تحميل رواية «نيران عشقك السرمدي» PDF
بقلم خلود بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
أبحرت السفينة ترسو في ميناء على ساحل البحر الأحمر يترجل من فوقها شاب في أواخر عقده العشرون يهبط بخفة ومرونة لينادي صديقه: هيا يا أنس أسرع علينا عدم تضيع الوقت. ليرد الآخر باستجابة: انني قادم يا رجل تمهل قليلًا. التفت يتفحص المكان بعناية حتى صدح صوته مجددًا: من اي مكان سنذهب!؟ هل عندك علم؟ اقترب الأخر بترقب يبحثُ عن طريق للمكان الذي سيذهبون إليه حتى تكلم بتذكر: أجل "الشيخ صفوان" أخبرنى من قبل انه سيرسل شخصًا يدلُنا على الطريق. وكيف عليهم معرفة أننا وصلنا؟ نطق بها عابد ليردف أنس بهدوء: لا تقلق يا...
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل الأول 1 - بقلم خلود بكري
أبحرت السفينة ترسو في ميناء على ساحل البحر الأحمر يترجل من فوقها شاب في أواخر عقده العشرون يهبط بخفة ومرونة لينادي صديقه:
هيا يا أنس أسرع علينا عدم تضيع الوقت.
ليرد الآخر باستجابة:
انني قادم يا رجل تمهل قليلًا.
التفت يتفحص المكان بعناية حتى صدح صوته مجددًا:
من اي مكان سنذهب!؟ هل عندك علم؟
اقترب الأخر بترقب يبحثُ عن طريق للمكان الذي سيذهبون إليه حتى تكلم بتذكر:
أجل "الشيخ صفوان" أخبرنى من قبل انه سيرسل شخصًا يدلُنا على الطريق.
وكيف عليهم معرفة أننا وصلنا؟
نطق بها عابد ليردف أنس بهدوء:
لا تقلق يا صديقى انه يعلم إننا سنصل اليوم.
ولم يستكمل كلامه حتى رأى شبه خيال يقترب منهم.
اقتربت في خطواتها محكمة وشاح رأسها بإتقان يتدلى فوق فستنها المخملي الفضفاض ليشرد بها وهى قادمة من بعيد حتى أخذه تفكيره بكونها حورية هذا البحر!
ظلت تقترب ببطء حتى وصلت لموقعهم لتتكلم بحياءٍ شديد ولم يظهر منها شيء فقد خبئت ملامحها بذلك الوشاح:
ابى الشيخ "صفوان" فى انتظاركم ويعتذر جدًا عن عدم مجيئه لاستقبالكم لأنه يشعر ببعض المرض.
تطلع بها للحظة ثم تحدث بهدوء:
يكفي وجودك سائل الله له الشفاء.
زاد حياؤها أثر كلماته فتحدثت بهمسٍ:
سأرشدكم إلى الطريق هيا فالتذهبوا معى.
ناد عابد أنس قائلًا:
هيا يا أنس لقد جاء المرسال.
أسرعوا خلفها لتمضي عدت أمتار حتى وصلو الى مخيم عملاق فرحبت بهم فى هدوء:
تفضلوا ابى بجلس فى انتظاركم.
اطرق "عابد" على كفه عدة مرات مستأذنين الدخول حتى سمع صوت يناديه:
تفضل يا بنى الديارُ أمان.
تقدم بسكون ومعه أنس حتى اقتربوا من ذلك العجوز ليرحب بهم بحب يلمع بمصداقية عيناه قائلًا:
نورتوا البلدةَ يا رجال أهلًا ومرحبًا بكم فى قبيلتنا.
ابتسم "عابد" ليقول بصدق:
أنا سعيد لأننى سأعمل معكم اتمنى من الله تيسير الأحوال.
تكلم العجوز بهدوء وجديه:
اسمك يا ولدى يلمع فى هذه التجارة من منا لا يعرف "عابد الرشيد".
ابتسم له مربتًا على كفيه بحب:
اننى عبد من عباد الله يا رجل يا طيب وكلنا مثل بعض لا فرق بيننا الا بالتقوى.
تحدث صفوان بإعجاب:
بارك الله فيك يا ولدى وفي من رباك لقد زدتُ شرف بالتعامل معك.
أخذهم الحديث فى أمور العمل حتى ضاع بعض الوقت ليهتف صفوان مناديًا بأعلى صوته على إحدى بناته حتى جاءت مسرعة.
"ذات الوشاح المخملي".
اقتربت من والدها بحياءٍ شديد حتى كادت تتعثر من شدة خجلها لتهتف بخفوت:
ءأمرنى يا أبى.
تحدث بجدية مصاحبه لبعض المرح:
هل جهزتي الطعام حتمًا جاع الزلمان؟
أجابته بهدوء:
أجل يا أبى الطعامُ جاهز الأن.
صفوان:
هيا احضريه.
ذهبت مسرعة تلبى أمر أبيها واستأذن عابد للخروج بعض الوقت.
التفت يبحث عن شيء حتى جنٰ من هول المنظر.
خلعت وشاحها ليتدلى شعرها فى نعومة عيناها الكاحلتين، تتغنج فى دلال كحبات اللّؤلؤ ملامحها المرسومة بإتقان كأنها لوحة فنية أبدع رسامُها بها لكن هنا إبداع الخالق!
دقات قلبهُ سارعة وتيرة الزمان حاول التحكم بتلك المشاعر التى اجتاحته وأن يغض بصره لكن عيناه وطبول قلبه رفضت لتلتقى نظراتهم فى هيام لتهيمُ بهِ ويهيم بها فى عشقًا سرمدي سيخططهُ لحنُ الزمان.
فى مكان آخر جلست تلك الفتاه على رصيف الطريق تبكى بشدة حتى اقتربت منها فتاه فى مثل عمرها تمد لها يد المساعدة.
اقتربت لها وجلست بجوارها قائلة بهدوء:
ما الذي يبكيكِ؟ هل فقدتِ شيء؟
زاد بكاء الفتاة بشدة ولم تجيب لتقول الأخرى:
تكلمي معي لعل الله أرسلنى لكي لأكون سبب فى محنتِكِ!
تطلعت لها فى هدوء وازالت دمع عيناها:
لماذا ينظر بعض البشر للمرأة المطلقة هكذا؟ لماذا يضعون اللوم عليها فى كل شيء؟
ولماذا تُهان وتُسلب حريتها، ويلقون عليها أبشع التهم لمجرد انها تطالب بحقها؟ هل هذه هي أمة محمد (صل الله عليه وسلم)؟
أجبتها بهدوء:
ولماذا تعطى للبشر أكبر من حجمهم اتركيهم لله ما دمتِ لم تخطئي.
هكذا هم بعض البشر وهى تلك طبيعتهم السيئة امضى فى حياتك تاركة لهم اثم الظنون ولكى الأجر لن تتوقف الحياة هنا اجعلي، يقينكِ بالله يتغلب على قدرك يا اختي سيعوضك الله فى دنياكِ وأخرتكِ.
هدأت "عنان" قليلًا وازالت دمعة عينيها ورفعت رأسها لتجد فتاه يغطى جسدها بالكامل لم يظهر منها شيء سوى تلك العينان اللامعتان ببريق الأمل والرضا والإيمان حتى تحدثت بخفوت قائلة:
وكيف لي أن أحزن بعد حديثك هذا لقد ادخلتي السرور على قلبى يا أختي.
لمعت عيونها ببريق الابتسامة الصافية وضمتها فى احضانها قائلة بصدقٍ وحنان:
من كل قلبى سأدعو لكِ بالسعادة والعوض الجميل دائمًا وبحمد الله انني كسبت أختً مثلك سنكون من اليوم اخوات واصدقاء للأبد.
ان احتجتي لشيء ستجديني دائمًا معكِ مُلئت الابتسامة وجهها يشع منه نور الأمل فقالت صادقة:
خير الصديقة والأخت.
لكن لم اعرف اسمُكِ بعد؟
اجابته بضحكة خافتة:
أسمي " مريم "وانتي ما اسمك؟
ابتسمت بحب:
وانا عنان.
احتضنوا بعضهم فى مودة وحب وظلو يتبادلون اطراف الحديث لتبدأ قصة صداقتهم البريئة بطهر قلوبهم المعطاءة.
زاد حياؤها عندما رأته يتطلع لها هكذا والأغرب تلك النبضات التى هاجمت صدرها فجأة لتجذب الوشاح بتوتر وتغطى رأسها لتجده قد اختفى تمامًا من أمامها لتتحدث بصوتٍ خافت:
لماذا كان ينظر لى هكذا؟ ولماذا ارتجف قلبى لقربه هل وقعت أسيرة له لا أدرى منذُ ان رأيته في الصباح وحالي ليس هو ماذا فعل بى؟
جذبت الصحون بدقة لترص أصناف من الطعام الشهى الذى أعدتهُ بناءًا على رغبة أبيها تكريمًا لضيوفه حتى اتمت عملها وذهبت اليهم كانت خطواتها فيها شيئًا من التوتر والخجل، تخشى التطلع إليه فلقد زاد خجلها بعد ان رآها هكذا لتضع الطعام أمامهم وتذهب مسرعة قبل أن تلتقي النظرات فحتمًا ستفقد صوابها.
تناولوا الطعام تحت حديثهم عن العمل وتم الاتفاق على انهم سيمكثون ثلاثة أيام لحين الأنتهاء من تحميل البضائع على السفن وإتمام أمور الصفقة.
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل الثاني 2 - بقلم خلود بكري
أسدلت ستائر الليل تحت لمعان النجوم، وضوء القمر اللامع على مياه البحر بإبداع الخالق.
جلس على رمال الشاطئ ينظر لتلاعب أمواج المياه ليشرد بها.
أغمض عيناه في هدوء يتنفس ببطء، حتى لاحظ أنس حالته الغريبة بالنسبة له ليتحدث بقلق:
"ما الأمر؟ هناك شيء يقلقك؟ لماذا وجهك شاحب هكذا؟"
صمت قليلًا ليجيب بعد عدة دقائق:
"لقد وقعت في الحب."
نظر له أنس ببلاهة:
"ماذا تقول؟ ومتى؟ ومن هي الفتاة؟"
فرك كفيه في توتر وحيرة:
"لقد وقعت أسير العشق من النظرة الأولى يا صديقي، ولا أدري ماذا أفعل! أشعر أن روحي قد سُلبت مني!"
علت الدهشة معالم وجهه ليردد بتعجب:
"هل أنت في وعيك يا عابد؟ من هي تلك الفتاة التي أوقعتك هكذا يا رجل؟ أشعر أنك أصبحت شخصًا آخر!"
