تحميل رواية «ميثاق الحرب و الغفران» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
الفصل 18 — رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
قبل سنتين من الآن ......... اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي. أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منه...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى محمود توفيق
الابتسامة المتكلفة التي رسمتها بصعوبة فوق صفحة وجهها منذ قليل تلاشت تدريجيًا بعد العبارات الأخيرة التي تفوهت بها تلك المرأة التي أمامها، وتحولت نظراتها الباردة إلى أخرى مريبة تحمل الغموض لكنها ليست طبيعية أبدًا وتثير القلق في النفوس.
التفتت برأسها على أثر صوت زوجها الذي كان يقف على مسافة بعيدة نسبيًا عن الباب وهو يقول بعذوبة:
_ كيفك يامنى؟
أشرق وجه الأخرى بابتسامة عريضة كادت تشق طريقها لأذنها وقالت في رقة:
_ بخير الحمدلله ياعمران.. حمدلله على سلامتك ربنا سترها وجات سلامات.
أنهت عبارتها بنظرتها الماكرة لآسيا التي كانت هادئة بشكل غريب تعقد ذراعيها أسفل صدرها وتكتفي بنظراتها الثاقبة لمنى، بينما الأخرى سحقت آسيا وعبرت من الباب حتى أنها دفعتها بخفة بطرف كتفها أثناء عبورها. وسارت تجاه الفراش ثم وضعت الطعام وقالت وهي تبتسم لعمران بوداعة:
_ مرت خالي كانت هتعملك الوكل وتجبهولك بس أنا قولتلها هعمله وأطلعه ليه.
كانت آسيا تقف عند الباب تتابع تلك الأفعى بنظرات نارية. هناك رغبة جامحة في ثناياها تريدها أن تهجم عليها وتمزقها لأشلاء، لكنها تتمالك نفسها حتى لا تترك له الفرصة للشك بها. تابعته وهو يجيب عليها بود:
_ ليه تعبتي نفسك يامنى؟
ردت بدلال مبتسمة:
_ متقولش كده تعبك راحة ياعمران والله.
طفح كيلها ولم تعد تتحمل أكثر، فلو صمدت للحظة أخرى وهي ترى الخبيثة تدلل عليه أمام مرأى عينيها ستخنقها بيدها. تحركت بخطواتها الهادئة على عكس الثوران الذي بصدرها وقالت وهي تبتسم بصعوبة لها محاولة إظهار اللطف لكن نظرات عينيها كانت كلها وعيد وتحذير:
_ تسلمي يامنى تعبتي روحك.. روحي شوفي مرت خالك كانت بتنده عليكي شكلها عاوزاكي في حاجة مهمة وابقي بلغيها سلامي وقوليلها متتعبش روحها هي كمان.
رغم أن عمران لم يفهم الألغاز التي كانت تتحدث بها إلا أن منى فهمتها جيدًا وهزت رأسها مبتسمة في لؤم ثم نظرت لعمران وقالت بنعومة:
_ بالهنا والشفا.
أرسل لها ابتسامة عذبة ثم استدارت وانصرفت هي للخارج، فاندفعت آسيا نحو الباب وصفعته خلفها بعنف وهي تجاهد في البقاء هادئة لتسمعه يسألها بجدية:
_ تقصدي إيه باللي قولته من شوية؟
استدارت بجسدها له وابتسمت ببرود مزيف ثم أردفت بخبث دفين:
_ هي فهمتني زين متشغلش بالك أنت.
تقدم نحوها حتى وقف أمامها مباشرة ونظر في عينيها الواسعة بتدقيق وقال بصوت غليظ:
_ فهمت إيه؟
بالعادة تتوتر وتضطرب عندما ينظر لعيناها بتلك الطريقة، لكنها الآن كانت تشتعل من الغيظ لدرجة أنها لم تبالي بشيء ونظرت هي الأخرى بعينيه في قوة وتمتمت باسمة في نبرة أنثوية رقيقة:
_ دي مواضيع حريم ياعمران. ملكش صالح بيها يعني متوجعش دماغك على الفاضي.
رفع حاجبيه ورمقها بحيرة وبعض الدهشة، لكن سرعان ما قال بلهجة حازمة ومنذرة:
_ مش عاوز مشاكل يا آسيا فاهمة ولا لا. أنتي بقيتي عارفاني زين وطالما نبهت عليكي معنى كده أن لو حصل عكس اللي قولته مش هيحصل طيب.
كانت مازالت تحتفظ بابتسامتها المزيفة واكتفت بها دون أن تجيب عليه، بينما هو فهندم من عباءته بذراعه السليم وقال لها في نبرة رجولية:
_ كلي أنتي الوكل ده.. أنا مش جوعان هبقى أكل في الوكالة.
لمعت عيناها بفرحة داخلية واتسعت ابتسامة ثغرها أكثر لتقول:
_ أيوة أنا كنت جوعانة قوي هبقى آكل منه. حرام المسكينة تعبت روحها وعملت مينفعش ننزلها الصينية كيف ما طلعتها.
رمقها بتعجب من ردة فعلها الغريبة وسعادتها حتى طريقتها المشفقة والودودة وهي تتحدث عن ابنة عمته. ألقى عليها نظرة قوية وغير مطمئنة قبل أن يتحرك من أمامها وينصرف ويتركها تقف تتطلع بنظراتها الملتهبة للطعام عاقدة ذراعيها أسفل صدرها.
***
بعد رحيل عمران بعشر دقائق تقريبًا قادت هي خطواتها تجاه المطبخ بالطابق الأرضي وتحمل صينية الطعام فوق يديها. ويعتلي ملامح وجهها ابتسامة شرسة ونظرات مخيفة. وصلت إلى المطبخ وقبل أن تدخل توقفت حين رأت منى بالداخل وكانت تتحدث في الهاتف. بقت واقفة تنتظرها أن تنتهي من مكالمتها وفور انتهائها والتفات منى لها. استقرت في عين الأخرى نظرة ماكرة لكن سرعان ما تبدلت عندما رأت الطعام كما هو فوق يدين آسيا التي ضحكت بصمت في خبث وتحركت بكل تريث وبرود تجاه سلة القمامة وسكبت الطعام بها ثم وضعت الصينية فوق رخامة المطبخ والتفتت بجسدها تجاه منى التي كانت تشتعل من الغيظ وقالت لها مبتسمة بنظرة شيطانية:
_ عمران مبيحبش ياكل من يد أي حد غير أمه ومؤخرًا أنا.. عشان كده قولتلك تعبتي روحك على الفاضي. يلا مش مهم أديكي عرفتي.
