تحميل رواية «نسم بقلب عاشق» PDF
بقلم ولاء محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كان الطفل يبكي بشدة بجانب والدته المُمددة على أحد أسرّة بالمشفى العام. صبي ذو سبع سنوات، مشتت الهيئة بالاً وجسداً. يرى والدته بتلك الحالة، لا يملك من أمره شيئاً سوى أن يدعو الله ليل نهار أن يمنّ عليها بالشفاء، فقد أرهقته الدنيا بما يكفي، لم تترك له مجالاً للخيار. والده توفي بحادث أثناء مجيئه من عمله ذات مساء بليلة ممطرة، وهروب مرتكب الحادث حتى أنه لم يعوّضه بشيء مادي يستطيع به علاج والدته. فمن أين له المال يا ترى؟ يشدد من قبضته على يد والدته، يرجوها ألا تتركه وتذهب هي الأخرى. فجأة، يُفتح باب الغ...
رواية نسم بقلب عاشق الفصل الأول 1 - بقلم ولاء محمود
كان الطفل يبكي بشدة بجانب والدته المُمددة على أحد أسرّة بالمشفى العام. صبي ذو سبع سنوات، مشتت الهيئة بالاً وجسداً. يرى والدته بتلك الحالة، لا يملك من أمره شيئاً سوى أن يدعو الله ليل نهار أن يمنّ عليها بالشفاء، فقد أرهقته الدنيا بما يكفي، لم تترك له مجالاً للخيار. والده توفي بحادث أثناء مجيئه من عمله ذات مساء بليلة ممطرة، وهروب مرتكب الحادث حتى أنه لم يعوّضه بشيء مادي يستطيع به علاج والدته. فمن أين له المال يا ترى؟
يشدد من قبضته على يد والدته، يرجوها ألا تتركه وتذهب هي الأخرى. فجأة، يُفتح باب الغرفة ويدلف منه رجل يرتدي معطفاً أبيض بيده سماعة طبية، فعلم أنه الطبيب. أسرع يهرول ناحيته، يترجاه أن يُلقي نظرة على والدته، يرى ما بها أو يُطمئن قلبه عليها.
ليردف الصبي قائلاً:
"من فضلك يا دكتور شوف أمي هي تعبانة أوي وأنا مش عايزها تمشي زي بابا. اديها دوا بس وهي تخف، وأنا أوعدك هشتغل كتير عشان أقدر أجيب فلوس وأديها لحضرتك زي بابا كان بيشتغل كتير ويجبلنا فلوس."
انخفض الطبيب حتى أصبح بمستوى الفتى وربت على كتفيه قائلاً:
"اطمن يا حبيبي ماما هتخف وهتبقى زي الفل. بس انت بطّل عياط، مش انت ولد جدع برضو وبطل كبير."
يومئ الطفل برأسه عدة مرات دلالة على موافقته على تلك العبارة، مردفاً:
"أيوه."
ثم كفكف عبراته بكفه الصغيرة وأردف قائلاً:
"خلاص هبطّل عياط أهو، بس شوف ماما."
انتصب الطبيب عائداً لوضعه الطبيعي متجهاً إلى فراش والدته يفحصها، وقد قرأ تقرير حالتها من قبل، فنظر بأسف. لم يستطع التحدث بعدها.
بينما تلك الفتاة ترى كل ما حدث، وعند ملاحظتها لتلك النظرة الصادرة من الطبيب والدها، هرولت مسرعة لذلك الصبي. ما إن اقتربت منه حتى وكزته بخفة برسغه فانتبه لها. ثم بعدها تسللت يداها الصغيرة إلى رأس ذلك الصبي وأخذت تفرك أصابعها بحركات مسرعة خصلات شعره، ثم أردفت له بابتسامة قائلة:
"اطمن بابا قالك كده. ربنا هيشفيها إن شاء الله."
***
بمنزل "مصطفى نيازي" الطبيب.
أردفت نسم بعبث وحزن اعتلى ملامحها، قائلة:
"بابا، هو والدة الطفل ده اللي كشفت عليها حالتها صعبة أوي مش كده؟"
تمتم والدها بحزن عند تذكره مشهد الفتى وبكاءه وتعلقه بوالدته. حينما سأل أحد من التمريض عن أهل الصبي، أجابوه بأن أحداً من الجيران جاءوا به ووالدته إلى تلك المشفى بعد ازدياد حالة والدته سوءاً وبعد إصابتها بالإغماء، فعلم أن لا أهل له وأدرك حينها أنه سيفعل ما بوسعه لإنقاذها.
"بصي يا نسم، أمه حالتها كانسر متأخرة. أنا مش عارف إيه خلاها تتأخر في العلاج. رغم أنها لو كانت اكتشفت من بدري أو اهتمت كان يمكن مبقاش وضعها بقى كده، بس أعتقد بسبب ظروفهم المادية فهي أهملت في نفسها."
ثم أطلق تنهيدة أسى على حال الطفل قائلاً:
"مامته في المرحلة الأخيرة وللأسف نسبة الشفاء في المرحلة دي تكاد تكون منعدمة. بس أنا هحاول أعمل كل اللي ربنا يقدرني عليه."
لتُمسك نسم بيد والدها ترجوه بإخلاص قائلة:
"بابا لو سمحت عشان خاطري حاول بكل اللي تقدر عليه، الولد صعب عليا جداً."
أومأ والدها بموافقة، ثم استطرد قائلاً وقد تبدلت ملامحه من الحزن إلى الرضى بعض الشئ حينما تذكر فعل ابنته:
"بس انتي عجبتيني يا نسم إنك أول ملاحظتي حزني وإني مش عارف أتكلم أقوله إيه، جريتي على الولد وهونتي عليه رغم إنك صغيرة."
فصغيرته بعمر الثانية عشر عاماً. احتواها بحضنه ممسداً على رأسها بحنان وحب واستطرد قائلاً:
"بتفكريني بوالدتك الله يرحمها. كانت تفهمني من نظرة عيني من قبل ما أتكلم حتى. الله يرحمها زرعت فيكي إنتي وأخوكِ مبادئ وقيم أنا لوحدي كنت استحالة أقدر أزرعها فيكم. ربنا يخليكم ليا يا بنتي."
"ويخليك لينا يا بابا."
"صح، فين أخوكي؟ مش شايفه يعني؟"
ضحكت نسم مردفة بسعادة:
"قال لي إنه عنده ماتش مهم في النادي يا بابا، الدوري باين. ادعيله بقى، وادعيلنا معاه كمان إنه لما يرجع يسامحنا إننا محضرناش وشجعناه."
لتتعالى ضحكاتهما، أب وابنته، في جو أسري دافئ ينقصهم أهم شيء تكامل الأسرة بوجود والدتهم والتي فاضت روحها إلى بارئها منذ عام مضى.
***
استقام "عمّار" بشموخ فرحاً بفوزه بميدالية أفضل لاعب كرة قدم، كما أن فرقته قد نالت كأس الدوري النهائي.
ليلتف حوله أصدقاؤه، حملوه بسعادة جميعهم، رافعين إياه بأيديهم، أرجحوه بقوة إلى السماء حريصين على سلامة صديقهم. أما هو، فوسط سعادته المفرطة عندما ارتفع ذلك الارتفاع، شعر أنه لامس السماء. فاجتاحته رغبة قوية برؤية والدته، دوماً كانت تصحبه بمبارياته، كما أنها حرصت على ألا تفوت مبارياته الهامة. علم وقتها أنه فقد داعمه وصديقة روحه.
متمسكاً برباطة جأشه، تجتاحه رغبة عارمة بالبكاء الآن. أردف قائلاً:
"الله يرحمك يا أمي، وحشتيني أوي."
***
أما عند عودته إلى منزله.
أدار مقبض الباب بعد فتحه. وجد الظلام يخيم على المكان، يملأه بالسكون والكآبة. فبدر إلى ذهنه أن والده إما بالمشفى في هذا الوقت المتأخر برفقة أخته، أو أن كليهما عادا إلى المنزل منذ بضع وقت وذهبا بسبات عميق.
"مبروك يا مارو.. الكأس واحسن لاعب أخويا حبيبي."
هتفت بها "نسم" بعد أن تفاجأ عمّار بإضاءة مصابيح المنزل فجأة، وتلك البالونات المنتشرة بكل أرجاء المنزل، ومفرقعات القصاصات الورقية التي صوّبتها أخته إلى وجهه. اختلط صوت ضحكاتهم سوياً. فقطع "مصطفى" تلك اللحظة قائلاً:
"اعذرنا يا عمّار يا حبيبي ملحقناش نعدي عليك، بس أنا كلمت صاحبك وبمجرد ما بلغني خبر فوزكم، حبيت أنا ونسم نعمل لك احتفال بسيط."
ليحاوط عمّار، صاحب الخمسة عشر ربيعاً، ذراعيه محتضناً والده وأخته بسعادة عارمة، ممتناً اهتمام والده وأخته بيوم هام كتلك بحياته وعدم نسيانه قائلاً:
"ربنا يخليكم ليا."
***
أجرى مكالمة هامة إلى تلك الممرضة بالمشفى العام مطمئناً على حالة والدة الطفل.
تهللت أسارير "ريهام" الممرضة حينما لاحظت على هاتفها اتصاله. إنه دكتور "مصطفى نيازي". اكتسحت علامات الدهشة ملامحها حين أردفت تردد بهمهمات:
"هو لحق يتصل؟ أنا مش مصدقة نفسي."
أجابت على الهاتف مسرعة:
"أيوه يا دكتور، ازي حضرتك؟"
لـ يخبرها بما أراده على الفور:
"الحالة عاملة إيه دلوقتي يا ريهام؟"
"زي ماهي يا دكتور، مش بتتحسن، بتسوء أكتر."
أردف مصطفى بحزن، فتوقعاته بشأن حالتها تحدث بالفعل:
"ابنها عامل إيه؟ لسة معاها ولا حد خده؟"
أجابت ريهام مسرعة:
"لا يا دكتور، معاها وزي ماهو عمال يعيط."
نطق بتلك الكلمة بثقل على قلبه:
"تمام."
ثم أغلق الاتصال. لـ تردف ريهام بحنق عليه:
"هو ماله ده؟ مفيش عنده حاجة اسمها سلام."
ثم أردفت باستهزاء:
"حِكَم."
أغلقت هاتفها لـ تحيد ببصرها بالفراغ، ارتسمت ابتسامة بإحدى جانبي ثغرها قائلة:
"أهو أول اتصال ومش هيبقى الأخير. دي فرصتك يا ريهام، متضيعهاش من إيدك أبداً."
شردت حين تذكرت ما حدث منذ عدة ساعات. قبل مغادرته المشفى، أخبر عامل الاستقبال أنه سيتصل بالهاتف يطمئن على الحالة التي أتت معها طفل. وهي سمعت ما دار من حوار بينهم. هتفت دون تفكير بلا تردد:
"أنا اللي هتابع الحالة يادكتور، شفت بليل لغاية ٦ الصبح، هكتب لحضرتك رقمي، فأي وقت اتصل وأنا هرد على حضرتك على طول."
***
حرصت نسم على الذهاب يومياً مع والدها إلى المستشفى. تحمل صندوقاً مخصصاً للطعام به العديد من الأطعمة المتنوعة يحتوي على خبز الجبن والمربى وعصير اللبن بالشيكولاتة.
دلفت إلى غرفة والدته مردفة له:
"عامل إيه النهارده؟ جبتلك معايا فطار."
أخذ الطفل صندوق الطعام، قام بفتحه وأخذ العصير قائلاً لها:
"أنا مبحبش عصير الشيكولاتة ده."
تصفع يدها على جبينها قائلة بمشاكسة:
"أوبس، مكنتش أعرف. أنا جبتهولك عشان بحبه، خلاص هاته أنا هشربه."
بعد مرور القليل من الأيام. جاءه ذلك الاتصال يخبره أحدهم به بوفاة الحالة التي تابعها دوماً باهتمام.
هرول مسرعاً إلى المستشفى، تبعته نسم بعد إلحاح منها. دلف إلى الغرفة وجد الصبي يصرخ قائلاً:
"لأ، متاخدوش ماما هي كمان، سيبوها."
بعدها خفت صوته شيئاً فشيئاً إلى أن سكن تماماً مغشياً عليه.
***
تبنى حالته دكتور مصطفى بعد علمه بأن لا أقارب له، أيضاً طفل بعمره هزيل هكذا. صدمته بفقد والديه، بحاجة لمن يعتني به ويشد أزره في تلك المرحلة من حياته. أخذه إلى منزله، اعتنى به كثيراً. أصبح الصبي مشرقاً عن ذي قبل، بدأ بالتعود على نسم وأخيها عمّار وأحب دكتور مصطفى جداً.
