تحميل رواية «نصف الجمال» PDF
بقلم ولاء عمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
سارة، قومي يلا ورانا خبيز. فركت عيني وأنا بحاول أفوق ورديت عليها: حاضر يا أمي، هصلي الفجر وأجي. على طول متعوقيش. حاضر. صليت وطلعت وراها عند الفرن. بنت بسيطة عايشة في قرية أبسط، مع أمها الست الكبيرة وأبوها الراجل العجوز. بنت كان عندها أحلام كثيرة، منهم اللي اندفن ومنهم اللي اتنسى مع مرور الوقت. مرت أخوكي باينها مهتعديش الموضوع. يا أمي خلاص عاد، سيبك منها، هنقعد على طول بنتخانق كدا؟ يا بنتي مينفعش أسكت، سكتت كثير زمان، بس دلوقتي لو سكتت هيجوا عليكي وعلى حقك. مشاكل مبتخلص بين أمي ومرات إخواتي، الطر...
رواية نصف الجمال الفصل الأول 1 - بقلم ولاء عمر
سارة، قومي يلا ورانا خبيز.
فركت عيني وأنا بحاول أفوق ورديت عليها:
حاضر يا أمي، هصلي الفجر وأجي.
على طول متعوقيش.
حاضر.
صليت وطلعت وراها عند الفرن. بنت بسيطة عايشة في قرية أبسط، مع أمها الست الكبيرة وأبوها الراجل العجوز. بنت كان عندها أحلام كثيرة، منهم اللي اندفن ومنهم اللي اتنسى مع مرور الوقت.
مرت أخوكي باينها مهتعديش الموضوع.
يا أمي خلاص عاد، سيبك منها، هنقعد على طول بنتخانق كدا؟
يا بنتي مينفعش أسكت، سكتت كثير زمان، بس دلوقتي لو سكتت هيجوا عليكي وعلى حقك.
مشاكل مبتخلص بين أمي ومرات إخواتي، الطرف الفايز كان دائمًا هما طول ما أبوي مش شايف اللي حاصل، ودا لأن أمي تبقى مرات أبوهم اللي اتجوزتهم. وأنا عيال إخواتي في منهم أكبر مني ومتجوزين. بس هما مابيحبونيش!
اتربيت بعيد عنهم لأنهم كانوا بينفروا مني، يعني ما فيش حد في حياتي غير أمي وأبوي وواحد من عيال إخواتي سنه قريب مني.
بنت ملامحها بسيطة، سمراء، متوسطة الطول، شعرها أسود، اتعرضت كثير للتنمر على شكلها وعلى لون بشرتها.
اتنهدت بيني وبين نفسي وبقول من جوايا "البنت دي أنا".
المنبوذة، المكروهة، اللي كله بيتجنبها، اللي بقت انطوائية ومقفولة، يومها عبارة عن إنها بتصحى من النوم تصلي وتساعد أمها وتفطر أبوها وبس.
يا نوح بالله عليك كفاية كدا وتعالى نروح للدكتور، حابب وضعك كدا؟!
بصيت ليها وأنا خلاص جبت آخري من زنهم:
أمي، معلش الله لا يسيئك سيبيني في حالي.
يا ولدي يعني هعيش الباقي من عمري اتحسر عليك وعلى أخوك؟
مش بإيدي والله، والله ما بإيدي، أنا مش قادر أعمل حاجة وهو بعيد عني؛ يا أمي إزاي أروح مكان من غيره؟ دا أنا ما كنتش بخطي خطوة غير معاه!
يا ولدي الموت علينا حق.
صعب عليا والله، والله صعب.
انهارت ودموعي خانتني للمرة الخمستلاف وأنا بعيط في حضنها:
ما قادرش والله، دا مات بين إيديا، دا أنا كنت ماشي معاه، ما كانش تعبان والله، كان كويس، كان بيضحك ويهزر معايا، فجأة كدا يسيبني؟!
طبطبت عليا وصوتها كان مهزوز وهي بتتكلم باين فيه العياط، قالت:
الموت علينا حق، اللهم لا اعتراض، بقى لك سنتين ونصف على دا الحال، سنتين ونصف موقف حياتك، رافض تقعد مع حد ولا حتى تتعالج.
مش عايز أكمل أصلًا وهو مش معايا.
وهتفضل موقف حياتك كدا؟ لا علاج راضي تتعالج، ولا حتى تقعد مع حد! حتى شغلك اللي كان روحك فيه!
من غيره؟
لو كل واحد هيموت له عزيز هيوقف حياته كان زمان الناس كلها حياتها واقفة، ما كانش حد حاول ولا كانت الدنيا ماشية، يا ولدي إحنا عمرنا ما بنتخطى ولا ننسى. إحنا بنتعايش، صعب على الأم تفارق ضناها، دي بتبقى زي كسرة الظهر، وكمان الأب، بيبقى لازم الاثنين يكملوا، كان صعب عليا بس فوقت علشانكم، تقوم تقع أنت؟! كدا يا نوح؟!
يلا يا أبوي، هراجع معاك السور اللي حفظتهم.
ضحك وبانت التجاعيد اللي على وشه:
ربنا يبارك في عمرك يا سارة ويعوضك يا بنتي عن تعبك معانا وعن اللي شوفتيه.
حضنته وأنا بابوس رأسه وبقوله:
ربنا يديمك ليا ويبارك فيك يارب يا حبيبي.
سبحان من له الدوام يا سارة يا بنيتي، تعالي بس أسمع لك عشان بعدها هفاتحك في موضوع.
سمعت فعلًا الجزئية اللي المفروض كنت أسمعها، وقعدت كعادتي أسأله في تفسير الآيات اللي بتوقف قدامي.
مالك عاد؟ هو أنا مش لسة من كام يوم مفسر لك الآيات دي؟
بس ما قولتليش سبب نزولها زيّ كل مرة!
حاضر يا سارة هانم.
قعد يوضح لي ودا لأنه ما شاء الله عنده علم واسع بتفسير الآيات، أبوي لما كانت صحته مساعداه كان بيروح في الجامع ويشرح وناس كثير كانت بتستناه، لكن من كام سنة وهو زاد تعبه.
اللي واخد عقلك يتهنى، سرحتي مني في إيه؟
لأ أبدًا، كنت بفكر إن مين كان هيساعدني في حفظ القرآن ومعرفته لو ما كنتش بتك؟
آه يا بكاشة.
ضحكت أنا وهو وبعدها بص ليا وقال بهدوء:
بصي يا بنيتي يعني سبحان من له الدوام، وأنا عارف إني مش دايم لك، وعمر اللي راح ما هيكون قد اللي جاي، فأنا عايز أتطمن عليكي.
الكلام ما طمنيش، أنا خفت أكثر فقلت بخوف:
مالك يا أبوي؟ أنت تعبان طيب؟!!
طبطب على إيدي وهو بيقول:
غصب عني بس أنا مش حمل إني أشوف إخواتك بيذلوكي من بعدي ولا إني أشوف واحد منهم دايس لك على طرف وأنا عارف وواعي وفاهم لدماغ كل واحد فيهم.
عينيا بتدمع لوحدها وبترتعش من كلامه، أنا ليا مين غيره هو وأمي بعد ربنا؟ يعني حتى لو عزيز أخوي ومراته وعياله بيحبوني، فهو واحد وسط أربعة بيكرهوني، هو الطيب اللي بينهم، يعني طبيعي أخاف. أنا ما شوفتش منهم حلو وأنا صغيرة وكانوا بيكرهوني.
مش عشان شكلي بس، لأ؛ كان علشان أبوي بيحبني وبيدلعني إكمني أصغرهم وجيت على كبر، بنت أبوها في السبعين وأمها في الخمسين من عمرها.
أنا وافقت على جوازك من نوح واد خالك.
رددت الاسم وراه بصدمة:
نوح؟!!
أيوه نوح يا سارة.
بس ليه؟ وإشمعنا هو؟! ما أنا كل ما بيتقدم لي عريس بترفضه!
نصيبك أوافق على دا.
ليه يا أبوي؟ ليه أوافق على واحد قعيد؟
ساعديه يفوق يا سارة، خليكي سبب في إنه يجاهد نفسه ويتعالج.
ليه؟! ليه يا أبوي؟
لسة قاعد زي ما أنت؟
معلش يا أبوي ما أنا ما بمشيش.
طلعت بنبرة تريقة، رد عليا:
بس مش دا اللي كنت أقصده يا نوح بيه، خد الورق دا اطمن على حسابات البضاعة وراجعها.
خدت منه الورق وحطيته على الترابيزة جنبي، شد هو كرسي وقعد جنبي، بدون أي مقدمات دخل في الكلام على طول:
لسة برضه ما عايز تتعالج؟
صدقني ما قادرش.
يا ولدي والله ما ينفع كدا، سنتين وأنت على دا الحال.
رديت بيأس واستسلام للأمر الواقع:
عادي ما بقتش فارقة.
لأ، دي فارقة ونصف كمان؛ كأنك عايز تفضل مستسلم ومسلم للأمر الواقع، وأنا ما أقبلش بحاجة زي كده.
يا أبوي.
بلا يا أبوي بلا زفت، هتتعالج يعني هتتعالج، وأنا شوفت مركز علشان تروح تأخذ جلسات العلاج الطبيعي بتاعك.
رديت برفض قاطع:
لأ.
زعق بصوت عالي:
هتروح يعني هتروح، مانيش حمل خسارتك أنت كمان.
هدى شوية وسكت وأنا كمان سكت، أنا مش عايز أتعالج، جوايا إحساس بالخيانة وإني إزاي هكمل حياتي عادي وهو مش موجود، دا كان خلي!
رجع اتكلم تاني:
وخطوبتك على بنت عمتك هتكون الأسبوع الجاي.
خرجت عن شعوري:
هاه، وإيه كمان يا أبوي؟!! أنتم فجأة قررتم؟ وأنا مش موافق.
لأ، هتوافق يعني هتوافق يا نوح، أنا أعطيت لجوز عمتك كلمة، عايز توقعها؟
ليه؟ ليه بجد تدبسوها في واحد عاجز ما بيمشيش؟ ليه أظلم واحدة معايا ما لهاش أي ذنب؟
مش هتفوق غير لما تحس إن في حد مسؤول منك، لو سيبتك كدا يبقى الله يعوض علينا فيك.
رد قاطع طلع منه:
وأنا عطيت لجوز عمتك قرار، إيه هنرجع فيه؟
حاولت أهدى بكل الطرق؛ فرديت عليه وأنا بنهي الكلام:
منا لوقتها يحلها ربنا يا أبوي.
أنا طالع أنا، تصبح على خير.
وأنت من أهل الخير.
طلع وسابني، سابني مع دماغي وأفكاري اللي أنا لسة بخاف منها، ما بقتش حمل إني أرجع ليها تاني، دا أنا كنت ما صدقت دماغي هديت.
شديت الكرسي بتاعي ناحية المكتب بتاعي ومسكت البرواز اللي فيه صورة بتجمعنا، اتنهدت وأنا جوايا حزن كبير وبدأت أتكلم:
بس أنا لسة مش مستوعب ولا مصدق إنك سبتني، إزاي بجد؟! لحد دلوقتي أنا مستنيك تطل عليا بهزارك وضحكتك، لسة مستنيك ترجع تقعد معايا ونسهر مع بعض من تاني. دا إحنا توأم، من يوم ما اتولدنا وأنا إيدي في إيدك، مسنود عليك وأنت مسنود عليا، أسيبك وأغفل عنك دقايق أرجع ألاقيهم بيعزوني فيك؟ طب إزاي؟! إزاي وأنا لسة سايبك! إزاي وأنت ما كنتش تعبان، إزاي سبتني؟! صحتي خانتني من يومها ورجليا ما شالتنيش. من يومها وأنا حياتي واقفة، لا أنا بقيت أنا ولا الحياة رجعت بألوانها من تاني. لسة مستنيك ترجع.
نبرة صوتي بقت أضعف وكل الذكريات ملازماني، من وإحنا صغيرين لحد ما فارقني، ما زالت كل ذكرى في دماغي بتتعاد وكأنها لسة من دقائق.
سندت نفسي ومسكت في رافعة فوق السرير بإيديا وقعدت على السرير.
مش عايز أظلم بنت عمتي كمان معايا، أنا واحد حياتي واقفة؛ ليه تتدبس فيا؟ ليه أشيل حد همي.
يا أمي أنا مش موافقة.
في إيه عاد؛ هو إيه يعيبه؟
قال يعني ما عرفاش يا أمي؟!
لو قدرتي تكوني سبب وتأخدي بيده تقدري تكسبيه عمرك كله، نوح دا أنا اللي مربياه هو وأخوه الله يرحمه، جدع وشهم وقلبه مليان حنية تساع الكل، هو بس من ساعة ما فارقه نادر وهو ما اتحملش ومن الصدمة جاله شلل، سمعت مرات خالك قالت إن اسمه شلل هيستيري.
رديت بعدم فهم وغرابة للاسم، أنا مش أول مرة أسمعه، بس أنا فعلًا مش فاهمة يعني إيه:
يعني إيه؟
الدكتور ساعتها قالهم إنه جاله من الصدمة، وقال إن في ناس كثير من قوة الصدمة اللي بيتعرضوا لها بيحصلهم كدا وأكثر.
رواية نصف الجمال الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء عمر
الدكتور ساعتها قالهم إنه جاله من الصدمة.
وقال إن في ناس كتير من قوة الصدمة اللي بيتعرضوا لها بيحصلهم كدا وأكتر.
نوح، صديق الطفولة، اللي كان دمه خفيف وميروحش مكان إلا ويسيب أثر طيب في نفوس أهل أي مكان يروحه.
اللي من لما خسر نادر وكأنه إنطفأ، قفل على نفسه كل البيبان وإنعزل.
لسة فاكرة يومها لما إنهار بعد ما سمع الخبر وعقله رفض يصدق، ساعتها فقد قدرته على إنه يمشي.
- سرحتي في إيه؟
فوقت على صوت فرديت عليها:
-كنتي بتقولي حاجة يا أمي؟
-كنت بقول إن تبقي تشوفي وتقرري هتلبسي إيه لبكرا؟
-عادي أي حاجة.
-هروح أطلع لك العباية الإستقبال الجديدة.
راحت وطلعتها فعلاً، حطتها على الكرسي وطلعت.
وأنا وقفت عند الشباك وبصيت كعاتي على الزرع وشكل السما بالليل.
سراج ابن أخويا هو اللي كنت بقدر أشاركه اللي جوايا.
من ساعة ما سافر جيشه وأنا حاسة إني لوحدي ومفيش حد أشاركه يومي، أو أشاركه خوفي ويتقاسمه معايا.
قفلت الشباك بعد وقت كبير وكتير من التفكير اللي سرقني ونمت.
"ممكن تكوني سبب في رجوع نوح؟"
"هو الخير ليكي."
"إنتوا مكتوبين لبعض."
"هو الخير ليكي."
"ساعديه."
"خدي بيده."
صحيت من نومي وأنا الذكر مش مفارق لساني.
كان آذان الفجر بيأذن، صوت الأذان من ناحية ومن ناحية تاني الجمل اللي كانت بتتردد في دماغي اللي سمعتها في الحلم بصوت بعيد بتتردد.
قومت إتوضيت وكان أبوي إتوضى.
سندته وعطيته عكازه وطلع يصلي في الجامع.
دخلت أصلي أنا كمان ودماغي مشوشة.
خلصت صلاة وقرأت الورد بتاعي وعملت فطار وقعدنا نفطر كلنا.
بصيت لأبوي اللي كل مادا تعبه بيزيد عليه، وهو يزيد من هنا وأنا قلبي يتقطع من هنا.
وعلى أمي، كنت بوزع نظراتي وساكتة.
ــــــــــــــــــــــ
-لسالك قاعد في مكانك يا نوح؟
-هروح فين يعني يا وائل؟!
هز كتفي وهو بيقولي:
-تعالى نطلع بس نشم شوية هوا ونتكلم مع بعض زي زمان.
-مليش نفس.
-ما أنا مبعزمش عليك تأكل، أنا واخدك نقعد كدا في الخلاء.
-يعني وسط الزرع بعيد عن الناس.
-ونقعد بقى نتكلم كتير قوي.
-عرفت من أبوك إنك معايزش تتعالج، ورافض فكرة جوازك من بت عمتك.
-يا راجل وإيه كمان؟
-نوح ما تستعبطش!
-وائل متزودش.
-يا ابني بقى، عاجبك حالك بالله عليك يا أخي؟
كنت حاسس بنبرته اللي فيها حسرة، بس عمرها ما هتكون قد حسرتي على نفسي.
كان بيزقني بالكرسي ومكملين، ماشيين.
عمر حسرته ما هتكون قد حسرتي ووجعتي على نفسي، محدش بيتوجع لحد على طول، صاحب الوقعة هو اللي بتفضل معلمة فيه ووجعاه.
-وائل عايز أدخل، ممتحملش أقعد برا أكتر من كدا.
-طيب أنا لسة ما اتكلمتش معاك في موضوع العروسة.
-قلت مرايحش حتة.
-هتروح يا نوح ورجلك فوق رقبتك.
-مهروحش.
في آخر النهار.
-يا عم هات الجلابية البيج.
-حاضر.
كان مفكر إنه هيقنعني قال؟! وأقنعني فعلاً يا جماعة.
-بقولك إيه إظبط كد وإثبت، عايز أظبط لك دقنك.
-إلزم حدودك يا وائل، أنا رايح علشان زهقت من زنك، وبعدين يعني هو ده الفرح يعني؟!
في آخر النهار.
-يا عم هات الجلابية البيج.
-حاضر.
كان مفكر إنه هيقنعني قال؟! وأقنعني فعلاً يا جماعة.
المسافة بين البيوت مش بعيدة، عشر دقايق، بس عدوا عليا وكإنها عشر ساعات، ما بين نظرات الناس ليا وسخافاتهم اللي مفكرينها خفة دم، وبين نظرات كتيرة بترسم الشفقة وتانية فيها فرح!
وصلنا ودخلنا المندرة، ساعتها جوز عمتي طلب يتكلم معايا على إنفراد.
حَمِل بعزمه على العكاز بإيديه و ورفع رأسه ليا وقال بصوت هادي:
-نوح يا ولدي، ملييش غيرك بعد ربنا أعتمد عليه يأخد باله من سارة فس في غيابي غيرك.
رديت عليه بعدم فهم:
-أنا؟! إزاي وأنا عاجز؟ وليه تظلم بتك ياعم سعيد أصلاً وتدبسها في واحد عاجز بجد؟
-ما أقدرش أطمن عليها غير معاك، خد بالك منها عشان خاطري، متردليش طلبي يولدي.
-وليه انا؟! صدقني هي تستاهل حد أحسن مني.
-خبر إيه عاد؟! ما إنت بإذن واحد أحد هترجع تنصب طولك وتقف على رجليك من تاني، وتتعالج.
شايفين إزاي إني هقدر أبدأ وأحارب وأنا كل اللي جوايا مانعني من إني أتحرك سنتي، أو حتى أبطل أخاف، أقلق، أضحك أو حتى احس بطعم الحياة من تاني، بس وكإنها بلا لون أو ريحة.
كمل كلامه:
-وشك بيقول إنك يائس من رحمة ربنا.
-مش عارف، بس أنا مش قادر أكمل في حياتي ولا عايز.
-بتبان لك متقفلة ومش محلولة، بس هي عند ربنا محلولة من زمان، إعشم في ربنا يا ولدي، وخد بالأسباب وحاول مش عشان حد كد ما هو عشانك، إسند نفسك يا ولدي وتوكل على الله.
-أنا تايه.
-إرجع لربك من تاني يا نوح، خد بالأسباب وإتعالج كمان.
-وليه يهمك أمري؟
-عشان أنا مربيك على إيدي، نوح اللي كان حافظ لكتاب ربنا، ومحافظ على صلواته كلها في الجامع، الشاب اللي كان بيتضرب بيه المثل في كل حلو، يرضيك بعد كل دا أشوفك كدا؟
خلص كلامه وملحقتش أرد عليه علشان هو كان نادى عليهم يدخلوا.
وهي كمان كانت داخلة معاهم، صديقة الطفولة ورفيقتي ساعتها في حفظ القرآن.
-نسيب العرسان مع بعض.
قالها عمي سعيد بعد وقت قليل متمجعين فيه.
-عاملة إيه؟
-الحمد لله.
-متغيرتيش يا سارة، لسة زي ما أنتِ.
لسة زيّ ما هي هادية، عينها في الأرض، ابتسامتها بسيطة، ضحكتها هادية، لمحة سمارها اللي محلياها.
فوقت لنفسي من خيالاتي وهي بتقول:
-بس إنت اتغيرت يا نوح.
وكإن بقى في ثقل على قلبي، أنا وهي والكل مدركين سبب تغيّري، وسبب اللي أنا فيه وإكتئابي، وقلقي وشعور الفقدان اللي محفور جوايا، بس أنا ساكت وما متكلمش.
تجاهلت جملتها وأنا بسألها:
-موافقة عليا يا سارة؟
هزت رأسها دلت على موافقتها.
كملت:
-أتمنى ميجييش وقت وتحسي تجاهي بالتقل.
قولت كلامي وأنا معارفش أقول إيه، أو بقول إيه! مشتت وضايع من كل النواحي، مش عارف أنا كويس ولا لاء، أو لو صارحت نفسي فأنا فعلاً مش كويس.