كانت قسمات وجه الأخرى المختنقة تتحدث بدلًا عن لسانها، أما آسيا فكانت تتابعها بتشفى وخبث ثم اقتربت منها ووقفت أمامها مباشرة تقول بلهجة مخيفة وتحدثت بتحذيرات ليست مباشرة لكنها وصلت لعقل منى جيدًا وأدركتها:
_ هحكيلك قصة يمكن تفيدك. كان في ست عينها من راجل والراجل ده كان متجوز وكانت هي عاوزة تلف عليه وهو مش معبرها ورغم أن مرته حذرتها بس هي متعظتش. بعد كده الناس عرفت ورغم أن الكل عارف بالمشاكل اللي بين الراجل ومرته اللي محدش بيحبها بس أول ما عرفوا اللي ست دي بتعمله وقفوا في صف مرته وقالوا على الست دي حاجة واحدة.. ست لا مؤاخذة وبعد كده هي لا لحقت بلح الشام ولا عنب اليمن وفضلت لحالها من غير جواز بسبب سمعتها.
التهبت نظرات منى وأصبح وجهها لونه أحمر كالدماء من فرط غضبها التي تحاول كتمه والظهور بكل ثبات أمام تلك الساحرة. لكن الساحرة لم تكتفي بهذا القدر وتابعت بجدية ونظرة ذات معنى كلها شر:
_ إيه رأيك فيها.. قصة واقعية وحوالينا أمثلة حية كتير قوي بنفس القصة دي.. خليها في عقلك ودايمًا افتكريها يمكن تحتاجيها في يوم من الأيام.
استشاطت منى وفقدت القدرة على التحكم بأعصابها أكثر من ذلك حيث راحت تجذب آسيا من ذراعها وتصيح بها بغضب:
_ أنتي اتخبلتي في نفوخك إيه اللي بتقوليه ده.. متنسيش روحك يا آسيا أنتي هنا كيفك كيف الكراسي اللي بنقعد عليها واوعاكي تفكري تغلطي فيا أو في أي حد عشان هتبقى نهيتي على روحك.
كانت آسيا على وشك الانقضاض عليها لتفرغ شحنة غيظها المكتظة بصدرها منذ قدومها لغرفتها بالطعام لزوجها وها هي الفرصة سنحت لها، لكن صوت عمران المخيف وهو يهتف بغضب جعل منى تنتفض وتترك ذراع آسيا بسرعة:
_ إيه اللي بيحصل ده!!
أجفلت منى نظراتها وابعدتها عن عمران بإحراج، أما آسيا فابتسمت بلؤم وقالت متصنعة البراءة:
_ أنا نزلت أحط صينية الوكل في المطبخ وكنت بشكر منى على الوكل وتعبها بس هي شكلها مضايقة مني وكيف الباقي مبتحبنيش.
نقل نظره بينهم ثم رمق آسيا بنظرة حادة مشيرًا إليها بأن تأتي معه. فعلت هي بصمت دون أي اعتراض وسارت نحوها وخرجت قبله، ثم ألقى هو نظرة مستاءة على ابنة عمته قبل أن يستدير ويلحق بزوجته.
دخلوا لغرفتهم وفور دخولهم صاح عمران بعصبية:
_ أنا لسا مكملتش ربع ساعة وقايلك مش عاوز مشاكل.
تمالكت انفعالاتها وردت بقوة وهدوء ليس من شيمها أثناء خلافهم:
_ وأنا قولتلك مليش صالح نزلت أودي الوكل واتكلمت معاها بشكرها لقيتها بتزعق معايا وبتقولي كيف ما أنت سمعت.
اقترب منها ونظر في عينيها بحدة هاتفًا:
_ متمثليش قصادي دور الملاك البريء عشان أنا فاهمك زين.
مثلت الجدية والضيق وهي ترد بثبات:
_ وأنا مش بمثل ياعمران المرة دي أنا معملتش حاجة صح ومليش صالح.. أنا إيه عرفني أنها مش طيقاني.
زفر بانزعاج تام ثم رد بخنق ولهجة مرعبة:
_ على الله المنظر اللي شوفته ده يتكرر تاني.. وتقعدي في أوضتك هنا متطلعيش منها لغاية ما أرجع فاهمة.
ابتسمت بثقة وهي توميء له بالموافقة ثم قالت في نبرة رخيمة:
_ إيه اللي رجعك؟
رد بنفاذ صبر وهو يمد يده على المنضدة التي خلفها ويجذب هاتفه:
_ نسيت التلفون.
صمتت وتابعته وهو يندفع لخارج الغرفة منزعجًا على عكسها هي التي كانت تبتسم بسعادة ونصر.
***
داخل منزل خليل صفوان.
دخلت خلود غرفة الصالون الواسعة وكان والدها وأخيها يجلسون وهم يتحدثون. اقتربت منهم ووضعت الشاي أمامهم على الطاولة الصغيرة وهمت بالاستدارة لكن صوت أخيها الحاد أوقفها وهو يسأل:
_ كنتي فين امبارح؟
ارتبكت وتلعثمت بالبداية لكن سرعان ما تداركت الموقف وردت بطبيعية:
_ روحت أزور واحدة صاحبتي ياعلي كانت تعبانة.
خرج صوت والدها هنا وهو يقول بحزم:
_ ومجيتيش واخدتي الإذن مني ليه؟
حشرت بين والدها وأخيها ولن تسلم الآن من توبيخهم وغضبهم لكنها ردت بهدوء ونبرة معتذرة:
_ مكنتش قاعد يابوي فقولت لأمي وطلعت.. حقك عليا.
