تحميل رواية «و بالعشق اهتدي» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
الفصل 16 — رواية و بالعشق اهتدي الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تسمرت فريال بأرضها تراقب المشهد الذي أمام عينيها.. تحتضن كفه بين يديها وتحدقه بهيام وتوسل وسط عبارتها الأخيرة التي التقطتها أذنها للأسف وهي تشير له صراحة أن بإمكانهم العودة مجددًا ويمكنها أن تصبح زوجته طالما أن عدة طلاقها لم تنتهي بعد. التفت جلال تجاه الباب وسحب يده بهدوء فور رؤيته لفريال. ورغم الضيق الذي صابه من مجرد تخيل الشجار والاكتئاب المقبل عليه، إلا أنه أظهر الثبات الانفعالي الغريب. على عكس فريال التي احتقنت نظراتها وأظلمت عينيها وأصبح وجهها مخيفًا يبشر بطوفان مدمر قادم وأول من سيغرق فيه...
رواية و بالعشق اهتدي الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى محمود توفيق
داخل زوايا المستشفى تحديدًا بالطابق الثالث حيث غرفة العناية المشددة، كان بشار يقف أمام الغرفة ينظر من الزجاج لها ويراقبها بنظراته التائهة. اليوم هو اليوم الثاني منذ الحادثة ومازالت لم تفتح عينيها، مازالت ترفض العودة لذلك الواقع الأليم. لا يعرف إلى متى سيظل ينتظر استيقاظها وهو يراقب الأبواب والزجاج على أمل أن يرصد أي حركة أو إشارة منها تؤكد له أنها عادت لوعيها.
صراخ أمها ونحيبها المرتفع بعدما علمت بما أصاب ابنتها مزق قلبه حزنًا عليها أكثر، وازداد شعور الذنب بنفسه وأصبح يأكله أكل. حاول تهدأتها وهو يؤكد لها أنها ستعود لوعيها قريبًا وستصبح بينهم من جديد ولكن لا فائدة. ظلت كما هي تصرخ وتبكي على ابنتها وفلذة كبدها، وبصعوبة أقنعوها بالعودة إلى المنزل في الليل والعودة لها مرة أخرى بالصباح.
فاق من شروده عندما لمح الممرضة وهي تخرج من غرفة مريم بعدما انتهت من الفحص الروتيني على حالتها الصحية، فأسرع نحوها ليوقفها وهو يسألها باهتمام:
_ مفيش أي جديد؟
هزت الممرضة رأسها بأسف وقالت وهي تحاول بث الأمل لنفسه اليائسة:
_ للأسف حتى الآن مفيش بس حالتها الصحية مستقرة وأن شاء الله قريب تفوق.
التفت بشار برأسه للخلف ينظر لها من الزجاج ثم عاد للممرضة أخرى وقال برجاء ووجه مهموم وتائه:
_ ينفع أدخلها وأشوفها؟
سكتت الممرضة وهي تزم شفتيها كإشارة على الرفض بأسف، فهتف بسرعة متوسلًا:
_ أنا مش هطول خمس دقائق بالظبط وهطلع، هشوفها بس وأقعد چارها شوية.
أطالت الممرضة النظر لوجهه وقد اشفقت على حاله وشعرت بحبه الصادق وشوقه لها، فردت باستسلام:
_ ماشي بس خمس دقائق بالظبط لأن أنا لو حد عرف أني سمحتلك تدخل هتجازى.
هز بشار رأسه لها بالموافقة في ابتسامة ممتنة، ثم طلبت منه ارتداء القناع الطبي قبل الدخول وتعقيم يديه جيدًا وكذلك ارتداء كيس طبي بقدمه ونفذ جميع التعليمات. وفور دخوله من باب الغرفة توقف للحظة وهو يتمعنها بأسى ثم تقدم بخطواته منها حتى أصبح أمامها مباشرة وجثى على قدميه أمامها وهو يتمعنها بأعين دامعة يملأها الندم والحزن عليها. ثم رفع يديه واحتضن بكفيه كفها في كل رفق وهمس لها بصوت مبحوح:
_ حقك عليا يامريم أنا السبب، أنا مش هسامح روحي واصل على اللي حصلك ده.
توقف لثواني وتابع بصوت بدا يظهر به بحة البكاء بوضوح:
_ فوقي وارچعي أبوس يدك، انا عارف أنك متستاهليش مني كل ده ولا تستاهلي اللي حصلك، أنا كنت عاوز أسيبك عشان عارف أنك تستاهلي واحد أحسن مني وتستاهلي كل خير يابت الناس، ومكنتش عاوز أظلمك معايا، وده ميمنعش غلاوتك ومعزتك في قلبي وأن قلبي بيتقطع عليكي وأنا شايفك إكده قصادي.
رفع أنامله ومسح دمعة حارة سقطت من عينه ثم راح يربت فوق كفه بكل حنو وهو يتمعن النظر في ملامحها الطفولية البريئة وكأنها أشبه بطفل صغير في ثباته العميق. لم ينتشله من تلك اللحظات إلا دخول الممرضة بعد مرور الخمس دقائق وهي تطلب منه الخروج، فاستقام واقفًا وطبع قبلة دافئة على كف مريم قبل أن يستدير ويغادر.
