تحميل رواية «نظرة عمياء» PDF
بقلم زهرة الربيع
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تفتكر هتفضل تحبك بعد ما تعرف إن انت اللي اغتصبتها وكمان اتعميت بسببك؟ أنا رأيي تفكر يا عمده وبلاش تهور. ابتلع ريقه برعب دب في أعماقه وقال: • …انت…انت بتهددني يا حازم؟ ضحك الآخر بسخرية وقال بخبث دفين: • أنا بنبهك يا حبيب أخوك.. مش عايزك تغلط وتندم.. أنت اتجوزتها عشان تلم الدور وعملت نفسك الشهيد قدام أهلك… البطل اللي حمى شرفهم واتجوزها بعد اللي حصل لها… وقدامها هي المنقذ اللي أنقذها واتجوزها وهي عمية ومهتمش… بس تخيل بقى لو هي وأهلك عرفوا إنك أنت أساسًا اللي عملت كده وأنت اللي اعتدت عليها واتعميت ب...
رواية نظرة عمياء الفصل الأول 1 - بقلم زهرة الربيع
تفتكر هتفضل تحبك بعد ما تعرف إن انت اللي اغتصبتها وكمان اتعميت بسببك؟ أنا رأيي تفكر يا عمده وبلاش تهور.
ابتلع ريقه برعب دب في أعماقه وقال:
• …انت…انت بتهددني يا حازم؟
ضحك الآخر بسخرية وقال بخبث دفين:
• أنا بنبهك يا حبيب أخوك.. مش عايزك تغلط وتندم.. أنت اتجوزتها عشان تلم الدور وعملت نفسك الشهيد قدام أهلك… البطل اللي حمى شرفهم واتجوزها بعد اللي حصل لها… وقدامها هي المنقذ اللي أنقذها واتجوزها وهي عمية ومهتمش… بس تخيل بقى لو هي وأهلك عرفوا إنك أنت أساسًا اللي عملت كده وأنت اللي اعتدت عليها واتعميت بسببك إيه اللي ممكن يحصل؟
ظهر التوتر على وجه عماد وقبل أن ينطق حرفًا واحدًا قاطعه حازم وقال بسرعة:
• أنا أقولك اللي هيحصل.. هي هتكرهك.. مش بعيد تقتلك.. وأهلك بقى كلهم هيتبروا منك هتلاقي نفسك لوحدك وخسرت كل حاجة فتعقل كده وتسمع الكلام.
أغمض عماد عينيه بألم واضح وقال بيأس:
• والمطلوب يا حازم؟ تطلقها… ومش تطلقها عادي لازم تكسر قلبها.. وتخليها تكرهك بدل ما أنا أخليها تكرهك بمعرفتي.
حين قال حازم كلماته تلقت وقعت على مسامع عماد كسيف مسموم. نظر إليه باستحقار وقال:
• أنا مستعد أرجع أدفع لك قد اللي أخدته… بس تسيبنا في حالنا.
ضحك حازم بشدة وقال بسخرية:
• … للأسف مش هينفع.. أنا كنت برضى بالملاليم اللي بتدفعها لي لأني كده كده مش خسران حاجة.. لاكن دلوقتي بنت عمنا الحلوة ورثت كل فلوس جدك… والملايين دي مش هتكون غير ليا أنا.. مش هسيبك تاخد الجمل بما حمل… طلقها وكفاك لحد هنا.. أحسن بقى أنت عارف أنا ممكن أعمل إيه.
حين أنهى كلماته غادر وتركه خلفه. تقع دموعه على وجنتيه بندم شديد. أيعقل أن يخسرها ويخسر كل شيء؟ تجوب بخاطره أمنية واحدة.. لو يستطيع أن يعود بالزمن لذاك اليوم المشؤوم، لو يستطيع أن يصلح كل ما فعل ولكن دون جدوى، فقد أجرم وأصبح فريسة لندمه ولذاك الطماع الذي لا يهمه سوى المال.
جلس على الكرسي واضعًا يده على رأسه بحزن شديد. كانت تلك حالته حتى انتبه على رنين ساعة في يده. انتفض واقفًا حين سمع صوتها وركض سريعًا إلى أحد الغرف.
❈-❈-❈
حين فتح باب الغرفة نظر تالي تلك التي تجلس على سريرها بهدوء. فتاة في العشرين من عمرها ذات جمال أخاذ وملامح طفولية جدًا.
حركت رأسها صوب الباب لما سمعت صوته قائلة بابتسامة:
• صباح الخير يا عماد.
ابتسم لها قائلاً:
• … صباح النور يا حبيبتي… صحيتي من بدري؟
قالت بهدوء:
• أبدًا يا دوب قايمة حالا. رنيتلك عشان تناديلي دادا سعاد عشان عايزة آخد دش.
ابتسم على ذاكرتها التي تشبه ذاكرة السمك وجلس بجوارها يبعد خصلات شعرها الأشقر الذي يتناثر على وجهها قائلاً بابتسامة ودودة:
• دادا سعاد إجازة النهارده… مش قالتلك امبارح؟
ضربت جبينها بيدها وقالت:
• آخ.. نسيت صحيح.. طب.. طب أنا دلوقتي… احم… خلاص… أنا هتصرف متشغلش بالك.
ابتسم واقترب منها حتى شعرت بأنفاسه الحارقة تلفح وجهها. قال بهمس:
• طب وأنا هنا بعمل إيه.. هي دادا سعاد تعرف تعمل اللي هعمله أنا؟
احمرت وجنتيها بخجل وقالت:
• عماد بس بقى.. بجد اطلع خلاص أنا هتصرف.
حملها دون أي مقدمات مما جعلها تخجل بشدة وقال بعبث:
… مقدرش.. دي فرصة أضيعها مش هقدر.
ذهب بها إلى الحمام وهيه تهز أرجلها في محاولة منها لتتملص من بين يديه وهيه تقول برجاء:
• … بس بقى يا عماد هتعمل إيه نزلني أنبي.
لكنه لا يصغي إليها كأنه لا يسمعها. وضعها على حافة البانيو بمشاكسة وقال:
• سيبلي نفسك النهارده وهتاخدي شور تحلفي بيه عمرك كله.
ضحكت بخجل ولم ترد وأخذ يجهز لها حمامًا دافئًا واقترب منها قائلاً:
• يلا بقى البانيو جاهز.
قالت بخجل شديد وصوتها يكاد لا يسمع:
• .. احم.. طيب.. اطلع عشان…
لم يتركها تنهي جملتها. ضحك بشدة على برائتها قائلاً بعبث:
• أنت بتتكسفي مني ولا إيه يا توتة؟
واقترب منها وبدأ يساعدها في نزع ملابسها وهيه في أشد حالات الخجل وكأن وجهها أصبح قوس قزح بألوانه السبعة.
كان يضحك على خجلها وارتباكها، ولكن الارتباك أصبح عدوى بهذا المكان فقد جف حلقه لرؤيتها بهذا الشكل الذي لا يقوى عليه. ترتدي ملابس خفيفة تظهر أكثر من ما تخفي.. بلع ريقه بارتباك شديد وجذبها إليه بقوة.
نظر لها بعشق ورغبة تفضحه عيناه عند النظر إليها بين يديه بهذا الشكل وقال بصوت متحشرج:
• بعشقك يا تمار بحبك أوي.
وتعالت الأنفاس وتوترت الأجواء. ابتسمت بين يديه ابتسامة هادئة. لكن ما أن اقترب من شفتيها حتى أصبح الوضع كارثي. أغمضت عينيها بخوف شديد وهي ترى أمامها ظلامًا حالك وشخص يكبلها وينقض عليها كأسد جائع لم تقوى على الفرار منه.
كانت صرخاتها تصدح في أذنيها مما أجبرها أن تضع يديها عليهما تحاول أن تسكت تلك الأصوات داخلها وهي تقول بصراخ:
• .. لا… لا لاااااا … ابعد عني سبني لاااااااا.
❈-❈-❈
هنا أفاق من نوبة مشاعره الثائرة وابتعد عنها بسرعة وارتباك وهو يقول:
• تمار… تمار حبيبتي ردي عليا أنا آسف.
أخذ يحاول إبعاد يديها عن أذنيها وهيه تبكي بانهيار شديد:
• .. مش قادرة يا عماد مش قادرة مفيش فايدة مفيش.
الشئ الجيد الوحيد في هذا الوقت أنها لا ترى وجهه الباكي ودموعه التي تغرق وجنتيه وإلا كان انفضح أمره.
يقسم أن قلبه ينزف بشدة في هذه اللحظة. لم يقوى على نطق حرف واحد. جذبها بين يديه محاولاً تهدأتها والتخفيف عنها وقال وهو يربت عليها بحنان:
• .. أنا آسف.. حقك عليا.. آسف يا قلبي.. سامحيني يا تمار سامحيني.
هدأت قليلاً بين يديه قالت ودموعها تنهال على وجهها:
• ليه بتقول كده أنت ذنبك إيه؟
أغمض عينيه بحزن شديد وقال:
• أنا.. أنا ما كانش لازم أقرب منك الدكتورة قالت إني ما أحاولش دلوقتي… حقك عليا معلش ضعفت.
وقاطعته وقالت بسرعة:
• ده عادي يا عماد.
وأكملت بحزن شديد قائلة:
• بالعكس أنا.. أنا اللي لازم أعتذرلك أنا اللي .. اللي مش عارفة أعمل أي حاجة عشانك … رغم إنك أكتر واحد وقف جنبي.. مفيش راجل يستحمل اللي أنت استحملته… يقبل بواحدة… واحدة لمسها غيره.. و… وعمية كمان.
قالت هذه الجملة وهيه تبتلع غصة مريرة بحلقها وتبكي بانهيار شديد.
سارعها قائلاً بندم ودموع:
• .. بس… بس متقوليش كده.. انتي أجمل وأحسن ست في عيوني أوعي أتقولي على نفسك كده.
ظلت تبكي وتفرغ ما بداخلها حتى هدأت قليلاً فحملها ووضعها في البانيو وقال:
• … أنا هروح أجهزلك هدوم… جايلك على طول.
قبل جبينها وخرج يجر قدميه يريد أن يبتعد عنها ليسمح لنفسه بالانهيار أخيرًا وهو يستند على الجدار واضعًا يده على فمه كي لا تسمع نحيبه الذي يبكي الحجر. جلس على الأرض بحسرة وندم على ما أوصلها إليه.
❈-❈-❈
لم يمكث كثير كان عليه أن يكون أقوى لكي لا تشعر بشيء. كان يمسح دموعه بيديه حين جائه اتصال هاتفي من شخص يبغضه بشدة. نظر إلى اسمه بغضب شديد وقال:
• عايز إيه؟
رد عليه صوته البغيض قائلاً:
• .. ها عملت إيه.. أكيد زمانك اتكلمت معاه.
لم يقوى على مسايرته كالعادة قال بغضب واندفاع شديد:
• . متكلمتش ومش هتكلم وأعلى ما في خيلك اركبه يا واطي.. سيبها في حالها بقى كفاية اللي هي فيه حرام عليك كفاية.
ولم ينتظر إجابته وأغلق الخط في وجهه يمسح دموعه بيده ويصطنع الابتسامة لأجلها.
قام بتحضير ما يحتاجه من ملابس ووضعهم على السرير ودخل إليها قائلاً:
… • . أنا جهزتلك كل اللي هتحتاجيه بس حطيته على السرير عشان ميوقعش منك هنا.
ارتبكت بشدة وقالت بسرعة:
• . لا.. لا مش هينفع أطلع من الحمام من غير الهدوم هاتها.
قال عليها ضاحكًا على وجهها الذي يتغير لونه في ثوان حين تخجل:
• أهدي.. أنا اللي هطلع هقف قدام الباب بره عشان لو احتاجتي حاجة.. تمام.
هزت رأسها بالموافقة وهيه خجلة جدًا وخرج عماد خارج الغرفة وظل ينتظرها أمام الباب.
أما تمار فأنهت حمامها وخرجت وبدأت بارتداء ملابسها ولكن أوقفها صوت هاتفها:
• .. رسالة صوتية من حازم.. رسالة صوتية من حازم.
تنهدت بضيق من ذاك السخيف. قائلة:
• .. عايز إيه ده كمان؟
فتحت الرسالة ويا ليتها لم تفتحها. كادت تسقط أرضًا من محتواها الذي أذهلها بشدة.
يتبع…
رواية نظرة عمياء الفصل الثاني 2 - بقلم زهرة الربيع
"أنا عارف مين الشخص اللي اعتدى عليكي واغتصبك."
كانت تلك رسالة حازم لتمار التي كادت أن تفقدها صوابها.
***
انتهت الرسالة التي صدمتها بشدة، وصرخت بصوتٍ عالٍ:
"عماااااد! عماد الحقني يا عمااااد!"
دفع الباب ودخل بسرعة، وقال بلهفة:
"نعم؟ إيه يا حبيبتي مالك؟"
كان جسدها يرتعد بخوف وذهول، وقالت:
"حازم... حازم كلمني."
نظر لها عماد بخوف وذهول، وكاد يسقط أرضًا من هول ما سمع. كاد يتحدث، لكنها أوقفته قائلة برجاء ودموع:
"اطلبه! اطلبه والنبي يا عماد، قل لي إنه عارف مين اللي عمل فيا كده. اطلبه خلينا نعرف."
ياله من موقف لا يُحسد عليه أبدًا. كان في حيرة من أمره ماذا يفعل، كيف يرد؟ حاول أن يشتتها، وقال:
"أحم... حبيبتي... أكيد بيستعبط زي العادة، ما أنتِ عارفة حازم وحركاته."
نظرت إليه ودموعها تنهمر على وجهها، وقالت مسرعة:
"لا طبعًا! ده موضوع مفيهوش هزار يا عماد. أرجوك كلمه، أرجوك اطلبه حالًا."
لم يجد مفرًا له من هذا الموقف. أمسك هاتفه بيدين مرتعشتين، واتصل به وهو يجد صعوبة في التنفس بسبب ارتباكه وخوفه. ولكن سرعان ما تنهد براحة حين وجد هاتفه مغلقًا. بلع ريقه متنهدًا، وقال:
"مغلق! تلاقيه فاصل شحن ولا... ولا شبكة."
كانت تمار في حالة يُرثى لها، تدور في الغرفة بغضب وذهول قائلة:
"يعرف؟ يعرف إزاي؟ وما قالش من الأول ليه؟ أنا هتجنن. جرب تاني، رن له تاني والنبي!"
كان عماد يعيد الاتصال، وفي كل مرة يكاد قلبه يقف من قلقه وخوفه. ولكن لحسن حظه، في كل مرة يجد نفس الرسالة الصوتية: "هذا الرقم مغلق أو غير متاح."
جلس على السرير بتعب يحاول التقاط أنفاسه، وقال:
"حبيبتي... هو... هو حازم صدقيني ممكن ما يكونش معاه أي معلومات... هو بس... بس تلقاه متقل في الشرب زي العادة، ما تشغليش بالك."
نظرت إليه بذهول، وقالت:
"نعم؟ ما أشغلش بالي؟ ما أشغلش بالي إزاي؟ ده أنا هموت وأعرف هو مين."
وأكملت بدموع وقالت:
"ده... ده دبَحني يا عماد. أنا خسرت شرفي وخسرت عينيا بسببه... أنا... أنا اتقتلت ليلتها يا عماد، اتقتلت."