بتلك اللحظة اقتحمت عليهم الغرفة إنصاف وسمعت زوجها وهو يصيح بابنته في غضب:
_ أنا مش قاعد تبقى تاخدي أذن أخوكي وأن مكنناش قاعدين متطلعيش.
تدخلت إنصاف تدافع عن ابنتها هاتفة:
_ أخدت إذني يامنصور قبل ما تطلع وأنا وافقت مفيهاش حاجة راحت تطمن على صحبتها.
صرخ بزوجته في عصبية:
_ مفيش خروج ودخول على الفاضي والمليان. ومفيش طلوع لحالك كمان من هنا ورايح.
كانت نظرات علي ثابتة على شقيقته يدقق بها وبحالتها المريبة وخوفها وتوترها وكأنها ارتكبت ذنب عظيم وهم يعاقبونها عليه وليس مجرد توبيخ بسبب خروجها دون إذن والدها.
هزت خلود رأسها بالموافقة لوالدها واندفعت للخارج مسرعة ولحقت بها والدتها، بينما علي فكانت نظراته عالقة على الباب يفكر بشك بالأخص بعدما شعر بأن هناك شيء ليس طبيعي بشقيقته وكان منصور على عكسه غاضب لكنه هدأ تدريجيًا فور رحيلها من أمامه.
***
وقفت إخلاص أمام غرفة بشار وطرقت فوق الباب عدة طرقات خفيفة لتسمع صوته الرجولي وهو يقول:
_ ادخل.
فتحت الباب ببطء ودخلت فوجدته جالس فوق فراشه وكان قد ارتدى ملابسه ومستعدًا للخروج فاقتربت منه وجلست بجواره هاتفة ببسمة دافئة:
_ كيفك ياولدي؟
بادلها الابتسامة ورد عليها بود جميل:
_ زين الحمدلله ياما.
سكتت إخلاص للحظة وهي تبتسم باتساع ثم قالت في حماس ووجه مشرق:
_ جبتلك عروسة قمر هتعجبك قوي لما تشوفها.
غضن حاجبيه بدهشة وسرعان ما ضحك بخفة متمتمًا:
_ بالسرعة دي لحقتي تلاقي عروسة.
شاركته الضحك وهي تجيب بمرح لطيف:
_ امال.
أنت فاكر مرت عمك قليلة ولا إيه؟
اكتفى بضحكه دون أن يجيبها، بينما هي فمدت يدها في جيب جلبابها وأخرجت صورة صغيرة، ثم مدتها له وهي تقول بلؤم:
_ چبتلك صورتها كمان، شوفها وقول إيه رأيك.
التقط بشار الصورة من يدها وراح يتمعن النظر في وجه تلك الفتاة، لا يستطيع إنكار حقيقة أنها كانت جميلة وحسنة الوجه حقًا، تظهر معالم البراءة والهدوء واللطف على صفحة وجهها بوضوح، وكأن وجهها كتاب مفتوح كشف عن كل شيمها.
ابتسم بمرارة فور تذكره لابنة عمته، لكن إخلاص انتشلته من تفكيره بسرعة البرق وهي تسأله بفضول:
_ هااا، إيه رأيك يا بشار؟
تنهد الصعداء مطولًا والتفت لزوجة عمه وابتسم لها ببسمة لم تصل لعيناه وهو يعطيها الصورة من جديد:
_ تمام ياما، تمام.
تهللت أساريرها وهي تعيد سؤالها بدقة أشد:
_ يعني عچبتك وموافق؟
ابتسم على سعادتها العفوية وحبها الشديد له ليقول بإيجاب في حنو:
_ أيوة موافق.
تنهدت براحة وهي تضحك وقالت:
_ مبروك مقدمًا عاد ياغالي، أن شاء الله تكون من نصيبك.
التزمت الصمت للحظة، وظهور العبوس والخنق فوق صفحة وجهها وهي تهتف:
_ عقبال ما أفرح بعمران كمان وانقله عروستي بيدي.. بعد ما يطلق الحية بت چليلة دي.
زفر بشار مطولًا وتمتم برزانة باسمها:
_ ياما متفكريش كتير، عمران مش عيل صغير وهو عارف بيعمل إيه زين، سبيه على راحته ومتضغطيش عليه، هو بنفسه وقت ما يطلق مرته كيف ما قولتي هيرجعلك عشان تشوفيله عروسة.
هدرت بعصبية وضيق حقيقي:
_ لا دي سحرت لولدي، أنت مش شايفه كيف مبيحملش حد يقول كلمة واحدة عليها ولا يضايقها.. أنا خايفة تلف على ولدي وتضحك عليه.
قهقه بشار رغمًا عنه بصوت رجولي على عبارة زوجة عمه الأخيرة وتمتم بابتسامة يائسة:
_ شايف ياغالية، شايف.. والصراحة بيني وبينك أنا حاسس أن اللي خايفين منه هيحصل.
اتسعت عيني إخلاص بصدمة على أثر عبارته، وسرعان ما احتقن وجهها بدماء الغضب وصاحت به في غيظ:
_ متقولش إكده قصادي يابشار.. أنا مش هسيب لها ولدي الحرباية دي لو حصل إيه.
لم يتوقف عن الضحك وحاول وسط هذه الحالة تهدأتها وهو يردف بلطف:
_ طب خلاص متتعصبيش، مكنتش اقصد.
استقامت واقفة وقالت بوجه منزعج وهي توجه له الأوامر الصارمة:
_ حسك عينك تاچي تقولي مرة واحدة غيرت رأيي ومعدتش موافق على الچواز، فاهم.
كتم ضحكته بصعوبة وأماء لها برأسه عدة مرات مطيعًا لأوامرها، وفور انصرافها عن غرفته انفجر ضاحكًا من جديد.
