيت، لقيت النور خافت، والدنيا هادية.
أختي كانت نايمة، وأمي قاعدة في أوضتها بتتفرج على التلفزيون.
وقفت عند باب أوضتي شوية، مترددة...
أنا عمري ما فكرت أسأل أمي عن حاجات غريبة، بس النهارده حسيت إني لازم أعرف...
دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا، بس ماقدرتش، قلبي كان بيتخبط جوايا، حسيت إني لازم أتكلم.
فتحت الباب تاني ومشيت على أوضة أمي.
ميرنا (بهدوء): "ماما؟"
الأم (بابتسامة): "أيوه يا حبيبتي، مالك؟ وشك شاحب كده ليه؟"
قعدت جنبها، وبصيت في عنيها، وسألت السؤال اللي كان بيزن في دماغي من ساعة ما مشيت من الكُشك.
ميرنا: "ماما... إنتِ بتحبي الحاجات اللي زي قراءة الكف والحاجات ديه؟"
اتغيرت ملامحها بسرعة، وكأنها مش مصدقة إني بسأل السؤال ده.
الأم (بتوتر): "ليه السؤال ده ؟ مين جابلك سيرة الحاجات ديه؟"
ميرنا (بقلق): "جاوبيني بس، بالله عليكي... إنتِ ليكي علاقة بالحاجات ديه؟ وكمان ممكن تعرفيني مين صحبتك اللي ابو عمرو ضحك عليها."
قامت واقفة، وقلبت القناة بسرعة، ومبصّتش في عينيّا.
الأم: "مفيش داعي للأسئلة ديه يا ميرنا، ديه حاجات قديمة وملهاش لازمة دلوقتي ولا مليش علاقة بقراءة الكف."
ميرنا (بعناد): "لا، ليها لازمة! عشان النهارده واحدة معرفهاش قالتلي كلام عنك، وكأنها عارفة أسرارنا! قالتلي إنك بتحبي الحاجات ديه... وقالتلي كلام غريب... وقالتلي إني شايلة سر... وسرّه روح!"
الأم وقفت لحظة، سكتت، وبعدين قالت بصوت واطي:
"كنت عارفة إن اليوم ده هييجي..."
رواية وهم على هيئة قدر الفصل التاسع 9 - بقلم ميادة زكي
كانت قاعدة قدام أمها في الصالة، عينيها متلخبطة بين الحزن، والقلق، والاستفهام. حسّت إن في حاجات كتير متخبية، وإن كل حاجة حواليها بتنهار بهدوء.
ميرنا بصوت هادي لكن جواه زلزال:
يعني... كل اللي سمعته ده حقيقي وانك كنتِ متجوزة قبل كده غير بابا؟
أمها بصوت مخنوق ودموع على طرف عينيها:
أنا مكنتش عايزة أحكي الحقيقية... كنت خايفة تبصيلي بنظرة غير اللي متعودة تشوفي بيها أمك.
ميرنا بحزن وغضب:
عشان كده كذبتي؟
أمها بتنهيدة طويلة، وكأنها بتطلع وجع عمره سنين:
كنت صغيرة وقتها... وحبيته. كان بيقول كلام يدوّب الحجر، وصدقته. اتجوزني من ورا الكل، وبعدين... رماني زي لعبة خلص منها.
(سكتت لحظة، ومسحت دمعة نازلة على خدها)
كنت حامل. بس فقدت الطفل من الصدمة... لما لقيت نفسي لوحدي، مفيش حتى حضن أعيط فيه.
وبعدها... أبوك ظهر. وافق يتجوزني، رغم كل اللي حصل، وأنا... مكنتش بحبه. بس ماكنش عندي غير الحل ده.
ميرنا بصوت متلخبط:
يعني... عمرو؟!
أمها بسرعة وارتباك:
لأ لأ! عمرو مش أخوكي، متخافيش. أنا فقدت الجنين قبل حتى ما أعرف نوعه. وعمرو ده... ابنه من زوجته التانية.
ميرنا بتنهيدة فيها وجع:
أنا مش فاهمة حاجة... عايزة أبقى لوحدي.
أمها بتقرب منها:
أنا آسفة يا بنتي... آسفة من قلبي.
قبل ما تكمل، قطعهم صوت موبايلها بيرن... مكتوب عليه "ولاء".
أمها (وهي بترد):
إيه يا أختي؟
ولاء بصوت مخنوق وصرخة وجع:
المية المغلية وقعت على رجلي... حقيقي.