كانت تتكلم بحسرة ودموعها لم تجف، أما عماد فحاله لا يختلف عنها. كان ينظر إليها وعيناه ممتلئة بالدموع، لا يجد كلمات مناسبة لقولها، فقال بألم:
"سامحيني يا تمار، أرجوكي سامحيني."
مسحت دموعها وقالت بيأس وحزن:
"وأنت ذنبك إيه يا عماد؟ ده أنت الوحيد اللي وقفت معايا بعد اللي حصل."
أغمض عينيه بحزن شديد، وقبل أن يرد عليها سمع رنين هاتفه، وكان الاتصال من حازم.
نظر إلى هاتفه بغضب وقال مسرعًا:
"أحم... طب دي مكالمة من المكتب... مش هطول عليكي."
***
ما أن خرج من غرفتها حتى رد عليه قائلًا بغضب:
"أنت عايز إيه من الآخر؟"
ضحك حازم بسماجة وقال:
"بس أنا قلت لك عايز إيه... أنت بس اللي نسيت يا عمدة."
رد عليه بغضب:
"أنت فاكر إن حتى لو أنا طلقتها هتقبل بيك؟ انسى... دي مش بتكره حد قد ما بتكرهك."
"بتكرهني دلوقتي لأنها فاكرة إنك البطل بتاعها... لكن بكرة لما تتصدم فيك هتحتاج اللي يوقف جنبها... وياخدها في حضنه."
كانت كلمات حازم كفيلة أن تشعل نيران غضبه، ولكن حاول أن يسيطر على انفعاله، وقال بهدوء:
"أحم... طب... طب نتفاهم يا حازم... أرجوك تقدر اللي أنا فيه، ما أقدرش أسيبها، ما أقدرش أدمرها أكتر من كده."
لكن الآخر بتر النقاش قائلًا بحزم:
"أنا اللي عندي قلته يا عماد، هتطلقها يعني هتطلقها... ممكن وقتها تخسرها بس على الأقل هتحافظ على أهلك... لكن لو فضلت معاند هتخسر كل حاجة."
قال كلماته وكالعادة أنهى الاتصال بدون مقدمات. هنا جلس عماد بيأس وحزن شديد كأن عقله توقف عن التفكير، لا يجد أي مخرج. لكن يبقى الطلاق قرارًا أفضل من أن تراه شخصًا قذرًا وحقيرًا. أغمض عينيه وأخذ نفسًا قويًا يحاول استجماع قوته أو ما تبقى منها، وصعد إليها ليحسم هذا الأمر.
***
حين صعد لها كانت تمار تجلس على السرير بارتباك شديد، فكل ما يشغل تفكيرها هو رسالة حازم. وبمجرد أن علمت بدخوله قالت سائلة بلهفة:
"كلمك؟ حازم رد عليك؟"
تنهد بحزن محاولًا أن لا يضطرب في الإجابة، وقال:
"كلمني... زي ما قلت لك كان سكران وبيخرف أصله مشغول بحكايتك أوي... قال لي إنه مش فاكر إنه بعت لك رسالة أصلًا، سيبك منه. أنا قلت لك إني هلاقي الشخص ده والتحقيقات شغالة... علشان خاطري حاولي تنسي... علشان تعرفي تكملي يا تمار."
هنا فقدت الأمل الوحيد الذي كان لديها، ارتمت بين يديه تبكي بقلب مجروح وهو يربت عليها بحنان، ويكاد يقتله ندمه ودموعها. حاول أن يتحدث إليها وقال بصوت حزين:
"بس يا قلبي... أرجوكي كفاية أنا... أنا ما بقتش قادر أشوفك كده."
كانت تمار تبكي بشدة وتشعر بحزن شديد وهي تتذكر ما حدث معها، قالت:
"عايزة أعرف هو مين يا عماد... نفسي أعرفه... نفسي أقتله بإيدي... مش قادرة أستحمل، مش قادرة."
تنهد عماد بحزن شديد، وكان لا بد أن يتحدث إليها... لا مفر... لا بد أن يبعدها عنه مهما كلف الأمر، قال:
"تمار أنتِ مش هينفع تفضلي لوحدك هنا والأفكار تجيبك وتوديكي... لازم نرجع عند بيت أهلنا."
نظرت إليه بدهشة وقالت:
"هو مش أنت قلت إنك حابب نعيش لوحدنا؟"
عاد إليه توتره من جديد وقال مرتبكًا:
"آه... آه قلت... بس أنا شايف إن هناك كانوا بيتكلموا معاكي وبيشغلوا وقتك وحالتك النفسية كانت أحسن... وكمان الدكتورة بتاعتك رأيها كده... اسمعي كلامي وخلينا نرجع."
تنهدت وقالت:
"اللي تشوفه يا عماد."
تنهد وقال بحزن وعذاب:
"كمان فيه حاجة تانية... أنتِ طبعًا عارفة... أنتِ عارفة إني بحبك صح؟"
نظرت إليه بأعين دامعة وقالت:
"ليه السؤال ده؟"
قام وابتعد عنها خطوات وقال:
"وطبعًا عارفة إني أي حاجة بعملها... بتبقى علشانك... مش كده؟"
زادت حيرتها وقالت:
"طبعًا عارفة... فيه حاجة ولا إيه؟"
حاول التحدث بجمود قدر الإمكان، وقال بصوت بالكاد يُسمع:
"تمار أنا... أحم... أنا عايز نطلق."
رواية نظرة عمياء الفصل الثالث 3 - بقلم زهرة الربيع
يفضل الموت على أن تعرف أنه شخص قذر اعتدى عليها وأذهب نور عيناها. لا يوجد خيار غير الطلاق حتى ولو كان صعبًا.
أما هي فتكاد تقسم أن أذنيها تكذبان. لا تصدق ما سمعت، أحقًا يريد أن يطلقها؟
قالت بصوت مرتعش:
• أنت… أنت بتقول إيه يا عماد؟ نطلق… نطلق يعني إيه؟ قصدي… قصدي ليه؟ هو.. هو أنت.. أنت مش وعدتني هتفضل معايا و.. وهتستحملني؟ أنت… أنت زعلت.. زعلت صح؟ كنت متأكدة… أنت زعلت علشان أنا رفضتك الصبح. بس.. بس أنت عارف إن.. إن ده وضع مؤقت وهنسى.. هنسى علشانك.. هحاول والله.
تتساقط دموعه على وجهه بألم وحسرة.
لا أعشق غيرك يا فتاتي… لم أتمنى غيرك من الدنيا… ولكن كيف أقول لها ما بداخلي؟ كيف أقول إني مجبر؟
قال بدموع وصوت مهزوز:
• تمار أنا.. أنا آسف.. مش هقدر أكمل.
ولكن لم ينهِ حديثه، فهي أضعف من أن تتحمل مثل هذه الصدمة. سقطت أرضًا مغشيًا عليها. وسقط قلبه معها من الخوف الشديد.
ركض نحوها وحملها برعب وهو يقول:
• تمار.. تمار حبيبتي… حبيبتي ردي عليا أنا آسف.
وضعها على السرير وهو يضرب وجنتيها بخفة لتفيق.. ولكن لا جدوى، فكانت في عالم آخر.
أخرج جذبه شعره إلى الوراء بخوف وندم وهو يلعن نفسه ألف مرة.. فكم من خيبة وألم سببها لها.
ركض إلى هاتفه واتصل بطبيبتها وقال:
• الو…. دكتورة صفاء… أنا عماد.. عايزك حالا لو سمحت.
❈-❈-❈
في مكان آخر، بإحدى المناطق السكنية الراقية، يجلس رجل في الستين من عمره يقرأ جريدة اليوم بتركيز. حتى نزلت فتاة جميلة جدًا في الثامنة عشر من عمرها وجلست بجواره قائلة بمرح:
• صباح الخير يا أحلى حمادة في الدنيا.
ابتسم لها بود وقال:
• صباح النور على أحلى عيون. صباحك قمر زيك يا سما. بقى أنا محمد الشامي على سن ورمح يتقالي حمادة.. طب أنا صحابي لو عرفوا إني حمادة هتهزأ والله.
ضحكت على كلماته وقالت:
• ليه بقى بندلعك يا حمو؟ أصل سوسو ملهاش في الدلع.
استمعت إليهم سيدة في عمر الخمسين وضربتها بخفة على رأسها وقالت:
• هيه سوسو كانت جات جمبك؟
ضحكت سما وهي تفرك رأسها. بينما قال محمد بجدية هادئة:
• سيبك من البكش بتاعك وقوليلي بتذاكري ولا مقضياها مشاوير وفسح ومطنشة؟
قالت بثقة:
• لا متخافش عليا أنا مذاكرة كويس.
ولكن بترت حديثها عند سماعهم صوت عالي، وأحدهم يقول:
• بس انتي وهيه بس.. بس بقى فضحتونا.
ركضت سما ومعها محمد ناحية الصوت. أما سهر فتنهدت بيأس وفضلت المكوث مكانها تتصفح أحد المواقع على الهاتف.
محمد وسما دخلا أحد الغرف وكان بها شاب وسيم في الخامسة والعشرين من العمر. كان يقف بين فتاتين في محاولة منه تهدئتهما، أما هما فكانا يتعاركان بشدة. حتى قال بصوت عالٍ جاد:
• أقسم بالله يا هدير انتي وسلوى.. لو مابطلتو خناق.. ل.. ل… لأرفع بالصوت وألم عليكم الشارع كله.
هنا ضحكت سما بشدة، بينما قال عمها محمد بسخرية:
• لا راجل يلا هتلم عليهم الشارع وتفضحهم ولا هتفضحنا إحنا. مين دول يا دنجوان عصرك؟
ابتسم وقال وهو يشير إليهم:
• دي سلوى ودي هدير.. كل المشكلة إننا عاملين طلعة وسفاري وكده مع أصحابنا.. وكل واحدة فيهم عايزة تيجي معايا يا عمي.
هدر به بغضب وقال:
• جاك عمي يعمي عنيك زي ما عمي قلبك.. أنت عبيط يلا واقفلي وعمال تتخانقو عليك، انتو طلعتو كده إزاي أنا مش فاهم. حضرتك فلاتي وأخوك سكري ومجنون… شوف ٥ دقايق لو متصرفتش وبطلت فضايح هبقى قليل ذوق وأطردهم وهطردك معاهم إيه رأيك بقى.
أنزل رأسه أرضًا بحرج وقال:
• احم.. تمام.. أنا هحل الموضوع حالا. ارتاح أنت يا عمي ومتقلقش.
رمقه العم بنظرات حادة وخرج قبل أن يفقد صوابه. أما سما فضحكت عليه وذهبت وراء عمها. لكن أمسك يدها قبل أن تخرج وقال مسرعًا:
• بقولك إيه متيجي انتي معايا وأكنسلهم الاتنين.
أبعدت يده بضيق وقالت:
• ما تحل عني يا أخي أنت مبتزهقش… شوف يا وليد يا حبيبي.. أنت ابن عمي ونصيحة ليك متحلمش بأكتر من كده.
نظرت إليه بمشاكسة وقالت:
• هو المفيد في الموضوع إنك قولتي حبيبين.
نظرت إليه بحنق وذهبت وهي تقول:
• يا أخي خنقتني بقى.
ضحك وليد وقال بصوت عالٍ ليصل إلى مسامعها:
• مسيرك انت كمان تخنقيني وفي المحاكم ترجيني.
أنهى هذه الجملة ونظر للفتاتين وقال:
• يلا نستأنف الخناقة يا بنات بس بصوت واطي علشان عمي.. يلا ابدأ.
حين خرجت سما من غرفة وليد كان عمها في انتظارها وقال:
• سما يا حبيبتي اختك وابن عمك هييجوا يقعدوا معانا. عماد بيقول إن حالة اختك مش تمام وهو حابب نخفف عنها.
تنهدت سما بحزن فهي أعلم الناس بحالة أختها وقالت:
• عمرها ما هتتحسن يا عمي في نار في قلبها.. مصرة تعرف مين اللي عمل فيها كده ومعاها حق.
تنهد عمها وقال:
• كلنا عايزين نعرفه يا بنتي بس هنعمل إيه محدش قدر يعرف هو مين. ربنا يصبرها. أنا بس حابب نقف معاها. أنتي عارفة مفيش غيرك أوصيه.. أنتي وسهر ولاد عمك دول إيدي منهم والقبر سواء وليد ولا حازم أخوه الاتنين في الضياع. وطبعاً أمهم انتي عارفاها.
قالت مبتسمة:
• متقلقش يا عمي أنا وانت وطنط سهر وعماد ومتنساش دادا سعاد. كلنا هنكون معاها.. متشلش هم.
تنهد عمها بحزن وقال:
• أنا شلت الهم من ساعة ما إخواتي الاتنين اتوفوا.. وسابوكم كلكم معايا. خايف قوي يسألوني بعدين عنكم قدام ربنا وبذات اللي حصل في تمار وأنا مقدرتش أعمل حاجة.
ابتسمت سما وقالت بحب:
• أنت تاج راسنا ياعمي. محدش يعمل اللي انت عملته. أنت استحملتني أنا وتمار وربيتنا وكبرتنا وكمان استحملت طيش وليد وحازم مع إنك مش مضطر. ربنا هيكافئك على كل ده.. ولو إني شايفه إنه كافئك بعماد.. أحسن واحد فينا كلنا. ربنا يخليهولك.
❈-❈-❈
أما عماد فقد كان يقف بجوار الطبيبة والقلق يكاد يقتله. قال مسرعًا:
• مالها يا دكتورة… إيه اللي حصل…
تنهدت الطبيبة ونظرت له بضيق وقالت:
• المفروض أنا اللي أسأل إيه اللي حصل يا أستاذ عماد… أقدر أعرف إزاي أغمى عليها.
أنزل رأسه أرضًا واصطنع عدم الاستيعاب وقال:
• احم.. مش فاهم.. إحنا.. احم كنا بنتكلم و.. وفجأة أغمى عليها.
تنهدت الطبيبة وقالت:
• أنا مش عايزة أعرف انت قولتلها إيه.. كفاية نظرات الندم اللي على وشك… بس انت عارف إن مراتك من بعد اللي حصل بقت مش حمل صدمات… فلو سمحت… حاول تتكلم معاها وتشرح لها كل حاجة مهما كانت صعبة أحسن ما تتفاجأ بيها.. هي شوية وهتفوق.. يا ريت تحاول تخليها هادية.. ولو احتاجتني في أي وقت اتصل عليا من غير تردد.
قالت الطبيبة كلماتها بعملية وخرجت.. وعماد جلس بجوار تمار مقبلًا يدها ودموعه لا تتوقف.
يكاد قلبه ينشطر نصفين. حتى ظهرت ابتسامة ذابلة على وجهه حين فتحت عيناها الجميلتان بتعب شديد.
قال عماد بلهفة:
• تمار.. حبيبتي انتي كويسة.. سمعاني؟
جلست مسرعة وقالت:
• عماد.. أنا.. أنا كنت بحلم صح.. أنت.. أنت كنت عايز تط…
لكن أسرع بوضع سبابته على شفتيها الناعمتين وقال مسرعًا:
• مكنتش عايز حاجة.. مش عايز غيرك من الدنيا.. أنا آسف.. هزار تقيل كنت عايز أعرف غلاوتي عندك.. بس طلعت غالي قوي.