***
داخل حرم الجامعة كان بلال بطريقه لصديقه الذي ينتظره بساحة الجلوس الكبيرة الخاصة بالجامعة (الكافتيريا)، كان منشغل بالنظر في هاتفه بتركيز شديد ولم ينتبه للطريق أمامه، فاصطدم بفتاة دون قصد، ارتد للخلف بسرعة وهتف معتذرًا بأسف وإحراج:
_ آسف جدًا، مخدتش بالي.
انحنت الفتاة والتقطت مذكرتها التي سقطت فوق الأرض، ثم انتصبت في وقفتها مرة أخرى ونظرت له لترد بتفهم:
_ ولا يهمك، مفيش مشكلة.
تجمدت ملامح وجهه عندما رأى وجهها، فقد كانت نفسها الفتاة التي يكن لها مشاعر الإعجاب والتعلق، تسمر مكانه دون أن يتفوه ببنت شفة أو حتى يتحرك، بينما هي فابتعدت عنه وأكملت طريقها، وعندما سقط نظره على الأرض لمح الهاتف الخاص بها، فانحنى والتقطته، وكان على وشك أن يتجه خلفها ليعيده لها، لكنه توقف وتبدلت معالمه للحيرة والقلق عندما رأى حور وهي تسير شبه راكضة للخارج وتبكي، نظر لذلك الهاتف ولحور، ولحسن الحظ أنه وجد صديقة تلك الفتاة كانت تلحق بها، فأوقفها بنبرته المهذبة وهو يسألها:
_ أنتي صحبة الأنسة اللي هناك صح؟
نظرت إلى حيث يشير بعينيه وعادت له وهي تهز رأسها بالإيجاب في تعجب، فمد يده بالهاتف وتمتم:
_ طيب أديها التلفون ده وقع منها.
جذبت الهاتف من يده وهي توميء لها بالموافقة، بينما هو فاندفع مسرعًا يلحق بحور، وعندما كان لا يفصله عنها سوى مسافة قصيرة هتف مناديًا عليها:
_ حور!
توقفت والتفتت للخلف، وفور رؤيتها له رفعت أناملها وجففت دموعها بيد مرتشعة، وقف أمامها وهتف بريبة:
_ مالك؟ في حد ضايقك؟
هزت رأسها بالنفي وقالت في عينان غارقة بالدموع وصوت مبحوح:
_ ماما تعبانة أوي وراحت المستشفى، وبرن عليهم في البيت دلوقتي محدش بيرد عليا، وأنا مش عارفة أعمل إيه.
بلال بنبرة رجولية جادة:
_ طب تعالي اوصلك البيت وهناك هتعرفي توصلي ليهم وتتطمني عليها.
هزت رأسها بالرفض وقالت بصوت يغلبه البكاء:
_ أنا من القاهرة وقاعدة هنا أنا واختي الصغيرة، هي في الچامعة برضوا قاعدين في شقة بتاعتنا، ومش عارفة هسافر إزاي دلوقتي وكمان أختي متعرفش حاجة.
تنهد الصعداء وقال بلطف محاولًا تهدأتها:
_ طب تعالي اقعدي وحاولي رني عليهم تاني وأن شاء الله يردوا، وبعدين ارجعي البيت لأختك وقوليلها.
سارت معه تجاه أحد المقاعد وجلست، وهو جلس بجوراها لكن على مسافة بعيدة نسبيًا، أخذت تحاول الاتصال والوصول لوالدها أو أخيها لكن دون فائدة، فانهمرت دموعها بغزارة أكثر وراحت تعيد الاتصال بيد مرتجفة من فرط الخوف والحزن، وهو يحاول تهدأتها بنبرته الرخيمة.
حصلت على الرد أخيرًا من أخيها ودار بينهم حوار هاتفي لنصف دقيقة تقريبًا، وكان بلال يتابعها بنظراته في اهتمام، وفور انتهائها سألها:
_ قالك إيه؟
توقفت عن البكاء وحدة أنفاسها السريعة هدأت قليلًا لتجيبه بعدها بصوت مبحوح:
_ الحمدلله، قالي بقت كويسة وكمان شوية بليل هيركبوا ويچوا هنا عشان الدكتور اللي متابعة معاه ماما.
ابتسم ورد عليها بهدوء جميل:
_ الحمدلله، قومي يلا روحي الحمام اغسلي وشك واهدي، وبعد إكده روحي البيت وارتاحي.
بادلته الابتسامة الرقيقة، ثم استقامت واقفة وسارت متجهة نحو الحمام، وبقى هو بمكانه ينتظرها حتى تخرج، مرت تقريبًا خمس دقائق وربما أكثر، فلم يحسب الوقت بالضبط، رآها تخرج من الحمام وكانت على وشك المغادرة، لكنها حين وجدته مازال مكانه ضيقت عيناها بتعجب واقتربت منه تسأله بعدم فهم:
_ أنت لسا قاعد؟
ضحك ورد عليها مداعبًا:
_ آه، كنت مستنيكي بس أنتي باينلك كنتي هتمشي لولا إنك شوفتيني.
شعرت بالإحراج وردت عليه في رقة:
_ افتكرتك مشيت، متوقعتش إنك هتكون لسا موجود عشان كدا.
هب واقفًا وهتف بصوت رجولي يذيب القلب:
_ لا ممشيتش، مش قولتلك هوصلك.
ابتسمت وردت بخجل حقيقي رافضة عرضه بكل لطف:
_ متشكرة جدًا يابلال، بس مش عايزة اتعبك.. شكرًا.
بلال بلهجة رزينة ونظرات ساحرة:
_ مفيش تعب، مش هينفع اسيبك تروحي لحالك إكده.. بعدين اعتبريه رد جميل على اللي عملتيه معايا.
تراقص قلبها سعادة وعيناها لمعت بوميض المشاعر المعاطفية، ورغم ذلك حاولت الرفض مجددًا، لكنه قاطعها وقال مازحًا:
_ ياستي يلا، هو حد لاقي توصيلة في الزمن ده.