أمها (بتقوم بسرعة):
إيه؟! أنا جاية حالًا!
ميرنا بتقلق:
في إيه يا ماما؟
أمها وهي بتلبس العباية بسرعة:
خالتك المية المغلية وقعت على رجلها... لازم أروح لها.
ميرنا:
طب أجي معاكي؟
أمها (بحسم):
لأ، خليكِ مع أختك. أنا هتطمن عليكي لما أروح.
خرجت أمها بسرعة، وقلب ميرنا مليان قلق... بس اللي جواها كان أكتر من كده.
ميرنا في سرها، والدموع في عينيها:
أنا هلاقيها من عمي، ولا من أمي، ولا من "جميلة" اللي طلعت فجأة في حياتي زي كابوس!
قعدت في أوضة أمها... وفضلت تبص حواليها، ملامح الأوضة شكلها عادي، بس عينها وقعت على "درج مقفول بقفل صغير".
ميرنا بهمس:
أنا عمري ما شفت القفل ده قبل كده... ليه ماما قافلاه؟!
بدأت تدور في باقي الأدراج، لحد ما لقت كومة مفاتيح، وقعدت تجربهم واحد واحد.
ربع ساعة مرت...
ميرنا (بتنهيدة زهق):
هو في إيه؟! أنا زهقت...
فضلت آخر مفتاح في إيدها.
ميرنا (بتدعي):
يا رب يكون هو...
دخلته في القفل... و"كليك!"
اتفتح.
ميرنا (بفرحة وحذر):
أخيرًا...
جوا الدرج كان فيه أوراق كتير، جوابات، ودفاتر قديمة. بس اللي شد نظرها أكتر كان دفتر أسود، باين عليه إنه أكلته السنين.
فتحت، وبدأت تقلب في صفحاته، معظمها ذكريات عادية... بس فجأة، وقعت ورقة صفرا من وسط الصفحات. كانت مطبوقة، وريحة قديمة طالعة منها.
فتحتها، وقرت بخط واضح:
"الألم بيخلي الإنسان يعمل أي حاجة... حتى لو كانت حرام."
"هي قالتلي إن الوجع هيروح، وإنه مش هيرجعلي تاني... بس أنا خسرت كل حاجة، حتى روحي."
ميرنا (قلبها بيدق):
ده خط أمي...
قلبت الصفحة اللي بعديها، لقت عنوان بخط كبير:
"لقائي مع الساحرة"
عنيها وسعت، وكل شعرة في جسمها وقفت.
وبدأت تقرأ:
"كنت فاكرة إن الدنيا ظالماني، وإن قلبي مش هيعرف يعيش تاني ، مشيت بعيط ف الشوارع ومش لاقيه مكان اروحه ، لحد ما لاقيت رجلي مش قادرة تاخذني ف حته تانية وقعدت علي البحر بعيط ف صمت ، فجأة لقيت ست جميلة ، خارجه من كُشك قديم ، قعدت جمبي، وقالتلي انها حست بوحدي من بعيد .
"خدتني عندها ، وقالتلي تقدر تساعدني .. وتخليه يرجع يحبني ويبقى ليا انا وبس "
"قالتلي اكتب اسمه في ورقة وادفنها ف الرمل ، ومعاها نقطه من دمي . كُنت مُغيبه .. صدقتها ، وكنت مستعدة اعمل اي حاجة. بس اللي حصل بعدها كانت مرعب "
"بدأت اشوف كوابيس ودم بينزل مني من غير سبب وكنت بسمع صوت بيعيط جمب ودني وانا نايمة وبعدها فقدت الجنين "
"عرفت بعدها انها مش ست عادية.. كانت بتسحرني مش بتساعدني بس فات الأوان "
ميرنا حست ان اللي حصل معاها انهاردة والكشك حصل مع امها!
قامت بسرعة، فتحت الدُرج وقعدت تقلب ف كل الدفاتر ، الاوراق ، لحد ما لقت صورة قديمه جدا . كانت مألوفة ... شعرها اسود ، طويل ، عيونها واسعة وعسلي ، وفيها نفس الحاجة الغريبة اللي شافتها ف عيون جميلة .
نفس ملامح جميلة
ميرنا (بهمس):
امها !!
قعدت ميرنا ومسكت دماغها بصداع:
أنا مش فاهمة حاجة، يارب دلني علي الحقيقه.