***
بمنزل إبراهيم الصاوي بغرفة الجلوس حيث يمكث فيها عمران من ساعتين تقريبًا وهو بانتظار آسيا التي لا تجيب على اتصالاته ولم تعد للمنزل. كان قد وصل لأقصى مراحل الثوران وعلى أتم الاستعداد لينفجر بها فور رؤيته لها. ولا يمكن إيقاف وساوسات الشيطان الذي يوسوس له بأنها حقًا كذبت عليه وذهبت لأخته أو ربما ذهبت لتقابل شخص مجهول لا يعرفه. رغمًا عنه أصبح شبه مستسلمًا لتلك الأفكار المُسممة بسبب تأخرها وعدم ردها على اتصالاته.
أخيرًا سمع صوت باب المنزل وهو ينفتح وينغلق وصوت أمه وهي توجه حديثها الحاد لزوجته هاتفة:
_ جوزك مستنيكي چوا يابت چليلة.
ضيقت آسيا عيناها باستغراب ورمقته إخلاص بحنق لكنها قررت عدم الاكتراث لأمرها، وتحركت باتجاه غرفة الجلوس حيث ينتظرها زوجها وكانت تحمل بيديها أكياس بها مستلزمات مختلفة ما بين ألعاب لطفلها وملابس وأشياء خاصة بها هي. دخلت الغرفة وهي تضحك باتساع ووجهها ممتلأ بالحماس لكي ترى عمران ما اشترته، لكنها اصطدمت بوحش ثائر يصرخ:
_ كنتي وين ياست هانم؟
ضيقت عيناها بحيرة وقلق من منظره المخيف لتجيبه في هدوء:
_ چرا إيه ياعمران ما أنا قولتلك أني طالعة أشتري كام حاجة ليا ولولدي.
عمران بصوت جهوري مرعب بعدما اندفع نحوها كالثور الهائج:
_ ومش بتردي على الزفت التلفون اللي ماسكاه في يدك ده ليه، ولا هو ماسكاه كده عياقة ملوش أي تلاتين لازمة!
آسيا بخفوت واضطراب بسيط منه:
_ التلفون بيعمل صامت لوحده ياعمران، أنت إيه اللي معصبك كده؟
مال بوجهه للجانب وهو يمسح على شعره نزولًا للحيته ثم عاد لها بنظره مجددًا وقال بنظرة تحمل الشك وتعبيرات وجه مرعبة لا تبشر بالخير أبدًا:
_ يعني أنتي مرحتيش عند فريال ولا قابلتي حد من ورايا.
اتسعت عيناها بدهشة وقالت بنبرة ارتفع صوتها قليلًا وحزم وهي ترفع أمامه يديهم بالأكياس:
_ أنا إيه اللي يوديني لفريال وبعدين أنا قولتلك طالعة أشتري واهي الكياس قصاد عينك افتح وشوف فيها إيه لو مش مصدق.
تراخت عضلات وجهه قليلًا ولكن نظرته أصبحت أكثر رعبًا وهو يسطلها عليها كالأسد ويهتف بنبرة هادئة عن السابقة لكن بصوت مهيب:
_ يعني أنتي مروحتيش مكان يا آسيا وبعد كده روحتي اشتريتي الحاجة دي عشان تسكتيني وتثبتيلي إنك طلعتي صُح تشتري حاجات ليكي وللعيل كيف ما قولتيلي.
فغرت شفتيها بصدمة من كلماته واشتعلت عيناها بلهيب الغيظ فصاحت به منفعلة:
_ انت بتشك فيا ولا إيه ياعمران!
عمران بحدة وصوت غليظ:
_ محدش جاب سيرة الشك متخرفيش بالكلام، أنا بسألك وبفهم منك اللي حصل وعاوز الرد بصراحة ومن غير مراوغة وكذب.
التهبت نيران صدرها بحرقة وشعرت بغصة مريرة في حلقها من تلميحاته واتهاماته القاسية لها فقالت بثبات محاولة الحفاظ على صمودها أمامه:
_ الصراحة إني مكدبتش عليك وطلعت أشتري حاجات صُح واهو الدليل، والتلفون كان صامت عشان كده مردتش عليك، مين عاد اللي حط في دماغك الكلام الفارغ ده وأني روحت لفريال وكذبت عليك وكنت بقابل حد من وراك أنا عارفة زين مين هو، بس مش دي المشكلة.. المشكلة أنك صدقته وشكيت فيا.
أنهت عباراتها والتفتت تهم بالانصراف لكنه قبض على ذراعها يوقفها بصوت حاد وهو يهتف:
_ اقفي عندك أنا لسه مخلصتش كلام.
توقفت والتفتت له بنظرة يملأه الخزي والعتاب متمتمة:
_ وأنا خلصت كل الكلام، يعني معدش في حاجة تاني تقولها يامعلم.
ثم انتشلت ذراعها من قبضته واندفعت لخارج الغرفة ثائرة، فاصطدمت بإخلاص في وجهها وهي تبتسم لها بخبث وشماتة، فرمقتها آسيا شرزًا وفضلت هذه المرة أن تلتزم الصمت فالأفعال دومًا تكون أجمل من الكلام.
***
وقف جلال أمام باب المنزل وأخرج المفتاح من جيبه ثم وضعه بالفعل وفتح الباب ودخل. أطلق زفيرًا حارًا بحنق فور دخوله وتحرك باتجاه الأريكة ليجلس فوقها وهو يمسح على رأسه نزولًا لوجهه ولحيته. وبعينيه يتجول في أرجاء المنزل يبحث عن الشيء الذي جاء من أجله، ثم استقام واقفًا وراح يتنقل بين الغرف يبحث بكل مكان يقطع نظره عليه. بحث في الأدراج والخزائن وحتى أسفل الفرش. وبعد مجهود شاق ووقت طويل أخيرًا عثر عليه. كان هاتف صغير كلاسيكي، فراح يضغط على أزراره بسرعة ويغلقه تمامًا وهو يتأفف مستنكرًا عمه الذي عطله عن عمله بسبب ذلك الهاتف فقط.