احتاج إلى أن يخبره بها فشرد في صمت مريب، ليتحدث فجأة:
"سوف أطلبها من أبيها غدًا بإذن الله."
قهقه أنس بشدة ليطرق على جسده عدة مرات ظنًا منه أنه يحلم أو به مرض، فأردف بتعجب:
"هل جننت يا عابد؟ أو بك أذى؟ ما هذا الذي تتحدث به؟ ستقودني للجنون حتمًا!"
تطلع إليه ببرود قاتل:
"ما الجنون في هذا؟ لقد دق قلبي رغمًا عني، وهذا ما كنت أنتظره..."
شعر بجدية حديثه ليقول بعد مهلة قضاها في التفكير العميق ليستوعب الأمر حقًا:
"ومن هي حليفة الحظ؟"
أشاح بوجهه إلى البحر يتنفس ببطء قائلاً:
"صاحبة الوشاح المخملي."
جن أنس وأخذ يتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة وهو يصيح بغضب شديد:
"أنت تقودني إلى الجنون! تحدث معي بجدية، لم أعد أفهمك..."
هب واقفًا ليُشير إليه وهو ذاهب إلى الخيمة ليردد بعد صمت:
"ابنة الشيخ صفوان."
اجفل رمشيه عدة مرات حتى شلت الصدمة أواصره:
"ستتزوج فتاة لم تعرفها إلا منذ يومين؟ هل هذا يُعقل؟"
نظر له في جدية قائلًا:
"وما هي مشكلتك؟ أنا من سأتزوج! ولا أريد بها سوى الحلال كما أمرني ربي."
جذبه في غفلة إلى أحضانه ثم استرسل حديثه بفرح:
"ألف مبارك يا حبيب القلب، أتمنى لك من قلبي التوفيق والسعادة."
بادله تلك البسمة الصافية وهو يقول بمحبة:
"ونعم الرفيق، أدامك الله لي بكل الأوقات رفيقًا صالحًا."
♡♡♡♡♡♡
صوت صياح عالٍ أرعب قلبها، شعرت بدوار يهاجم رأسها.
اقتربت بهدوء من الباب لتجد زوج أمها يصيح بها في غضب:
"أحضري لي الشاي، لماذا تجلسين في هذه الغرفة؟ ألم تعلمي أنني سأعود للبيت في هذا الوقت؟"
هزت رأسها في تعب واضح:
"إنني أشعر ببعض المرض وكنت أريح جسدي قليلًا..."
نظر لها نظرة يملؤها الحقد والطمع:
"هل كنتِ تبنين قواعد البيت أم تخترعين شيئًا خارقًا لكي ترتاحي؟!"
صمتت قليلًا ولم تجب، ليقترب منها في محاولة للمس جسدها، لتصفعه على وجهه بغضب جامح وتبعده عنها في نفور وكره وهي تصرخ به في غضب:
"هل جننت؟ كيف لك أن تفعل هذا؟ لا تظني أنني ضعيفة، وتستهين بي. إن حاولت تكرارها ستكون نهايتك على يدي، أعدك بهذا."
وتركته يشتاط غضبًا ورحلت من أمامه.
سكنت ملامحه بصدمة ثم أردف في وعيد:
"سأجعلكِ تدفعين الثمن عمرًا كاملًا..."
♡♡♡♡
أتى الصباح ليعلن عن بداية قصة عشق ستخلد في كتب التاريخ لتجمع حبيبين جمعهم عشقًا سرمديًا.
من الوهلة الأولى لتتربع على عرش قلبه، صاحبة الوشاح لتعلن له أن عوض الله يمحو مُر ما قد مر به، لتكون له وطنًا كان يظن وحدته فيه.
جلس يتبادل أطراف الحديث مع الشيخ صفوان حتى همهم قائلاً في خجل وتوتر:
"أريد التحدث معك في أمر هام."
أجابه بهدوء وحكمة:
"تفضل يا بني."
صمت قليلًا يستجمع شتات عقله، فقال بعد صمت:
"أريد القرب منك، هل تسمح لي أن أطلب ابنتك للزواج؟"
تعجب الشيخ وعلت ملامحه الدهشة والفرحة في آن واحد، فأجاب مبتسمًا:
"وهل لي أن أرفض شاب مثلك يزيدني شرفًا أن أعطيك إحدى بناتي."
ربت على كفيه في حب:
"الشرف لي أيها الرجل الطيب."
صفوان بتساؤل:
"ومن تريد من بناتي للزواج؟"
رسمت الحيرة معالم وجهه، فهو لا يعلم اسمها حتى، لكن أوضح قائلًا:
"تلك التي كانت تضع الطعام البارحة."
ابتسم الشيخ في ود قائلًا:
"رحيق، إنها ابنتي الكبرى ودرعي اليمين، هنيئًا لك. أعدك ألا تندم على اختيارك يا بني، سوف أخبرها بالأمر وأعطيك الجواب."
عابد بوقار:
"حسنًا، سأنتظر ردك قبل سفري، أنت تعلم أنني سأسافر غدًا بإذن الله."
ربت على كفيه بحب وهو يقول:
"أجل يا بني، لا تقلق."
♡♡♡♡
تصطبغ وجهها بحمرة الخجل وأخذت تفرك أصابعها في توتر أثناء حديث والدها معها بطلب عابد للزواج منها، لتتحدث بصوت خافت خجول:
"مثلما تريد يا أبي، الأمر لك، ما تراه صالحًا أفعله."
ضمه إليه بحنان قائلًا:
"إنه رجل صالح، لن أجد أفضل منه لكِ يا بنيتي، رغم أنه يعز علي فراقك، لكنها سنة الحياة لا بد منها."
تلألأت عيونها بالدموع لتقبل رأس أبيها بحب واحترام:
"لن يفرقنا شيء يا أبي، سأكون بجوارك دائمًا."
فرت دمعة من أبيها فرحًا لها، فهي كنزه المكنون وغيابها حتمًا سيؤثر عليه، لكن حان الوقت لأن ترى دنيتها وتنعم بها.
♡••••••••••♡
ذهبت مسرعة إلى غرفتها تحاول مرارًا أن تهدئ من دقات قلبها، حتى جلست على المقعد بابتسامة بلهاء تتنفس ببطء.
لتقترب منها شقيقتها تهزها بعنف قائلة:
"رحيق! هل جننت يا فتاة؟ ما بكِ؟"
تحدثت بصوتها العذب:
"لقد طلبني للزواج من أبي، أيعقل أن تتحقق الأمنية في ليلة واحدة! أم أنه حلم سأصحو منه على خيبة أمل؟ لا لم أصدق!"
صمتت قليلًا في محاولة لمعرفة عن أي شيء تتحدث، ثم استرسلت حديثها بتساؤل وهي تقول بدهشة:
"من هذا؟ وعن أي حلم تتحدثين؟"
ابتسمت في هيام وبداخلها سعادة مُلئت قلبها:
"إنه عابد، جاء منذ أيام للعمل مع والدنا في التجارة، لكن منذ أن رأيته وشعرت بشيء تجاهه يجذبني إليه... فدعوت الله أن يكون ما بيننا حلال، وها قد أجاب."
ابتسمت ملء فمها بحب لتجذبها داخل أحضانها بفرح وسرور مهنية لها بصدق:
"مبارك يا قلبي، أنت تستحقين كل الخير."
رحيق بحب وود:
"أدامك الله لي يا خنتي."
::::::♕::::::
تسلل الفرح قلبه فور سماع موافقتها من أبيها، فجلس يتفق معه على أمور الزواج بأن يقرأ الفاتحة اليوم قبل سفره، وعند عودته يتم الزفاف.
رحب الشيخ صفوان في ود ومحبة لينادي على رحيق لتكون حاضرة.
أقبلت تتهادى في مشيتها، ولأول مرة يراها بدون ذلك الوشاح، فقد نفذت أمر أبيها بأن واجب على العروس أن يراها عريسها مرة واحدة قبل الزفاف.
جلست مقابله له تفرك كفيها في توتر، ليتحدث هو:
"كيف حالك؟"
خفضت رأسها في حياء:
"إنني بخير والحمد لربي."
وبجدية قال:
"هل تريدين معرفة شيئًا عني؟"
تحدثت بخفوت وهمس:
"أبي أخبرني كل شيء، ومع الأيام كلنا سنتعرف على الآخر أكثر."
أعجب بحديثها ليردد بحب يلمع بمصداقية عينيه:
"مبارك عليَّ أنتِ يا رحيق!"
تطلعت به في خجل لترى ابتسامته الجذابة تزين ثغره بحب لامع، لتتوه النظرات بينهم لتكتب قصتهم السرمدية.
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل الثالث 3 - بقلم خلود بكري
سطعت الشمس بضوئها اللامع لتتسلل من نافذة غرفتها داعب الهواء بشرتها في رقة لتستيقظ مسرعة، فاليوم ستودعه إلى حين اللقاء.
ارتدت فستانها الفضفاض بلون أمواج البحر الخاطفة وأحكمت وشحها بإتقان لتلقي نظرة رضا على ملابسها وذهبت إلى خيمة أبيها ليكونا في انتظاره قبل الرحيل.
كان قد استيقظ منذ طلوع الشمس أدى فرضه سأل الله التوفيق والصبر لحين أن تكون له في الحلال.
جلس على المقعد شارد الذهن احتلت معالم الحزن وجهه وخفقت ضربات قلبه بألم، أغمض عينيه في أسى حتى لاحظ أنس حالته ليقترب منه بهدوء وقلق:
"عابد لماذا أنت حزين هكذا هل حدث شيء؟"
تلألأ الدمع في عينيه مما جعل أنس يصدم من حالته ليجلس جواره بقلق على حالة رفيق دربه التي تنذر بما يعانيه.
ساد الصمت بينهم عدة دقائق ليقطعه عابد قائلاً بألم مزق قلبه:
"هذه المرة الأولى التي أشعر أنني وحيد هكذا. الآن علمت معنى أن يفقد الإنسان والديه ويحرم من حنانهم مدى العمر. صبرت سنوات لحين أن ألتقي بشخص أشعر تجاهه بالألفة والحب، الذي حرمت منه وحين وجدتها تاهت فرحتي وسط أحزاني. كيف لي أن أخبرك الآن أنني في أشد لحظات ضعفي ويأسي كنت أتمنى أن أذهب إلى أمي أخبرها بكل سرور أنني قد لقيت نصفي الضائع، وسيعم بيتك بالفرح يا أمي. حلمك أن تجدين فلذة كبدك عريسًا يزف عروسه إليكِ قد تحقق وأملأ لكِ البيت بالأحفاد والفرح. لكن أخبرني الآن يا أنس لمن سأحكي لهم عن كل هذا وأنا لا يوجد لدي ما يشاركني به؟"
شعر بألم ينغز صدره على حال رفيقه فهو يعلم مدى معاناته الدائمة ليربط على كتفيه بحب صادق:
"وما دوري أنا؟ أنا بجوارك لن أتركك أبدًا أنا في ظهرك مثل ظلك يا رفيقي."