قامت ميرنا واخدت كل حاجة ف الدرج وقفلته تاني وخرجت وهيا بتدعي ان امها متاخدش باله.
دخلت اوضتها وهيا ماسكه الدفتر وبتكمل قراية فيه.
لفت نظرها جملة مُرعبه وغريبة بالنسبالها.
حاولت ميرنا تقرأها بس حسيت بوجع ف قلبها.
رمت الدفتر، وهي مش قادرة تتنفس. جريت على الشباك، فتحت ووشها للهواء، بس عقلها كان بيتقلب.
ميرنا (بهمس):
ليه عملتي كده يا ماما؟!
قطعت أفكارها أصوات خبط من فوق، من السقف.
ميرنا (برعب):
إيه ده... مش المفروض ماما مشيّت؟!
خرجت برا الأوضة، وبصت على السلم اللي بيطلع للسطح... مفيش حد.
بس الأصوات لسه شغّالة.
خدت نفس عميق، وطلعت السلم خطوة بخطوة. كل خطوة صوتها عالي في سكون الليل.
فتحت باب السطح بهدوء... وكان فاضي.
لكن لقت ريحة بخور كأنها محروقة من شوية... والأرض متوسخة برماد أسود.
ميرنا (بترتجف):
مين اللي كان هنا؟!
رجعت بسرعة ل ورا، وقلبها بيتنطط من الرعب.
---
ننتقل في نفس التوقيت – في بيت عمرو
الاوضه – ليلًا
كان قاعد سرحان لوحده ، النور خافت ، مفيش صوت.
بص ف مرايه الاوضة وفجأة لمح حاجة!
رجع بص تاني شاف نفسه بس فيه انعكاس تاني وراه!
لف بسرعة .. ملقاش حد.
عمرو (بصوت مخنوق):
أنا إيه اللي بيحصلي ده؟
راح ناحيه درج مكتبه وفتح الجواب اللي امه سابته تاني.
قرأة للمره الالف وهو بيحاول يفهم اي حاجة.
عمرو حط ورقة علي وشه، وحس ان روحه بتتقطع:
يعني ايه ، أنا مش فاهم حاجة ، طب إزاي روحي مرتبطة بواحدة وانا خاطب وهتجوز ! يمكن ده اللي مخليني مش عارف احبها.
انا لازم افهم اكتر.
عمرو مسك موبايله ونزل وهو بيفكر:
اكيد هلاقي حاجة ف اوضتها.
فتح الاوضة وبالفعل قعد يدور ملقاش حاجة.
قعد علي السرير بفقدان امل:
ما انا لازم افهم.
اتمدد علي السرير وهو بياخد نفسه بصعوبة.
جيه ف باله فجأة القب.
نزل بسرعة عنده.
واقف قدام باب مقفول في آخر القبو... الباب اللي دايمًا أمه كانت بتقوله "ممنوع تفتحه".
بس المرة دي، كان معاه المفتاح اللي لقاه في درج قديم.
عمرو (بصوت متردد):
أنا لازم أعرف...
فتح الباب.
ريحته كتمت نفسه. ريحة قديمة، كأنها جاية من قبر مفتوح بقاله سنين.
دخل بحذر، وشغل كشاف موبايله. نور خافت كشف عن جدران مليانة نقوش غريبة، وجمجمة حيوانات، وسجادة حمراء مرسوم عليها رموز سحرية.
في الركن، كان فيه صندوق خشب قديم... صغير، لكنه شكله تقيل.
فتحه... ولقي فيه كتب كتير شكلها غريب ، وبعدين لاقي صورته وهو صغير وصورة بنت تانية!
عمرو (بصدمة):
إيه ده؟!
بص ورا الصورة، لاقي ورقة صغيرة ملزوقة عليها مكتوب عليها:
"الاتفاق تم. الربط بدأ. هي الحامية."
عمرو (بهمس):
إيه يعني إيه 'هي الحامية'؟!
رجع خطوة لورا، لكنه خبط رجله في حاجة معدنية... كانت سلسلة، مربوطة في الأرض، وطرفها فاضي. كأن حد كان مربوط هنا!
وفجأة...
الباب اتقفل من نفسه!
نور الموبايل وقع، والضلمة بلعت كل حاجة.
عمرو، مكنتش قادر يسيطر على نفسه، حاول يحسس على الأرض علشان يلاقي موبايله.