دخلوا كلهم وأنا الحقيقة بالرغم من كل المشاعر المختلطة اللي جوايا إلا إني مرتاح، في جزء مني طلع معاها ولو بسيط.
روحت وأنا مشتت، عمي سعيد دا في مقام ابويا، هو اللي طلعت على إيده، لسة فاكر أول لما أنا ونادر تمينا حفظ جزء عم وفرحته بينا، فاكر كل خطوة خطاها معانا.
بس أنا مش عايز اظلمها معايا.
ـ نوح، بكرا الجلسات بتاعتك هتبدأ.
-لسة مُصِر برضوا يا أبوي؟
-وجايب كمان هناء أختك تقنعك.
-خبر إيه عاد؟! ما إنت لسة كنت جايب وائل جوزها!
هلاقيها منك، ولا من عمي سعيد؛ ولا من وائل؛ ولا من أمي؟ لاء وكمان جايب لي هناء؟
ردت عليا هناء:
-ومالها هناء بقى يا نوح بيه؟
-مالهاش، هاتي معاكي أختك شادية بالمرة!
-لاء، إحنا مش هنتقل عليك ونجيب ناس كتير.
-إنتوا عارفين إني مبحبش الزن.
-ما أنت هتوافق ترجع لحياتك من تاني وشغلك ودنيتك.
طيب ليه محدش فاهم إن حياتي حياته، وشغلي شغله، ودنيتي هو كان مكملها!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من بعد الحلم وأنا فضولي قاتلني إني أبحث عن المرض وأعرف أكتر.
كنت قولت إني مبعملش في يومي حاجات كتير؛ بس مقولتش إني فضولية وبحب أبحث.
يمكن في المرات اللي فاتت سمعت فيها عن المرض ما إهتمتش، لكن من بعد الحلم وأنا عايزة أبحث وأعرف.
قاعدة بفتكر أحداث اليوم من أول ما جه لحد ما مشي، بداية من أبوي اللي مقاليش هو طلب يقعد معاه لوحده ليه، وإني قعدت معاه، كـ عادته بطمن بوجوده من صغري كيف ما كانت حالته، مازال الجلابية والشال بيدوه هيبة فوق هيبته، بس لمعة الحزن اللي في عينه ثابته من يومها.
مش هعدي إني أمي وأبوي عمالين يزنوا عليا، هروح أصلي استخارة وبعدها ابدأ أبحث.
خلصت وبالفعل بدأت و عرفت إن الشلل الهستيري هو حالة نادرة بتحصل لما شخص يتعرض لضغط نفسي شديد أو صدمة قوية، زي مثلاً لما يفقد حد غالي عليه.
الجسم بيفضل سليم من الناحية الجسدية، يعني الأعصاب والعضلات بتشتغل بشكل طبيعي، لكن العقل بيترجم الصدمة لحالة جسدية زي الشلل أو فقدان الإحساس في جزء معين من الجسم.
بمعنى أوضح، الشخص اللي عنده شلل هستيري ممكن يحس فجأة إنه مش قادر يحرك رجله أو إيده، رغم إنه طبيًا مفيش أي سبب يفسر الشلل ده.
العقل بيكون متأثر جدًا بالمشاعر السلبية، وبيحاول يهرب من الألم النفسي عن طريق التسبب في أعراض جسدية.
اللي بيحصل إن العقل بيوصل لمرححة مش قادر فيها يتعامل مع الحزن أو التوتر، فبيحصل نوع من "الإغلاق" الجسدي.
الحالة دي بتكون غير إرادية تمامًا، يعني الشخص مش بيعمل كده عن قصد، لكنها مرتبطة بالمشاعر المكبوتة.
العلاج غالبًا بيكون عن طريق العلاج النفسي، علشان الشخص يبدأ يفهم سبب الأعراض دي، ويتعامل مع الصدمة بطريقة صحية.
ومع الوقت والدعم، الأعراض دي ممكن تتحسن تدريجيًا.
خلصت البحث عن المرض وأنا بفتكر إن فعلاً هما لفوا على دكاترة كتير ومكانش عنده أي سبب عضوي، حتى العلاج مأثرش ولا جاب نتيجة، لحد ما راحوا لدكتور دلهم على دكتور نفسي وساعتها الدكتور قالهم بعد فحوصات وتحاليل إن سبب المرض نفسي مش عضوي، لكن نوح رفض وقعد يقول هو أنا مجنون، ساعتها رفض يتعالج وقفل على نفسه ألف باب وباب.
نمت وأنا مقررة وناوية إني أعرف عن الموضوع أكتر وأعرفي إزاي بيتم العلاج.
أنا أيوا البنت اللي مكملتش بعد الدبلوم بس بحب أبحث وأعرف حاجات كتيرة.
"كوني سبب في علاجه."
"هو محتاج حد يوعيه."
تاني؟! للمرة التانية أصحى على نفس الصوت اللي جاي من بعيد في الحلم، كمان مش حاسة إن قلبي مقبوض.
كان الفجر خلاص، فتحت الشباب ووقفت قدامه وأنا افكاري عمالة تروح وتيجي.
خلصت روتيني اليومي وقعدت، ومن ساعة ما الحاجة شافتني وهي قاعدة تعد لي في مميزات نوح، وأخلاقه، وتربيته، وكله على بعضه.
يا أخي الأمهات دول عليهم حاجات، يعني عشان ولد أخوها تبينه ولا كإنه شاروخان!
-يعني هتوافقي ولا ما هتواففقيش؟
قعدِت شوية ساكتة وبعدين قالت:
-العمر بيجري يا سارة، إحنا مش هنعيش لك العمر كله علشان كل أما يجيلك عريس ترفضيه وتمسكي فينا زي العيل الصغير.
-ربنا يديمكم العمر كله.
-ويبقى فيكي يا حبيبتي بس وافقي.
فنون ردها بتعجبني، بتبهرني، وبتصدمني.
وافقت بعد زنهم، وأنا وافقت من هنا وكل حاجة كانت جهزت في خلال عشر أيام، النهاردة كتب كتابنا، أيوا أيوا كتب الكتاب، كل حاجة بتجري بسرعة أنا مش مستوعباها.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
ما بين الزغاريد اللي كانت طالعة كنت شايفة نظرات مراتات أخواتي وأخواتي بشماته.
-يعني حتى حلاية مش حلوة.
ضحكة صفرة بعد الجملة، اللي طلعت أصلاً من بنت أخويا اللي هي أكبر مني.
كملت بعدها واحدة مراتات أخواتي:
-يا بنتي هي أصلاً بصي يعني شكلها؟ كنتي مستنياها تطلع حلوة لمين؟
مقدرتش أسكت علشان زودوها وقولت بعصبية:
-كل واحدة منكم تحط لسانها جوا بوقها، واللي هتتكلم كلمة كمان تتفضل الباب يفوت جمل.
قالت واحدة منهم بغِل:
-قال يعني واخدة واحد سليم؟! دا مشلول.
قربت منها وإتكلمت جنب ودنها بنبرة خبيثة:
-بتلومي على واحد مرضه مش بإيه؟! واحد سيرته طيبة وسط الناس وبيتضرب بيه المثل في الأدب والأخلاق؟! كيف نسيتي تبُصي على ولدك اللي السيجارة مبتطلعش من بوقه، اللي مبيحترمكيش؛ اللي دايمًا بيهزقك وكاسفك وسط الكل، ولدك اللي صحابه اللي كَدُه فاتحين بيوت وهو لحد دلوقتي بيأخد منك المصروف، مابلاش أعلي صوتي وأكسفك أنا!
طبطبت عليا طبطبة هي فاهمة معناها ومشيت من جنبها بإبتسامة.
كلامهم يوجع آه، بس أنا مش هسكت، اللي تفكر تدوس لي طرف أدوس عليها.
رواية نصف الجمال الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء عمر
قال يعني واخدة واحد سليم؟! دا مشلول.
قربت منها وإتكلمت جنب ودنها بنبرة خبيثة:
- بتلومي على واحد مرضه مش بإيه؟! واحد سيرته طيبة وسط الناس وبيتضرب بيه المثل في الأدب والأخلاق؟! كيف نسيتي تبُصي على ولدك اللي السيجارة مبتطلعش من بوقه، اللي مبيحترمكيش؛ اللي دايمًا بيهزقك وكاسفك وسط الكل، ولدك اللي صحابه اللي كَدُه فاتحين بيوت وهو لحد دلوقتي بيأخد منك المصروف، مابلاش أعلي صوتي وأكسفك أنا!
طبطبت عليها طبطبة هي فاهمة معناها ومشيت من جنبها بإبتسامة.
كلامهم يوجع آه، بس أنا مش هسكت، اللي تفكر تدوس لي على طرف أدوس عليها.
زهقت من فكرة إن اسكت، أصل إنتوا مش محترميني وعايزين تقلوا مني، ومستنييني أسكت؟
بس أنا معدتش العيلة اللي هتسكت، طالما أبويا هيقف في صفي علشان أنا مش غلط.
- تعالي إدخلي لجوزك.
جوزك، كلمة مكونة من أربعة حروف لسة عقلي بيستوعب معناها، إفتكرت الأحلام وكلام أبوي اللي خلوني أوافق أو بالأحرى لو بعد ما صليت استخارة مكنتش ارتاحت أكيد مكنتش هوافق.
دخلت المندرة اللي مكانش فيها غيره، قعدت على الكنبة اللي في وشه بتوتر.
إتكلم وهو في نبرة أسى في صوته:
- إحنا هنسافر على بكرا بعد الفجر.
هزيت رأسي بتمام فكمل:
- وهبدأ الجلسات من بعد بكرا.
سألته بإستفهام:
- هو مش المفروض إن أنت بدأت الجلسات من كام يوم إزاي هتسافر؟
- محبتش أخد الجلسات هنا، حابب أسافر.
- اللي تشوفه.
- يعني مش معترضة؟
- طيب وليه مسألتنيش السؤال دا من أول ما عرفت إننا هنقعد هناك؟
- لأني مكنتش مقرر أسافر، لكن دلوقتي حابب.
- تمام عادي.
قولتها بلا مبالاة.
***
عايز أقولها إني مش حابب فكرة إني رابطها معايا، بس حابب فكرة وجودها، مش عايز حد جنبي؛ بس عايزها.
إتكلمنا وخلصنا وروحت مع وائل وأبويا وأنا هادي، مش مسلم للأمر قد ما أنا معنديش طاقة أحاول.
"خدت جلستين، بس الصراحة مفيش حاجة اتغيرت. كنت حاسس إني مش قادر أواجه الناس اللي حواليا، وكان كل شيء بيزيدني إحباط أكتر.
كل ما كنت بروح الجلسات، كنت بشوف نفس الوجوه، نفس النظرات، وكأنهم بيحسوا بشفقه عليّ.
الأماكن كلها كانت مملة بالنسبة لي، وكل مكان في بلدي كان بيذكرني بحالتي، باللي أنا فيه. حسيت إني محاصر، مش قادر أتنفس، وكل خطوة بحاول أعملها كانت بتخليني أكتر مكبّل.
فقررت إني أهرب... قررت أسافر للقاهرة. يمكن هناك أقدر أبدأ من جديد، بعيد عن الناس اللي تعرفني، بعيد عن نظرات الشفقة دي. يمكن في القاهرة هقدر أكون نفسي، أو على الأقل أبدأ أتعامل مع اللي أنا فيه بعيد عن الأماكن والوجوه اللي دايمًا بتفكرني بكل حاجة سلبية.
مفيش حاجة واضحة في دماغي دلوقتي، بس يمكن دي تكون فرصتي للهرب، للبحث عن فرصة جديدة لبدء حياة تانية."
- ألف مبروك يا عريس.
- الله يبارك فيك يا وائل.
- مالك بتقولها من غير نِفس كدا؟
- المرة الجاية هبقى اتنطط.
- دمك خفيف قوي بجد.
- دمك يلطش يا وائل.
- تخيل إنك هتضطر تتحملني بقى طول فترة الطريق بكرا!
- يارب صبرني.
ما أنكرش إني بحب هزاره، لكن أنا مشتت.
- أنا داخل أنام تصبح على خير.
سيبته ودخلت ولقيت أمي قاعدة مستنياني في أوضتي.
كانت قاعدة على طرف السرير وماسكة الصورة اللي بتجمعني أنا ونادر اللي أنا محتفظ بيها، كان باصة ليها والدموع بتلمع في عنيها، بس أنا جف بكايا مبقتش قادر، لو عيني معيطيتش فأنا قلبي بينزف.
رفعت عينها عن البرواز لما حست بوجودي، قامت وحضنتني وهي بتعيط.
- ألف مبروك يا نن عيني.
طبطبت عليها وأنا برد بصوت بيقاوم علشان يطلع بس وكأن في شوك في زوري:
- الله يبارك فيكي يا حبيبتي، ويخليكي.
كنت واخد بالي إنها بتحاول تتوه من الموضوع الأساسي بس معدي.
صليت وقعدت عند كيس البوكس بتاعي وبدأت اضربه.
وأنا بضرب كيس البوكس، كانت كل ضربة بتطلع جزء من الألم اللي جوايا. فكرت في كل حاجة في حياتي... حزني على نادر، وفقداني ليه، لسه مأثر فيا بشكل مش قادر أتحمله. كنت بحاول أخرج كل ده في الضربات دي، بس لسه مش قادر أهرب من الوجع.
وفكرت في سارة، هي بقت على اسمي بسبب وصية أبوها. ما كانش فيه غضب جوايا، بس كان فيه خوف. خوف من إنّي مش هقدر أكون الشخص اللي هي تستحقه. هأعيش معاها ولا هفضل مش قادر أواجه نفسي؟ ده كان سؤالي اللي مش قادر ألقى ليه جواب.
وفي الآخر، قررت أسافر القاهرة وأبدأ من جديد بعيد عن كل حاجة. في البلد كانت حياتي واقفة، وكل شيء حواليا كان بيفكرني بحالتي. يمكن لو بدأت من جديد في القاهرة، أقدر أغير حياتي وأواجه نفسي.
نمت وصحيت لما حسيت بأمي وهي بترص الشنطة بتاعتي اللي المفروض هسافر بيها.
- ساعة ووائل واد عمك هيّجي يأخدك، وبعدها هتطلعوا على السفر على طول.
- إن شاء الله.
***
أرق طول الليل ملاحقني ومسايبنيش، مش عارفه أنام ومقضية الليل بتقلب على السرير من الجنب دا للجنب دا.
صحيت جهزت الشنطة وأنا قاعدة بعيط علشان هسافر وأبعد عن امي وأبوي، الموضوع صعب، إزاي يعني أسيبهم.
خلصت تجهيزها وأمي كانت دخلت، جريت عليها وقعدت اعيط.
- بس أنا إتعودت على إني أصحى أصبح عليكم ونفضل قاعدين مع بعض.
- هي الحياة كدا يا بتي، يلا ربنا يهدي سرك ويسعدك أنتِ وجوزك.
دخل أبوي وهو بيقول:
- خبر إيه عاد؟ هنقضيها بُكىٰ؟! تعالي يا سارة يا قلب أبوي اعملي الفطار لينا قبل ما جوزك يعدي علينا.
دخلت أجهز الفطار وانا بحاول أتمالك نفسي.
فطرنا وخلصنا وكانوا هما جم، سلمت على أمي وأبوي وأنا عمالة أعيط.
وآه محدش من اخواتي جه يسلم عليا غير أخويا عزيز ومراته وابنهم قبل ما امشي.
قعدت أوصي مرات اخويا على أمي، وأخويا على أبويا وبعدها ركبت العربية جنب نوح من روا، و وائل ابن خالي التاني هو اللي كان سايق العربية، وهو بيبقى لنوح ابن عمه وجوز أخته.
قاعدة بفكر في المستقبل اللي معرفاش شكله ولا ملامحه بس مسلمة أموري لله، وبعد ساعات السفر الطويلة المتعبة وصلنا لشقتنا، أو لحظة إيه كلمة شقتنا دي؟! يا الله الإنسان مشتت وحاسس إنه ضايع.
شقة في دور أرضي في عمارة قيّمة ومكان متوسط، وائل وصلنا ودخل الشنط ومرضيش يستنى ومشي على طول.
اتنهد هو وقال:
- السفر متعب، أنا آخر مرة سافرت كانت من سنتين ونص ساعة....
وقف لوهلة بيستوعب اللي بيقوله، ساعتها أنا فهمت هو كان يقصد إيه، آخر مرة كان مسافر فيها كانت قبل وفاة نادر بيوم.
- ءأنا داخل الأوضة.
- مش هتأكل؟
- شكراً.
دخل وسابني قاعدة مع نفسي، اتعصبت من ردة فعله لكن رجعت هديت نفسي وأنا بفتكر إني المفروض أعذره، واقدره، وافتكرت إن لما أحسن الظن هأهدأ ومش هتعصب أنا كمان وهرتاح على الأقل شوية.
لما أحسن الظن في الناس، هرتاح نفسيًا لأن مش هقعد أشك أو أقلق طول الوقت. هقدر أعمل علاقات كويسة مع اللي حواليا وهبني ثقة بيني وبينهم. ده هيخليني أتجنب مشاكل كتير وسوء الفهم اللي بيحصل لما أحكم على حد بسرعة. كمان هبقى أهدى في تفكيري وهعرف أتصرف بعقلانية. والناس هتحترمني أكتر لأنهم هيشوفوا إني بتعامل بنية طيبة وبدّيهم فرصة.
ويارب أقدر أقعد على القدر دا من الإحسان بالظن، علشان هو لو إستمر في طريقته دي أنا هطلع له الشخصية التانية اللي بتظهر مع الناس التانية.
روحت عن الشنطة بتاعتي وطلعت غيار ودخلت أخد دوش، مع كل نقطة مية بتنزل على دماغي في أفكار بتروحي وتيجي في دماغي من كل النواحي، معاها أسئلة متعبة.
أنا ليه وافقت؟
بتاع إيه أربط نفسي؟
نسبة نجاح العلاقة دي كام؟!
أصلاً هو ولا طايق حد ولا عايز حد جنبه، بتاع إيه أنا أدخل حياته أصلا؟!
وليه إرتحت بعد صلاة الاستخارة ؟؟
وأنا إزاي هعرف أساعده؟
كلها كانت وكأنها بتنهش في عقلي، مش حاسة غير بصداع شديد من كتر التعب والتوهان اللي أنا فيهم.
دخلت نمت في أوضة تاني، من كتر ما أنا مخنوقة قعدت أعيط، ونمت من كتر العياط.
***
مشلول
عاجز
مبيتحركش إلا بمساعدة حد
مبيعرفش يعمل حاجة لنفسه
عالة على أهله
الله يرحم زمانه
يشيل مسئوليتها إزاي وهو معارفش يأخد باله حتى من نفسه
دا محتاج حد يسنده في كل خطوة
نظرات شفقة، شماته، كسرة في عينيا
كلام كتير مش راضي يسيب دماغي، أنا مش قادر أتحرك، عامل زي اللي محبوس.
قعدت لساعات طويلة نفس الكلام في دماغي لحد ما سمعت صوت خبط على الباب، عرفت إن هي فسمحت لها تدخل.
كانت ماسكة الصينية في إيدها وقربت وهي بتقول:
- صباح الخير، بما إنها بداية يوم جديد فإتفضل إفطر علشان جلستك هتكون بعد العصر إن شاء الله، وائل قالي، لأنه رن عليك كتير ومرديتش.
- صباح النور، معلش ما سمعتش التليفون.
- ولا يهمك، اتفضل إفطر.
بصيت ليها بأسف:
- أنا آسف.
- على إيه؟
- على طريقتي امبارح معاكي.
- ولا يهمك أنا قدرت موقفك.
- شكراً.
- العفو بس يلا علشان الفطار.
حطت الصينية على الترابيزة وقعدنا نفطر بهدوء لحد ما أنا اللي بدأت بالكلام:
- أنا مش هروح الجلسة النهاردة، ولا عايز أروح وأتعالج أصلاً.
- ليه؟
- كدا مش عايز أتعالج، ولا أرجع أواجه العالم من تاني.
- عارف، أنا مقدرة إنك بتمر بوقت صعب، وإن الموضوع فعلاً مش سهل بس إنت لازم تتعالج، أنا فاهمة ومقدرة مشاعرك، بس نفسك ليها عليك حق.
مش مستغرب إني قادر أتكلم وأفصح عن مشاعري قدام سارة، يمكن علشان هي كانت صديقة طفولتي اللي دايما فهماني ومش بتحكم عليا من برا زي الباقي من وإحنا صغيرين وهي كانت الحد الأكثر حكمة اللي بروح أتكلم معاه.
بس أنا مشتت.
فكرت لوهلة وبعدها قالت:
- تيجي أحكي لك قصة زي ما كنا بنعمل زمان، القصة دي إنت عارفها، بس أنا هحكيها المرة دي ومتقاطعنيش زي زمان، ماشي؟
- ماشي.
قعدت وبدأت تتكلم:
- "يا نوح، عارف لما النبي ﷺ كان قرب يموت؟ كانت أيام صعبة جداً على الصحابة، لأنهم كانوا متعلقين بيه بشكل مش طبيعي. النبي كان مريض جداً في آخر أيامه، والمرض بدأ يشتد عليه، لدرجة إنه ماكانش قادر يصلي بالمسلمين زي ما كان متعود. في يوم، قبل ما يموت بثلاثة أيام، طلب من الصحابة إن أبو بكر الصديق هو اللي يصلي بالناس بداله. تخيل إن الصحابة وقتها بدأوا يحسوا إن الموضوع جد، لكن برضه مكنوش عارفين يتخيلوا إنه فعلاً هيموت.