واسترسل حديثه بعتاب:
"أنت تعلم إنني أخ لك قبل أن أكون شريك عمل؟"
ابتسم في محبة وتبدلت ملامحه في هدوء:
"أنا لم أعرف أحدًا سواك، ولا أريد أن أعرف. أنت عائلتي التي فقدتها وأنت الصاحب والأخ يا أنس. أدعو الله دائمًا أن لا يفرقنا شيء."
ابتلع غصة مؤلمة في حلقه يضمه إلى صدره:
"لن يفرقنا شيء سوى الموت يا رفيقي."
فتحت باب غرفتها بغضب لتصيح بعلو صوتها على ابنتها، فزعت عنان بخوف واستقامت بوقفتها لتدخل الأم فجأة وتطرق على وجهها بصفعة ألجمت لسانها عن النطق لتسقط على الأرض من شدة الألم لتتحدث بألم:
"ماذا فعلت يا أمي لتفعلي بي هكذا؟ حتى أنتِ يا أمي تقسين علي؟ مثل باقي البشر إن لم أجد في حضنكِ الأمان ف أين سأجده يا أمي؟"
صرخت مجددًا بها في عنف:
"لماذا تحدثتي مع زوجي بوقاحة؟ هل جننتِ ومتى ستكفين عن تلك الأسطوانة البائخة التي دائمًا تهزئين بها؟ لقد نفذ صبري عليكي."
بكت بألم اعتصر قلبها من قسوة والدتها معها لتقول بحسرة وحزن:
"إنه يتشبه علي وينظر لي نظرات سيئة. ألم يكفكِ إنكِ زوجتني من رجل لا يعرف من الدين شيء خرب حياتي وتركني وكل ذلك من أجل المال؟ أي أم تفعل بأولادها هكذا؟"
جذبتها من شعرها بعنف لتصرخ بها:
"كيف لكِ أن تتهمي زوجي بهذه التهمة؟ يكون في علمكِ ستعودين إلى زوجكِ في الغد تعملين له خادمة وترحميني من مشاكلكِ التي سئمتُ منها."
أجابتها بوجع:
"لو كان الأمر هكذا فالموت أرحم لي من حياتكم."
خرجت من الغرفة وأحكمت غلقها جيدًا فقد قررت أن تحبسها عقابًا لها عن ما تظنه هي أن ابنتها المخطئة.
جلست تبكي وتزداد شهقاتها بألم يئن بهِ قلبها المكسور من قسوة؛ من والدتها من رحمها لتُناجي ربها من وسط شهقاتها:
"يارب حنن قلب أمي علي إن كانت الدنيا تقسو فالأم أيضًا تقسو. أين أذهب وأين أجد الأمان لقلبي؟"
تذكرت صديقتها التي تهون عليها لتسرع إلى الهاتف تدق عليها بلهفة لتجيب حتى سمعت صوت ذكوري يتحدث:
"مريم هل هذا هاتف مريم؟"
أجابها بهدوء:
"نعم لكنها ليست موجودة الآن. من أنتِ؟"
حاولت التحكم في شهقات بكائها لتجيب بصوت مضطرب حزين:
"حلفتك بالله عندما تأتي أخبرها أن عنان اتصلت عليها وأريدها."
خفق قلبه أثر سماع بكائها ليقول بحيرة:
"بأمر الله سأخبرها لا تقلقي. هون عليكِ الله."
وأغلق الهاتف لينبض قلبه بألم لم يفهم ما سببه فجلس ينتظر شقيقته لتخبره من هي تلك الفتاة.
حمل بضائعه على متن السفينة وأتم عمله ليقترب من الشيخ صفوان قائلاً بمحبة:
"سأشتاق إليك أيها الرجل الطيب."
ضمه في ود:
"ونحن سنشتاق إليك يا بني. لا تطيل في عودتك."
ابتسم قائلاً:
"سأترك جزءًا منى هنا وأذهب. كيف لي أن لا أعود مسرعًا إليه؟ ستجدني قريبًا أمامك لن تشعر بغيابي لأني حتمًا لن أستطيع."
جذبت طرف وشحها في توتر أثر كلمته التي زادت من نبضات قلبها لتراهُ يقترب منها بحذر وهو يقول بجدية صادقة:
"هل تحتاجين شيئًا؟"
تكلمت بصوت صغير هادئ:
"الشكر لك. رافقتك السلامة عابد."
شعر بخفقة مجنونة احتلت قلبه أثر سماع اسمه يترنم من بين بسمتها ليقول بمشاكسة:
"اليوم أحببت اسمي يا رفيقي."
ليتركها في غمرةٍ من الخجل الذي جعلها تركض مسرعة من أمامه لتُهدئ تلك النبضات التي أعلنت الحرب عليها.
ودعهم الشيخ بالدعاء أن يصلوا إلى ديارهم آمنين لتقلع السفينة لتسير في عرض البحر وتبعد عن أنظارهم.
يقولون إن عوض الله إذا أتى ينسيك مر ما قد عنيت. ما الشيء الذي سيعوض كسر قلبها لتنعم بحياتها التي فقدتها بالظلم والقهر؟
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل الرابع 4 - بقلم خلود بكري
بعد مرور عدة أيام، وصلت السفينة إلى مكانها لتحمل البضائع إلى مصانع عابد الرشيد لتصنيع الخشب، من أكبر مصانع الشرق الأوسط. تم فحص البضائع بدقة عالية، ليقترب أنس منه بغضب مصطنع:
"لقد هرمنا يا رشيد، تسمح لي بالذهاب للبيت لأنعم ببعض الراحة؟"
قهقه عابد بشدة:
"أجل أجل، وأنا أيضًا أريد أن أرتاح قليلًا من عناء السفر. هيا اذهب وطمئني عليك بعد وصولك."
ابتسم في مشاكسة:
"لا تقلق علي، لن يخطفني أحد. إلى اللقاء يا رفيقي."
••••••••
هربت بصعوبة بالغة من تلك الشياطين البشرية التي تريد أن تلتهمها دون رحمة. تلتفت حولها باحثة عن مهرب منهم، حتى رأت ممرًا جانبيًا فركضت مسرعة في خوف من أن يلحقوا بها. وفجأة وجدت نفسها على طريق، لتلمح ضوء سيارة خافت يأتي من بعيد. فأسرعت في خطواتها تركض مسرعة إليه، تشير بيديها لتقف السيارة فجأة محدثة صوت حاد. لتقترب من زجاج السيارة تطرق عليه بشدة قائلة:
"أرجوك ساعدني!"
فتح لها السيارة بخوف من منظرها، لتسرع قائلة:
"هيا بالله عليك أسرع من هنا."
دهش من الأمر ولم يعقب، فحرك سيارته في سرعة بالغة لينطلق بها في مكان آمن، تحت بكائها الخافت خلف ستارها الذي يغطي وجهها. ليتحدث بحذر:
"هل يحق لي أن تخبريني من أنتِ ولماذا أنتِ خائفة هكذا؟"
كفت عن البكاء بألم لتجيب بعد صمت:
"أنزلني في مكان آمن، سأذهب للبيت وشكرًا لمساعدتك، سأدعو لك طيلة العمر."
هز رأسه بالنفي ثم تحدث بتعجب:
"لن أدعكِ تذهبين قبل أن تخبريني، ولن أترككِ إلا أمام بيتك. هيا أخبريني؟"
صمتت قليلًا لتشير له طريق بيتها، فما زال قلبها يرتجف من الخوف، قائلة بعد مدة:
"لقد كنت في زيارة أحد المرضى، وحين عودتي التف حولي بعض الشبان الذي لا يوجد بداخلهم رحمة ولا دين، يريدون خلع نقابي موجهين لي بعض التهم البشعة."
ليرتجف صوتها بالبكاء مجددًا لتقول بكسرة:
"ماذا سنقول لرسول الله؟ كيف سأخبره أن بعض أمته بكل هذا السوء! وإنهم لم يستوصوا بالقوارير خير!"
رق قلبه لحديثها وصوت بكائها ومعاناتها، ليتحدث بهدوء:
"لا تحزني، سيجازى كل من آذاكِ في الدنيا والآخرة. والله إن الفتيات التي من نوعك انقرضت منذ زمن. بارك الله فيمن رباكِ."
شكرته بلطف على مساعدتها لها، لتشير له على قرب موقع بيتها، حتى توقف أمام منزلها لتهبط بثقل شديد، لتذهب من أمامه تاركة قلبًا تألم من أجلها. ليشرد قليلًا حيث اختفاء أثرها ويذهب شارد الذهن بها ليردد في سره:
"لقد لقيت قدري! ما هذه الصدفة الغريبة ولماذا قلبي يؤلمني من أجلها هكذا يا الله ما هذا الشعور!"
••••••••
هرع من حالتها وطريقة كلامها، وشهقات، بكائها، وارتجاف جسدها، ليتحدث بقلق أرعب قلبه على حال أخته:
"ماذا هناك؟ ما الأمر؟"
ارتمت في أحضانه تبكي بخوف، فضمها إليه بحنان يمسد على جسدها لتهدأ قليلًا. شعر بثقل جسدها ليحركها ببطء فوجدها قد غفت، فحملها بخوف ووضعها على الفراش قارئًا بعض آيات الله. اعتلى قسمات وجهه بالخوف من أن قد يكون أصابها مكروه. فتحسس نبضها برفق ليجدها نائمة في سكون، فهو يعلم أن في حزنها تختار النوم هربًا ممن تعانيه.
••••••••
جلست بجوار النافذة تطلع لها باهتمام وشوق، فهي منذ رحيله وهى تجلس هكذا تنتظر قدومه بفارغ صبرها. لتقترب شقيقتها منها تشاكسها بمحبة:
"هل ستظلين جالسة هكذا لحين عودته؟"
التفت إليها لتجيب بشوق:
"لقد اشتقت إليه، لكن علي أن أصبر لكي لا أغضب الله."
احتل الحزن معالم وجهها البرئ، لتردد بخفوت:
"إنني فرحة لكِ كثيرًا؛ لكن قلبي يؤلمني لأنكِ ستتركينني وحيدة."
ضمتها لصدرها بعتاب:
"ومن قال هذا؟ أنا لن أستطيع تركك أنتِ وأبي أبدًا. ستأتون معي أو سيأتي عابد للعيش معنا هنا، لكن حتمًا لن تفرقنا مسافات يا 'عيناء'."