***
أتى ذلك الوقت والذي من المفترض به التخلي عن الطفل. حين لاحظ أخيها "عمّار" عدم مفارقة أخته للطفل، أخذ يفكر ماذا إن أصبح الطفل بعمره، وكانت أخته تكبره بخمس أعوام فقط. ماذا سيكون الوضع بعد ذلك؟ رفض بشدة بقاء الصبي معهم بالمنزل معللاً ذلك بأنه ماذا إن أصبح شاباً؟ ماذا عن وجوده بنفس المنزل مع نسم؟
أردف لوالده:
"مينفعش طبعاً يا بابا يفضل معانا على طول، والأحسن إنه من دلوقتي يروح أي دار أيتام بدل ما يرتبط بينا أكتر من كده وساعتها هيكون أصعب علينا وعليه إننا نوديه أي مكان."
***
اصطحب أولاده برفقة الصبي بنزهة، بعدها أخبرهم بقراره الأخير.
"يامن."
فرمقه الصبي نظرة بريئة. أردف مصطفى قائلاً:
"إحنا شوفنالك مكان جميل فيه أولاد كتير من سنك وهيلعبوا معاك زي نسم كده بالظبط وهنيجي نزورك كل يوم."
ما إن أنهى عبارته، أجهش الطفل بالبكاء متمسكاً بيد نسم مردفاً:
"لأ، أنا عايز نسم معايا، مش هي صديقتي، هي مش هتسيبني."
لتردف بعدها نسم بحزن دفين:
"هجيلك كل يوم يا يامن، متخافش، ده وعد صدقني."
قاموا بتركه بإحدى دور الأيتام بعد أن أوصى عليه دكتور مصطفى بمعاملته جيداً.
هتفت نسم ببكاء تُخبئ وجهها بين راحتي يديها:
"أنا أهو سمعت كلامكم ومعملتش حاجة.. بس.. هو هيوحشني أوي."
مسد والدها على شعرها مشدداً من احتضانه إياها قائلاً بقليل من التماسك، حيث أن أكثر ما يؤثر به دموع ابنته:
"معلش حبيبتي، إحنا هنزوره كل يوم."
******
بعد مرور خمسة عشر عاماً.
دلف إلى المشفى بخطى ثقيلة. ذلك المكان شهد معاناته مع والدته، ومعها من تقيد قلبه بعشقها. يقف بعيداً متوارياً بعض الشئ عن الأنظار. قد عاد لتوّه من الخارج بعد استكمال دراسته. عاد باحثاً عنها هي فقط.
طلّت هي بذلك البالطو الأبيض، بيدها سماعة طبية، وتلك النظارة التي ترتديها لتصبح هيئتها مكتملة، هيئة طبيبة حقاً. أما عن تلك الابتسامة التي ترسمها دوماً على ملامحها، أبعد مرور ذلك الوقت لم تتخل عنها حقاً؟ اشتاقها، أراد أن يهرول إليها محتضناً إياها، يخبرها بشيء واحد فقط وهو "أنه لن يتخلى عنها مهما تطلب الأمر من تضحية".
أيعقل أن يتخلى عنها بعد إيجاده لها وتحمله مشقة وعناء البحث عنها طيلة الخمسة عشر عاماً الماضية؟ بعد تأكده من وجودها هنا، هتفت الممرضة:
"آه، الدكتورة نسم بنت الدكتور نيازي الله يرحمه."
ليردد اسمها بذهنه:
"أكيد هي، مفيش غيرها، هي واحدة بس. نسم مصطفى نيازي."
ليقطع شروده ذلك الصوت هاتفاً له:
"يلا بقى يا يامن، هتفضل واقف مكانك كده وأنا مستنيك كل ده في العربية."
أما هي، عندما سمعت شخصاً ينطق بذلك الاسم، تجمدت مكانها، لم تستطع الحراك إلى أن التفتت إلى مصدر الصوت لتجد شابين مغادرين المشفى، لمحتهم من ظهورهم. لـ تبتسم بسخرية على حالها مرددة بأسف:
"هو أنا كل ما أسمع اسمه أفتكره هو!!!"
رواية نسم بقلب عاشق الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء محمود
دلفت إلى منزلها بعد يومٍ شاق ملئ بالحالات الحرجة فقد أجرت العديد من الجراحات العاجلة… بسبب انقلاب شاحنة ما… على الطريق محملة بالبضائع مسببة العديد من الإصابات الخطرة لبعض الحالات والوفاة للبعض الآخر….
لتتوقف بعد سماعها كلمات من تلك السيدة بذيئة اللسان:
"حمد الله ع السلامة ياهانم… كل ده مش عارفة إن خطيبك كان هنا ومشي..، فضل قاعد مستني سيادتك فوق الساعة وبعدها مشي.."
رمقتها "نسم" بتلك النظرة الحادة وتنفست بعمق وأطلقت زفيراً يكاد يُسمع له صوت من فرط عصبيتها إلى أن تمالكت أعصابها مُردفة:
"عايزة مني يا "ريهام" بصي أنا جاية تعبانة وعلى آخري فلو عاوزة تتخانقي اجليها وقت تاني…"
"وحمدي خطيبك ده برضو نأجله لوقت تاني…؟"
تشنجت ملامحها عند نطق اسمه… لتردف بنبرة غاضبة:
"هو إيه اللي يجيبه أصلاً في بيت قاعدين فيه اتنين حريم لواحدهم..وانتي بأي حق تسمحيله يجي ويقعد كمان ساعة.."
قطعت المسافة التي تفصلهم إلى أن واجهتها أخيراً لتردف ريهام بتبجح:
"قصدك إيه انتي اتجننتي انتي فاكرة إننا لواحدنا في الفيلا دي…، لأ اصحى وفوقي شوفي انتي بتتكلمي مع مين..؟ وبعدين ماهي الفيلا مليانة خدم وحراسة في إيه…"
أرادت أن تُنهي زوبعة الغضب التي أصابت زوجة أبيها المتوفي.. فأشاحت ببصرها عنها أثناء سيرها إلى غرفتها أردفت بوهن:
"بصي أنا تعبانة النهاردة أكيد انتي عارفة ليه وحمدي كمان عارف ليه فـ متشغليش دماغى بحوار تافه ولا انتي عشان سيبتي المستشفى العام اللي كنتي شغالة فيها واشتغلتِ في مستشفى تاني خاصة هتشوفي نفسك عليا..؟"
ابتسمت "ريهام" تلك الابتسامة الصفراء بشماتة وتحدثت بسخرية قائلة:
"انتي اللي بومة وش فقر.. مش راضية تسيبي اللي انتي فيه وتروحي مكان أحسن"
"طيب ياستي متشكرين سبيني في حالي أنا حابة نفسي كدة، أصل لما كل الدكاترة الكبار ميضحوش بجزء من وقتهم في سبيل الفقراء وخدمتهم يبقى إحنا في غابة.."
أنهت نسم حديثها مُتجهة إلى غرفتها… لتستريح على الفراش وتضع تلك الحقيبة بإهمال بجانبها… وتلقي بجسدها المُهلك على الفراش إلى أن لاحظت تلك الحقيبة والتي تبدو حقيبة هدايا… تعجبت من هيئتها… خاصة حين أردفت لها إحدى الممرضات:
"يادكتورة حد سابلك دي ومشي وبلغني أديهالك قبل ماتمشي.."
مدّت إحدى يديها إلى أن لامست الحقيبة وقررت رؤية ما بداخلها لتتفاجئ…. علبة من مشروب اللبن بالشيكولاتة.. عليها ورقة خُطّ عليها بأناقة:
"استرخِ دقائق فحسب… قد هلكتِ اليوم رائعتي."
لتتعجب من ذلك…، لأول مرّة يأتي إليها مثل هذا الشئ… أَتُرى إنه من ذلك الخطيب المدعو " حمدي".. نفَت تلك الفكرة تماماً من مخيلتها.. حتماً ليس هو فهي تعلم جيداً شخصية خطيبها.. هذا…
***
"لأ بقولك إيه مانت مش هتفضل ممرمطني معاك كده من ساعة ما جيت من السفر، يا ابني هو في إنسان عاقل يرجع من بره على المستشفى على طول يعني ولا حتى تعبان ولا حاجة..؟"
هتف بها "مازن" الأخ الأصغر لـ" يامن" فـ عندما تم تبنيه من قبل تلك الأسرة كانت الأم لم تُنجب بعد ونسبة حصولها على طفل تكاد تكون منعدمة فتم تبني يامن.. بعدها بعامين أنعم الله عليها بطفل فكانت سعادتها لاتوصف.. تعامله كولدها تماماً كـأخيه… بكل مرة عندما كان طفل يشعر بالغيرة من أخيه ترددت عليه عبارات والدته حينما قالت:
"أنت أول طفل ليا أحس معاه بالأمومة حبك ومعزتك في قلبي مش هيتغيروا أبداً يا يامن…"
"خلاص يبقى تسيبلي عربيتك لحد ما أشتري عربية وبعد كده هرميهالك أكيد…"
هتف بها يامن بمشاكسة إلى أخيه.. ليردف له الآخر…:
"مش حاسس إنك أخ مستغل سيكا؟ …. بتفرض سيطرتك على أخوك الصغير!! …"
فترجل أخيه من السيارة وجلس بمقعد يامن بعد أن قام بـ زحزحته بعيداً عن المقعد وأردف:
"اتفضل سوق بقى انت وصلني البيت وخد العربية زي ما أنت عاوز…."
***
هرول الصبي ذو "الثلاث أعوام" إليها قائلاً:
"يلا بقى عاوز اخرج مش انتي وعدتيني اخرج بكرة…؟"
لتردف نسم بحنو مدت يديها إلى الطفل حتى يقبع بأحضانها:
"حبيبي ياعمور إحنا قولنا بكرة اللي هو بما ننام ونصحى بس إحنا لسه مصحيناش والشمس حتى مطلعتش تعالي نام جمبي، وأول ما الشمس تطلع هننزل على طول يابطل، يلا تعالي"
لتأخذه بين أحضانها تغفو بسلام تُشبع منه ذلك الشعور افتقادها لأخيها…، فقد رحل بعد والدها بعدة أشهر فقط.. كادت أن تفقد عقلها بالكامل ولكنها تماسكت من أجل ذلك الطفل ولده..، وَرِثَ "عمر" عن أبيه ملامحه سوى لون عيناه الرمادي الذي ورثه عن والدته فقط… تُوفيا كلاهما بحادثٍ سيارة أليم عدا " عمر" كان قابعاً بالخلف لتُصيبه بعض الخدوش فقط… وينجو الطفل من ذاك الحادث..
أتت بمربية له تعتني به أثناء غيابها بعملها.. فهي لا تقوى على ترك الطفل بمخالب ماتُدعى بـ ريهام.. ليأتي الصباح وتُنفض عنها رداء اليأس والحزن.. هروباً من واقعها ذهاباً إلى ذلك العالم الطفولي العفوي البريء.. عالم "عمر" طفل أخيها…
"يلا يا عموري عشان نلحق نسافر يابطل…."
أتمّت كل شئ على أكمل وجه، قامت بإعطاء المربية عطلة لبعض الوقت لحين العودة من العطلة الصيفية، أرادت ان تمكث برفقته وتعتني به وتستريح من ضغط عملها عدة أيامٍ فقط…..
أثناء قيادتها السيارة تذكرت انها غفلت عن إحضار الأشياء الهامة التي أوصت صديقاتها بإحضارها… فأردفت إلى عمر بأسف مصطنع لعلّه يسامحها عن بضع الدقائق الضائعة تلك:
"أستاذ عمر أنا آسفة جداً هضطر أروح المستشفى هاخد حاجات من صاحبتي الدكتورة نهى وأرجع على طول…"
لـ يومئ الطفل إليها بإحباط واستسلام فتُدير مقود سيارتها متجهة إلى المشفى…
***
أمّا عن يامن حاول بشتى الطرق تذكر منزلها لم يفلح رغم الوقت الذي مكث به بمنزلهما الذي لا يتجاوز الشهر حينئذٍ… ولكن المشفى تذكرها بشقاء ولكنه في الآخير نجح بتذكرها… فبعد مرور عام من مكوثه بدار الأيتام حينها.. أتت العائلة لتتكفل به.. بعدها أصر يامن الذهاب إلى المشفى ليخبر نسم عما يحدث معه… وبعد إصرار من العائلة على مسؤول دار الأيتام أعطاه اسم المشفى الذي يعمل به دكتور نيازي.. .. ومن هنا نجد انه استطاع تذكرها….
فاستعد "يامن" للذهاب إلى المشفى… وعد نفسه إنه قريباً سيقتحم حياتها لا يعلم كيف… ولكن هو خطط ذلك أنه بترصد تحركاتها، يقوم بجمع أكبر قدر من المعلومات عنها..،. ثم ماذا!!؟، لا يعلم الخطوة التالية ولكن الشئ الذي يتأكد منه هو.. أنه أتى ليرد لها ديناً قديماً.. يكفي تلك الأحلام التي يراها بمنامه… يراها بـ أسوء كوابيسه..، يرى تلك الطفلة التي أنارت له درباً من دروب أحزانه ليستطيع السير بطريقة والمقاومة أحياناً، أحداً ما يقوم بلف طوق حول رقبتها.. يشدد من إحكامه عليها..، يحاول يامن فك ذلك الطوق ويفشل..، وقبيل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.. يستيقظ هو من هول تلك الرؤيا يتصبب عرقاً.. إلى أن قرر أنه بعد استكمال دراسته بالخارج سَيعد أدراجه عائداً إليها.