حس بإيده على الموبايل، مسكه بسرعة، ورجع فتح الكشاف. لأول مرة، لاحظ إن كل حاجة في مكانها والباب مفتوح!
ارتعب قلبه، وحاول يهدى نفسه، بس الرعب كان لسه ماسك فيه.
حسّ إن مش قادر يواجه المكان لوحده، فقرر يرن على أخوه عشان يبقى في حد معاه.
مسك موبايله ورن بسرعة.
ياسر، وهو بيمثل النوم:
"في حد بيرن علي حد في وقت زي ده؟"
عمرو، بصوت مخضوض:
"تعالالي القبو حالاً!"
ياسر، باستغراب:
"إشمعنا دلوقت؟"
عمرو، بصوت متوتر:
"بقولك تعالالي حالاً، في حاجة لازم تشوفها!"
ياسر، حس إن حاجة غريبة بتحصل، نزل بسرعة متجهًا للقبو.
عمرو قفل معاه الموبايل، وظل يتصفح المكان بعينيه، كل زاوية فيه كانت بتخوفه أكتر من التانية.
وفجأة، لفت نظره ورقة على الأرض مكتوب عليها كلام غريب وعليها دم!
كان مش قادر يقرأ حاجة بوضوح، فحاول يقرب منها عشان يمسكها.
لكن فجأة، سمع صوت صراخ حاد بيقول:
"أوعى تلمس حاجة!"
التفت عمرو، لاقى ياسر واقف وبيبصله بتركيز.
ياسر، بصوت مخضوض:
"ورقة وعليها دم ورسومات غريبة؟ إزاي ممكن تلمسها يا غبي؟"
عمرو، بنبرة متوترة:
"مش قادر أقرأ اللي مكتوب عليها..."
ياسر، وهو بيبص حواليه بحيرة:
"هو إيه ده؟ دخلت فيلم رعب ولا إيه؟"
عمرو، وهو بيحاول يهدى نفسه:
"وشكلنا مش هنخرج منه أبدًا."
ياسر، بخوف أكبر:
"المكان ده بتاع مين؟"
عمرو، بصوت حزين وبيحاول يلمّ نفسه:
"أمُنا."
ياسر، ضحك بطريقة مش مريحة:
"فعلاً، أنا إزاي مخمنتش؟"
فضلوا يتفرجوا على المكان، لحد ما ياسر وقف قدام السلسلة المخيفة، وبص لعمرو برعب وقال:
"في حد كان محبوس هنا!"
عمرو بص له، وهو بيقول بصوت منخفض:
"عايز أخد الكتب دي، محتاج أفهم، يمكن أقدر أفك السحر ده."
ياسر، وهو مرعوب:
"لا! أوعى، إنت مش فاكر كانت كاتبة إيه في الجواب؟ كانت عندها فضول زيك كده برضو، ودخلت في حاجة أكبر منها!"
عمرو، بنبرة متوترة:
"طب نعمل إيه؟"
ياسر، وهو بيشاور للمكان بخوف:
"أهدى، هنلاقي حل. أنا أعرف واحد صحبي بيفهم في الحاجات دي، بس لحد ما أكلمه، أوعى تقرب من هنا تاني. يلا نطلع ننام، وبكرة نفكر."
عمرو، حاسس إنه محتاج يستجمع قواه بعد كل اللي شافه، طلع مع ياسر.
خرج عمرو ودخل أوضته، وقف قدام السقف، عينيه مش شايفة إلا الظلال اللي لسه هاجمته.
فكر في كل حاجة حصلت، قلبه لسه مش قادر يهدى. كان في حاجة غلط، حاجة كبيرة هتتغير، واللي شافه ده مش هينتهي بسهولة.
---
عند ميرنا، تحديدًا على السطح
ميرنا، وهي بتبص حواليها، قلبها بيدق بسرعة:
"مين هنا؟"
سمعت خطوات ثقيلة بتقرب منها، وكلما اقترب الصوت، كانت أنفاسها تزيد سرعة.
فضلت تبص في كل اتجاه برعب، وكأنها مش قادرة تحرك عينيها من مكانها، كل جزء في جسمها متوتر، وبيحس إن فيه حاجة غير طبيعية في الجو.
الصوت قرب، واهتز جسدها من الرعب، وما قدرتش تلف راسها لورا.
فجأة، سمعت صوت بيهمس في أذنها:
"إنتِ بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟"
ميرنا، بخوف شديد، التفت بسرعة لورا لقيت أختها واقفة قدامها.