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تضحك بصمت، بينما هو فرد بسرعة بجدية وعذوبة:
_ بهزر، لتكوني زعلتي ولا حاجة؟
هزت رأسها بالنفي وقالت ضاحكة:
_ لا مزعلتش.
ابتسم مرة أخرى وقال وهو يهم بالتحرك:
_ طب يلا.
سارت خلفه في خطوات متعثرة وخجلة بعض الشيء، فقد أبت السير بجواره، وهو لم يفعل، فقط كان كل لحظة والأخرى يلتفت برأسه ليتابعها ويطمئن أن كانت خلفه أم لا.
***
بتمام الساعة العاشرة مساءً......
ارتدت آسيا حجابها ولفته حول شعرها بإحكام، ثم قادت خطواتها لخارج غرفتها، تحركت بثقة وغيظ يشعل صدرها بعدما رأت عمران يصعد للطابق الثالث حيث غرفة الجلوس الخاصة به وكانت منى تتبعه، لحقت بها آسيا مسرعة في خطواتها، وعند وصولهم للطابق الثالث وكانت منى على وشك فتح الباب والدخول، أوقفتها آسيا بصوتها الحاد:
_ منى!
توقفت والتفتت برأسها لها أولًا، ثم استدارت بجسدها كله ووقفت أمامها، عاقدة ذراعيها أسفل صدرها وتبتسم لآسيا ببرود، بينما الأخرى فسألتها بنظرة نارية:
_ رايحة وين؟
رفعت منى حاجبها وردت عليها بازدراء:
_ فريال بتدور على عمار وهو قاعد مع خاله چوا وداخلة اخده.
تحركت آسيا بعينيها على طول جسدها من رأسها لأخمص قدميها، ولاحظت تلك العباءة المنزلية التي ترتديها وكانت ضيقة بعض الشيء، وعندما رفعت عينيها مجددًا لوجهها انتبهت لعيناها المرسومة، فابتسمت مستهزئة رغم النيران المشتعلة بصدرها إلا أنها لم تظهر لها شيء واكتفت بهمسها لها ونظراتها القاسية:
_ البيت إهنه في تلات رجالة وأنتي بتتمشي فيه بالچلبية المحزقة دي وعيونك اللي رسماها.. في حاجة اسمها خچل وخشا عند البنات بس باينلك معندكيش منه.
ضحكت منى ببرود مستفز وردت وهي تغمز لها بلؤم:
_ سيبنالك أنتي الخچل ياست الشريفة.
أظلمت عين آسيا وأصبح منظر وجهها مخيفًا، حتى أن الأخرى ارتبكت قليلًا من تحولها المرعب، وفجأة وجدت آسيا تدفعها بيدها حتى اصطدمت بالحائط وأشرفت عليها بجسدها، ثم قبضت على فكيها بقوة وراحت تهتف بعين نارية لا تحمل المزاح وهي تلقي عليها تحذيراتها الحقيقية:
_ متلعبيش في عداد عمرك معايا وخليكي بعيدة عني وعن أي حاجة تخصني لو مش عاوزة تخلي لياليكي كيف سواد الليل.
رغم الخوف الذي استحوذها للحظة من هجوم آسيا عليها، إلا أنها تحلت بالشجاعة ودفعتها بعيدًا عنها بعنف وهي ترمقها بغضب، ثم ابتعدت عنها وسارت مغادرة، تترك آسيا تتابعها في سيرها وهي تستشيط غيظًا وتتوعد لها.
تنفست آسيا الصعداء محاولة استعادة روحها الهادئة، ثم استدارت واقتربت من باب الغرفة وفتحته ببطء شديد وراحت تنظر من جزء منه تتمعنهم مبتسمة، حيث رأت ابن شقيقها الصغير يجلس بين ذراعين خاله ممسكًا بهاتفه ويشاهد أحد برامج الأطفال الكوميدية ويضحك بقوة وعمران يبتسم بدفء على ضحكه وينحني على شعره لاثمًا إياه بحب، بقت مكانها تتابع ذلك المشهد الدافئ بصمت وهي تبتسم، حتى وجدت عمران رفع رأسه تجاه الباب وفور رؤيتها لها انتصبت في وقفتها بشموخ وأخ
التفتت نحو عمران فوجدته ساكنًا يتطلعها بريبة قبل أن يسأل:
_ إيه اللي طلعك إهنه؟
توترت للحظة واحتارت حول الحجة التي ستخترعها لتفسير سبب قدومها، غير أن غيرتها هي ما دفعت بها لهنا بعدما رأت ابنة عمته تذهب له. وبالأخير قالت بنبرة بدت طبيعية:
_ چيت أشوف عمار، كنا بندور عليه أنا وفريال ومش لاقينه.
لم يعقب والتزم الصمت على ردها، ثم راح يلقي بنظره من النافذة التي بجواره. وأخذت هي تتأمل في قسمات وجهه التي تعكس باطنه المتين وشخصيته الصارمة. شعره الأسود الغزير مع لحيته وشاربه وعيناه السوادء، حتى بشرته البرونزية تعكس عليه مظهرًا رجوليًا كله وقار ووسامة.
توقفت عن التمعن به وعبس وجهها عندما خطر على عقلها ذلك السؤال الذي يرهق تفكيرها منذ أيام، لكنها قررت إنهاء تلك الحماقة حتى ترتاح وتعرف طريقها من الآن وصاعدًا. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تهمس بنبرة أنثوية جذابة يسمعها منها للوهلة الأولى:
_ عمران.
نظر لها وضيق عيناه بريبة وفضول، لتتنهد هي مطولًا وتكمل بنبرة جادة ونظرة ثاقبة:
_ أنا عارفة زين أنك مبتكدبش، وعشان إكده هسألك سؤال وعاوزة اسمع الحقيقة منك.
قال بغلظة وتعجب:
_ سؤال إيه ده؟!
نظرت في عيناه بقوة وسألته بثبات:
_ أنت ليك يد في قتل أبويا ولا لا؟
رأت قسمات وجهه تتحول من الهدوء للخنق والانزعاج التام، وصمته دام لثوانٍ قبل أن يهتف بغضب وصوت يحمل الثبات والخشونة:
_ سبق وقولتلك لا، عاوزة تسمعي إيه تاني!