دلف إلى المشفى باحثاً عنها لتفاجئه الصدمة فتلجمه.. حينما أردفت إحدى الممرضات بأنها بأجازة عدة أيام… شعر حينها باليأس الذي اكتسح قلبه.
ماذا يفعل ياتُرى كيف سيراها……..
أثناء انشغاله فيما سيفعله اتجه عائداً من حيث أتى.. فـ ألجمته المفاجأة للمرة الثانية حينما رآها تدلف إلى المشفى بخطوات مُسرعة حتى أنها اصطدمت به واعتذرت منه وأكملت خطواتها… وهو واقف باستقامة بأثرها لا يصدق أنها أمامه بذلك القرب…….
رأت نهى صديقتها… لتردف قائلة:
"بسرعة يانونا هاتي الكتب والروايات اللي قولتلك عليها عاوزة أفصل بجد في الكام يوم دول. ونسيت أخدهم منك امبارح …"
"لـ تردف صديقتها: خليكي كدة إجازتنا تنزلينا فيها نجيبلك كتب وحضرتك مقضياها مع عمر…"
"معلش يانونا والله الولد مفتقد باباه ومامته "جداََ" فأنا لازم أقضي معاه وقت.. يلا هاتي الحاجة و بطلي رغي.."
أثناء انتظارها صديقتها انصتت إلى ذلك الصبي الذي يبكي بشدة. صياحه قد ملأ أرجاء المكان حتى أنها سمعته. أدركت أن الصوت هذا عائد إلى "عمر" …..
********
في فيلا "مصطفى نيازي"
أمسكت ريهام الهاتف لتردف بتلك النظرة التي تعتلي وجهها بتشفي وغيظ لـتقول:
"كده هي خرجت ظبطت اللي اتفقنا عليه؟"
ليجيبها الآخر بأن كل شيء تم كما بالاتفاق الذي دار بينهم…
قهقهت هي بثقة بأن كل شيء سيكون بخير كما أرادت هي وسيكون كما خططوا لهم… لـ تردف أخيراً بلهجة مليئة بالميوعة..:
"طيب ماتيجي دلوقتي أنا مشيت كله مفيش حد خالص…، لأ مليش فيه تعالي نقضي وقت لطيف سوا…"
لـ يجيب الآخر بالموافقة وأنه قادم يمكثان سوياً لحين يأتيهم الخبر اليقين…
***
أسرعت تخطو خارج المشفى ما إن سمعت صوت بكاء "عمر" ظلت تبحث عنه حتى وجدته أخيراً بصعوبة… كان بين أحضان ذلك الرجل رأته يجثوا على ركبتيه.. محتضناً عمر يمسد على كتفيه بحنو… هالها المشهد لتركض مسرعة.. أردفت:
"عمر حبيبي مالك في إيه.."
انتبه إلى صوتها ليترك الصبي ويستقيم واقفاَ كما كان ليهيئ من وضعه مردفاً:
"متخافيش ابن حضرتك بس كان نازل من العربية وشاف كلب خاف وفضل يعيط وقال "ماما" وكان بيندهلك…"
انحنت هي إلي عمر ترفعه إليها تضمه بحنو… توجهت بنظرها إلى هذا الذي يقف أمامها تتسلل علامات التعجب إلى وجهه فأدركته قائلة:
"متشكرة جداً لحضرتك…."
فتخطّته ذاهبة إلى سيارتها
امسك بمعصمها هو قائلاً:
"استنى هنا…"
تفاجئت هي واعتلت الدهشة ملامحها قائلة:
"إيه ده؟… حضرتك اتجننت انت بتمسك إيدي كده إزاي..؟ اوعي.."
شدد من قبضته على رسغها قائلاً:
"يعني عايشة حياتك ومتجوزة ومخلفة كمان… وأنا اللي كنت راجع عشانك وسيبت حياتي وجيت على ملي وشي.."
قاطعته هي بنظراتها الحادة الغاضبة:
"انت مجنون انت مين أصلاً أنا معرفكش.."
أزاحت يديه المشددة على رسغها… لـتتركه وتذهب… ولكن قطع ذهابها تلك الكلمة التي وقعت على مسامعها كالسيف.. فـ ارتابت كثيراً بداخلها فحتماً سيوقعها حظها بالمتاعب… حين أردف هو بثقة و رمقها نظرة حادة ونبرة صوته يكتسحها الغضب:
"لا تعرفيني كويس أوي… أنا عملك الأسود … اللي مش هسيبك في حالك…."
***
بمنزل آحمد الدسوقي…
رأت "نبيلة" ابنها "مازن" فـأردفت قائلة:
"فين يامن مش شايفاه من الصبح كده رغم إني بصحي بدري بس ملقيتهوش… متعرفش راح فين.."
"لأ والله يا امي…"
"خلاص أنا هكلمه أشوفه فين جهّز عربيتك يلاّ عشان خارجة أشتري حاجات وتوصلني…"
أبتسم مازن بوجه والدته ابتسامه بلهاء رافعاً كلا حاجبيه ثم نظر إليها قائلاً:
"لأ والله يا حبيبتي مش هينفع عشان أنا كان عندي مشاوير ودورت ع المفاتيح لما عيني اتحولت…، وفي الآخر أكلم ابنك أبص ألاقيه واخد العربية، والله اتلاقيه راح المستشفى إياها…"
ضربت نبيلة على صدرها بفزع قائلة:
"مستشفى إيه بسرعة قوم وديني لأخوك وانت بارد كده…"
ليطمئنها مازن على أخيه قائلاً:
"متخافيش اهدي يا حبيبتي مفيش حاجة، بصي هقولك حاجة هو الظاهر إن المستشفى دي فيها حاجة يامن مخبيها عليا مش عارف هي إيه!! بس أنا أما شوفته واقف في المستشفى كان زي سرحان كده أو مش مركز"
ارتد بظهره قابعاً على المقعد عاقداً ذراعيه على صدره بثقة واضعاَ ساقاَ فوق الآخري قائلاً بنبرة تهكمية:
"من نظرتي يا أمي تقدري تقولي إنه بيحب ومش كده وبس ده واقع كمان واحنا مش عارفين ومخبي علينا…"
لتضربه والدته ضربة على كتفيه اطاحت به من على المقعد قائلة:
"بطّل هبل بقى اخوك يحب هنا إزاي وهو مسافر بقاله ست سنين بره، إيه حب وهو عنده ١٦ سنة!!"
ليهيئ مازن من وضعيته ناهضاَ من الأرض قائلاً:
"وانا اعرف بقى…، أنا مالي أنا قولتلك اللي حسيته…"
دلفت نبيلة إلى زوجها… تخبره بما حدث وما سر المشفى التي ذهب إليها بعد عودته إلى مصر… فـتسائل زوجها بحيرة قائلاً:
"هو مازن قالك كده…؟.، يكونش راح لها هي!! وهو لسه فاكرها منين؟ بس لو ده حصل..، أنا عملت اللي الدكتور مصطفى الله يرحمه طلبه مني؛ وهي اني ابعده عن بنتي"
رواية نسم بقلب عاشق الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء محمود
بعد نقاشهم الحاد وملاحظتها لتهديده الصريح لها، تركته واتجهت إلى سيارتها.
دَلفت إليها، ووضعت "عمر" بمقعد السيارة المخصص للطفل بالخلف.
أدارت مكابح سيارتها بغضب. أثناء سيرها بالطريق، لمحت خلو الطريق سوى من سيارته هو. "ذلك الغريب المتعجرف"، كما أسمته، كان يتبعها بسيارته.
لتردف بحنق عليه قائلة:
ماشاء الله، عملي الأسود ماشي ورايا.. ربنا يستر.
أرادت أن تتوقف وتعاود السير بالاتجاه الصحيح، فقد فاتها تلك اللوحة والتي يكتب عليها وجهتها "الغردقة". لكنها تفاجأت عند إدراكها أن مكابح السيارة لا تعمل.
"الفرامل". تذكرت أنها من الصباح شعرت بوجود عطل ما بها أو ضعفها، لكنها كانت تعمل وأدت الغرض. فلم تشغل بالها بالاتجاه لتصليحها خاصة أن الصبي معها ويحسب عليها خطواتها. إنجازاً للوقت، تمتمت لنفسها:
طالما شغالة تمام، أول ما أوصل هناك أبقى أشوف مالها.
أدركت حينها أن الوضع أصبح خطراً. هدأت من سرعة سيارتها. وأثناء ارتباكها وبحثها عن الهاتف لتطلب المساعدة، انحرفت السيارة عن الطريق الصحيح وارتطمت بذلك السور الذي يفصل اليابسة عن الماء فوق ذلك الجسر، إلى أن هوت سيارتها في الماء.
أما عنده، تفاجأ من تهدئتها للسرعة. شعر بوجود خطبٍ ما، فاسرع من سيارته ليلحق بها. بعدها اتسعت حدقتا عينيه عندما أرعبه ما رآه من هول الصدمة.
***
جاءه اتصال هاتفي أثناء وجوده معها بالفيلا.
ليردف لها:
استنى يارهام، أشوف مين بيتصل.
ليُجيب على الاتصال الهاتفي مبتسماً بانتصار مردفاً:
جدع.. حلاوتك عندي، عدي عليا بليل خد باقي حسابك.
ليرمق ريهام بتلك النظرة الواثقة بأن ما خططوا إليه قد تم بنجاح.
قائلة:
خلاص ياروحي، كله تمام.. اقريلها الفاتحة بقى.
لتعتدل ريهام بجلستها وتردف بتلك السعادة:
بجد يا "حمدي"، يعني كده خلاص كله خلص؟
ليردف لها حمدي بثقة:
أيوه كده، كله ماشي زي ما خططنا بالظبط.
***
أما يامن، بعد أن رأى تلك الواقعة، تذكر ذلك الكابوس الذي كان يراوده طيلة الفترة المنصرمة. فترجل من سيارته مسرعاً، ألقى بنفسه خلف سيارتها محاولاً اللحاق بها.
أما "نسم"، بعد أن فكت حزام الأمان من حولها، حاولت عدة مرات أن تُنقذ عمر لكنها لم تفلح. وقبل أن يُغشى عليها، رأت ذلك "الغريب المتعجرف". قام بكسر نافذة السيارة بمرفقه، ثم سحبها إليه. بعدها لم ترَ نسم أي شيء.
أما يامن، بعدما أنقذها من براثن غرق السيارة، حاول أن يتجه لعمر لينقذه هو الآخر.
***
قائلة:
بقولّك مبيردش، اتصرف بقى. أنا عاوزة يامن حالاََ. ده عمره ماعملها، حتى أما كان في عز انشغاله كان بيرد عليا.
هتفت بها "نبيلة" بحزن على ولدها الغائب بعد أن حاولت الاتصال به العديد من المرات فلم يجيبها.
ليردف لها "أحمد" زوجها بنبرة حانية محاولاً التخفيف عنها:
متخافيش، أنا هحاول أشوفه حالاً.
***
في المشفى، تم نقل الحالات إليها بأسرع وقت. كان هو معهم يرافقهم. لم يهتم لحاله ولا لإصابته تلك التي كانت بمرفقه جراء كسر النافذة. كل ما أهمه أن يطمئن عليها وعلى ذلك الطفل. تُرى، هل هو السبب في إرباكها بعدما لاحظت سيره خلفها بسيارته فانحرفت السيارة؟ إن كان هو السبب، سيعود أدراجه إلى الخارج فوراً وسيذهب من حيث أتى.
أنبه ضميره. أيعقل بعد اجتماعه بها بعد تلك السنوات يحادثها بتلك النبرة الغاضبة؟ هددها وأثار الرعب بنفسها، حتماً. أكانت عودته لإنقاذها أم لهلاكها؟ انتوى بقرارة نفسه شيئاً عليه فعله. بعد أن يطمئن عليها، سيذهب دون رجعة، ويتركها لزوجها وطفلها. فلها حياة. أما عنه، فليكن له حياة أخرى بدونها مجدداً.
استفاقت هي. أول ما سألت عنه كان الطفل. فأخبروها أنه بخير وتم إنقاذه في اللحظات الأخيرة، ولكنه يوضع على جهاز أكسجين لانخفاض نسبة الأكسجين لديه بشكل مؤقت.
فأردفت بوهن:
الحمدلله.
بعدها بلحظات، تذكرت الذي أنقذها قبل أن يُغشى عليها. فطلبت رؤيته لتشكره. فأخبروه بالخارج برغبتها برؤيته. تردد كثيراً، هل يدلف إليها أم يخبرهم برحيله ويرحل حقاً بعد أن اطمئن على كليهما.
تشعر بدوار الرأس كما لو أن رأسها يُسحق سحقاً. فاغمضت عينيها تطلب بعض الراحة. فسمعت صوت باب الغرفة يُفتح ويدلف شخصاً ما. اتجهت ببصرها فرأته هو. يَطرق رأسه بحزن، يتحاشى النظر إليها. إلى أن قطعت لحظات صمتهما قائلةً له:
أنا متشكرة جداً لحضرتك.. مش عارفة لو مكنتش موجود كان إيه اللي ممكن يحصلّنا.