بلع ريقه بصعوبة وقال:
• أه.. أه طبعًا هزار… أنا… أنا بحبك… أطلقك إزاي بس.. بقولك إيه قومي كده وفوقي علشان أنا كلمتهم في البيت ومستنينا.
قال كلماته وهم بالخروج. ولكن أمسكت يده وقالت:
• أكيد مفيش حاجة عايز تقولها يا عماد… احم أنا عارفة إني صعبتها عليك بس غصب عني اتفاجأت بس أنا تمام دلوقتي صدقني… لو فيه حاجة قولها.. وأنا هسمعك.. أنا حابة أسمع اللي في قلبك.
تنهد بتعب شديد وقبل جبينها وقال:
• مش عايز غير أشوفك مرتاحة يا تمار… أنا آسف على كل حاجة يا قلبي.
❈-❈-❈
بعد ساعات كان قد انتهى من تجهيز حقائبهم. حين قالت تمار ببرائة:
• مش شرط تاخد كل حاجة. إحنا بإذن الله مش هنطول، كام يوم ونرجع مش كده.
تجمعت الدموع في عينيه عندما نطقت بهذه الكلمات. حاول جعل صوته طبيعيًا وقال:
• احم.. إن شاء الله… إن شاء الله نرجع.
وحمل الحقائب ووضعها بالسيارة. وهم بالدخول لإحضار تمار. لكن وصله اتصال من حازم. رد عليه بجمود وقال:
• نعم.
رد الآخر بسخرية:
• بس بطمن عملت إيه.
قال عماد بدموع:
• حازم.. حازم والله أنا حاولت… بس.. بس تعبت جدا.. ارجوك.. بس لحد ما تكمل علاجها.
ولكن لم ينتظره ينهي كلامه قال مسرعًا:
• النهارده يا عماد.. النهارده آخر مهلة ليك.. لو مكلمتهاش.. هكلمها أنا.. ولا أقولك.. أنا هبعت لها الفيديو حالا.
رواية نظرة عمياء الفصل الرابع 4 - بقلم زهرة الربيع
أنا هبعت لها الفيديو حالا وانت خليك
خايف على زعلها لحد ما تموت بسبب اللي هتعرفو عنك
كاد ينهي الاتصال ولكن عماد قال مسرعًا بخوف
لا..لا..ارجوك يا حازم …ارجوك حاضر انهارده
انهارده والله هكلمها خلاص هطلقها بس خلينا نجي بيت جدي
علشان متبقاش لوحدها
رد عليه باستفزاز شديد وقال
أيوه كده..برافو عليك..ده أحسن قرار..واهو..واهو أواسيها وأنسيها
إلى هنا لم يتمالك غضبه فاخذ يلعنه بغضب ويقول
يا وس*خ يا مست*فز يا ز*باله ي…
لكن كالعادة أنهى الاتصال بوجهه
كاد عماد أن ينفجر من الغضب ضرب السيارة بقدمه بعنف وأخذ يتنفس بقوة محاولًا تهدئة أعصابه
وما إن هدأ قليلًا حتى دخل إلى تمار وقادها إلى السيارة واتجهوا إلى فيلة أهلهم
❈-❈-❈
في الفيلا كانو مجتمعين ينتظرون قدوم تمار وعماد
حين دخل حازم وقال
مساء على أحلى هله
نظر إليه عمه بغضب وقال
مساء القرف على دماغك..كنت فين..بتستهبل حضرتك يومين متجيش البيت ولا حد عارف عنك حاجة
ضحك حازم بسخرية وقال
متقلقش يا عمو..أكيد مش هموت وميكونش عندك خبر
تنهد عمه بيأس وكاد أن يرد عليه لكن قاطعتهم سيدة في الخمسين من العمر
حين نظرت لحازم بتعجب وقالت
هو مين ده يا سما
تنهدت سما وقالت
ده حازم ابنك يا طنط سامية
نظرت إليه سامية مطولًا وقالت
آه صح حازم..ازيك يا حبيبي ..روحت المدرسة ولا بتزوغ زي العادة
زفر حازم بحنق وقال بعصبية
وبعدين بقى وبعدين، بصي متتكلميش خالص لما أشوفني تمام
تمتم به وليد بغضب قائلًا
حازم..كلم أمك كويس..فيه إيه..هتنسى نفسك ولا إيه
نظر إليه بتحدي وقال
طب ما تفكرني..لما أنسى فكرني
رمقه الآخر بنظرات غاضبة وقبل أن يتكلم قال عمه وهو مازال جالسًا بضيق
اضربو بعض..يلا اضربو بعض قدامي..مهو مش ناقص غير كده
تنهد وليد بضيق وتأسف، بينما جلس حازم يبتسم بسخرية
في هذا الوقت وصلت سيارة عماد وتمار
قالت سما بسعادة
وصلوا وصلوا يا عمو
❈-❈-❈
دخلت تمار وعماد
وركضت سما تحتضن أختها وهى تقول بابتسامة
حبيبة قلبي..وحشتيني يا عمري انتي
ابتسمت تمار وقالت بحب
انتي أكتر يا سما..عاملة إيه يا حبيبتي
عماد أيضًا سلم على كل أهله
على والده ووالدته وعلى زوجة عمه وأولاد عمه
وتوقف عند حازم يرمقه بنظرات غاضبة ويبادله حازم بنظرات سخرية واستفزاز
وتمار سلمت عليهم أيضًا وجلست هي وعماد بجوار سامية التي قالت بحب
وحشتنا يا عماد يا ابني..أنا بستنى تزورنا كل يوم
عماد قبل يدها وقال بابتسامة
والله انتي أكتر
وقاطعه حازم حين قال بحنق وسخرية
كلنا..عاملة نسيانا..أنما عماد باشا لا..مش بتنساه أبدًا..زي ما يكون هو ابنها
كان عماد في قمة غضبه من ذاك الغبي الذي لا يحترم حتى والدته
وكاد أن ينهره ولاكن قاطعته سامية حين أشارت لحازم وقالت بتعجب
مين ده صحيح يا عماد..انت تعرفه يا ابني
كاد ينفجر من غضبه وقال بصوت عالٍ
يووووه بقى
بينما ضحكت سما ووليد قائلين بصوت واحد
لا..منعرفوش
قالت سهر
بس يا ولاد..وانت خف على والدتك يا حازم..ويلا العشا هيبرد
ذهبوا للعشاء جميعًا في جو عائلي يتسامرون
جاهدين أن يملأوا قلب تمار بالسعادة لعلها تنسى ما هي فيه
مكثوا سويًا على هذا الحال حتى ذهب كل منهم لغرفته
كان الجميع بغرفهم عدا عماد
جلس مع والده قليلًا حتى ذهب لغرفته
ولاكن قبل وصوله أوقفه حازم وقال
انهارده..انهارده يا عماد…لو منفذتش هنفذ أنا..والفيديو بتاعك هيوصل لها..وصدقني هى مش محتاجة عيون عشان تميز صوتك
لم يقوى عماد على التحمل أكثر
امتلأت عيونه بالدموع وقال
انت..انت بتكرهني ليه يا حازم..ها..بتكرهني وبتغير مني كمان..بس عارف…لو الموضوع ميخصش تمار مكنتش اهتميت بحركاتك السودة دي..لكن أنا المرة دي هسمع كلامك..أكسر قلبها أحسن ما أقتلها بأيدي..لو عرفت إني أنا اللي عملت كده..عارف ليه هبقى بقتلها..عشان هي بتحبني أنا..وهتفضل كده
قال كلماته بحزن شديد ودخل غرفته وهو مهموم بشدة
ابتسمت تمار عند سماعها صوت الباب يفتح وقالت
عماد..انت جيت
تنهد عماد بحزن وقال
أيوه..أيوه يا تمار..أنا هنا
شعرت بما في صوته من حزن وألم وقالت متسائلة
مالك يا عماد..صوتك عامل كده ليه..انت زعلان من حاجة
أصطنع الابتسامة لعلها تراها بقلبها وحاول أن يجعل صوته طبيعيًا وقال
أبدًا يا قلبي..يلا..احم..يلا هجهزلك حمامك حالا
❈-❈-❈
جهز لها حمامًا دافئًا
وبمجرد دخولها وقف أمام باب الحمام متعمدا وقال بصوت حاول أن يوصله لأذانها ولكن اصطنع عدم التعمد
أيوه..انتي بتقولي إيه..تيجي فينا
اصطنع أنه يتحدث لأحد ويسمعه
مما جعل تمار تتعجب من الذي يحادثها هكذا
اقتربت من الباب لتسمعه جيدًا وياليتها ما فعلت
سمعته يقول
يا رنيا..افهميني..أنا صحيح بحبك وبموت فيكي..بس دي بنت عمي..أنا متجوزها شفقة..شفقة على حالها وعشان أهلي مش أكتر..المسكينة عمية وعندها ماضي وحش وبتتعالج نفسيًا..مقدرش أسيبها..أرجوكي قدري موقفي..أنا بحبك انتي
كادت أن تقع أرضًا
تقسم أنها سمعت صوت قلبها يتهشم
استندت على الحائط من هول ما سمعت
وفتحت الباب وخرجت إليه والدموع تقع على وجنتيها
رواية نظرة عمياء الفصل الخامس 5 - بقلم زهرة الربيع
يا حببتي، أنا بشفق عليها مش أكتر. دي عمياء وبتتعالج نفسيًا، إنما أنا بحبك انتي. ده مستحيل أحبها.
وقعت كلماته على أذانها كالصاعقة. كادت تسقط أرضًا. حاولت أن تتماسك وهي تسمعه يلقي كلمات الغزل والعشق لغيرها، أما هي فيصفها بأنها عبء عليه. كيف لها أن تتحمل مثل تلك الصدمة؟ فتحت باب الحمام وخرجت إليه بخطوات متعثرة.
صنع عماد الدهشة وأوقع هاتفه متعمدًا وقال بارتباك مصطنع:
• تمار.. انتي.. احم.. حبيبتي انتي لسه مخلصتيش حمام؟
نظرت إليه وعيونها تلمع بالدموع وقالت بابتسامة باهتة ذابلة:
• يعني.. يعني مكنتش بتهزر.. فعلاً كنت عايز نطلق.. كنت عايز نطلق علشان بتحب واحدة تانية.. طب.. طب ليه؟ انت مكنتش مضطر.. أنا.. أنا كنت.. كنت صدقت إني.. إني عادية.. طبيعية وأتحب.. مكنتش مضطر تضغط على نفسك ولا تخدعني كده.
انهمرت الدموع من عينيه وقال بصوت مختنق:
• أنا.. احم أنا آسف يا تمار.. بس أنا بحبها من زمان.. من قبل اللي حصل معاكي.. و.. وماجل ارتباطنا علشان اللي حصلك.. حاولت أقولك بس لما تعبتي مقدرتش.. مكنتش عايز أجرحك.
ضحكت ضحكات ضعف مزينة بدموع عينها وقالت:
• تجرحني.. ههه.. لا أبدًا على فكرة.. أنا.. أنا عادي مش.. مش زعلانة أبدًا.. و.. وربنا يهنيك.. انت.. انت واللي تحبها.. أنا معنديش مانع تتجوز.. لو من بكرة.. بس.. بس أنا كنت فاكرة إنك.. يعني قبل اللي حصل كنت فاكرة إنك.. احم.. انسى.. تقدر تتجوزها امتى ما تحب.
قالت كلماتها بعذاب شديد تكاد تصرخ من فرط الألم، وما أسخف جرح القلب.. لكن هذا لم يكن كافيًا.. فقد صعقت حين قال:
• مش هينفع يا تمار.. هي.. هي مش قابلة نتجوز وأنا متجوز.. مش عايزة غيرها في حياتي.
كانت كلماتها واضحة جدًا لإخراجها من حياته. لم يكن سهلاً أبدًا أن تحدثه في تلك اللحظة، لكن كرامتها نطقت قبلها وقالت:
• أكيد مينفعش.. ولا أنا هقبل.. أنا قصدت نطلق من بكرة.. وانت.. انت براحتك بعد كده.
تنتظر في هذه اللحظة أن يوقفها، أن يقول مستحيل.. أن يرفض طلاقهم، لاكن كل ما تتلقاه هو الصدمات التي كادت تقتلها. قال بتوتر:
• طب.. طب وأهلنا.. هنقولهم إيه؟ بابا مش هيوافق.
قاطعته مسرعة وقالت وهي تحاول أن تنهي الحديث قبل أن تنهار أمامه:
• موضوع أهلي سيبيهولي أنا.. متشلش هم.. احم.. انت كتر خيرك.. و.. وكفاية قوي عليك كده.
قالت كلماتها بشق الأنفس تريد أن تبكي، أن تصرخ وتنهار. ها هي من جديد فقدت كل شيء.. فقدت آخر آمالها في الحياة. دخلت الحمام مصطنعة الهدوء وبداخلها بركان من الألم والحزن.
بمجرد دخولها أغلقت الباب وجلست بجانبه وهي تضع يدها على فمها كي لا يسمع صوت بكاها. كيف اعتقدت أنه أحبها؟ كيف لأي رجل أن يحبها بعد كل ما حدث؟ كيف لرجل أن يقبل بفتاة عمياء ومغتصبة؟ ضحكت وسط دموعها على حماقتها، كيف صدقت أنه حقاً يعشقها.
أما عماد، فكان كل قطعة من روحه تقسم أنه يعشقها.. تمنى الموت قبل أن يخذلها بهذا الشكل. انهمرت دموعه على وجنتيه كالمطر. جلس يحادث نفسه أن هذا أفضل.. وخيرًا من أن تعلم الحقيقة.
في إحدى الجامعات كانت سما تجلس مع صديقاتها يتسامرون وتضحك معهم.
على جانب آخر يقف شاب بين أصدقائه وينظر إليها طوال الوقت بوقاحة وقال لأصدقائه:
• حلو الوجه الجديد ده.
أحد أصدقائه قال:
• ملكش دعوة بيها، دي من عيلة الوزان ومش بتتكلم مع حد.
ضحك الشاب وقال بغرور:
• وإيه يعني.. هو أنا أي حد.
وتقدم ناحية سما وهو ينظر إليها نظرات جريئة جدًا.
وقف أمامها مباشرًا ومد يده ليصافحها قائلاً:
• هاي، أنا لؤي.
نظرت إليه سما بضيق، فهي تعلم بعضًا عن سمعته السيئة. وكادت أن ترد عليه، لكن فاجأهم وليد حين تقدم عليها بغضب ووقف بينه وبين سما وقال:
• هي مبتتعرفش على حد.
نظر إليه لؤي بغضب وقال:
• وانت مالك؟ هو انت وصي عليها.
وليد قال بغضب شديد:
• حاجة زي كده. ملكش دعوه بيها.. كلامي مفهوم.
ضحك الآخر ونظر له بتحدي وقال:
• لا مفهمتش.
ابتسم وليد بطريقة مخيفة وقال:
• أفهمك.. عينيا.
وأفاجأها الجميع حين قام بضربه بقوة. أوقعه أرضًا وانهال عليه بضربات متتالية.
سما كانت مذهولة من أفعاله وتحاول أن تنهي الخلاف، لكن ساء الوضع جدا وكان لؤي ينزف بشدة حتى تدخل المدرسين وأخذوهم جميعًا على غرفة العميد.