لم تشك للحظة بصدق ما قاله، وكانت متيقنة أنه يقول الحقيقة ولا يكذب. لا تعرف كيف تيقنت، لكن ربما تلك الفترة القصيرة التي قضتها معه لم تذهب عبثًا وجعلتها تفهمه بعض الشيء. تمامًا كمعرفتها أنه ليس رجل يكذب خوفًا من أحد، وخصوصًا لو كانت امرأة.
استقامت واقفة وردت ببسمة هادئة وجميلة:
_ اللي قولته دلوك كفاية.. أنا هنزل الأوضة تحت.
أنهت عبارتها واندفعت للخارج تتركه مكانه يغضن حاجبيه باستغراب منها. بينما هي، فكانت الراحة والسعادة تستحوذها بالكامل. كان الشك يتمكن منها بعدما سمعت حوار عفاف وإبراهيم وتساءلت كثيرًا بحيرة حول إذا كان مشاركًا مع أبيه في جريمته أم لا. والآن بعدما تأكدت، كأن ثقلًا يخنق ويكتم أنفاسها انزاح عن صدرها. حتى أنها ربما ستتوقف عن تأنيب نفسها حول مشاعرها حديثة الولادة نحوه وستترك العنان لنفسها تدريجيًا.
***
داخل غرفة الصالون الواسعة بمنزل خليل صفوان، كان جلال جالسًا بمفرده ويحتسي كأس الشاي الخاص به في عقل شارد ومعالم وجه عابسة. هناك معارك مميتة داخل عقله وقلبه. ما بين رفضه لفكرة زواجه من الأساس، فهو لا يحتمل امرأة سواها، وبين عناده وكبريائه الذي يريد استعادته. كان فقط بحاجة للشعور بقيمته ومكانته بقلبها. يراها تتنازل من أجله وأجل أطفالهم لمرة واحدة على الأقل كما كان يفعل هو دومًا. لكنها لم تفعل، وكأنها تثبت له أنه لا يستحق التضحية أو التنازل، وربما حتى لا تحبه بنفس القدر.
فاق من شروده على صوت فتح الباب ودخول ابن عمه علي الذي تقدم نحوه وجلس بجواره على الأريكة وسأله بجدية:
_ حليت مشكلة الحسابات اللي في المعرض؟
اكتفى بالإيماءة برأسه في إيجاب دون تحدث، فالتزم علي الصمت للحظات وهو يتمعنه بتدقيق حتى تنهد بقوة وهتف بنبرة رجولية هادئة لكنها حازمة:
_ لما أنت مش مبسوط إكده ياولد عمي هتتچوز على مرتك ليه؟
صمت قاتل لثلاث ثوانٍ قبل أن يقول جلال بخشونة:
_ مين قالك إني مش مبسوط!
ابتسم علي بسخرية ورد في انزعاج:
_ وهو ده منظر واحد مبسوط يعني. أنت كأنك مچبور واللي هتعمله ده غصب عنك، وإيه اللي چابرك مفهمش.
ضحك جلال بمرارة ولم يرد، فقط راح يحدق في الفراغ أمامه بنظرات مهمومة. فرفع علي يده ورتب فوق كتفه بلطف متمتمًا رزينة:
_ اللي بتعمله ده غلط ياچلال صدقني، إكده هتخسرها صح، ولو دلوك في حبل رفيع بينكم هيتقطع.
رمقه جلال مطولًا بنظرة ثاقبة رغم الضياع الذي بها، إلا أنه بدا شامخًا كالجبال واكتفى بنظراته له وهو يفكر. بينما علي، فهب واقفًا بعدما رتب مرة أخرى على كتفه واستدار مغادرًا ليتركه بمفرده من جديد.
***
بعد مرور ساعة تقريبًا، فتح عمران باب الغرفة ودخل ثم أغلقه خلفه بهدوء وتقدم نحو الفراش يجلس فوقه يتنفس الصعداء بقوة وكأنه يحاول إزالة شيء عن صدره. ثم هب واقفًا وبدأ في نزع جلبابه عنه، ورغم إصابة ذراعه إلا أنه نجح في تبديل ملابسه بمفرده بعد معاناة.
كان على وشك أن يتمدد على الفراش بجسده، لكنه تسمر على أثر صرخة عالية انبعثت من الحمام وكانت لها. وكان مصحوبًا بصوت صرختها صوت ارتطام عنيف، فاندفع نحو الحمام بسرعة ووقف من الخارج يهتف:
_ آسيا!!
سمع صوتها المتألم وهي تهتف وسط تأوهاتها:
_ عمران تعالى.
فتح الباب ودخل فوجدها جالسة فوق الأرض ممسكة بقدمها وهي تتأوه بقوة. لم يكن بحاجة ليسألها ماذا حدث، فالمشهد كان يتحدث عن كل شيء. اقترب منها ومد يده لها ليساعدها على الوقوف هاتفًا:
_ تعالي اقفي على مهلك واسندي عليا.
تشبثت بذراعه وحاولت الوقوف لكنها عادت تجلس مجددًا مصدرة تأوهًا عاليًا بألم ومعه أدمعت عيناها لتهتف بصوت مبحوح:
_ مش قادرة أقف عليها.
حاولت تحريكها وهي تتألم، فانحنى هو عليها ولف ذراعه حول خصرها متمتمًا:
_ أنا مش هقدر اشيلك، لفي إيديكي على رقبتي وحاولي تقفي براحة.
سرت رعشة بجسدها وتراقصت الفراشات بمعدتها على أثر لمسه لها ومحاوطته لخصرها بذراعه القوي، لكنها حاولت التصرف بطبيعية وعدم إظهار خجلها وتوترها، حيث تعلقت برقبته تعانقه محاولة الوقوف وهي متشبثة بملابسه بحميمية تلقي بحمل جسدها كله عليه وهو يحكم قبضته على خصرها يساعدها على الوقوف وموازنة اتزانها حتى لا تسقط. بعد معاناة توقفت أخيرًا وهي مازالت عالقة برقبته تعانقه ولم تبتعد عن ذراعيه. بينما هو، فابتسم وهتف بمكر:
_ خلاص يا آسيا بعدي عشان تعرفي تمشي وتطلعي برا.