"تقولين الصدق يا رحيق؟"
أجابته بزعل:
"وهل حدث وأن كذبت عليكِ يومًا؟"
"عيناء" بأسف:
"لا والله؛ لكني يعز علي فراقك. أنتِ تعلمين أنه لن يوجد أحدًا لنا أنا وأنتِ ووالدنا."
ضمتها بحنان قائلة:
"لا تقلقي يا صغيرتي، لن أحل عنكما أبدًا."
••••••••
وسن قليلاً أمام التلفاز ليستيقظ على رنين هاتفه ليجد عدة اتصالات من رفيقه، ليتحدث بنوم:
"سأتي في الحال، ما الإزعاج إذًا؟ لقد أفزعتني، هل قامت الحروب!"
عابد بغضب:
"أريدك أمامي في غضون خمسة عشر دقيقة، وإلا أنت تعلم عقابك."
فرق عينيه قليلًا ليجيب ببرود:
"لن آتي، افعل ما بوسعك. سأذهب إلى النوم ولا أريد الإزعاج." وقفل الهاتف بوجهه وأكمل نومه في ثبات.
استشاط عابد من الغضب ليردد بوعيد:
"سأندمك على فعلتك. اصبر قليلاً." ليسرع إلى سيارته وبداخله إصرار على تلقينه درسًا على فعلته نظرًا لإهماله في عمله.
♡♡♡♡♡
عندما يتعلق الأمر بمعاناة المرأة من مجتمعها الجاهل ببعض القواعد، التي تحكم عليها تنفيذها مما أمرها به ربها ورسوله. عندما يجهل بعض البشر أن ساتر المرأة يقلل من ظهور جمالها وأنوثتها وأنه يقلل من شأنها، لكن لا يعلمون أنها تطبق دينها التي وجدت من أجله. لقد ملء الأذى قلوبهم ليحلو أذيتهم لبراءتها وعفتها وطهورها. لكن كان هناك يقين أن الله مع كل من اتبع دينه ورضاه، فسكن قلبها الراحة بوجود الله بقربها دائمًا، فسجدت تشكوه وتضرع له أن يرفع الغمة عن قلوب القساة ويهديهم لطريقه.
جلس مقابلها يسألها بلهفة وخوف:
"ماذا حدث لكِ؟ لقد أرعبتني، هل أصابك مكروه؟"
ربطت على كفيه بود لتقول بحزن شديد خوفًا من أن يفعل أخيها شيئًا يؤذيه لأجلها:
"لقد رأيت موقفًا أثر على قلبي، فلم أستطع أن أتمالك ذاتي فصرت أبكي. هذا كل الأمر. لا تخف ولا تقلق، أنا بخير."
هدأ من روعه قليلًا ليتحدث بهدوء:
"حسنًا، لكن لا تقلقيني عليكِ هكذا. لقد شعرت أن قلبي سيتوقف من الخوف عليكِ، ألم تعلمي أنكِ ابنتي!؟"
ابتسمت ملء شفتيها:
"أعتذر كثيرًا يا فراس، حقًا أني آسفة."
شاكس أنفها بكفيه وطرق على رأسها بقهقهة خافتة:
"لا عليكِ، في المرة القادمة سأقوم بمعاقبتكِ لكي تتعاملي مع الحياة بجدية. بطيبتك هذه سوف تؤذيكِ."
ملئت الابتسامة وجهها الصافي أثر كلماته لتجيب بحب:
"لن أرى في حياتي شخصًا يحبني كل هذا الحب غيرك فراس، أنت كل شيء. وأسأل الله لك كل يوم أن يرزقك ما يعوضك عن عنائك وتعبك مدى حياتك."
أجابها بمشاكسة:
"هيا أجلبي لي عروس مثلك، سأوافق في الحال."
ضحكت بشدة حتى ظهرت غمازاته الرقيقة:
"لن تجد مثلي، لكن أعدك أن أبحث."
احتضنها في حب قائلًا:
"هيا اذهبي للنوم، سيأتي ضيف غدًا لزيارتنا."
تعجبت قليلًا لتسأله في حيرة:
"من هذا؟"
بهدوء قال:
"إنه رفيقي. تصبحين على خير يا صغيرتي."
♡♡♡♡♡
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل الخامس 5 - بقلم خلود بكري
أصبحتُ أتنفسك، أصبحت روحي، تشعر بك في كل مكان.
بالقرب مني هنا أشعر بك بجواري.
ينبض قلبي بعنف عندما أشعر بقربك مني رغم أنني لا أراك.
وإن بيننا مسافات، لكني أيقنت أن الذي بداخلي لك لم يكن سوى روحك التي تركتها تسكن جميع حواسي، وتمتلك تلك النبضات المتعجرفة، وتلك الضحكة البلهاء، وروح الطفولة بداخلي، وتلك الراحة التي تغمرني بوجودك معي.
ما أشعر به تجاهك هو ليس حبًا، إنه إدمان للروح، وشيء أعدك أن أقرأ كتب العاشقين، علني أحصل على إجابة لذاك الشيء الذي يأخذ كل تفكيري، يومي، وأيضًا يسلب نومي، ومرات عدة يبكي عيني.
هذا هو حبك السرمدي الذي خطفني من أول لقاء.
تنفس ببطء بعد شعوره بنغزات خافتة تجتاح موضع قلبه شوقًا لها.
ليغزو صدره بعض الراحة لقرب سفره إليها.
شرد بها وبذلك الوشاح الذي يغطي ملامحها العذبة، عيناه الكاحلتين التي سلبت لُب قلبه، رقتها التي جذبت قلبه، وخفة روحها التي سكنت فؤاده.
كان يحلم أن تأتي فتاة تكون له عوضًا عن كل شيء خسره، وقد تحقق الحلم.
ولكن دار في ذهنه سؤال قلق: هل سيكتمل حلمي بعد أن عسرت عليّ؟ أم أنه سيذهب بعيدًا وأُحرم منه مثل كل شيء قد خسرته.
عصر الألم قلبه خوفًا من القادم، ليرفع كفه بتضرع صادق قائلًا:
اجمعني بها في حلالك يا الله ولا تُذقني مرارة فقدها.
صدح رنين جرس الباب فجأة مما جعله يفيق من شروده بها.
ليذهب بثقل إلى الباب وفتحه بهدوء.
ليصدح أنس بغل:
كل هذا الوقت لكِ تأذن لي بالدخول، أم أنك لا تريد رؤيتي؟
نظر له بغيظ:
كُف عن حركات الصغار هذه، لقد أصبحت هرمًا عجوزًا.
تغيرت ملامح وجهه بغيظ شديد مرددًا:
أشعر أنك تغار مني لأني أصغر منك سنًا وأطول شعرًا.
ليذهب كلاهما في نوبة ضحك.
ليقطعها عابد بهدوء وكأنه لم يكن يضحك منذ ثوان:
لماذا جئت إليّ؟ هل هناك شيء؟
تحدث بجدية قائلًا:
إنني ذاهب للخطبة، أريدك معي.
أنت تعلم أن والدي خارج البلاد ولم يبق لي سواك.
دهش قليلًا ثم قال:
بهذه السرعة؟ ولما لم تخبرني من قبل؟
قهقه أنس بشدة:
بنفس سرعتك يا رفيق.
لقد أصابتنا لعنة الحب من الوهلة الأولى.
ابتسم له في ود وضمه إلى صدره قائلًا:
مبارك عليك يا أنس، يكاد قلبي يطير فرحًا يا رفيق الدرب.
يقولون أن زوجة الأب تقسو على أولاده.
ولكن أيعقل أن تقسو أم على أبنائها من أجل زوجها؟
هذا من علامات حب الدنيا وإهمال الأبناء.
يأمرنا الأبناء أن نبر والدينا دائمًا، ولكن ماذا عن بر الآباء والأمهات لأولادهم ومراعاة الله فيهم؟
فإن لم نجد الأمان في بيوتنا، فأين إذًا سنجده؟
وماذا عن شعور بنت تفقد حضن أمها وحنانها وهي على قيد الحياة؟
بكت بألم صادق أوجع قلبها المكسور من أفعال والدتها معها.
لتحصل على المال لها ولزوجها وتسلب منها الحرية والأمان.
هبطت ببطء على سجادة صلاتها تشكو حزنها لخالقها.
أطالت وأطالت في السجود حتى أنها نسيت الوقت والعالم بأكمله.
وظلت بجوار ربها تناجيه.
فذهبت روحها إلى خالقها في رضا وإيمان.
لتفوز حتمًا بالجنة جزاء صبره على مر ما قد رأت في دنياها.
لتُلقن أصحاب القلوب القاسية درسًا يرافقهم مدى الحياة.
"عنان".
خفق قلبها بألم فجأة لتسرع لغرفتها راكضة بخوف أن يكون لحقها مكروه.
لتجدها ساجدة بين يدي ربها بسكون مريب.
لتحركها بعد مدة بهدوء لتقع أمامها بوجهها يشع نورًا وأثر الدمع ترتسم على وجهها بألم مزق قلبها على ما أوصلتها إليه.
صرخة دوت تصدح في أرجاء الحي.
ماتت الفتاة التي ظلمها المجتمع وقست عليها الأيام.
ذهبت إلى جوار ربها بعدما عانت من أقرب الناس لها.
احتضنتها بألم والدموع تغرقها:
أن عودي يا ابنتي، سأسقيكِ الحُبَ.
اعذريني على قسوتي، والله لن أعيدها.
ارجعي لحضني، لا تتركي لي الألم.
ذهبتِ للرحيم مثلما أردتي.
وتركتِ لي الكسرة والحسرة.
شُيدت جنازتها المؤلمة، فخطى الجميع يسكبون الدمع.
بكت كل المدينة عليها، حتى الأطفال التي كانت توزع عليهم الحلوى.
بعد مدة كان قد وصل لبيتها.
عدل من هندامه بدقة، تاركًا الابتسامة تزين وجهه.
ليطرق على بابهم عدة طرقات خافتة.
سمح لهم فراس بالدخول.
ألقوا السلام في ود وجلسوا يتحدثون.
حتى تكلم فراس باهتمام:
أنكم من أنجح رجال الأعمال في الشرق الأوسط، حتى لم يكذب الناس عندما أخبروني أنكم تشبهون بعض كثيرًا، والذي يجمعكم لم يكن عملًا فقط.
ابتسم عابد وبداخله يشعر بشيء غير مفهوم:
هذا من كرم لطفك، نحن أسسنا شراكتنا بالحب والأخوة وليس بالمال والشهرة.
فراس بصدق:
تشرفت بكم كثيرًا.