حضنتها، وهي مش قادرة توقف عن البكاء من الخوف، لكن الغريب إن أختها كانت ثابتة زي التمثال، مش بتتحرك.
سمعتها بتقول بصوت خافت:
"انزلي يلا تحت، ومتجيش هنا تاني في الوقت ده."
ميرنا حسّت إن في حاجة مش مظبوطة، بدأت تتسحب لتحت من غير ما تبص وراها، وأختها كانت نازلة جنبها، كأنها مش هي!
ميرنا، بصوت مخضوض:
"سمعت صوت خطوات فوق، طلعت أشوف، وكان في حاجة في الجو... حاجة مش طبيعية، كأنها بتسحبني... لقيتني واقفة لوحدي."
اختها بصوت هادي بس مُرعب:
"خليكي عارفة إنك بتفتحي باب مفيش ليه مفاتيح، وكل خطوة بتقربي بيها، بتدوسي على لعنة نايمة من سنين.
اللي هتشوفيه مش بس هيطاردك... ده هيسكن جواكي، وهيمشي وراكي في كل حتة... حتى في حلمك.
ابعدي... أحسن لك."
بصيت جمبها، ملقتش حد. اتخضت وقالت ف نفسها:
يمكن دخلت جوا وأنا مش واخدة بالي.
دخلت الأوضة وهي بتتنهد من التوتر، ولسه هتسألها ايه معني كلامها وهيا تعرف ايه عن اللعنه ،لكن لقيت أختها لسه نايمة في مكانها.
حسّت ببرودة في قلبها، لكن حاولت تهدي نفسها، يمكن تكون نامت بسرعة.
لكن الرعب ما خلهاش تكمل تفكير، ونامت على مضض.
في صباح اليوم التالي
في أوضة ميرنا، صحيت، صلِت، لبست سوت بسيط ورابطت شعرها بسرعة، عيونها كانت مليانة تساؤلات.
في داخلها كان في قرار واحد لا غير... لازم تعرف الحقيقة.
اتجهت للكشك اللي شافت فيه جميلة، لكن أول ما وصلت، لقيت الكشك مقفول، ومفيش أي أثر ليها.
سألت راجل كان قاعد جمب الكشك:
"معلش، الكشك ده بتاع واحدة اسمها جميلة؟"
الراجل، وهو بيبص لها بعيون مستغربة:
"جميلة؟ آه، بس دي بقالها ٣ أيام مش بتيجي هنا."
ميرنا، وعينيها اتسعت من الذهول:
"إزاي؟ أنا شفتها إمبارح هنا!"
الراجل، وهو بيهز دماغه:
"مستحيل، ده حتى إحنا بنسأل عليها من يومين، ومعرفناش نوصل ليها."
ميرنا قلبها وقع في صدرها، دماغها دارت من التفكير، فكرت:
"مين كانت معايا إمبارح؟"
قبل ما تكمل تفكيرها، قطع الصوت رنة موبايلها. لما بصت لقيت اسم "رنا".
رنا، بصوت مشوش من القلق:
"إيه يا ميرنا؟ وحشتيني! مجتيش الشغل ليه؟ ومختفية؟"
ميرنا، وهي بتحاول تخفي القلق:
"وأنتِ كمان، والله، جايّة اهو، مسافة السكة."
رنا، بصوت أسرع:
"طب يلا بسرعة، عشان تلحقي تحكيلي اللي حصل!"
ميرنا، وهي بتحاول تهدي نفسها:
"حاضر، جايّة، اهو."
في بيت صغير على أطراف المدينة
كانت هناك ست تبلغ الستين من عمرها، لكن ملامح وجهها كانت لا تزال تحمل الشباب. كانت جالسة على الأرض، تدير طبق كبير مليء بالبخور، والدخان يملأ الغرفة برائحة غريبة، وكأنها سيدة تملك أسرار الزمان.
بصت للأمام، لكنها لم تلتفت أبدًا. صمت لحظة، ثم قالت بصوت هادئ، لكن متسلل له شيء من الغموض:
"البنت شافتك؟"
رواية وهم على هيئة قدر الفصل العاشر 10 - بقلم ميادة زكي
بصت للأمام، لكنها لم تلتفت أبدًا. صمت لحظة، ثم قالت بصوت هادئ، لكن متسلل له شيء من الغموض:"البنت شافتك؟"
يتبع....بقلم :مَيـــــــادَة زكــــــي