وفي يوم الاثنين، 12 ربيع الأول، وهو في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها، كان النبي تعبان قوي، لكنه حاول يطّمن الصحابة. رفع الستار وبص عليهم وهم بيصلوا في المسجد وابتسم. الصحابة فرحوا قوي، وفكروا إنه بيتحسن. لكن بعدها بشوية، رجع التعب أقوى. النبي حط رأسه على صدر السيدة عائشة، وفي آخر لحظاته كان بيقول: "بل الرفيق الأعلى"، يعني اختار إنه يروح لله بدل ما يعيش أكتر في الدنيا. وفعلاً، قبضت روحه وهو في حضنها.
لما الخبر انتشر بين الصحابة، كانت صدمة كبيرة. عمر بن الخطاب مكانش مصدق أبداً، كان رافض يتقبل إن النبي مات. كان بيقول: "النبي ما ماتش، هييجي تاني زي ما موسى رجع". كان مصدوم جداً. لكن أبو بكر الصديق، اللي كان أقرب واحد للنبي، دخل عليه، بصله بحب ووداع، وقال: "يا رسول الله، طبت حيّاً وميتاً". خرج بعد كده للناس وقالهم: "يا أيها الناس، من كان يعبد محمدًا، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت". وقرأ عليهم الآية اللي بتقول: ""وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ".
الكلمات دي رجّعت الصحابة للواقع. ورغم الألم الكبير اللي كانوا حاسين بيه، عرفوا إن الرسالة بتاعت النبي مكملة، وإن الله هو الباقي. أبو بكر كان سبب إنهم قدروا يتماسكوا ويبدأوا يقبلوا الفكرة، ويكملوا حياتهم وهم متوحدين.
زي ما الصحابة تخطوا أكبر صدمة في حياتهم، رغم إنهم فقدوا أغلى إنسان عندهم، همّا قدروا يقفوا من جديد. الموت كان نهاية حياة النبي ﷺ في الدنيا، لكن كانت بداية مسؤولية جديدة عليهم. أنا عارفة إنك بتعاني، وإنك حاسس إن مفيش أمل، بس زي ما الصحابة تقبلوا الفقد ده وأكملوا حياتهم، أنت كمان ممكن تبدأ تقبل اللي حصل وتلاقي طريقك للعلاج والشفا".
واقع الكلام على مسامعي بيتردد، أنا فاهم بس، مش عارف بجد.
- عارفه يا نوح إنك مش متقبل فكرة عدم وجوده، بس مينفعش توقف حياتك، بص عندي فكرة، تعالى روح للدكتور وإبدأ خطوة بخطوة عادي، وشوف هتعمل إيه بعدها.
- شكراً يا سارة.
- هستأذن أنا اسيبك مع نفسك شوية.
خدت الصينية وطلعت وأنا قاعد بفتكر قصة وفاة الرسول، إنكار الصحابة لموته، كان لازم زيّ ما الصحابة كملوا مسيرة الرسول اللي تعب علشان يوصل الرسالة وهما كان لازم يكملوا، يمكن أنا غلط في تشبيهي بس هو المفروض أنا أكمل شغل أبويا اللي تعب فيه، المفروض أرجع أكمل زي ما كنت بعمل أنا ونادر.
اتنهدت وقررت إنه خلاص هعمل كدا بس مازلت مذبذب.
***
طلعت من الأوضة و أنا مبسوطة إني أنجزت وقدرت أقنعه.
دخلت البلكونة وقفت فيها وأنا بفتكر كلام مرات خالي لما جات لي بعد ما وافقت.
طلبت من أمي إنها تقعد معايا، كانت بتتكلم معايا بضعف.
- سارة، من زمان وأنا مبشوفكيش غير بتي، أنا عارفة إنك وافقتي عشان زن أمك عليكي، بس أنا عارفة إن الموضوع معقد وتقيل بس عشان خاطري أتحملي، صعبان عليا أشوف نوح عاجز، ويائس، معايزش يقعد مع حد ولا يشوف حد.
اتشتت ساعتها وسألتها:
- طيب وأنا هأخد إيه يا مرت خالي؟
- هشيلك في عيني العمر كله، وجميل لك دا هيفضل في رقبتي لحد ما أموت، بس أشوفه رجع يعيش من تاني بدال ما هو عايش ومش عايش.
خنقة مسكتني ودموعي نزلت على دموعها، قهرتها صعبة، خسرت واحد وفي طريقها إنها تخسر التاني لو فعلاً ما اتحركوش.
مشيت وأبوي دخل، قعد على الكنبة، قربت منه وأنا بعيط، أنا مشتته ومش عارفه أعمل حاجة.
- خلاص عاد يا سارة.
- طيب أنا أوافق ليه؟ أنا مش عارفة أوافق ولا أرفض، بس مهاينش عليا اكسر بخاطرها، ولا هاين عليا أرد حد جه لبابي وطلب مني مساعدة.
- هوني على نفسك يا سارة، وطالما صليتي وارتاحتي يبقى إن شاء الله خير.
فوقت على صوته وهو بينادي عليا، طلعت وهو كان بيحرك الكرسي ناحية الشنطة، بص ليا وبعدها طلب مني أطلع من غيار ليه، طلعته فعلاً ودخل.
بحاول أستوعب هو إزاي هيعرف يساعد نفسه، اتكسفت أسأله وبعد مدة كان جهز نفسه ووائل جه ومستنيه.
***
إنسان بيحاول بكل الطرق يساعد ويساند نفسه حتى لو بيواجه صعوبة، بس أنا صعب عليا اطلب من حد يساعدني، علشان كدا طلبت إن المكان يكون مجهز بحاجات هتساعدني حتى لو الموضوع صعب.
رواية نصف الجمال الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء عمر
إنسان بيحاول بكل الطرق يساعد ويساند نفسه حتى لو بيواجه صعوبة، بس أنا صعب عليا أطلب من حد يساعدني، علشان كدا طلبت إن المكان يكون مجهز بحاجات هتساعدني حتى لو الموضوع صعب.
طلعت لوائل وساعدني أطلع وأركب العربية علشان نروح للدكتور.
- عارف لو بعرف أزغرط كنت عملتها.
- يا ابني قولت لك بطل خفة دمك بس عشان متطيرش.
- شوف مين بيتكلم؟
- أنا ساكت، عايز أروح وأخلص وأرجع.
- على فكرة الدكتور كويس وهترتاح له صدقني.
- مش عارف يا وائل، أنا أصلاً مش عارف هكمل في العلاج ولا لأ.
- ياعم متيأسش كدا، كله هيعدي، سيبها على الله بس.
- توكلنا على الله.
إنسان في طريقه للمحاولة، تايه معارفش يكمل فيه ولا يرجع من وهو على أعتابه، عايز يحاول بس معندوش طاقة، صوت بيقول إرجع إزاي هتكمل من بعده، ويرد عليه صوت تاني يقول:
- وهنقضي العمر كله راجعين؟ وهنقضي اللي باقي مستنيين اللي يساعدنا؟ هنقضي عمرنا مبنشوفش غير نظرات شفقة؟
وصلنا العيادة ودخلت للدكتور، يمكن في منتصف الأربعينات، ملامحه مرسوم عليها الراحة، ودي حاجة مشوفتهاش في الدكتور اللي فات.
قام قرب مني وسلم عليا عرفني بنفسه وإتكلم معايا بعدها قال بود:
- "أنا هنا علشان أساعدك بالطريقة اللي تناسبك. إحنا فريق، وأنت ليك كامل الحرية في التعبير عن نفسك."
طريقته لينة، كويسة، مطولتش في الجلسة وهو وضح إن علشان دي أول جلسة وهي كتهيئة، كنت طالع يمكن مزاجي أحسن شوية.
بعد ما روحت قعدت أفكر، تفكيري مشوش.
- احم، أنا جهزت الأكل.
- مش قادر.
- شايف روحك خاسس إزاي؟
- عايز أخس أكتر هتفرق؟
- بكلمك بجد والله إيه اللي هيحصل لو طريقتك بقت ودودة ورديت بطريقة كويسة؟ يعني أقولك هتأكل تقعد تأكل.
- إيه طريقة الأوامر دي؟
- مرت خالي موصياني، إيه يا واد خالي؟ أخلِف بوصيتها؟
- لاء طبعاً أومال.
حطت الأكل وجنبه العلاج، بشكل لا إرادي بتخليني أرتاح لها وأتكلم معاها وأطلع جزء من نوح القديم، يمكن علشان كانت ونعم صديقة الطفولة اللي بجد.
بعد أسبوع كان معاد الجلسة التانية، بحاول أتغلب على الجزء المحبط اللي جوايا، ولو إن الموضوع صعب، بس أنا صعبان عليا قعدتي كدا وإني عاجز.
- طيب يا نوح، كنت عايز أرجع للموضوع اللي اتكلمنا فيه المرة اللي فاتت. إنت قلت إنك مش حاسس بأي إحساس في رجليك، صح؟
- آه، من يوم الحادثة وأنا مش قادر أتحرك خالص.
- وإنت شايف إن ده بسبب إيه؟
رديت بتوهان:
- مش عارف... يمكن لأني خلاص ما بقيتش عايز أعيش زي الأول.
- فاهم إنك حاسس بوجع كبير، وده طبيعي بعد اللي حصل. بس، خليني أسألك سؤال: هل فيه لحظات بتحس فيها إنك ممكن تتحسن؟ أو حتى مجرد تفكير في ده؟
- بصراحة، مش عارف، يعني شوية بفكر في كدا، وشوية تاني بـ أتشتت، يعني إزاي هتحسن أصلا؟
- طيب، لو افترضنا إن فيه احتمال، مجرد احتمال بسيط، إنك تقدر تتحسن... إيه الحاجة اللي نفسك تعملها لو قدرت تمشي تاني؟
سكتت لحظة وأنا بفكر وبعدها قولت:
- إني أشوف نادر وأتكلم معاه.
الدكتور:
ــ عارف إن علاقتكم كانت قوية جدًا، وأكيد وجوده كان حاجة كبيرة في حياتك.
- أكتر من كده، هو كان نصي التاني... لما مشي، حسيت إني خلاص ما عنديش سبب أعيش عشانه.
- طبيعي تحس بالشكل ده، بس خليني أقولك حاجة: توأمك أكيد كان هيحب يشوفك عايش حياتك ومكمل، علشانه كمان، مش بس لنفسك.
- يمكن... بس الموضوع مش سهل.
- أكيد مش سهل، وأنا مش هنا علشان أقولك إنه بسيط. لكن إحنا هنا مع بعض علشان نحاول نلاقي طريق تاني، طريق ممكن يرجعك لحياتك. إيه رأيك لو نبدأ بخطوة صغيرة جدًا في الجلسة الجاية؟ حاجة تخليك تحس إنك بتتحرك في اتجاه مختلف؟
نوح:
ــ ممكن أفكر... بس مش بوعدك بحاجة.
الدكتور:
ــ ده كفاية جدًا في الوقت ده، إنك تفكر بس. وأنا هنا معاك، خطوة خطوة.
في خلال الأيام اللي مكانش نوح بينزل فيها الجلسات اللي بين الجلسة والتانية كنت أنا بعمل له تدليك لرجله علشان الدكتور طلب كدا.
- حفظت الآيات؟
- انتِ ليه بتتعاملي كإن أنا الصغير؟
- أنا؟
- آه.
- أبدًا.
- أنا عن نفسي هستغل كدا.
- إزاي بقى؟
- عايز أكل فراخ متبلة.
- يا أخي بقى! أنا فكرت حاجة خطيرة.
طبيعة نوح طيبة، حلوة، الحزن كان متاويها ومداريها، تذبذبه اللي كان بيتغلب عليه بإصراره، محاولاته، حتى رجوعه لانه يحفظ القرآن من تاني.
- نوح؟
- عينه.
إتوترت من الرد اللي كان عبارة عن كلمة واحدة بس، أحم يعني مش عارفة.
- هو يعني، يعني.
- إيه؟
- أنا عايزة روايات.
- أوه، ليه عايزة روايات؟
- الناس بتعوز روايات ليه؟
- علشان تقرأها.
- بص، عايزة حوالي ست كتب وأربع روايات.
- من عيني.
رديت بإبتسامة متوترة وقلبي بينبض بسرعة:
- تسلم عينيك.
بعد أسبوعين، وفي أثناء ما احنا داخلين علشان جلسة العلاج الطبيعي.
مسك إيدي وتَبِت فيها وقال:
- النهاردة أول جلسة في جلسات العلاج الطبيعي، بداية تانية للرحلة، وعد مني لما ربنا يكرمني إن شاء الله وأتعالج هيكون لك هدية كبيرة قوي.
ابتسامتي وسعت والفضول قتلني:
- قولي.
- لما ييجي وقتها.
- يارب تتحسن بسرعة علشان أعرف الهدية.
- أخس يا بت عمتي، عايزاني اتحسن بس عشان الهدية؟ مكنش العشم.
دخلنا علشان الجلسة، كان بادىء بحاجات بسيطة لكنه كان متفاعل مع العلاج ودي حاجة لصالحه طبعاً.
روتيننا عبارة عن إننا ننكش بعض، والجلسات سواء طبيعية أو نفسية، على شوية بيثبتني بكلامه، بقى في تحسن ملحوظ في أدائه الحركي.
عدا شهر.
- حاسس إني شِبه حاسس برجلي.
- إن شاء الله تقدر تخف بسرعة.
فتح دراعاته ليا، قربت بتوتر، مسك فيا، أو إيه دا لحظة حضني، ما لى أحس وكإن في كهرباء لمستني لوهلة واختفت.
عارفين إحساس الفراشات اللي بتبقى بتطير حوالين الواحد بشكل لا إرادي؟
- تفتكري هقدر أكمل؟ تفتكري هقدر أمشي؟ أو حتى هقدر أواجه نفسي؟
طبطبت عليه وأنا بجاوبه:
ــ طبعاً هتقدر، علشان إنت بالفعل بدأت في الرحلة، بدأت تواجه نفسك، بتحاول تتغلب على مشاعر اليأس اللي جواك، وبتحاول بقدر كبير إنك تتخطى حتى ولو بصعوبة، بس إنت بتحاول، حتى لو جه عليك وقت وحسيت إنك مهزوم، إفتكر إنك مشيت في الطريق وكمل وأنت متوكل على الله، وبعدين الرحلة مش فردية يعني.
حسيت إنه شِبه إطمئن من كلامي.
العلاقة بيني أنا ونوح وإحنا صغيرين ولحد بعدها بكام سنة كانت علاقة أصحاب متفهمين لبعض بالرغم من سننا الصغير، وقعدتنا مع بعض دلوقتي خلتنا شِبه بنعيد ونفتكر ذكريات طفولتنا المضحكة. وكمان خلتني أعجب بيه... يمكن في بداية الأمر كان آه في رهبة، لكن حالياً ولا أجدعنا أصحاب، أو مثلاً يعني حبايب.
- لاء، حاسس إني مش قادر ولا عايز أكمل العلاج.
جملة طلعت مني بيأس؛ فردت هي عليا:
- هتكمل يا نوح، مش كل ما تحس بإحباط ولو بسيط تقرر إنك هتوقف حياتك.
شهرين وكام أسبوع غيروا فيا جزء كبير، خلوني من إنسان مستسلم لإنسان بيحاول، إنسان بيحب صديقة طفولته اللمضة.
- ســـارة، تعالي الحاجة أمي عايزة تكلمك تسلم عليكي.
كنت بكلمهم فيديو كول وهي كلمتهم معايا.
جو مليان راحة، وكإنه مهيأ إني أكون أحسن.
في جلسة العلاج النفسي:
- هاه يا نوح، مستعد خلاص تحس إنك أقوى وقادر تواجه مخاوفك وزعلك؟
- تفتكر يا دكتور مش هـ أحس بالخيانة لما أعيش حياتي وتمشي وهو مش موجود؟
- عايزك تفكر فيه بطريقة مختلفة شوية... توأمك، أكيد كان يحب يشوفك عايش حياة تستحقها. إحساسك بالذنب مفهوم، بس هل هو كان هيبقى سعيد لو شافك بتلوم نفسك بدل ما تعيش؟
هزيت رأسي بـ لاء فكمل:
- ما حدش فينا يقدر يتحكم في كل حاجة، نوح. أوقات بنحس بالعجز، وده طبيعي. المهم مش إنك تحاول تغير اللي حصل، لأنك ما تقدرش، لكن إنك تسأل نفسك: "إزاي أعيش حياتي بطريقة تشرفه وتشرف الذكريات اللي كانت بينا؟"
استغل ذكراه كقوة تدفعك للأمام، مش كسجن يحبس روحك.
كنت مغمض عيني وبحاول أحبس دموعي وأقاوم إحساس الخيانة وأحس بسلام نفسي ولو بقدر بسيط.
فكمل الدكتور تاني بعدما كان ساكت لوهلة:
- كمان بص للجانب الحلو في حياتك، يعني إنت زي ما قولت إن إنت مكنتش حابب تربط سارة معاك، لكن دلوقتي حاببها وحابب وجودها، وهي كمان داعم ليك، يعني في حالات كتيرة لما الأهل بيأخدوا خطوة زي اللي إتأخدت معاك وإن الجواز هو الحل، ساعتها بيحصل نكوص للحالة وتسوأ أكتر، على عكس حالتك ودا لأن وجودها كان إيجابي ومزهر في حياتك، ضيف عليها كمان دعم عيلتك، كل دا يستحق إنك تقاوم علشانه.
وقوع الكلام على مسامعي كفيل إنه يخلي دماغي تقعد وقت كبير توزن في الكلام.
بعد أربع شهور، نوح تالت، إنسان متفائل، أحسن أفضل بفضل الله وكرمه، وأخيراً، تخطى وإتعالج وقدر يمشي.
خبطت على باب البيت وأنا واقف على رجليا بعد ما ربنا كرمني وقدرت أقف على رجلي ودي كانت آخر جلسة علاج طبيعي واللي كنت رايح فيها وأنا ماشي بعكاز.
كنت ماسك بين إيديا بوكيه ورد كبير لونه أحمر بلدي مغلف بورق إسود.
فتحت الباب ليا وهي مش منتبهة، بعدها وقفت لوهلة بتحاول تستوعب.
حطت إيدها على بوقها من الصدمة وقالت بطريقة مصدومة تضحك:
- نوح، إلحق، إنت واقف على رجليك!
وقفت لحظة تستوعب اللي قالته وتستوعب الموقف، ميلت ساعتها وأنا بمد لها البوكيه بإيد والايد التانية حاططها من ورا:
- حبيت أهاديكي بورد يا وأقول لك إنك الحلو اللي حلى لي مرارة أيامي.
عينها دمعت وقربت مني، مسكت فيا وهي حضناني وبتعيط وبـ تقول:
- الحمد لله، مبسوطة إنك قدرت توقف على رجلك من تاني.
بعدتها وأنا بمسح دموعها وبضحك:
- أيوا يعني بتعيطي ليه طيب؟
- علشان فرحانة لأجلك.
- ليه لما بتفرحوا بتعيطوا؟ ولما تزعلوا برضوا بتعيطوا؟
خبطتني على كتفي وقالت:
- إنت بارد والله، أنا غلطانة يعني إني فرحانة لك؟
مديت البوكيه:
- لاء طبعاً يا سمو الأميرة، أنتِ بس نسيتي تشوفي البوكيه اللي جبته علشانك!
إبتسمت بخجل وخدته فعلاً.
- بمناسبة المناسبة السعيدة دي أنا مقرر إننا هنتعشى برا، وأخليكي تشوفي القاهرة ولو لليلة قبل ما نرجع البلد.
- إحلف؟
- والله العظيم.
ضحكت على صدمتها، بعدها دخلت بحماس طفلة صغيرة تغير.
مسحت بإيدي على وشي وأنا بفتكر مكالمة أمي ليا بعد الجلسة وهي بتقولي إن عم سعيد تعبه زاد، وإن هما مخبيين على سارة علشان هتتعب.
قررت فعلاً إن بعد ما نرجع من برا أعرفها.
دخلت جري وإختارت فستان بحبه وطرحة تليق مع معاه، معاها سلسلة رقيقة وخاتم شبهها.
يمكن أنا مش البنت اللي كملت تعليمها واللي هو مقياس ناس كتيرة لفكرة تنسيق اللبس، أو الثقافة، أو المعرفة، أو حاجات كتيرة، حتى لباقة الشخص وطريقته في الكلام، بس أنا فعلاً مش ضد الفكرة، أنا متصالحة مع فكرة الفروق الفردية اللي قرأت كتير عنها، وهي إننا كلنا مفيناش حد شبه التاني.
- إيه يا سارة هتباتي عندك؟
- بلف الطرحة على فكرة.
- هعد لعشرة، ولو مخلصتيش....
- لاء لاء هخلص.
طلعت له، ماشية جنبه، ماشي جنبي، إيدي في إيده، كنت سمعت إنه عناق الأيدي كفيل يخلي القلب دافئ برضوا، إبتسامة ظاهرة على محياي.
ـ أول حاجة حابة تروحي فين؟
فكرت وبعدها قولت:
- المُعز.