في فيلا الوزان يجلس حازم يتناول قهوته حين نزل عماد وكان حزين جدًا وعيونه ممتلئة بالدموع. حين رآه حازم ابتسم بسخرية وقال:
• أكيد كلمتها.. واضح إنك كلمتها.. برافو عليك.
نظر له باستحقار وقال:
• كلمتها.. مبروك عليك.. أنا.. أنا هطلقها.. إن شاء الله تنبسط.
ابتسم حازم براحة وقال:
• مبسوط جدًا.. كده تبقى ابن عمي الغالي.. ومتقلقش سرك هيفضل في بير.. بس لو فضلت عاقل وساكت.. إنما بقى لو قررت تتجنن وتعمل أي حركة.. ساعتها أنا مش بس هعرفها لا.. هعرف كل اللي يهمك.. مش بعيد تلاقي نفسك في السجن كمان.
نظر إليه بالاستحقار الشديد وقال:
• مش هتتغير.. هتفضل طول عمرك كلب.. أنا مش خايف غير على تمار.. أما السجن ده أنا أستاهله.. ولولا إن اعترافي هيكسرها كنت اعترفت من زمان واتحبست لأني أستاهل.
قال كلماته بمنتهى الألم وذهب إلى الخارج بحزن رهيب.
أما تمار، فكانت مستلقية على السرير لم تجف دموعها منذ ذهابه.. كانت في حالة يأس رهيب. فقط نزول دموعها ما يثبت وجودها على قيد الحياة. وضعت يدها في المكان الذي كان ينام عليه عماد بجوارها.. تستنشق رائحة عطره على وسادته وتبكي بحسرة وألم. حاولت أن تتماسك بكل ما أوتيت من قوة وضغطت على زر جرس بجانب السرير لصعود أحد الخدم إليها لمساعدتها.
أما عن سما، فقد كانت مع وليد عائدة معه لبيتهم وفي قمة غضبها من ما حدث من وليد وقالت:
• عايزة أفهم عملك إيه علشان ضربته كده وفضحتنا قدام كل اللي في الجامعة.. قولي.. اتكلم.. عملك إيه؟ مبسوط لما أخذنا رفد ٣ أيام بسببك.
وليد قال بضيق:
• حرام عليكي يا سما، قربنا نوصل وإنتي بتتكلمي مسكتيش. أنا اعتذرت ميت مرة، أعمل إيه تاني.
سما قالت بانفعال:
• وأنا أعمل إيه باعتذارك.. إنت مهزأ ومتعود تترفد وساقط ٣ مرات.. إنما أنا عمرها ما حصلت معايا، عمري ما وقفت قدام العميد بالشكل اللي حطتني فيه النهارده.
وليد قال بسرعة:
• يا بت بقولك كان بيبصلك بصات عيب مش بتفهمي يعني كان هياكلك بعنيه. أسيبه أفضل أتفرج؟
زاد غضبها وقالت:
• يعني إيه.. يعني إيه بصات عيب دي.. إنت بتقول أي كلام على فكرة.
نظر وليد للطريق وقال:
• لا على فكرة أنا راجل وفاهم كويس بقول إيه.. كان بيبصلك بصات مش تمام وأنا عارفها كويس.
ضحكت بسخرية وقالت:
• طبعًا ومين يعرف في قلة الأدب أكتر منك.. المهم.. أنا أعمل إيه دلوقتي؟ أقول لعمي إيه؟ أنا أول مرة أترفد.
ابتسم وليد بخبث وقال:
• ونقوله ليه.. إنتي ناسيه إن عماد هناك.. هو هيجي معانا يكلم العميد.. وعمي مش هيعرف أصلًا.
في مكان هادئ جدًا على البحر يقف بتعب يستنشق أكبر كمية هواء ممكنة.. يفتح صدره للهواء يشعر بما يخنق أنفاسه.. كل ما يجول بخاطره هو نظراتها المصدومة ودموعها الموجوعة بشدة. يريد أن يضمها ويعتذر وينسيها كل ما حدث، ولكن كيف؟ فما فعله لا ينسى.
لحظة واحدة يراها أمامه تفقد صوابه تجعله لا يقوى على الحديث وهو يتذكر أسوأ يوم مر به.
***
في فيلا الوزان احتفال كبير جدًا والكل يرقص على أنغام الموسيقى احتفالاً بذكرى يوم زفاف محمد وسهر، وكانت تمار تقف كحورية جميلة بين صديقاتها تخطف الأنظار وتسرق القلوب، خاصة قلب ذاك المسكين المتيم بها الذي يراقب كل حركاتها وينظر إليها بشغف واضح.
كان عماد يمسك كوب العصير وهو يرتشف منه ويحاول الانشغال بأي شيء كي لا يلاحظ الحضور نظراته المتعلقة بها. وقف بجواره حازم وقال بضحكات باردة:
• يا عم ما تروح تكلمها بدل ما عينك هتخلعها من مكانها كده.
ابتسم بارتباك وقال:
• مش قادر يا حازم.. مش عارف يا أخي ليه كل ما أجي أكلمها بتلخبط وأتلجلج بالشكل ده.
ضحك حازم وقال:
• وإيه اللي يخليك تنسى كل حاجة وتتكلم صاروخ؟ تعمل إيه؟
استغرب كلماته وقال:
• قصدك إيه يعني؟
لكن لم ينهي كلماته وكان حازم قد أوقع قرصًا في كوب العصير الذي يشرب منه عماد وقال:
• إنت بس اشرب دي وهتنطلق.. هتخليك تتكلم وتحكيلها كل اللي في قلبك.. وهتدعيلي.
عماد نظر للكوب بقلق وقال:
• هو إيه ده يا حازم؟
ضحك حازم وقال:
• متقلقش يا عم.. دي حبة جرأة.
وأخذ قرصًا مثله وشربه وقال:
• أكيد مش هسمك يعني.. يلا انجو.
قال كلماته وذهب يرقص مع الفتيات.. أما عماد نظر للكوب بتردد وشربه مرة واحدة وهو يحاول أن يهدئ من ارتباكه ليتحدث إليها.
تمار نظرت له مبتسمة فهي تعشق نظراته التي تشعرها بأنها أجمل النساء.. ظلت تنظر إليه حتى سمعت أختها تقول:
• هو قمور أه بس مينفعش نبين للدرجة دي يعني.
تمار قالت بارتباك:
• سما خضتيني.
ضحكت سما وقالت:
• مهو إنتي لو مركزة مكنتيش اتخضيتي. على العموم هو قمور ويستاهل.
ردت بضيق ويأس وقالت:
• هو يستاهل بس بيستهبل مش راضي ينطق.
ابتسمت سما وقالت:
• متقلقيش هو بس متوتر أكيد مسيره هينطق.. على فكرة نسيت أقولك.. قطتك دخلت المخزن تاني.
قالت مسرعة:
• بتقولي إيه.. راحت تاني.. طب حرام عليكي يا سما وقاعدة تهزري. المرة اللي فاتت علقت في الشباك وكانت هتموت.
تمار قالت جملتها وذهبت راكضة إلى المنزل وهي تقول:
• على فكرة أنا هطلعها وأروح أنام عشان لو حد سأل عليا. صدعت.
ركضت إلى داخل الفيلا كفراشة رقيقة، وابتسم وهو يقول في نفسه: هذه هي الفرصة.
***
المتبقي هو سراب، لا شيء يرى أو يذكر. لا يتذكر أي شيء. حاول مرارًا أن يتذكر ما حدث بعدها دون جدوى.. جاهد كثيرًا ليتذكر ما فعل بها، ولكن تتوقف ذاكرته عند هذه اللحظة، وكل ما يذكره بعدها هو أصعب وأسوأ ما مر به في حياته.
يفتح عينيه على صوت أنغام الموسيقى العالية.. وضجيج أصوات الحضور، ولكن لا يرى أمامه سوى ظلام حالك.. لا يرى أي شيء أبدًا.. فالمكان مظلم بشدة. تحسس مكان يديه ليجد نفسه على الأرض وبجواره جسد ذو ملمس ناعم.
ذهل بشدة وأخذ يبحث عن هاتفه ليتعرف من بجواره.. ليجد أنه لا يرتدي شيئًا.. صدمة تلو الأخرى.. لا يدري ماذا يحدث.. منذ قليل كان في الحفل والحفل ما زال قائمًا. بحث حوله ووجد أخيرًا قميصه وبنطاله ملقيًا على الأرض وبه هاتفه ليفتح ضوء الفلاش، وياليته ما فعل.
صدمة كادت تنهي حياته حين وجدها بجواره بثياب ممزقة ووجهها به آثار الضرب والكدمات. كانت غائبة عن الوعي بحالة يرثى لها.. كيف يعقل أن يفعل بها ما فعل؟ سحب بنطاله وقميصه وارتداهم بسرعة وخرج برعب وصدمة.. لا يريدها أن تفيق وتراه بجوارها. كيف سيواجهها؟ كيف سينظر لعيينها؟ انسابت الدموع على وجهه وجسده يرتعش. وقف في زاوية بجوار أحد الغرف.. يريد أن ينتظرها حتى تخرج.. يريد أن يراها من بعيد دون أن يواجهها، وكان هذا أسوأ قرار اتخذه.
بعد عدة دقائق خرجت باكية، مصدومة، مزهولة، وكأنها رأت شبحًا أمامها. ركضت وهي تصرخ بشدة وتنادي على عمها.
وهنا كانت الفاجعة حين هرولت ناحية الدرج ورآها عماد تكاد تسقط. صرخ باسمها ليوقفها، ولكن لم يسعفه الوقت فانزلقت قدمها ووقعت على الدرج تتدحرج عليه حتى ارتطمت بالأرض وانهالت الدماء على جبينها.
عند هذه اللحظة عاد من شروده المؤلم وهو يبكي بشدة.. يخاطبه ضميره: ليتك ما خرجت من عندها.. ربما وقتها سيكون أقرب ويستطيع أن ينقذها.. ولكن الندم لا يفيد، فكل شيء انتهى.. انتهى وإلى الأبد.. خسرت عيناها أثر انزلاقها.. يتذكر حين أخبرهم الطبيب بالأمر.. كاد يفقد صوابه وكانت صدمة للجميع، فلم يكن حادثًا عاديًا فقد أخبرهم الطبيب أنها تعرضت لحالة اغتصاب.. وقع عمها مغشيًا عليه.. وخارت جميع قواهم.
تنهد بحرقة وهو يتذكر وجهها حين علمت.. لم تقوى على الكلام لأكثر من أسبوع وما زالت لأكثر من أربع شهور تتعالج عند الطبيبة النفسية من حالة الاكتئاب والخوف لأدنى سبب.
***
أما وليد وسما، فقد كانا قد وصلا الفيلا وعزما أن يتحدثا مع عماد.. ولكن تفاجأوا بشاب وسيم في السادس والعشرين من العمر، بطلة جذابة، يتحدث مع عمهم.
سما اندهشت بشدة ونظرت إليه قائلة:
• إنت.. إنت بتعمل إيه هنا؟
نظر لها بابتسامة جميلة وقال:
• إزيك يا آنسة سما.. انبسطت إني شوفتك.
زادت دهشتها وكادت ترد لولا أن وليد نظر إليه بغضب ولم تعجبه نظراته لسما وقال وهو يصافحه بغضب:
• أهلاً بيك أنا وليد ابن عم سما.
استغرب الضيف وقال:
• أهلاً يا أستاذ وليد.
أما محمد، فقد تنهد غاضبًا من نظرات وليد الفظة لضيفه وقال:
• وليد.. الأستاذ مراد كان من تلامذتي ومن أفضلهم كمان.
ونظر لسما قائلاً بابتسامة:
• وهو جاي النهارده طالب إيدك يا سما.
اتسعت عيناها بذهول ولم تقوى على نطق حرف. ولكن وليد كاد يجن وقال بغضب:
• إنت بتقول إيه يا عمي؟ يتجوز مين؟ سما صغيرة.
ولكن لم ينهي حديثه فقد نزلت سهر تهرول بخوف شديد وقالت:
• الحقني يا محمد.
وتشير لغرفة تمار بخوف.
***
أما عماد، فقد كان منهمكًا بأفكاره المريرة التي لا تتركه أبدًا، ولكن انقطع حبل أفكاره عندما سمع صوت يبغضه بشدة يقول:
• إيه بتشكي للبحر أحزانك؟
أغمض عينيه بغضب شديد وقال:
• جاي ليه.. جاي تشمت فيا؟
ضحك حازم ضحكة باردة وقال:
• ليه كده بس يا ابن عمي.. أنا مستحيل أشمتك.. إنت ناسي إننا أولاد عم ولا إيه؟
قال بضيق شديد:
• أنا منستش.. ولا عمري هنسى.. مش هنسى اللي حصل قبل كده.. ولا هنسى اللي عملته دلوقتي.
تنهد حازم وقال:
• لسه زعلان على حكاية الحباية اللي شربتهالك.. إنت اللي خرع.. هعملك إيه.. ما أنا قدامك أهو زي الفل مع إني شربت زيها قدامك.. ولا إنت حابب تعلق اللي عملته على أي حد وخلاص يمكن ده يخفف ذنوبك وندمك.. بس لو دي الحكاية أحب أوضحلك إن ده مستحيل يا عماد.. لأن ذنبك ميتغفرش.. إنت مش بس كسرت أهلك واعتديت على بنت عمك.. لا.. إنت كمان كنت السبب إنها تتحرم من نور عينيها.. يعني الأحسن ليك تسمع نصيحتي.
ابتسم عماد بسخرية وقلبه ينزف من حديث ابن عمه وقال:
• ويا ترى حازم باشا بينصحني بإيه.. أجرب أضرب حقن علشان البرشام معملش مصايب كفاية.
ضحك عماد وقال:
• لا بنصحك تسافر.. سافر وسيبها تعيش مع اللي يستاهلها.. مع حد ميأذيهاش حتى لو كان شارب إيه.
***
كاد أن يرد عليه لولا الاتصال الذي جاله.. ورد قائلاً:
• أيوه يا ماما.
ولكن كاد الهاتف أن يسقط من يده وهو يسمعها تقول برعب:
• الحقنا يا عماد تمار سابت البيت ومشيت.. مش لاقينها خالص.
حازم أيضًا سمع ما قالت وزهل بشدة، أما عماد فأغلق دون أن يتحدث إليها وركض ناحية سيارته، لكن أوقفه حازم حين أمسك يده بشدة وقال:
• مش هتروحلها.. أنا اللي هنقذ الوضع المرة دي.. إنت لو اتحركت من هنا هبعت لها الفيديو بتاعك قبل ما توصل لها.
اللي جاي تحفة يا جماعة. ياترى تمار راحت فين وإيه اللي ممكن يحصل لها؟ وهل عماد هيسمع كلام حازم وميروحش يدور عليها ولا إيه؟
رواية نظرة عمياء الفصل السادس 6 - بقلم زهرة الربيع
حرام عليك أنا جوزها. سبني أروح أدور عليها، دي مش بتشوف. ممكن تحصل لها حاجة.
نظر له حازم بضيق وقال:
مش هتروح يا عماد. واتأقلم مع وضعك ده، لأن كلها أيام معدودة ومتبقاش جوزها. وإذا على تمار، أنا هلاقيها بمعرفتي.
قال عماد بانفعال:
إزاي يعني إزاي؟ هقف مكاني وأسيبها تحصل لها حاجة في الشوارع؟ أنت... أنت بتستهبل. أنا رايح ومش هرد عليك المرة دي.