ليردف إليها بوهن واضح بنبرة صوته:
لا شكر على واجب، أي حد مكاني كان عمل كده.
أردفت له بنفي دليل خطأ كلماته:
لا طبعاً، أي حد مكانك مكنش هيعمل كده. مكنش هيضحي بحياته عشان ينقذنا وهو ميعرفناش.
عند نطقها بتلك الكلمة "ميعرفناش"، احتلت نظرته بها كما أخبر حاله. وردد بهمهمات لا يسمعها سوي هو:
انتي اللي متعرفنيش ونسيتيني، لكن أنا لأ.
ليردف لها بنبرة جليّة:
أنا آسف إني كنت السبب في اللي حصل.
لِيُحيد ببصره عنها مُتجهاً إلى خارج الغرفة بخطى متثاقلة. أما نسم، فرمقته بدهشة تتساءل حالها كيف هو السبب بما حدث. فانتبهت لمغادرته الغرفة فأوقفته بسؤالها، وتخللت سمعة تلك العبارات التي أردفت بها:
صحيح.. دراعك عامل إيه؟
ليقطع سيره يُجيبها بابتسامة مطمئنة متنهداً:
تمام.. تمام أوي.
***
تطلبت حالتهم حجز بالمشفى تحت الملاحظة عدة أيام. فبحث يامن عن هاتفه، تذكر أن يُطَمئن نبيلة ووالده على حاله. أجرى اتصالاً بهم وبعد معرفتهم بحالته ذهبوا إليه مسرعين.
أما نسم، طلبت الهاتف من ذلك "الغريب المتعجرف" بعد أن قررت أن تناديه بـ"المنقذ الغريب" لملاحظتها نبرته اللينة التي أصبح يتحدث بها إليها، ووجوده بجانبها بشكل دائم، واطمئنانه ورعايته لعمر. ومع كل هذا، نسيانه لأي ألم حلّ به بشكل أو بآخر.
هاتفت حمدي قائلة بصوتٍ مبحوح:
أيوه ياحمدي.. أنا في المستشفى حصلّي حادثة.. هقعد يوم تقريباً وأخرج إن شاء الله.
ألجمت الصدمة لسانه، فأطلق تلك العبارات بتلعثم واضح:
إيه ده نسم.. انتي اللي بتكلميني؟
تعجبت هي منه عندما أردف بتلك الكلمات، وأنهت حديثها وقطعت الاتصال، ونعتته بكل ماهو سيئ.
قائلة:
بقى الواطي اللي معندوش إحساس.. أكلمه أقوله عملت حادثة.. يقولي انتي نسم اللي بتكلميني.. فعلاً، أنا غلطت إني كلمته.
أدركت حالها أنها وحيدة كلياً، لا أحد لها حتى إن وافتها المنية أو حدث لها سوء، ستُترك هكذا لن يشعر بها أحد أو يحزن لأجلها أحد. بكت على حالها كثيراً. هل تلك الحياة التي دوماً أرادتها؟
فجأة، أنذر ذهنها بشيء. تذكرت ذلك الطفل الذي كان يقبع وحيداً، فقد والديه. علمت شعوره حينها. علمت كيف يمكن أن يصبح المرء وحيداً بأضعف حالاته، يشعر بتلك العتمة التي تطغى عليه، فيتحول ضعفه وانكساره إلى كره من حوله، لأنه لم يجد أحداً بجانبه يمد إليه يد العون، ينتشله من خيباته تلك ومن تحطم فؤاده.
أدركت حينها أن الله أرسلها لذلك الطفل، كنسمة مضيئة تنتشله من ذلك الهلاك المُحدق. ألن يرسل لها الله شخصاً كهذا بحياتها؟
وسط بكائها، دلف هو إليها ليطمئن عليها وليخبرها بأن حالتها لا تسمح بالحديث المطول بالهاتف. وجدها باكية تُردف بنبرة متقطعة من بين تلك الدموع:
فينك يا يامن.
أراد أن يخبرها بأنه بجانبها، لن يتركها مجدداً، ولكنه بالرغم من ذلك، بقى مكانه جامداً دون حراك، مذكراً نفسه بوضعه ووضعها قائلاً:
"مينفعش تعرف غير إني غريب أنقذتها وهخرج من حياتها قريب.. أكيد جوزها زمانه جاي".
***
وكأن صخراً أُلقي فوق رأسه فشطره نصفين من شدته، حينما سمع صوتها. أهي ما تزال حية بعد؟ ألا تزال على قيد الحياة؟ إذاً الرجل الذي أخبره بوفاتها خاطئ. من أين له تلك الثقة بوفاتها وهي حيّة ترزق بعد؟
ليقوم بطلب الرجل مردفاً له بنبرة حادة غاضبة:
انت اتجننت بقى تقولي إنها ماتت وتطلع عايشة؟ إيه ما بتشوفش ولا إيه ولا غبي؟
ارتعب الرجل من نبرة "حمدي"، محاولاً تدارك خطئه، فتمتم قائلاً بخوف واضح بنبرة صوته:
والله ياباشا، أنا فضلت ماشي وراها لحد ما لقيت عربيتها غرقت خلاص وشوفت حد خرج من عربيته وراها بس فضل واقف دقايق، بعد كده أنا مشيت لأني قولت استحالة يخاطر بنفسه وينقذ حد، كده كده ميت.
أطلق ياقة قميص الرجل حين أرف له بتلك العبارات، وظل يردد حمدي لنفسه:
حد.. وده يطلع مين بقى.
***
ضربت بكف يديها على صدرها بفزع عندما علمت أنها ما تزال على قيد الحياة، لتردف ريهام بحدة قائلة:
إزاي ده حصل؟ هي على طول عاملة زي القطط كده بسبع أرواح، مش عارفين نخلص منها.
أردف حمدي بغيظ قائلاً:
لا والادهى من كده إن في حد عرض حياته للخطر عشان ينقذها، وربي ما هرحمه. وهيطوله غضبي بالظبط زي ما طالها عشان يعمل فيها شجاع بعد كده.
***
حان وقت خروجها من المشفى هي وعمر. أصرّ عليهم "يامن" إيصالها للمنزل بأمان. أما عن مازن، اقترح بأن يأخذ "عمر" معهم بالسيارة، معللاً ذلك بأنه إن بقى الطفل معهم بالخلف وحيداً سيصاب بالملل. فاقترح أخذه معهم حتى تهتم به نبيلة. وكان الطفل لطيفاً، فلم يبكي، فمكث معهم بهدوء.
قبل أن يرتد مازن إلى سيارته، رمق أخيه وقام بوكزه بمرفقه. فتألم أخيه جراء تلك الحركة قائلاً:
آسف ياحبيبي، أنا أقصد بس إني خليتلك الجو ظبط انت ها.. وعد الجمايل بقى، عشان تردها لي أما احتاجك.
نظر يامن له بيأس، وكأن لسان حاله يخبره بأن أخيه فطن وفهم ما يدور وعلم ما بقلب يامن. ولكنه قمة بالغباء، كيف له ألا يعلم بأنها متزوجة. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
بالسيارة، يسود الصمت فقط، لا غير.
فباغته هي بسؤالها، عازمة على إنهاء الصمت كذلك، مردفة:
مقولتليش حضرتك اسمك إيه؟
تفاجأ من سؤالها هذا. لم يعلم ما يجيبها. أيخبرها الحقيقة أم يكتم سره بداخله؟ فاردف لها بثقة:
ممكن تقولي فاعل خير.
قطبت ما بين حاجبيها، لتردف باستغراب يشوبه الفضول:
أيوه تمام، برضو معرفتش اسم حضرتك إيه يا أستاذ فاعل خير؟
يرمقها باللامبالاة صامتاً.
لتضيق من حدقتيها بعناد وغضب من صمته قائلة:
بص، أنا أصلاً أول ما شوفتك وأنا مسميّاك اسم. تحب تعرفه؟
لم يلتفت إليها تلك المرة، ظل منصب تركيزه على قيادته قائلاً ببرود:
مش لازم أعرف، خليكي محتفظة بيه لنفسك.
ودت لو تلكمه قبضة تُدمي وجهه من تلك العجرفة. ماذا صار له بعد أن أصبح محترماً ليناً معها؟ لتخبره بقلة صبر وغيظ اكتسح ملامح وجهها:
أنا بقى يهمني تعرف أنا كنت مسميّاك إيه.. "الغريب المتعجرف".
لينظر لها بغضب ثم يعاود النظر أمامه إلى الطريق قائلاً:
تمام.
لتنفلت منها ضحكة على علامات الضيق التي اكتسحت ملامحه. فيشعر هو بتلك الوخزات بقلبه التي ظهرت للتو للمرة الثانية، بعد أن شعر بنفس تلك الوخزات والخفقان للمرة الأولى عندما رآها متخفياً بالمشفى. ليعم الصمت سيد الموقف من جديد.
***
دلف كلاهما إلى الفيلا. "نسم" و"عمر". فرأتهما ريهام فلم تعرهما اهتماماً، واكتفت بإلقاء سلاماً باهتاً قائلة:
حمد الله ع السلامة.. إيه رجعتوا بدري من الإجازة يعني؟
لتردف لها نسم تشير إلى نفسها من أخمص قدميها إلى أعلاها، وبعض تلك الضمادات التي وضعت بمفترق وجهها وتلك الجبيرة بيديها جراء إنقاذ يامن لها، فتسبب لها بكسر سطحي دون إرادته:
ده منظر ناس كانوا في إجازة، أو حتى ده منظر حد يقابل ناس كان عارف إنهم هيموتوا يقابلهم كده؟
لتستقيم ريهام من جلستها قائلة بنظرة حزن مصطنعة:
سلامتكم، وأنا أعرف منين إن ده حصل.
نسم تعلم كذبها وتصنعها الحزن لتردف لها بإستهزاء، رفعت حاجبيها كثيراً دليل على دهشتها.
لـتردف قائلة:
عايزة تقوليلي إن خطيبي المحترم مقالكش؟
تتلعثم ريهام بوضوح واحمرت وجنتاها بشدة قائلة:
صدقيني، ولا كلمته من ساعة لما مشيتي وسافرتي.
نظرت لها شزراً قبل أن تتركها ذاهبة إلى غرفتها تستجدي بعض الراحة من عناء سفرٍ طويل ورحلة مميتة كان بطلها ذلك الغريب المتعجرف.
***
أعد أشيائه وقطع تذكرة عودته إلى الخارج. ولكن قبل أن يذهب دون رجعة تلك المرة، مرّ على المشفى متخفياً كعادته. يسأل عن حالها، يطمئن عليها أو ليطمئن قلبه عليها. أوقف أحداً من الممرضات قائماً بإعطائها بعض المال. فتلك هي المرّة الأخيرة التي سيراها بها. وماذا سيحدث إن تطلع إلى أخذ بعض المعلومات بشأنها أيضاً؟ يرغب وبشدة معرفة لما لم يمر عليها زوجها أو حتى أخاها أثناء مكوثها بالمشفى بعد وقوع الحادث. على ما يذكر، فلديها أخ، وعلى حسب معرفته أيضاً، لديها زوج.
فأردفت له الممرضة بتلك العبارات:
لا والله، الدكتورة لسه واخدة إجازة من الحادثة اللي حصلتلها.
فابتغي منها معرفة المزيد، ليردف قائلاً:
طيب ابنها بقى عامل إيه دلوقتي؟
لتردف الممرضة بحيرة واستفهام قائلة:
ابنها؟
فـ يؤكد لها يامن عباراته قائلاً:
أيوه، على ما أعتقد اسمه "عمر" باين.
لتنفرد شفتي الممرضة دليل على فهمها أخيراً مقصده، مردفة:
آه… عمر. لأ، هي دكتورة نسم مش متجوزة أصلاً، ده عمر ده ابن أخوها. بس أخوها ومراته ماتوا في حادثة، فهي بتربيه.
لتتسع حدقتا عينيه قائلاً بتلك الدهشة:
بتقولي إيه؟ ابن أخوها وهي مش متجوزة؟
لتردف له الأخرى بتأكيد:
أيوه، مخطوبة بس لدكتور حمدي، كان شغال هنا وبعدين ساب المستشفى وراح لمستشفى تاني خاص وربنا فتحها عليه.
وقبل أن تستطرد عبارتها وثرثرتها، تركها يامن شارداً الذهن ذاهباً من حيث أتى، مغادراً المشفى بأكمله. يستشعر بعض الراحة بداخلهم، مبتهجاً يردد لنفسه بذهول:
مش متجوزة وده ابن أخوها… عشان كده مسمياني (الغريب المتعجرف). طيب والله ما أنا مسافر، أنا هقعد لها بقى وأشوف آخرتها إيه معاها.. هي وخطيبها ده كمان.