- يلا يا بينا.
- بجد؟
- هو أنا ليه حاسس إن عندك بطء استيعاب النهاردة؟
- بتتريق عليا يا نوح؟!!
رد وهو بيضحك:
- ما أنتِ اللي طريقتك تضحك وأنا مالي!
- طب أنا مقموصة، يلا سلام عليكم، أنا ليا غير شقتي؟
- والله؟
- بجد.
شده وهو بطلعني من الشقة وبيقفل الباب بالمفتاح ورايا.
- إكبري بقى وبطلي عِند يا سارة هانم.
- يعني قصدك إني عيلة؟
- أقسم بالله ما هسيبك تنكدي، يلا على تحت أنا قولت لوائل يسب لي العربية علشان هتكون أريح، يلا.
بيموت فيا، بيموت فيا، أحم أنا بحب استفزه طيب، أعمل إيه يعني؟!
ـ هو أنت فاكر كنت بتسوق إزاي طيب؟! أنا خايفة.
قال بشبه عصبية:
- يارب صبرني، اديني الصبر من عندك.
- ما أهو أنا خايفة عليك.
- متخافيش يا أختي؟
- أختك؟!!!
- يارب الصبر.
- حساني مستفزة شوية؟
- لاء طبعاً يا حبيبتي مين يقدر يقول كدا؟!!
- خلاص والله كنت بهزر.
كملنا في طريقنا وأنا قاعدة أنكش فيه وأستفزه، وقلبي طاير من الفرحة بشوفته كويس، أو بوجوده.
وصلنا، كنا بعد العصر، الجو حلو، المكان جميل أوي، خصوصاً إن أنا حد بيحب الأماكن التاريخية، ما بالكم بالمعز اللي كان نفسي اروحه أصلا؟
- تعالي اقترح اقتراح.
- قول.
- هنروح بيت الكريتلية الأول، البيت شبه البيوت اللي في المعز، تعالي بجد.
روحت معاه ودخلنا البيت اللي كان بمثابة متحف، وأنا بدخل بيت الكريتلية، حسيت كأن الزمن رجع بيا لورا، كأني عايشة في حكاية من حكايات القاهرة القديمة. البيت مبهج من أول خطوة، المشربيات الخشبية بتدخل نور الشمس بطريقة ساحرة، والسقف مليان نقوش إسلامية دقيقة، تحس إن كل زاوية فيه بتحكي قصة.
بصيت حواليا لقيت الساحة الداخلية بمثابة لوحة فنية، مع الحوش الصغير والأشجار اللي بتدي إحساس بالهدوء. عرفت إن البيت اتسمى كده علشان واحدة من جزيرة كريت كانت ساكنة فيه زمان، بس بعد كده جه جاير أندرسون، الراجل البريطاني ده، وقرر يرممه ويجمع فيه تحف نادرة من كل حتة.
الغرف الداخلية مبهرة، فيها أثاث قديم وديكورات بتحسسك بالفخامة والبساطة في نفس الوقت. وأنا ماشية فيه، كنت متخيلة الناس اللي كانت عايشة هنا، حياتهم، لبسهم، وأصواتهم وهي بتتنقل بين الغرف. بيت الكريتلية مش مجرد مكان تزوره، ده تجربة بتعيشك جمال وتاريخ القاهرة اللي مش ممكن تنساه.
- نوح، المكان تحفة بجد؛ ليه الإنسان ميقدرش يرجع بالزمن ويعيش الأيام بتاعتهم دي؟
- المكان فعلاً جميل، يلا بينا على المعز زيّ ما اتفقنا، أهو مخلفتش بوعدي.
- ماشي يا سيدي.
دخلنا المعز، ودا من الإماكن اللي قرأت عن تاريخها كتير.
حاسس إن جمال المعز بالليل وشوارعه، حتى إضاءة المكان مريحة، لو تشبه شيء مريح في حياتي، فهو وجودها.
وقفت هي عند الاكسسوارات النحاسية والفضية، ساعتها وقفت اختار بهدوء من غير ما تأخد بالها سلسلة فضة فيها شكل كوكب ومحيطة بيه الحلقة شبه كوكب زحل.
- إتفضلي.
- الله يا نوح، شكلها عسول.
- الحمد لله إنها عجبتك يلا.
مسكت إيدها وكملنا تجول في الشارع، مش أول مرة أجي المعز؛ لكن أول مرة أحس إن أنا مستأنس وأنا فيه، أول مرة أحس إن كل خطوة فيه مختلفة عن كل مرة مشيت فيها.
الشعور بوجود حد قريب منك يشبه سكينة الليل بعد يوم طويل، حضور بسيط لكنه مليان طمأنينة. كأن وجوده بيمنحك مساحة للراحة، بدون كلام كتير أو تصنع. تحس إنك مستقر، وكأن الدنيا حواليك أهدى، وإن حتى لو كل حاجة مش واضحة، وجوده بيخلي الأمور أخف. هو شعور إنك مش لوحدك، وإن فيه طاقة هادئة بتدفي المكان بمجرد وجوده.
لقيت بنت كانت معاها كاميرا، وقفتها علشان نتصور أنا و سارة، ساعتها سارة وقفت واتوترت وقالت برفض:
- لاء أنا مش عايزة أتصور.
- ليه طيب؟
- كدا علشان مش بحب التصوير.
- دي حاجة هتبقى ذكرى.
قالت بتوتر وعنين بتلمع بالدموع:
- كدا، أنا مبحبش شكلي في الصور.
رواية نصف الجمال الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء عمر
دي حاجة هتبقى ذكرى.
قالت بتوتر وعينين بتلمع بالدموع:
- كدا، أنا مبحبش شكلي في الصور.
- بس أنا بحبه.
ينفع أقوله إن فعلاً مبحبش شكلي؟ ولا سماري ولا حتى ملامحي.
ما اعتقدش إن ليا صور على تليفوني أصلاً من كتر ما أنا مبحبش شكلي.
مسك خدودي وهو بيقول بضحكة:
- قال مبحبش أتصور قال! البعيدة مشافتش لون عينيها العسلي اللي بتلمع، ولا شافت ملامحها اللي تدخل القلب وراشقة في قلبي زي السهم.
ابتسمت بخجل على كلامه، فكمل:
- بكلمك بجد، متعرفيش إن الكينج قال آه يا اسمراني اللون، حبيبي يا أسمراني كان قصده عليكي؟!
بصيت ليه بضحك وأنا عارفة إنه بيهزر، فقال:
- أيوا كدا فكي، اضحكي كدا ويلا نتصور ولو طلعت مش حلوة أنا نفسي همسحها.
إبتسمت على كلامه وهو شاور للبنت وجات تصورنا.
بعد ما اتصورنا قعد حبة منبهر بالصور وعمال يقولي إن شكلي حلو.
لحظات الفرح اللي بيكسبها المرء وسط ساعات وأيام رافض فيها نفسه كفيلة تفرحه قد اللي عاشه حزن.
بعد ما البنت مشيت مسك الصورة لأنها صورتها بالكاميرا اللي الصورة بتطلع منها نفسها، كان ماسك الصورة ومبتسم.
بص ليا وهو بيقول:
- شايفة عسل إزاي؟ إسكتي أنتِ متعرفيش حاجة أصلاً عن جمال السمار وحلاوته.
- يا ابني بقى.
- يلا بس نروح نأكل علشان فرهدت.
روحنا مطعم هادي، كان من اختياره، اتعشينا وبعدها طلع موبايلي وفتح السناب شات، ثبت الموبايل وشغل العداد وبرضوا أصر نتصور.
لما رجعت بصيت للصور تاني، حسيت إني فعلاً حلوة، وإن إيه سماري العسول دا، وإيه لون عيني الحلو في عينه دا؟!!
أول حاجة عملتها أول ما دخلت الشقة هي إني بصيت على المرايا اللي في الصالة وأنا ببص لنفسي وبفكر:
- يعني هو أنا حلوة؟
- ملامحي وكدا يعني حلوة؟
- طيب وشكلي؟
- وسماري؟
- يعني فعلاً حلوة؟
دخل ورايا وهو بيقول:
- عجبك اليوم؟
- قوي بجد، يارب نعيده تاني.
- إن شاء الله السفرية الجاية بقى هنختار الأماكن من قبلها.
- إن شاء الله، يلا تصبحي على خير.
- وأنت من أهل الخير.
دخل ينام وأنا فكيت الطرحة، فكيت كحكة شعري بهدوء، جيبت المشط وقعدت أسرحه، يمكن دي من المرات القليلة اللي أحب شكلي ككل، ملامحي، سماري، لون عيني، وشعري الإسود.
ساعات كنت بحس إن ملامحي بتميل للملامح المصرية الأصيلة، يعني مش سمرة للدرجة، لاء قمحاوية بدرجة غامقة، ورثتها من أبوي، عينين عسلي من أمي، وطول شعري ونعومته برضوا من أمي.
- منمتيش ليه؟
- مش جاي لي نوم.
- شكلك حلو كدا.
نوح كان صحي وأنا لسة قاعدة مكاني على الركنة بلعب في شعري وبفكر.
- شكلك حلو وأنتِ سايبة شعرك، ملامحك كإنك لوحة مرسومة بحرافية.
- بجد؟
- بجد جداً، والله أنا يا بختي بيكي.
- أنا اللي المفروض أقول كدا باين!
- فصيلة أقسم بالله.
- شكراً.
أعمل إيه طيب، ما أهو دا الصح باين!
- جهزتي الشنط؟
- أيوا.
- طيب ساعة كدا ونمشي.
- ياريت بجد عشان أمي وأبوي وحشوني.
ابتسامة موجوعة ظهرت على وشي وأخفيتها على الفور، بس مهما حاولت أداري هي كدا كدا هتعرف.
مرت الساعة وكنا جهزنا ووائل جه علشان يأخدنا، ساعتها خدت وائل على جنب وعرفته إني مش معرف سارة.
ركبنا إحنا التلاتة، سارة أغلب الطريق كانت نايمة لأنها منامتش بالليل دا غير إن اليوم كان مُجِهد.
وصلنا، دخلت البيت اللي كنت طالع منه على كرسي، المرة دي أنا داخلة بفضل ربنا وكرمه على رجليا، في اللحظة دي صوت زغروطة أمي سمع حواليها من فرحتها إني رجعت وقفت على رجليا من تاني.
ساعتها قربت وهي بتعيط برضوا، اللهم لا اعتراض يعني كلهم بيعيطوا في المواقف اللي المفروض يفرحوا فيها وهي بتحضني أنا وسارة.
- ربنا يسعدكم ويهنيكم، يا ألف نهار مبروك إنك رجعت تمشي من تاني، الحمدلله.
بعدها وجهت الكلام لسارة:
- ربنا يبارك فيكي يا بتي على وقفتك.
جه أبويا وهو بيحضني:
- واحشني يا ولدي، الحمد لله اللي خلاني اشوفك واقف على رجليك وبصحتك.
وبعد سلامات من أخواتي وعيالهم وأمي وأبوي، خدت سارة وروحنا على بيت أبوها.
في كل خطوة كنا بنقرب من البيت كنت بخاف أكتر من اللي جاي لحد ما وصلنا.
دخلنا قربت من أمها وسلمت عليها، بعدها جرت على أوضة أبوها، لاحظت ساعتها تعبه الزايد.
قعدت تعيط وهي بتسأله:
- ليه محدش قالي طيب؟ ليه أقعد لحد ما أتفاجىء؟
رد عليها بضعف:
- يعني كنتي عايزانا نقلقك في غربتك يا بتي؟
- يعني يرضيك أقعد كدا يا أبوي معرفش وكلكم مخبيين عليا؟
خلصت وطلعت لأمها، ساعتها قربت من عمي سعيد وسألت عليه، إتكلمت معاه كلام قليل وبعدها قالي:
- خلي بالك منها يا نوح، هي ملهاش غيرك بعد ربنا.
- ربنا يبارك فيك ياعم سعيد متقولش كدا.
- معادش في العمر بقية، خلي بالك منها عشان هما مهيرحموهاش.
- مش حِمل أشوفها ولا حتى أحس إنها مكسورة.
كمل:
- وصيتي ليك يا ولدي، دول عيالي وأنا عارفهم، كيفهم كيف الديابة، يأكلوا الضعيف وينهشوا في لحمه، حاولت السنين اللي فاتت احميها، بس هما كانوا بيستغلوا وقت تعبي ومن أقل حاجة ييجوا عليها، حتى لو هي قوية وأنا عارف كدا؛ بس هما أقوى.
- لا عاش ولا كان اللي يفكر يمس بس شعرة منها، دا أنا أجيب عاليه واطيه، يفكر بس حد منهم يعمل كدا.
- عشان كدا وافقت عليك من الأول يا ولدي، وأنا كنت عارف إنك شايف نفسك مفروض عليها، بس حقك عليا مش بيدي والله، قلبي واكلني عليها من بعدي.
- متقولش كدا، أو يمكن في الأول كنت شايف كدا، بس دلوقتي أنا مشايفش نفسي غير معاها هي.
دخلت هي بعدها وهي ماسحة دموعها وبتبص ليا بعتاب.
- وه، أنا اللي طلبت منه ميقولكيش يا سارة.
- ليه طيب؟
- وأقلقك وأنتِ بعيدة ومهتعرفيش تيجي؟
- وأقعد كدا أنا مش دريانة بتعبك يعني؟
- أيوا، كفاية خلاص تعبتوني من كتر المناهدة، يلا على روحي مع جوزك.
- لاه بقى أنا مش هسيبك وأمشي.
- سارة متتعبنيش معاكي، يلا روحي.
بعد مناهدة مع أبوها مشينا، وآه كانت متجنباني، وكل دقيقة حد يوقفني يسلم عليا، وألف مبروك إنك رجعت تمشي من تاني، وبس يعني.
- يلا تعالوا كلوا عشان تطلعوا تريحوا، من ساعة ما جيتوا ومريحتوش دقيقة، وعلى الليل كدا ابقوا انزلوا.
- حاضر يا أمي.
طلعنا وهي برضوا ساكتة.
- يا ستي أقسم بالله أبوكي هو اللي طلب مني كدا وحلفني، وبعدين كنت قاعد ضميري بيأنبني والله.
بدأت تعيط، ماسورة الله الوكيل، خدتها في حضني، ساعتها زاد عياطها.
إتكلمت وسط عياطها:
- أنا خايفة عليه، لاء وكمان أنت كنت عارف ومش راضي تقولي، يعني أنا كنت قاعدة كل دا على عمايا؟!
- ياستي والله هو محلفني، يرضيكي يعني أقول وهو محلفني؟
- يرضيك يعني كنت أفضل قاعدة على عمايا؟
- والله كان على نن عيني.
- ولو.
- يا ستي بقى، أنا واقف على جلي من بدري وتعبت بقى ومنمتش.
- بتطلع من الموضوع!
- تعالي نامي بس وربنا يحلها، وإن شاء الله عم سعيد يخف ويبقى بخير.
- يارب.
يوم تقيل، لحظات تقيلة، تفكير مُثقِل ومُثقَل.
ياربي خايفة أعيش لحظات وحياة كانت مخاوفي ولازالت مخاوفي من سنين.
حطيت رأسي على المخدة وأنا حاسة إنها تقيلة من كتير الأفكار، ودموعي بتسبقني، دموعي زادت ودماغي عمالة تزيد فيها التخيلات السوداء.
قرب وخد رأسي في حضنه وهو عمال بستعيذ بالله.
- أهدىٰ؟
- خايفة.
قعدت افكر وأخاف وهو يطمئني لحد ما غلبني النوم ونمت.
صحيت صليت الفروض اللي فاتتني وأنا نايمة، وفي كل سجدة كنت بدعي له يكون كويس.
خلصت صلاة وقعدت مكاني، ودماغي عمالة تروح وتيجي لحد ما سمعت صوت مرات خالي بتنادي، طلعت لها، فقالت إنها جهزت الأكل، دخلت صحيت نوح ونزلت علشان أساعدها.
- ومنادمتيش ناديتي عليا ليه بس أنزل أساعدك؟
- يا بتي يعني لسة راجعين من سفر وتعبانين وأصحيكي، أنا قولت أجهز الوكل وبعدها أصحيكم.
- ولا تعب ولا حاجة متقوليش كدا بس!
- يا ستي نبقى في مرة نأكل من إيدك والأيام جاية كتير، يلا ربنا يهدي سركم.
طلعت معاها الأكل وحطيناه وكان خالي دخل من برا، ونوح نزل من فوق، ودخلت هناء وابنها الصغير وبعدها بدقيقة كان دخل وائل، وإتجمعنا كلنا نأكل.
احم، بلا فخر يعني اتصاحبت على زيد ابن هناء اللي عنده أربع سنين.
- عُض خالوا يا حبيب بابا.
خبطتت هناء وائل بعد الجملة دي، وبما إن زيد بيسمع كلام أبوه جداً يعني فراح عض نوح فعلا.
- إيه يا حبيبي، هو كل حاجة يقولها لك أبوك دا تسمع كلامه فيها؟ وبعدين أنا سكتت على أساس إنك مش هتسمع كلامه وإنك طفل بريء، مش زي أبوك.
ردت هناء:
- وماله أبوه بقى؟
ضحك ليها وائل وهو بيعمل لها حركة قلب بإيديه، علشان بعدها يرد نوح:
- أيوا يا أختي، ومين يشهد للعروسة؟
في جو كان عبارة عن ضحك وهزار ودفا كنا متجمعين، دخلت كمان أنا وهناء ساعدنا مرات خالي في غسيل المواعين وبعدها طلعنا بالشاي.
- من يد ما نعدمها يا مرتي يا حبيبتي.
اتكسفت وملحقتش أرد عليه عشان خالي كان هو رد عليه:
- ما تختشي يا واد! إيه دِه؟
- سيبه يا عمي، عريس جديد خلينا نتريق عليه.
رد نوح على وائل:
- شوفوا مين بيتكلم؟!!!
جاوب نوح على نفسه في نفس اللحظة:
- وائل بيه النحنوح.
زعق خالي فيهم:
- ما كفاية شغل العيال دِه، انتوا كبار معتوش صغيرين عاد.
ضحكت مرت خالي عليهم بشماته وبعدها طبطب عليا وهي بتقولي:
- الله يعينك على دمه يا بتي والله.
بعد قعدة طلعتني من اللي كنت فيه شوية كانوا هما مشوا وأنا طلعت أنام بعد ما قعدت مع مرت خالي وخالي شوية.
طلعت الأوضة ونمت.
كنت مقررة أقعد أستنى نوح عشان هو طلع راح مشوار بس غلبني النوم.
"شكراً إنك ساعدتيه، دلوقتي جاي دوره هو."
كان الصوت جاي من مكان بعيد، رديت بعدم فهم:
- أزاي؟ وأنت مين؟
صحيت من نومي وأنا بمسح بإيدي على وشي وبحاول أفوق، أو أستوعب إيه الحلم دا؟ أو هو حلم أصلاً؟ مش عارفه ماهية الشيء الغريب دا؛ بس يارب خير.
بصيت جنبي وكان نوح نايم، استعذت بالله وبعدها رجعت نمت.
شهر بيعدي وأنا كل يوم بروح أطمئن على أبوي، شهر من الخوف، التعب، الإرهاق، قلة النوم، خناقات وشد وجذب مع اخواتي ومراتاتهم، تعب أمي كمان المتقطع، اللي بتحاول تتماسك علشان أبوي.
هواجسي ومخاوفي بدأت تكبر، وتزيد، خوفي من فكرة إن أبوي ييجي وقت وتعبه يزيد عليه فعلاً بفعل عامل السن، وبحكم إنه يمكن في أواخر السبعين، وأمي الست اللي على مشارف الخمسين، مخاوفي من إنهم يسيبوني.
كنت نايمة بعد محاولات كتيرة للنوم علشان ييجي ساعتها نوح يصحيني برعب.
- سارة قومي، سراج تحت وبيقول إن عم سعيد عايز يشوفك ضروري.
- دلوقتي يا نوح؟!
قولتها وأنا لسة بحاول افوق من نومي، كملتها بخوف:
- طيب هو، يعني هو كويس؟ إتحسن طيب؟
- مش عارف والله يا سارة، هو قال إنه عاوز الكل، حتى أبوي كمان.
قومت وصليت وبعدها روحت معاه، لقيت اخواتي كلهم متجمعين حواليه، يمكن آه مبيحبونيش، ولا أنا مش بتقبل أغلبهم بس فكرة إن أبوي كان بيتقي ربنا فينا وفي ربايتنا مخليا قلبنا عليه، علاقة أخوات غريبة؛ لكنها بتيجي عن منطقة أبوي وكلنا نجتمع على حبه وإحترامه.
دخلت المندرة مكان استقبال الضيوف وكان إخواتي كلهم جوا، أبوي كان لسة داخل قدامي من الجامع، مبتسم، وشه وكإنه منور، سلم علينا بإبتسامة بشوشة، قعد يتكلم معانا كلنا شوية، بعدها قال إنه عايز ينام؛ فطلعنا كلنا وهو طلب إن أمي تفضل جنبه.
قعدت جنب نوح وأنا مبتسمة، على عكس نوح اللي ملامحه كانت متطمئنش.
- مالك يا نوح؟
رد بتوهان:
- مش غريبة فكرة إن أبوكي يفوق مرة واحدة وكمان يجمع الكل حواليه ويسلم عليهم؟
- يمكن وحشناه وما صدق بقى كويس علشان يقدر يجمعنا.