مضى بضع خطوات لكن أوقفه حازم حين قال:
براحتك. أنا بقى هطلع من هنا عند عمي على طول. أستناك على ما تجيبها، يكون هو سمع الفيديو بتاعك. ونستناكم لحد ما توصلوا علشان... علشان تمار كمان تسمع.
وقف عماد مكانه ونزلت دموعه بحزن، أما حازم قال كلماته بمنتهى البرود ومضى بجانبه مصطدمًا به عمدًا وذهب ليبحث عنها، تاركًا وراءه يقف بدموع.
المجذب عماد شعره للوراء، يشعر أنه مقيد، لا يستطيع أن يهدأ ويقف مكتوف الأيدي، ولا يستطيع أن يذهب ليبحث عنها خوفًا من تهديدات حازم. أمسك هاتفه وأخذ يحاول الاتصال بها والخوف يقتله.
❈-❈-❈
في أحد الطرقات المبللة بالماء، وسط ضجيج السيارات، تمشي بلا هدف وتتخبط بالمارة وتعتذر. فهي لا ترى شيئًا، فقد تخلى عنها النور الوحيد الذي كان يضيء عتمتها.
تنهمر دموعها على وجنتيها وتتردد كلماته في أذنيها:
دي بنت عمي. وأنا بشفق عليها. دي عندها ظروف، عمياء وبتتعالج نفسيًا. أنا بحبك أنتِ. مستحيل أحبها.
وتعاد الكلمات في أذانها كثيرًا بطريقة أفقدتها صوابها. وقفت بجانب أحد الأسوار تتكئ عليه وتبكي بشدة، حتى سمعت من يقول من خلفها:
فيه حاجة يا آنسة؟ أنتي تعبانة ولا حاجة؟
ضحكت ضحكات مرهقة وسط دموعها وقالت:
آنسة... ههه. أنا مش آنسة. ومش مدام، تخيل. أنا... أنا مش عارفة أنا عايشة ليه. ولا عارفة عايشة لمين.
استغرب كلماتها ولكن شعر أنها في وضع لا يسمح بالنقاش. قال:
الدنيا بدأت تمطر. قومي معايا. أنا بيتي قريب من هنا. اشربي حاجة سخنة وارتاحي شوية.
نظرت إليه بأعينها الزيتوني اللامعة من كثرة الدموع، نظرة صابت شيئًا ما بداخله. فحمحم بحرج لأنه أطال النظر إليها وقال:
أنا... أنا مش عايش لوحدي. متخافيش. أمي وأختي عايشين معايا.
ضحكت تمار بسخرية وقالت:
لا عادي. عادي حتى لو لوحدك. مبقتش تفرق.
لم يفهم قصدها، وكانت حالتها سيئة جدًا. ترتعش من البرد ومن الأمطار التي بللت شعرها ودموعها تنهمر على وجهها بلا توقف.
تنهد قائلًا بحزن:
يا آنسة، أرجوكي قومي معايا. أنتي هتتعبي كده وأنا كمان. أنا مش هقدر أسيبك خالص. بجد صعبان عليا أسيبك بالحالة دي لوحدك.
نظرت له بحدة حين قال تلك الكلمة وقالت:
أنا مش عايزة أصعب على حد. مش مستنية منكم شفقة. أنا أقدر أكمل لوحدي عادي ومش محتاجاكم.
وأحاولت أن تمضي بعيدًا عنه، ودفعته ببطء قائلة:
ابعد عني. أنا كويسة. سبني في حالي.
ولكن لم تنهِ جملتها واصطدمت بعامود إنارة ووقعت أرضًا.
ركض إليها وقال بذهول:
أنتي كويسة؟ مش تاخدي بالك إزاي مخدتيش بالك للعامود ده كله؟
تمار نظرت إليه بدموع وهي تفرك جبينها من الألم وضحكت ضحكات سخرية وقالت:
لأني مش بشوف أصلًا. مش بشوف أبدًا.
نظر إليها بدهشة، فتلك العيون الصافية خدعته. لم يتوقع أبدًا أنها لا عمياء. كان ينظر إليها بذهول وهي تحولت ضحكاتها لدموع وبدأت في البكاء بشدة وهي تقول:
أنا فعلًا أستاهل الشفقة. أنا... أنا... ذنبي إيه طيب؟
وانهارت في البكاء بطريقة جعلت دموعه تتساقط لا إراديًا.
حاول الهدوء وقال:
احم. تمام. اهدي. قومي معايا. هنتفاهم. قومي. أنتي شكلك أقوى من كده. مفيش حاجة تستاهل تنهاري كده عشانها. وأي ابتلاء من ربنا المفروض منعترضش عليه علشان نؤجر. يا... صحيح أنا أناديكي بإيه؟
قالت في سخرية ويأس:
قولي يا آنسة.
ابتسم لأنه يعلم أنها تسخر لأنه أعاد الكلمة مرارًا. قال:
ياستي لو بتضايقك مش هقولها خالص. ها بقى أناديكي بإيه؟
قالت بهدوء:
اسمي تمار.
ابتسم وقال:
أهلاً يا تمار. اسمك جميل قوي. أنا عثمان الجارحي. دكتور في الجامعة. خلينا نكمل كلامنا في العربية.
ذهبت معه لأنها لا تقوى على السير أكثر ولأنها لا تريد العودة إلى المنزل. ركبت السيارة وقالت:
احم. شكرًا. معلش أفرطت وصدعتك. يا ريت تاخدني على عيادة الدكتورة بتاعتي وأبقى شاكرة جدًا.
ابتسم وقال:
مش قبل ما تشربي حاجة وتنشفي هدومك. ومش هقبل نقاش أبدًا.
بقلم… زهرة الربيع
❈-❈-❈
أما عماد فلم يسمع لحازم. انتظر حتى ذهب وظل يبحث عن تمار ومعه صورتها على الهاتف. يدور تحت المطر بقلب موجوع جدًا ويسأل المارة عليها ربما رآها أحد.
في الفيلا كان محمد يكاد يجن جنونه بسبب غياب تمار. قال بخوف وانفعال:
طب إيه العمل؟ ليه محدش اتصل بيا لحد دلوقتي؟ أنا هتجنن. البنت فين دي؟ كفيفة إزاي تنزل لوحدها؟ ليه عملت كده؟
وليد كان يجري اتصالاته بتوتر ولم يجبه أحد. لا حازم ولا عماد. تقدم على عمه ليهدئه لكن سبقه مراد وقال مسرعًا:
اهدأ يا محمد بيه. واقعد. إن شاء الله خير. لو فضلت كده ممكن تتعب.
محمد نظر له بدموع وكاد يحدثه، لكن وليد قال بضيق شديد:
وهنشوف الخير إزاي؟ واضح إن فيه قدم شؤم أو عين حد مصلاش وهو داخل. صحيح العين فلقت الحجر.
نظر له مراد بدهشة وأحرجته كلماته بشدة. أما سما ومحمد فنظروا له بذهول من تفكيره السخيف ورده الأسخف.
محمد قال بغضب:
لا وهو أي مكان أنت فيه يتحسد فعلًا يا فلتة زمانك. روح من وشي عشر دقايق. لو متصرفتش وجبت خبر عن أخوك أو عماد وتمار أنا اللي هفلقك بنفسي.
وليد قال مسرعًا:
أنت معاك حق يا عمي. لازم أطلع أدور عليهم بنفسي.
وكانت سمية والدته جالسة معهم. نظر إليها وقال مسرعًا:
خلي بالك من عمي يا ماما. هرجع على طول.
قالت سمية بتعجب:
عمك مين؟ هو مش عمك توفيق مات الله يرحمه؟
وليد قال بيأس:
يا ماما... يا ماما ركزي مرة واحدة في حياتك. عمي ده ده اللي قدامك عمي محمد. إيه فكرك بعمي توفيق دلوقتي؟ ده انتي نسيني أنا ابني.
قالت سمية:
آآآآه... عمك محمد. ماشي. أنت روح متقلقش يا ابني. هو هيسافر النهارده ولا إيه؟
قال بتعجب:
يسافر؟ هيسافر فين؟
قالت بسرعة:
هو مش النهارده هيروح يتطوع في الجيش ولا لسه؟
ضرب وليد على جبينه وقال بيأس:
يا ختاااااااي.
نظر عمه بضيق وقال:
هو الحق مش عليها. امشي غور. أنا كويس وسما هنا ومراد.
ولكن قاطعه وليد وقال وهو ينظر لمراد بضيق:
معلش يا عمي. مراد مهما كان غريب. وسما هتيجي معايا.
جاءت سهر وقالت:
أنا هفضل مع محمد. روحوا أنتم. كده كده ملقتش أي حاجة غريبة في أوضتها.
قال محمد بغضب:
سيبك من الغريب والقريب. أنت هتاخد سما ليه أصلًا؟ عايزني بدل ما أدور على واحدة أدور على الاتنين؟
وليد نظر له بضيق لأنه قال هكذا أمام مراد وقال مسرعًا:
مش هنطول يا عمي.
وتجاهل حديثه وجذب سما من يدها وذهب بها وهو يقول:
هيه سما عايزة تدور على أختها.
❈-❈-❈
أما تمار فقد وصلت مع ذاك الشاب عثمان… لبيته. كانت شقة في أحد المباني الراقية ودخلوا سويا وصعدت معه في المصعد.
كان عثمان ينظر لملامحها الجميلة بإعجاب واضح. لمح على جبينها آثار صدمتها بالعامود.. حزن عليها وتنهد قائلًا… أنتي مولودة كده. احم.. قصدي كفيفة من طفولتك يعني.
هنا ظهر الغضب على ملامح تمار وهي تتذكر لحظة خروجها من المخزن وركضها ناحية الدرج وهي في حالة صدمة رهيبة من ما حدث لها. وضعت يدها على أذنيها حين تذكرت لحظة وقوعها من على الدرج. كانت لحظة مؤلمة لم تر شيئًا بعدها.
ذهل عثمان من حالتها قال مسرعًا:
آنسة تمار حقك عليا. أنا.. أنا آسف والله. أنتي كويسة؟
حاول لمسها أو إبعاد يدها لكن صرخت فيه وقالت:
إياك تقرب. متقربليش. أوعى. أوعى تفتكر إني مش شايفة ومش هقدر أمنعك. والله أقتلك. هقتلك. خليكك بعيد.
يتبع…
رواية نظرة عمياء الفصل السابع 7 - بقلم زهرة الربيع
اوعى تقربلي.. اوعى.. اوعى تفتكر إني مش شايفة ومش هقدر أمنعك، والله أقتلك. هقتلك. خليك بعيد.
كان عثمان ينظر لها بدهشة. ماذا حدث لتلك المسكينة لكل هذا الخوف والغضب؟ قال مسرعًا:
• لا لا، أنا بعيد.. مش هقربلك خالص.. أنا.. أنا كان قصدي أساعدك، أرجوكي اهدي.
هنا توقف المصعد وقال:
• إحنا وصلنا.. وصلنا خلاص.. يلا.. يلا اتفضلي.
تقدمت تمار وهي ترتجف برداً وخوفاً، وأسرع أمامها وفتح الباب بمفاتيحه الخاصة.
رجعت تمار خطوات للخلف وقالت:
• ليه فتحت إنت الباب؟ هو.. هو مش إنت قلتلي إن فيه ناس معاك جوه؟
ابتسم فهو متأكد أنها خائفة ولا تشعر بالأمان وقال:
• أيوه بس ماما ست قعيدة للأسف.. وأختي دي بقى لو خبطنا سنة مش هتسمع.
استغربت تمار كلامه، وقبل أن تسأل قال بسرعة:
• أصلها مدمنة موسيقى.. وديماً عمالة للجران إزعاج.. استنيني هنا لحظة.
ودخل البيت لينادي لأمه بسرعة.
خرج بعد دقيقة وكان معه سيدة تجلس على كرسي متحرك وقال لها:
• سلمي على تمار يا ماما.
كان هذا تنبيهاً لتمار أن والدته معه. مدت يدها وقالت بسرعة:
• إزيك يا طنط.
ابتسمت السيدة وسلمت عليها وقالت:
• أهلاً وسهلاً يا بنتي، اتفضلي يا تمار.
دخلت تمار مع عثمان ووالدته وجلست معهم يتحدثون.
كانت والدة عثمان تنظر لها بحزن لأن عثمان أخبرها بأنها كفيفة. قالت:
• احم.. ثانية واحدة هنادي لـ رؤى أصلها مش بتطلع غير بضرب النار.
ضحكت تمار لأنها تسمع صوت الموسيقى والضجيج، وذهبت والدة عثمان لتخبر ابنتها بوجود ضيفة مع أخاها.
***
على أحد الطرقات كانت سما مع وليد في سيارته وكانت قلقة جداً وتدعو الله أن يحفظ أختها وتشعر بحزن وخوف شديد.
أما وليد فكان في عالم موازي، ينقر على مقود السيارة بعبث ويرمقها بنظرات غاضبة. يريد أن يحادثها ويتردد ثم يصمت.
أغمضت سما عينيها بغضب مكبوت من تصرفاته الصبيانية، فهي تعرفه حق المعرفة وواثقة أنه يريد أن يحادثها. قالت بضيق:
• فيه إيه؟ اتكلم.. قول الكلام اللي مش قادر تبلعه وخلصني.
قال باندفاع:
• معاكي حق.. مش هقدر أستنى أكتر من كده.. تعرفيه منين؟ كنتي عارفة إنه جاي يخطبك؟ اتكلم معاكي يعني.. فيه إيه بينكم؟ اتكلمي.
ولكن أسكتته حين قالت بجدية:
• ما إنت لو سكت أنا هتكلم.
تنهد بضيق شديد وقال:
• اتفضلي.. سامعك.
تنهدت ونظرت إليه بغضب وقالت:
• أولاً يا وليد للمرة الألف.. إنت ابن عمي وبس.. وميحقلكش تسألني على أي حاجة تخصني وأنا هجاوبك علشان أريح دماغي مش أكتر.. فبلاش تتصرف على إنك ولي أمري.
أراد أن يتحدث، لاكن قاطعته قائلة بغضب:
• مخلصتش كلامي.. ثانياً بقى.. تصرفك معاه وكلامك المستفز كان في قمة قلة الذوق وأحرجني أنا وعمك.. ومكانش له أي داعي.. والأهم من كل ده.. إن مش وقت استفساراتك أصلاً في الوضع اللي أنا فيه ده.. ومع ذلك هريحك.. الشاب ده قابلته من يومين أخو واحدة زميلتي وجيه ياخدها من الجامعة.. خلصنا.
نظر إليها بحدة وقال:
• إنتي بتستهبلي يا سما؟ يعني يقابلك من يومين.. يخطبك النهارده؟ هو أنا أهبل علشان أصدق الكلام ده؟
قالت بسخرية غاضبة:
• آه صح.. سوري.. فعلاً ده كلام ميمشيش مع واحد زيك.. كان لازم أتمعرع معاه سنتين تلاتة حتى يجي يخطبني مش كده؟
تنهد بضيق شديد ونظر أمامه دون أن يتفوه بحرف آخر، فقد كانت غاضبة جداً وهو أيضاً، وكان الصمت هو الخيار الأفضل ولكن مؤقت.