رواية نسم بقلب عاشق الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء محمود
بعد أن قرر إلغاء سفره والبقاء بجانبها يعتني بها. أو يرد لها دينًا قديمًا غفلت عنه هي… ولكن ما عند الله باق.
تعجبت نبيلة من ولدها كثيرًا، فها هو أصبح شابًا وأصبحت تصرفاته تربكها. لتردف له ممازحة:
"متقوليش يعني ألغيت سفرك ليه يا يامن؟"
ابتسم لها تلك الابتسامة التي تعرفها هي… يبتسمها فقط في المصائب أو إن كان في نيته شيء لا يريد إخبار أحد به. قائلاً:
"أنا قولت مقدرش على بعد بلبلة حبيبتي وهو أنا لحقت أشبع منك عشان أسافر…!!"
لترمقه والدته بنظرة تعجب يشوبها الفضول قائلة:
"بقولك إيه أنت هتضحك عليا يعني امبارح كنت تقدر على بعدي عادي؟"
صامتًا لا يستطيع الإفصاح عما يدور بذهنه. أمسك بيد والدته وقبلها بدفء.
مسحت على رأسه بحنان، فهي كوالدته دومًا تسميه ولدها الأكبر. أيضًا ربته صغيرًا كان عمره ثماني سنوات. قائلة له:
"لا سيبك من الكلام ده.. الموضوع فيه واحدة…"
ثم أشارت إلى موضع قلبه تستطرد عبارتها:
"ومش أي واحدة دي ساكنة هنا ومن زمان وأنا معرفش عنها حاجة."
ليقاطعهم والده حين سمع تلك العبارة:
"طيب مش هناكل بقى نفطر بس وكملوا رغي."
مكثوا جميعهم إلى مائدة الطعام يتناوبون الأحاديث المختلفة. بينما مكث هو، أحمد، والدهم ينظر إلى يامن بألم، مقررًا بنفسه الإفصاح عن كل شيء قريبًا له.
***
انتهت مدة عطلتها المرضية لتقرر الذهاب إلى المشفى والعودة إلى عملها من جديد.
جلست إلى أقرب مقعد قابلها. ما زالت قدماها تؤلمها ولكنها في المجمل تحسنت تحسنًا ملحوظًا.
لتهرول إليها صديقتها المُحببة "نهى" قائلة بسعادة:
"حبيبتي حمد الله ع السلامة. إيه اللي نزلك دلوقتي مش كنتي ريحي كام يوم تاني…"
لتقاطعها نسم:
"لا انتي عارفة أصلًا أنا جو البيت ده بيخنقني إزاي.. بس قريب هقولها إننا نبيع الفيلا وكل واحد ياخد حقه في الميراث وخلاص.. وأروح أسكن في مكان تاني."
لتُخبرها صديقتها بأريحية:
"تمام ده اللي المفروض كنتي عملتيه من أول ما عمك توفى الله يرحمه."
لتردف نسم بحزن:
"الله يرحمه كل حاجة بتيجي في وقتها."
بعد القليل من الوقت دلفت إليها صديقتها محملة إليها الباقات من الورد. قائلة:
"خدي يا ستي شوفي المرضى بتوعك جايبين لك إيه."
تلفتت إليها نسم مردفة:
"وريني."
لـ يأسرها روعة تلك الزهرات الخلابة وتلاحظ تلك القنينة من العصير الخاص المفضل لها "الشيكولاتة بالحليب". فـ تبتسم لا إراديًا قائلة:
"أشوفه بس.. طيب هو عرف منين إن ده نوعي المفضل من المشروبات… حتى حمدي ما يعرفش. يوم ما طلبته مرة منه قالي هو انتي طفلة يابنتي إيه اللي بتشربيه ده!! … ومن ساعتها مبقتش بطلبه تاني."
لـ تأخذ ذلك الكارت الذي خُطَّت عليه تلك العبارات بأناقة:
"حمدًا لله على سلامتك رائعتي."
تتجه لصديقتها مُردفة بخجل حيث احمرت وجنتاها:
"طيب يابنتي أنا رائعة بالنسبة لحد؟"
لتردف صديقتها بممازحة:
"أبدًا مين قال كدة."
لتقوم نسم بـ لكزها بخفة برسغها قائلة:
"بس أنا بالنسباله هو رائعة."
***
دلف يامن إلى منزله بعد عودته من المشفى ورؤيته بعينيه سعادتها بتلك الهدية الخاصة التي أهداها بها.
لـ يوقفه صوت والده قائلاً له بحدّة:
"كنت فين يايامن؟"
ليتمتم الآخر بارتباك وكأنه ارتكب جرمًا ما:
"كنت بره شوية."
فيستطرد والده قائلاً:
"طيب تعالي معايا نروح الشركة سوا منها تدرب على الشغل فيها وأتكلم معاك شوية."
أومأ الآخر بموافقة متجهاً ليبدل ثيابه:
"حاضر اطلع أغيّر هدومي وأجي وراك على طول."
****
أمّا نسم قررت شيئًا فعليًا فعليها التخلص فعليًا من تلك العقربة بحياتها التي تُدعى ريهام. والتي ابتليت بها بعد وفاة والدتها.
تتذكر ذلك اليوم جيدًا حينما دلف إليها والدها قائلاً:
"نسم إيه رأيك أجيب لك واحدة تعتني بيكي انتي وأخوكِ وتفضل معانا على طول وتحبك وتهتم بكل متطلباتك."
لـ ترفض بشدة فيعيد طلبه عليها بصيغة أخرى قائلاً:
"طيب عارفة طنط ريهام دي بتحبك جدًا وقالت لي إنها نفسها يبقى عندها بنوتة زيك وهتبقى مبسوطة لو قضت عمرها معاكي."
لتنفرج أسارير تلك الطفلة ذات الثانية عشر عامًا. تومئ بالموافقة.
وتشرد بذكرى أخرى قبيل وفاة والدها العام الماضي. وهو على فراش الموت قائلاً:
"أوعي تفتكري إني نسيت أمك أنا حبيتها وهفضل أحبها لحد ما أقابل وجه ربي الكريم وربنا يجمعني بيها في آخرتها."
تستطرد عباراته متنهدًا بوهن شديد قائلاً:
"عارف إنك طول الوقت زعلانة إني إزاي قدرت أعمل كده وأتجوز.. صدقيني أنا عملت كده لما لقيتها بتتعامل معاكي كويس وهي اللي قالت لي إني لازم أكون محتاج واحدة في حياتي تاخد بالها منكم وعشان كده اتجوزها… بس عمرها ما قدرت تاخد مكان في قلبي أو حتى عمري ما قربت منها أو حبيتها زي والدتك بس عمري ما عاملتها وحش.. ربنا يسامحني لو كنت قصرت في حقكم."
لتردف له نسم وسط بكائها:
"حبيبي ربنا يخليك لنا انت كنت نعم الأب."
لتفيق من تلك الذكرى. على مشاجرة ريهام مع إحدى الخادمات. لتردف لها نسم:
"عاوزاكي شوية."
تقبع على المقعد وتقبع الأخرى قبالتها. لتردف نسم بتريث منتقية عبارتها:
"أنا بقول كفاية بقى علينا كده مش هنفضل طول الوقت عايشين سوا كل واحد لازم يشوف حاله… إحنا لازم نبيع الفيلا وكل واحد ياخد حقه ويتصرف فيه زي ما هو عاوز."
اتسعت حدقتاها من تفاجئها بعبارات نسم ومن هول ما حل بها من صدمة لتردف قائلة:
"ومين قالك إني عاوزة أمشي أو أبيع الفيلا أنا عاوزة أفضل هنا."
لتردف نسم قائلة باستغراب:
"هنا إزاي ما الفلوس اللي هتاخديها تقدري تعملي بيها حاجة."
لتردف الأخرى مفصحة عن نيتها أخيرًا:
"ومين قالك إني عاوزة أبيعها انتي عارفة لو بعناها فلوسي اللي هتطلع منها مش هتجيب لي فيلا وانتي كمان مش هتقعدي في فيلا كده وأنا مش هنزل من مستوايا مش هسيب الهنا ده كله وأسيب الفيلا وأخد شقة."
لينفجر غيظ نسم قائلة:
"بقولك إيه أنا كان ممكن أقولك ده حق أبويا وأخويا وانتي ملكيش حاجة… وأبيع برضه."
لتردف الأخرى بثقة:
"لا يادكتورة متعصبيش نفسك كده.. الكلام ده تقوليه لحد غيري أنا كنت متجوزة مصطفى أبوكي ومات وأنا على ذمته.. يعني أي حاجة بتاعته ليا فيها زيي زيّك."
لتشتعل نسم بغضبها تصطبغ وجنتاها بالاحمرار تشعر وكأنها تشتعل داخليًا فتتركها وترحل.
لـ تردف ريهام ببرود يشوبه الانفعال الحارق قائلة:
"وقريب كله هيبقى ليا أنا وبس."
***
في شركة "أحمد الدسوقي"...
"بص يايامن في حاجة لازم أقولك عليها." هتف بها "الدسوقي" ناويًا إخباره بكل ما يعلم.
ليردف يامن بحيرة:
"اتفضل.. بس بخصوص إيه؟"
ليرمقه أحمد بثقة قائلاً:
"نسم اللي أنت ألغيت سفرك عشانها."
ليبتلع ريقه وقد علم أن الموضوع بغاية الأهمية. فأنصت جيدًا.
"لما رحنا الدار يومها ونبيلة قررت تتبناك أنت من دون كل الأطفال اللي في الدار، ولما رحنا بعدها عشان نخلص الإجراءات، عرفنا كل حاجة عنك، إنك يتيم وجيت الدار من لما كان عندك ٧ سنين.. ولما قررنا نتبناك كان بعد ما قضيت سنة في الدار، المهم عرفنا إن في دكتور جه وسابك هنا وبيزورك من فترة للتانية هو وبنته.. بس قبل ما تمشي من الدار أنت قررت تعرف نسم واللي كنت مرتبط بيها أوي الفترة دي كصديقتك إنك هتمشي وتروح لك المكان الجديد اللي هتتنقل له، مكنش عندنا تفاصيل عن الدكتور "مصطفى" الله يرحمه، وبعد إلحاح مني على مسؤول الدار عرفت مكان شغله وروحت له أنا وأنت لما طلبت مني كده وديتك. وبعدها قولت لك اخرج العب بره شوية وأنا هاجيلك، دكتور مصطفى وقتها طلب مني طلب غريب وهو إن بنته في وقت دراسة ووقتها مضغوط بين نادي ومذاكرة وهو مش عاوز حاجة تعطلها عن مذاكرتها. وطلب مني أبطل أجيبك المستشفى تاني وأنت تشوف حالك وتسيبها تركز في حالها ومتشغلهاش. وإحنا خارجين من المستشفى قولت لك احفظ اسم المستشفى كويس واعرف شكلها، والظاهر إنك مقصرتش في طلبي، أنا طلبت منك كده عشان عملت حساب اللحظة دي الوقت اللي هتسأل تاني عنهم. يبقى في خيط يعرف يوصلك ليها."
تجهّم وجهه هل لذلك السبب شعر دوماً بالفراغ.. والانطواء.
لم يستطع أن يكون صداقات حتى مع الصبية مثله. لم يستطع؛ افتقد دوماً لتلك المهارات.
أمّا هي فقط استطاعت بكل بساطة أن تجعله صديقًا لها رفيقًا، هوّنت عليه الكثير من الصعاب حتى بات يتذكرها بأحلامه بعد أن فشل برؤيتها في واقعه.
***
"بقولك إيه اتصرف أنا تعبت، أنا مش كل حاجة أتصرف فيها لوحدي قولتلك مشكلتنا كلها فيها هي..؟" هتفت بها ريهام بغضب وصوت أشبه بصراخ.
ليردف لها حمدي:
"خلاص يبقى أفتحها في موضوع جوازنا ونخلص طالما معرفناش نخلص منها خلاص خليها.. بس تدينا كل حاجة بإرادتها."
تمتمت بابتسامة خبيثة قائلة:
"تمام وهو ده اللي أنا عاوزاه."
أمّا "نسم" عزمت قرارها بأن تخطو خطواتها القادمة للصواب ليس عليها قبول كافة الأشياء. قد يكون لإحساسنا وقلوبنا رأي آخر.
لم ترَ من "حمدي" شيئًا سيئًا، أيضًا لم ترَ منه الخير. أما بعد الحادث شعرت ببرودة كلماته لم يطمئن عليها حتى عندما أعلمته بالحادث أخبرها أنه بعمل هام ولن يتفرغ ذلك الوقت.
حتى أن ذلك الغريب الذي لم تره مرة أخرى اهتم بشأنها تألم لحالها كثيرًا. ترى هل باتت تفتقده أو تفتقد عباراته الباردة تلك أم مشاكساتها له. للحظة ودت لو تراه أمامها الآن.
ليقطع شرودها تلك الطرقات على باب الغرفة. وتلتفت. لتتفاجأ به أمامها هل هذا حلم أم واقع. هل شعر بها وأتى حقًا إليها. هل هذا ما يسمى بـ تخاطر الأرواح.