- إن شاء الله خير.
بعد ربع ساعة من الهدوء اللي مينفعش يخلى من ودودة مراتات أخواتي وأخواتي طلعت أمي وهي بتقول إن أبوي طالب يشوفنا.
دخلنا كلنا، ساعتها بص علينا بإبتسامة وشاور لينا وهو بيقولنا مع السلامة، مكنتش فاهمة هو بيقول إيه لحد ما عدل رأسه لقدام السرير زي ما هو نايم وهو بيقول بصوت شِبه واطي:
- السلام عليك يا سيدي يا رسول الله.
عدل وشه لناحية جنبه بجزء بسيط:
- السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر.
كنت أنا سمعاه علشان أنا أقرب واحدة واقفة جنبه، مستغربة اللي هو بيقول له.
سكت، لحظة صمت مننا كلنا، إبتسامة مرسومة على وشه، ملامح هادية، عينين مفتوحة، قربت منه وأنا بلمس إيده.
لـ..لحظة، دي ساقعة، مفيش نبض، بكدب نفسي، بكدب عيني، صوتي بيطلع بنبرة مرجوفة:
- أ.. أبو... أبوي... رد عليا بالله عليك، عشان خاطري، يا أخي بالله لترد عليا.
بصيت لنوح وأنا بترجاه:
- نوح هو بيحبك، كلمه إنت هيسمع كلامك.
رواية نصف الجمال الفصل السادس 6 - بقلم ولاء عمر
صوت بكا منتشر في كل ناحية، تلاه صوت صويت. رجليا مش حملاني، خانتني في اللحظة دي.
ساعتها نوح سندني وهو بيأخدني في حضنه.
- وحدي الله.
- يا نوح هو كان لسة كويس، أنا كنت فرحت إنه رجع قام يا نوح؛ دا أنا قولت إنه خلاص راق.
انهيار، عياط، بكاء شديد، رفض قاطع للأمر الواقع، لحظات تقيلة، وكإني شِبه غائبة مغيبة عن العالم، رافضة رفض قاطع للي بيحصل.
في الوقت دا أخويا طلب من الكل يطلع برا.
- هما إزاي عايزيني أسيبه يا نوح؟ دا أنا أكتر واحدة قضيت معاه وقت فيهم، دا أنا اللي كنت متصاحبة عليه أكتر منهم، محدش منهم كان قريب منه قدي.
- تعالي ودعيه يا سارة.
- طيب أصحيه، تعالي كدا، ممكن يكون نام على نفسه من غير ما يحس بسبب العلاج على فكرة.
- وحدي الله يا سارة.
قربت منه، أنا فاهمة ومدركة، بس عقلي رافض الفكرة، إزاي يسيبني طيب، دموعي متشبهش لشيء غير الشلالات، لا تنقطع. قربت منه وأنا مفيش في دماغي وأنا بـ أبوس رأسه غير آية "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ". ملامحه مبتسمة والله. بوست رأسه وسبحان من ألقى على قلبي الصبر إني اسكت في اللحظة دي.
ودعته بالفعل وخرجت مع نوح. طيب أصدق إنه سابني إزاي؟! وإني مش هشوفه تاني إزاي؟! وإني مش هسمع ليه الورد بتاعي ولا يفسرهولي.... ولا حتى هقدر احضنه تاني!!
كل دا كان في دماغي وأنا بعيط ونوح واخدني في حضنه بيطبطب عليا، ومفيش حاجة بتحصل غير إن عياطي بيزيد.
قرب نوح من مرت خالي وخلاني قعدت معاها وطلع هو علشان الجنازة.
الجنازة... عقلي وقف بيردد الكلمة بإنكار.
***
حاسس وكأن اللحظات والأيام بتتعاد؛ بس المرة دي أنا محتاج أكون متماسك لو مش علشاني فهو علشانها، مش عايزها تعيش اللي عيشته، أنا خايف عليها.
طلعت علشان أقف مع الرجالة برا. بعد الغُسل دخلنا علشان نصلي صلاة الجنازة.
وأنا واقف بصلي على أبو سارة، حسيت كلامه بيرن في وداني. آخر مرة شفته كان بيوصيني عليها وقال لي: "نوح، سارة مالهاش غيرك، أخواتها مش زي باقي الأخوات، وأنت أكتر واحد فاهم معدنها وحاسس بيها. خلي بالك منها، دي أمانة عندك."
صوته كان مليان رجاء وخوف، وأنا وقتها وعدته، وعدته من قلبي، إني مش هسيبها أبداً. لكن وأنا ببص لسارة النهارده وهي واقفة قدام النعش وعينيها مليانة دموع، حسيت الحمل اللي على كتافي تقيل أوي.
عارف إن أخواتها شرانيين، شايفينها دايماً أقل منهم، وكأنها عبء. ودي أكتر حاجة كانت توجع قلب أبوها، إنه كان شايل همها ومش لاقي اللي يطبطب عليها بعده.
خلصت الصلاة، وكل كلمة دعاء طلعت من قلبي كانت علشان أبو سارة وعشان سارة كمان.
أنا عارف إن الطريق قدامي مش هيبقى سهل، لكن وعدي ليه كان أكبر من أي خوف أو تردد. "مهما حصل، يا عم سعيد، سارة في أمان. أنا جنبها، ومش هـ أهز ثقتك فيا."
وأنا ماشي ورا النعش، كلام عم سعيد في واحدة من خطب الجمعة جه في بالي. كنت فاكره وهو واقف على المنبر، صوته هادي لكن مليان قوة، وقال: "يا جماعة، العبد لما يكون صالح، حياته وآخرته بتبقى خفيفة، حتى وهو ميت. النعش بتاعه يبقى كأنه طاير من خفته، والروح بتبقى فرحانة تقول: قدموني قدموني، عايزة تروح للراحة اللي ربنا جهزها ليها. لكن لو العبد عمله وحش، النعش يبقى تقيل زي الجبل، واللي شايلينه يحسوا بالثقل، لأن الروح مش راضية ومش عايزة تروح للي مستنيها."
صوته كان بيرن جوايا، كأن الخطبة كانت ليّه دلوقتي.
بصيت للنعش وقلت لنفسي: "أكيد كلامه صح، وده اللي بيحصل النهارده. نعشك خفيف يا عم سعيد، زي قلبك اللي كان كله خير ومحبة."
الكلام بتاعه مكانش مجرد خطبة، كان درس للحياة، وإحساس بالخفة اللي كنا شايفينها النهارده أكدلي إنه كان عايش بكلامه، وعارف إن اليوم ده جاي.
بيعدي اليوم الأول والتاني وأنا لسة واقف في الجنازة، وموصي أمي وهناء يأخدوا بالهم منها، وبغيب وأدخل لها.
***
يومين عدوا وكإنهم سنتين، مغيبة، بعيدة، مش مصدقة، مُنكرة لكل اللي بيحصل وعقلي رافض يصدقه. مين هيقعد معايا يفسر لي القرآن واعمله الشاي بتاعه اللي على كلامه إنه بيحبه من إيدي، وهجري لمين أجهز الأكل عشان معاد العلاج، وهقعد مع مين، وهحكي مع مين، وهتسند ويبقى ليا مين بعد ربنا غيره؟؟!؟!!
كنت قاعدة على الكنبة اللي جنب السرير بتاعه وبفكر في كل دا لحد ما حسيت بنوح وهو حاطط إيده على إيدي وبيمسكها وبيضمني ليه.
حد لا يكل ولا يمل من تكرار جملة " أنتِ مش لوحدك، أنا جنبك، ومعاكي ومش هسيبك، ميهونش عليا أشوف دموعك، متعيطيش عشان خاطري."
جملة طويلة بتطبطب على قلبي وتطمئنه إني فعلاً ليا سند، سند إن شبه بشيء فهو هيتشبه بالحيط اللي زي السد المنيع، الحصن القوي، مرهم بيخفف الألم ويداوي جروح.
أسبوع أمي كمان تعبانة فيه، وكأن الحزن لا ينفك عن ترك المرء، وكأن خوفي حالف ليضل ملازمني زي ظلي.
بعد عشر أيام كنت رجعت مع نوح اللي مسابنيش ولا لحظة، معرفش لولاه بعد ربنا مين كان هيساعدني افوق وأتعايش.
- تعالي اضفر لك شعرك.
- معنديش حُلق والله يا نوح.
- تعالي بس، بعرف اضفر حلو على فكرة.
- إنت متجوز عليا يا نوح وبتضفر لها شعرها؟؟ نهارك مش فايت!!!
خبطني بالمشط خبطة خفيفة وهو بيقول:
- أيوا ومعايا منها تلات عيال.
- يا نهار، أنا كان قلبي حاسس، سيبني كدا أنا ماشية وسايبة لك البيت.
- يارب صبرني عليها، هتمشي تروحي فين؟ وايه كنتي حاسة دي؟! أومال لو كنت بأبات برا؟!!
- أومال أنت بتعرف تضفر منين؟
- كنت بحب اضفر لعيال شادية أختي يا فالحة يا ناصحة.
قعد يضفر لي شعري وأنا كنت بحاول أكتم ضحكتي على غبائي. نوح يعني حنية، خفة دم، حنية تاني وتالت ورابع.
بعدما ضفرلي شعري قرب رأسي منه وباس رأسي وملس على شعري.
ابتسمت ولفيت ليه وحضنته، بحس إني بشبه للطفل الصغير اللي مش بيعرف يقدم حاجة للي بيحبهم أو يشكرهم غير بالحضن.
- مش يلا عشان تأكلي، أمي رنت وقالت إنها جهزت الوكل.
- مش قادرة أكل.
- هينفع يعني كل شوية اتحايل عليكي؟ متعودش أشوفك كدا؛ إتعودت أشوف سارة المؤمنة بالقضاء والقدر، الصابرة القوية.
- مش قادرة يا نوح طيب.
- لاء يا سارة، هتقدري، ماانتيش وحدك، أنا معاكي وفي ضهرك.
لما الإنسان بيحس بالهزيمة، وإن كل حاجة دايسة عليه بيحس ساعتها إن لاعنده طاقة يقاوم ولا قادر حتى يقوم؛ لحد ما يلاقي اللي يقوله أنا هنا معاك، إنت مش لوحدك.
بعد شهر قدرت بفضل الله ثم دعم نوح ليا إني أكون أحسن، إني أتقبل فكرة الموت. يمكن صعبة، لكن تذكري إن إحنا عايشين في دنيا وكام سنة وهنسيبها، سواء كانوا كتير أو قليلين فإحنا كدا كدا هنسيبها وهنجتمع في الجنة مع من نحب، الجنة اللي مافيهاش فقد ولا حزن.
وإن إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث، صدق جارية أو علم ينتفع به، أو ولدٌ صالح يدعوا له. قررتت أعمل بالحديث وفي كل صلاة بدعي له ولنادر ولأموات المسلمين جميعاً.
روحت لأمي البيت ولقيت مرت أخوي الكبير عندها، كانت بتحاول تتكبر على أمي وتوجعها بالكلام، ساعتها أنا دخلت.
- جرا ما تلمي لسانك يا مرت أخوي، ولا هو هيفضل متبعتر ويشطح وينطح كيف العجل كدا كتير؟
- خبر إيه ما تلمي لسانك يا سارة!
- مش لما تتلمي أنتِ ولسانك! جاية كيف القضا المستعجل وقاعدة تقولي لأمي كلام كيف السم ومستنياني أسكت لك؟؟؟ ليه مفكرة إن معنديش لسان زيك إياك؟
- إتلمي يا قليلة الرباية.
- إلزمي حدودك، أقفي عوج وإتكلمي عدل، فكري بس مرة تاني تضايقي أمي بكلمة ولا توجعيها وأنا قسماً باللي خلقني لأجيبك من شعرك، يلا إنجري من هنا.
خدت بعضها وطلعت وهي معاجبهاش كلامي. قربت من أمي وحضنتها، عارفة إن أمي أضعف وأطيب من إنها توقف في وش واحدة منهم، بس أنا موجودة.
قعدت معاها وساعدتها في اللي محتاجاه وخلتني أمشي، قالت روحي لجوزك.
أمي كإنها كبرت فوق عمرها، وتعبت أكتر من بعد موت أبوي، كفيل الفقد يعجز بصحيح.
بعد مدة كانت بدأت تستعيد صحتها وتبقى أحسن، وفي الفترة دي خالي ونوح كانوا بيحاولوا يوقفوا في وش بطش إخواتي، وبعد خناقات كتير وإصرار محدش منهم يقدر يهوب ناحية أمي ويمسها بكلمة ولا يوجعها.
كنت واقفة بـ أحضر الأكل لوحدي في المطبخ وسايبة مرت خالي تريح شوية، ساعتها لقيت نوح داخل وهو في إبتسامة واسعة قالبة لضحكة على وشه. سألني ساعتها.
- إيه الحاجة اللي نفسك فيها أو نفسك تحققيها، أو مثلاً مكان نفسك تروحيه.
- هتسفرني تاني؟
- فكري نفسك تروحي فين في أسرع وقت يلا.
- نفسي أسافر وأعمل عمرة.
- طيب يا ستي من بكرا هنروح إن شاء الله عشان نجهز الباسبورتات بتاعتنا إن شاء الله، إيه رأيك؟
- يا خبر، إحلف كدا!
- والله بجد.
عنيا اتملت دموع من الفرحة وأنا مش مصدقة، بس النهاردة هو صادق، علشان بعدها بعشر أيام ودلوقتي بالظبط أنا واقفة قدام الكعبة بلبس الإحرام ودموعي بتنزل لوحدها، قلبي بيدق دقات سريعة، إحساس غريب، جمال وحلاوة الكعبة كفيل ينسي الواحد كل حاجة، كفيل يغسل القلب من كل حاجة.
قعدت قدام الكعبة وأنا فارشة المصلية وقاعدة ماسكة في إيدي المصحف وبقرأ، حاسة إني صغيرة قدام عظمة ربنا، وإن كل الهموم اللي في قلبي بتتسرّب بين دموعي وبتتلاشى في الهوا. كنت بدعي بكل اللي في قلبي، وحاسة إن الدعوات بتطلع مني كأنها نور بيطير للسما.
قضينا مناسك العمرة وخلصناها وبعدها رجعنا وعملنا ختمة كبيرة وعزمنا فيها ناس كتير، ووزعنا منها على المحتاجين.
في أثناء ما أنا واقفة في المطبخ مع مرت خالي في آخر اليوم بعدما كله مشي واليوم خلص، حسيت بدوخة وغثيان، ساعتها هي بعتت وجابت إختبار حمل، وطلعت حامل.
رجع نوح من برا هو وخالي، ساعتها أنا طلعت وسبقت نوح على شقتنا.
مسكت لكلوك صغير ومديته ليه أول ما دخل.
- شكله حلو يا سارة.
- يعني إنت مش فاهم معنى التلميح؟
- تلميح إيه؟!
طلعت إختبار الحمل وقولت له:
- بعد تمن شهور من النهاردة أستعد إنك هتبقى أب يا نوح.
ساعتها عنيه اتملت دموع فرح. حزننا على كل اللي فات دلوقتي بنعيشه جبر وفرح.
وربنا رزقنا بنغم ونادر التوأم اللي نن عين نوح ومطلعين عيني أنا.
" يظل المرء منا ثقيلة عليه أيامه وأحزانه وأفكاره والدنيا بما فيها.. حتى يجد من يسانده، فيحمل معه مـر أيامه ويخفف عليه الدنيا وبما فيها من أحزان".
رواية نصف الجمال الفصل السابع 7 - بقلم ولاء عمر
أُجاهد قلبي كلّما رآك قريبا،كأنّ بيني وبينك ألف بابٍ موصد…وأنا التي أمسكتُ بالمفتاح ثم نسيته عمداً.
لا تسألني لِمَ أهرب،فأنا لا أخافك، بل أخاف منّي حين أطمئنّ إليك…من ضعفي إن صدّقتك، من دموعي إن جرحتني،ومن قلبي إن عاندني واختارك.
تظنّ أنّي أقسى مما ينبغي،وأنا فقط… أحاول أن أُبقي ما تبقّى منّي واقفًا.أخشى أن أميل إليك… فأقع.
فلا تُناديني من بين نظراتك،ولا تُعاقبني على حروبي التي لا تراها،أنا التي تُقاتل نفسها كلّ يوم، كي لا تُحبّك أكثر.
المراجعة والخاطرة العظمة للرائعة/ سنا الفردوس
الفصل السابع والعشرون ج١
أغلق الكراسة التي كان يُصحح بها، ليرفع رأسه إلى زوجته متطلعًا إليها بعدم استيعاب، سائلاً عمّا أدلت به منذ لحظات:
— إنتِ بتتكلمي جد؟ لا تكوني بتهزري يا منى؟
تحركت قدماها، تتجه نحو السرير المقابل لمكتبه، تجلس عليه قائلة:
— يا أخوي، وههزر ليه يعني؟ وده موضوع ينفع فيه هزار؟ خليفة غلبان ومفكرها سهلة، ميعرفش طبعًا اعتماد وعفاشتها!
صحّح لها منصور، وبيده يجمع الكراسات في كومة واحدة قبل أن يقوم من مكانه ذاهبًا إليها:
— ما اسمهاش عفاشة، اسمها عزة نفس يا ست منى، ودي واحدة مكافحة يعني يُضرب لها تعظيم سلام.
— أمممم...
زامت بمكر، واضعة سبابتها على وجنتها، تنتظره حتى جلس بجوارها لتُعلق:
— كان عنده حق الجَزين لما يقولي جوزك متشدد لها، مع إنه بصراحة غاظني، وحسيت إنه بيستهزأ بيا.
— بيستهزأ بيكي!
— أيوه، لما يجيب سيرة مرة غيري ويجولي جوزك مش عارف إيه عليها؟ ده كلام برضو؟
سمع منها، لتصدح ضحكته الرنانة، تلك التي لا تصدر إلا بفضلها، ليُشاكِسها قارصًا ذقنها بين إصبعيه السبابة والإبهام:
— يعني يوم ما تغيري، تغيري من اعتماد يا منى؟
نفضت يده عنها بعصبية:
— ومغيرش منها ليه إن شاء الله؟ مش معنى إن بوزها شبرين وبتطفّش الرجالة يبجى عفشة ومحدش يبصلها، ولا هتنكر يعني؟
— لا طبعًا، هنكر ليه؟ هو أنا أعمى؟
قالها بعفوية استفزّتها، لتصيح به معترضة:
— منصور، لمّ نفسك!
وكان رده ضحكات أخرى، يميل عليها ويضمها بمرح مداعبًا، في إجابة ضمنية تعرفها جيدًا؛ أنه لم ولن يحدث أبدًا أن ينظر لامرأة غيرها بعين الرجل. كل النساء في عينيه سواء، وهي فقط من استحوذت بتلك الصفة لديه دون غيرها.
---
حين يغيب الجسد في غفوته، يأخذ العقل الفرصة كاملة في نسج ما يريد، مستغلًا انفصاله عن الواقع في تلك الساعات القليلة أو الكثيرة، يترجم ذلك إما في أحلام سعيدة أو سيئة أو مشاهد غير مفهومة، حتى يغيب هو الآخر ويقتطف راحته مع الجسد المنهك. ثم يعود الاثنان بعد ذلك وقد تجددت الطاقة استعدادًا ليوم آخر بصراعاته ومسؤولياته.
لمسات حانية رقيقة تشعر بها تمر على بشرتها، وبعض الخصلات من شعرها، ثم أنفاس وأصوات، حتى قُبلات رطبة كدغدغات تجعلها بصعوبة تكتم ضحكاتها، مستمتعة باصطناع النوم. واللمسات تحوّلت إلى تحرشات حين حطت الأسنان الحادة على أنفها، لتقفز ناهضة بجذعها، تخطف تلك الشقية الصغيرة، مصدر السعادة الوحيد لها، لتنتقم منها:
— إنتِ بتعملي إيه يا عفريته؟ ده أنا هجطعك بوس النهارده!
وهجمت تُشبِعها بالقُبلات والمداعبات، حتى باتت ضحكات الصغيرة بمرحها تصل إلى خارج الغرفة. تتابعهما شقيقتها، والدة الطفلة، التي كانت جالسة على أرضية الغرفة منكفئة على بعض الأوراق المنتشرة حولها، تقطع وصلة المرح بين الاثنتين:
— أنا جولت محدش هيعرف يصحيكي غير دندن، هي بس اللي بتجدر عليكي وبتعمل ما بدالها معاكي.
وكأنها واحدة أخرى غير تلك المتجهمة الحادة في وجه الجميع، تعيدها تلك الطفلة الصغيرة وحدها إلى طبيعتها الأولى:
— عشان قليلة أدب ومش متربية! في واحدة تعمل كده برضو في خالتها؟ نفسي أعرف جايبة الجرأة دي منين؟ جوليلي يا بت، جايباها منين ها؟
وعادت تنقض عليها وسط صوتها الصخب حتى إذا تعبت الأولى توقفت بلهاث:
— لا، إنتِ لو خدت اليوم كله في اللعب معاكي مش هتشبعي، وخالتك مش كدّك يا حبيبتي، ده أنا...