***
أما عن عماد فقد كان يدور في الطرقات يوقف كل من يراه ويسأله عنها. حتى أوقف أحد عمال النظافة وقال:
• لو سمحت حضرتك.. معلش مشوفتش البنت دي قريبة من هنا؟
ولم ينهي حديثه حتى قال العامل:
• قصدك البنت الكفيفة؟
اتسعت عينا عماد وقال بلهفة:
• أيوه.. أيوه هي.
قال العامل:
• كانت هنا من شوية، مكانتش شايفة حاجة. حاولنا كتير أنا وكل اللي يشوفها نساعدها بس مرضيتش. كل شوية تخبط في حاجة وكل اللي يكلمها تقولوا معلش مش بشوف.
تنهد عماد بحزن وقال:
• ومعرفتش مشيت إزاي؟
قال العامل:
• لا مهو فيه شاب من سن سيادتك كده.. تقريباً من قرايبها.. جه وكلمها ومشيت معاه.
تنهد عماد بارتياح وظن أنها ذهبت مع حازم. فأخرج صورته من هاتفه وقال:
• الشاب ده.. اللي مشيت معاه مش كده؟
نظر العامل للصورة وقال:
• لا.. التاني كان طويل شوية وله دقن خفيفة.. لا مش ده خالص.
تعجب عماد جداً. إذا لم تذهب مع حازم، إذاً من ذاك الشاب؟ أخرج صورة لوليد وقال:
• معلش تعبتك بس آخر مرة.. ممكن يكون الشاب ده اللي مشيت معاه؟
قال الرجل مسرعاً:
• لا يا باشا بقولك شاب هيبة كده زي حضرتك.. كان لابس بدلة وجاكت جلد.. مش العيل ده أبداً.
تنهد عماد بحيرة وقال:
• طب.. طب شكراً.
ومضى بحيرة وخوف يسأل المارة من جديد، ربما أحدهم يعرف الشخص الذي ذهبت معه.
***
أما تمار فكانت تجلس تحتسي القهوة مع عثمان ووالدته، ومعهم فتاة جميلة تبدو في عمر سما، شقيقتها. تلك هي رؤى شقيقة عثمان.
قالت:
• وإنتي بقى يا تمار عندك أخ يزهقك في عيشتك زيي كده؟
ضحكت تمار وقال عثمان مسرعاً:
• أبقى أنا اللي مزهقك.. ده إنتي تزهقي بلد.
قالت تمار بابتسامة جميلة:
• لا عندي أخت قمر. حاسة إنك قمر زيها.
ابتسمت رؤى ونظرت لها قائلة:
• لا بقى أنا متأكدة إنها أجمل مني.. مادام أخوكي تبقى أكيد شبهك.
ابتسمت تمار وقالت:
• ده بس من ذوقك.
ردت الأخرى مبتسمة:
• لا دي مش مجاملة دي حقيقة. ما شاء الله عليكي قمر.. قوليلي بقى إنتي مخطوبة؟
اختفت الابتسامة تدريجياً من على وجه تمار، ولمعت عيناها بدموع حين تذكرت عماد. وقالت:
• احم.. لا.. متجوزة.
قالت رؤى في حماس:
• إيه ده بجد؟ وعن حب بقى ولا صالونات؟
بلعت غصة مريرة في حلقها. ولم ترد. كيف تقول إنها طوال عمرها تتمنى زواجها منه، ولكن بالنسبة له فهذه الجيزة مجرد شفقة منه على حالها. تنهدت ونزلت دمعة حارقة على وجنتها.
سكتت رؤى بحزن وقالت بارتباك:
• أنا عكيت ولا إيه؟
تنهد عثمان بضيق من أخته وقال:
• وإيه الجديد؟
ابتسمت تمار ومسحت دمعتها مسرعة وقالت:
• لا أبداً.. مفيش عك ولا حاجة.. هو.. هو تقدري تقولي جوازنا كان علشان أهلنا.. أو كان ظروف معينة.
وأغمضت عينيها بألم وقالت:
• بس قريب هننهيه.
كانوا جميعاً ينظرون لبعضهم بعضاً بحزن على حال تلك المسكينة، واجتهدوا في الحديث معها لعلها تنسى أو تتلاشى أفكارها وحزنها.
***
ظلت تمار تتحدث معهم واحتست بعض القهوة ومكثت عندهم لفترة وجيزة ووقفت قائلة:
• طيب.. استأذن أنا.. شكراً قوي على استضافتكم الجميلة.. ممكن بس تكمل جميلك وتوصلني لعيادة الدكتورة بتاعتي يا أستاذ عثمان؟
قال عثمان مسرعاً:
• طب ما تباتي النهاردة هنا؟
نظر الجميع له بدهشة وقال هو بحرج:
• احم.. قصدي يعني الجو مش حلو بره.. باتي انهاردة مع رؤى وماما والصبح أوديكي مكان ما تحبي.
ابتسمت بامتنان وقالت:
• شكراً بجد.. بس.. بس أنا لازم أمشي.
خرجت مضايقة قوي.. ومقولتش لحد وزمانهم بيدوروا عليا. هروح للدكتورة بتاعتي شوية وأروح.
تنهد عثمان ولم يجد سبيل لإقناعها بالبقاء وقال:
• اللي تشوفيه.. ثانية هجيب الجاكيت.
كاد أن يتحرك ولكن سمعوا صوت طرقات قوية على الباب.
استغرب عثمان وقال:
• إيه ده؟ إنتي مستنية حد يا ماما؟
قالت والدته:
• أبداً يا ابني.
تقدم عثمان على الباب وفتحه، وكان عماد هو الطارق. نظر إليه عثمان وقال:
• نعم مين حضرتك؟
***
عماد كاد أن يحدثه، ولكن لمح تمار بالداخل. تبسم براحة وسقطت دمعة من عينه ودخل دون استئذان.
اندهش عثمان وقال بغضب:
• إنت يا أستاذ إنت رايح فين؟ هي وكالة من غير بواب؟
تنهدت تمار بدموع وعرفته دون أن تتحدث من رائحة عطره التي صارت تدمنها. قالت بدموع:
• ده عماد جوزي يا أستاذ عثمان.
استغرب عثمان لأنها لا ترى. أما عماد فنزلت دموعه بغزارة وتقدم إليها، بضمها لصدره أمام الجميع ودموعه لا تتوقف. قال بلهفة ودموع:
• ليه كده؟ ليه حرام عليكي؟ أنا كنت هموت.. ليه تعملي فيا كدة؟
أغمضت عيناها بألم شديد، وكم تمنت لو استطاعت معانقته، ولكن لم تنسى ما قاله.. فلم يعد من حقها ذلك.
ولكن نظر لهم الجميع باندهاش. وعثمان كان يشعر بشيء غريب يألمه من هذا الموقف ولا يدري ما الذي يزعجه.
ابتسمت رؤى وقالت:
• سيدي يا سيدي.. بقى ده اللي هتنفصلي عنه؟ إنتي بتخافي من العين ولا إيه؟
هنا بلع عماد ريقه واستوعب وجودهم حوله، فابتعد وأمسك يدها وقال:
• احم.. شكراً يا جماعة لأنكم مسبتهاش لوحدها.. عن واسفين على الإزعاج.. عن إذنكم.. يلا يا تمار.
جذبت يدها من يده وقالت بجمود:
• روح إنت يا عماد.. أنا هروح عند الدكتورة منال وأجي وراك.
قال عماد بدموع:
• أنا هوصلك عندها يا تمار.. يلا معايا وهنتفاهم.. أرجوكي يلا.
تنهدت بضيق شديد وقالت:
• قلتلك همشي لوحدي.. اتفضل إنت.
أمسك يدها بقوة وقال:
• لا المرة دي مش هسايرك زي العادة.. يلا عمك هيتشل في البيت وأختك هتتجنن.
نظرت له بغضب وقالت:
• مليش دعوة بحد.. ماشي أنا.. أنا مش بخدع حد وأظهر له المودة الكدابة علشان الناس.
تنهد عماد وفهم قصدها وأنها تعنيه بكلامها وشعر بحزن شديد، خاصة حين قالت بدموع:
• روح يا ابن عمي.. إنت مش مضطر تفضل متجوز واحدة عمية علشان بتشفق عليها أو لمجرد إنك خايف من أهلك. روح قول لهم إني بخير.. وإني بحررك من أي حاجة بينا.. ووالدك أنا هكلمه.
تنهد عماد كيف يخبرها أنه مجبر على ما قال. كاد أن يتكلم، لكن حدث شيء لم يكن في الحسبان، حيث دخل حازم ونظر لعماد بغضب رهيب وقال:
• إيه ده؟ هو إنت كمان هنا يا عماد؟ ده باباك قلب الدنيا عليك ووقع من طوله ومحدش عارف ماله.
ذهل عماد، وشهقت تمار بخوف وقالت:
• عمي.. ليه مالوف؟
أكمل حازم بطريقة خبيثة وهو ينظر لعماد قائلاً:
• أبداً يا ستي.. كان كويس قوي أول ما عرفت مكانك كلمته وطمنته عليكي.. بس بعد كده.. في واحد ابن حرام بعتله فيديو ومنعرفش إيه اللي حصل له لما سمعوا.
رواية نظرة عمياء الفصل الثامن 8 - بقلم زهرة الربيع
كاد يجن جنونه من ما سمع. أيعقل أن يكون والده علم باغتصابه لابنة عمه؟ ولذلك فقد الوعي.
ابتلع ريقه بصعوبة وظل مكانه، لم ينطق بحرف.
أما تمار، فقد كانت خائفة جداً على عمها. قالت:
• يلا بينا يا حازم نلحق عمي بسرعة.
كادت تذهب، ولكن أوقفها عثمان قائلاً بسرعة:
• أجي معاكي.
نظر له حازم بسخرية، بينما انتبه عماد لجملته ورمقه بنظرة حادة.
ابتلع عثمان ريقه بتوتر وقال:
• احم.. قصدي لو محتاجة مساعدة يا مدام تمار أو.. أو حابة أوصلك لعمك.
كاد حازم أن يتحدث، لكن عماد أمسك يد تمار ونظر لعثمان وقال:
• شكراً يا أستاذ عثمان.. تمار هتروح مع جوزها.. وشكراً مرة تانية.
قال عماد كلماته وجذب يد تمار وخرج بها مسرعة. أما تمار، لمعت عيونها بالدموع. فحين كانت ترى منه مثل هذه التصرفات، كانت تعتقد أنه يغار عليها. أما بعد ما سمعت منه، فقد ذهب ذاك الشعور الجميل.
ركبوا جميعاً سياراتهم وتوجهوا إلى المنزل.
•••
كان عماد طوال الطريق متوتراً بشدة، خائف بل مرعوب. ماذا لو علم والده بما فعل؟ أيعقل أن يكون حازم عاقبه وفعلها وأرسل له الفيديو؟
نظر لتمار بخوف. ماذا لو علمت هي أيضاً؟ ماذا سيكون رد فعلها؟ كيف يواجهها؟
نظر إليها وقال بخوف:
• تفتكري.. تفتكري إيه اللي ممكن يكون شافه علشان يتعب كده؟
قالت تمار بدموع:
• مش عارفة.. أكيد أنا السبب. أكيد أعصابه باظت لما عرف إني مشيت لوحدي.
تنهد بحزن على تلك البريئة وقال:
• انتي ملكيش ذنب.. حازم بيقول إنه كان كويس.. دلوقتي هنوصل ونشوف.. ربنا يستر.
وصلوا إلى المنزل ودخلت تمار بقلق تتحسس الأماكن مسرعة من خوفها على عمها. أما عماد، فدخل بخوف رهيب وكأنه يُساق إلى الموت.
دخل حازم في نفس الوقت وهمس له قائلاً:
"قدر أخف من قدر يا عمدة. إياك عقلك يوزك تقول محصلش.. هتندم."
عقد عماد حاجبيه بتعجب، لم يفهم قصده.
وحازم ربت على كتفه بسخرية ودخل.
محمد كان يجلس على الأريكة بتعب. وركضت إليه تمار قائلة بدموع:
• عمي.. عمي انت كويس؟ أنا آسفة.. آسفة والله ما هعمل كده تاني.
نزلت دموع محمد واحتضنها وهو يبكي وقال:
• أنا اللي آسف.. أنا اللي آسف يا بنتي إني أمنت عليكي واحد غبي زي ده.. أنا.. أنا دلوقتي بس عرفت انتي ليه مشيتي.. سامحيني يا بنتي.
أغمض عماد عينيه بألم وتأكد أن أباه علم بكل شيء. وزادت ضربات قلبه، فوالده يعتقد أن تمار تعلم بما فعل. قال مسرعاً:
• خلاص يا بابا.. متتعبش نفسك. نتكلم بعدين.
وقف محمد بغضب وفتح هاتفه وقال بانفعال:
• هنتكلم حالا… إيه ده.. ها.. إيه ده؟
نظر عماد للهاتف، وإذا به مع فتاة في وضع محرج. نظر للهاتف بذهول شديد.
ومع الفيديو كانت صورة لوثيقة زواج باسمه من فتاة تدعى علياء بشير. ورسالة معهم مكتوب بها:
"أنا مرات ابنك يا أستاذ محمد. هو وعدني يعترف لك بزواجنا وموفاش. علشان كده أنا بعتلك الإثبات."
كان عماد ينظر للهاتف بذهول. وقال والده بدموع:
• البنت دي بعتالي صور ليك وصورة من قسيمة جوازكم.. انت اتجوزت على بنت عمك يا عماد؟ اتجوزت على تمار؟ ولا الأتكلم وأصدقك يا ابني؟
هنا فهم عماد مقصد حازم ونظر له بدموع. وابتسم الآخر بسخرية.
كان عماد في مأزق حقيقي، فإن ابن عمه يلاعبه. إن لم يوافق على ما يُقال، ربما يريهم الفيديو الحقيقي. نظر أرضاً وقال بصوت ضعيف:
• أيوه… أيوه مراتيه.
هنا كادت تمار تفقد وعيها. واتسعت عينيها بشدة واقتربت منه قائلة بدموع:
• مراتك؟ مراتك إزاي؟ أنت.. أنت مش قولتلي إنك.. إنك عايز تتجوز؟
انتظرت منه رداً، ولكن أخفض عينيه بدموع لا يقوى على النظر إليها. فضحكت بصدمة وقالت:
• متجوز… من.. من غير حتى ما تقولي؟ هو أنا… هو أنا للدرجة دي مليش أي لازمة عندك؟ للدرجة دي بقيت شيء ملوش قيمة؟
نظر إليها يهز رأسه بعدم الموافقة على كلامها ودموعه على وجهه. كاد يحادثها، لكن والده قال بغضب:
• أنا اللي غلطت.. أنا اللي افتكرتك راجل وهتقف جمبها. طلعت مستغفلنا ومتجوز. متجوز وحتى أنا مقلتليش. حرام عليك.. ليه.. دانا كنت فاكر إنك انت اللي هتجبرها.. قولت إنك انت اللي هتنسيها وتهون عليها اللي حصل.
وأكمل بغضب شديد وقال:
• بس أنا كنت غبي. انت متستاهلهاش. متستاهلهاش أبداً.
كانت كلمات والده ودموعه تؤلمه بشدة. يريد أن يهون عليه وأن يكذب كل ما قيل، ولكن لم يستطع التفوه بحرف. فذاك الشيطان ينظر له بخبث ويعاقبه على ما فعل بطريقة مشينة. ولكن لم يؤلمه كل تلك الإهانات على قدر ما يؤلمه وضع تمار ودموعها التي تتساقط بصمت رهيب.