ابتعدت فورًا عنه في خجل بسيط، لكن تحول لغيظ عندما رأت تلك النظرة في عيناه، كانت هي نفسها النظرة عندما كان يخبرها أنها هي التي تبحث عن فرصة للاقتراب منه وليس هو.
دفعته برفق وهي تقول ممتنعة بعناد:
_ أنا هطلع وحدي، بعد عني.
اختل توازنها للحظة عندما ضغطت على قدمها وصرخت بألم. لكن قبل أن تسقط، كان يعيدها لتوازنه بذراعه وهو يجذبها نحوه ويبتسم بلؤم هاتفًا:
_ لو كنت سبتك دلوك كنتي هتتكسري وهطلع بيكي على المستشفى.
اشتعلت من الغيظ وقالت بنظرة ملتهبة وهي تصر على أسنانها:
_ ومسبتنيش ليه؟!
رد ببرود متعمد وهو يبتسم:
_ محتاچك سليمة عشان تعرفي تخدميني زين لغاية ما دراعي يخف.
تمالكت أعصابها بصعوبة، ولولا أنها تحتاج لذراعه وله لكي يساعدها لم تكن بقيت أمامه لحظة واحدة. التزمت الصمت مجبرة وسارت معه للخارج، لكنها لم تكن تتحمل الصمت دون إفراغ الغيظ المكتظ بصدرها، حيث قالت بتمرد:
_ ماسكني إكده ليه مش ههرب منك أنا!
طالعها بقوة رافعًا حاجبيه في استنكار، وفورًا تركها وهو يقول بحزم:
_ امشي لحالك يلا طالما مش عاچبك!
جزت على أسنانها منزعجة وبالفعل لم تتنازل عن الاعتراف بحاجتها له، حيث اتبعت عنادها وتحركت أمامه، لكن بعد خطوة كانت ستسقط مجددًا وتداركت نفسها بسرعة وسط تألمها. فتوقفت مجبرة وهي تغلق عيناها بخنق حتى سمعته يقف خلفها ويقول بلهجة خبيثة:
_ محتاجة حاچة؟
أصبح وجهها يعطي اللون الأحمر من فرط انزعاجها منه. فهو يتعمد إثارة جنونه ويريدها أن تتوسله حتى يساعدها كعقاب لها على تمردها وطريقتها الفظة. بينما هو، فعندما لم يحصل على رد منها قال بنبرة عادية مزيفة تضمر خلفها المكر:
_ تمام طالما مش محتاجة حاجة أنا هروح انام، تصبحي على خير.
تحرك لخطوتين بالضبط بعيدًا عنها ينوي الاتجاه للفراش، لكنه صوتها المكتوم وهي تقول بخفوت مضطرة:
_ أنا آسفة، ممكن تساعدني.
لاحت ابتسامته الواسعة فوق ثغره والتفت لها رافعًا حاجبيه وبقى مكانه لثوانٍ قبل أن يقترب منها مجددًا ويعود يحاوطها بذراعه متمتمًا بتلذذ:
_ مش ممكن ليه.. ممكن طبعًا.
كانت نظراتها مشتعلة تتوعد له، لكن الآن سارت معه بصمت وتسطحت فوق الفراش بمساعدته لتسمعه يقول بجدية هذه المرة:
_ متتحركيش الليلة دي وبكرا الصبح هاخدك للدكتور.
لم تجب وهزت رأسها فقط بالموافقة، بينما هو، فابتعد والتف حول الفراش ليتسطح على الجانب الآخر منه ينوي النوم. بينما هي، فبقت لوقت طويل نسبيًا تحاول النوم ولم تتمكن، وبعد محاولات كثيرة غفت أخيرًا.
***
توقفت عفاف أمام غرفة ابنها وفتحت الباب ثم دخلت فوجدته جالس فوق فراشه ويتفحص هاتفه. أغلقت الباب وتقدمت نحوه لتجلس بجواره على حافة الفراش متمتمة:
_ بلال.
رفع نظره لأمه وقال بهدوء:
_ نعم ياما؟
ابتسمت له وردت بنظرة تضمر خلفها خبايا:
_ فاكر خالتك سمية مرت الحاج يوسف اللي في القاهرة؟
صمت لبرهة من الوقت محاولًا تذكر الاسم وتلك السيدة حتى قال بالأخير:
_ آه فاكرها بس مش قوي يعني.. ليه مالها؟
عفاف بحماس غريب:
_ چات من القاهرة وتعبانة وأنا رايحة أزورها وأطمن عليها بكرا. إيه رأيك تاچي معايا؟
غضن حاجبيه بتعجب ثم أدرف برفض:
_ وآچي معاكي ليه ياما، روحليها أنتي واطمني عليها.
أجابته بحنو محاولة إقناعه:
_ ياولدي بدل ما أروح لحالي عاوزاك تروح معايا، وهي كمان كانت علطول بتسألني عليك ولما تشوفك هتفرح قوي. مفيهاش حاجة، تعالى معايا، هو مشوار سريع وزيارة المريض بتكون قصيرة يعني مش هنطول.
زفر بقوة في خنق ورد بالأخير مغلوبًا:
_ طيب ياما خلاص هروح معاكي.
تهللت أسارير عفاف بشكل غريب وهبت واقفة بعد أن رتبت على كتفه بدفء متمتمة بوجه مشرق:
_ زين.. أنا هروح أنام، تصبح على خير.
بلال بحيرة من حالتها المريبة:
_ وأنتي من أهله!
***
بصباح اليوم التالي.