قطعت عن إكمال جملتها حين انتبهت أخيرًا إلى فعل الأخرى، لتسألها:
— إنتِ بتدوري على إيه عندك يا روضة؟
رفعت المذكورة رأسها، مندمجة في كُتلة من الأوراق التي تمسك بها، لتأخذ برهة من الوقت تستدعي بها التركيز:
— لا يا بت أبوي، خير إن شاء الله، مفيش حاجة، أنا بس بدور على شهادة ميلاد الكمبيوتر بتاعتي والبطاقة، كانت جاعدة هنا مع ورقك وورق رغد أختي، بجالي ساعة بدوّر مش لاجياها.
سريعًا ما تبدل مزاج اعتماد، ليتسرّب داخلها شيء من ريبة في استفسارها:
— وإنتي مالك بشهادة الميلاد ولا البطاقة؟ هتجدمي على وظيفة مثلًا؟
ردت روضة سريعًا دون تفكير:
— لا طبعًا، مين هيوظفني بدبلوم الصنايع؟ محمود طالبهم.
انتفضت اعتماد باستدراك، تنهض وتنزل عن سريرها، حاملة الطفلة بيدها، تسأل بخفوت وخطر:
— وجوزك طالب بطاقتك ليه؟
كان الصمت هو ردها، تتحرك مقلتاها بتوتر أدخل الشك في قلب اعتماد، لتردف مخمّنة بحدة:
— جوزك عايزك تضمنيه في قرض الربا اللي جبتي سيرته من كام يوم صح؟
تلجلجت روضة بكلمات غير مفهومة:
— ما هو... ما هو... أصل هو يعني... عشان يعمل المشروع...
— لأ، عشان يشتري الموتوسيكل!
صدحت بها اعتماد، حتى انتفضت الطفلة بيدها، فتداركت سريعًا تُهدّئها، قبل أن تعود لشقيقتها تُحذرها بخفوت:
— باع الدهب على تفاهات وما اتكلمتش عشان حضرتك راضية وما اشتكيتيش، جابله على نفسك وبيأكل بعقلك حلاوة برضه، ميخصنيش. إنما توصلي إنك تضمنيه في قروض الربا اللي ماشية في البلد؟ يبجى أطلّقك منه أحسن.
— بعد الشر يا اعتماد، ليه بتقولي كده؟
— اخرسي يا بت!
ما زالت تحافظ على خفض انفعالها من أجل الطفلة، لكنها مستمرة في الحزم معها:
— أنا جولت كلمتي ومش هتنيها يا روضة. جابلة عيشتك مع جوزك الصايع، إنتِ حرة، إن شاء الله حتى يأكلك عيش حاف. إنما تضمنيه في قروض؟ لا، والف لا. المحروس مصمم على اللي في دماغه، يخلي أي حد من عيلته يضمنه، إنما إنتِ يا روضة؟ لا تبجي أختي ولا أعرفك.
بصمتٍ تام تلقّت روضة التهديد دون إبداء أي رد فعل، سوى أنها لملمت الأوراق، ثم استقامت من جلستها، لتقف وتتناول ابنتها، تُومئ بصوت خفيض:
— ماشي يا خيتي، اللي تشوفيه. تعالي يا دنيا.
وخرجت بطفلتها، تتبعها اعتماد في جمود وحسرة. شقيقتها لا تفرق عنها سوى ثلاث سنوات، ثلاث سنوات فقط فرق بين واحدة تحملت مسؤولية عائلة كاملة عن عمر السادسة عشرة، وأخرى تعيش الحياة بلا عقل ولا تفكير. كل شيء يصل إليها بلا تعب، تسير خلف عاطفتها كالعمياء ويتحمّل غيرها النتائج.
---
صعدت إلى الطابق الثاني من منزلها، تحمل دلو ماء وإناءً بلاستيكيًّا امتلأ بالحبوب، من أجل إطعام السرب الذي تجمع حولها فور أن أطلت أمامهم، يتدافعون بأجنحتهم في طلب الطعام. تستقبل لهفتهم بابتسامة تطمئنهم:
— كلكم هتاكلوا والله، بس ادّوني فرصة.
وأكملت ضاحكة، بعد أن نثرت أسفلها عددًا من الحفنات الكبيرة على سطح المنزل، تُلهيهم بتناولها، فتمر هي على الأعشاش، تُنظفها وتطمئن على الصغار، تُغيّر الماء القديم بآخر جديد، حتى إذا انتهت، ملأها شعور بالراحة وهي تراقبهم وتراقب حب الأزواج. كل فرد منهم لوليفه، يحمل قصة تعلمها جيدًا. ما أجمل عالمهم! حب الحمام ترعرع داخلها منذ الصغر بفضل تلك الصفة التي تعلمها عنهم؛ لا يمكن لفرد حمام أن يتزوج دون حب حقيقي.
لفت أنظارها أحدهم، وهو يدور حول أنثاه، يفعل كل شيء من أجل لفت انتباهها وإضحاكها. قد يبدو أنها تهذي بتلك الأخيرة، ولكنها ترى بوضوح السعادة التي تتجلى بأفعال الأنثى اندماجًا بذكرها.
— ياريتنا، عالم البشر، نبجى زيكم... ولا نصكم حتى. آآه لو يحصل!
وأطلقت تنهيدة، ويا ليتها ما فعلت، إذ انتبهت أخيرًا أنها مراقبة من ذاك المُتربص، جارها المزعج، مستندًا بمرفقه على نصف الحائط المبني في الطابق الثاني، يقابلها بابتسامة متسعة، متمتمًا بشفتيه كلمات سهلة القراءة:
— صباح الجمال.
لم تُجب التحية، واكتفت أن تُحدّجه غاضبة بعينيها الجميلتين اللتين تأسره بالنظر إليهما، غافلة ببراءة تناقض شراستها أنها تزيد من تسليته. ليردف بتحريك الشفاه مرة أخرى:
— مستنيكي النهارده تنوري البيت.
وكأنها عادت طفلة صغيرة لا تدري ببلاهة أفعالها، اهتزّ رأسها بالرفض وتحريك الشفاه:
— احلم براحتك، مش داخلة بيتك.
والتفتت بعنف تذهب من أمامه، فلم ترَ الضحكة الكبيرة التي كتم صوتها بصعوبة، يضرب بكفه على ذلك الجزء الناقص من الحائط، حتى إذا توقف، غمغم بصوت مسموع لنفسه:
— آه يا أنا يا أمه، تلاحق على إيه ولا إيه بس يا حمزة؟ دمها العسل، ولا العيون المسحوبة، ولا... يا غلبك يا حمزة، يا غلبك!...............................
وقف يتابع خروج الفتيات من مدرستهم، ومرور عدد منهن في ذلك الطريق الجانبي، وليس الرئيسي الذي يمر عليه المعظم. ينظر لساعة يده كل لحظة في انتظار تلك المرأة المعقدة، مخمّنًا بفطرته أن هذا هو الممر الوحيد لمنزلها.
زفر بضيقٍ يكتسحه لثقل تلك المهمة التي تطوق رقبته بعذاب الضمير. ليتها كانت امرأة عادية وتعرف التحدث بالأخذ والرد، ولكن كيف؟ وهي تتخذ معاداة الرجال أسلوب حياة، كما سمع من بعضهم.انتفض مستقيمًا، بعد أن كان متكئًا على جانب سيارته، يُبصرها قادمة من قريب، متحفزًا لمعركة قد تؤدي لفضائح أو ربما خسائر بشرية، لكنه لن يهتز أو يتراجع عما قرر فعله منذ الأمس. ما زالت تقترب وعدد من الفتيات يرافقنها، يتبادلن الحديث والضحك، يا إلهي! إنها تعرف الضحك مثل باقي البشر!
ـ أستاذة اعتماد! هتف مناديًا باسمها، يجذب انتباهها وانتباه الفتيات اللواتي يحيطن بها من الجانبين، غير مبالٍ بالغضب الذي ارتسم جليًّا على ملامحها، مستنكرة فعله بالتأكيد. ولكن فليكن، لقد شحذ همّته استعدادًا لكل المصائب من طرفها.
تابع تصرف الطالبات وهنّ يواصلن المسير دونها، فاتجهت إليه بخطوات تحفر الأرض بغضبها، حتى إذا توقفت أمامه:ـ نعم؟ بتنادي ليه حضرتك؟صمت برهة يتأملها، ولأول مرة، تحضره ضحكاتها منذ قليل مع طالباتها. لقد ظن لوهلة أنه أخطأ الشخصية، بالإضافة إلى الاختلاف التام بين تلك التي كانت مع الفتيات، وهذه التي تقف أمامه بوجهها المشتد... ومع ذلك، جميلة!
ـ حضرتك، بسألك بتنادي عليا ليه؟ ممكن أفهم ليه ساكت؟ما أبشع غضبها وتشنجها في الصياح دون تمييز! زفر يستدعي الحكمة والهدوء في النقاش مع كتلة النار التي تقف أمامه:ـمعلش يا أبلة اعتماد لو عصبناكي، بس أنا بصراحة كان لازم أشوفك عشان أسألك...
هدأت من وتيرة أنفاسها قليلًا: ـتسألني عن إيه؟أجاب يدخل في الموضوع مباشرة:ـ أسألك عن التليفون، حضرتك، اللي عطل امبارح... بسبب الميّة...
ـ وإنت إيه يخصّك عشان تسأل؟سليطة اللسان! كم يود أن يهشم رأسها! بارعة جدًا في إخراجه عن طوره الطبيعي الهادئ إلى الانفعال بعصبية.
ـ مالي؟ كيف يعني؟ هو التليفون دا مش باظ بسببي؟ ولا بسبب حد غيري؟ عرفت إنك ودّيتيه لحمادة جينيس بتاع التليفونات في البلد، وجالك إنه ما عرفش يفتحه، ولا بيشتغل فيه أصلًا، عشان حصل له جفلة... يعني ما عادش منه فايدة...
بشرتها الخمرية تحوّلت إلى الأحمر القاني، بامتزاج مع العرق الذي يتصبب على جبهتها وبعض مناطق وجهها بفضل الشمس، والعروق التي انتفخت في جبهتها تُنبيء بوضوح أنها على وشك الانفجار:ـ يعني حضرتك روحت للراجل الغريب وعن تليفوني سألت واتطجست؟ برضو هجُولهالك تاني: إيه دخلك؟ باظ بسببك ولا بأي سبب تاني برضو ما يخصكش، ولا يخص أي حد!
توقفت تُهدّئ من وتيرة أنفاسها المتسارعة، وصمت هو قليلًا يمتص غضبها، غير متأثر بكل ما تلفظت به، فهذا المتوقع منها أصلًا... ليستدعي الحكمة في مخاطبة القطار المشتعل: ـ ماشي، رغم كل زعيقك وصراخك، أنا برضو هاعمل بتربيتي وأصلي الطيب. جُلتِها قبل كده إنه قفل بسببي، وأنا ما اتعودتش أغلط وماصلحش غلطي. بس يا ريت يبجى فيه تفاهم منك.
لم تفهم الأخيرة، حتى التف بجذعه أمامها، وأدخل يده في السيارة متناولًا منها علبة بيضاء، برقت أبصارها بخطر حين علمت بفحواها، ومع ذلك لم يتراجع أو يهتز، وهو يقدمه لها:
ـ دا واحد بدل اللي ضاع يا أبلة اعتماد، ممكن تعتبريه عوض، وممكن تعتبريه هدية. النبي قبل الهدية...
اهتزت أمامه كالقدر الذي يغلي فوق النيران الموقدة، شرار ناريّتيها يكاد أن يحرقه، بتصاعد ثورات الاعتزاز والكرامة التي تصدح داخلها تنادي بالانتقام لذاتها... كيف يفعلها؟ وكيف يجرؤ؟ وكيف...؟
ـ براحة على نفسك شوية يا أبلة اعتماد، أنا ما بغلطش فيكي ولا بقلل منك، هو بس إحساس بالمسؤولية لخطأ ارتكبته وعايز أصلحه.
هكذا، وبكل سهولة، أردف يخفف وطأة الشعور بالدونية الذي يكتنفها كلما مرّت بموقف مشابه، لتُعبّر عن رفضها وبقوة: ـ وأنا ما بجبلش العوض... ولا الهدية!
عاد فجأة بعلبة الهاتف يُلقيها داخل السيارة، بكل بساطة:ـ تمام، أنا كده عملت اللي عليّا. ثم امتدت كفّه إلى الباب يفتحه ويستقل مقعده خلف عجلة القيادة، يُردف لها على عجالة وهو يدير المحرّك: ـ كان ودي أتصرف بمروءة وأجولك: اتفضلي أوصلك في طريقي، بس أخاف كمان تفهميني غلط، وده المتوقع. عن إذنك يا أبلة اعتماد.
ظلت على صمتها، تراقبه حتى ابتعد بسيارته، لتُغمغم في أثره بحنق شديد، وقد ضيّع عليها فرصة الانفجار وصبّ جام غضبها عليه: ـ مغرور... وقليل ذوق!
.............................
قامت بتسخين المياه على الموقد الطيني في القدر النحاسي الذي ورثته عن والدتها، لتستخدم المياه الدافئة للاستحمام. ثم جلست متربعة القدمين تمشط شعرها الطويل، عائدة لروتين النساء قديمًا، وراحتها التي غابت عنها على مدار سنوات زواجها.
راحتها الحقيقية التي وجدتها هنا، رغم التعب في تحضير كل شيء، حتى في تسخين المياه. مرآة صغيرة كانت ترفعها إليها كل حين وآخر، تتأمل وجهها النضر، والشعر الأسود يحاوطه من الجانبين، العيون التي بدأت تحرص على تكحيلها، لترى جمالهما المميز. أصبحت ترى نفسها، تستشعر الأنوثة التي كانت غائبة عنها، رغم كلمات الإعجاب التي تتلقاها دائمًا، حتى من النساء. ذلك الإحساس الرائع تتمنى من الله ألا تُحرَم منه امرأة.
تنهدت بعمق وقد تذكرت المتسبب الرئيسي في عودة تلك المشاعر إليها، لتزفر بضيق وتنفُض رأسها، لا تريد التفكير به ولا التأثير على قناعتها... لا تريد.
أخرجها من شرودها صوت طرق الباب الخشبي، يليه نداء ابن شقيقها:ـ افتحي يا عمة مزيونة، أبويا جا معايا! استقامت مبتهجة، تركض إلى الباب، تستقبل شقيقها الغائب دائمًا بفضل عمله خارج المحافظة، وبلهفة لا تقل عنها، قابَلها هو الآخر، يُقبّل وجنتها وجبهتها متغزّلًا، بعد أن تطلع إليها جيدًا:
ـ تبارك الرحمن فيما خلق، ولا أكنك رجعتي لعمر الستاشر، يا بت أبوي! رجعتي مزيونة على حق!
أضاف عليه حازم هو الآخر: ـ أيوه يا بوي والله، أنا بقولها كده دايمًا، وهي ما بتصدجش!
تبسمت بخجل أصابها، ساحبة شقيقها معها إلى الداخل:ـ بس يا واد، بطل بكش! أخويا شايفني بعين المحب، عمره ما هيشوفني كبرت واصل.ـ طب ما إنتِ فعلاً ما كبرتيش، يا خيتي، لساكي! برضك مش مصدّجة؟قالها وصفي ضاحكًا، يضمها من كتفيها إليه، فتتنعم هي بحنانه وتعبر عن امتنانها:ـ حبيبي يا خوي، ربنا ما يحرمني منك. بس مفاجأة حلوة جيتك النهاردة. هتجعد معانا اليوم كله بجى؟ هنتغدى أنا وإنت والواد حازم، ونتصل بالعيال وأمهم.واض، يا حازم، اتصل بأمك بسرعة، و...
قاطعها وصفي:ـ حيلك حيلك يا بت أبوي! تجيبي المرة والعيال كيف وإحنا أصلًا معزومين عند نسايبك؟
ـ نسايب ااا؟ .......توقفت تستدرك مقصده، فتابع هو باستفساره:ـ إيه الحكاية يا مزيونة؟ ده أنتي حتى من أول الناس المعزومين! الحجة حسنية، ولا منى، حمزة نفسه ما بلّغكيش؟
ابتلعت بتوتر عند ذكره الأخير، تحاول التوضيح بحرج:ـ لا طبعًا كلموني، أنا بس بصراحة مش عايزة...ـ مش عايزة ليه يا مزيونة؟ دي عزومة عادية، الراجل عاملها يبخت بيته الجديد!
بماذا تخبره؟ لا تجد في رأسها الحجة المقنعة، ومع ذلك تُصر على رأيها. هذا الرجل الذي يُحاصرها أينما اتجهت، حتى في أحلامها، ومع ذلك تُصر على موقفها:ـ هو أنا روحتِ يعني اللي هتزود ولا تنقص! روحوا إنتوا، احضروا العزومة وتعالوا، أنا مستنياكم، نجضي اليوم مع بعض.
...............................
مسكينة هي، حين ظنت أنها سوف تنفذ قرارها. وكيف تفعل، وقد لفّ شباكه باحترافية تمنع عنها حتى التفكير؟فقد اتخذ جلسته خارج منزله، على الأريكة المقابلة لمنزلها، يستقبل الرجال من أبناء عمومته وزوجاتهم، وشقيقاته وأزواجهم. يدخل الرجال إلى دار الضيافة الواسعة، والتي جعلها عن قصد في الخلف، حتى لا يزعج خصوصيته أحد مع المزيونة المتمردة، والتي كانت تُخفي نفسها داخل منزلها منذ الصباح. ومع ذلك، تتورط وعلى غير إرادتها بالمشاركة والترحيب بالحاضرين، بدون أدنى جهد منه.
فجميع نساء العائلة، ممن حضرن مع أزواجهن أو بلا، كانت تذهب أقدامهن إلى منزلها قبل منزله، يلتقين بها ويسألنها، وهي تختلق الحجج، حتى نفدت طاقتها بحضور حسنية نفسها ومنى التي هي هتفت بها فور الولوج إليها:ـ انتي لسة جاعدة مكانك يا ولية؟ والبيت بيضرب يقلب هناك!تلجلجت وهي ترحب بهن:ـ وه يا منى، ادخلي سلمي الأول بي. اتفضلي يا حجة حسنية، اتفضلي...
عارضتها حسنية بلطفها المعتاد:ـ ندخل فين يا بنيتي ونسيب الناس؟ والبيت المليان هناك؟ إنتي لسة جاعدة مكانك ليه يا مزيونة؟ هو إنتي غريبة يا بنيتي؟
ابتلعت، تبحث عن سبب منطقي يمنعها:ـ يا حجة، أصل يعني هو...
ـ هو إيه بس يا مزيونة؟ يا بتي اتحركي ياللا، حتى على الأقل عشان توَنّسي بنيتك!
ـ ليلى هتحضر؟سألتها بلهفة، لتؤكد لها منى:ـ أيوه يا ستي، ومعاها معاذ كمان، قبل ما يسافر على شغله بكرة. يعني البيت كله هيحضر، وهما لأ؟...........................
بعد لحظاتٍ ليست بالقليلة، خرجت تُنعش الهواء من حوله بحضورها، ترافق والدته وشقيقته، بخطوات يحفّها الخجل.هو ليس بالأعمى حتى لا يرى بأمّ عينيه تأثيره عليها، حتى وإن ادّعت العكس، بذلك التجهّم الذي تتصنّعه، وقد خرجت مجبرة، حسب ما فهم من بعض الحجج التي تواترت على مسامعه عن سبب غيابها، وقد أنبأته صباحًا بعبوس الأطفال.
فاردة ظهرها بعزة، تمشي بجوار والدته التي أطلقت زغرودة كبيرة من فمها، قبل أن تلقي بنفسها عليه، تبارك وتهنئ وتقبّل وجنتيه:ـ تكون عتبة السعد عليك يا نضري، تملاها بالولاد والبنات اللي تخاوي بيهم ولدك.
ضحك بمرح، يُلقي كلمات ذات مغزى، يخطف بنظراته إليها كل لحظة:ـ آه يا ست الحبايب، بس تيجي صاحبة النصيب الأول، وإحنا نخاوي ريان بالولاد والبنات والأحفاد إن شاء الله فيما بعد.
ـ كريم ينولك نصيبك.
تمتمت بها والدته بتضرّع، ليتجه ببصره بعد ذلك نحو مزيونة، التي تغيرت لشيء آخر...قد ذهب عنها خجل المراهقات الذي أصبح يصاحبها في حضرته، ليحضر شيء آخر لم يفهمه، ربما سببه كانت تلك الكلمات الأخيرة التي أردفت بها والدته.
ـ عتبة سعيدة إن شاء الله يا أبو ريان.ـ تسلمي يا أم ليلى، ربنا يبارك فيكي.أخيرًا هتخشي البيت مع الجماعة وتشوفي البيت.
قال الأخيرة بمزاح، قابلته بابتسامة باهتة فاقدة الحياة، ثم تحركت تتبع والدته نحو باب منزله، والذي ستدخله لأول مرة.
اقتربت منى تجذبه من ياقته بعنف كي ينتبهه إليها:ـ ما خلاص، سيبها تدخل، وانت شوف أختك، يا عديم الحساسه!ألف مبروك يا حبيبي، عتبة السعد والهنا إن شاء الله.
تقبّل العناق ومباركتها بابتهاج لا حدود له، يعبر عنه كالطفل، ناسيًا وضعه كرجل كبير، ربّ عائلة، وناضج:ـ دخلت بيتي يا منى، ادعيلي يا خيتي تبجى من نصيبي، ادعيلي ربنا يهديها على أخوكي يا بت.