أختها كانت تضمها إليها وتحاول أن تحدثها. قالت بدموع:
• تمار.. يا حبيبتي ردي عليا.. انتي ساكتة كده ليه؟ تمار متعمليش في نفسك مده.. أرجوكي محدش يستاهلك.
لكن لم تجب، فقط دموعها تتساقط بشكل عجيب. وعمها نظر لحالها بشفقة. نظر لعماد بغضب وقال:
• شايف؟ شايف عملت إيه؟ شايف وصلتها لإيه؟
سهر قالت بدموع:
• ليه كده يا عماد؟ طب حتى كنت قولها يا ابني… إزاي تكون متجوز ومخبي عن الكل كده؟
عماد قال بدموع:
• أرجوكم يا جماعة.. هنتكلم وهنتناقش.. بس خلينا نشوف تمار الأول. أرجوكم.
ونظر لوليد قائلاً بقلق:
• اتصل على الدكتورة منال بسرعة يا وليد.
وليد ذهب ليحادث الطبيبة مسرعاً. وتقدم عماد على تمار وقال بقلق:
• تمار.. تمار ردي عليا.. كلميني.
كانت تنظر أمامها بشرود… وكأنها لا تسمعهم ودموعها تنزل بغزارة. وأخيراً نطقت قائلة بدموع وجمود:
• طلقني.
نظر لها عماد بدموع وقال:
• تمار أرجوكي.. اهدي دلوقتي.
ولكن تمار عادت كلمتها بنفس الأسلوب:
• طلقني.
تنهد عماد وقال:
• حاضر.. حاضر والله.. بس اقعدي… اقعدي واهدي.
ومد يده إليها ليساعدها على الجلوس، ولكن بمجرد أن لمسها صرخت بوجهه بقوة قائلة:
• ابعد عني… ابعد عني.. متلمسنيش.. سيبوني في حالي بقى… طلقني. طلقني حالا.
والتفتت لاختها وقالت وهي ترتجف:
• قوليلو… قوليلو يطلقني يا سما.. قوليلو يسبني في حالي… طلقني بقولك طلقني.
كانت سما تهدئها وتبكي بقوة على حالة اختها. كانت في حالة هيستيريا قوية وتضرب قداها بالأرض وتصرخ وترتجف وتمنعهم من الاقتراب منها بحالة أذهلت الجميع وأحزنتهم بشدة.
ركض إليها عمها يضمها بين يديه قائلاً بدموع:
• أهدي يا بنتي.. أهدي يا تمار يا حبيبتي.. أرجوكي يا بنتي متعمليش في نفسك كده.
نظر لهم عماد وكانت دموعه تتساقط على وجهه ولا يستطيع الوقوف على قدميه. أما حازم، فقد كان ينظر إليه بنظرات خبيثة سعيدة بما يحدث.
نظر له عماد بذهول.. كيف لمثل هذا الوضع أن يجعله سعيداً؟ كيف يستطيع أن يرى أحداً منهاراً لهذه الدرجة؟ كم تمنى لو استطاع أن يبرحه ضرباً… لكن لابد من الهدوء في هذا الموقف.
نظر لوالده قائلاً بدموع:
• حاول تشربها ميه أو…
ولكن قاطعه والده وقال بغضب:
• مش عايز أسمع صوتك. سامع؟
خفض عماد رأسه أرضاً. وظلوا جميعاً يحاولون تهدئة تمار التي ظلت تبكي بقوة حتى سقطت مغشياً عليها.
نزلت دموع عمها على حالها، فلم يراها بهذه الحالة منذ ذاك الحادث اللعين الذي أفقدها بصرها.
سما بجانب تمار كانت تضرب وجنتها بخفة ربما تفيق وتقول:
• تمار.. تمار يا حبيبتي ردي عليا.
زوجة عمها أيضاً كانت تحاول ولكن دون جدوى. اقترب عماد منها سريعاً بقلق وهم أن يحملها، ولكن أوقفه حازم وقال:
• خليك بعيد عنها… كفاية اللي عملته.
ودفعه قليلاً وحملها بسرعة وصعد بها الدرج وهو ينظر إليه بنظرات انتصار وسخرية. تاركاً خلفه ينظر لطيفها تبتعد معه ولا يرى أمامه سوى عيونها الباكية التي لم تعرف الدموع إلا على يديه.
•••
خارج المنزل، كانت تقف سيارة سوداء. هبط منها عثمان ونظر للمكان بتمعن وهو يتذكر تلك الجميلة. محدثاً نفسه قائلاً:
• بتعمل إيه يا عثمان؟ استفدت إيه لما مشيت وراها وعرفت بيتها؟ دي متجوزة.. انت إيه حكايتك؟
تنهد بحيرة من أمره الغريب وركب سيارته ورجع إلى بيته.
أما تمار، فقد كانت لا تزال غائبة عن الوعي وتفحصها الطبيبة. وقالت بحزن:
• الحالة بتسوأ أكتر وضغطها عالي جدا… فين عماد؟
قال حازم بسرعة:
• أنا هنا يا دكتورة. تقدري تقوليلي على اللي محتاجاه.
نظرت إليه الطبيبة بضيق وقالت:
• أنا قولت عماد.. جوزها فين؟
قالت سما بدموع:
• بره.. واقف بره الأوضة.. أناديلك.
قالت الطبيبة منال:
• لا خلاص.. أنا هطلع أتكلم معاه.
ذهبت الطبيبة. ونظر حازم لطيفها بغضب وقال:
• أنا الست دي مش برتاح له.. مش عارف ليه مصرين عليه.
نظرت له سما بضيق وقالت:
• انت شايف إن ده وقته يعني؟ لو سمحت اتفضل.. انت وصلت لها وكتر خيرك.. اتفضل بقى علشان تاخد راحتها.
حازم نظر لها بضيق وخرج. وسما قبلت جبينها بدموع وقالت:
• يا حبيبتي يا تمار.. لو أقدر أعمل أي حاجة عشانك.
•••
في هذا الوقت، جائها اتصال من رقم غير مسجل. ردت وقالت:
• ألو.
جاءها صوته قائلاً:
• آنسة سما.. أنا مراد.
تفاجأت سما وقالت:
• مراد؟ انت جبت رقمي منين؟
شعر ببعض الحرج وقال:
• احم.. من عمك.. أنا بس.. بس لما مشيت كنتي متوترة وقلت أطمن عليكي.
شعرت سما بالحرج من الوضع الذي شهدته وقالت:
• أنا.. احم أنا مش عارفة أقولك إيه على الموقف الغريب اللي حضرته ده.. أسفين أزعجناكم.
مراد قال بسرعة:
• أبداً والله.. أنا اللي عايز أعتذر إني مشيت.. بس… بس أنا كنت هفضل معاكم لحد ما أختك توصل بالسلامة.. بس بعد كده لقيت الوضع بقى خاص شوية ومينفعش أكون فيه.
تنهدت سما وقالت:
• شكراً يا أستاذ مراد.. هو.. هو إحنا اتفاجأنا باللي حصل.. كنا فاكرين إن عماد بيحبها ومكناش متوقعين يطلع متجوز.. معلش بقى الدنيا اتكركبت فجأة وملحقناش نتكلم.
ابتسم وقال بسرعة:
• تتعوض… نعوضها يوم تاني.. مش كده ولا إيه؟
ابتسمت وقالت:
• أكيد… أكيد لازم هنتكلم.
وبس.. قطعت كلامها لما لقت وليد في وشها وبيصلها بغضب.
سما تنهدت وقالت:
• طب يا أستاذ مراد.. معلش هشوف تمار وأكلمك وقت تاني.
أغلقت هاتفها ونظرت له بتهكم وقالت:
• نعم يا وليد؟ فيه حاجة؟
قال بغضب وانفعال:
• أيوه فيه.. الشاب ده مش عايز أشوفك بتكلميه.. ولا بتقابليه.. انسي إنه جه هنا أصلاً.. سامعة؟
نظرت له بذهول من كلامه الجاد الغاضب وقالت:
• وده ليه بقى إن شاء الله؟ وبصفتك إيه بتكلمني كده؟
قال وليد باندفاع وغضب:
• بصفتي ابن عمك.. ومحدش هيتجوزك غيري.. وهطلبك من عمي انهارده.
رواية نظرة عمياء الفصل التاسع 9 - بقلم زهرة الربيع
بصفتي ابن عمك.. ومحدش هيتجوزك غيري، وهطلبك من عمي النهارده.
اتسعت عيون سما بذهول من حديثه العجيب، وكادت أن ترد لكن سمعت صوت أختها تناديها.
فركضت لها مسرعة.
***
أما عماد، فقد كان يجلس في المكتب مع طبيبه تمار، وكان يخفض رأسه أرضًا ولا يتحدث أبدًا.
تنهدت الطبيبة وقالت:
- مهو مش هينفع كده يا عماد.. انت لازم تتكلم.. لازم تفهمني.. عماد أنا مش بس دكتورة تمار، أنا كمان الدكتورة بتاعتك.. ولو عايزني أساعدك لازم تتكلم.
تنهد عماد بحزن رهيب وقال:
- مفيش حاجة تتقال يا دكتورة.. صدقيني لو فيه حاجة تنفع تتقال كنت قلتها.. أنا محتاج أوي أتكلم.. محتاج أخفف الهم اللي على قلبي ومش قادر أحكيه.. أنا.. أنا وتمار خلاص هننفصل.. يمكن كده أحسن لكل واحد.
تنهدت الطبيبة وقالت:
- أنا كنت متأكدة إنك مش هتتكلم زي العادة.. بس لآخر مرة هقولك يا عماد علشان أساعدك لازم أفهم كل حاجة.. لازم أسمعك.. أنا همشي دلوقتي وهستناك في العيادة.. عايزة أسمع منك كل اللي وصلكم لكده.. متخافش.. كل كلمة بينا مش هتوصل لأي حد.. ولا حتى تمار. هستناك.
غادرت الطبيبة بعد أن كتبت بعض المقويات والمهدئات لتمار، وظل عماد في المكتب بتعب وحزن.
أما تمار، فقد أصرت على أختها أن تأخذها للطابق السفلي عند عمها.
وبالفعل نزلت مع سما ووليد، وقالت بتعب:
- عماد هنا.
قال عمها بحزن:
- في المكتب يا بنتي.
نظرت إليه بدموع وقالت:
- ناديله يا عمي.. إحنا مش أطفال علشان كل واحد يتخبى ويخاف ما يواجه التاني.
قال محمد بدموع:
- ماشي يا بنتي.. اللي يريحك هناديه.. بس متاخديش قرار دلوقتي أرجوك.
تنهدت تمار وقالت بدموع:
- متخافش يا عمي.. أنا تمام.. أنا عندي.. كان عندي علم إنه بيحب واحدة.. بس.. بس مكنتش متخيلة إنه يكون متجوزها ومخبي.. اتفاجأت مش أكتر.. إنما.. أنا.. احم.. أنا عادي أصلاً.. أصلاً جوازي منه مكنش برضانا.. ده طبيعي.
تمار كانت تتحدث والدموع على وجهها، وكل قطعة منها تقسم أنها كاذبة وأنها تعشقه ولا تريد غيره.
ذهب وليد ونادى لعماد، الذي تقدم إليها ببطء، رغم أنها لا تراه، ولكن لم يستطع أن يرفع عينيه.
قال بدموع:
- تمار.. إنتي كويسة دلوقتي؟
تمار حاولت أن تكون قوية، وقالت بجمود مصطنع:
- أنا تمام يا عماد.. ناديتلك علشان أقولك إننا كده خلاص.. أهلك عرفوا.. هنكلم المحامي يجهز أوراق الطلاق وكل واحد يروح لحاله.
نزلت دموعه بألم، وكاد أن يترجاها أن لا تفعلها، ولكن نظر له حازم بتحذير، فقال بدموع:
- اللي تشوفيه يا تمار.
قال محمد بغضب:
- اللي تشوفه ده إيه.. تمار يا بنتي.. إنتي أهدي.. هو هيطلقها هي مش إنتي.. والله هخليه يطلقها ورجله فوق رقبته.
ولكن قاطعته تمار وقالت بسرعة:
- عمي.. ده لو كنت أنا عايزاه وهو مش عايزني تقدر تجبره.. إنما أنا اللي مش طايقة ابنك بعد اللي عمله.. والحمد لله إني مش بشوف علشان مش طايقة أشوفه.
قالت كلماتها التي جعلت قلبه ينزف من الألم.. وذهبت إلى غرفتها.. وكان الجميع حزين جدًا على ما يحدث.
خرج عماد إلى الحديقة مسرعًا.. كي يسمح لدموعه بحريتها، يستنشق بعض الهواء ويتذكر دموعها الغالية وكلماتها الموجوعة.
ولكن تبعه حازم وقال بسخرية:
- حلتها لك يا عم.. أدي الكل عرف إنك هتطلقها من غير أي مجهود.. اشكرني بقى.
نظر له عماد وقال بهدوء:
- عارف.. أنا بحمد ربنا ديما لما بلاقي أي إنسان ربنا مفضلني عليه.. ورغم كل اللي بيحصل.. لكن لما بشوفك.. وأشوف قد إيه ربنا انتزع من قلبك الرحمة لدرجة إنك بقيت مريض بالشكل ده.. بحمد ربنا على اللي أنا فيه ألف مرة.. بجد بشفق عليك.
قال عماد كلماته وابتعد عنه، ولكن أوقفه حازم حين ضحك وقال بسخرية:
- لا ولسه.. بكرة لما يبقى ورث عمي كله ليا فوق ورثي هبقى مريض أكتر.. والمفروض تخاف مني مش تشفق علي.
نظر له باستحقار وهز رأسه شمالاً ويمينًا بيأس ودخل البيت.
***
مر ٣ أيام بعد هذه الليلة، وكانت الأوضاع كما هي.. تمار لا تتحدث مع عماد أبدًا، واستقلت غرفة بعيدة عنه.
وحازم كان يحاول جاهدًا أن يقف معها ويساعدها في كل شيء، لكنها لم تكن تعطيه أي فرصة.
في اليوم الرابع، كان الجميع مجتمعًا في البهو، ومراد عندهم يجدد طلبه في الزواج من سما.. وكاد وليد أن يجن جنونه، خاصة حين طلب أن يجلس معها بمفردهم للتعارف.
وذهبوا سوياً إلى البلكون وجلسوا معًا.
نظر وليد إلى عمه بغضب وقال:
- يعني إيه يروح يقعد معاها.. ها.. قولي يعني إيه الكلام ده.. وإحنا أربع رجالة واقفين.
ابتسم محمد بسخرية وقال:
- لا انت ولا أخوك ولا حتى ابن عمك تمسوا الرجال بأي صلة.. ده مبدئيًا يعني.
تنهد عماد بضيق، وحازم نظر له بسخرية وقال:
- معاك حق.. إحنا ناقصين تربية.. مع إن كلنا تربيتك يا عم.
نظر له عمه بغضب وقال:
- انت بالذات مش ناقص.. انت متربتش أصلاً علشان تبقى تربيتي ولا تربية غيري.
ونظر لوليد وقال:
- وانت.. بطل تتنطط زي الكورة الجلد.. وخلي البنت تشوف حياتها.. مش يمكن يتفقوا.