حمحم أنس بهدوء ليتحدث قائلًا:
كان قد سبق وأخبرتك سبب زيارتي إليكم، لقد جئت لأطلب القرب منك في شقيقتك.
تبسم فراس بصدق:
وأنا لن أجد لها أفضل منك، لكن أمهلني قليلاً من الوقت لأخبرها بالأمر.
توتر قليلًا لشعوره برفضها، ولكن ذكر الله في سره وترك الأمر له.
خطى لغرفتها وأطرق على بابها.
تأذن له بالدخول حتى أردف قائلًا:
لقد جاء الضيف وأريدك أن تأتي من أجل رؤيته.
تغير لون وجهها للأحمر القاتم وفركت يديها في توتر من زاد حياؤها.
لتجيب بخفوت:
إنني خجلة جدًا يا فراس، هل تعافيني؟
قهقه بهدوء ثم استرسل حديثه بحنان:
سأخرج معكِ، هيا لقد تأخرنا، لا وقت لهذا الجدال.
ابتسمت في صفو من تحت نقابها اللامع.
لتجيب وهي ممسكة بيديه قائلة:
حسنًا، هيا لنذهب.
خفضت بصرها في توتر لتُلقي السلام وعينها لم ترفع قط.
جلست جوار أخيها بهدوء.
ليتحدث فراس إلى عابد قائلًا:
أتذهب معي للخارج بعض الوقت؟
عابد بتفهم:
أجل، لنذهب.
تنفس بعمق ليتحدث بهدوء قائلاً:
كيف حالك الآن؟
شعرت بسماع هذا الصوت من قبل وتعجبت من طريقة حديثه.
فرفعت بصرها في سكون لتجده هو.
لتجيب بتوتر شديد:
أنت؟
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل السادس 6 - بقلم خلود بكري
ما يجدي البكاء نفعًا بعد الندم؟ هل سيعود ما خسرناه بأيدينا؟ ولما الندم وكل شيء كان بإرادتنا؟ لن يعود شيئًا أضعناه بقسوة حتى لو ظللنا نبكي عليه الدهر كله.
جلست أمام قبر ابنتها تكاد تموت من شدة البكاء، تُناديها بمرارة:
لا أصدق أنها رحلت.
تحدثت بألم شديد:
لماذا تركتيني؟ أعلم أنني كنت أقسو عليكِ دائمًا، لكنني أحبك. لقد كسرتِ ظهري الآن. كيف لي أن أعيش والذنب يلاحقني يا ابنتي؟ لم أحنو عليكِ يومًا. لقد فضلتُ الدنيا عليكِ وركضت خلف المال، وها أنا اليوم أحصد خيباتي في فقدك. أعلم أنكِ تسمعينني، فسامحيني يا ابنتي، سامحي لأجل الله. وأنا أعدك أن أكون امرأة صالحة مثلما كنتِ تريدين. لكن كيف لي أن أعيش دونك؟ لذلك أدعو الله أن يربط على قلبي ألم فراقك. لكن أبشري صغيرتي، لقد صحوت الآن من غفلتي.
اشتد صوت بكائها، فتحتضن قبرها وتودعها قائلة:
سأكون بجوارك قريبًا، لن يطول فراقنا.
---
خفق قلبها بجنون عندما رأته يجلس أمامها.
ليزيد توترها، ليقطع الصمت قائلاً:
لماذا كل هذا التعجب والدهشة؟
تحدثت بخفوت:
لماذا أنا؟ هل لأنك رأيت ضعفي؟
أردف قائلاً بهدوء:
لماذا تنظرين للأمر هكذا؟ لكنكِ حقًا مخطئة.
أجابته بهدوء يصاحبه بعض الألم:
أجل، أخبرني ما الأمر إذن؟
شعر ببعض الألم في صوتها ليجيب بصدق:
لقد رأيت فيكِ ما يريده الرجل في زوجته، وكنت أبحث عن امرأة صالحة. ووضعكِ الله في طريقي، كرسالة لي، ولسبب آخر ستعلمين لاحقًا إن قبلتِ.
لم تنكر أن في حديثه صدق، لكن الخوف يسكن قلبها الآن. لتتحدث بصوت خافت صغير:
سأفكر بالأمر وأستخير الله، وأعطي الجواب لـ فراس.
وتركته وذهبت بخطوات مسرعة إلى غرفتها.
اتفق فراس مع أنس أن يمهله بعض الوقت لحين إعطائه القرار الأخير. ليودعهم في رحب ويرحلوا في هدوء.
ذهب إلى غرفتها، وجدها تبكي بشدة. ليقترب منها في خوف:
ماذا أصابكِ يا مريم؟ ماذا حدث؟ هل أغضبك ذاك الشاب أنس؟
هزت رأسها بالرفض لتجيب بألم:
لقد ماتت، فراس، ماتت!
احتلت الصدمة معالم وجهه ليردد:
من هي؟
اهدئي قليلاً وأخبريني ما الأمر!
حاولت أن تهدئ من هول الصدمة لتتحدث وسط بكائها:
أتتذكر الفتاة التي أخبرتك عنها؟ تلك التي طلبتني على الهاتف وكانت تبكي، وأنت من تحدثت معها وأخبرتك قصتها حينها. لقد ماتت اليوم، ماتت وهي ساجدة بين يدي الله. لقد أخبرتها إن الله سيعوضها، لكنني لم أكن أعلم أن العوض سيكون بهذا الشكل. لقد اصطفاها الله لتذهب إليه وهي بين يديه. لقد أحسن خاتمتها. رغم شدة ألمي لفراقها، إلا أنني فرحة لنعيمها الآن في الجنة.
شعر بشيء يؤلم قلبه. فمنذ ذلك اليوم الذي حدثته، وهو يشعر أن في قلبه شيء لها. فردد في حزن:
إن لله وإن إليه راجعون. رحمة الله عليها. تذكريها دائمًا في دعائك، وافرحي لأجل ما هي به الآن. ربط الله على قلبك وقلب أهلها.
---
جلست على رمال الشاطئ تداعب أمواج المياه بخفة، لتشرد بحالها قليلاً. كيف تغير منذ أن التقت به؟
لتجد يد تمسد عليها بحنان، لتتحدث بمشاكسة:
لقد أخذكِ الحب مني، رحيق. ما عدتِ تتحدثين معي.
ابتسمت بخفة لتجيب:
لن يستطيع شيء أن يأخذني منكِ، صغيرتي وابنتي الأولى. ألم تعلمي مدى حبي لكِ!
تلألأ الدمع في عيناها لتتحدث عيناء بألم صادق:
مجرد التفكير أنكِ ستتركيني لتذهبي لبلدة أخرى يؤلمني جدًا.
ربطت على كفيها بحنان لتقول بأمل سكن قلبها:
لكني أيضًا لن أستطيع أن أترككم أبداً. سأتحدث مع أبي ليخبر عابد عن رغبتي بالمكوث هنا بجواركم، لعل يتقبل مخاوفي ويجيب.
أدخلت السرور إلى قلبها وتحضنها بفرح قائلة بغرور:
ومن يرفض طلب الشيخ صفوان؟ وأوعدكِ أيضًا أن أتحدث مع صهري.
قهقهت الفتيات بشدة، لتقطع عيناء نوبة الضحك التي هاجمتهم قائلة باهتمام:
بماذا كنتِ تفكرين إذًا؟ ما الذي يشغل تفكيرك؟
تنحنحت بحياء لتجيب بهدوء خافت:
الحب! كنت أتعجب من قصص العشاق، لكني ما كنت أعلم أنني سأكون واحدةً منها.
حاثتها عيناء على تكملة حديثها، لتسترسل كلامها بحب يلمع بلؤلؤة عيناه وخفقات قلبها تضرب كالطبول:
منذ أن أرسلني والدي لمقابلتهم، وعندما تحدث معي، خفق قلبي بجنون. شعرت بشيء يخطفني إليه، كأن روحي سُلبت مني لتذهب له.
عيناء بود:
ولماذا القلق يا رحيق؟ إنني أرى في عينيكِ القلق وبعض الألم أيضًا.
أجابت رحيق بهدوء قائلة:
إني خائفة من الأمر. لقد سار بسهولة، أخاف أن أكون قد تسرعت.
شعرت بخوفها ومعاناتها التي تخبئها دائمًا، لتردف بجد قائلة:
هذا من عند الله، لا تقلقي. سيكون خير، ضعي ثقتك بالله فقط.
أجابتها بهدوء وبداخلها شوقًا لرؤيته:
الحمد لله. اللهم إن كان فيه الخير، قربه لي.
لكن أتعلمي أنني أفتقده كثيرًا؟ رغم فقر اللقاء بيننا، لكني أشعر أنني أعرفه منذ سنوات. منذ رحيله، وهناك غصة تؤلمني. أتمنى أن يعود قريبًا.
تبسمت عيناء في حنان وقالت بصدق وفرح لها:
سيعود وتنعمي معه في رحلتكم، وتُكتب قصة حبكم في كتب التاريخ.
---
أتى اليوم الموعود للرد على أنس، فدق هاتفه ليجيب بلهفة:
السلام عليكم فراس، كيف حالك؟
فراس بود صادق:
في خير من الله. كيف حالك أنت يا أنس؟
أنس بهدوء يصاحبه لهفة:
بخير، وسأكون بخير أكثر عندما تفرح قلبي.
ابتسم فراس ليسمع صوت ضحكاته الخافتة ليجيب:
لقد وافقت مريم، وفي انتظارك لنحدد موعد الخطبة.
هلهل بفرح قائلاً:
هذا من فضل ربي. سآتي لزيارتك في الغد بأمر الله.
وأغلق الهاتف وعلى شفتيه بسمة تزين وجهه البشوش بفرحة سكنت قلبه.
---
صدح صوت أبيها ينادي عليها بأعلى صوت. تهرول إليه بخوف حتى كادت أن تتعثر مئة مرة، لتقترب منه في قلق:
ما الأمر أبي؟ هل أنت بخير؟
صفوان بحب على خوفه عليه:
لا تقلقي، أنا بخير. لكن هناك اتصال لأجلك.
تغير معالم وجهها قليلاً فتحدثت بحياء:
من يا أبي؟
أعطاها الهاتف لتتحدث قائلاً:
إنه عابد. اخرجي تحدثي معه بالخارج.
ووضعت سماعة الهاتف على أذنيها، ليعلو صوت أنفاسها بخجل، حتى كسر الصمت قائلاً:
كيف حالك رحيق؟
حاولت التحدث لتجيب بصوت خافت:
في خير من الله. وأنت كيف حالك؟
تبسم في هدوء ليردف قائلاً:
أصبحت بخير الآن.