قابلت رجاءه بعطفٍ شديد:ـ إن شاء الله يا حبيبي، تكون من نصيبك، والله ليحصل بإذن الله.ـ يا رب، يا رب...
ظل يتمتم بالدعاء حتى بعد ذهابها، واستقبال فردين من أبناء عمومته من ضمن المدعوين، تغمره حالة من الشرود والتساؤلات التي تدور في عقله، عن ردّ فعلها حين ترى داخل المنزل...كم ودّ أن يترك مكانه ويُريها كل قطعة فيه، ليعرف رأيها، وإن كانت تُعجبها أم يغيّرها من أجلها.
وفي غمرة تلك التساؤلات، تفاجأ بحضور آخر شخص يتمنى غيابه الآن.
ـ روان...
تمتم بعد استيعاب، يراقب ترجّلها من السيارة بصحبة صغيره، الذي يكاد أن يطير من الفرح، يسحبها من يدها وهي تضحك:ـ براحة يا قلب ماما، أنا مش قدك... ولا أقولك، خلاص وصلنا أهو، إزيك يا حمزة؟ ألف مبروك على البيت.
بوجومٍ واضح، تلقّى تهنئتها، يومئ برأسه، وبصوت بالكاد يُسمع:ـ أهلًا يا روان، الله يبارك فيكي.
اكتنفها حرج شديد من رد فعله، فسارعت بالتوضيح لتخفف من ثقل الموقف:ـ ريان هو اللي عزمني على فكرة، مكنتش أعرف إنه مقالكش.على العموم، لو رافض دخولي البيت أرجع عادي، أنا أصلًا جايّة أبارك وبس، عشان عزومة يعني ولا حاجة.
ألقى بنظرة خاطفة نحو صغيره، قبل أن يعود إليها بحنقٍ في نبرة صوته:
ـ ودي عمايل ولاد أصول برضو؟ عيب يا روان، البيت بيتك.اتفضلي جوا مع الحريم.
ترددت عن التحرك من محلها، فتوجّه بالأمر حازمًا نحو صغيره: ـ واض يا ريان، اسحب أمك على البيت جوا عند الحريم... أخلص يا واض!........................طافت بها على جميع الغرف، لم تترك موضعًا في المنزل حتى عرّفتها به، فلم يتبقَ سوى غرفة واحدة، كانت الأخيرة. وفور أن دخلتها مزيونة، اكتنفها شيء غير مفهوم، لتسألها:
ـ دي شكلها أوضة نوم، بتاعة...
قطعتْها ناظرة إليها بعتاب، تجاوزته منى وهي تتحدث بمكر:
ـ أيوة يا حبيبتي، دي أوضة حمزة، إيه رأيك فيها بجى؟
ابتلعت رمقها بارتباك شديد، لتجيبها بحدة:
ـ وأنا مالي يا منى؟ أجول رأيي فيها ليه؟ حلوة لصحابها وخلاص، يلا بينا خلينا نرجع.
همّت أن تلتف، ولكن منعتها منى، توضّح ببراءة:
ـ وه يا مزيونة، أنا بسألك عشان أشوف رأيك عادي، حُكم إني مكنتش عجباني جوي، أكمنها عصرية زيادة عن اللزوم، مش زي الأنواع اللي إحنا متعودين عليها. حمزة اشتراها جديدة، زي ما عمل مع كل العفش في البيت الجديد.
هي لم تكذب في الأخيرة، كانت بالفعل مبهرة، عصرية وفاخرة كصاحبها، وصاحبة النصيب أيضًا التي تليق به...أين هي من هذه الفخامة...
نفضت رأسها فجأة، تطرد الأفكار المزعجة من عقلها:
"ربنا يوفقه ببنت الحلال اللي تنورها إن شاء الله، كفاية بجى... خلينا نطلع."
والتفتت سريعًا ذاهبة، حتى اضطرت منى أن تهرول للحاق بها:
ـ طب استني يا ولية، أنا فيا حيل للجري وراكي!
توقفتا الاثنتان مع الظهور المفاجئ لتلك التي أصبحت عادتها تلك الصفة:
ـ ما شاء الله، طالعين بتفروا ورا بعض! لتكونوا بتلعبوا كمان؟
حلّ الوجوم بمزيونة، لا تجد ردًا على تلك المخلوقة الغريبة، فتكلّفت منى بالرد:
ـ وماله يا هالة لما نِفِرّ ورا بعض؟ الله أكبر عليكي يعني.
ـ يا ستي، هو أنا هحسدك؟ ربنا يزيدكم كمان وكمان.بس أنتو كنتوا طالعين من أوضة النوم، صح؟ الوحيدة اللي أنا مدخلتهاش يا منى...
قطعتْ الجملة مصوبة نظرة نارية نحو مزيونة، لتردف:
ـ ولا اكني بت عمهم حتى... مش مرة أخوهم اللي معاهم في بيت واحد!
للمرة الثانية، زادت من حنق مزيونة، لتجبرها على الرد هذه المرة:
ـ وأنا إيه اللي عرفني بالكلام ده يا هالة؟ أنتو عيلة في بعض زي ما بتجولوا... عن إذنكم.
أنهت كلماتها وتحركت مبتعدة من أمامها بخطوات سريعة غاضبة، لتعلّق منى إثرها نحو الأخرى:
ـ نفسي أفهم يا هالة، هو انتي شيطانك ده مسلطك علينا ولا على نفسك؟ ربنا يهديكي.
ضحكة ساخرة صدرت من هالة، تتابع ذهاب منى باستخفاف، مغمغمة:
ـ وتتعبي نفسك ليه يا غالية؟ هي سهلة وبسيطة خالص... لكل فعل رد فعل.......................
حين وصلت مزيونة إلى تجمع السيدات، كانت تهمّ بالاستئذان في الرحيل، ولكن وجدت ما جعلها تتراجع سريعًا؛ صغيرتها التي كانت كالزهرة بين السيدات، بطلتها التي تقترب من المراهقة الصغيرة والعروس المتزوجة حديثًا، تثير فضول الجميع في النظر إليها، والتقرّب منها بروحها النقية دائمًا.
حتى أنها لم تخجل منهنّ، وفور أن التقت عيناها بها، ركضت إليها غير مبالية بشيء:
ـ أمي الغالية، أنا جيالك بنفسي النهارده.
تلقتها مزيونة بالعناق غير مبالية، مصدر السعادة الوحيد إليها صغيرتها؛ فلمَ قد تخجل من لهفتها إليها؟ عانقتها بقوة، حتى أنها لم تعِ على وجود أحدهم سوى بعد لحظات، وقد كان واقفًا بالقرب من الباب، يصوّب أبصاره نحوهما بابتسامة خلابة، أثناء حديثه السريع مع والدته، فقالت ليلى:
ـ عم حمزة هو اللي أصرّ أجي وأحضر معاكم العزومة، أنا ومعاذ اللي جاعد دلوك مع الرجالة. البيت طلع حلو جوي، بصراحة عم حمزة يستاهل كل خير.
سمعت منها، واتجهت أبصارها نحوه على غير إرادتها، تتعانق النظرات بينها وبينه بصورة لفتت زوجًا من النظرات الحاقدة، لتوسوس إحداهما إلى الأخرى:
ـ واخدة بالك؟ عشان تبجي تصدجيني بس.الفصل السابع والعشرون ج٢**"كم كان الطريق موحشًا، حين خُطِفت قدماي إلى ساحةٍ لم أخترها…ساحة نُصِبت فيها العيون قبل أن تُنصَب الكلمات.أُغرِقتُ في معركة لم أُعلن يومًا أنني جُنديّ فيها،كأنّ الهمسات سهام،والنظرات قاضٍ لا يعرف للرحمة سبيلًا.
أنا التي خُدشت كرامتها بكلماتٍ عابرة،أنا التي انكمشت بين زوايا قلبها، تخشى من ظلّها،تتحسّس ملامحها كأنها باتت غريبة عنها.
وكم كان اللوم ثقيلًا…لا عليه، بل على قلبي الذي وثق،على ضعفي حين التزمت الصمت،وعلى خوفي الذي خنق صرختي.
لست قوية بما يكفي لأبدو بخير،ولا هشّة بما يكفي لأبكي أمامهم.أنا فقط… متعبة."**المراجعة والخاطرة القمر / سنا الفردوس......................
الفصل السابع والعشرون ج٢
3
في دار الضيافة التي أُعدت لاستقبال الزوّار من أبناء عمومته وبعض المعارف الأعزاء عليه، لم يُقصّر هو ولا أشقاؤه في العمل على إكمال المأدبة على أكمل وجه؛ من بداية الحفاوة في الاستقبال، مرورًا بالمأدبة الفاخرة، حتى وصلوا الآن إلى الطواف على الحاضرين بكافة المشروبات الساخنة والباردة والحلوى التي أرسل في طلبها من أغلى محلات المحافظة.كان يغمره ابتهاج غير عادي، متأمّلًا أن تكون المرة القادمة المأدبة الأهم في عمره... مأدبة عرسه.
ــ "الله ينور عليك يا أبو ريان، العزومة النهاردة حاجة فاخر من الآخر يعني! كل دي تكاليف يا راجل على عزومة لعيال عمّك؟! أمال لو فرح، كنت عملت إيه؟!"
تمتم بتلك الكلمات شقيقه الأصغر بعد أن تمكّن أخيرًا من الجلوس بجواره، ليعلّق شقيقه الأوسط، خليفة، قائلًا:
ــ "ما يعمل دلّوك، ويعمل بعدين يا سيدي، مدام في كل الأحوال إحنا اللي بناكل وإحنا المستفيدين! ولا هو أكل وبحلجة؟!"
تبسم حمزة موافقًا:
ــ "أيوه والله، جوله يا خليفة، عايز ياكل ويسأل كمان؟!"
أذعن خليفة بمرح ينفذ الأمر قارصاً بذراعه علي عنق معاذ أصغرهم:
ــ "لا طبعًا مش من حقه! احترم نفسك يا واض، احترم نفسك يا جليل الرباية! يا تاكل يا تسأل!"
ضحك معاذ وهو يقاوم ذراع شقيقه، ليتبادل الثلاثة المزاح والمداعبات، حتى تذكّر حمزة شيئًا ما، فنهض من جوارهم متوجهًا إلى مجموعة من الصغار، جلس بينهم صغيره يلعب معهم. دنا منه وأمسكه من يده:
ــ "واض يا ريان، تعالَ... عايزك."
استجاب ريان لسحبه حتى ابتعد به حمزة إلى ركن ما، بمسافة آمنة تمكنه من الحديث معه بحرية:
ــ "نعم يا أبوي؟"
ــ "مِنْحرِمْش يا عين أبوك، أنا بس كنت عايز أسألك سؤال كده يعني... راجل لراجل."
ــ "جول يا بوي، أنا راجل وسيّد الرجال!"
حكّ حمزة بأنامله على ذقنه بتفكير ورويّة قبل أن يسأل وينتقده بحرص:
ــ "طبعًا يا حبيبي... بس أنا كنت عايز أسألك، يا سيد الرجال، مش برضك كان لازم تبلغ أبوك؟ ولا تاخد رأيه قبل ما تعزم أمك من نفسك؟ طب كنت جولي، عشان تيجي مني أحسن."
شرد ريان قليلًا حتى تذكّر، ثم أجابه:
ــ "بس أنا ما دعتهاش من نفسي، ولا جولتلها تعالي غير لما هي سألتني."
سأله حمزة بعدم فهم:
ــ "إزاي يعني؟ وضّح أكتر."
شرح له ريان:
ــ "يا بوي، هي اللي سألتني في التليفون، وهي بتكلمني عن العزومة اللي انت عاملها... عازم مين ومين؟ ولما جولتلها فلان وفلان، زعلت، وجالتلي: يعني كل الناس معزومة إلا أنا؟!جولتلها تعالي، في حمايتي، مش أنا ولدك برضو؟"
تصنّع حمزة ابتسامة باهتة ليصرفه، فذهب، وتوقف هو مغمغمًا لنفسه:
ــ "يعني عزمت نفسها... وكانت عارفة بميعاد العزومة... يا ترى إيه وراكي يا روان؟!"!.............................
في الردهة الواسعة للمنزل الجديد، حيث المأدبة الفاخرة التي ارتصت عليها أشهى الأطعمة بمختلف أنواعها،كانت تضم عددًا لا بأس به من النساء المدعوات من العائلة، من أبناء عمومته وشقيقاته وبناتهم، ترأسها الحجة حسنية، التي تطوف على الجميع وتراعي، بمساعدة بناتها أو حفيداتها اللاتي لا يقصرن معها.تشاركهن مزيونة، التي أذعنت لتلبية الدعوة تحت الإلحاح، لتضطر إلى تناول الطعام معهن.مع أن وضعها طبيعي جدًا بصفتها والدة ليلى ونسيبتهم كما يقولون، إلا أنها كانت تشعر بالغربة وسطهن،رغم ترحيب حسنية المبالغ فيه، وبناتها في معاملتهن الخاصة لها ولابنتها.أو ربما هذا ما كان يزيد الأمر سوءًا عليها، أمام تلك المرأة زوجة حمزة السابقة،فقد كانت تحدجها بنظرات غير مريحة، لا ترفع بصرها عنها إلا قليلاً، حتى وهي تلوك الطعام الآن.
منذ بداية حضورها وهي تتفحصها من حجاب رأسها في الأعلى حتى خف قدميها.ليست غبية عن نظرتها الدونية لها، وكأنها تقصد أن تشعرها بالنقص،بذلك الفرق الشاسع بين واحدة ترتدي ملابس عادية جدًا، عبارة عن عباءة سوداء وحجاب سماوي ترتديه أحيانًا حتى في المنزل،وبين تلك التي تجلس بعظمة، وهيئة ملوكية رغم بساطة الملابس الغالية أيضًا،امرأة راقية ومتعلمة وجميلة أيضًا. منطقيًا لا توجد منافسة من الأساس،إذن، لماذا لا توفر جهدها ولا تزعجها أصلًا؟!فقد رحمها الله أن عرفت قدر نفسها من البداية حتى لا تعلّقها بالأحلام.
كانت مكشوفة لدرجة لفتت انتباه ابنتها، لتهمس لها بنزق:ـ هي مالها الست دي بتبصلك كده ليه؟ طالعة معايا أحرجها جدام النسوان وأسألها؟
شهقة أجفال كتمتها مزيونة داخلها، لتوجه الأمر نحو ابنتها التي أصبحت تبادل روان النظر بعدائية:ـ اجفلي خشمك يا زفتة وشيلك عنها، مش عايزين حد ياخد باله من الحريم ولا البنتة.
بتحدٍّ أحمق، عارضتها ليلى:ـ مش لما تشيل عينيها هي الأول، وتحط همها في الطبق اللي جدامها؟
هذا أكبر من تحمّلها؛ ابنتها تدفعها عفويتها للتهور الذي قد تُدفع ثمنه بفضائح هي في غنى عنها.لم يسعفها سوى نظرة حازمة محذّرة، أخرست ليلى وجعلتها تصرف نفسها عن مواجهة تلك المرأة،لتضع همها مُجبرة في الطعام، غافلتين عن مراقبة ثاقبة من إحداهن، بأعين متوعّدة، مترقّبة!
.................
داخل غرفتها، وكانت منكفئة على مجموعة من الكتب تعمل على تحضير جدول الغد من دروس المواد التي تُدرّسها، لم تنتبه لدخول شقيقتها إلا عندما وضعت أمامها كوبًا كبيرًا من العصير الطازج، فرفعت رأسها إليها بامتنان:
ــ "وه، رغد هانم بحالها عاملة العصير وجايباهولي عندي! دا إيه الهنا دا يا ولاد؟!"
تبسّمت لها المذكورة، تُعقّب بطريقتها الصعبة في النطق بعض الشيء:
ــ "وو... وهو يعني... رغد، عندها أأأغلى ممنك يعني، يا ستّ اعتماد؟"
نفت الأخيرة بهزّ رأسها ونظرة حانية نحو شقيقتها الجميلة الرقيقة، أصغرهم. فقد أُصيبت رغد بمرض ما وهي طفلة، ولم تتمكن من العلاج منه لظروف الفقر الشديد، حتى أثّر على جهاز النطق لديها.وظلّت لفترة طويلة لا تتحدث إلا بالإشارة، ولكن فور أن تمكنت اعتماد من الحصول على المال، فعلت أقصى جهدها من أجل علاجها، في رحلة طويلة انتهت إلى تلك النتيجة. كانت تريد لها المزيد، لكنها تحمد الله على ما تحقق.
ــ "ولا اعتماد عندها أغلى من رغد! انتي عيني من جوا، يا حبيبتي."
ــ "وو... روووضة، اننتي دايمًا ككنت بتجولي كده."
زفرت اعتماد بيأس، تعلّق على قولها:
ــ "أنا فعلًا طول عمري بقول كده... بس أختك تعبتني جوي، وشكلي مش هتستريح غير لما تجيب أجلي!"
ــ "بببعد الشر عليكي! رووضة طيبة... ببس مشكلتها جوزها عفِش."
ردّت اعتماد بابتسامة ساخرة:
ــ "عادي يا حبيبتي... ما كل الرجالة عفِشين! الرك على الحرمة نفسها.واختك بهبلها هي اللي بتعشّم الصايع جوزها في استغلالها.والله، لو تملك نص عجلك بس، لكانت ريّحتني."
ضحكت رغد، ليشرق وجهها الجميل بمرح تعشقه شقيقتها الكبرى، بل وتعتبر ابتسامتها وضحكتها بمثابة جائزة لها في عزّ لحظاتها يأسًا. ببراءتها تشعر أن الدنيا ما زالت بخير.
ــ "صحيح... تلييفووونك فييينه؟"
تنهدت تجيبها بغيظ:
ــ "باظ يا حبيبتي، خد نصيبُه وراح!"
صمتت تتذكر من تسبّب في إعطاله، لتضغط على شفتها بحنقٍ شديد كلما أتى بعقلها عرضه عليها هاتفًا جديدًا من أحدث صيحة، ثم ومن دون كلام، رفعه عنها قبل أن يسمع الرد بصورة أقوى!مغرور... وجليل ذوق... وشايف نفسه، عشان ما هو حلو حبتين!.............................
انتهى الغداء الكارثي لها، في ظل أجواء من التوتر لم تشهدها من قبل.كم ودّت أن تترك كل شيء وتهرول على الفور إلى منزلها،ولكن الحجة حسنية، التي أصرت عليها للمجيء، هي نفسها من أجبرتها بلطفها الشديد على أن تنتظر معهن وتشاهد جلسة المديح من شيخ البلدة،بعد أن أنهى تلاوة القرآن لتحصين المنزل الجديد وزرع البركة به.
من خلف الباب الداخلي لساحة الضيافة التي أعدها حمزة، جلست النساء،ووقف بعضهن يتابعن الصوت العذب الذي يشدو بأجمل القصائد، وخلفه يردد الحاضرون من رجال في الخارج ونساء في الداخل،باندماج يُثير الإعجاب ويريح النفوس الشاردة لأن تفصل عن واقعها هذه اللحظات، حتى تمر دون شعور بالوقت.
قمر سيدنا النبي قمر...
حين توقف الرجل عن الإنشاد برهة، انتبهت، تكتفي من الجلسة والمشاركة، وقد فعلت ما عليها،تخاطب ابنتها هامسة:ـ بت يا ليلى، أنا رايحة بيتي، هتاجي معاي على ما الليلة تخلص وجوزك ياجي ياخدك؟
ردت ليلى بلهفة:ـ لا، أنا عايزة أدخل الحمام الأول، بجالي مدة طويلة عايزة أجوم ومكسوفة أستأذن، البيت ما شاء الله كبير وأنا مش عارفة فيه حاجة.
ـ وساكتة ومجولتيش؟! آخدك أنا على بيتي يا موكوسة!
تمتمت بها تُوبّخ ابنتها وهي تهم بالنهوض، مما جعلها تلفت انتباه منى الجالسة بجوارها،فعلّقت بطرافتها كالعادة:ـ ما تثبتي يا ولية وبطلي فرك، على ما نخلص الليلة مع بعض! هو إحنا كل شوية هنقولك اجعدي؟
ضحكت مزيونة وردّت بحرج:ـ يا ستي، انتي بلاش ظلمك ده، بنيتي عايزة تدخل الحمام، هاخدها على بيتي ورجعالكم تاني.
ـ تسحبيها على بيتك عشان تدخل الحمام يا مجنونة؟ وهنا إيه؟ مفيش؟ جومي يا بت تعالي...
قالتها منى لتنهض، تجذب ليلى من يدها، ذاهبة بها، وتبعتهما مزيونة حتى توقفت في منتصف الطريق، تنبّههما:ـ أنا هستناكم هنا طيب.وافقتها منى بحماس:ـ تمام، استنينا عشان نرجع وناخد جعدتنا مع بعض، بعيد عن الحريم الفقر.
تبسمت مزيونة لمقترحها، لتتوقف، متحولة بنظرة خاطفة داخل أرجاء المنزل الفخم،بعد أن خلى تقريبًا من الأفراد، لاجتماعهم عند دار الضيافة والاستمتاع بالمديح.
انتبهت إلى قنينة المياه الموضوعة على الطاولة التي تتوسط المساحة الشاسعة،لتشعر برغبتها في الارتشاف منها، فاقتربت، لتضع منها في كوب وتشرب.