أمّا عنه بعد كل ما سمعه من والده علم أنها لم تهمل تلك الصداقة بمقدورها. وبعد سماعه تنطق باسمه بالمشفى. ربما تفتقده هي الأخرى. علم حينئذٍ أن عليه الذهاب إليها. كم تمنى لو كان بمقدوره معانقتها عند رؤيتها ولكن هيهات لما يتمنى.
أمّا نسم أسندت يديها على المكتب لتستقيم وتلقي عليه التحية فما زالت قدماها ليست على ما يرام بعد.
لتردف ببهجة وترحيب:
"أهلاً أستاذ فاعل خير."
أبتسم لها ثم طأطأ رأسه على مشاكساتها تلك قائلاً:
"إزيك يادكتورة نسم عاملة إيه دلوقتي."
لتردف قائلة:
"أنا بخير اتفضل اقعد."
تبادلا أطراف الحديث قليلًا إلى أن استأذنته بوجود بضع الحالات التي تحتاج للفحص. أذن لها ثم غادر.
انتهت تلك الفحوصات وأعدت أشياءها للمغادرة. لتنصدم بوجود "حمدي" يقف أمامها قائلاً:
"جيت لك أطمّن عليكي وبالمرة نتغدى سوا بره عاوز أكلمك في موضوعنا."
لتردف له بحيرة وتساؤل:
"موضوعنا إيه."
ليجيبها بقلة صبر:
"خطوبتنا يعني وكده."
فتسلل إليها الشعور بالارتياح قائلة:
"ياريت بجد أنا اللي كنت عاوزة أكلمك بخصوص موضوعنا فعلاً."
جلسا سوياً بمطعم. ليردف لها:
"نسم إحنا لحد إمتى هنفضل مخطوبين كده؟ مش لازم يجيلنا وقت ونتجوز ولا إيه؟"
أطرقت رأسها منه بحيرة فكيف ستخبره بما أرادت وهو يفاجئها بذلك الطلب.
وعندما طالت لحظات الصمت قطع هو الصمت السائد بينهم قائلاً:
"عايزين نحدد ميعاد كتب الكتاب والفرح."
ما زالت مُطرقة رأسها وكأن العبارات التي أعدتها سابقًا قد تبخرت الآن.
قام بدق يده على المائدة بحدة قليلاً أخافتها وتفاجأت كذلك ليردف إليها بنبرة حادة قائلاً:
"يابت مش بكلمك ماترفعي راسك وردي عليا في إيه؟"
فرفعت رأسها ورمقته بنظرة هاربة مشتتة تتخللها الحيرة قائلة:
"بص ياحمدي أنا كنت جاية عشان أقولك حاجة تانية خالص.. انت شخص كويس ومحترم بس أنا من وقت ما اتخطبنا لغاية دلوقتي مش قادرة أحبك أو أتقبلك، لما اتخطبنا كان بناءً على ترشيح بابا ليك قالي إنك كويس ومع الوقت هناخد على بعض، بس للأسف داخلين أهو في سنتين وأنا مخدتش عليك، فأنا أتمنى إنك تكمل حياتك مع حد كويس وأكيد مش هيكون أنا، آسفة مش هقدر أكمل معاك."
أنهت كلماتها وخلعت خاتمه الذي ترتديه واضعةً إياه أمامه على المائدة وهمّت أن تغادر المكان ولكن قبل ذلك هبّ هو منتفضاً بحدة قائلاً بصوت أجش:
"انتي متأكدة من اللي بتقوليه ده."
أنهى عباراته حيث كانت عيناه متسعتين من شدة غضبه. شعرت كأن نيران غضبه ستندلع لتصيبها وتتركها رمادًا.
لتردف له بريبة من ردة فعله:
"انت بتعمل كده ليه."
أردف حمدي بغيظ قابضًا على خاتمه الذي خلعته للتو من إصبعها قائلاً:
"لأ أنا لسه معملتش بس اتأكدي إن اللي جاي وهعمله مش هيعجبك."
رواية نسم بقلب عاشق الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء محمود
في غدوة يومٍ جديد… استيقظت "نسم" مفعّمة بالحيوية والنشاط والتي باتت تفتقدهم في الفترة الأخيرة…
لتوقِظ عمر فاليوم هو يوم عطلتها الاسبوعية..،
تمكث اليوم بأكمله تلاطفه وتقرأ له من القصص مايليق به وتحدّثه بكل شئٍ يحلو لطفل بعمره..، ويشاهدوا فيلماً كرتونياً صانعين الكعك سوياَ…
أمّا اليوم قررت أن تأخذه بنزهة تعويضاَ له عن تلك العطلة التي حدث بها ماحدث…
فأردفت له نسم :
عمر يلا بقى اصحى وانزل تحت شوية العب في الحديقة لغاية مااجهز نفسي واندهلك يابطل يلا…
لينطلق الطفل مسرعاََ متحمساَ ما إن علم بنيتها وهي أخذه بنزهة..
أمّا بالأسفل "ريهام" استيقظت باكراَ إثر مُكالمته.. ففضّلت ان تهبط بالأسفل وتتحدث مع حمدي بأريحية مخافة من التحدث بالأعلى في غرفتها وان يتنصت عليها احد…
فأردفت له بنبرة ضيق لإيقاظه لها في هذا الوقت…. :
في ايه ياحمدي على الصبح كدة خير…
ليردف لها الآخر بحنق :
طبعاََ ما انتِ نايمة ومش دريانة باللي حصل…
ل يخبرها بما حدث بالأمس
فهتفت بدهشة وكأنها لم تكن بسبات عميق للتو :
بتقول ايه ياحمدي.. ازاي.. كدة كل اللي خططنا ليه خلاص ضاع!!
وما إن التفتت بحركة مفاجئة لـتستطرد حديثها معه بالهاتف رأت مالم يكن بالحسبان…
وجدت عمر ينظر لها بخوفٍ جلي بملامحه خلفها..
فأردف قائلة:
اقفل دلوقتي وهكلمك بعدين…
رمقت الطفل بعينان متسعتان تُنذر بالغضب والهلاك المحدق له…، فارتجف الصبى.. خوفاً منها…
فأردفت بصياح:
ايه اللي موقفك هنا ياولد انت..
ليردف عمر بتلعثم:
أنا كنت نازل العب بس لقيتك واقفة فخوفت اتحرّك من مكاني…
لتهتف له بنبرة غاضبة وصُراخ اهتزت له أرجاء الفيلا بأكملها:
طيب يلا غور من وشي…
ليعاود الطفل سيره بدلاَ من الذهاب إلى الحديقة المُلحقة بالفيلا
عودةً بالأعلى إلى نسم…
قصّ عليها الصبي ماحدث من تعنيفها المبالغ له..
ثمّ سألته نسم :
زعقتلك ليه طيب؟
فاردف لها وسط بكائه و تنهيدته التي تُدمي القلب:
كانت بتتكلم في التليفون..
ما إن أنهى عبارته فردت له ذراعيها لـ يدلف إلى أحضانها..
قائلة بغضب وتهكّم من تصرفات تلك المدعوّة بـ(ريهام) :
وايه يعني ماتتكلم ده مَيدّهاش الحق انها تزعقلك ليه بتكلم رئيس الوزراء يعني..!!!
ليردف الصبي ببراءة وعفوية :
لأ كانت بتكلم حمدي…
تردد اسمه بآذانها لتردف بحنق :
حمدي تاني….
أمّا بفيلاّ احمد الدسوقي..
اجتمعت الأسرة على مائدة الطعام..
كان يخشى احمد لقائه بيامن ظن ان اعتراف سيغير شيئاً بقلب ولده تجاهه.. ولكن ماذنبه ياتُري.. كأبيه أخذ طفله ونأى به بعيداَ عن شخص لا يريد وجوده بجانب ابنته فما خطئه الذي اقترفه إذاً…
ليتفاجأ بيامن يتحدث إليه بإبتسامه ثم وضع يده على يد احمد قائلا بلين:
هوّن على نفسك يا بابا انت ملكش ذنب في حاجة انت بتحبني وبتخاف عليا وعمري ماشفت من حضرتك اي حاجة وحشة ولا انت ولا بلبلة….
لتردف نبيلة بطيبة وحنو:
حبيبي يا يامن انت..
فقاطعهم مازن قائلاَ بممازحة:
ايه ده طيب وانا مليش من الحب جانب ولا ايه…
لتعم الضحكات المنزل بأكمله
اما عنه فهو افتقدها اليوم أكثر من أي يومٍ مضى…
يعلم أنها عطلتها ولا يعلم مكاناَ آخر لها فعزم على الذهاب إليها غداَ بالمشفى…
هبطت نسم الدرج بخطواتٍ واثقة فما حدث لابد أن يوضع له نهاية…
أردفت إلى ريهام بحنق من أفعالها :
بصي آخر مرّة تجيلي شكوى منك انك زعقتي لعمر..،
انا أتهاون في حقي اه.. تزعقيلي واطنش واكبر دماغي عادي يعني.. لكن عمر لا سمعاني
وقبل ان تردف الأخيرة بكلمة… تركتها نسم مغادرة
لكن قبل مغادرتها إلتفّت إليها قائلة:
و حوار حمدي ده انا فسخت خطوبتي واكيد كلمك وقالك ياريت تخرّجي نفسك برّة الموضوع ده وتحترمي نفسك اكتر من كده و متدخليش في اللي ملكيش فيه…
تركتها شاعرة بإنتصار وكأنها خاضت حرب رابحة لأجلها.
فابتسمت بثقة فهي لأول مرّة يعلو صوتها هكذا.. بل وتشعر بارتباك ريهام منها..
فـ أردفت لنفسها بثقة كما ذكّرت نفسها بعبارات مُرددة إيّاها بنشوة :
أنا استحق كل حاجة حلوة مستحقش يتكسر قلبي تاني ولا استحق اعيش مع حد مش عاوزاه ان كان هي أو حمدي..
قريب اوي انتي كمان هتخرجي من حياتي يا ريهام…
قضت يومها بسعادة مع عمر… إلى أن حان وقت العودة ليتعلق عمر بيدها قائلاً
انا بحبك اوي يانسم…
لتردف له :
وانا كمان بحبك ياقلب نسم.. اهم حاجة تكون اتبسطت يا بطل.
وحين عودتها لم تجد ريهام بالمنزل فحمدت ربها على نعمة كتلك.. ولم تبالِ بها فذهبت إلى غرفتها هي وعمر…
عند يامن تأنق بارتدائه ملابس كاجوال بسيطة لكنها في غاية الأناقة… وقام بنثر بعض قطرات من عطره المُفضّل..
ذاهباَ إليها لايدري ما يُخبئه له هذا اللقاء…
أوقف سيارته بالمكان المخصص ثم دلف إلى المشفى واضعاَ يديه على ياقة قميصه مُعدلاً من هيئته…
كانت هي متثاقلة البال تشعر بالفراغ الداخلي..،
من ناحية تخشي ردة فعل حمدي تعلم تهوره وحبه المريض للتملّك..، ومن ناحية آخري باتت تشعر بالافتقاد لهذا.. "الغريب المتعجرف". او كما اسمي نفسه "فاعل خير"..
أصبحت تنتظر رؤيته بشغف فآلمها كثيراً هذ الأحساس، لـ تقرر إنهاء كل شئ وإخراجه من حياتها وعودته كما كان
غريباً…. غريباً فقط لا متعجرف ولا شئ..
ففاجئتها رؤيته عند سماعها صوتاَ يهتف لها :
دكتورة نسم…
التفتت هي لتجده أمامها بطلّته تلك. كفارسٍ هاربٍ من غزو بابل لِما يتصبب عرقاَ هكذا..،
طالت فترة صمتها إلى أن باغتها هو بقلة صبر :
تسمحيلي اقعد طيب وبعدين اسرحي براحتك الجو برّه حر…
لتبتسم إله بعذوبه أذابت حصون قلبه وأردفت :
اتفضّل..
_عاملة ايه النهاردة؟
_انا بخير، انت دراعك عامل ايه دلوقتي..؟
لينظر بتلقائية إلى رسغه قائلاَ:
لا تمام جدا ولا أكن حصله حاجة… الحمدلله.
أطرقت رأسها بإنشغال عاقدة أصابع يديها بعضها البعض مستندة على المكتب..
ليردف لها :
مالك في حاجة مزعلاكي…
اكتفت بهز رأسها بالنفي..، بينما هو لاحظ خلو يديها من خاتم الخطبة..، فشعر بتلك النشوة والبهجة تتجدد بداخله، وكأنهم يدقون طبول السعادة بصدره..
ليردف يامن بفضول:
فين دبلتك يادكتورة…
أردفت نسم :
خلاص كل واحد راح لحاله الحمدلله…
فاطرق راسه بحزن لرؤيتها هكذا هل يعني ذلك انها كانت تعشق ذلك الرجل ليردف لها :
شكلك زعلانة عشان كدة..
رفعت رأسها مسرعة قائلة:
صدقني انا كدة مبسوطة بس خايفة…
أثناء ذلك كان يسند يديه ع على إحدي وجنتيه قائلاً بلهجة عاشق :
و رائعتي خايفة من ايه…؟
لتتسع حدقتاها بشدّة مشيرة بإصبعها إليه بشك تُردف:
أنت قولت ايه!!