ولكن قاطعه وليد حين قال بدموع:
- طب ليه يا عمي.. ما أنا.. أنا قدامك أهو.. وطلبتها منك ميت مرة.. يعني يفرق إيه عني؟
يضحك عمه بقوة وقال:
- يفرق إيه عنك.. لا أبداً.. بس هو اتخرج وابتدى مشروعه الخاص وقريب هيبقى مهندس قد الدنيا.. وانت لسه بتسقط وتعيد ومش قادر تتخرج من الجامعة اللي بقت عشرة عمر.
نظر له وليد بغيظ وقال:
- يا عمي.. أنا ابن عمها.. أنا أولى بيها.. أنا اللي هحافظ عليها.
ابتسمت تمار وقالت بسخرية:
- مش شرط يا وليد.. على فكرة.. أوقات الأغراب بيبقوا أأمن بكتير من القرايب.
رفع عماد عينه لها، فقد كانت تقصده.. تنهد بحزن وظل صامتًا ولم يرد.
وليد كان يدور ذهابًا وإيابًا ويأكل في أظافره بتوتر، وقال بسرعة:
- إيه رأيك أروح أقعد معاهم.. هتعرف عليه.. مش أنا زي أخوها.
ضحك محمد وقال:
- اقعد مكانك يا وليد.. ومتخلنيش أحبسك في أوضتك لحد ما يمشي.
***
نفخ وليد بغيظ وقال:
- على فكرة أنا هقعد أصلاً.. لأني عارف سما أكتر منكم.. مستحيل يعجبها واحد بقف زي ده.. وزمانها مش طايقة تقعد معاه أصلاً.
وكاد أن يكمل وكلامه، ولكن صمت بذهول حين سمعها تضحك معه من قلبها بصوت عالي.. أسمعهم جميعًا.
ضحك الجميع عليه، وقال محمد بسخرية:
- واضح إنه مش عاجبها.. وشكلهم مش مبسوطين خالص.
وقف وليد مسرعًا ناحية البلكون بغضب وهو يقول:
- أه يا بنت الـ..
ولكن قبل أن يصل، أمسكه عماد بسرعة وهو يضحك وقال:
- صلي على النبي.. اهدى.. الراجل ضيف عندنا.
قال محمد:
- سيبه.. سيبه يروح كده علشان أروح أجيبه من ودانه قدامك.
كاد وليد أن يتحدث، ولكن عم الصمت حين دخلت فتاة في منتصف العشرين من عمرها، وقالت:
- هاي يا جماعة.
نظر لها الجميع بذهول، وخاصة محمد الذي تذكرها جيدًا.. تلك نفسها الفتاة التي كانت في الفيديو، وقالت:
- أنا علياء بشير.. مرات عماد يا عمي.
وقفت تمار بذهول وتجمعت الدموع في عينها، وكان عماد ينظر للفتاة وهو مصدوم من ما قالت، وخاصة حين قالت:
- أنا جاية أفضل مع جوزي.. عماد عايزنا نفضل سوا في بيته هنا.
رواية نظرة عمياء الفصل العاشر 10 - بقلم زهرة الربيع
مش قادر تستنى يومين كمان لحد ما تطلق بنت عمك.
مستعجل تجيب الهانم هنا قدامها.
كانت هذه كلمات محمد لعماد الذي كان يقف بصدمة من هذا الموقف السخيف.
أما تمار فقد جلست متصنعة الهدوء تحاول جاهدة أن تحبس دموعها وقالت:
"فيه إيه يا عمي.. عادي.. مهو إحنا خلاص في حكم المطلقين.. وبعدين.. وبعدين عماد ده من انهارده أخويا.. وأكيد أفرح له."
والمن تقول تلك الكلمات… ومن تعتقد أنه سيصدقها… بات واضحاً جداً عذابها وأنها لم تعد تقوى على الوقوف.
جلست بصمت وهدوء مصطنع وبداخلها نيران لا تنطفئ.
دخلت تلك المدعوة علياء واقتربت من عماد وقالت:
"إيه يا حبيبي… ساكت ليه مش هتتكلم؟"
رمقها عماد بنظرات حادة وكاد أن ينهرها ولكن منعه حازم حين قال:
"انت جبت مراتك هنا يا عماد علشان تعيش معاك.. يعني انت بجد بقى ناوي تطلق تمار؟"
تنهد عماد بغضب ولم يرد عليه.
أما محمد فقد جلس بحزن لا يدري ماذا يفعل معهم ولما تفككت عائلته بهذا الشكل.
في هذا الوقت خرجت سما مع مراد وهما يضحكان سوياً ولكن تفاجأوا بصمت الجميع وبدموع عمها وحالة تمار.
قالت باستغراب:
"فيه إيه يا جماعة… مالك يا تمار؟"
وأشارت لعلياء قائلة:
"ومين دي؟"
قالت تمار بدموع وسخرية:
"كويس إنك جيتي يا سما… تعالي اتعرفي على مرات ابن عمي."
نظرت سما لعلياء بذهول وقالت:
"مرات مين؟"
نزلت دمعة من عين تمار.
مسحتها سريعاً واصطنعت الابتسامة وقالت:
"مرات عماد.. باركوا له يا جماعة ده إحنا محدش فينا باركله."
نظر عماد لدموعها وابتسامتها التي تحاول جاهدة أن تحافظ عليها وسط كل هذا الألم.. وكان يتألم أكثر منها وكان حاله من حال كل من في المنزل.
نظر لهم مراد بتوتر وكان يقف حزن عليهم.
فاقترب منه وليد وقال بهمس:
"فيه مشكلة.. أو مشاكل كتير؟"
نظر له مراد بتعجب من كلامه.
وأكمل وليد قائلاً:
"والمشاكل دي بتزيد كل ما انت تدخل البيت ده.. صدقني أنا عايز مصلحتك.. انت وش نحس.. بومة.. أو غراب يعني."
اتسعت عيون مراد بذهول من كلامه.
وقال وليد بنفس البرود:
"على فكرة أنا بساعدك.. روح لكاهن."
زادت دهشة مراد.
وقال وليد مسرعاً:
"أيوه متتفاجأش.. بص ادحرج من على جبل.. أنا كان ليا واحد صاحبي زي حلاتك كده كل ما يدخل في حتة تولع.. ودحرجوه من على الجبل وبطلت المشاكل على طول.. والحمد لله رب العالمين مات وارتحنا منه.. عقبالك."
نظر له مراد بضيق من حديثه السخيف.
ووليد أكمل قائلاً:
"فانت روح وجرب حظك.. عارف وخليه يعملك حجاب.. وكل يوم تقوم الصبح تقول.. يا نحس روح روح.. ده أنا فرخة دايخة بتتطوح.. وإن شاء الله ربنا ياخد بالايد."
سما كانت تقف بجانب أختها ولاحظت الضيق الشديد على وجه مراد.
فتنهدت بيأس لأنها تعلم أن وليد هو السبب.
تقدمت عليهم وقالت:
"إيه يا جماعة.. واقفين ليه؟ اتفضل اقعد يا مراد."
رد عليها بحرج وقال:
"احم.. لا أنا أنا هستأذن هاجي مرة تانية."
"واهجيب مصيبة تانية."
كانت هذه جملة وليد قالها بمنتهى السخرية.
شعر مراد بضيق شديد منه.
وسما ضغطت على أسنانها غضباً منه وقالت:
"لا يا مراد تمشي ليه انت بقيت من العيلة.. وعادي.. أصلاً اختي هتطلق من عماد فهو حر يتجوز زي ما هو عايز."
ونظرت لعماد وعلياء وقالت باستحقار:
"أصل الطيبون للطيبات واكيد تمار مستنيها نصيب أحسن."
تنهد عماد بضيق.
وقال وليد بسرعة:
"هو مين اللي من العيلة.. ده حتى مقراش فاتحة.. ومش هيلحق يقراها وهيكون جاب أجلنا كلنا… إيه التلزيق ده.. منور يا حبيبي."
سما كادت أن تنفجر غضباً منه وجذبته من يده وابتسمت لمراد قائلة:
"ثانية واحد معلش."
وأخذته بعيداً عنهم وقالت بغضب:
"إيه اللي بتهببه ده.. ما تروح تطرده أحسن."
قال وليد بضيق:
"ومين قالك معملتهاش بس هو البعيد بارد.. تلاجة."
أغمضت عينيها وفتحتهم بضيق شديد تحاول الهدوء وقالت:
"عارف يا وليد لو اتكلمت معاه تاني هعمل فيك إيه.. انت عارفني.. فاهم ملكش دعوة بيه."
نظر لها وليد وقال بمشاكسة:
"مقدرش.. موعدتكش أصل مراد ده حبيبي بعشقه."
"مقدرش أسيبه مش بإيدي طيب."
سما ابتسمت بتعجب من ذاك المجنون وقالت:
"مفيش فايدة والله مجنون رسمي."
ورجعت إلى مراد بعد أن يأست من الحديث معه.
أما وليد فاتبسم وقال بصوت عالي:
"يلا بقى يا جماعة فرفشوا.. اتنظرنا والله."
ونظر لمراد قاصداً مضايقته وقال:
"يالهوي على الطاقة السلبية اللي في المكان… ربنا يستر وميولعش."
تنهد مراد بضيق شديد وطَفح الكيل منه وقال:
"عن إذنكم يا جماعة."
وذهب مسرعاً.
تنهد محمد بغضب وقال:
"روحي وراه يا بنت."
ركضت سما خلفه وأسرع وليد ليتبعها وهو يقول:
"تعالي هنا تروح فين."
ولكن محمد أمسك يده مسرعاً وقال:
"لو اتحركت من هنا والله لأخبطك بالعكاز أعملك طاقة سلبية في نفوخك."
❈-❈-❈
أما تمار فقد كانت تجلس لا تسمع أي شيء مما يدور حولها… كم تمنت لو أنها ترى… تريد أن تراها… تريد أن تعلم ما المميز بها… تريد أن ترى نظرات عماد لها.. وهل ينظر إليها كما كان يناظرها.. كلما تخونها دمعتها تمسحها مسرعة متصنعة الابتسامة.
أما عماد فكان يجلس وبجواره تلك المدعوة علياء ولكن نظره مثبت على من أخذت القلب وأسرته. كم تمنى أن يضمها لقلبه ويثبت لها وللجميع أنها محبوبته الوحيدة.
ولكن كيف وذاك الشيطان يقف لهم بالمرصاد.
أما سما فقد ركضت وراء مراد ونادته قبل أن يصل لسيارته قائلة:
"مراد.. مراد استنى."
وقف مراد ونظر إليها بضيق وقال:
"نعم يا سما."
ابتسمت ابتسامة جميلة وقالت:
"مشيت ليه… بزمتك بتزعل بتاخد على كلام المجنون ده."
تنهد مراد وقال:
"لا يا سما مخدتش على كلامه.. أنا متعلم ومؤمن وعارف يعني إيه أقدار… بس ابن عمك مش طبيعي.. أنا حاسس إنه… إنه بيحبك وأنا مش عايز أسبب لك مشاكل مع عيلتك."
ضحكت سما بشدة وقالت:
"بيحبني…. يا مراد وليد لسه صغير أو بمعنى أصح متدلع.. لا عارف يعني إيه حب ولا بيحبني ولا بيحب حد أصلاً… عايش حياته بمنتهى الاستهتار والطفولة… يعني بزمتك في الموقف اللي كلنا كنا فيه هو مش وراه غير يضايقك.. دي تصرفات شخص ناضج.. وأنا مستحيل ارتبط بواحد زيه."
ابتسم مراد بارتياح وقال:
"بجد يا سما.. يعني… يعني انتي مفيش من ناحيتك أي حاجة ليا."
ابتسمت وقالت:
"ولا من ناحيته ولا من ناحيتك على فكرة ولا من ناحية أي حد.. بس اديني بحاول أصلاً أنا مليش في أمور العشق والسيكي ميكي والمحن ده."
ضحك مراد من قلبه وقال:
"متقلقيش.. أنا هخليكي تحبيه."
ابتسمت بخجل وقالت:
"احم.. هنشوف."
ابتسم لها وقال:
"تصبح على خير."
ابتسمت وقائلة:
"وانت من اهل الخير."
وركب سيارته وهو ينظر إليها حتى دخلت البيت وأشارت له بيدها فذهب.
ابتسمت على هذا الشاب الهادئ المريح وكادت تدخل فاصطدمت به في وجهها. ينظر لها بترقب.
أما تمار فقد ضاقت أنفاسها من هذا الوضع وقامت قائلة:
"معلش يا جماعة حد يوصلني أوضتي عايزة أنام."
ركض عماد إليها ولكن توقف مكانه حين تذكر أنه لم يعد من حقه ذلك.
فتقدمت سهر وأمسكت بيدها وقالت مبتسمة:
"لا انتي انهارده هتنامي معايا.. هنيمك جمبي زي زمان."
ابتسمت تمار وقالت بمرح مصطنع:
"بعدين عمي يزعل."
ضحك محمد وبداخله حزن شديد وقال:
"ازعل أوي.. بس مدام هتكون معاكي خلاص سماح."
ابتسمت تمار وقبلت يده بحب فهي تعلم أنهم يحاولون التخفيف عنه.
تنهد محمد مجاهداً أن يحبس دموعه وقبل جبينها وقال:
"تصبح على خير يا بنتي."
❈-❈-❈
صعدت مع سمر إلى الغرفة.
ونظر محمد إلى ابنه بغضب رهيب وقال:
"انت إيه حكايتك.. إيه اللي قلب حالك كده.. ها.. إيه.. قولي فيه إيه.. طب.. طب عايز تطلقها وكلنا لقيناك عذر وقولنالها إنك مرتبط قبل اللي حصلها.. طب ليه بتعمل كده دلوقتي.. إزاي تجيبها قدامها كده وحتى لسه مطلقتوش ليه كل شوية تكسرها كده.. رد عليا يا عماد ليه."
كان عماد يقف بحزن رهيب ولا يرفع رأسه أبداً.
تنهد محمد قائلاً:
"خد مراتك واطلع أوضتك.. يا خسارة تربيتي فيكم كلكم."
تساقطت دموع عماد بحزن وصعد إلى غرفته وتبعته علياء على الفور.
أما سما فقد حاولت المرور ولكن وليد كان يقف أمامها.
كلما تحركت تنهدت بضيق شديد وقال:
"نعم.. فيه حاجة."
قال وليد بغضب:
"آه فيه.. أوعي تكوني هتوافقي على الولد ده."
سما قالت بضيق:
"لسه بفكر.. وبعدين أنا حرة."
قال بغضب:
"لا مش حرة.. أنا قولتلك محدش هيتجوزك غيري.. كلامي واضح."
ضحكت سما وقالت:
"على فكرة والله بتضحكني قوي… وأنا انهارده مليش نفس أضحك خالص.. ابعد عن طريقي.. لآني."
نادت لعمها.
تنهد وليد وقال:
"تمام براحتك.. بس خليكي فاكرة اللي قولته.. انتي مش هتكوني لحد تاني غيري … تمام."
قال هذه الجملة ودخل وهيه تضحك من قلبها على كلامه وتنظر لطيفة بيأس ودخلت.
أما عماد فقد دخل غرفته بغضب شديد وأخذ يدور بها بغضب حتى دخلت علياء وأغلقت الباب.
نظر لها بغضب رهيب وقال بسخرية:
"أهلاً… أهلاً بمراتي يا ترى معندكيش علم إحنا متجوزين من امتى علشان أبقى عارف يعني."