في نفس الوقت، كان شخصٌ آخر قد دلف إلى المنزل، فوقعت أبصاره عليها،ليتجمد في مكانه، وقد ارتجف قلبه داخل صدره برؤيتها وحدها تحتل المساحة الشاسعة دون مشاركة من أحد،نعم، فهو منزلها وهي سيدة الدار، حتى وإن كانت تجهل هذه الصفة حتى الآن.
وكأنه عاد إلى أيام الصبا واندفاع المراهقة،تحركت أقدامه دون تفكير نحوها، يلتقط فرصته في الحديث معها:ـ مجولتيش رأيك إيه في البيت؟
شهقة أجفال صدرت منها بصوت عالٍ، حتى سقط منها كوب الماء بما يحتويه على الأرض،بعد أن فاجأها بحضوره وقوله، لتستدرك سريعًا، متوجهة إليه بنظرة نارية،ويدها لوّحت إليه باستفهام لاهث، فالتقطها بفطنته، يعلّق بمرح:ـ سلامتك من الخضة، أنا كان جصدي أسألك بس مش أخلعك.
ألقت نظرة سريعة إلى الخارج بتوتر، ثم عادت إليه موبّخة:ـ وفرجت إيه؟ انت أصلًا إيه اللي جايبك هنا؟ سايب كل اللمة اللي برا وجاي لي أنا؟!
ردّ يتحفها بابتسامة عابثة غير مكترث:ـ وأسيب العالم كله كمان وأجيلك! يهمني أعرف رأيك، رأيك أهم عندي من الكل.
ـ يخرب مطنك...
تمتمت بها، تُغمض عينيها بتعب، ثم أردفت:ـ يا سيدي، هو انت طلعتلي منين؟ مالي أنا؟ ولا انت مالك بيا عشان يهمك رأيي؟ دا بيتك وانت حر فيه، عملته قصر ولا عِشّة، أنا إيه دخلي؟
التمعت عينيه ببريق خاطف، تتجلّى فيهما الإجابة بكل وضوح حتى دون أن ينطقها، يراوغها بمكر:ـ وه، ولما انتي إيه دخلك؟ أمال مين اللي له دخل؟! هو البيت اتبنى هنا ليه أصلاً؟
تلك السهولة التي تحدث بها، وعيناه تنطقان بما لا يدع مجالًا للشك في صدقه،لتتجمد في مكانها كالتمثال، تُعاد الكلمات بذهنها مرارًا وتكرارًا، والمعنى يتجلّى أمامها بوضوح الشمس،حتى تمكنت من الرد أخيرًا بتلعثم وهروب:ـ كنك شارب وجاي تستظرف! سيبهولك خالص البيت اللي انت فرحان بيه ده.
كادت أن تلتف وتذهب، ولكنها وجدته يتصدر أمامها بابتهاج يغمر قلبه،هروبها المتعمد وارتباكها الملحوظ أمامه الآن، كل تلك المظاهر تؤكد تأثيره الطاغي عليها حتى وإن أنكرت:ـ انت بتتصدر جدامي زي العيال الصغيرين، زوّدتها جوي، قسماً بالله لو ما اتزحزحت من جدامي، لأفضحك وأجلبها ليلة طين!
ضحك بعدم اكتراث بكل ما أردفت به، مرددًا:ـ بعد الشر، ما تبجى طين ولا زفت، إن شاء الله هتبجى فل وآخر تمام. البيت كمل واتبنى، ومعدتش فاضل كتير...
ختم بتنهيدة ساخنة قبل أن يتحرك ويتركها:ـ هااانت، هاااانت.
توقفت في أثره، تتبع خروجه واختفاءه من أمامها،بدوار بات يطيح برأسها، وأقدام لا تقوى على حملها، وكأن الأرض ذاتها تهتز من تحتها،وما عادت ثابتة كما عهدتها دائمًا.ماذا تبقى ليطلبها صريحة؟ وإن فعل... ماذا سيكون ردها؟...
ـ ما شاء الله، دا الحلوة عايشة في الدور على آخره كمان؟
ذلك الصوت الأنثوي الذي أتى من البعيد أعادها إلى عالمها الحقيقي،فتحت عينيها جيدًا نحو تلك المرأة التي تتربص بها منذ حضورها،تقف مقابلها تمامًا، تطلق شررًا من ناريّتها قادرًا على حرق من يقف أمامها.
تحدثت مزيونة بتشتت، بالكاد تستوعب ما يحدث:ـ فيه إيه؟ انتي بتكلميني أنا؟
ـ أمال يعني بكلم خيالك ياختي؟!
صدرت منها كردٍ يصعق مزيونة بجرأتها، وقد تحولت إلى امرأة أخرى،تنزع عنها ثوب الرقي الذي تتحلى به أمام الجميع،مستغلة غياب المدعوين، يساعدها الصوت العالي للمديح الذي أصبح يصدح بقوة،مع مشاركة الرجال، لتفرغ بحرية شحنة الغضب المكبوتة في صدرها:
ـ فكراني عامية ولا مغفلة على عمايلك المكشوفة مع أبو ابني؟بتلفي وتدوري حواليه زي الحية!تلفّي عليه شباكك! هو انتي ملكيش راجل يلمّك؟ ارجعي لجوزك يا ماما، وبلاها الرخص وقلة القيمة من واحدة زيك!
وكأنها في كابوس حقيقي، تكذّب أذنيها وعينيها ما تسمعه أو تراه،وعقلها يأمرها بالشجاعة والثبات أمام تلك المخلوقة:
ـ انتي مرة جليلة أدب ومش محترمة، وأنا لولا عاملة احترام للبيت اللي واقفة فيه وناسه، كنت عرّفتك مجامك!
ـ تعرفي مين مقام مين يا حيوانة؟!
تطاولت هذه المرة لتمعن في إهانة مزيونة، تمسكها من طرف جلبابها بازدراء،تواصل تحقيرها أمام نفسها:
ـ بزمتك، انتي مش دريانة بنفسك؟ بترسمي على حمزة خريج الجامعة وابن العيلة المأصلة؟ده أنا مشغلكيش خدامة عندي بمنظرك ده! أقل واحدة عندي معاها كلية أو معهد على الأقل!ما تصحي لنفسك يا حلوة، ده انتي شهادة الإعدادية ما خدتهاش!
الصدمة التي تباغت الإدراك وسط سطوة الإهانة على عزة النفس،فتعقد اللسان وتُحدث في الجسد جمودًا يماثل الشلل،حتى يستوعب الشخص ما يحدث، ثم يأتي رد فعله...
كانت هذه حال مزيونة، حتى أتت يد تعرفها جيدًا، تبعد تلك المرأة عنها،وتتصدر هي لها، صائحة بها:ـ بتعملي إيه يا مرة يا مخبولة؟ شيلي يدك عن أمي بدل ما أجطعهالك!
كانت تلك ليلى، التي هالها مشهد والدتها وإهانتها من تلك المرأة،فأتت راكضة للزود عنها، تدفع روان بقوة حتى كادت أن توقعها،وكأنها تحولت إلى وحش للدفاع عنها. فتدخلت منى هي الأخرى بعد أن وصلت خلفها، تحدجها المذكورة بنظرة نارية،لتضطر الأخرى إلى التبرير لها:
ـ أنا آسفة يا منى، بس والله غصب عني،لو شُفتي بعينك اللي شُفته من الست دي وهي بتحاول تغوي حمزة هنا...
شهقة قوية كانت هي الرد الذي جاء متأخراً من مزيونة، في تناقضٍ واضح مع ابنتها التي كانت واعية تمامًا لأخذ حق والدتها، فارتفعت يدها لتحط على خد الأخرى بـلطمةٍ قوية صرخت على إثرها روان بألم، يتبعها قول ليلى:
ــ "جطع لسان اللي يجيب سيرة مزيونة الحرة بكلمة واحدة."
وعلى الرغم من مباركة منى لفعل ليلى، إلا أن ما حدث بعد ذلك جعلها تعيد التفكير، فقد علا صوت روان قاصدة أن يصل للنساء المتابعات للمديح بالقرب منهن:
ــ "قبل ما تمدي إيدك على أسيادك، لمي والدتك اللي هتبقى جدة بعد كام شهر عن أبو ابني، اللي عايزة تكوش عليه وتحرمه من لم شملنا من تاني!"
ــ "تاني؟ هتجلي أدبك النهاردة والله لأربيكي يا مهزجة، عشان تعرفي مين سيد مين؟"
هتفت بها ليلى، وهمّت بالهجوم عليها بالفعل، ولكن مزيونة كانت الأسرع، فتشبثت بابنتها ومنعتها. أما منى، التي ارتجفت من تطور الموقف، فقد بدأت تدفع روان لإخراجها:
ــ "امشي يا روان، امشي يا روان، إنتي مش كد غضب حمزة لو عرف."
كادت أن تنجح في صرفها، لولا صيحة أتت من الخلف:
ــ "إيه اللي حصل؟ مالها ليلى شابطة ليه في روان وبتتعارك معاها؟"
كان من البديهي تمييز هواية صاحبة الصوت هالة، لتشرع في إسكاتها، لكن ما لم تحسب حسابه هو عدد السيدات اللاتي قدِمن خلفها يتساءلن:
ــ "فيه إيه؟ حصل إيه يا جماعة؟"
استغلت روان هذا الدعم لتنزع نفسها من بين ذراعي منى، تصرخ طالبة النجدة من شريكتها:
ــ "الحقيني يا هالة، منى عايزة تطردني عشان ب..."
قطعت مجبرة حين وضعت منى كفها على فمها تصمتها، طالبة من النساء التراجع:
ــ "لو سمحتوا ارجعوا مكانكم، دا شأن عائلي..."
تدخلت حسنية، وقد أتت بحالة من الفزع، لتوجه سؤالها إلى ابنتها ببساطتها:
ــ "هو إيه شأن عائلي؟ إيه اللي حصل يا بتي؟"
ظلت منى بكفها فوق فم الأخرى، تفكر سريعًا في حل، تنقل نظرة خاطفة نحو مزيونة التي تتمسك بها ابنتها خشية سقوطها، فقد كانت في حالة يُرثى لها. ولكن قبل أن تجيب، سبقتها هالة:
ــ "شكلها عركة كبيرة بين ليلى وروان، عشان حد من العيال دخل عليّا وبلغني وأنا بتفرج معاكم على المديح إن ليلى ضربت روان بالقلم على وشها!"
شهقات وهمهمات صدرت فجأة من النساء، وقد توجهت أبصارهن نحو ليلى، التي لم تستطع ترك والدتها، وقد بدت أمامها كالغريق الباحث عن طوق نجاة، فتحدثت مقلدة نبرة منى في الحكمة:
ــ "زي ما جالتلكم عمتي منى، موضوع شخصي..."
ــ "موضوع شخصي وهي بتلعب معاكي يا بنيتي؟ دي روان بت أصول ومافيش في أدبها!"
صاحت بها إحدى السيدات، مع تناثر بعض التعليقات، حتي عادت هالة للتدخل، مع تراخي الأخرى بدأت تخشى نتائج تهورها:
ــ "ولما هو موضوع شخصي بينك وما بينها، دخله إيه عمك حمزة؟ مع سيرة مزيونة اللي اتنتورت كمان واحنا داخلين عليكم وسمعناكم!"
ارتخت ذراعا منى عن إسكات روان بيأس، وقد دب الحماس بالأخيرة لتُخرج نفسها عنوة، مدفوعة بكلمات هالة التي شجعتها على المواصلة، فتردف بمظلومية:
ــ "أيوه، هو سبب المشكلة يبقى حمزة! أبو ابني اللي بيحلم باليوم اللي نرجع فيه ونعيش سوا، الست دي هي اللي عايزة تضيع الأمل بينا بألاعيبها القذرة!"
ــ "جطع لسانك! إنتي تاني؟ هتجلي أدبك!"
صرخت بها ليلى، تحاول الفتك بها، ولكن هذه المرة منعتها امرأة كانت بالقرب منها، ووالدتها التي تماسكت لتتشبث بها هاتفة:
ــ "سيبك منها وروحي على بيتك، أنا كمان ماشية خالص وسايبة البيت ده!"
عمّ الهرج مع تدخل بعض النساء لفض الاشتباك بين الفريقين: روان التي تبكي بمظلومية، ومزيونة التي تحاول الخروج، والنساء يمنعنها، ويحاولن السيطرة على ليلى التي كانت مصرة على ضرب روان مرة أخرى، حتى صدح الصوت الجهوري بخشونة أوقفت الجميع:
ــ "إيه اللي جرى؟ صوتكم واصل للجسر اللي ورا البيت؟ حتى الشيخ في المندرة بطل مديح من كتر صراخكم اللي غطى عليه! مالكم، اتجنيتوا؟"
خرست الأصوات جميعها، وخيّم الصمت على الرؤوس، روان صارت ترتجف لرؤيته، وذلك الوجه الصارم بحدة، الذي تعرفه جيدًا من عشرتها معه، هيبته التي أرعبت حتى النساء اللاتي لا شأن لهن بالأمر من الأساس. وقد بدا كالحائط بوجهه المشتد بتجهم، يقف بجوار شقيقيه، اللذان لا يقلّان عنه حزمًا.
فتحدث خليفة هو الآخر:
ــ "خرستوا دلوك بعد ما جيبتولنا الفضيحة جدّام الناس الغريبة؟"
أضاف عليه معاذ:
ــ "أيوه والله، دلوك لبّدتوا في بعض زي البسس، بعد ما خدنا الكسفة، ووشنا بجى في الأرض! مش عارفين نلمّها إزاي! دلوك، عايزين نعرف، مين منكم كانت بتتعارك؟"
ــ "مرتك."
صدحت قوية من إحدى السيدات، وأكملت عليها:
ــ "كانت بتتعارك مع طليجة أخوك، روان، وضربتها بالقلم على وشها!"
اتجهت أبصار الرجال الثلاثة نحو الاثنتين، ليلى التي انتصب ظهرها، تعترف دون تردد:
ــ "أيوه، ضربتها، ومستعدة أضربها مية مرة تاني، اللي يغلط في أمي أحطه تحت جزمتي!"
استمعوا إليها، لتتجه الأنظار نحو الطرف الآخر، بإستفسار وتحفز، حتي ارتعدت مفاصلها، لا تشعر بدقات قلبها، يكاد أن يتوقف رعباً من نظرة حمزة، الذي احمرت عيناه فجأة، ينقل بصره من مزيونة إليها، يتساءل بخطر:
ــ "الكلام دا حجيجي؟ وانتي فعلاً غلطتي فيها؟"
خرج صوتها على الفور، تبرر بكذبٍ وتلجلج:
ــ "لا لا، أنا مغلطتش فيها... بنتها هي اللي فهمت غلط... أنا... أنا..."
تركها على مضض، موجهًا أنظاره نحو مزيونة:
ــ "أنا اللي غلطانة، مش هي... خلوني أعدي وسبوني أمشي، الله يرضى عنكم، من طلع من داره اتجل مجداره، وأنا عرفت مجداري زين... خلوني أعدي."
ــ "لا طبعًا، محدش هيطلع من هنا غير لما أعرف كل اللي حصل!"
هدر بها حمزة قاطعًا، والجنون يتراقص في عينيه، يردف موجهًا نظره نحو الجميع:
ــ "واحدة فيكم ترد بدالهم، يا أولّع فيكم كلكم!"
ردّت منى، وقد تعبت من الجذب بينهن:
ــ "فضّها يا حمزة، وخلينا كلنا نروح علي بيوتنا، وبعدين يبجى لينا كلام تاني..."
وبثقة في حكمة شقيقته، كاد أن يقتنع ويؤجّل التحقيق، رغم الحيرة التي تأكل رأسه، ونيران الحماية تدفعه لحرق الأخضر واليابس دفاعًا عنها، حتى كاد يلين رضوخًا لنظرة استجداء ترمقه بها، ولكن هالة التي قرأت ما ينويه، أبت أن ينتهي الأمر بذلك الهدوء، لتلفت الأنظار نحوها قائلة:
ــ "وحتى لو أجلتوا الكلام لبعدين، احنا يا بوي منعرفش حاجة، الأمر كله في يد التلاتة: روان ومزيونة، بيتعاركوا على حمزة، وليلى طبعًا في صف أمها!"
إلى هنا، وقد فاض الكيل وطفح، صرخت بها مزيونة:
ــ "بتقولي إيه انتي كمان؟! الله يخرب بيت أبوكي! خلوني أمشي... خلوني أمشي!"
دافعت هالة، تدّعي الفهم:
ــ "يا بوي وأنا مالي! أنا بقول اللي بعرفه وبس!"
صاح خليفة مقاطعًا لها بحزم وعنف:
ــ "اخرسي يا هالة، ما أسمعش نفسك خالص!"
حدجتها منى بنظرة قاتلة، وقد فقدت الأمل في تهدئة الأمر، مع انتباهها لملامح شقيقها التي تبدلت إلى شر مطلق نحو روان، التي اجفلت من فعل هالة، فباتت تتخبط في حديثها:
ــ "هي مكانتش خناقة... أنا بس كنت بنبّه عليها، دا غير إني شفتكم بعيني من شوية... وانت بتحاول... قصدي..."
ــ "جفلي!"
صاح بها بقوة ليوقف هذيانها في الحديث، وقبل أن يرمش بعيناه نحو تلك التي طالتها هذه الكلمات، سمع صوت ارتطام قوي يتبعه صرخات ليلى التي سقطت معها على الأرض وهي تحاول نجدتها، تتخبط بجزع، أنساها وضعها كامرأة تحمل طفلًا في بداية شهوره:
ــ "أمي... أمي... أمي هتروح مني!"
التف الجميع حولهما من أجل تهدئتها وإفاقة والدتها، أمام أبصار من كاد أن يلمس السماء عجزًا عن الاقتراب منها، حتى نسي تلك المدعوة روان وثأره معها، وقد هربت المذكورة راكضة نحو الخارج بعد تفاقم الموقف.
معاذ، الذي لف ذراعيه حول زوجته ليرفعها عن الأرض، يحاول تهدئتها كي لا تؤذي نفسها بتلك الأفعال، لكن حالتها لم تكن طبيعية على الإطلاق. ذلك الضغط الجديد جعلها تقاوم بانهيار وصراخ ورفض حتى لسماع الآخرين:
ــ "بعد عني! سيبوني! أنا عايزة أمي! عايزة أمي يا معاذ!"
ــ "اهدي، بجولك يا بت! أمك هتفوق دلوك، إنتي اللي هتضيعي نفسك!"
تدخلت حسنية، التي يكتنفها الرعب عليها، الوجه النصائح لها وابنها:
ــ "يا بتي، أمك هتفوق دلوك وتبجى زي الفل... وانت يا معاذ، براحة عليها يا ولدي، يمكن تهدى!"
ــ "براحة فين يا أمه؟ هو أنا جادر عليها؟ هتأذي نفسها، والعيل... الله يخرب مطنها!"
حتى صراخه، وقوته التي فرضها للسيطرة علي تشنجها وتهدئتها، كل هذا لم يأت بنتيجة.وفجأة، ارتخت بين يديه، أغمضت عينيها، وتمتمت ببعض الكلمات غير المفهومة، ثم غابت عن الوعي هي الأخرى................................داخل المشفى الذي نُقلت إليه الاثنتان، وللمرة الثانية تحتل كل واحدة منهما غرفة منفصلة، كأن بين الأم وابنتها ارتباطًا روحيًا عجيبًا، وكأنما خُلقتا توأمين متطابقين؛ يمرض أحدهما فيتأثر الآخر بمرضه، فيمرض مثله.
جلست حسنية على أحد مقاعد الانتظار، تتمتم بحزن، مرددة:
ـ "عين وصابتهم، عين ورشّجت تعكنن علينا كلنا... منه لله اللي عملها وجلب فرحتنا، منه لله!"
تدخلت هالة متعاطفة:
ـ "فعلاً يا مرة عمي، منها لله... ربنا يجازيها بعملها."
فهمت المرأة إلى ما ترنو إليه، تقصد زوجة حمزة السابقة، فحدجتها بنظرة غاضبة أخرستها، وقد كانت في هذه اللحظة لا تطيق النظر إليها، فاكتفت بالصمت مجبرة. لتصطدم عيناها بعيني زوجها الذي همّ بالتوعد، قائلًا:
ـ "حاولي تنجّطينا بسكاتك أحسن، وراعي الظرف، ولينا بيت نتحاسب فيه إن شاء الله."
...
أما في داخل غرفتها، فقد استفاقت لتعود إلى وعيها، وكان وجهه أول ما وقعت عليه عيناها، فتذكرت على الفور، وصرخت به كأنما رأت عفريتًا أمامها:
ـ "أنا إيه اللي جابني هنا؟! بِتّي فين؟! عايزة أشوف بِتّي... ودّوني عند بِتّي!"
حاول حمزة بيأس أن يُهدّئها أو يجعلها تسمع منه، لكنها كانت كالمجنونة لرؤيته. ومع كل محاولات شقيقاته، لم يفلح أحد في تهدئتها، لتُصر على الذهاب إلى ابنتها، وتخرج برفقتهن، تاركة له الغرفة يغمغم متوعدًا في إثرها:
ـ "والله لأجيبلك حقك، ولو في خشم السبع! مبقاش حمزة القناوي إن ما كنت أجيبه."...يتبع