لـيدرك خطئه ويستعيد صوابه سريعاَ وقد علم مقصدها من سماعها لتلك الكلمة التي دوماَ تُكتب إليها بذلك الكارت مع مشروب الشيكولا.. ليردف بنفي وكأنه يُبعد التهمة عنه :
أنا مقولتش حاجة..
لتردف هي بحيرة :
إزّاي..!!
فأردف يامن بمشاكسة:
زي السكر في الشاي..
لـتقطب مابين جبينها مُتعجبة من رده ذلك.. قائلة:
نعم… انت بتهزّر حضرتك…
لينتصب واقفاً من مقعده قائلاَ:.
انا كدة اطمنت عليكي امشي انا بقى..
لتردف له :
استنى كنت عاوزة اقولك حاجة..
توقف عن سيره والتفت إليها مُحدقاَ بها قائلاَ:
خير قولي…
اردفت وكان الكلمات لاتريد مغادرة أماكنها قائلة :
حضرتك بتيجي هنا المستشفى ليا.. صح وده مينفعشعشان سُمعتي كدكتور بين زمايلي وبين المرضى بتوعي..
انا مش عاوزة اسمع كلمة ملهاش لزمة من حد وغير كل دهمينفعش اصلاَ ان حضرتك تجيلي المستشفى.. فياريت كفاية كدة
رمقها بشكٍ كما اضاق من حدقتيه قائلاَ :
انتي عايزة كده…
لتبصره بأعين زائغة حيث اكتفت بإيماءة برأسها دليل على موافقتها دون النطق بردّها، تعلم بداخلها انها بذلك تتخلى عن القشّة التي اعادتها للحياة من جديد..
ليردف لها على عجالة من أمره :
تمام…. اشوفك على خير.
ليتركها مغادراََ المشفى بأكمله…
_ بُلبُلة يا حبيبتي متجبيلي معلومات عن الشخص ده…،مش انتي ابن اختك باين شغّال في المخابرات…
هتف بها يامن ممُسكاً بصورة حمدي بيديه..
لتردف له "نبيلة" بتعجّب.. :
مين ده ياابني…
لـ يخبرها قائلاَ :
واحد كدة حبيبي عاوزة اعرف ساكن فينومعلومات عنه يمكن اقدر اوصله واكلمه ده كان صاحبي الروح بالروح…
لتبتسم نبيلة بتلقائية :
عنيا ياحبيبي هكلملك بكرة إياد واديله الصورة…
ليبتسم بمكر متذكراً ماحدث.. بعد مغادرته المشفى :"أحس بالارتياح كثيرا بقولها أنها بعد انفصالها عن ذلك الرجل ارتاحت كثيراً ولكنه شعر بوجو خطبٍ ما…، مُتعلَّق به.. فقرر البحث بخلفيته..، فذهب لتلك الممرضة واضعاَ بيدها بعض المال.. مستفسراً عن ذلك الرجل.. فأعطته عنوان عيادته الخاصة.. ليذهب إليه مباشرةً.. بعدها استطاع بطريقة ما أخذ تلك الصورة له والتي كانت مُعلّقة على جدار بالعيادة التابعة له بشهادة تقديره عن شئٍ ما…
تقبع نسم بالمشفى بثقل شديد فقد مرّ موعد مجيئه إليها منذ ما يقارب الساعتين.. إلى أن دلفت الحالة التي من المفترض فحصها فإذا بها تراه يُمسك برقم الكشف بيده دالفاَ إليها قائلاً بمشاكسة:
اظن انا جاي كشف اهو.. يعني ولا جايلك مخصوص ولا حاجة…
لتنفلت ابتسامة رغماَ عنها قائلة له:"مجنون…"
ليردف لها بنبرة العاشق الذي فاض الكيل به :
صدقيني حاولت اقطع كام كشف تاني واخد كام دور عشان عندي شكاوي كتير قالولي برّة قول للدكتورة كل اللي انت عاوزه بس ليك كشف واحد..، وصدقيني جيت بدري بس معرفش أن في زحمة كدة وان أسهل ليا اما كنت باجي واقابلك مخصوص….، شوفتي بقى معذباني ازاي…؟
لتتصنع الجدية بملامحها:
استاذ "فاعل خير" عاوز ايه مني بجد…؟
ليبتسم بإنتصار :
لو توافقي تخرجي معايا مرّة واحدة بس في موضوع مهم لازم اقولك عليه…
لتخبره بإصرار منها:
طلبك مرفوض.. اتفضل حضرتك عندي كشوفات تانية… انا ولا بخرج ولا بضيّع وقتي في كلام فاضي…
أردف لها اخيرأَ وكأنه يستجدي موافقتها قائلاَ :
صدقيني مرّة َ واحدة بس ومش هطلب منك حاجة بعدها هي مرّة بس في حاجة مهمّة لازم تعرفيها…
لـتُشير له بيديها تجاه الباب تحثّه على المغادرة لـ تردف قائلة:
_ اتفضل وقتك خلص وعندي حالات تانية…
ليستقيم واقفاَ بغيظ من رفضها المتكرر دون أدنى سبب..
واضعاَ الورقة التي بها رقم الحالة أمامها على المكتب قائلاَ بثقة:
حلو… يبقى احفظي الرقم ده بقى كويس عشان كل يوم هتلاقيني عندك لحد ماتوافقي. على طلبي…
أمسكت بالورقة بحنق قائمة بطيّها بين راحة يديها مُردفة له:
لأ انا مش عاوزة صداع… خلاص قول لي هقابلك فين؟ ….
يبتسم لها ابتسامته الواثقة قائلاَ :
تمام….
_اتفضّل ياحبيبي دي كل المعلومات عنه عنوانه ورقم تليفونه وحتى عنوان بيته كله هنا…؟
هتفت بها نبيلة مُمسكة ببعض الملفات بيديها لياخذها يامن قائلاً:
أنا قولت انك احلى بلبلة في الدنيا…
ع الجانب الآخر ظل مُراقباَ منزل"حمدي" لعلّه يعلم ما سبب حزن نسم قلبه ورائعته…
رآهُ يخرج من المنزل بجانبه إمرأة لم يهتم بها..، لكنه ظل يُراقب سيارتهم سيراً خلفها… دون أن يلاحظه أحد…
رأي السيارة تقف بمسافة ليست ببعيدة عن تلك الفيلا والتي يثق بأنه رآها من قبل…لكنه لا يتذكّر أين رآها…
أَلجمته الصدمة حينما رأى ماكُتِبَ عليها..،فيلا"مصطفى نيازي"
إلى أن ترجّلت المرآة من السيارة ودلفت إلى الفيلا…
يقف هو بحيرته وخفقان قلبه. وعثراته…
ماذا إن علمت نسم بحقيقة من هُم حولها…،أينكسرُ قلبُها ام ستفقد الثقة تماماََ بمن حولها..
واثناء تفكيرهاَدمي قلبه عند رؤية نسم تُغادر الفيلا وتأخذ سيارتها ذاهبة لابها ولا عليها…
لـ يعلم أن بعد عدّة ساعات سيُقابلها كما تم الاتفاق بينهم.. فتجهّز هو للقاء مُغادراَ مكانه…..
في إحدى الأماكن المُطلّة مباشرةً ع النيل… المشهد هنا خلاّب… تُعانق أشعة الشمس السماء مودّعة إيّاها لتنفلت خيوطها الواحدة تلو الأخرى وتختفي كُلياً بموعد رحيلها..
جلست هي بإحدى المقاعد في انتظاره…، تُري ماذا يكون الموضوع الهام الذي يرفض الإفصاح عنه في زياراته العديد لها… بل وأصرّ على مصارحتها به في ذلك المكان..
تضاربت الأفكار برأسها… تُري هل شعر هو بما شعرت به من قبل… فقرر مُصارحتها بذلك.. أم أن الموضوع يتخطّي ذلك وهي لاتعلم…
أمّا "يامن" كعادته يقف متواريٍ عن الأنظار رآها قادمة بطلتها المُهيبة تلك…، حتى خارج عملها تأسره بكل مافيه..
اخذ ذهنه يجوب بذلك السؤال… هل ستغفر له ما إن تعلم الحقيقة التي أخافها هو عنها..، أم سَيناله غضبها ويسحق روحه دون هوادة…
قرر مُراقبة فعلها.. في الأول لاحظ توترها وعندما طال الوقت بالنسبة لها وهي التي لم تتخطى الخمس دقائق..
وجدها تَفرُك بأصابعها في اضطراب مُلاحظ..
بعدها جاء النادل إليها يُعطيها ذلك المُغلّف.. لتفتحه وتقرأ مابه.. ومازال هو متواريٍ يُراقب كل فعلٍ يصدُر منها…
أدرك فعلياً صعوبة موقفه في مُصارحتها بالحقيقة كاملة…كما أنّه خشي أن تتركه في منتصف كلماته رافضة سماع ماتبقى من الحقيقة… فأختار ان يكتُب كل ما يجول بخاطره يُدوّن مابه على تلك الورقة البيضاء والتي بالتأكيد قام بتمزيقها عدّة مرات بسبب خفقانه مرّه بتعبيره او بإيضاح كل شئٍ على حده…
أمّا بمكانٍ آخر.. بطريقٍ نادراً مايسير به أحد ذهب ذلك الرجل إلى حمدي.. الذي استعان به من قبل في حادثة انزلاق سيارة نسم بالماء…
لـ يردف له" حمدي":
المرّة دي لو معملتش اللي اتفقنا عليه و إتأكدت من موتها… نهاية حياتك هتبقى على أيدي انا…وهدخّلك السجن وقضِّى باقي حياتك هناك بقى…
ليسحب من الحقيبة رُزم عدّه من المال يقوم بإعطائها إليه ليأخذها الرجل مُنتشياً بسعادة قائلاً:
يا دوك انا المرّة اللي فاتت عملت كل اللي اتطلب مني.. لكن أن حد ينقذها بقى دي مش بتاعتي…
بس المرّة دي متخافش انا بقولّك مش هتخرج منها..
غافلين عن هذا الشاب الذي يتبعهم بكل حركة بل وبكل نفسلهم… يحسب أنفاسهَم بل ويعُدّها عليهم عدّ.
رواية نسم بقلب عاشق الفصل السادس 6 - بقلم ولاء محمود
جاحظة العينين.. تُري أَكان هذا حُلماً أم واقعاً.. للحظة ظنّت ان الحظّ أبتسم لها فهاهي وجدته آخيراً… او هو الذي وجدها حقاً…
ولكن استعادت رُشدها عند علمها بإخفائه الحقيقة عنها كل ذلك الوقت….
أمّا يامن مازال يقف يستعيد بذهنه ماكتبه أخيراً لها..ليُردف بهمهمات وكأنه يقرأ لنفسه الخطاب من جديد…
"سأُخبركِ سرّيَ الصغير…. كُنتُ ذلك الطفل المُشتت فاقد للأمان بحاجةٍ إليه اقبع بليلة ماطرة.. برعبٍ ينهُش بجسدي الصغير. لم أُبالِ سوي بشئٍ واحد.. تلك السيّده والدتي التي تمنّيتُ ان يرفع الله عنها الداء… فاتيتِ انتِ كمُنقذتي من هلاكٍ مُحدقٍ… اظن أنّه قد تبادر إلى ذهنك الآن ذلك الأسم.."يامن"...نعم " نسم قلبي" انه انا ذاك الطفل… افتقدتُك عدّة مرّات سألتُ عنكِ إلى أن إضطُررت إلى السفر خارجاً لاستكمال دراستي… ولكنكِ لم تُبارحِ بالِ يوماً… هل فكّرتِ ان تسألِ عنّي ولو لمرّة…، عُدتُ بعدها تفقدتُ أثرُك… وجدتك أخيراً..، وقبل أن أخبركِ الحقيقة… وجدتُ صبياَ يبكي قائلاً "امي"...بعدها اتيتي انتي فعلمتُ ان حياتك أصبحت ذا معنى.. إذ وجدتي الاستقرار في الأسرة.. وانا ها هنا تائه مشتت ابحث عنك.. بأحلامي…. ابحث عن تلك الطفلة..التي انتشلتني يوماً من أوجاعي..نعم فأنتي كنتِ ومازلتِ "رائعتي" …وأنا ذلك "الغريب المُتعجرف"......
ما إن أنهت ذلك الخطاب الذي هو بمثابة إعتراف منه.. طوته كما كان ووضعته علي المائدة واطرقت رأسها باسفٍ مُدمعة العينين…إلى أن شعرت بتلك اليد التي وُضعت على كتفيها..فأردفت بتلقائية..باسمه قائلة:.. يامن!!