خفقة هزت جسدها بحياءٍ لتجيب بتوتر:
متى ستأتي؟
فرح لكونها تفتقده وتريد رؤيته، ليجيب بمغازلة صريحة:
في خلال يومين. لقد اشتقت للبحر كثيرًا.
الجم الخجل لسانها، ففضلت الصمت، حتى قاطعه هامساً:
أراكِ قريبًا في رعاية الله يا رحيقي.
أغلقت الهاتف وعلى وجهها نظرة حالمة، حتى رددت في خفوت:
أراك على خير يا عابد.
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل السابع 7 - بقلم خلود بكري
في صباح يومٍ جديدٍ، تبسمت فيه الشمس لتعلن بداية دخول الأفراح لقلوبهم.
انتقت مريم ثيابًا من اللون السماوي لترتديها في المساء، وأخذت ترتل بعض آيات الله الكريم وهي ترتب المنزل.
ليقترب منها فراس قائلاً بحنان وحب صادق:
"بنوتي كبرت وبقت عروسة."
أردفت بابتسامة مشرقة:
"ربنا يبارك لي فيك يا فراس، أنت سندي في هذه الحياة."
شاكسها قائلاً:
"هيا أسرعي وكُفي عن الثرثرة، لقد اقترب موعد قدومهم."
لكمته بغضب مصطنع:
"هل ذهبت عن وجهي الآن؟"
قهقه في رحب:
"أجل سيدتي."
تممت عملها وذهبت ترتدي ملابسها لتلقي نظرة رضا على حالها، لتسمع صوت جرس الباب يدق. فدق قلبها بشدة خوفًا من القادم.
انتظرت بعض الوقت لتجد فراس يناديها. خرجت بهدوء والحياء يجعل التوتر حليفها.
جلست بجواره تستمع لحديثهم حتى تكلم عابد قائلاً:
"نقرأ الفاتحة."
أمن الجميع فور انتهائهم من قرأتها، ليتحدث أنس قائلاً:
"إن لم يكن لديكم مانع، نجعل الزفاف بعد شهر مع عابد."
دهش فراس من استعجاله ليجيب:
"لكنه وقت غير كافٍ."
تدخل عابد بالحديث:
"خير البر عاجله، نحن سنسافر في الغد وستطول رحلتنا لشهر، وبعده سنتمم الزواج."
استأذن منهم وحاور مريم بالأمر حتى وافقت، فذهب وأخبرهم بموافقتهم.
وجلسوا يتبادلون أطراف الحديث بعض الوقت حتى تحدث عابد:
"هيا أنس، فـ رحلتنا طويلة غداً."
ودعهم فراس لتلتقي نظرة أخيرة بينهم، ليخفق قلبه شوقًا لها حتى تمنى من الله أن يجمعهم قريبًا في حلاله.
***
أحزموا أمتعتهم للسفر حتى صارت السفينة إلى حيث وجهتها.
ليجلس عابد ينظر للبحر في هدوء، ليقترب أنس منه ليقول بتعجب:
"ما بك منذ البارحة وأشعر بتغيرك؟"
التفت إليه يتحدث بحيرة:
"أشعر بشيء يربطني بـ فراس، لكن لا أدري ما هو. يلازمني أحلام في صحوي أنني رأيت هذا الوجه من قبل، لكن أين ومتى لا أدري؟"
صدم أنس قليلاً ليجيب في حيرة من كلامه:
"من الممكن أن يكون جمعكم عمل منذ زمن."
عابد بإصرار:
"لكن هناك شيء غامض."
ابتسم أنس في ود ليجيب:
"لا داعي للقلق، لا تترك عقلك لأشياء ليست موجودة، واترك أمرك لله، وهيا دعنا نستريح قليلاً فالسفر سيطول والرحلة شاقة."
***
جلست على سجادة صلاتها، نفس السجادة التي كانت تصلي عليها عنان.
سجدت لله بتضرع وخشوع وصوت بكائها يصدح في أنحاء الغرفة، تناجي الله أن يلهمها الصبر على فراق قطعة من روحها.
أتمت الصلاة لترفع كفها ببكاء قائلة:
"اللهم ارزقني الصبر على فراقها يا الله، تقبلها عندك من الصالحين، واسكنها مع أمهات المؤمنين، واجعلها تشرب من يد نبيك الكريم، واجعل في قبرها نورًا يرافقها، واغفر لها ما بدر منها من سوء واعفُ عنها واكرم نزلها، واجمعني بها على خير وسامحني يا الله على تقصيري في حقها وعلى قسوتي معها واقبل توبتي يا رحيم."
مسحت دموعها وارتدت ملابسها في عجل لتخرج من المنزل، توزع الحلوى على الصغار مثلما كانت تفعل عنان.
اجتمع الأطفال حولها يبكون لتحضنهم والدمع يسيل على خديها، لتتحدث ببكاء:
"كانت عنان تحبكم كثيراً، لكنها الآن عند الله، لذلك لا تبكوا فقط ادعوا لها."
تحدثت طفلة صغيرة تقول:
"هل ذهبت عنان للجنة؟ كانت تحدثنا عنها كثيراً؟"
هبطت الدموع تغرق وجهها قائلة:
"أجل يا صغيرتي، هي الآن في جنة الله."
ابتسم الأطفال في ألم ليردوا جميعهم بمحبة لها:
"لقد زُففتِ عروس الجنة، عنان أنتِ حقاً كنتِ تشبهين الجنة، لن ننساكِ مدى الدهر يا من كنتِ تمتلكين قلباً من الجنة، وعند الله الملتقى."
ويبقى الأثر الطيب حتماً بعد الرحيل.
***
شعر فراس بتوترها وقلقها ليجلس جوارها قائلاً:
"لماذا أنتِ قلقة وخائفة هكذا؟"
قالت بألم والدمع يرافقها:
"أنني أخشى الفقد، خائفة إن تعلقت به أفقده مثلما فقدت والدي."
"ولماذا تخافي؟ اتركي أمرك لربك."
أجابته بدمع وألم:
"أخاف الحب يا فراس، أخاف أن يترك بي وجع. أخاف أن يئن قلبي يوماً ما، وأيضاً أخاف الفراق لأنه مؤلم حد الموت، إنني تائهة وضائعة ولا أدري ماذا أفعل."
مسح دموعها بحنان يطمئنها قائلاً:
"أنس شخص رائع، لن يجعل الحزن يدخل قلبك يوماً ما، إنه شخص يعرف الله كثيراً. اتركي أمرك لربك يا مريم، ولا داعي لكل هذا الخوف، أريدكِ أن تنعمي بحياتك حبيبتي، وأنا سأظل سندك مدى الحياة."
ابتسمت بحب وحضنته في حنان وود لتردف:
"دعوت الله أن يرزقك الزوجة الصالحة قريباً."
"إنني أنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر، أتمنى أن أراك ببدلة العرس يا أخي الغالي."
تبسم بمحبة صادقة:
"سأفعلها قريباً عندما أجد من تخطفني واقع أسير حبها."
قهقهت مريم لتقول:
"ألم تنم البارحة جيداً؟ أراك تحلم يا رجل."
شاركها البسمة ليجيب:
"وما خلقت الأحلام إلا أن تتحقق يا صغيرتي."
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل الثامن 8 - بقلم خلود بكري
بعد مرور ثلاثة أيام، وصلت السفينة إلى وجهتها أخيرًا. ترجل عابد بلهفة إلى حيثُ مكانهم ليستقبله الشيخ في رحب واشتياق قائلًا:
لقد افتقدتكم كثيرًا، أحمد الله على سلامتكم.
عابد بود:
سلمك الله أيها الشيخ الطيب.
جذبهم لداخل الخيمة ليرتاحوا قليلًا من عناء السفر، فجلس معهم لتبادل الحديث عن أحوالهم، ليردف عابد بشوقٍ يسكنه:
كيف حال رحيق؟
أجاب صفوان بامتنان:
بخير يا ولدي، ستأتي الآن هي وشقيقتها.
ذهب أنس لحاجته للنوم فقد عانى من هواء البحر، وترك عابد يتحدث معه حتى أتت الفتيات يجلسن جوار أبيهن.
ليتحدث عابد قائلًا:
كيف حالك يا رحيق؟
أجابته بهدوء يصاحبه بعض الخجل:
إنني بخير، أشكر الله على سلامتك.
تبسم في ود، حتى وجه حديثه لتلك الفتاة:
كيف حالك؟ هذه أول مرة أراكِ بها.
ابتسمت في صفو لتجيب:
الحمد لربي، أنا عيناء شقيقة رحيق الصغرى.
أخبرني والدي ورحيق عنك كثيرًا، لقد تشرفنا بك صهري.
ابتسم أثر كلامها الطيب:
لقد زدتُ شرفًا بكم.
لكني أريد منك شيئًا وأتمنى أن لا ترفضه.
أشار لها بالموافقة لتستكمل باقي حديثها:
لا تأخذ رحيق مني، لا يوجد لي أحدًا سواه.
تحدث صفوان يعنف ابنته:
كفى حديث يا عيناء، ليس وقت هذا الحديث.
ليتكلم عابد بجد صادق:
اتركيها تحكي ما تريد، هذا حقها، وأنا أعدكِ أن لا أحرمك منها، لا تقلقي. ما تريدينه أنتِ ورحيق سأفعله بكل ود.
ابتسم الشيخ صفوان على حسن اختياره، ليردف بإعجاب صريح:
حقًا أنك رجل بكل معاني الكلمة، لن أندم على اختيارك لابنتي يومًا ما.
هيا اذهب لترتاح قليلًا لأجل حفل المساء.
ذهبت الفتيات يجهزون ثيابهم لحفلة الخطبة، فارتدت رحيق ثوبًا من اللون الأحمر القاتم، ورفعت عنها ذلك الوشاح لتبرز معالم وجهها كالبدر في ليلة التمام. كان يزين وجهها بعض من النمش الذي أعطى لها رونقًا جذاب، كانت مثل فراشة لامعة زينت ألوانها بطبيعة خلقها الله بها، ففضلت أن تظهر بدون أي زينة وبرضا تام. خرجت مع شقيقتها إلى المكان المنشود لإقامة الحفل. وضعت عيناء الوشاح عليها نظرًا لوجود الرجال، محدثة لها بهدوء:
أنتِ تعلمين قواعدنا، لن ترفعي الوشاح إلا ليلة الزفاف.
ابتسمت رحيق بهدوء:
أجل يا صغيرتي، أعلم جيدًا.
التفت فتيات قبيلتها يهنئونها بحب، فهي محبوبة بين النساء.
دلف أبوها إلى الخيمة التي تخص النساء ليضع خاتم الخطبة في يديها، فهلل الجميع في فرح داعين الله لها أن يتم لها تلك الزيجة المباركة.
