تحميل رواية «ميثاق الحرب و الغفران» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
الفصل 9 — رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل التاسع 9 - بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
قبل سنتين من الآن ......... اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي. أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منه...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل التاسع 9 - بقلم ندى محمود توفيق
وقعت أثر كلمة أبيه الأخيرة عليه كالصاعقة، وسرعان ما تقوست ملامحه بسخط شديد وقال بنبرة رجولية مخيفة:
_ إيه اللي بتقوله ده يابوي.. أتجوزها إيه!
إبراهيم بنظرة قوية ونبرة رخيمة يحاول إقناعه:
_ مؤقتًا ياعمران تتجوزها وبعدين ابقى طلقها.. ولا أنت عاوزهم يقتلوك ياولدي.
صرخ بأبيه منفعلًا:
_ يقتلوني لو أنا غلطت مع بتهم صح ووقتها ابقى لازم اتجوزها واتستر عليها وادفع تمن غلطتي.. لكن لما أكون معملتش حاجة يبقى هما اللي يخافوا مني.
تأفف إبراهيم بنفاذ صبر وقال في غيظ:
_ افهم الكلام زين وبلاش عند.. متستهونش بيهم ياولدي هما مش ساهلين برضك وأنا خايف عليك. اسمع كلامي وخليني اكلمهم واقولهم أنك هتتجوزها وتستر عليها مفيش حاجة غير دي اللي هتخليهم يهدوا بعد الصور اللي شافوها.
التزم عمران الصمت وهو يشتعل من فرط الغيظ والغضب، فتابع أبوه وهو يترجاه بلطف:
_ مفيهاش حاجة ياولدي لما تتجوزها كام شهر وبعدين طلقها.. عشان سمعتنا وعشان قيمتك وسط الخلق. اسمع كلامي ياعمران.
مازال الصمت يستحوذ عليه وهو يفكر بما يقوله والده، وحين تأنى في التفكير لدقائق شعر أنها فكرة ليست بكل هذا السوء، فقد تكون فرصة سنحت له للانتقام منها على محاولتها لقتله. سينقذ عائلته ونفسه من العار وسينتقم.
تنهد بقوة وقال في صوت غليظ يحمل في ثناياه غموضًا مخيفًا:
_ طيب يابوي موافق خلاص.
ابتسم إبراهيم براحة وقال:
_ زين.. بكرا هروح واتكلم مع حمزة وجلال ومنصور عشان نفضوا الموضوع ده ونشوف هيتم الجواز ميتا.
ضغط على كف يده بعنف حتى لا ينفجر من فرط الغضب، بداخله يتوعد للجميع وبالمقدمة آسيا التي هي سبب كل هذه الأزمات.
***
اندفعت داخل غرفتها وهي عبارة عن جمرة مشتعلة من النيران، رغم كل ما حدث لها وما فعلوه بها مازالت تهددها. تلك ساحرة لا يؤثر بها شيء وكأنها تتغذى على المصائب بل وتجعلها أقوى. كانت تتوقع أنها حين تدخل غرفتها ستجدها ضمن عداد الموتى، لكنها كالقط بسبعة أرواح!
ستظل تنتظر بقية العقاب الذي سيطولها منهم، فهي لم تتلقى سوى الدفعة الأولى فقط من سطوة رجال العائلة. عل المرة القادمة يكسروا أضلعها كلها حتى تعجز عن الحركة تمامًا.
كانت كلها أفكار يملأها الغل والحقد تدور برأس خلود، التي تقف أمام المرآة بغرفتها وبيدها قطنة صغيرة تمسح دماء رأسها أثر اصطدامها بالفراش ولسانها لا يتوقف عن السب واللعن على آسيا. لكنها انتفضت بفزع وألقت القطنة من يدها حين رأت باب الغرفة ينفتح وتدخل أمها، التي فور رؤيتها لجرح رأسها صرخت وهرولت إليها تهتف:
_ إيه اللي عمل فيكي إكده يابت؟
تلعثمت ولم تعرف بماذا تجيب، فإن اخبرتها أنها دخلت لغرفة آسيا خلسة وسرقت المفتاح من غرفة جلال حتمًا لن تسلم من توبيخها وربما عقابها أيضًا. فلجأت بآخر الأمر إلى الكذب كأسلم حل، حيث قالت بنبرة عادية:
_ مفيش حاجة ياما ده أنا وقعت واتخبطت في راسي بس.