ليجلس جانبها بالمقعد المُجاور.. قائلاَ لها :
أنا آسف… اني خبّيت عليكي الوقت ده كله.. بس انا خبيت عليكي عشان افتكرتك اتجوزتِ، بُصي انا بقالي فترة كنت بحلم بكوابيس مُخيفة وانتي كنتي بتظهري فيها بشكل بيتعبني نفسياََ يمكن ده اللي خلاني ارجع ولما انقذتك كنت ناوي اختفى من حياتك تاني.. بس مقدرتش.. او الصراحة لما عرفت انك متجوزتيش قولت يمكن قدامي فرصة… وانا قررت استغلها..وصدقيني مكدبتش عليكي في حاجة ومقدرتش اكدب عليكي..
كفكفت عبراتها مُردفة له :
لأ انت كداب ضحكت عليا و استغلتني و مش مسامحاك… ومش عاوزة اشوفك تاني…
همّت ان تذهب.. لُيمسك يديها يشدد عليها قائلاً:
طيب اقعدي ونتفاهم… متسبنيش كدة… ومتمشيش معيّطة..
لتنفُض يديه عن كفّها الرقيق قائلة :
اوعي ايدك ومتورّنيش وشّك تاني..
احتدت نظراتهم… بدأ مَن بالمكان ينظرون إليهم وبدأ يأتي العديد من الاشخاص مُتدخلين فتركها هو لـ تذهب…قائلاً:
طيب انا عملت ايه لكل ده!!
ثمّ استقام من مكانه مغادراً يحمل خيبته…..
********
رنّ هاتفه مُعلناً عن ذلك الاسم.. ليعلم جيداََ أنّه ذلك الشاب"علي" المُكلّف بمراقبة المدعو "حمدي"...ليُجِيب على الهاتف قائلاً:
خير ياعلي في ايه.. وانجز عشان انا جايب أخرى..
ليُخبره الشاب بما علمه…، فيغلق يامن الخط مُقرراً شيئاً عليه فعله…. وعليه التَحرّك الآن فـ نسم بخطر مُحدق…
قام "يامن" بمقابلة "مسعود" بالشركة الذي يعمل بها وهو يترأس منصب نائب المدير…فهتف يامن قائلاً :
تمام دخلوه….
بعد أن دلف مسعود إلى الشركة.. فقابله يامن قائلاَ له :
اقعد يا مسعود تحب تشرب حاجة..…
لـ يردف له الرجل:
لا يابيه انا عايز امشي مش كفاية جاي هنا بالعافية من غير رضايا….
ليُردف يامن وقد هبّ من مجلسه قائما بالسير حول مقعد الرجل قائلاَ:
لاً اسمها جاي برضاك عشان لو مكنتش جيت كان هيطلع الفيديو ده للبوليس وكان هيتقبض عليك…
ثم قام بالضغط على الزر فظهر به الرجل وهو يتسلّم عدّه رزم من المال بالخفاء من حمدي…
أجفل هو بارتباك مُحاولاَ التملّص من الرد إلى أن قال اخيراً:.
باشا انا هقولّك على كل حاجة…بس متحبسنيش..
*******
اما عند نسم دلفت إلى الفيلا…هرولت إلى غرفتها فلا طاقة لها بمقابلة ماتُدعي ريهام..إلى أن أغلقت باب غرفتها وأخذت تبكي.. كما لم تبكي من قبل…مُردفة وسط دموعها :
يعني انت شايف اني مسألتش عليك خالص غبي.. انا كنت كل يوم بروح الدار ومش بلاقيك وبعدها بابا قالي انك سافرت…بس انا مش هغفرلك كدبك عليا ده….
******
استطاع " يامن "بطريقة ما.. أخذ الأرشيف الخاص بكاميرات المراقبة.. ليثبت قول مسعود في اتهامه إلى حمدي… بقوله أن السيارة التي كان يقودها أثناء الحادثة التي وقعت لـ "نسم" كانت إحدى السيارات التابعة إلى حمدي…وإثبات مرور تلك السيارة بإحدى الكمائن على نفس طريق السفر وبنفس التوقيت الذي تواجدت به نسم…********
عند نسم باتت الأيام كئيبة بطيئة… وكأن الوقت أصبح لا يَمر…أفتقدته… علمت أخيراً أن ذلك "الغريب المُتعجرف" هو يامن…، هو من انقذها.. هو من يبعث لها يومياً مشروبها على مذاقها الخاص المُفضّل..
روتين يومها لم يتغيّر به شيئاً.. تذهب للمشفى تُنهي عملها..تعود إلى منزلها مُتحاشية الجدال مع ريهام..ولكن ما يُهوّن على قلبها قليلاً..؛ ذلك الكارت الذي دائما يكتب به بضع كلمات… يحثها دوماَ أن تبقى بخير ويُنهيها بكلمته المعتادة "رائعتي"...
فوجئت بذلك يوم..طرقات عدّة تصدح على باب منزلهملتتفاجأ بالعديد من الجنود يترأسهم شخصاَ ما يُردف قائلاً:
معانا امر بالقبض عليكي يامدام "ريهام" بإذن من النيابة..
فتطلق تلك الصرخات قائلة:
لآ انا مش هروح معاكم في اي مكان غير لما اعرف تُهمتي ايه!! أنا معملتش حاجة…
فيُردف ذلك الشخص:
اتفضلي معانا لما تروحي هتعرفي…**********
بقسم الشرطة…… عندما تم مواجهة كلاَ من حمدي وريهام… بعد أن أدلى مسعود بأقواله.. حينما أشار بأصابع الاتهام إلى حمدي..لـ تتضح الحقيقة كاملة…
"هي اللي اتفقت معايا على كل ده عشان اخد ورثها..، ايوة هي قالتلي بعد ماجوزها مات وابنه مات كدة الورث هيتقسم على اتنين بس وعشمتني اما تاخد الورث بعد موت" نسم" هانتهني بيه انا وهيا.."
أردف بها حمدي أمام التحقيقات…لتصرخ به ريهام قائلة :
ده كداب محدّش يصدقه هو اللي كان عاوز يتجوزها وياخد نصيبها من الورث وتتنازله عنه..
ليقاطعها حمدي بتلك الكلمات:
طيب انا لو كدبت في دي قوليلهم بقى انك كُنتي السبب في موت" عمّار" اخو" نسم"...،وقولتيلي انك كنتي السبب في موته وفي حادثة العربية اللي حصلتلهم عشان تاخدي نصيبه هو كمان.. بس للظروف ابنه هو اللي عاش وخطّتي تخلصي منهم هما الاتنين "نسم وعمر" مرّة واحدة…
وما إن أنهى كلماته.. اجهشت "ريهام" بالبكاء..واعترفت بكل ما اقترفته من جُرم بحق هذه العائلة من اول عملها بالمشفى ومعرفتها بظروف دكتور "مصطفى نيازي"والتودد إليه طمعاً بالزواج منه وأخذ كل مايمتلكه شرعاً وقانوناَ إلى النيه بالخلاص منهم جميعاََ بطرق غير مشروعة بما فيهم "حمدي"……
تم بالأخير إستدعاء نسم و الإدلاء بإفادتها..وقعت تلك الصدمة به يامن عند متابعته لمجريات الأمور وعند علمه باستدعاء النيابة لها … نسم قلبه.. ذهب مسرعاًإليها وقام بمقابلتها.. وأخبرها بكل شئ وأنها عليها التماسك… للأخذ بثأر أخيها من تلك المرأة فاقدة الآدمية….
أردف لها بأسف:
بعد ماتقولِ كل اللي تعرفيه ويقفلوا المحضر… تقدري ساعتها تروّحي وتنهاري زي ماانتي عايزة لكن قبل كدة لا..لازم تبقى قوية عشان حق اخوكِ. و"عمر" ابنه…
قام بإيصالها إلى القسم وبعد أخذ أقوالها… ساعدها بالوصول إلى سيارته…
أردف لها يامن بحزن جارف على حالها:
أنا عارف انك مش مستوعبة الصدمة… بس عشان خاطري خليكي قويّة…
استجمع قواه قائلاً:
نسم انا هفضل جمبك ومش هسيبك…. انا بحبّك..
لم يسمع منها إجابة سوي تلك الشهقات التي تتبعها بآخري..فشدّ على مقبض سيارته بألم على حالتها تلك… مُديرا مكابح سيارته عائداََ إلى منزلها لإيصالها. …
بعد مرور اسبوعين من عُزلتها الكاملة… ورفضها الذهاب للعمل.. ومكوثها بالمنزل… كل يوم يأتي يامن إليها ترفض مُقابلته…شعرت بمدى وحدتها تكابلت عليها الصدمات… آخر ماتوقعته أن يكون أخيها توفي أثر حادث مُدبّر..(أن تنكشف لك الحقيقة المؤلمة خيرٌ لك ان تبقى واهماً بتلك الأكاذيب مُصدقاَ إيّاها…)لعل كل أمورنا خير من الله..
أصرّ اليوم على مقابلتها.. فعزم على الصعود إليها…فأبلغتهم بموافقتها رؤيته…
هبطت الدرج بتثاقل واضح عليها في لمحته الأولى بها رآها شحبت وفقدت الكثير من وزنها.. وكأنها شاردة بشئٍ آخر..
أردف لها يامن بثباتٍ وحزم عازماً ان تسترجع نشاطها.. ضحكتها العذبة وضوء روحها الساطع الذي ايقظه من ظُلماته لـ يدرك ان للحياة لحظاتٍ لم تُعاش بعد ورسالة لم يؤديها وقلبٍ سيُنعّم بدفء الأمان عمّا قريب..
_"هتفضلي كده لغاية إمتى"؟!
الصمت المُعتاد…ارتفع صوته غضباَ قائلاً:
يا نسم.. الحياة مبتُقفش على حد… انتي مكنتيش بتحبيها ومع ذلك اتصدمتي انها تعمل كدة…لكن احمدي ربنا انه عوضك بعمر وهو الوحيد اللي نجا من الحادث ده…، احمدي ربنا إنه بعتلي إشارات انا مكنتش فاهمها لكن ربنا نوّر بصيرتي و جيت في الوقت المناسب وكنت سبب في إنقاذك..شوفي انتي بتعملي خير في حياتك كتير ازاي وهو اتردلك دلوقتي…، ارجعي لحياتك عشان المرضى اللي محتاجينك وعمر وعشاني…
أنهى عبارته قائلاَ :
قدامك كام يوم تستجمعِ فيهم نفسك عشان خلاص مش هسيبك اكتر من كدة وتضيعي منّي.. بعدها هتلاقيني جاي بالمأذون
عند نطقه لتلك الكلمة رمقته بدهشه يتخللها العصبية..ليؤكد عبارته بعدها قائلاً:
ايوة المأذون متستغربيش بس ده اللي هيحصل وهتشوفي وانتي عارفة اني اما ابقى عاوز حاجة تحصل بتحصل ازاي…
لـ يتركها تتخبط بمشاعرها مغادراََ المكان بأكمله…
بعدها عدّة ايام أُخريات…أحسّت بتلك الحركة الغريبة بالفيلا..هرولت مسرعة إلى أسفل لتتفاجأ بعدة أشخاص بمنزلها يهيئونه لامرٍ ما… ارتابت قليلاَ بداخلها.إلى ان صعدت فتاه إليها مُحمّله بأدوات تجميل خاصّة بالنساء قائلة:
استاذ "يامن" موصّيني على حضرتك..
ثم سحبتها من يديهاوكل ذلك وهي بإندهاش لم تنبث ببنت شفة…إلى أن فُتح باب غرفتها ركض إليها عمر قائلاً:
ايه رأيك في بدلتي دي يامن جابهالي وساعدني اني البسها وهو كمان قالي انه زمانه جاي وقالي اقولك متتأخريش…
تفاجأت هي بتلك الحفلة البسيطة التي جهزّها هو لها.. و ذلك فستان الزفاف الأنيق.. و صديقتها نهى.. ووالديه. والقليل من زملائها بالعمل...
ليُردف لها بسعادة :
قولتلك اني مش هسيبك تضيعي مني بعد مالقيتك… انتي نصيب فرحتي من الدنيا دي.. حقي اللي مش هسيبه ابداَ.
لتردف له برقّة وحيرة قائلة :
بس يعني… انت متأكد انا أصلاً رافضة عشان السن وكدبك عليا وكل حاجة…
قاطعها هو بنبرة حاسمة:
بصي لحد هنا وانا سكتلك كتير بقى سن ايه وكدب ايه… بصي المأذون تحت متهزريش.. يلاّ
لتتشبث بخطوتها رافضة التحرك معه مقررة مشاكسته أخيراَ:
وانت مفكرتش قبل ماتعمل كل ده اني أرفض مثلاً..!!
ليُردف لها بقلة صبر :
_ لأ مفكرتش… انا صارف عليكي مشروب لبن بالشيكولاته لو حوّشتهم كنت اشتريت لي بيهم عربية… والله اطالبك بيهم واعملك فضيحة هنا…
لتنفلت تلك الضحكة منها قائلة :
لأ خلاص وعلى ايه قلبك ابيض يلاّ بينا
أردف هو بمشاكسة ايضاً:
أيوة كدة ناس مبتجيش غير بالعين الحمرة.
أتبعها بإبتسامة عشق جارف نال منه سنين مُردفاً:
يلاّ يا نسم حياتي...رائعتي...