انتهت فريال من شراء بعض مستلزماتها الخاصة بها وبأبنائها، وبينما كانت في طريقها للخارج اصطدمت بمنيرة التي رمقتها ببسمة واسعة وكانت نظراتها غريبة كلها خبث، لكن فريال لم تكترث وظنت أنها تتهيأ وراحت ترحب بها في عذوبة:
_ ازيك يامنيرة؟
تعجبت من ترحيبها وابتسامته البشوشة في وجهها، لكنها رجحت أنها بالتأكيد لا تعرف شيء عن حقيقة زواجها من زوجها الذي سيتم بعد يومين. ردت عليها بود مزيف:
_ زينة الحمدلله يافريال، وأنتي طمنيني عليكي.
فريال برقة تليق بها:
_ الحمدلله بخير.
أنا كنت هكلمك وأسألك لو فاضية وعندك مجمو عة عشان أجيب لك عمار تديله درس.
ضحكت منيرة وردت عليها في غنج ولؤم:
_ من عيوني متقلقيش هديله دروس كتير قوي قريب.
غضنت فريال حاجبيها بعدم فهم وترسل لها بعينيها إشارات استفهام لتقول بعدها بجدية:
_ مش فاهمة.. تقصدي إيه؟
أطلقت الأخرى ضحكة مستفزة وقالت على عجالة وهي تبتسم بتشفي:
_ هتفهمي قريب متخافيش.. أنتي دلوقت متعرفيش حاجة للأسف بس قريب هتباركيلي.
أنهت عبارتها واندفعت للداخل تترك فريال متسمرة بأرضها لا تفهم شيء من تلك الألغاز التي ألقت بها دفعة واحدة في وجهها. كانت تفكر بتدقيق محاولة فهم ما تقصده لكنها فشلت.
وبتلك اللحظات كان جلال يمر بسيارته من أمام ذلك المحل وعندما لمح فريال توقف فوراً وراح يتطلع إليها من نافذة السيارة. انتظرها حتى تتحرك وترفع نظرها وبمجرد ما رأته أشار لها بيده. اندهشت بالبداية عندما رأته لكنها لم تعقب وسارت تجاهه ثم التفت حول السيارة وفتحت باب المقعد المجاور له لتستقل به في صمت. بينما هو فتطلع لها وسألها باهتمام وقلق بسيط:
_ كنتي واقفة مع مين؟
ردت عليه بنبرة عادية:
_ دي منيرة المدرسة اللي كنت عايزة أودي العيال عندها.
ظهر الاضطراب عليه أكثر وراح يسألها بترقب:
_ إيه قالتلك؟
رمقته بتعجب وأردفت ببساطة امتزجت بنظراتها القوية:
_ ولا حاجة اتكلمنا عادي.. أنت من امتى بتسأل ولا تهتم بكلام الحريم ده؟
زفر بخنق وأجابها في جدية وهو يحرك محرك السيارة لينطلق بها:
_ مش مهتم يافريال.. سألتك عادي. أنتي كنتي بتعملي إيه هنا؟
_ جيت أجيب شوية حاجات ليا وللعيال.
لم يعقب ولم يطرح أسئلة أكثر من ذلك فقط كان يقود السيارة بسكون. وكانت نظراتها ثابتة عليه تتمعنه بتركيز شديد. فطرتها شديدة الحساسية كأي أنثى كانت تشعر أن هناك شيء يخفيه عنها. داخلها يأكلها من القلق والرعب فـ على غير عادته كان يتفادى النظر إليها ليس غضب كما اعتادت ولكنه كان قلقاً كأنه يتهرب من النظر لعيناها أو الحديث معها.
وسط شرودها به لمحت يده اليسار الملفوفة بقماش طبي أبيض فاتسعت عيناها وسألته بزعر:
_ مال يدك يا جلال؟
أنهت عبارتها وهي تمد يديها الناعمة وتحتضن كفه تتركه يقود بيد واحدة. أجابها هو بحنو غير مقصود مبتسماً دون أن يحيد بنظره عن الطريق:
_ إحنا واحنا بننقل الأجهزة في المعرض مكواة وقعت على إيدي بالغلط.
استاءت وهتفت تعنفه بانزعاج نابع من خوفها:
_ وأنت تنقل حاجة ليه يا جلال مش في عمال هما اللي بينقلوا الأجهزة.
لم يعقب على ردها والتزم الصمت فراحت هي تتطلع في وجهه بنعومة وتسأله بنبرة مدللة تذهب العقل:
_ وجعاك طيب؟
ضحك وهز رأسه بالنفي ثم جذب يده من قبضتها بلطف وهو يبتسم بينما هي فظلت عيناها العاطفية عالقة عليه وبالأخير أشاحت بوجهها وراحت تتابع الطريق بنظراتها. ظل هو بين كل لحظة والأخرى يلتفت لها ويتطلعها بنظرة كلها شوق وحزن ومرارة.
كان بلال يقود خطواته مع أمه بنفس الشارع الذي أوصل حور إليه بصباح الأمس. رغم الحيرة وتعجبه إلا أنه لم يكترث للأمر كثيراً وتجاهله مفسراً إياه أنه ليس أكثر من صدفة تقليدية بحتة.
استمر في السير حتى دخلوا بناية مكونة من خمس طوابق ثم صعدوا الدرج حتى الطابق الثالث وكانت عفاف هي تسبقه وتحمل بيدها أكياس بداخلها فواكه وزجاج مياه غازية كزيارة للمريض. توقفت أمام الشقة ورفعت يدها تضرب فوق الجرس وكان هو يقف خلفها على مسافة بعيدة نسبياً يحاول التصنع بالطبيعية والبشاشة حتى لا يظهر للناس أنه جاء مجبراً بعد إلحاح والدته.
انفتح الباب وظهرت من خلفه حور وهي ترتدي عباءة منزلية خضراء وتلقي بطرحتها فوق شعرها بعشوائية وكان نصفه خارج حجابها وعلى ثغرها ابتسامة واسعة نقية ورقيقة مثلها لكن عندما نقلت نظرها من عفاف واستقرت عيناها عليه تلاشت ابتسامتها وحل محلها الذهول والسكون المريب كالأصنام!!!