إنصاف بقلق وتعجب:
_ وقعتي وين وكيف؟
ابتسمت بتوتر وأشارت على الفراش هاتفة بإيجاز لكي تتهرب من أسألتها:
_ في الأوضة إهنه وقعت واتخبطت في حرف السرير.. متقلقيش أنا زينة ده جرح خفيف.
تطلعت بتمعن في رأسها فرأت أنه جرح بسيط بالفعل، فتنهدت بارتياح وقالت في فضول ولهجة ماكرة:
_ متعرفيش حاجة عن عملة آسيا ولا هيعملوا فيها إيه؟
لوت فمها بقرف وقالت بغل:
_ لا معرفش أنا زي زيك.. ياكش يقتلوها ويريحونا منها.
هتفت إنصاف باسمة:
_ أبوكي وجدك وجلال مش شايفين قصادهم من وقت ما عرفوا.. هاين عليهم يقتلوها صح كيف ما بتقولي.. ياخوفي لحد يعملها فيهم!
همست لنفسها باشمئزاز وتمني:
_ يارب يعملوها قريب.
قالت عبارتها بينها وبين نفسها، ثم اندفعت لخارج غرفتها تقصد الحمام حتى تغسل وجهها وتركت أمها بمفردها في غرفتها.
***
اعتدلت فريال في نومتها وهبت جالسة فور سماعها لصوت طرق الباب المصحوب بصوت عمران:
_ فريال أنتي صاحية؟
ردت بصوتها الرقيق مبتسمة:
_ تعالى ياعمران.
فتح الباب ببطء ودخل وهو يطالعها بابتسامة دافئة، ثم اقترب منها وجلس بجوارها على الفراش ينظر لعيناها المتورمة من فرط البكاء بضيق، ثم تمتم بجدية:
_ خير عاد إيه اللي حصل خلاكي تسبيه وتاجي إهنه؟
أجفلت نظرها عنه وتمتمت بأسى:
_ ده اللي كان المفروض يحصل من زمان ياخوي.
ابتسم لها وقال ببعض السخرية موضحًا أنه لا يصدقها:
_ وراحت وين اللي كانت في المستشفى من كام يوم بتدافع عنه قصادي وبتقولي أنها بتحبه ومتقدرش تبعد عنه!
لمعت عيناها بالعبرات وقالت في صوت مبحوح:
_ ولساتني بحبه قوي ياعمران.
عمران بعدم فهم وحزم:
_ طب أمال سبتيه ليه عاد؟
لم تقوى على الإجابة واكتفت بالصمت ودموعها التي انهمرت بغزارة فوق وجنتيها. ليتنهد عمران بقوة ويضمها لصدره في حنو متممًا:
_ طب متقوليش خلاص براحتك لما تهدي تبقى تفهميني اللي حصل.. بزيادة بكا ياحبيبتي.
هزت رأسها بالإيجاب ثم ابتعدت عنه وكفكفت دموعها مبتسمة لتقول بمرح غامزة له:
_ أمها دعيالها اللي هتكون من نصيبك ياخوي.. مهتلاقيش في حنيتك ولا حبك ليها.
سكت للحظة وجال بعقله حديثه مع والده قبل أن يأتي لها، فتجهم وجهه وأظلمت عيناه ليقول بوعيد:
_ قصدك داعية عليها.
رمقته باستغراب وعدم فهم، لكنه سرعان ما تدارك الأمر وابتسم لها وهو يملس على شعرها برفق متممًا:
_ قومي اغسلي وشك وصلي ركتين لله واقري شوية قرآن وهتهدي وبعدين نامي.
اماءت له بالموافقة وهي تبتسم، فاستقام هو واقفًا متجهًا لخارج الغرفة يتركها تتابعه بحيرة من عبارته التي تفوه بها. لوهلة شعرت بالخوف من ملامح وجهه وعيناه حين ذكرت الزواج وزوجته المستقبلية!
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان، تحديدًا بغرفة الصالون الكبيرة كان يجلس إبراهيم مع كل من حمزة ومنصور وجلال، وهم يرمقونه بنظرات مميتة. فقد سمحوا له بالدخول لمنزلهم فقط لأنه أخبرهم أنه لديه ما سيقوله وهو مهم وأنه وجد حلًا لتلك الكارثة التي اصابتهم هما الاثنين.
قال منصور ساخرًا بنظرة قاتلة:
_ إيه يا إبراهيم جيت للموت برجليك؟
تنفس مطولًا وقال بحزم:
_ محدش فينا عاوز موت تاني يامنصور.. ومحدش عاوز يخسر أحبابه.
ثم التزم الصمت للحظة وتابع على مضض:
_ اللي صور الصور دي حد قاصد يأذيكم ويأذينا.. وأنا معاوزش دم ولا أنتو عاوزين الفضيحة.. عشان إكده أنا جاي اقولكم أن ولدي مستعد يتجوز بتكم ويصلح الغلط وكمان نبقى نفدنا احنا الاتنين من العار والفضيحة.
استشاط جلال غيظًا وصاح منفعلًا:
_ ولدك يعمل عملته ويضحك عليها وبعدين يقول هتجوزها! .. واحنا هنوافق بكل سهولة صح؟
نقل إبراهيم نظره بين حمزة ومنصور منتظرًا منهم رد، لكن الصمت كان إجابتهم، فعاد ينظره لجلال وقال في جدية:
_ ده أفضل حل ياجلال.. قتلكم لولدي مش هيفيدكم بحاجة ومش هيداري على الفضيحة لا ده هيخلي الخلق كلها تعرف.. والعار هيلبسكم.. لكن الجواز هو اللي هيحل كل ده والموضوه هيتقفل وينتهى على إكده.
انتصب منصور في جلسته وكان على وشك أن يثور عليه بعصبيته، لكن حمزة قاطعهم وهتف بصوت مختنق وقلب منفطر:
_ عنده حق ياجلال ياولدي.. الجواز هو احسن قرار في الوضع ده. لو مدريناش على الفضيحة دي مش هنقدر نرفع راسنا قدام الخلق تاني.
صرخ منصور بعدم رحمة منفعلًا:
_ يبقى نقتلهم هما الاتنين ونغسل عارنا بيدنا يابوي.
ضرب حمزة بعصاه الغليظة على الأرض صائحًا بلهجة صارمة:
_ خلص الكلام يا منصور.. وقولت الجواز هيتم.
كان جلال يجلس ودمائه تغلي في عروقه، فبرغم رفضه لتلك الزيجة إلا أنه لا يستطيع الاعتراض، فما يقوله جده صحيح. هو لن يستطيع قتل شقيقته مهما فعل، ولذلك يجب أن يوافق على زواجها منه لكي ينقذ نفسه وعائلته من العار.
تنهد إبراهيم الراحة وشعر بالسعادة الداخلية ليقول بحزم:
_ الوقت اللي تحبوا الجواز يتم فيه احنا معاكم أن شاء الله لو بكرا.
هتف حمزة بقوة بلهجة لا تقبل النقاش:
_ بكرا زين.. خلينا نخلصوا قبل ما حد يدرى بالموضوع.. بكرا تعالى وهات ولدك والمأذون عشان يكتب.
لم يتعجب إبراهيم من استعجالهم بل بالعكس، فهذا المتوقع. ليتوقف أخيرًا وهو يومئ بالموافقة هاتفًا:
_ بالأذن ياحج حمزة.
والتفت يسير تجاه الباب، لكن فور مروره من أمام جلال قبض على ذراعه بعنف وأوقفه هامسًا له بغل:
_ ولدك اتكتبله عمر جديد أحمد ربك أن قتله مش هيفيدنا بحاجة صح وإلا كان زمانك بتجهزله كفنه دلوك.
لم يجيب عليه واكتفى بنظرته المطولة والغاضبة لجلال قبل أن ينزع ذراعه من قبضته ويكمل طريقه لخارج الغرفة ومنها من المنزل بأكمله.
***
نهضت من فراشها واستقامت واقفة على قدميها حين سمعت صوت طرق الباب وقادت خطواتها ببطء تجاهه. ثم فتحته بكل هدوء وإذا بها تقابل أولادها أمامها وهم يتطلعون إليها ببسمة حانية كلها شوق. اتسعت عيناها بصدمة وسرعان ما جثت على ركبتيها أمامهم وفردت ذراعيها لتضمهم لصدرها هاتفة بصوت مبحوح يغلبه البكاء:
_ حبايب قلبي.. اتوحشتكم قوى.
هتف عمار باسمًا وهو بين ذراعين أمه:
_ وأنتي كمان ياما وحشتينا قوي.
ابتعدت فريال عنهم وأخذت تتمعن النظر في وجهيهم وأناملها تتحرك بعفوية على شعرهم، ثم همست في قلق وحب أمومي صادق:
_ طمنوني أنتوا كويسين.. بتاكلوا زين وفي حد ضايقكوا ولا لا؟
خرج صوت معاذ وهو يهز رأسه بالنفي ويقول بجدية لا تليق على طفل أبدًا:
_ احنا بخير ياما.. بس جينا عشان ناخدك ونرجع بيتنا.
ظهر العبوس على ملامحها وانطفأ بريق عيناها من جديد. فأخذت تتنقل بنظرها على معالمهم فرأت الحزن والتوسل في عين ابنها الصغير والضيق والإصرار في عين الأكبر. شعرت بغصة مريرة في حلقها وقالت بأمل:
_ أبوكم اللي بعتكم عشان تجيبوني؟
للمرة الثانية يهز معاذ رأسه بالنفي هاتفًا في صدق:
_ لا أبويا ملوش صالح احنا اللي جينا عشان ناخدك..
هو قالنا بس إنك هملتي بيتنا عشان زعلانة منه.
أطرقت رأسها أرضًا، محاولة السيطرة على دموعها التي تجمعت بمقلتيها. وبعد برهة من الوقت، رفعت رأسها لطفليها وسألتهم بشوق:
_ مقالكمش إنه هييجي ياخدني؟
هنا تحدث عمار بدلًا من أخيه الكبير، وهو يهز بالنفي لأمه ويسألها بحزن:
_ هو أنتي مش هترجعي معانا يا أمي؟
رفعت أناملها تمسح الدموع المتجمعة في عينيها، وحاوطت ابنها بذراعيه هاتفة ببسمة حانية:
_ مش هينفع يا عمار.. بس أنت وأخوك هتيجوا تقعدوا معايا صح؟
علت ملامح الصغير اليأس وقال في جزع:
_ بس إحنا مش بنحب نقعد هنا يا أمي.. تعالي معانا ونرجع بيتنا، أبوس إيدك.
ألم بسيط اخترق صدرها واستقر في قلبها، بعدما أوضح صغيرها عدم رغبتهم في البقاء بمنزل جدهم معها. ونقلت نظرها بين عمار ومعاذ بلوعة، لتهز رأسها بالتفهم بعد وقت طويل نسبيًا، رغم أن دموعها حصلت على حريتها أخيرًا لتنطلق فوق وجنتيها. وقالت في خفوت مؤلم:
_ مش هقدر أرجع يا عمار دلوقتي.. خليكم أنتوا مع أبوكم لحد ما أرجع، طالما مش عاوزين تقعدوا في بيت جدكم هنا.
انزعج معاذ وقال بخنق:
_ بس يا أمي آآآ...
اقتربت منه واحتضنت وجهه بين كفيها، متمتمة ببسمة تحمل من الحب والدفء ما يجعل أي طفل ينصاع خلف أمه:
_ اسمع الكلام يا حبيبي وبلاش عناد. أنت الكبير وأنا بقول عليك فاهم وعاقل.. إن شاء الله هرجع قريب، لكن دلوقتي أنت مهمتك تاخد بالك من أخوك وتيجوني كل يوم عشان أشوفكم، اتفقنا؟
غامت عين عمار بالدموع، وراح يرتتمي على أمه بين ثنايا صدرها يعانقها بقوة، هاتفا:
_ أنا زعلان منك يا أمي عشان هتسبينا وحدينا.
لمعت عيناها بالعبرات مجددًا، وضمت ابنها لصدرها أكثر، متمتمة بلطف:
_ أنا مش هسيبكم وحدكم يا عمار، بعدين أنتوا رجالة وميتخافش عليكم، وهتقعدوا مع أبوكم لحد ما أرجع.
قال معاذ بعين دامعة ووجه بائس:
_ يعني مش هتطولي؟
فردت ذراعها الآخر وجذبت معاذ لصدرها أيضًا، مجيبة عليه وهي تقبل شعره:
_ إن شاء الله مش هطول.
سكن الطفلان بين ذراعي أمهما، متلذذين بشعور يدها الناعمة وهي تملس فوق شعرهم بحب.. بينما هي، فعينيها كانت لا تتوقف ذرف الدموع.
***
بعد مرور ساعات قليلة، داخل منزل إبراهيم الصاوي، كانت العائلة كلها متجمعة داخل غرفة المجلس الكبيرة، بعدما طلب إبراهيم من الجميع أن يحضروا وينتظروه في الغرفة لرغبته في إخبارهم بأمر هام. وكانوا جميعهم يتبادلون أطراف الحديث باستمتاع فيما بينهم، باستثناء إخلاص وفريال، حيث كانت نظراتهم عالقة على عمران الصامت، عيناه تحدق في الفراغ بشكل مريب، وملامحه شرسة ومخيفة، كأنه يجلس مجبرًا وفقط ينتظر وصول أبيه لكي يبدأ ويخبرهم، وبعدها يغادر فورًا.
وقفت إخلاص وتحركت نحوه، ثم جلست بجواره وانحنت عليه تسأله بقلق:
_ في إيه يا عمران؟ هو أبوك عاوز يقولنا إيه، وأنت مالك متعصب كده ليه؟
رمق أمه بنظرة قوية وقال مقتضبًا:
_ لما ييجي هتعرفي يا أمي عاوز يقول إيه، الحاج.
ضيقت عيناها من أسلوبه الغريب، وراحت تلتفت برأسها تجاه ابنتها ترمقها بعدم فهم، لتهز فريال كتفيها بجهل مثلها وتشير لها بيدها أن تتركه وتعود بجوارها. ففعلت مضطرة، ونهضت لتعود إلى مقعدها من جديد، وراحت تهتف بأذن ابنتها:
_ في حاجة كبيرة حصلت يا فريال.. أخوكي مش طبيعي، وأبوكي مش هيجمعنا كده إلا لو كان الموضوع كبير صح؟
تنهدت فريال بخوف وهتفت:
_ ربنا يستر يا أمي، أدينا مستنيين أبوي لما ييجي ويقولنا في إيه!
ولم يدم انتظارهم طويلًا، حيث وصل إبراهيم بعد دقائق ودخل ليجلس على مقعده في المنتصف، وينقل نظره بينهم بدقة. يرى نظرات الغضب والشر بعين ابنه، عكس زوجاته وابنته يتملكهم الفضول القاتل. أما بلال، فكان الخنق واضحًا على ملامحه، وبشار وعبد العزيز، كانت ملامحهم جامدة، فقط ينتظرون معرفة ما يود إخبارهم به.
ليقول أخيرًا، بعد تنهيدة طويلة وبعدما ألقى نظرة ثاقبة على عمران وبلال:
_ النهاردة روحت لناس خليل صفوان، واتكلمت معاهم عشان المشاكل الأخيرة اللي حصلت، حتى بعد ما عملنا الصلح.
قاطعه عبد العزيز وقال بحدة:
_ إحنا علمنا الصلح وخلاص يا خوي، له إيه لازمة إنك تروح لهم تاني، ولوحدك كمان!
تابع إبراهيم بثبات تام وصوت غليظ:
_ مكنش له لازمة يا خوي، أخد حد منكم معايا. هو موضوع بسيط وإحنا اتفقنا ولقينا الحل لكل المشاكل دي عشان ننهيها واصل.
نقل بشار نظره بين عمه وعمران باستغراب ليسأل:
_ حل إيه ده يا عمي؟
التزم إبراهيم الصمت للحظة ليجيب على ابن أخيه بحزم:
_ هننهي الـ***** والـ**** دي بالنسب.
تبادلوا النظرات فيما بينهم بعدم فهم، ليهتف عبد العزيز بنبرة رجولية حادة:
_ نسب إيه تاني، مش بزيادة نسبنا معاهم وبتك متجوزة جلال، وهي رجعتلك تاني عشان تتطلق.. عاوز إيه تاني يا إبراهيم!
أجاب على أخيه بكل بساطة:
_ بتي متجوزة جلال من قبل ما يموت خليل بسنين ومن زمان قوي، وده ملوش صالح. لكن النسب اللي هيحصل دلوقتي هيكون لمصلحتنا كلنا، وهننهي بيه الـ**"** واصل.
خرج صوت فريال من بينهم تسأله بترقب، وقد توقعت ما ينوي فعله وتمنت أن يكون توقعها خطأ:
_ قصدك إيه يا بوي!
أدرك إبراهيم أن ابنته أدركت قراره هو وأخيه، فتنهد مطولًا وقال بصوت صلب لا يقبل الجدال:
_ يعني عمران هيتجوز بت خليل.
اتسعت العيون في صدمة، باستثناء بلال وعمران، الذي كان الجمود يستحوذهم. لكن فجأة، صدح صوت إخلاص المرتفع وهي تهب واقفة وتهتف بعصبية:
_ ولدي مهيتجوزش الحرباية دي، بت جليلة.. هي الحلول خلصت عشان تجوز ولدك للحرباية دي، ما إن شاء الله عنه ما الـ**"** خلص!
ارتفع صوت إبراهيم الغاضب وهو يصيح:
_ جرا إيه يا إخلاص، أنتي هتعترضي على كلام الرجالة ولا إيه.. الكل راضي وأولهم ولدك.
إخلاص بعدم تصديق ورفض:
_ لا، عمران عمره ما يوافق أكيد أنت أجبرته.
اشتعلت نظرة إبراهيم تجاه زوجته، وقبل أن يجيب أخيرًا، ظهر صوت عمران القوي وهو يقول:
_ محدش جبرني على حاجة يا أمي، وخلاص معدش له لازمة في الحديث ده دلوقتي.. الجواز هيتم بكرة.
شهقت بذهول وراحت تضرب بكفها على صدرها، هاتفة في عدم استيعاب:
_ يا مري! ليه يا ولدي تعمل في حالك كده وتوافق وتسمع كلام أبوك!
هنا خرجت صرخة عالية من إبراهيم بعدما فقد السيطرة على انفعالاته:
_ وبعدين عاد، هنعيدوا ونزيدوا في الحديث كتير.. اللي سمعتيه هيحصل وخلص الكلام على كده.
توقف عمران واقترب من أمه ليحاوطها بذراعيه، ثم يجذبها معه للخارج بلطف وهو يقبل رأسها هامسًا:
_ اهدى يا أمي، خلاص.
التزمت الصمت وانتظرت إلى حين مغادرتهم الغرفة، وفورًا هتفت بغضب:
_ هتتجوز الحرباية دي وبكرة كمان.. أنت اتجننت يا عمران، كيف توافق!
عمران بهدوء تام ولطف:
_ يا أمي قولتلك معدش له لازمة الكلام ده دلوقتي.. كان لازم يحصل كده، مفيش حل تاني.
إخلاص صائحة بسخط:
_ لا، في. هو معدش في حلول غير أنك تتجوزها يعني!
تأفف بعد حيلة، ورد في جدية ونظرة حازمة:
_ بزيادة يا أمي، خلاص عاد.
التزمت الصمت مجبرة، وسط نظراتها المغتاظة والمعاتبة له، بينما هو فتركها وعاد للداخل من جديد ليكمل حديثه مع عمه الذي يحاول فهم كيف وافقوا بالتنازل عن حق خليل من أجل زواج.. لكن بالأخير، أقنعه إبراهيم وأسكتـ**ـه. لكن بشار لم يقتنع، وبقى ينقل نظره بين أبناء عمه يقرأ تعابير وجههم بشك واستغراب!
***
بقى عمران وإبراهيم فقط في الغرفة بعد رحيل الجميع. وكان هو يتطلع لابنه ببعض الضيق، فقال وهو يلومه بخنق:
_ كدبت على عمك والكل عشانك.. كده مرتاح خلاص؟
نظر عمران لوالده بنظرة مهيبة وقال:
_ أيوه مرتاح.. طالما أنا قبلت باللي أنت عاوزه، يبقى أنت كمان تقبل بشروطي يا بوي.
إبراهيم بلهجة تحمل الاستنكار:
_ ويعني هما مش هيعرفوا؟
عمران بغضب وصوت رجولي صلب:
_ لا، محدش هيعرف يا بوي.. مهما كان، دي كلها كام ساعة وتبقى مرتي، وأنا ما أرضاش إن حد يشوف الصور دي ولا يعرف حاجة عن اللي حصل.
أجابه إبراهيم بموافقة وتأييد لرأيه:
_ ماشي يا ولدي، أنت عندك حق. هي هتبقى مرتك، وأي حاجة تمسها هتمسك.. خلاص، متقلقش، محدش هيعرف حاجة.
هدأت ملامح وجهه وارتخت، ليقول بعدها بهدوء:
_ زين.. أنا رايح العطارة، عاوز حاجة مني؟
رفع يده بالرفض وقال:
_ لا، ما عاوزش حاجة.. ابقى اتصل بيا لو الحاج يوسف جه.
اكتفى بإيماءة رأسه بالموافقة، واستدار ليقود خطواته لخارج الغرفة، ثم لخارج المنزل بأكمله.. ليستقل بسيارته وينطلق بها.
***
داخل منزل خليل صفوان، تحديدًا بغرفة آسيا بالطابق الثاني.
كانت كامنة فوق فراشها تضم ساقيها لصدرها، وعيناها عالقة على النافذة أمامها تتأمل السماء بوجه ذابل. لم يتركوا لها شيء داخلها مهشم.. دمروا كل ما تبقى من حب ورحمة بقلبها.. طمسوا تلك النقطة البيضاء بأعماقها.. هي الآن طائر مجروح لا حول ولا قوة له، لكنه ينتظر شفائه ليعود ويحلق من جديد في سماء الشموخ، ليثأر لنفسه من كل شخص ساهم في كسره وسقوطه من أوج القوة.. ستحيا من رمادها مرة أخرى كالعنقاء.
سمعت صوت الباب وهو ينفتح لتدخل جليلة وتلقي عليها نظرة قاسية، رغم حزنها على حالتها، إلا أنها لم تسمح لعاطفتها بالتأثير عليها، حيث هتفت بلهجة مرعبة:
_ جهزي حالك، بكرة هتتجوزي اللي لطختي شرفنا وسمعتنا معاه.
اتسعت عيناها بصدمة، وفورًا التفتت برأسها لأمها تطالعها بعدم استيعاب، لتهب واقفة وتسأل ببلاهة:
_ هتجوز مين.. عمران؟
جليلة بغضب وحدة:
_ أيوه، هو في غيره ولا إيه!
استحوذتها الدهشة لبعض الوقت، ثم اقتربت من أمها تتوسلها بضعف لا يليق بها:
_ أبوس إيدك يا أمي، متخليهمش يجوزوني منه.. أنا معملتش حاجة والله العظيم.. مش هستحمل أدخل بيت إبراهيم الصاوي، ولا أتجوز ولده اللي قتل أبويا.
صفعتها جليلة على وجهها بعنف صارخة بها:
_ اكتمي، متجيبيش سيرة أبوكي.. لو كان عايش كان مات بحسرته على عملتك الـ***.. عاوزة **** معاه، وكمان متتجوزهوش.. ده أنتي طلعتي فاجرة صح.. ياكش ربنا ياخدك ويريحني منك.
تقهقرت للخلف بعينان دامعة يملأها العجز والصدمة مما تفوته به أمها، وبالأخص دعائها الأخير عليها.. بتلك اللحظة، أدركت أن كل شيء انتهى، حتى لو أدركوا ظلمهم لها وأنها لم تكذب عليهم ولم تفعل ما يلوث شرفها واسم عائلتها.. لن تسامحهم، وربما لن تفعل أبدًا!
أكملت جليلة بعدم شفقة وقلب منفطر من الألم على فعلتها الشنيعة:
_ إحنا معدش عندنا بنات هيتجوزك وياخدك وينسينا واصل.
اكتفت بالتحديق بها مبتسمة بألم، ودموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها.
وكأن لسانها انعقد ولم تعد قادرة على الحديث، فقط عبرت عن شعور الخزي والوجع الذي يستحوذها بابتسامتها المريرة. وتابعت أمها وهي تستدير وتغادر، ولم تنسى بالطبع غلق الباب بالمفتاح لتتركها حبيسة غرفتها مجددًا. بالنسبة لها لا فرق، ففي كلتا الحالتين هي حبيسة انكسارها وعجزها.
بينما جليلة، اندفعت تجاه غرفتها وهي تبكي بحرقة، فاصطدمت بإنصاف التي أوقفتها وهتفت بتعجب:
"إيه اللي حصل يا جليلة؟ ليه بتبكي؟"
كفكفت دموعها بسرعة وقالت في ثبات متصنع:
"ملكش دعوة يا إنصاف، ابعدي عن خلقتي السعادة."
أنهت عباراتها وأكملت طريقها لغرفتها، بينما الأخرى فضلت مكانها تحدق باندهاش من الإهانة التي تلقتها للتو على لسانها الفظ، لتقول في غيظ وحقد:
"صح، حلال فيكي انتي وابنك اللي حصل فيكم. الحق على اللي يسألك ولا يبص في وشك."
***
صباح اليوم المشؤوم، كما أسمته منذ أن فتحت عيناها وهي تدرك أن اليوم سيكون نهاية لكل حلم راودها وبداية لكابوس ربما لن ينتهي أبدًا. سيلقون بها إلى الجحيم دون رحمة. لم يقتلوها، لكنهم اختاروا العقاب الأقسى، وقتلوا روحها بدلًا من جسدها، ليجعلوها تتجول حولهم كالأموات، جسد بلا روح.
منذ وقت طويل نسبيًا، والمأذون بالأسفل يعقد زواجها بحضور الجميع، يصدرون مرسوم موتها، وهي تنتظر اللحظة التي سينفذ فيها الحكم.
ارتدت جلبابها الأسود ووشاح شعرها، ثم ارتدت بالأخير نقابًا من نفس اللون لا يظهر منه شيء سوى عينيها، لكي لا تجعل أحدًا يرى جروح وتورم وجهها، رغم كل ما حدث ترفض الظهور أمام الجميع بمظهر الضعف الذي يثير الشفقة.
أخيرًا ارتدت حذائها وغادرت غرفتها كما طلبوا منها لكي توقع وتنتهي مراسم الزواج. كانت تقود خطواتها بثبات رغم عدم قدرتها على السير من التعب والألم. نزلت درجات السلم ببطء، وعند آخره رأتهم كلهم مجتمعين والمأذون بالمنتصف، وبجواره عمران الذي كانت ملامحه ممتلئة بالغل والخنق، ولم يكلف نفسه عناء النظر حين أدرك وصولها.
أكملت طريقها متحاشية النظر لوجه أي فرد من عائلتها حتى لا ترى النفور والغضب في عيونهم. وحين وقفت على مقربة من المأذون، سمعت صوت جدها المخيف وهو يأمرها بغضب:
"اعملي كيف ما هيقولك الشيخ وامضي يلا."
لم ترفع نظرها لجدها ولم تجب، فقط تقدمت ووقفت بجوار المأذون تستمع لتعليماته وهو يشير لها على المناطق المطلوب منها التوقيع فيها. فأمسكت بالقلم وراحت تخط بالحبر الأزرق فوق الورق، تكتب اسمها وعيناها غارقة بالدموع، لكنها تشد على محابسهم مانعة إياهم من السقوط. وفور انتهائها من التوقيع، سقطت دمعة حارقة رغمًا عنها عندما رأت المأذون يغلق الدفتر وقد انتهى من مراسم الزواج كاملة، وأصبحت زوجة عمران الصاوي شرعًا.
تلفت المأذون حوله يتنقل بنظره على وجوههم المكفهرة، ورغم أن الأجواء يبدو أنها لا تستدعي، إلا أنه قرر التفوه بها. حيث نظر لعمران وقال بخفوت وصوت واضح عليه التردد:
"مبروك!"