النبش في الذكريات كالجرح الذي كان قد التأم وفتح من جديد. اعتصر الحزن معالم وجهها، وخفقت نبضات قلبها بألم عندما أخبرها فراس أنه سيسافر إلى منزلهم القديم لضرورة جلب بعض الأوراق الهامة التي يحتاجها لعمله، فأردفت بحزن:
أخاف عليك أن يصيبك مكروه، البيت مهجور منذ زمن.
مسد على رأسها يطمئنها بهدوء:
لا تخافي، سوف آخذ معي فريقًا مختصًا. هناك سر عليّ أن أجده، لعلنا نجد شيئًا يدلنا على ما فقدناه.
وافقته والقلق يلازمها، فظلت تدعو الله أن يعود سالمًا.
في منزل قفل منذ سنوات، غطى التراب معلمه بوحشة قاتلة. رفع كفيه بسكون ليدفع الباب، ففُتح على مصراعيه. أخذه الحنين لتلك الغرفة التي تملأ صوت ضحكاتهم ولهوهم فيها. تذكر أخيه الذي خطف منذ زمن، ومن حسرة والديه انقلبوا بالسيارة في حادث أليم، فقدوا فيه الحياة. كان فراس يكبر أخاه الأصغر بثلاث سنوات، ويكبر مريم بخمس سنوات. أخذها وذهب إلى مكان آخر، فلم يستطع العيش في هذا البيت بعد فراقهم. أخذ يبحث في أرجاء المنزل على صورة لأخيه. دلف لغرفة المكتب يقلب أدراجها ليجد ورقة سطرت بها كلمات جعلت قلبه يرجف، أحقًا ما وجد؟ جلب الأوراق وجميع الصور أمامه ليذهب مسرعًا إلى ذلك العنوان، وبداخله أمل أنه سيجد ما يبحث عنه.
دقات خافتة طرقها بسكون، لتفتح عجوز ارتسم الشيب على ملامحها بإتقان. ليتحدث بهدوء عكس ما بداخله:
السلام عليكم يا أمي، كيف حالك؟
ارتعشت يداها بإعياء واضح لتجيب:
وعليكم السلام يا ولدي، تفضل.
دخل فراس البيت وجلس مقابل لها ليتحدث بجد:
أريد مساعدتك يا أمي في أمرًا.
وأعطى لها الصورة قائلًا بأمل يسكن قلبه:
هل تعرفين ذاك الصغير؟
دققت بها عدة مرات في محاولة مستميتة للتذكر، لتجيب بأسف:
لم أتذكر شيئًا يا والدي، هل أخبرتني ما قصة هذا الطفل، لعلي أتذكر شيئًا.
أجابه بهدوء والألم يعتصر قلبه:
هذا أخي، فقدناه في عمر الثلاث سنوات وأبحث عنه منذ دهرًا ولم أجده.
ربطت العجوز عليه في حنان وألم صادق:
لا تيأس يا ولدي، ستجده إن أراد الله.
تبسم بهدوء ليقف مودعًا لها قائلًا بشكر:
شكرًا لكِ يا أمي، هل تحتاجين شيئًا؟
أوقفته قائلة بتذكر:
اصبر يا ولدي، لقد تذكرت شيئًا منذ زمن.
جاء طفل صغير هاربًا من امرأة تضربه بقسوة، فأخذته امرأة بجوارنا وظلت تسأله هل هذه تكون أمك، فكان يهز رأسه بالرفض. وعندما رأته تلك السيدة معنا فر هاربًا، فأيقن أنه مفقود من أهله. ولجهلنا ذهبنا وأوضعناه بالملجأ. سأخبرك مكان الملجأ، لعلك تجد شيئًا يوصلك إليه هناك.
شكرها مرارًا وأخذ العنوان ورحل.
بعد دقائق وصل، فدلف إليه يبحث عن مسؤول هذا الملجأ، فوجده رجلًا خالط الشيب رأسه. ليطرح عليه السلام وبداخله إصرار أنه لن يعود إلا ومعه الحقيقة كاملة.
نظر الرجل للصورة التي أمامه بدقة، ليخرج من درج مكتبه صورة تشبهها كثيرًا، ليردف بتبسم قائلًا:
هذا الطفل الذي جاء صغيرًا وكبر وترعرع بهذا الملجأ، إنه من أفضل من مر على ملجأنا يا ولدي.
تشنج جسده بفرح ليجيب بتوتر ولهفة:
وأين هو الآن؟ هل تغير اسمه؟ كان يسمى مراد.
أجابه الرجل بجدية:
لقد أطلقنا عليه اسم عابد.
سكنت الصدمة معالم وجهه ليردد بخفوت:
عابد؟
ليسترسل حديثه بلهفة قائلًا:
وأين هو الآن؟
أجابه الرجل في ثقة:
لقد كبر، أتمم دراسته وأصبح تاجرًا مشهورًا الآن يسافر عبر البحر للعمل. لقد أثر فينا كثيرًا لشدة الخير الذي كان به، لكنه يأتي لزيارتنا عندما يكون هنا في مصر.
علت الدهشة وجهه وسكنت الصدمة قلبه، ليهلل بفرح:
شكرًا أيها الرجل الطيب، لن أنسى معروفك أبدًا.
وركض مسرعًا إلى أخته ليزف إليها الخبر، ويكاد يجن من الفرحة.
ذهب مسرعًا يقود السيارة بجنون، حتى أنه تفادى الكثير من الحوادث ليصل بعد عدة ساعات للمنزل يطرق على بابه بلهفة.
ركضت مريم نحو الباب ودقات قلبها يسكنها القلق، لتفتح بهدوء فدلف فراس يصيح بقوة:
لقد وجدته يا مريم، لن تصدقي من هو.
ارتجف جسدها قليلًا لتتحدث بهمس قلق:
من هو يا فراس؟ ما عدت أتمالك أعصابي.
تحدث صادقًا:
كنت أعلم أنه هو منذ أن رأيته، أتعجب من القدر، لقد كان أمامنا ولم نتعرف عليه!
أنصتت إليه والدمع يسيل على خديها، ليستكمل قائلًا بصدمة ألجمتها:
إنه عابد يا مريم.
تطلعت له بصدمة لتردد قبل أن تسقط مغشيًا عليها:
عابد يكون أخي؟!
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل التاسع 9 - بقلم خلود بكري
انتهت حفلة الخطبة فجلس على مقربة منها يتبادل معها بعض الحديث. فما بقى من الوقت إلا أيام قليلة لإتمام الزواج.
فركت كفيها بتوتر لتتحدث بخفوت:
كيف عرفت مقاس خاتمي؟ كأنه صُمم خصيصًا لي!
أردف بصدق قائلًا:
لقد رأيتك فيه عندما نظرت إليه.
بلعت ريقها بصعوبة واشتد خجلها لتجيب:
إنه جميل حقًا.
تبسم في ود ليتحدث ببعض الغزل الصريح:
لم أجد أجمل منكِ رحيقي.
حاولت التهرب لتتحدث بحيرة:
لماذا لم تحضر أحدًا معك من عائلتك؟
تغيرت معالم وجهه للحزن الأليم ليجيب بعد صمت طال:
لا يوجد لدي عائلة. لقد توفى أبي وأمي منذ كنت صغيرًا.
شعرت بغصة ألم تسكن روحها لتسأله باهتمام:
وأين أخواتك؟ هل رُبيت وحيدًا؟
شعر بالألم يمزق قلبه فأغمض عينيه بحزن لعله يستجمع شتاته ليجيب بعد مدة:
لا أدري إن كان لدي إخوة أو لا. لقد رُبيت في ملجأ وهناك أخبروني أنني يتيم وأنني كنت صغيرًا جدًا لا أعي شيئًا عندما أتيت إليهم.
حاولت أن تخفف ما قد سببته لتتحدث بصدق:
أعتذر لكوني جعلتك تتذكر هذه الأشياء المؤلمة.
أردف بجدية:
وهذا حقك. لقد كنت سأخبرك من غير سؤال.
لم تعد تتمالك أعصابها أمامه فاستأذنت بالذهاب إلى خيمتها وبداخلها ألم على ما قد عاناه.
بعد محاولته في إفاقتها شعر بتحرك جفنيها قليلًا ليهزها بهدوء حتى فاقت. فتنفس بقوة قائلًا بعتاب:
لماذا تقلقينى عليكِ دائمًا يا مريم؟ أخبرتك مرارًا أن تتمالكي أعصابك، هذا خطر على صحتك.
ابتسمت بحب ثم أردفت بأسف:
أعتذر حقًا يا فراس. لقد كانت صدمةٌ بالنسبة لي.
ضمها بحنان خوفًا من قد يصيبها مكروه ليجيب بصدق:
إني أخاف عليكِ من نسمات الهواء يا صغيرة، فارحمي قلبي قليلاً.
قبلت كفه بحب قائلة:
لم أشعر بفقدان أبي وأمي بوجودك يا فراس، فكنت لي كلاهما. لكن ما يؤلم قلبي الآن هو عابد، كيف عاش وكيف تربى؟ أريد أن أراه لكي يهدأ قلبي.
فراس بجدية ولهفة:
سنذهب إليه في الغد لنكون بجواره. بزفاف سيقام خلال أيام. لقد سألت على مكانه وجلبت العنوان، لكن السفر سيطول ثلاثة أيام عن طريق البحر.
لتجيب:
إنني مشتاقة إليه، هيا دعنا نجهز أمتعتنا للسفر.
تبسم ضاحكًا:
هيا أيتها المجنونة.
لمع القمر في السماء ليشهد بداية ليل دافئ على قلوب العاشقين. اقترب عابد منه ليجده شاردًا بعيدًا تزين الابتسامة ملامحه. ليجلس جواره قائلًا:
هل الأمر صعب يا أنس؟
التفت إليه قائلًا بحيرة:
الحب صعب يا رفيقي، والأفضل ألا نقع فيه أبدًا. لكنه روح الحياة، كيف لنا أن نعيش بدونه؟
عابد بسكون مريب:
وما الذي يزعجك إذا؟
تحدث بنبرة بها بعض الألم:
لم يكلف أبي وأمي نفسهم للاهتمام بي. لقد تحدثت معهم وأخبرتهم بأمر الخطبة ليجيب والدي بانشغالاتهم الدائمة. لقد فضلوا المال عني يا رفيقي. وتلك مريم تقول إنني تقدمت لها من أجل الشفقة لأنني أنقذتها من موقفٍ يومًا ما، لكني أحببتها ومن المؤلم حقًا أنني أشعر بفتورها اتجاهي.
تحدث عابد بحب:
أنتم في بداية الطريق، لا تقلق، ستكون الأمور على ما يرام. أنا هنا بجوارك عندما تحتاجني، سأكون معك.