وضعه في جيبه وتحرك عائدًا للخارج حيث الباب ليرحل، لكنه تسمر بأرضه عندما سمع صوت الطرق العنيف على الباب وغضن حاجبيه بحيرة يحاول تخمين من الطارق ومن الذي يعرف مكان هذه الشقة من الأساس. استمر الطرق وأصبح يزداد عنفًا، فتحرك بخطواته وقرر اكتشاف بنفسه هوية الطارق وعندما فتح الباب قابل أمامه ضابط ومعه مجموعة من العساكر المسلحين، ولسوء الحظ أن الضابط كان على معرفة به وحقق معه سابقًا بخصوص عمه. وبمجرد رؤيته لجلال في هذا المنزل ابتسم لها بتهكم وقال:
_ مكنتش أحب أشوفك هنا أبدًا يامعلم جلال.
لم يلبث ليسأل ما الذي يحدث حتى وجد الضابط يسير العساكر بالانتشار داخل المنزل والبدء في البحث عن ما جاءوا لأجله ألا وهو منصور. وقف جلال بصلابة وقال بكل ثقة وهو ينظر في عين الضابط:
_ ممكن أفهم إيه اللي بيحصل ياباشا؟
رقمه الضابط بطرف عينه في استنكار وتمتم:
_ هنفهم كلنا دلوقتي!
دقائق قصيرة جدًا وخرج العساكر من الغرفة بعدما انتهوا من البحث وهتف واحدًا منهم:
_ مفيش حد يافندم والبيت فاضي تمامًا.
تجمع وجه الضابط وهتف بحدة:
_ فتشتوا الدولايب كويس وكل حتة، لقيتوا أي حاجة؟
أجابه بإيجاب:
_ أيوه يافندم مفيش أي حاجة والدولايب فاضية والبيت مفهوش أي حاجة.
لوى الضابط فمه بغيظ والتفت تجاه جلال الذي كان يقف يراقبهم بكل برود وثبات انفعالي مستفز. ثم هتف بثقة ووقار:
_ اللي بتدوروا عليه مش إهنه ياباشا، دي شقتي ومفيش حد بيدخلها غيري، وأنا من حقي أسأل على أي أساس حضرتك بتفتش في شقتي؟
طالت نظرات الضابط المستاءة لجلال ثم قال له بحزم:
_ السؤال ده هجاوبك عليه في القسم مش هنا يامعلم جلال، اتفضل معانا.
رغم أن جلال كان يشتعل من الداخل لكنه حافظ على ثباته وهدوئه التام حيث أومأ للضابط بكل استسلام وثقة مستفزة وتحرك معهم للخارج واستقل بسيارة الشرطة وانطلقت متجهة به إلى القسم.
***
داخل منزل خليل صفوان...
كانت العائلة ملتفة حول مائدة الطعام يتناولون الفطار، وكل من "علي" وغزل يجلسان في مقابلة بعضهما البعض. مرة هي ترمقه بغيظ ووعيد ومرة هو. كان كلما يتذكر ليلة أمس وشجارهم وحديثها الحميمي مع ذلك الشاب يستشيط وتلتهب نيران غيرته أكثر، وما يزيد غضبه هو ردودها المستفزة عليه وعدم خنوعها لأوامره، وإصرارها على أنها تفعل الصواب وهو لا يحق له إصدار الأوامر لها. كلما تذكره بأنه لا يحق له التحكم بها يتحول لجمرة ملتهبة وتقذف بعقله أفكار شيطانية لن ترضي أي أحد وبالأخص تلك المتمردة.
انتبه على صوتها وهي تتحدث للجد حمزة متمتمة برقتها المعهودة:
_ جدو أنا كنت عايزة آخد إذنك وأطلع النهاردة.
جاء الرد غير متوقع وتلقائي من "علي" هاتفا بغلظة:
_ تطلعي تروحي وين؟
التفت الجميع باستغراب تجاه علي باستثناء غزل التي رمقته بنارية ولم تكترث له حيث ثبتت نظرها على جدها تنتظر منه سماع الرد وكأنها لم تسمع سؤال "علي" من الأساس، ووجدت نفس السؤال من جدها لكن بنبرة حانية:
_ عايزة تروحي وين ياغزل، هو أنتي تعرفي مكان إهنه يابتي؟
ردت بكل عفوية ونظرات متحمسة:
_ لا أنا هروح المطار أصل my friend صحبتي يعني نزلت مصر وكنت حابة أشوفها وأسلم عليها.
أظلمت عينا "علي" وتحول لثور هائج فور سماعه لكلماتها وخيل إليه فورًا أن صديقتها التي تتحدث عنها هي نفسها ذلك الشاب الذي تحدثه في الهاتف كل ليلة، فهتف بعصبية ولهجة حادة:
_ صحبتك مين دي؟!
نظرت له غزل بغيظ وقالت منزعجة:
_ أظن دي حاجة متخصكش مين صحبتي، أنا بتكلم مع جدو وباخد رأيه وأذنه مش رأيك أنت.
كان الجميع يراقب تعبيرات وجه "علي" وتحوله المريب بلحظة وانفعاله الذي دون سبب حتى صاح بصوت رجولي مخيف وهو يضرب فوق سطح الطاولة بكفه:
_ وأنا بقولك مفيش طلوع ياغزل ووريني عاد هتطلعي وتروحي تقابلي صحبتك دي كيف.
اتسعت عينا غزل بدهشة من تهديده الصريح لها وراحت تلتفت برأسها حولها تنقل نظرها على وجوه زوجات أعمامها وبالأخص إنصاف ثم التفتت تجاه جدها الذي وجدته يرمق "علي" بصرامة ويهتف:
_ چرا إيه يا علي هو أنا مش موجود ولا معدش في احترام لوجودي.
هدأت نبرة "علي" قليلًا ورد على حدته بنبرة مهذبة:
_ العفو يا جدي أنت فوق راسنا.
ارتفعت نبرة حمزة وصاح بغضب:
_ امال إيه اللي بتعمله ده مع بت عمتك قصادي.
حدق "علي" في وجه غزل بغيظ وقال بصوت محتقن:
_ أصل أنت مش فاهم حاجة يا جدي، بت بتك مينفعش معاها غير كده.. عايزة اللي يمسك لجامها عاملة كيف الفرس الهايجة واللي طايح في الكل ولا كبير ولا صغير هامه.
ابتسم حمزة بسخرية وقال بتعجب:
_ آه وأنت عاد اللي هتمسك لجامها يا جواد، ولو في حاجة أنا مش فاهمها رسيني ورسينا كلنا وفهمنا يلا، أصل كل ما عاوزين نفهم سبب اللي بتعمله ده إيه؟
ثبت "علي" نظره على غزل وهو يرمقها بوعيد ونظرة رجولية أربكتها وكأنه يقول لها لو أفشيت بأفعالك أمام جدك الذي تحتمي به لن يرحمك من تحت يده أحد سواي. ثم عاد بنظره لجده وقال بلهجة حازمة:
_ يكفي أنها عارفة السبب زين يا جدي، وملهاش طلوع من البيت وده لمصلحتها لأنها فاهمة أنا هعمل إيه!
ألقى تلميحاته بأنها سيخبر الجميع بعلاقتها مع ذلك الشاب المجهول ليثير مشاعر الخوف في نفسها فقط لا غير، ليس لأنه سيفعلها حقًا، بينما هي فرمقته باستياء ونقم شديد وكادت أن تصيح منفعلة لكن أوقفه صوت رنين هاتفه وأجابته على الفور عليه وكان أول عبارة يهتف لها هي:
_ أيوة يا جلال.
صمت تام سيطر على الجميع وهم ينتظرون فهم حديثهم من باب الفضول، حتى رأوا تبدل تعبيرات "علي" للجدية والحزم الشديد وهو يثب واقفًا ويقول بصوت رجولي أجشَّ:
_ ماشي إحنا جايين ليك حالًا مسافة الطريق.
هتف حمزة باستغراب وقلق:
_ خير يا "علي" ماله جلال.
انقبض قلب جليلة رعبًا واستقامت واقفة تهتف بهلع وهي تسألهم:
_ ولدي ماله.. ولدي جراله حاجة؟
هتف علي ليهدأ من روعها ويطمئنها:
_ مفيش حاجة يا مرت عمي متقلقيش مشكلة في الشغل بس ورايحين نحلها.
ثم انحنى على أذن جده وهتف له بوضع جلال وأنه بقسم الشرطة الآن بعدما وصل بلاغ من شخص مجهول أفشى عن مكان والده ولسوء الحظ أن جلال كان بالمنزل في ذلك الوقت. اتسعت عينا حمزة بصدمة وظهر القلق والغضب على محياه وفورًا هب واقفًا واندفع للخارج مسرعًا ليلحق بحفيده ولحق به "علي" وسط دموع جليلة ونحيبها وإصرارها بأن ابنها صابه مكروه وكلٌ من إنصاف وغزل يحاولون التخفيف عنها وتهدئتها ولكن دون جدوى.
***
كان بلال يقود سيارته متجهًا لشقته لكي ينهي بعض الأعمال المتبقية في تجهيزات المنزل، لكن صوت رنين هاتفه المستمر تزعجه واضطره إلى الوقوف بالسيارة على جانب الرصيف ليخرج هاتفه وينظر في شاشته يقرأ اسم المتصل وكانت زوجته، فأطلق زفيرًا حارًا مغلوبًا وأخيرًا قرر الرد عليها فأجاب بصوت رجولي غليظ:
_ نعم يا حور.
وصله صوتها الباكي والضعيف وهي تستنجد به متمتمة:
_ بلال أنت فين تعالى بسرعة.
ظهرت معالم الفزع على وجهه وهتف بجدية:
_ في إيه مالك أنتي كويسة؟
حور ببكاء وصوت مرتجف:
_ في واحد على الموتوسيكل خطف شنطتي وخبطني وأنا مش قادرة أقف على رجلي.
تسارعت نبضات قلبه قلقًا وهتف باهتمام وصوت قوي:
_ أنتي فين طيب؟
وصفت له مكانها بالتفصيل فقال بحنو ونبرة رجولية صارمة:
_ أنا قريب منك وجايلك دلوقتي، خليكي عندك متتحركيش واهدي.
أجابته بالموافقة وأنهت معه الاتصال، ثم التفتت برأسها للجانب تحدق في شقيقتها وهي تلوى فمها بندم وتقول:
_ أنا إيه اللي خلاني اسمع كلامك شكلك هتلبسيني في الحيط، أدي آخرة اللي يسمع كلام عيلة.
هتفت شقيقتها بعدم فهم:
_ قالك إيه الأول اخلصي.
حور وهي تزم شفتيها بعبوس:
_ قلق طبعًا وجاي دلوقتي هو قريب من هنا.
قالت شقيقتها بحماس وفرحة:
_ طيب ما دي حاجة حلوة هو ده اللي احنا عايزينه، إيه اللي مضايقك يا فقر بس؟!
صاحت حور مغتاظة:
_ مفيش حاجة مضيقاني خالص، عارفة لو بلال إني بشتغل هيعلقني وبدل ما كانت خناقة بسيطة ممكن نحلها لو فضلت وراه واعتذرتله مش هيعديلي دي بسهولة بقى.
لوت أختها فمها بتهكم، لا يعجبها محاولات شقيقتها لأفساد اللحظة الجميلة التي ستشهدها بعد لحظات، بينما حور فكان شعور الذنب والندم يأكلها والخوف تعشش في قلبها وهي تتخيل ردة فعله إذا عرف أنها كانت تكذب عليه. بينما أختها فقالت بجدية:
_ أنا همشي قبل ما يجي ويشوفني وابقى ممثلة كويس احسن اكشفي نفسك يا هبلة.
رمقتها حور بطرف عينها في قرف وهي تهمس نادمة:
_ أنا ابقى حقيرة فعلًا لو سمعت كلامك في حاجة تاني، يارب ما يكشفني.
غادرت شقيقتها وتركتها وحيدة تقف بانتظار وصول زوجها. بعد دقائق قليلة وصل أخيرًا بسيارته ونزل منها متلهفًا مهرولًا نحوها وهو يهتف بخوف:
_ حور أنتي كويسة؟
هزت رأسها له بالإيجاب في صمت دون أن تجيب عليه بأي كلمة، بينما هو فراح يتلفت حوله ويسألها بغضب ويسب في ذلك الوغد الذي سرق حقيبتها وصدمها بالدراجة النارية:
_ هرب طبعًا الـ**** اللي عمل كده، مشوفتيش رقم الرخصة بتاعه؟
هزت رأسها بالنفي وهي تهتف بنظرات زائغة تخشى أن يكشفها من مجرد النظر لعيونها فقط:
_ لا مكنش مركب رخصة، أنا كويسة يابلال بس رجلي وجعاني شوية ولما أرتاح هتخف.
بلال باهتمام ونظرات دافئة:
_ يلا نروح المستشفى ونطمن.
هتفت مسرعة وكان عقرب لدغتها ورفضت رفض قاطع:
_ لا مستشفى إيه بقولك أنا كويسة مش مستاهلة كل ده، أنا بس اتخضيت وخوفت لما حصل الموقف واتصلت بيك وقتها وأنا متوترة بس دلوقتي هديت.
طالعها باستغراب من انفعالها فور ذكره للمستشفى، لكنه لم يعقب كثيرًا وقرر تجاهل الأمر، يكفي أنها بخير، فحاوطها بذراعيه وقال في حب:
_ طيب تعالي يلا اركبي عشان أوصلك البيت.
سارت معه ببطء تجاه السيارة واستقلت بالمقعد المجاور له وهو استقل بمقعده وراح يسألها باهتمام:
_ شنطتك فيها حاجة مهمة، أنا ليا معارف في القسم وهجيبه الـ****.
ارتعدت بشدة خوفًا من أن يكشف أمرها وقالت بحزم:
_ يابلال حصل خير خلاص الشنطة كانت فاضية وأنا كويسة متدخلش نفسك في حوارات، واللي عمل كده ربنا يسامحه هنعمله إيه يعني.
استفزته بسلبيتها ورفضها الغير مبرر في العثور على ذلك السارق فصاح بها منفعلًا:
_ هنعمله إيه.. هنحب على رأسه لما نشوفه وهنقوله متعملش كده تاني عشان اللي عملته ده غلط ياباض.
ضحكت رغمًا عنها ومالت بوجهها للجهة الأخرى تخفي ضحكها محاولة الثبات والاستمرار في حيلتها حتى لا تُكشف، لكنه لسبب ما شعر بغرابة بها فدقق النظر بها وقال بحدة:
_ حور بصيلي انتي بتضحكي على إيه شايفة الموضوع يضحك للدرجة دي يعني، واحد سرق شنطتك وخبطك و الله أعلم كان ممكن يعمل إيه أكتر لولا ستر ربنا.
فشلت في التحكم بضحكاتها واستمرت في الضحك حتى بعد كلماته فراحت تحدق به بعينان تفيضان بالاعتذار والحب وسط محاولاتها البائسة لحجب ضحكاتها وهمست له بأسف وغرام حقيقي:
_ أنا آسفة بجد.
بعدما كانت علامات الاستفهام تعلو ملامحه تحولت لأخرى منزعجة واحتدمت نظراته وأدرك أن كل هذا كان حيلة سخيفة منها فقط لتثير خوفه وقلقه عليها أو ربما حتى لتجعله يسامحها وتنهي خلافهم.
***
داخل وكالة عائلة الصاوي كان يجلس بشار بعد عودته من المستشفى. رغم أنه لم يكن في حال يسمح له لمباشرة أعماله أبدًا لكنه أمل أن يخرجه العمل قليلًا من حالته النفسية ويلهيه عن تفكيره وحزنه على مريم.
بينما كان جالسًا على مقعده أمام المكتب وشارد الذهن يفكر بها وبيده الهاتف ينوي الاتصال بأحد معارفه من المستشفى ليطمئن على حالتها الصحية، سمع صوت أنثوي يحفظه عن ظهر قلب يهتف لها برقة:
_ بشار!!
رفع رأسه ونظره عن الهاتف ليسقط على رحاب التي تقف أمامه وتحدقه بعينان متعجبة وتسأله باهتمام:
_ أنت كويس؟
هز رأسه لها بالإيجاب دون رد في تعبيرات وجه عابسة ومهمومة.
فلوت فمها هي بحنق حاولت إخفائه وجلست على أقرب مقعد بجواره لتسأله بفضول:
_ مريم عاملة إيه.. خطيبتك يعني؟
لاحظ في نبرتها وهي تنعتها بخطيبته بأسلوب استهجان لكنه لم يكترث وأجابها في خفوت:
_ لسه مفاقتش ومحدش عارفة امتى هتفوق.
هزت رأسها بتفهم دون أن يظهر في محياها أي تعبيرات تأثر وحزن أو حتى إشفاق على وضع تلك المسكينة، بل بالعكس كانت الغيرة تأكلها أكل عندما رأته مهموم وحزين لهذه الدرجة عليها فقالت بكل صراحة:
_ أنت زعلان قوي كده عليها ليه؟!
رقمها بشار بنظرة مخيفة وهتف بغضب حقيقي:
_ امال أزعلش يعني يارحاب ده لو الواحد مربي حيوان عنده وجراله حاجة هيزعل عليه، أنا مقولتكش إني بكرهها وطبيعي أزعل عليها خصوصًا أن اللي جرالها ده ليا سبب فيه.
أستاءت بشدة وهتفت متهكمة:
_ ليك سبب في إيه، هو كنت أنت اللي خبطتها بالعربية مثلًا.. ده نصيبها وربنا كاتبلها كده.
بشار بصوت رجولي أجشَّ ونادم:
_ بس أنا اللي طلبت منها نتقابل عشان أقولها نفسخ الخطوبة.
رحاب بجفاء وانزعاج:
_ يبقى اللي جرالها أنت ملكش صالح بيه، ده قدر ومكتوب وأن شاء الله تقوم منها بالسلامة وبعد كده تنهي كل حاجة ولا أنت غيرت رأيك؟!
طالعها بشار بذهول وعدم استيعاب لما تتفوه به، أليست مدركة للوضع والمكان الذي تتحدث به عن ذلك الأمر؟ أردف بشار بحدة:
_ رحاب أنا في إيه ولا إيه دلوقتي، المسكينة دي في العناية المركزة والله أعلم هتفوق من غيبوبتها امتى وانتي تقوليلي نفسخ الخطوبة وننهي الموضوع، تفوق الأول وترجع لبيتها وأهلها سالمة وبعد كده نتكلم في كل حاجة.
تلألأت العبرات في عينيها ومالت بوجهها بعيدًا عنه لتخفيف دموعها وهي تجيبه بعدما استقامت واقفة:
_ حقك عليا يابشار متأخذنيش زودت عليك همك وضايقت، على العموم أنا ماشية.
تحركت بخطواتها مندفعة للخارج فلحق هو بها واوقفها عنوة بعدما جذبها من ذراعها وقال بعينان دافئة:
_ متزعليش مقصدش والله أنا اعصابي تعبانة بس من ساعة اللي حصل، ومتخافيش أنا لسه عند كلامي ليكي ومش هسيبك تضيعي من يدي تاني.
كانت ترمقه بعينيها الدامعة والمقهورة واكتفت فقط بسماع تلك الكلمات منه دون الرد، وجذبت ذراعها من قبضته لتستدير وتتركه وتنصرف، فيراقبها بنظراته حتى غادرت الوكالة بأكملها ويمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يتأفف بنفاذ صبر وحنق.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي....
بعد مرور وقت طويل نسبيًا من شجارهم العنيف، هدأت روح عمران الثائرة وقرر مصالحتها وإرضائها فلم تهون عليه، لكن عندما فتح باب غرفته ودخل وجدها تجلس على الأريكة المقابلة للفراش وتحدق في الفراغ بنظرات نارية ممتزجة بالقهر والضيق. فتنهد الصعداء وتقدم نحوها بخطوات متريثة حتى جلس بجوارها لكنها لا تعيره اهتمام ولا تنظر له حتى، فرفع يده ومد أنامله لشعرها ليمسح عليه بحنو لكن فور ملامسته لها دفعت يده بعيدًا عنها وصرخت به منفعلة:
_ بعد يدك عني.. متلمسنيش واصل.
اتسعت عينه بدهشة من ردة فعلها الشرسة وتحذيرها الصريح له بعدم لمسها، ليقول بعد برهة من الصمت:
_ صحيح أنا اتعصبت عليكي بس أنتي كمان غلطانة، أنتي عارفة زين أني بتعفرت لما مبترديش على تلفونك.
ابتسمت بتهكم وقالت في حدة:
_ وأنت عاد جاي تقعد چاري عشان تقولي أني أنا كمان غلطانة!!
لوى فمه بحنق من أسلوبها الفظ وقال بجدية ولطف:
_ لا يا آسيا جاي عشان أراضيكي وأصالحك، مش الاقيكي بتقوليلي متلمسنيش.
استقامت واقفة وقالت بنظرة جافة ومتحدية:
_ أيوه لما تبقى تثق فيا وفي مرتي أم ولدي اللي كلها كام أسبوع جاي.. يبقى وقتها تقرب مني تلمسني يامعلم.
لفظت عبارتها الأخيرة وهي تنعته بـ "معلم" في استهجان وغيظ متعمدة إثارة جنونه وبالفعل هب واقفًا وهتف بسخط:
_ إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده، هو أنا لو مبثقكيش فيكي هخليكي على ذمتي لحظة واحدة، بلاش تخرفي بالكلام يا آسيا كل ما في الموضوع أني اتعصبت لما مردتيش عليا وفكرت أنك فعلا ممكن تكوني بتعملي حاجة من دون عملي أو روحتي مكان وكذبتي عليا.
وقفت أمامه بكل شموخ وتطلعت في عينه بحدة لتهمس:
_ وتفكيرك ده معناه إيه مش عدم ثقة فيا برضو!
عمران بنظرة مرعبة:
_ واللي خلاني أفكر كده أنك سبق وعملتيها كتير فمستبعدتهاش منك.
آسيا بابتسامة قوية وتعبيرات قاسية:
_ تمام يامعلم وقت ما تقرر تثق فيا كيف ما بثق فيك يبقى لينا كلام تاني.
استدارت وتحركت خطوتين باتجاه الحمام لكنه قبض على ذراعها وجذبها إليها هاتفًا بغيظ واستياء شديد:
_ آسيا متكبريش الموضوع أنا جيتلك أهو وبقولك حقك عليا وعاوز أصالحك وأراضيكي بلاش عاد العناد ونشفان الراس ده.
نقلت نظرها بين يده القابضة على ذراعها وبين وجهه ونظراته الصادقة لكن لم تؤثر بها وقالت بجفاء وغضب:
_ الموضوع لازم يكبر طالما دخل في عدم الثقة والشك وأنت بدأت تصدق عني أي حاجة وتسمع لأمك اللي أنت عارف زين أنها عاوزة تخرب علينا ومتحبنيش.
أنهت عباراتها ودفعت يده بعيدًا عنها بقوة لتكمل طريقها باتجاه الحمام وتتركه يقف ساكنًا دون حركة يفكر في كلامها بحنق، لكن تبدلت تعبيرات وجهه عندما سقطت عينه على الأكياس التي جاءت بها من الخارج فقاده فضوله إليها وجلس على الفراش وبدأ يفتش ويخرج ما بها ليجد ملابس صغيرة لطفلة الذي لم يولد بعد، فأخذ يقلب بينهم ويتتمعن النظر فيهم كلهم بعينان لامعة بوميض أبوي جديد وابتسامة مشرقة ومتلهفة.
***
بمكان آخر كانت خلود تقف بالمحل التجاري الذي بجوار البناية التي تسكن بها في شقة مروان، وكانت تقوم بشراء نوع طعام تحتاج إليه وبعدما انتهت من حساب صاحب المحل واستدارت لتغادر توقفت عندما رأت مروان يقف بسيارته أمام البناية وتجلس بجواره فتاة شابة في مقتبل العمر بملامح جميلة وملابس متحررة قليلًا، وتتبادل معه أطراف الحديث بضحك ومرح. ضيقت عيناها بحيرة وفضول لكن سرعان ما عبس وجهها عندما استنتجت أنها ربما تكون حبيبته أو خطيبته فهي حتى الآن لا تعرف عنه أي تفاصيل شخصية ولا تستبعد فكرة ارتباطه.
ظلت تراقبهم بنظراتها الحزينة والبائسة ولم تنتبه أنهم خرجوا من السيارة وأن مروان وقع نظره عليها ولمحها وهي تقف أمام المحل تتابعهم فراح يشير لها بيده لكنه لا تنتبه له وكأنها بعالم آخر، فإشار للفتاة التي معه أن تنتظره قليلًا وتحرك هو بخطواته الواسعة تجاه خلود التي انتبهت له أخيرًا عندما رأته يقترب منها واطرق رأسها أيضًا خجلًا عندما أدركت أنه بالتأكيد لاحظ تمنعها وشرودها به.
مروان بتعجب وصوت حازم:
_ خلود بتعملي إيه هنا؟
رفعت رأسها وأجابته وهي عيناها عالقة على تلك الفتاة التي ترتدي بنطال أبيض ضيق ويعلوه بلوزة بحمالات عريضة من نفس اللون وتلقي على كتفيها جاكت صيفي من اللون الأسود الذي يشبه لون شعرها الحريري المنسدل على ظهرها وجانب وجهها:
_ نزلت أشتري حاجة محتاجاها من السوبر ماركت.
هتف بعتاب وانزعاج ملحوظ:
_ إحنا متفقين إيه.. مش قولنا أي حاجة تعوزيها اتصلي بيا وأنك متنزليش من البيت لوحدك.
أجابته وهي مازالت عيناها ثابتة على الفتاة:
_ محبتش أتعبك والمكان قريب مش بعيد فقولت أنزل أجيب اللي عاوزاه لوحدي.
لاحظ مروان اهتمامها المبالغ فيه بتلك الفتاة وتمنعها لها بنظرات مريبة فابتسم وقال بلطف يليق به لينهي فضولها الذي سيقتلها مكانها لمعرفة هوية تلك الفتاة:
_ طيب تعالي أعرفك على ريهام.
أزاحت نظرها أخيرًا عن تلك الفتاة التي اتضح أن اسمها "ريهام" وتطلعت لوجه مروان بقسمات محتقنة وبدا عليها عدم الراحة والضيق. لكن لم تعقب وسارت معه بصمت تجاه الفتاة وهي تجهز نفسها لتتعرف على فتاته وحبيبته. وعندما وقفت أمامها وجدت مروان يهتف وهو يقدم الفتاة لها:
_ دي ريهام صديقة ليا محامية وهي اللي هتتابع معانا قضية الطلاق.
تجمدت خلود مكانها بعدما اكتشفت هويتها الحقيقية ووجدتها تمد يدها لها لتصافحها وهي تقول بكل عذوبة:
_ مروان حكالي عنك كتير.
ظهرت البسمة العريضة على ثغر خلود وتحول حزنها لفرحة بعدما اكتشفت أنها ليست حبيبته وراحت تصافحها بكل ود وهي تجيب بإحراج:
_ أهلًا بيكي اتشرفت بحضرتك.
ضحكت ريهام وردت بمرح:
_ لا حضرتك إيه بقى أنا ريهام بس، إحنا هيكون في بينا كلام كتير من هنا ورايح وحتى قضيتنا واحد بنحارب المجتمع الذكوري.
قالت عباراتها الأخيرة متعمدة وهي تنظر لوجه مروان لتشاكسه وبالفعل وجدته يرمقها بنظرة متهمكة رافعًا حاجبه ثم يقول بغلظة صوته الرجولي:
_ طيب تعالوا يلا نكمل كلامنا فوق يا محاربة الذكور أنتي.
تحركوا لداخل البناية واتجهوا نحو المصعد الكهربائي وكانت خلود تسير بجوارهم في صمت تام وإخراج ملحوظ بالأخص عندما أخبرتها أنه تحدث عنها كثيرًا وصابها فضول قاتل لمعرفة ماذا قال عنها. لكن خجلها لم يفسد عليها سعادتها الغامرة لمعرفتها أن تلك الفتاة ليست أكثر من مجرد صديقة له.
***
كانت فريال تجوب الغرفة يمينًا ويسارًا وهي تفرك يديها بحيرة وقلق، فمنذ ساعات وهي تحاول الاتصال بزوجها لتطمئن عليه وتعرف منه آخر التفاصيل هل تم القبض على منصور أم لا، لكنه لا يجيب على اتصالاتها مما أدخل شعور الخوف لصدرها ورغم محاولاتها البائسة لتهدئة نفسها بأنه بخير وفقط ربما يكون مشغول بأمر ما لكن دون فائدة.
أخيرًا سمعت صوت رنين هاتفها فهرولت راكضة والتقطته تجيب دون النظر لاسم المتصل حتى فسمعت صوت جليلة وهي توبخها بعنف وتصرخ:
_ ولدي إيه اللي وداه القسم يابت ابراهيم، إيه بلغتي عن جوزك مع عمه!
للحظة شعرت فريال بتوقف قلبها عندما سمعت عبارة "قسم الشرطة" وازدردت ريقها بتوتر ورعب وهي تسأل بصوت مرتجف:
_ جلال وينه؟
صاحت جليلة ببكاء هادر ووعيد حقيقي بغل وحقد:
_ جلال اتمسك في القسم وبيحققوا معاه ومفيش غيرك اللي هيبلغ عن مكان منصور، لو ولدي جراله أي حاجة أو مطلعش منها يابت ابراهيم مش هيكفيني فيكي روحك فاهمة.
تسمرت فريال بأرضها وشعرت وكأن كل شيء من حولها يدور في حلقة دائرية وضاقت أنفاسها حتى أعصابها ارتخت تمامًا فسقط الهاتف من يدها وراحت تضع كفها على فمها لتبكي بصوت مرتفع محاولة كتم صوتها حتى لا يصل لأولادها بالخارج، ولا تلفظ سوى بكلمة واحدة وسط بكائها وارتجافها الشديد:
_ جـــلال.
جلست على الأرض ودفنت رأسها بين راحتي كفيها تبكي بحرقة على زوجها الذي سقط في الوحل وهو بريء بسببها.
***
داخل قسم الشرطة....
بعدما انتهى الضابط من تحقيقه مع جلال الذي أخبره أنه كان على خلاف مع زوجته واراد أن يرتاح قليلًا وذهب بشقته الثانية ليبقى فيها بعض الوقت، لكن الضابط لم يصدقه وأصر على دليل واضح أمامه يثبت له صدق كلامه وأنه بالفعل لا يعرف مكان عمه أو أنه لم يكن في هذا المنزل بالفعل وتم تهريبه.
خرج جلال من غرفة الضابط والعسكري يكبل يديه ليأخذه على الحبس لكنه توقف بالخارج يتحدث مع "علي" وجده الذي هتف له بوعيد:
_ متقلقش كلها كام ساعة وتطلع يا ولدي مش هنسيبك هنا.
هتف "علي" بنبرة حازمة وجادة:
_ المحامي زمانه على وصول وكيف ما قال جدي كام ساعة بالكتير وتطلع، هو الظابط حاطك في دماغه بس لما ملاقيش عليك دليل هيطلعك والبلاغ هيعتبره بلاغ كاذب.
هز جلال رأسه بتفهم وقال في ثبات وبرود تام:
_ عارف يا علي أنا مرتاح في اللي بتقوله ده ويمكن اطلع قبل ما يوصل المحامي كمان، بس انتوا متجيبوش سيرة لحد وبذات فريال.
لوى "علي" فمه بنظرة مريبة وبدأ عليه الضيق البسيط بعد ذكره لفريال ثم انحنى على جلال وهمس له في أذنه بجدية:
_ أنا عارف أنه مش وقته بس تقريبًا فريال هي اللي بلغت لأن كيف ما عرفت أن البلاغ كان من ست............. نهاية الفصل ..........