جهزوا حقائبهم للسفر وأتموا أوراقهم لتبحر رحلتهم في الصباح الباكر.
كانت المياه تتغنج بلونها الأزرق اللامع وسلطت الشمس أشعتها الذهبية على الرمال حتى صدح صوت بقرب موعد الرحلة.
أمسك بيديها جيدًا حتى ركبت على متن السفينة لتبدأ رحلتهم التي ستغير حياة فراس إلى ما تمنى.
تحدثت مريم بإعجاب:
التطلع إلى زرقاوية المياه أمر خلاب جدًا، أشعر أنها ستكون رحلة ممتعة حقًا.
تبسم فراس على عقل طفلته:
ستكون ممتعة بوجودك. لكن سيكون أنس هناك، تعاملي معه بلطف وحاولي أن تفكري فيه قليلًا واتركي ذلك الخوف الذي يسكنك.
خفق قلبها عند سماع اسمه لتجيب بخفوت:
أجل يا فراس، سأفكر. لكن دعني أنام قليلًا الآن.
ضمها إلى صدره بحنان حتى غفت ليبتسم في هدوء قائلًا بلهفة:
متى اللقاء يا شقيق روحي؟
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل العاشر 10 - بقلم خلود بكري
رواية نيران عشقك السرمدي الفصل العاشر 10 - بقلم خلود بكري
الفصل العاشر والأخير
#نيران عشقك السرمدي
(اليوم الموعود)«ليلة زفاف»
اجتمع الشباب لتزين المكان لحفلة الزواج فاختار عابد أن يكون على شاطئ البحر ليقيم صرحًا كبيرًا يملؤه الورود الخلابة وتلك الأنوار المضيئة بشغف مقعد صنع من ورد الچوري الجذاب ليلقي عابد نظرة رضا على على ما أنجزه العمال ويذهب ليرتدي ملابسه فقد اقترب موعد الزفاف..
♡♡♡♡♡
اجتمعت الفتيات حولها لمساعدتها فى اتمام زينتها فصرخت عيناء بانبهار قائلة:
يا له من ثوب رائع انه يشبه ثوب الاميرات.
لمست الثوب بأطراف أصابعها وارتسمت على شفتيها إبتسامة حالمة، دقة لها قلبها بعشق من حسن اختياره لهذا الثواب الذي لا يقل عن ثوب الملكات بشيء فجذبته تدور به فى فرح مُلء قلبها لتصدح صوت الزغاريد تملأ خيمتُها فرحًا لها...
تحدثت عيناء قائلة:
هيا أرتديه رحيق لقد حان الوقت..
ساعدتها عيناء لترتدي الثوب لتلمع عيناه بالدموع لشدة جماله وأردفت قائلة:
لقد اختار هذا الثوب بقلبى انه رائع حقًا يشبهني كثيرًا.
وضعت الوشاح على رأسها يتدلى بنعومة على وجهها ليخفى معالمها الرقيقة...
دلف والدها الى غرفتها فرفع الوشاح عنها مقبلًا رأسها بحب صادق قائلا:
مبارك عليكى يا ابنتى أية ٌ فى الجمال أسأل الله لكي السعادة والسرور
قبلت كفه بحب لتجيب قائلة:
حفظك الله لنا يا ابي.
صفوان بجدية:
هيا أسرعوا والمأذون في طريقه إلينا
عيناء بمشاكسة قائلة:
هل جهز صهري أريد رؤيته
ضربها بخفة على رأسها قائلا:
كفى عن المزاح يا صغيرة انا ذاهب لاستقبال الضيوف عندما يأتي المأذون سأحضر إليكِ....
♡♡♡♡♡
فى الغرفة الخاصة ب عابد كان قد انتهى من ارتداء ملابس الزواج فتألق ب حلة من اللون الأسود مصفف شعره بعناية ليغمز أنس بإعجاب صريح:
ما هذا الجمال يا رجل ستنافس العروس اليوم...
تطلع له بغضب مصطنع:
ترجل فى حديثك يا أنس وهيا دعنا نذهب الى الخارج..
قهقه أنس بمكر قائلا:
اشعر انك تغار!؟
أجابه بتأكيد ولمعت عيناه بحب وتملك:
وكيف لا يغار قلبي على سگنْيَه...
ابتسم أنس في صدق ليحتضنه قائلا:
جعلها الله لك خير الزوجة والرفيقة..
♡♡♡♡♡♡
اجتمع الرجال حول الطاولة الخاصة بعقد القران ليجلس عابد مقابل الشيخ صفوان فبدأ المأذون باتمام الأوراق اللازمه حتى صدح صوت فى وسط الحضور حتى دهش أنس وركض إليهم وعلى وجهه معالم الصدمة من وجودهم الآن وكيف وصلو إلى هنا!؟
أسرع فراس إلي عابد ليقف أمامه ودموعه تهدد بالهبوط ليتحدث بهدوء به بعض الألم، والفرح، والهفة:
أنت أخي المفقود منذ سنوات وأخرج أوراقه وتلك الصور التي تجمعهم يعطيها له قائلا:
اننى أبحث عنك منذ زمن وبعد عناء قد وجدتك ألم تضم أخواتك فى أحضانك؟!
ألجمت الصدمة لسانه واحتل توازنه ليمعن النظر بتلك الصورة والأوراق التى أمامه فجذبه الى احضانه وصوت البكاء يصدح فى أذن الجميع جعلهم يبكون على حرارة اللقاء..
ركض الى مريم التى أغرقت الدموع نقبها ليأخذها فى أحضانه بشوق جارف ليجتمع الأخوة بعد فقد دام لسنوات لكن كان الحب يكمن فى صدورهم لم يطمسه غدر الزمان..
•••••••••••
استكمل المأذون إتمام عقد القران ليتحدث بصوت ملء المكان:
هل تقبل الزواج من رحيق ابنة صفوان.
ابتسم بحب ليجيب:
قبلت بها وإرتضتُها زوجةً، وأمًا، وحبيبة لى مدى الحياة...
ليعلو صوت الجميع فى محبة....
بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم فى خير...
ليصيح أنس بمرح قائلًا يا شيخ أريد أن أتزوج!
قهقه الجميع فى تعجب ليجيب المأذون بضحكة:
وأين العروس يا ولدي
أسرع أنس الى فراس قائلا:
حلفتك بالله يا أخي أن تقبل..
فراس بصدمة:
اجننت أنس كيف هذا
تدخل عابد بالأمر ليقول بغرور:
وايضا انا اخيها ولست موافق
رسم الحزن وجهه ليجب بفتور:
هل اتفقتما على؟
قهقه كلاها بشدة ليغمز فراس لعابد فابتسم قائلا:
لن نجد لمريم أفضل منك هيا فراس اذهب وشاورها بالأمر...
انتظر عدة دقائق ليعود بالموافقة فسكنت الفرحة قلبه ليتمم المأذون زواجهم فى وجود الجميع ليبدأ تهنئة العروسين بالمودة والحب.....
••••••••••
جلست على طرف الفراش تنتظره بلهفة رغم الحياء الذي يسكنها فدلف للغرفة بعد أن اطمئن على فراس ومريم ليجذبها برفق لتقف أمامه رافعًا وشحاها عنها ليقول بحب:
انتظرت تلك اللحظة منذ ان التقيتك رحيق
ثم تابع حديثه بحب يلمع بعينيه:
احبك...
شعرت بأن الهواء سحب منها لتتطلع له فى محاولة مستميتة لتتحدث لتقول برجفة حب صادقة:
وأنا أيضا أحبك..
احتضنها بقوة ليدور بها في أنحاء الغرفة لتتوج زوجة له أمام الله ورسوله...
•••••••••
فى غرفة مريم جلست على المقعد والتوتر حليفها فشعرت بخطوات تتقدم إليها لتلتف إليه فوجدته يجلس جوارها قائلا بهدوء:
لماذا تجلسي هكذا هل غضبتِ علي...
هزت رأسها بالرفض ومازالت صامته فقال بهدوء:
هل لكي أن تخلعى عنك النقاب لقد أصبحت زوجك الآن..
صمتت قليلًا لترفع نقابها بحياء ليتوه من شدة جمالها فجذب يديها إلى كفيه قائلًا بحب ولهفة مشتاق لسماع ما تخبئه له:
لا ادرى ماذا حدث عندما رأيتك تبكين فى ذلك اليوم لكن ما شعرت به كان حقيقيًا كدت ان اكسر العالم لكن انتي لا تبكي رغم انني لم اعرفكِ لكن شعرت اننى احبك منذ زمن يا مريم لذلك فإنني أخبركِ الآن أننى أعشقك منذ أن رأيتك وقبل هذا..
خفق قلبها بشدة حتى انها كادت ان تفقد وعيها لتجيب بصوت خافت:
أمهلني بعض الوقت لكي أفهم مشاعرى فأنا لا أعرف شيء عنك وايضًا الأمور سارت سريعًا...!
ابتسم بحب وحنان قائلاً:
خذى ما شئت من الوقت لكن لا تطيلي وأيضاً إجعلينا أصدقاء لحين أن تشعرى بكامل الآمان..
تبسمت فى هدوء لتجيب بصدق:
انك افضل ما قد رُزقت به وستكون خير الزوج وخير الرفيق...
•••••••••••••••
جذب إنتباه تلك الفتاة التى توليه ظهرها وتتحدث مع الخيل كأنه بشرا وليس بحيوان فا اقترب منها بخطوات خافته يحمحم بهدوء فالتفتت اليه تنظر له بدهشة قائلة:
من انت وكيف أتيت إلى هنا.
تاه بسحر عيناها التى تشبه الليل وجهها التى تملؤها الندباب الرقيقة حجابها الفضفاض كان لها سحرًا خاص جذبه إليها ليتحدث بخفوت:
لقد جئت اليوم إلى عرس أخي
تذكرت الذي حدث اثناء العرس لتجيب بتذكر:
هل أنت شقيق عابد؟!
اردف بهدوء قائلا:
اجل انا فراس شقيق عابد الأكبر
بادلته البسمة ترحب به:
اهلا بك فى قبيلتنا المتواضعة انا عيناء شقيقة رحيق..
ابتسم بإعجاب لجمال أسمها ليقول بهدوء كيف تتحدثين مع الحصان هكذا هل يفهمك.
مسدت على جسد الحصان بحنان لتجيب:
أنه مخلوقا مثلنا يسمع ويرى وأيضًا يشعر
وتركته وذهبت....
تطلع إلى ظلها بشرود بها حتى ردد أسمها بين ثغره بخفوت:
عيناء! وستكوني عيناءُ قلبي
تمت بحمد الله
بقلمي خلود بكرى العلام
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية