تحميل رواية «مرايا لا تعكس الحقيقة» PDF
بقلم أمل عبد الرازق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
إبراهيم… أنا محتاجة الألفين جنيه اللي باخدهم منك كل شهر. رفع إبراهيم عينيه إليها باستغراب، وهو يعدّل ساعة يده استعدادًا للخروج: – إحنا لسه في نص الشهر يا أسماء… النهارده 15 يا حبيبتي. لما ييجي آخر الشهر خديهم. تقدّمت خطوة، كأنها تستجمع شجاعتها: – يا حبيبي أنا عارفة إن لسه بدري… بس أميرة محتاجاهم ضروري. معلش يا إبراهيم… دي صاحبتي ولازم أساعدها. تنفّس إبراهيم بعمق، محاولًا الحفاظ على هدوئه: – يا أسماء… إنتِ عارفة إني طول ما ربنا كارمني مش بتأخر. وبالنسبة للفلوس اللي إنتِ عايزاها لأميرة… أنا ماعندي...
رواية مرايا لا تعكس الحقيقة الفصل الأول 1 - بقلم أمل عبد الرازق
إبراهيم… أنا محتاجة الألفين جنيه اللي باخدهم منك كل شهر.
رفع إبراهيم عينيه إليها باستغراب، وهو يعدّل ساعة يده استعدادًا للخروج:
– إحنا لسه في نص الشهر يا أسماء… النهارده 15 يا حبيبتي. لما ييجي آخر الشهر خديهم.
تقدّمت خطوة، كأنها تستجمع شجاعتها:
– يا حبيبي أنا عارفة إن لسه بدري… بس أميرة محتاجاهم ضروري. معلش يا إبراهيم… دي صاحبتي ولازم أساعدها.
تنفّس إبراهيم بعمق، محاولًا الحفاظ على هدوئه:
– يا أسماء… إنتِ عارفة إني طول ما ربنا كارمني مش بتأخر. وبالنسبة للفلوس اللي إنتِ عايزاها لأميرة… أنا ماعنديش مانع، بس تاخدهم آخر الشهر زي كل مرة، مش دلوقتي.
هزّت أسماء رأسها بإصرار:
– بس يا إبراهيم… إحنا معانا، وربنا رازقنا الحمد لله. وهي محتاجاهم للمحامي اللي رافع لها قضية النفقة عشان جوزها يصرف على إبنها… وإنت عارف إنها مقطوعة من شجرة، وجوزها طلقها واتجوز ومش بيسأل فيها ولا في ابنه.
نظر إليها إبراهيم طويلًا، ثم قال باستسلام:
– حاضر يا أسماء. بس اعملي حسابك إن آخر الشهر مش هتاخدي حاجة… لأن زي ما إنتِ عارفة انا عندي موظفين بيقبضوا، وفلوسي كلها برا.
أضاءت ملامح أسماء قليلًا، واقتربت منه قائلة بلطف:
– تسلملي يا هيما… بس عندي طلب أخير، أو اعتبره رجاء.
أغلق إبراهيم عينيه بنفاد صبر:
– أنا عارف إني مش هخلص النهارده… يا حبيبتي أنا متأخر على الشركة. ياريت تطلبي بسرعة.
بلعت أسماء ريقها ثم قالت:
– ممكن تشوف لأميرة شغل عندك في الشركة؟
رفع إبراهيم حاجبه بدهشة:
– أميرة مين اللي إنتِ عايزاها تشتغل معايا يا أسماء؟!
ردّت بضيق:
– أميرة صاحبتي… هو إنت تايه عنها يعني؟ بقالها شهر دايخة على شغل ومش لاقية. بالله عليك ساعدها… أهو تكسب فيها ثواب.
اعتدل إبراهيم في جلسته، وملامحه تزداد حدّة:
– حبيبتي… إحنا شركة تطوير عقاري. يعني مطوّر عقاري… يعني الشخص أو الشركة اللي بيطور منطقة أو يعيد بناء كيان قائم ويحدّثه… بيحط فكرة المشروع، ويدرس الجدوى، ويحدد التمويل، ويختار الاستشاري والمقاول، ويدرس التسويق والمبيعات… دا كله عشان المشروع ينجح. قوليلي بقى… أميرة هتشتغل معايا إيه؟ بتعرف إيه في مجالي أصلًا؟
لوّحت أسماء بيدها بضيق متزايد:
– أنا ماليش دعوة المطور العقاري بيعمل إيه… بلاش تقفلها في وشي. ربنا يفتحها في وشك يا إبراهيم… أنا ليا إن صاحبتي تشتغل. وحياتي عندك… شوف لها حاجة في الحاسبات، سكرتيرة… أي حاجة! بس يكون مرتبها كويس… عشان خاطري.
***
في بيت أميرة
رنّ هاتف أميرة في اللحظة التي كانت تجلس فيها في غرفة ضيقة، تحاول ترتيب بعض الأوراق الخاصة بقضيتها. مدّت يدها بتردد، ونظرت إلى الشاشة قبل أن تجيب:
– ألوو… مين معايا؟
جاءها صوتٌ تعرفه جيدًا… صوت كانت تظن أنها دفنته منذ زمن:
– إيه؟ مش عارفاني؟ لحقتي تنسي صوتي يا مرمر؟
انقبض صدرها فورًا:
– آه… نسيتك ونسيت صوتك… ومش عايزة أعرفك تاني. عايز إيه يا فريد؟ اللي بيني وبينك المحاكم.
ضحك ببرود:
– مش هتاخدي مني جنيه يا أميرة… واللي عندِك اعمليه. ولو مسحبتيش القضية… أنا هتهوّر. وبلاش تخليني أتهوّر… أحسن ليكِ ولابننا أنس.
عقدت حاجبيها بغلظة:
– بقولك إيه… أنا دماغي مصدعة ومش ناقصاك. ابعد عني… أنا ما صدّقت أخلص منك ومن قرفك. ولو على القضية… مستحيل أسحبها.
تحوّل صوته إلى نبرة تهديد واضحة:
– الأدب مش جايب معاكِ نتيجة. خربتي حياتنا بجشعك وقلة أدبك. أنا كنت باقي عليكِ وبحبك… شايلك جوّا عيني. وحياتنا كانت ماشية… وإنتِ عارفة إن مرتبي على قدي. استحملت قرفك كله عشان البيت مايتخربش… خصوصًا لما خلفتي أنس. قولت لازم استحملك، بس اللي حصل… إنتِ فاكرَاه كويس. أنا مقدرتش أكمل معاكِ… ولا أستحمل أكتر من كدا.
صرخت أميرة بحدة:
– اللي عندك اعمله! وإن قدرت تثبت عليّا حاجة… اثبتها. والحمد لله إنك طلقتني قبل ما أنا أخلعك… عشان أرتاح من قرفك.
ضحك ضحكة قصيرة بشماتة:
– هثبت يا أميرة… متخافيش. وصاحبتِك اللي بتصرف عليكِ… مش باقية ليكِ. هتفضلي تشحتي منها لحد إمتى؟ دا أنا مش متخيل هي تعمل فيكِ إيه لما تعرف حقيقتِك… وإن عينِك على جوزها.
اشتعل غضبها:
– اخرس!… قطع لسانك! ما عاش ولا كان اللي يقول عليّا كده.
صوته إزاداد حدة وغضب:
– لا عاش… وكان. والناس كلها لسه هتتكلم. وبلاش تخليني أفضحك في كل مكان. أنا مش خايف غير على ابني… اللي إنتِ حارماني أشوفه. وكلها كام سنة… وتنتهي سنين حضانتك… ويبقى معايا. أربيه زي الناس بس يا رب ما تفسديه قبل ربنا ينجده من ام زيك. وبعدين… أنا ربنا كرّمني دلوقتي وعندي خير كتير. بس فلوس ليكِ؟… دا بعينِك. خلي ابني يعيش معايا أو حتى أشوفه… وأنا أعيشه ملك وهدلعه. اسحبي القضية… وبلاش فضايح.
رفعت صوتها بقرف واستهانة:
– أنا مش فاضية للهري بتاعك! واللي عندك اعمله… ولو قدرت تثبت أي حاجة… اثبتها. ويلا… من غير سلام.
أغلقت الهاتف بعنف. جلست على حافة السرير، وصدرها يعلو ويهبط من الغضب. أما فريد… فكان في الطرف الآخر يبتسم ابتسامة باردة، وقد اتخذ قراره بأن الوقت حان ليتحرك. ضدها بطريقة لا تعتمد على الكلام فقط.
***
طرقت سميرة باب غرفة أسماء وإبراهيم بخفّة، سمحت لها أسماء بالدخول، ثم أدخلت رأسها قائلة:
– حضرتك قررتي هنعمل إيه على الغدا النهارده؟
رفعت أسماء نظرها إليها وأجابت بهدوء:
– الأول أنا هحتاج شوية طلبات من السوبر ماركت… عشان أميرة جايه تتغدى معانا النهارده، هكتبهملك في ورقة وروحي جيبيهم.
قالت سميرة بإذعان:
– حاضر يا مدام… أنا في المطبخ، ولما تكتبي الطلبات عرفيني، بعد إذنك.
– ماشي يا حبيبتي… اتفضلي.
خرجت سميرة، فتوجه إبراهيم بنظره إلى أسماء وسألها:
– قوليلي بقى… سميرة عاملة إيه معاكِ في الشغل؟
تنهدت أسماء بخفة:
– ما شاء الله عليها… شاطرة. بس يا حبيبي أنا مش محتاجة حد يساعدني، مافيش في البيت شغل يستاهل.
ابتسم إبراهيم وقال بنبرة متفهمة:
– يا أسماء… إنتِ بعد العملية اللي عملتيها من ست شهور وضهرك تاعبك. ومش بتقدري تبذلي مجهود، وكان لازم أشوف حد يساعدك. وبصراحة الست دي محترمة… بتيجي لما أروح الشغل وبتمشي قبل ما أرجع. وكمان بتجري على يتامى… هتكسبي فيها ثواب وهي كمان ربنا يجازيها خير.
لانت ملامح أسماء قائلة:
– ربنا ما يحرمني منك أبدًا… مقولتليش، وافقت على شغل أميرة معاك؟
ضحك قليلًا وقال:
– يا ساتر… هو إنتِ مش بتنسي أبدًا؟ عمومًا، خليها تبقى تيجي الشركة بكرا… أقابلها وأشوف هتنفع في إيه. هي خريجة إيه؟
– خريجة تجارة… وشاطرة في الحسابات. وشغلها هيعجبك قوي.
– تمام… ربنا يسهل. ممكن بقى أروح أبوس تسنيم قبل ما أمشي؟
– روح يا غالي عليّا… بس متنساش الكلام اللي دار بينّا، عشان خاطري.
***
كانت أسماء تقف في المطبخ إلى جوار سميرة وهي توجّهها قائلة:
– اعملي المكرونة اللي أنس بيحبها… والحمام لأميرة… واعملي كفتة داوود باشا عشان هي بتحبها. بصي دلعيهم كدا يا سميرة… وأنا معاكِ أهو ان شاء الله نلحق نخلص.
لاحظت سميرة إرهاقها، فقالت بقلق:
– بس واضح على حضرتك التعب… وضهرك شادد عليكِ. بلاش تتعبي نفسك، ادخلي ارتاحي وأنا هعمل كل حاجة.
هزّت أسماء رأسها بإصرار:
– لأ… مافيش حاجة. أنا زي الفل. هروح آخد العلاج بتاعي وأصحي تسنيم… البنت عندها أربع سنين وطالعالي بموضوع النوم العميق ده!
ترددت سميرة قليلًا، ثم قالت بخجل:
– ممكن أقول لحضرتك على حاجة؟ بس يعني… متفهمينيش غلط. ولو ضايقتك، أرجوكِ اعتبريني مقولتهاش.
– قولي… ومتخافيش.
بلعت سميرة ريقها وقالت بصوت منخفض:
– أنا… بحس إن نظرات الست أميرة ليكِ مش نظرات حب أبدًا. بحسها بتستكتر عليكِ اللي إنتِ فيه. حتى مرة كانت معزومة هنا، وكنتِ في المطبخ… شوفتها ماسكة حلق تسنيم وبتقول بصوت مسموع: بقى الحلق الحلو ده المفعوصة دي تلبسه وأنا لأ؟! حقها تلبس وتتهنى ما أبوها معيشهم في نعيم… وكان هيموت ويتجوز أمها.
جفلت أسماء للحظة، ثم قالت بنبرة متماسكة:
– المرة دي… أنا مش هزعل منك. بس صدقيني كلامك ضايقني؛ لأنك فاهمة غلط. أميرة دي صاحبة عمري… أهلها انفصلوا واتجوزوا وسابوها مع جدتها. وأول عريس اتقدملها وافقت عليه عشان تهرب من المرار اللي كانت فيه بسبب مرات خالها. وأهو الراجل اللي اتجوزته كان اختيار غلط… أنا بعتبرها أختي قبل ما تكون صاحبتي. وأكيد إنتِ سمعتي غلط… وحتى لو قالت كده فهي بتهزر مش أكتر.
اغرورقت عينا سميرة بالدموع:
– أنا آسفة والله… مش قصدي أضايقك. بس أنا بحبك وبخاف عليكِ زي أختي… عشان إنتِ طيبة أوي وعلى نياتك. أنا بقولك بس عشان تخلي بالك… مش كل الناس طيبين زي حضرتك.
ربّتت أسماء على يدها بحنان:
– متخافيش عليّا يا سمورة… إن شاء الله خير. وأوعِ تقلقي من أميرة… أنا بثق فيها أكتر من نفسي. واضمنها برقبتي. يلا بقى… اشتغلي وبطّلي رغي؛ لأنها خلاص قربت توصل.
وقفت أسماء في مكانها، وتشابكت يداها بتوتر، وقد علقت نظرتها بين باب المطبخ الذي خرجت منه سميرة منذ لحظات، والكلمات التي ظلت تتردّد في رأسها. ساد صمت داخلي ثقيل، قبل أن يبدأ صوتها العميق يهمس لنفسها:
إبراهيم قال قبل كده إنه مش مرتاح لأميرة… ودلوقتي سميرة بتلمّح لنفس الكلام… ليه الاتنين شايفين حاجة أنا مش قادرة أشوفها؟
أطرقت برأسها قليلًا، ثم تنهدت بصوت لا يسمعه أحد، بينما أفكارها تتزاحم:
هما شايفين إيه؟ إيه اللي واضح لهم… ومش واضح ليا؟
رفعت أسماء عينيها نحو الفراغ، كأنها تحاول التقاط إجابة معلّقة:
بس الغريب… إن الاتنين متفقين. وبيدّوني إحساس إن كلامهم مش طاير في الهوا… ولا طالع من فراغ.
وضغطت على أصابعها بقلق، واستسلمت لهمس آخر:
أنا أكتر واحدة قريبة منها… عارفة تفاصيلها ومخاوفها وأسرارها… عمري ما شفت فيها اللي هما بيقولوه. طب… ليه حاسّة إن كلامهم له جذر؟ ولا أنا اللي بدافع عنها زيادة؟ لأ محدش يعرفها زيي وكفايه الظروف اللي هي فيها، أنا مشوفتش منها حاجه وحشة.
***
طرق سامح باب المكتب قبل أن يدخل، أذن له إبراهيم بالدخول ثم رفع رأسه عن الأوراق وسأله بنبرة هادية عن وجود أي وظيفة خالية في الحسابات.
هزّ سامح رأسه بثقة:
– لأ يا فندم… مافيش أي أماكن فاضية، كل الناس في شُغلها.
اتسعت ابتسامة إبراهيم كأنه زال عن عاتقه جبلًا من الهموم وقال وهو يرخي كتافه:
– ربنا يجبر بخاطرك… كده ضميري ارتاح.
استغرب سامح وسأله عن سبب سؤاله، فمرّر إبراهيم يده على مكتبه وقال بتلقائية فيها شوية ضيق:
– مراتي كانت عايزاني أشغّل صاحبتها. وأنا بصراحة مش مرتاح… وساكت ومستحمل عشان خاطرها بس.
وقبل أن يعلّق سامح، دخلت وفاء مسرعةً وهي تحاول لملمة أعصابها قبل أن تتكلّم:
– أنا محتاجة أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم.
اعتدل إبراهيم في جلسته، واشتدّت ملامحه:
– خير يا وفاء؟
تنفّست وفاء بعمق، وكأنّ القرار ثقيلاً عليها:
– أنا… هسيب الشغل يا فندم.
ارتفع حاجبا إبراهيم اندهاشًا لم يستطع إخفاءه:
– ليه؟ حد ضايقك؟
هزّت وفاء رأسها بسرعة مطمئنة:
– لأ أبدًا… بس فرحي قرب، وخطيبي قالي أرتاح وأركز في جهازي. وأنا مضطرة لازم اقدم استقالتي، يعز عليا اسيب الشغل… آسفة جدًا.
لانت ملامحُ إبراهيم، ومال بجسده نحو الأمام:
– لا يا بنتي… مافيش آسف. ألف مبروك.
ونظر لسامح:
– اصرفلها المرتب بدري… وخلّيه الضعف. هدية فرح.
وضعت وفاء يدها على فمها بتأثّرٍ واضح، ولمعت عيناها وقالت بامتنان:
– دا كتير أوي… شكرًا لحضرتك.
– تستاهلي كل خير على إخلاصك وأخلاقك العالية، ربنا يتمملكم على خير. بس كده هتورّط… لازم أدور على حد مكانك.
اتّسعت عينا وفاء بفضولٍ وهي تسأل:
– حد من بره الشركة؟
أجابها وهو يعاود ترتيب الأوراق:
– تقريبًا… شكلها هتبقى أميرة، صاحبة مراتي. ربنا يسترها، روحي انتِ اتجوزي وورطينا إحنا
– سامحني يا فندم حقيقي غصب عني.
– اهم حاجه انا من أول المعازيم.
قالت بابتسامة:
– طبعًا هي دي فيها كلها.
***
وقف صبحي أمام باب القهوة، واشتدّ صوته حين رأى الداخل إليه:
– إنت إيه اللي جابك هنا؟ وجاي عايز مني إيه؟
مدّ فريد يده أمامه بإشارةٍ تُهدِّئه:
– إهدى بس… اقعد نسمع بعض بالراحة. أنا جاي في خير ليك، متقلقش.
قهقه صبحي بسخرية، ورفع حاجبه:
– خير؟ خير إيه اللي ييجي من وراك؟ مش كفاية بيتي اتخرب بسببك؟
– إنت مصدّق نفسك؟ مين اللي خرب بيت مين؟ مين اللي خان صديق عمره يا صبحي؟ بس أنا مش جاي أفتح في القديم… في موضوع مهم. وهتاخد من وراه خمس تلاف جنيه.
سحب صبحي الكرسي بقلة رضا، وقعد قدّامه:
– من إمتى وإنت بتعرض عليا فلوس؟ من إمتى الحداية بتحدف كتاكيت؟! قول… واسمعني وراك إيه؟
تنفس فريد بحدة، وكأنه يحاول بلع غضبه:
– اللي مضايقني إنك عامل صاحب حق. مراتى كانت بتكلمك وأنا نايم… تبعتلك صور بشعرها ولبس البيت… وتعيشوا قصة حب، وأنا المغفل اللي مش واخد باله. قمت أشرب ميّة… لقيتها في الأوضة التانية بتكلمك فيديو. شفتك بعيني… الغدر كان منك. وبيتك؟ بيتك اتخرب بإيدك… مش بإيديا. وأنا كمان اتخرب بيتي بسببك. مقرفين سواء انت او هي.
– وإنت؟ مش أنت ضربتني قدام مراتي وعيالي؟ مش أنت اللي بسببك خلعتني مراتي وخدت البيت مني عشان بإسمها؟ بقيت عايش في الشارع واتفضحت في الشغل، كدا خلصانين.
مرّر فريد يده على وجهه:
– مش طايق أتكلم معاك، بجاحتك ملهاش وصف، مجابنيش غير الشديد القوي. عمومًا أنا عايز الصور اللي كنت بتبعتها لأميرة… واللي كانت هي بتبعتها ليك. عايز تسجيلات المكالمات كمان. عايز اسكرينات بكل حاجه من اول جملة بينكم.
شهق صبحي بدهشة:
– نعم؟ إنت عارف معنى الكلام ده؟ دي حاجات اتحذفت من زمان.
زفر فريد بقسوة:
– لأ… هي قالتلي إنك ماسك عليها حاجات وبتبتزّها. وأنا عايز كل ده… وهتاخد عشرين ألف مش خمسة.
اتّسعت عينا صبحي، وتغيّر صوته:
– عشرين ألف… كاملين… مقابل كام صورة؟
رفع فريد حواجبه بثبات:
– الفلوس معايا في العربية. وعارف إن كل حاجه معاك، أصل انت زبالة … والخاينة مكانتش بتدفعلك لجمال عيونك.
طأطأ صبحي رأسه وقال بخجل وضعف:
– هي اللي كلّمتني الأول… وجرّتني ليها. الإنسان ضعيف… والله ندمان، سامحني يا فريد.
علا صوت فريد فجأة:
– بس يا صبحي! مش عايز أسمع حاجه منك، احنا مبقاش بينا حتى السلام. هات الصور. وهتاخد قرشين تمشي حالك بيهم. مش عاجبك… خليهم معاك بلهم واشرب ميتهم؟
نهض صبحي بسرعة قبل أن تفلت منه الكلمة:
– موافق… بس دي أم ابنك. هتفضحها؟ ابنك هيعيش إزاي؟
لوّى فريد شفتيه بمرارة:
– دِ حاجه متخصكش. قدامك أسبوع… ترن عليّ أجي استلم منك التليفون باللي فيه.
– إحنا متفقناش على كدا.
– هزودك كمان خمسة تجيبلك غيره، يا خسارة يا صبحي، مصونتش العيش والملح اللي كان بينا، دا انت كنت اخويا، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم.
***
فتحت أسماء الباب بترحابها المعتاد، وقالت وهي تبتسم:
– أهلاً وسهلاً… نورتينا يا أميرة. عامل إيه يا أنس؟
دخل الصغير وهو ماسك طرف بلوزة أمه، بينما أميرة ضمّت صديقتها بحب زائف:
– البيت منوّر بصاحبته يا روحي. وحشتيني قدّ الدنيا.
ضحكت أسماء بخفة:
– طول ما انتِ بخير… أنا بخير يا حبيبتي.
وضعت أميرة حقيبتها على الطاولة، وتنهدت:
– جوزك هنا ولا في الشركة؟ أنا آسفة اتأخرت… طليقي رنّ عليّا سدّ نفسي عن كل حاجة.
سحبتها أسماء لجوه وهي ترد عليها بلطف:
– ولا يهمك… البيت بيتك. إبراهيم مش موجود… بس زمانه جاي. تعالي نقعد في الصالون واحكيلي حصل إيه.
دخلت أميرة، وجالت عيناها في أرجاء الصالون الجديد كلّه:
– إيه ده؟ انتي غيرتي الصالون!
قالت أسماء بابتسامة هادية:
– هتصّدقيني لو قولتلك إني ماكنتش ناوية؟ بس الكراسي كانت ناشفة… وضهري زي ما انتي عارفة مش مستحمل. إبراهيم قرر يغيّره… يجيب واحد مريح أكتر.
ضغطت أميرة شفتيها، وتحولت نبرة صوتها إلى غِلٍّ وغيرة، ثم قالت بابتسامةٍ مزيفة:
– واضح إنه بيحبك قوي… ومستعد يعمل المستحيل عشانك. مش زي المحروس اللي كنت متجوزاه.
تنفّست أسماء بعمق، وبان عليها الدفء وهي تتكلم:
– ربنا أكرمني بيه. الحلو اللي في العالم كله اتجمع فيه. ماقدرش أعيش من غيره لحظة… شاركني كل حاجة من أول يوم… حتى لما كنا في شقة إيجار بسيطة. لما جت تسنيم فضل يحبني ويهتم بيا حتى أكتر من الأول، والحمد لله ربنا رزقنا برزقها، وكله بالصبر.
كانت أميرة تستمع… لكن قلبها كان يشتعل. تغيّرت نظراتها، واشتدّ وجهها. في داخلها نارٌ تتأجّج، شرَدت وهي تقول في نفسها:
ليه هي؟ ليه الخير كله رايح لواحده زي أسماء؟ ليه ربنا يدِّيها راجل زي إبراهيم حلو وحنين وغني وأنا لأ؟
شدّ انتباه أسماء شرودُ صديقتها، فنادت عليها:
– يا أميرة! فينك سرحانه في إيه؟ بنادي عليكِ بقالي شوية.
استفاقت من شرودها، ومسحت جبينها:
– معلش… سرحت في فلوس المحامي والشغل اللي مش لاقياه، مكلمتيش إبراهيم.
ربّتت أسماء على يدها:
– قولتلك متقلقيش. طول ما أنا واقفة على رجلي… انتِ وأبنِك في عيني. والشغل؟ اتكلمت مع إبراهيم… وهيلاقيلك مكان مناسب عنده.
اتسعت عين أميرة بدهشة:
– بجد؟ قالك إنه موافق؟
ابتسمت أسماء ابتسامة مطمئنة:
– أيوه. وهيشوف الوظيفة اللي تناسبك… وكمان بمرتب كويس.
حضنت أميرة أسماء وقالت:
– ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا. لولاكي… كان زماني في الشارع أنا وابني.
بادلتها أسماء الحضن وهي تقول بصدق:
– احنا خوات. وربنا يديم المعروف بينا.
رنّ جرس الباب. وقفت أسماء بسرعة:
– استني… أكيد إبراهيم وصل.
رواية مرايا لا تعكس الحقيقة الفصل الثاني 2 - بقلم أمل عبد الرازق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… عاملة إيه يا سمكتي؟
ابتسمت له بفرح صادق وفتحت ذراعيها وضمته إليها:
ــ الحمد لله بخير يا حبيبي… حمدًا لله على سلامتك يا غالي عليا.
رد وهو يقترب منها ويخفض صوته:
ــ الله يسلمك يا حبيبتي. طبعًا صاحبتك لسه هنا، أنا شوفت الرسالة اللي بعتيهالي على الواتس.
ــ أيوه، قولت أبعتلك رسالة أقولك فيها إنها لسه جاية… وجيب معاك علبة جاتوه تاخدها وهي ماشية، أصل أنس بيحبها. وبعدين عيب نقف على الباب كده… ادخل سلّم عليها.
تنفّس بضيق حاول إخفاءه:
ــ أنا مش برتاح ليها يا أسماء… إنتِ ليه بتعملي معايا كده؟ بتحطّيني تحت الأمر الواقع. أوعي يا أسماء دخليني… خلّيني أخلّص المهمة دي وأسلم عليهم. وكمان عايزاها تقعد في وشي في الشغل!… على العموم براحتك.
اقتربت منه بخطوات ملطفة للصوت:
ــ بلاش تحرجني مع صاحبتي… ادخل بس، وهنكمّل كلامنا بعدين.
***
دخل إبراهيم وسلم على أنس، ثم التفت إلى أميرة بابتسامة مجاملة:
ــ عاملة إيه يا مدام أميرة؟ إن شاء الله أمورك كلها تمام.
بادلتْه نظرة لزجة ودلالًا غير مريح:
ــ طول ما انت موجود وبخير… أنا بخير يا إبراهيم.
شعر بضيق يتسلّل إلى صدره. حدّث نفسه بضيق: يعني على الأقل كانت تقول يا أبو تسنيم… مش اسمي كده صريح!
ابتسم ابتسامة باهتة.
ثم نادى زوجته:
ــ تعالي يا أسماء… جهزيلي اللبس.
أجابته بثقة معتادة:
ــ كل حاجة جاهزة… وجهّزتلك الحمام الملحق بالأوضة كمان. بس يلا بسرعة عشان نتغدى كلنا سوا.
توتّرت ملامحه لأن ردّها لم يمنحه المساحة التي أرادها:
ــ طب معلش… تعالي طلّعيلي لبس معيّن في بالي. مش هعرف أوصله… إنتِ اللي بترتّبي الدولاب.
ارتفعت عينيها نحوه وهي تحمل صينية:
ــ يا حبيبي… إنت شايف إني مشغولة وبجهّز السفرة. ياريت تلبس اللي أنا جهّزتهولك دلوقتي.
كانت أميرة تتابعهما من بعيد، فقطعت الصمت بلهجة صارمة:
ــ سيبي اللي في إيدك… وشوفي جوزّك عايز إيه قبل أي حاجة. ميصحش كده يا أسماء.
ابتسمت أسماء للحظات، رغم نفس الضيق الذي حاولت دفنه:
ــ خلاص… إنتو الاتنين اتفقتوا عليّا. حاضر.
ثم التفتت لسميرة:
ــ كمّلي رصّ السفرة يا سميرة لحد ما أرجع.
***
ما إن دخلت الأوضة مع زوجها حتى أغلق الباب خلفه بنفسٍ مكتوم.
اقترب منها وقال بنبرة غضب لم يحاول تخفيفها:
ــ إنتِ إيه اللي عملتيه برا ده يا هانم؟
نظرت له بذهول:
ــ في إيه بس يا إبراهيم؟ مالك متضايق كده؟ أنا عملت إيه؟
اقترب خطوة أخرى، صوته ينخفض لكنه يشتعل:
ــ بقولك عايزك تجهزيلي لبسي… ما أنا عارف إنك بتجهزيه قبل ما أجي وبحب كل حاجة من إيدك. معنى كده إني كنت عايز أكلمك بيني وبينك… إيه؟ البعيدة مش بتفهم خالص؟
والله من لحظة ما دخلت وشوفت صاحبتك وأنا قلبي مقبوض… وكل ما بتيجي هنا بخاف. أنا مش مشغّلاها معايا يا أسماء… واللي عندك اعمليه.
رفعت كفيها في وجه غضبه:
ــ بسم الله… في إيه يا إبراهيم؟ ما انت كنت كويس! ليه متعصب كده؟ محصلش حاجة لكل ده. حقك عليّا… أنا والله مكنتش واخدة بالي.
وبنبرة خافتة:
ــ وبعدين أنا أصلاً بعمل اللي قولتلي عليه… ومبظهرش قدام أميرة اهتمامي بيك… عشان محدش يبص لحياتنا.
يا إبراهيم… دي صاحبتي! بتحبّنا وفرحانة بينا… أنا مش عارفة أرضيك إزاي.
هزّ رأسه بضيق أكبر:
ــ يا أسماء… المثل بيقول: حذر من عدوك مرة… ومن حبيبك ألف.
إنتِ بتحكيلها كل حاجة عننا!
لم تستطع التماسك أكثر… انهمرت دموعها دون إرادة:
ــ إنت عارف إن أهلي كلهم في السعودية… وأنا اتجوزتك وفضلت هنا. مفيش حد بيسأل فيّا غير أميرة. ليه عايز تبعدها عني؟ هي عملتلك إيه؟
مش كفاية إني أصلا ببقى تعبانة… ومبخرجش… عايزني أنفصل عن الحياة كلها ولا أتعامل مع بني آدمين؟
تغيّر وجهه للحظة، ثم اقترب وضمّها إليه بحنان ممزوج بالقلق:
ــ يا أسماء يا حبيبتي… أنا مش عايز من الدنيا غيرك. يا عبيطة… أنا بحبك وبخاف عليكِ.
إنتِ أمي وأختي وحبيبتي وبنتي ومراتي.
وبعدين الدكتور قال إن جلسات العلاج الطبيعي هتساعدك… وهتبقي أحسن.
متعيطيش… دموعك غالية عليا يا سمسم.
مسحت دموعها سريعًا:
ــ ما هو برضو مش طبيعي كل ما أميرة تيجي… تتغيّر ١٨٠ درجة. ومبتاكلش معانا… وبتحبس نفسك في الأوضة. هي بنفسها قالتلي إنك بتتضايق من وجودها… وأنا بدافع عنك.
تنهد بعمق، كأنه سلّم سرًّا كان يخفيه:
ــ بصراحة… سمعت عن أميرة كلام مش كويس.
وحدّ بيبعتلي رسايل من رقم غريب يقول لي إنها خاينة… وعايزة تخرب بيتنا… وتبعدني عنك.
وأنا هتصرف إزاي؟
صدقيتي نظراتها مريبة.
فزعت أسماء واستعاذت بالله:
ــ أعوذ بالله! مين الإنسان المعقّد اللي بيبعتلك كلام زي ده؟ أكيد حد بيكرهها… يمكن طليقها.
اعمل بلوك للرقم وخلاص… دا اسمه ظن سيئ.
وأنا ضامنة أميرة برقبتي.
يلا خد شاور واطلع نتغدى… لو بتحبني فرّح قلبي وتعالى.
أجاب بنبرة متأرجحة بين الحذر والاستسلام:
ــ لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا ينور بصيرتك يا أسماء.
ولو أميرة وحشة… ربنا يكشفها. ولو كويسة… ربنا يسامحني على ظني.
بس بالله عليك… متحكيلهاش تفاصيل حياتنا.
الحسد بيدخل الراجل القبر، والجمل القدر.
إحنا كويسين… حافظي على بيتك.
ضحكت قليلًا وهي تمسح على صدره:
ــ حاضر يا سي إبراهيم… شُفت أنا شاطرة إزاي؟
بس يلا… خلّص بسرعة عشان الأكل هيبرد.
وقبل أن تخرج، تمتم بغضب مكتوم:
ــ لو طلعت لقيت أنس شايل بنتي وبيبوسها… هخليه يشيل أمه ويمشي. اللهم بلّغت.
ضحكت على جملته الأخيرة:
ــ حتى أنس مضايقك؟ يا راجل ده لسه طفلة!… يلا أنا هطلع أشوف اللي ورايا… ومينفعش أسيب أميرة لوحدها كتير.
***
في الخارج…
وقفت سميرة فجأة خلف أميرة وهي ملتصقة بالباب تحاول التقاط ما يدور في الداخل:
ــ بتعملي إيه عند الباب يا ست أميرة؟
تجمدت أميرة للحظة، لكن سرعان ما أمسكت ذراع سميرة بقوة وسحبتها للمطبخ:
ــ هكون بعمل إيه يعني؟
وبصوت مهدد:
ــ ولو عقلك المريض صوّرلك أي حاجة غلط… حاولي تفتحي بوقك بكلمة، وهقطع رجلك من هنا.
أسماء بتحبني… وهتسمع كلام صاحبتها… مش الشغّالة. فاهمة ولا لأ؟
خفضت سميرة رأسها بخوف:
ــ فاهمة… بالله عليكِ متقطعيش عيشي… أنا بربي يتامى.
أطلقت أميرة ابتسامة باردة:
ــ خلاص… هسامحك المرة دي.
***
خرجت أسماء تبحث عن ضيفتها، فوقفت على باب المطبخ ورأتها تساعد سميرة في ترتيب الأطباق.
اقتربت منها بخجل بسيط:
ــ بتعملي إيه بس يا أميرة؟ أنا آسفة يا حبيبتي اتأخرت عليكي.
إنتِ تقعدي معزّزة مكرّمة… والأكل ييجي لحد عندك.
رفعت أميرة حاجبيها بابتسامة فيها خبث لطيف:
ــ لا يا ستي… مش البيت بيتي ولا إيه؟ ولا أنا غريبة بقى والمفروض أقعد على الكرسي وما اتحركش.
ضحكت أسماء ببساطتها اللذيذة:
ــ ربنا يبارك فيكِ يا مرمر… طبعًا البيت بيتك.
أما سميرة فتمتمت بينها وبين نفسها:
ربنا يحفظك يا ست أسماء… شكل خرابة البيوت دي ناويالكِ على الشر… والله ما أعرف بتحبيها على إيه. ربنا يستر من اللي جاي.
التفتت أميرة نحوها فجأة:
ــ هتفضلي تكلمي نفسك كتير يا سمّورة؟ ولا هننجز في شغلنا؟
ضحكت أسماء ببراءة:
ــ إيه ده؟ انتي كمان بتدلّعي سميرة؟
فعلاً… سميرة تدخل القلب بسرعة.
قهقهت أميرة بخفّة مصطنعة:
ــ يا نهاري! مش عارفه اوصفلك دخلت قلبي إزاي… ومن غير استئذان كمان!
ابتسمت سميرة ابتسامة صفراء:
ــ القلوب عند بعضها يا ست أميرة… نفس مقدار المحبة ليكِ في قلبي.
***
جهزت أسماء وأميرة السفرة وسخّنوا الأكل بعد ما كان برد، وكل شيء صار جاهزًا. خرج إبراهيم من الحمام بعد أن استحمّ، صلّى، ثم خرج عابس الملامح، كأنه يجاهد نفسه ليجلس على السفرة. جلست أسماء جواره، وبجانبها تسنيم في كرسي الأطفال، بينما كان أنس يلعب معها ويطعمها وهو سعيد. في الجهة المقابلة جلست أميرة، وإلى جوارها سميرة.
قالت أميرة وهي تنظر إلى سميرة بنبرة مستنكرة:
ــ وهي سميرة بتقعد تتغدى معاكم عادي كدا يا أسماء؟ مش المفروض دي الشغّالة وتاكل اللي يفيض منكوا؟
رفعت أسماء حاجبيها دهشة، وردّت بهدوء وعتاب:
ــ أعوذ بالله يا أميرة! تعرفيني عني أنا ولا إبراهيم نعمل كدا! إحنا كلنا واحد في البيت ده. وسميرة زيي زيك، د كتر خيرها بتسيب ولادها لوحدهم عشان تساعدني. ربنا خلقنا بني آدمين شبه بعض مش طبقات… الناس هي اللي عملت الفروق مش ربنا. إحنا لما بنروح نعمل عمرة بنلاقي كل الرجالة لابسين الإحرام شبه بعض لا تقدري تميزي غني عن فقير، ولما هنموت الكفن واحد، مش هناخد غير عملنا معانا.
وبعدين سميرة مش شغّالة، سميرة بتساعدني وربنا يجعله في ميزان حسناتها.
تأثرت سميرة بكلماتها، وانهمرت الدموع من عينيها وهي تقول بصوت مخنوق:
ــ والله يا ست أسماء… أنا محستش إني إنسانة ليا قيمة غير عندك. كنت بشتغل عند واحدة قد بنتي، وكانت بتعاملني وحش… حتى بواقي الأكل كانت تمنعها عني. تقول لي دا أكل أسيادك واللي يفيض للكلاب… ليكِ مرتب بتاخديه آخر الشهر، ابقي كلي في بيتكم.
الناس بتشوفنا متسوولين، مع إننا بنتعب ونسعى بالحلال.
الله يرحمه جوزي… كان بيشتغل وعمره ما حوجنا لحد.
في تلك اللحظة، وفي مكان آخر…
جلس فريد وصبحي في أحد المقاهي. كان الجو مشحونًا.
قال فريد بسخرية مرة:
ــ تعالى يا وش الغم والفقر.
رمقه صبحي بحدة وهو يمد يده:
ــ الأمانة معايا… إيدك على الفلوس الأول.
ــ خايف مني؟ الفلوس موجودة… بس وريني الصور الأول.
أخرج صبحي الفلاشة وقال:
ــ جبتها على فلاشه… الموبايل غالي مش هسيبه ليك.
أخذ فريد الفلاشة وهو يتمتم بغضب:
ــ معايا لابتوب… وكنت متوقع قلة أمانتك. مش هتاخد ولا جنيه غير لما أطمن.
تنهد صبحي بضيق:
ــ خلّصني… عايز الفلوس أصلّح بيها مع مراتي. زهقت من الإيجار.
نظر فريد إليه بمرارة:
ــ كان لازمه إيه تخرب بيتي وبيتك؟ شوفت صاحبي خارج مع مراتي… متصور معاها. استفدت إيه؟
حسبنا الله ونعم الوكيل.
ــ اللي حصل حصل… هات الفلوس.
قذفها فريد أمامه ببرود:
ــ غور من وشي.
كان إبراهيم يجلس مصغيًا لكلام سميرة، متأثرًا جدًا.
قال بصدق عميق:
ــ الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته. وأنا عند وعدي من يوم ما شفناك… فاكرة؟ قولتلك لو كنتي مخلصة لمراتي وحافظتي على أسرار بيتنا، أنا ملزم بيكي وببناتك طول ما فيا نفس. دا خير من ربنا… والرزق اختبار، اللي معاه يخدم اللي مش معاه، وما نقص مال من صدقة.
ابتسمت أسماء بخجل وفخر:
ــ ربنا يبارك فيك يا إبراهيم… ويحفظك ويرزقك من حيث لا تحتسب. الرحمة بقت قليلة بين الناس… وإحنا اتخلقنا نساعد بعض.
مسحت سميرة دموعها وقالت بإيمان:
ــ ربنا يحفظكم يا ست أسماء… ويبعد عنكم شيطان الإنس والصحاب الغدارين… قولي آمين يا أميرة هانم.
رمقتها أميرة بنظرة حادة مشتعلة، وردّت وهي تضغط أسنانها:
ــ اللهم آمين… فعلاً أسماء طيبة وتستاهل كل خير. وربنا رزقها راجل جدع زي إبراهيم.
تغيّرت ملامح أسماء من نظرة أميرة، وشعرت بوخزة غريبة في قلبها. نظرت إلى إبراهيم فوجدته غارقًا في مراقبة أنس وهو يلعب مع تسنيم، لا يلتفت لأميرة مطلقًا. اقتربت منه وهمست:
ــ لاقيت شغل لأميرة يا حبيبي؟
ابتسم لها ابتسامة يعرف بها غيرتها:
ــ أيوه… وممكن تيجي بكرة نشوف هتعرف تتشغل إيه.
قفزت أميرة من الفرح:
ــ بجد؟ أنا مش مصدّقة! شكرا يا إبراهيم مش عارفه من غيرك كنت هعمل إيه … أخيرًا لقيت شغل محترم!
انقبض صدر أسماء من ردّها، لم تقل حتى "كتر خيرك". نادت عليها بنبرة خفيفة:
ــ اهدي يا أميرة… نشوف الوظيفة الأول. يا خوفي يا إبراهيم تطلع في الكافيه اللي في الشركة.
هزّ رأسه بثقة:
ــ كافيه إيه… دي صاحبتك. لازم أديها وظيفة محترمة. هخليها السكرتيرة بتاعتي.
اتسعت عينا أسماء دهشة:
ــ طب… كويس. بس الصبح قولتلي مفيش أماكن عندك.
ــ نصيبها كدا… السكرتيرة اللي عندي هتمشي عشان فرحها.
قهقهت أميرة بسعادة:
ــ الحمد لله… ربنا عارف إني طيبة وغلبانة! وكمان السكرتيرة بتاعتك دا انا أمي دعيالي. شكرا يا أسماء… إنتي أحلى صاحبة بالدنيا.
أمسكتها أسماء من يدها وربتت عليها بلطف:
ــ الشكر لله يا حبيبتي… مفيش بين الأخوات شكر. وإبراهيم زي أخوكي وأكيد أنتِ عارفه كدا… وربنا يكتب لك الخير.
كان الصباح ساكنًا في بيت اعتاد الدفء، إلا أن التوتر كان أوضح من أي صوت.
اقترب منها بخطوات خفيفة، وعلى وجهه ابتسامة يحاول إخفاء قلقه:
— افرحي بقى يا ستي… صاحبتك هتشتغل أهي. قوليلي، مالك ساكتة من امبارح؟ فيكِ إيه يا قمر؟
رفعت أسماء وجهها نحوه ببطء، ونبرة الحزن لم تفارقها:
— من ساعة ما عرفت إنك هتشغلها… وقلبي مقبوض. نظراتها ونبرة صوتها مش عادية، وسميرة من الصبح بتكلمني في نفس الموضوع.
جلس جوارها يهدّئ روعها، كعادته حين يشعر باضطراب قلبها:
— متخافيش… بس خلي بالك منها زي ما أنا واخد بالي. الشغل شغل، ومحدش ليه أمان. وكله هيبقى تمام.
مسحت على جبينها المتوتر وقالت بنبرة أعمق مما بدت عليه:
— أنا بحبها… والله بحبها، بس في حاجة جوايا مش مريحاني. المهم… خليك واخد بالك من نفسك، ومتتعصبش عليها.
ضحك بخفة وهو ينهض ليغادر:
— حاضر يا فندم. ارتاحي… وأنا مش هتأخر، ونخرج نتغدى بره إن شاء الله. خدي بالك من نفسك ورنّي على سميرة قوليلها النهارده أجازة عشان تقعد مع عيالها.
في الشركة
عبرت أميرة الباب بخطوات كلها حماس، ورفعت صوتها بتحية واثقة:
— صباح الخير يا مستر.
رفع رأسه عن الأوراق ورد بهدوئه المعتاد:
— صباح النور… واضح إنك ملتزمة.
— حضرتك لسه ما تعرفنيش… بس صدقني، أنا شاطرة جدًا وهعجبك في الشغل، أوعدك.
أشار لها أن تنتظر قليلًا:
— خلّيت وفاء تفضل أسبوعين تفهمك الشغل. ركزي معاها عشان الضغط كبير، وهي خلاص هتمشي.
تجمّدت للحظة، ثم مالت بجسدها قليلًا وهي تحاول التخفيف من رسميته:
— مالك بتتكلم رسمي كدا؟ فكّها شوية… أنا بحب الضحك، مش كدا.
ردّ عليها بنبرة صارمة لم تعتدها منه:
— ضحك إيه يا مدام؟ إحنا في الشغل… والكلام يبقى باحترام. وبعدين… أنت وعدت أسماء إنك هتبقي قد الشغل.
تبدلت ملامحها بضيق واضح، ثم قالت بصوت منخفض لكنها متعمده:
— مش قصدي والله… أنا بس عايزاك تاخد عليّا. وبلاش كلمة مدام دي… دي بتفكرني بحاجات وحشة. ناديني باسمي بس.
لم يعلق، بل أشار نحو الباب:
— من فضلك روحي لوفاء… عندها شغل كتير.
ظهرت وفاء في تلك اللحظة، تتحدث بجدية كعادتها:
— يلا… عشان أفهمك هتعملي إيه، المستر متعطّل.
مرّ أسبوعين، وأميرة أصبحت موظفة رسمية في الشركة. كانت مجتهدة للغاية، وفي كل صباح وهي في طريقها إلى العمل كانت تمرّ على أسماء لتترك عندها أنس، وكأنها تؤكّد ما تقوله دائمًا بأنها "مقطوعة من شجرة". كانت أسماء تحب أنس وتفرح به، لكن الحقيقة أن أميرة كانت تتخذ أنس ذريعة كي تصل إلى بيت أسماء مبكرًا… تمامًا في الوقت الذي يخرج فيه إبراهيم ليأخذها معه إلى الشركة بسيارته.
وكانت صاحبة الاقتراح من البداية هي أسماء نفسها، يوم أن أخبرتها أميرة أنها لا تستطيع تحمّل أجرة المواصلات.
وقف إبراهيم عند باب الغرفة، وصوته يحمل مزاحًا ممزوجًا بقلق خفي:
— أسماء يا حبيبتي، كل دا نوم؟ اصحي يا سمكتي… فيكِ إيه يا نور عيني؟
فتحت عينيها وهي تشعر بوخز الألم في كل مفصل من جسدها، وقالت بفزع وارتباك:
— أنا آسفة يا إبراهيم… راحت عليا نومة.
اقترب منها وهو يحدق في ملامحها المتعبة:
— إنتِ خدتي مِنوُم؟ شيلتي إيه تقيل يا أسماء؟ واضح جدًا إنك بتتألمي.
أنا عارف إنك مش هتجيبيها لبرّ، ولازم تتعبي نفسك.
ــ أنا كويسة يا إبراهيم… كنت مش عارفة أنام عادي… وخدت حباية واحدة.
ومش هقررها تاني. هقوم أجهّزلك الفطار بسرعة.
هزّ رأسه رفضًا:
ــ سميرة جت وعملت الفطار… وفطرت.
كنت عايز أسيبك تكمّلي نومك بس معرفتش أمشي غير لما أطمن عليكِ.
ارتاحي يا أسماء… وأول ما أرجع هاخدك ونروح نكشف عليكِ.
رفعت نظرها وقالت بصوت خافت:
ــ هي أميرة جت ولا لسه؟
ــ أيوه… وابنها بره. كانت عايزة تدخل تطمّن عليكِ.
ــ خليها تدخل… عشان أنا مش قادرة أتحرك من مكاني.
ضاق صدره ورفع يده بحيرة:
ــ لا حول ولا قوة إلا بالله… عملتي إيه في نفسك يا أسماء؟
قوليلي وريّحي قلبي.
أنا مش هسيبك… مش هروح الشغل النهارده.
تعالي… لما أساعدك تلبسي وآخدك للدكتور.
دخلت أميرة بعد أن سمعت آخر جملة، وصوتها يحمل اعتذارًا مصطنعًا:
ــ أنا آسفة… دخلت عليكم فجأة، بس الباب كان مفتوح وسمعت كل حاجة.
سيب أسماء تنام وترتاح يا مستر إبراهيم.
وأنا بستأذن من حضرتك… أفضل معاها وآخد أجازة.
حضرتك أساسي في الشركة، إنما أنا… ممكن أي حد يقوم بشغلي.
رفعت أسماء يدها قليلاً تعترض:
ــ لا… إنت ولا هي.
يلا روحوا الشغل… أنا كويسة.
وهنام وهكون بخير.
وطالما سميرة هنا… متقلقش عليّا.
استسلم إبراهيم بعد إصرارها، وغادر مع أميرة إلى العمل.
بعد خروجهما، اقتربت سميرة وهي تنظر لأسماء بقلق حقيقي:
ــ واضح جدًا إن حضرتك تعبانة. لازم تكشفي… وإلا هتتعبي أكتر.
وليه مقولتيش للأستاذ إبراهيم إن أنس هو اللي اتعصب عليكِ ووقعك على الأرض؟
دا انتِ وقعتي على ضهرك جامد… دا انا ضهري وجعني مكانك!
دا غير إنك عندك مشكلة فيها.
تنهدت أسماء وهي تضع يدها على موضع الألم:
ــ إن شاء الله هبقى كويسة...
أنس طفل... عنده ٩ سنين.
مش فاهم حاجة... ونفسيته متأثرة باللي حصل بين أبوه وأمه.
شوفتي امبارح لما كان بيشتم على أبوه؟ ولما قولتله عيب... زقني.
فقدت توازني... ووقعت.
ربنا يهديه...
روحي إنت اعمليله فطار... وأنا هنام شوية.
في سيارة إبراهيم...
نظرت أميرة إليه وهي تحاول اصطناع الاهتمام:
ــ متزعلش نفسك يا مستر... إن شاء الله أسماء هتكون بخير.
متقلقش عليها.
رد بهدوء ثابت:
ــ إن شاء الله.
سكتت لحظات... ثم قالت بنبرة محمّلة بنوايا أخرى:
ــ إنت... مفكرتش تتجوز واحدة تانية؟
تخلفلك أخ أو أخت لتسنيم...
وتريحك... وتسعى إنها تفرحك؟
انت لسه صغير وألف واحده تتمناك
كلنا عارفين إن أسماء مش هتعرف تخلف تاني...
صحتها مش كويسة... وجسمها شايلها بالعافية.
التفت إليها فجأة، بعينين امتلأتا غضبًا:
ــ إنتي إزاي تقولي كلام زي دا؟
إزاي تفكري فيه أصلًا؟
بدل ما تدعي لصاحبتك... وتطلبي لها الشفا!
عايزاني أتجوز عليها؟
لأ... فعلًا ونعم الصديقة إنت يا ست أميرة!
تلعثمت محاولة تدارك نفسها:
ــ إنت فهمتني غلط...
أنا بسألك بحسن نية...
شايفة إنك مخلص ليها بالرغم إنها دايمًا تعبانة...
ومش قصدي إنك تتجوز عليها...
قاطعها غاضبًا:
ــ من فضلك يا مدام أميرة...
متتكلميش معايا دلوقتي.
انا مش قابل منك كلام.
في الشركة...
رن هاتف أميرة... وصلت لها رسائل واتساب من رقم مجهول.
فتحتها... فظهر أمامها ما أرعبها، صور لها مع صبحي.
وكانت الرسالة:
تخيلي لما صاحبتك وجوزها اللي هو مدير شغلك يشوفوا الصور دي... ويعرفوا إنك واحدة خاينة.
مش صعب عليا أجيب أرقامهم يا مدام أميرة.قبل ما بعتلهم الرسايل دي... هستنى منك رد واحد بس:
بالموافقة... أو الرفض... على أي طلب هطلبه منك.
رسالة من مجهول ناوي يفضحك.
تجمدت ملامحها، وخفق قلبها بعنف. وبدأت تهمس لنفسها بصوت يكاد يُسمع:
ــ لازم أستغل تعب أسماء...
وأوقعك النهارده يا إبراهيم...
لازم تيجي بيتي بأي طريقة...
ولازم ألاقيلك غلطة... أمسكها عليك وأهددك بيها.
مش طبيعي راجل يكون مخلص لمراته بالشكل دا...
لازم... لازم أفكر بسرعة.
قبل ما المجنون اللي بعتلي الصور يخرب كل خططي، مش هينفع اخسر!
مش هسيبك... مش هتكون غير ليا يا إبراهيم والنهارده.
تجمّدت ملامح إبراهيم للحظة وهو يراقبها تتلعثم، كأن كلماتها خرجت من عالمٍ آخر.
ــ إنتي بتقولي إيه يا أميرة؟!
رواية مرايا لا تعكس الحقيقة الفصل الثالث 3 - بقلم أمل عبد الرازق
توترت أميرة، وخافت أن يكون إبراهيم قد سمع ما كانت تهمس به، فارتبك صوتها وهي تقول:
– أنا… أنا مش بقول حاجة يا فندم، أنا بس متضايقة شوية.
نظر إليها إبراهيم بهدوء لا يشبه انفعاله السابق، وقال:
– عموماً أنا جاي أعتذر عن طريقتي معاكِ في الكلام… آسف لو كنت اتعصّبت أو عليّت صوتي.
اطمأنت أميرة فور أن أدركت أنّه لم يسمع شيئًا، وكأنّ الاعتذار فتح أمامها باب البكاء. انفجرت في نوبة دموع وهي تقول:
– أنا قلبي واجعني من ساعة ما كلمتني كدا… حسيت إني ما عنديش حد أروح له، كله بيقلل مني… بحس إني ماليش لازمة، ولا حد عاملّي قيمة… حتى الراجل اللي اتجوزته طلع فاسد وخاين، وعرف عليّا ستات! وأنا كنت مخلصة له… أهو نصيبي كدا. حتى أمي وأبويا كل واحد فيهم متجوز وعايش حياته… ولا كإني موجودة!
تغيّر وجه إبراهيم، وشعر بوخز ضمير حقيقي تجاه انفعاله السابق. قال بنبرة صادقة:
– أنا آسف بجد… والله ما كان قصدي. انتِ عارفة أنا بحب أسماء قدّ إيه… وكمان هي تعبانة. لما قولتي الكلام دا… لقيت نفسي بتخيّل إني بغدر بيها، يعني وهي في عزّ احتياجها ليا أروح أتجوز غيرها! حسّيت إني واحد ما يستاهلش حبّها… ولا يستاهل واحدة زيّها أصلًا.
كانت هذه فرصتها. مسحت دموعها ببطء وقالت، مستغلة تعاطفه:
– بس أنت لسه صغير… ومن حقك تفرح وتنبسط وتتجوز واحدة صحتها كويسة. أنا مش بقولك تسيبها… بالعكس. لما تتجوز كدا بتطمنها عليك، بدل ما بتخليها تحس إنها مش مقصرة معاك.
تجمّد إبراهيم لحظة، ثم قال بنفاذ صبر:
– هو انتِ ليه مُصِرّة تخليني ازعقلك؟! أنا اشتكيت؟! أسماء مش مقصرة في أي حاجة… وكل شغل البيت بتقوم بيه، ومش بترضى حد يغسل حتى قميص ليا غيرها. الدكتور طمّنّي وقال العلاج الطبيعي هيحسنها. يا أميرة… انتي ناسيه إنّ الحادثة أصلاً كانت بسببك؟
شهقت أميرة باعتراض:
– بسببي إزاي؟ دا قضاء وقدر! وبعدين محدش قالها ماتركزش في الطريق.
رد بحدّة مكظومة:
– طبيعي لما ترنّي عليها وانتي بتعيطي وتقوليلها تيجيلك ضروري… عشان حضرتك متخانقة مع جوزِك! وهي من لهفتها عليكِ عدت الشارع بسرعة… والعربية كانت ماشية غلط وخبطتها! اتكسرت… وحصلها اللي حصل في ضهرها!
خفضت أميرة رأسها تمثيلاً للحزن:
– يعني أنا كمان بقيت السبب في مشاكل حياتكم؟! لو عايزني أقطع علاقتي بيها… حاضر اللي يريحك. وحتى الصدقة اللي بتبعتها كل شهر… مش عايزاها خلاص. أنا أصلاً ماليش حد!
حدّق فيها إبراهيم وشكوكه تتصاعد:
– يا مدام أميرة… طبيعي أحس من كلامك إنك مش بتحبي أسماء. وهي بتحبّك… وبتخاف عليكِ… وانتي في الآخر عايزاني أتجوز عليها!
أدركت أميرة أن خطّتها تتفلت من يدها، فابتلعت لهجتها الحقيقية وتكلمت بخبث مغطى بالنعومة:
– بالعكس يا مستر إبراهيم… أنا بحب أسماء أكتر من نفسي. هي بس دايمًا حاسة إنها مقصرة معاك… وإنك مش سعيد. وبتفكر إنها تقترح عليك تتجوز… وأنا حبيت أعرف رأيك عشان أطمنّها. أنا قولتلها مستحيل تعمل فيها كدا… عشان أنت بتحبها أووي.
اتّسعت عين إبراهيم، وصوته خرج مصدومًا:
– أسماء! تفكر كدا؟! إزاي تتخيل إنّي أعمل كدا؟! إزاي أسيب روحي؟ أنتِ عمرك شفتي حد عايش من غير روحه؟
لمعت الغيرة في قلب أميرة. كلمات الحب الخالصة التي قالها عن زوجته أحرقتها، فقررت أن تُكمل لعبتها للنهاية… حتى لو دفعت إبراهيم دفعًا إلى الخطأ. رقّت صوتها وقالت بدلع بارد:
– أنا قولت كدا برضه… إزاي واحد زيّك يخون؟ أنت طيب وحنين… ولما بتحب بتخلص. يا بخت أسماء بيك… راجل وسيم وطول بعرض… وناجح وعندك شركتك وتعبت على نفسك… ليها حق تمسك فيك بإيديها وسنانها.
تنهدت، وكأن ذكرياتها تؤلمها:
– مش زي حظي… اتجوزت واحد أكبر مني بعشر سنين… ومش عاجبه! طلقني واتجوز وعايش حياته… ورماني أنا وابني!
ضاق صدر إبراهيم، وشعر بنفور يُخفيه بصعوبة. حدّث نفسه:
الله يسامحك يا أسماء… بلّيتيني بمصيبة. الست دي مش طبيعية… لا بتحترمك، ولا بتحترم نفسها… ولا حتى بتغض بصرها!
حين لاحظت أميرة شروده، ظنت أنها نجحت أخيرًا:
– مالك يا إبراهيم؟ روحت مني فين؟
رفع نظره إليها، وقال بصرامة أعادت الأمور إلى حجمها الحقيقي:
– مالك يا أستاذة أميرة؟ ناسيه إني مديرك في الشغل؟ وبعدين… أسماء اللي بتقولي بتحبني عشان الفلوس… أحب أقولك إننا اتجوزنا وأنا موظف صغير… مش قادر أجيب شقة ملك. قولتلها نأجر… وافقت. خطبتها بدبلة وما جبتش غيرها. ربنا عوّضها بعدين… لأنه عارف هي قدّ إيه طيبة، وعلى نياتكم ترزقون، ربنا يرزقك على قد نيتك.
شدّت أميرة على كلماتها محاولة التشويش:
– بس جبت لها بدل الدبلة ألماظ… وبدل الشقة الإيجار جبت لها بيت زي الفلة!
تمتم إبراهيم:
– قولي بسم الله ما شاء الله… دا عوض ربنا ليها. إنتي إيه مزعّلك؟
لفّت وجهها بتصنّع:
– يعني هحسدكم يعني؟! على العموم… شكراً على سوء ظنك فيا… وأنا قولت ما شاء الله في سري!
تنهد إبراهيم وقال:
– خلاص يا ستي… حقك عليّا. هاتي بقى الملف اللي طلبته… وقت الانصراف قرب، وعايز أخلص اللي ورايا.
قدّمت له الملف، وانسحبت. دخل إبراهيم إلى مكتبه وهو يشعر بثقل يجثم على صدره. لم يكن يشغله الآن إلا شيء واحد: كيف يتخلّص من أميرة؟ هي فعلًا مجتهدة في شغلها… لكن قلبه ليس مطمئنًا لها. كل مرة تذكر فيها أسماء… تكون بكلمة سيئة. ولأول مرة… شعر أنها خطر حقيقي على بيته. قرر أن يطمئن على أسماء أولًا... ثم يفكر في طريقة تُخرج أميرة من حياته، ومن الشركة… بأسرع وقت ممكن.
***
كان الصباح ساكنًا حين خرجت سميرة من المطبخ، لتجد أسماء تتهيأ للجلوس. ارتبكت سميرة واقتربت منها بسرعة.
– إيه اللي قومك من السرير بس يا ست أسماء؟ ما أنا ماشية بكل تعليماتك وبعمل اللي بتقولي عليه.
أسماء (وهي تلتقط أنفاسها بهدوء):
– أنا نمت، ولما صحيت لقيت جسمي بقى مرتاح وضهري مش واجعني زي الأول… الحمد لله، ربنا حنين قوي.
– الحمد لله… ألف سلامة على حضرتك. وبصراحة أنا بقالي يومين النوم طاير من عيني… ونفسي أكلمك في موضوع وخايفة جدًا.
نظرت أسماء إليها، بقلق خفيف يتسلل بين ملامحها المتعبة.
– خير يا سميرة… في إيه؟ موضوع إيه اللي شاغلك كده؟ اتكلمي… ومتخافيش.
ترددت سميرة لحظة، ثم قالت بصوت منخفض أقرب للبوح:
– بصراحة ومن غير لف ولا دوران… اليوم اللي كنتي عازمة فيه أميرة صاحبتِك… لما حضرتك دخلتي الأوضة مع الأستاذ إبراهيم… قامت ووقفت تتصنت عليكم. ولما سألتها بتعملي إيه… مسكتني من إيدي وحطت إيدها على بوقي وسحبتني على المطبخ… وقالتلي لو اتكلمت هتقطع عيشي من هنا. وطبعًا… أكيد حضرتك هتصدقيها هي… عشان صاحبتك… وأنا مجرد شغالة… لا راحت ولا جت.
سكتت أسماء قليلًا، وظهر في عينيها صراع بين التصديق والدهشة.
– عارفة يا سميرة… أنا مش هكذبك وأقول مستحيل أميرة تعمل كده. انتي مش مستفادة حاجة من الكلام ده. وأنا عارفة إنك بتخافي عليا… وبتحبيني… ومخلصة ليا. المهم… متتكلميش في الموضوع ده خالص… ولا كأن في حاجة حصلت.
تنهدت سميرة بعمق، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ أيام.
– والله أنا بقولك اللي حصل عشان خايفة عليكِ. الغدر لما بيجي من أقرب الناس لينا… قلوبنا بتتكسر… وبنكتئب… وبنفقد الثقة في كل الدنيا. وانتِ شايفة بنفسك اللي بيحصل اليومين دول… اللي بتلف على جوز صاحبتها وتخونها وتخليه يتجوزها ويطلق صاحبتها… واللي بتكون سبب في أذية صاحبتها وترسل صورها لناس سيئين عشان يستغلوها… واللي بتفسد أخلاق صاحبتها وتخليها تبعد عن الصح… نماذج كتير وحشة. صدقيني… ما بقاش في حد له أمان. وحضرتك بقى… بتدخليها بيتك… وسامحيني يعني… بتحكيلها كل حاجة عنك وعن زوجك. ودي واحدة مطلقة… فطبيعي يكون في غيره… وهي لسه صغيرة… وحلوة يا ست أسماء. خلي بالك من نفسك… ومن الأستاذ إبراهيم… لأنه ممكن يكون مطمع لأي واحدة زي أميرة.
رفعت أسماء يدها قليلًا، تطلب منها الهدوء.
– سميرة… عيب تتكلمي كده عن صاحبتي. وانتي عارفة إبراهيم على إيه… مستحيل يبص لوحدة غيري… وإلا كان سمع كلامي واتجوز. أحسني الظن في الناس. ولو على أميرة… فأنا هركز في تصرفاتها أكتر… وهخلي بالي. خلصي اللي وراكِ… وأنا هدخل ألبس… عشان إبراهيم بعتلي رسالة وقالي أجهز… جاي ياخدني للدكتور.
***
خرج إبراهيم من مكتبه، والغضب ظاهر على ملامحه. وقفته أميرة قبل أن يبتعد خطوة.
– رايح فين يا مستر إبراهيم؟
التفت إليها بحدة مكتومة.
– هو أنا المفروض أستأذن منك لما أقرر أتحرك يعني؟ لازم أقدملك تقرير عن كل تحركاتي؟ وأنا معرفش؟
– آسفة… مش قصدي. أنا بس كنت عايزة أعرف… لو حضرتك راجع البيت… تاخدني في طريقك… عشان آخد ابني من عندكم… وأطمن على أسماء.
ازداد انزعاجه من إصرارها غير المبرر.
– يا مدام أميرة… أنا راجل متجوز… والناس اللي هنا ميعرفوش ظروفك. عيب كل شوية يشوفوني معاكِ في الرايحة والجاية. ممكن تاخدي تاكسي يوصلك للبيت… وأنا هحاسبلك عليه.
– طب… ممكن النهارده بس توصلني؟ أنا بخاف أركب تاكسي لوحدي. ومن بكرة… هركب أي مواصلة تجيبني هنا. أنا آسفة لو بتقل عليك.
نظر بعيدًا كأنه يريد إنهاء الحديث بأي شكل.
– تمام. في ورق مهم نسيته في المكتب… هدخل أجيبه وأجي.
ابتسمت أميرة ابتسامة لم تستطع إخفاء نواياها.
– خد راحتك يا فندم… وأنا في انتظارك.
دخل إبراهيم المكتب، بينما كانت أفكار أميرة تتصارع داخلها مثل دوامة سوداء:
– النهارده… إبراهيم لازم يكون ملكي. لازم أتصرف بسرعة… وأقربه مني… حتى لو بالعافية.
***
كانت ليلى زوجة فريد الثانية تجول في المنزل حين وقعت عيناها على فريد جالسًا في ركن، ساكن الملامح، مشدودًا كأن الهواء من حوله صار أثقل. اقتربت منه بخطوات حذرة، ورفعت حاجبها باستغراب وهي تلاحظ توتره الواضح.
قالت بقلقٍ:
– مالك يا فريد… شايل طاجن ستّك ليه كدا؟
رفع وجهه نحوها ببطء، وصوته خرج مثقلاً:
– سيبيني لوحدي يا ليلى… أنا العفاريت بتتنطط قدّام وِشي دلوقتي.
ضاقت عيناها بضيقٍ لم تستطع إخفاءه، فجلست أمامه وقالت بإصرار:
– ما تنساها بقى يا فريد! طلعها من دماغك يا أخويا… بقالك أكتر من سنة متجوزني ولا كإني موجودة! ارميلها قرشين وشوف حياتك… واهتم بيا، أنا ماليش ذنب. وإلا طلقني! ما هو أنا بشر بردو.
تنهد فريد كمن يحمل صخرة فوق صدره، وأجابها بنبرة خافتة لكنها حادة:
– إنتِ مش فاهمة حاجة يا ليلى… أنا لا بفكر فيها ولا نفسي أصلاً أشوفها. بالعكس… أنا ما بكرَهش حد زي ما بكرهها. دي غدرت بيا وخانتني. ولازم أوقعها في شرّ أعمالها. وخلاص… أنا حسمت قراري وعارف هعمل إيه كويس. مش هلعب معاها لعبة التهديدات والتخويف… لأ. خلّينا نلعب على المكشوف بقى.
رفعت ليلى رأسها بدهشة حقيقية:
– لعب إيه؟! أنا مش فاهمة منك حاجة… ما تفهمني إيه اللي بيدور في دماغك يا فريد؟
أغلق عينيه لثوانٍ، ثم فتحهما بتعبٍ عميق:
– اصبري عليّا… وهفهمك كل حاجة بعدين. المهم… متزعليش مني. إنتِ مراتي وغالية عندي… وربنا يرزقني منك بالذرية الصالحة. إنتِ… عوض ربنا ليا يا ليلى.
***
ما إن دخل إبراهيم مكتبه، حتى اهتز هاتفه بإشعار جديد. فتح الواتساب بلا اهتمام، لكنه مالبث أن تجمّد مكانه. صورٌ واضحة… صادمة… لامرأة يعرفها جيدًا. أميرة. مع رجلٍ غريب. تضحك له، تقترب منه، وفي الفيديوهات تشتم زوجها بلا خجل. اختنق صدره وهو يحاول استيعاب ما يراه، قبل أن تظهر رسالة طويلة من رقم مجهول:
"أنا فريد… زوج سكرتيرة حضرتك، صاحبة مراتك. دلوقتي انا طليقها. دي صور مراتي مع حبيبها اللي هو صاحبي. قبل كدا كلمتك وحذرتك منها… بس الظاهر كلكم مخدوعين في الهانم. تخيل! أبقى جوزها ومعايا صورها مع واحد تاني؟! لو كنت مكاني مكنتش هتطلقها فورًا؟ ده غير إنها رافعة عليا قضايا وبتتهمني إني خاين! أنا سمعت عنك كلام طيب، ومراتك محترمة وبنت أصول. بلاش تدخل واحدة زي دي بيتكم… هتخرب عليك من غير ما تاخد بالك. كل اللي كان مسكتني قبل كدا كان خوفي على ابني… بس دي عينها جامدة. ومش عارف أوقفها. ياريت لو تقدر تساعدني أشوف إبني وألحقه منها"
كانت يد إبراهيم ترتجف وهو يقرأ. وكل كلمة كانت تثبت له أن حدسه لم يخنه يومًا. لكن قبل أن يرد، اختفى الحساب. فريد حظره فورًا. وقتها، انفتح باب المكتب. دخلت أميرة بابتسامتها المُصطنعة، قبل أن تلحظ وجهه الشاحب.
– مستر إبراهيم… حضرتك كويس؟
مسح وجهه سريعًا، محاولًا لمّ شتاته:
– الحمد لله… كويس. خير؟ في حاجة؟ مش المفروض تخبطي قبل ما ما تدخلي؟
– حضرتك اتأخرت… وكل الموظفين مشيوا. مبقاش غيري أنا وانت.
كأن كلماتها الأخيرة حجبت الهواء عنه. نظر بعيدًا، وقال بحدة خفيفة:
– طب يلا يا مدام أميرة. وبعدين رجال الأمن موجودين… احنا مش لوحدنا ولا حاجة.
اقتربت بخطوات محسوبة، وصوتها ينساب بدلالٍ متعمّد:
– وفيها إيه لما نبقى لوحدنا؟ ما إحنا إخوات… وبعدين أسماء قالتلي إنك زي أخويا الكبير… وهتخلي بالك مني. مش كدا يا هيما؟
أدار وجهه كاملًا إليها، وصوته انخفض لكنه صار أكثر صرامة:
– مدام أميرة… اتكلمي بأدب. لو مش هتحترميني عشان أنا مديرك… احترميني لأنّي راجل غريب عنك. وجوز صاحبتِك.
ارتبكت لثانية، قبل أن تعود للتمثيل:
– بس انت مش غريب يا إبراهيم… بالعكس… انت بقيت ليا كل حاجة.
تجاهل كلماتها، وقال بثبات:
– لا… أنا ماعملتش حاجة. أسماء هي صاحبتِك… ولو بساعدك عشان هي طلبت كدا. وبالمناسبة… لازم أكلم المسؤول عن كاميرات المراقبة يزوّد كاميرا جديدة في المكتب لأن اتنين مش كفايه.
اتسعت عيناها:
– في كاميرات هنا؟ طب كويس… ثم ابتسمت ابتسامة باردة:
– يلا… عشان أسماء وحشتني. وحشتني أوي.
تنهد إبراهيم:
– الله يكون في عون أسماء صاحبة عمرك… ويصبرها على اللي جاي. لأن اللي جاي صعب… وربنا يستر.
– هو أنتوا متخانقين؟ أوعى الشيطان يدخل بينكم!
– حاجة زي كدا… هو فعلاً الشيطان دخل بينا. ومفيش أصعب من شيطانين الإنس يا مدام أميرة.
حاولت تغيير الموضوع سريعًا:
– معلش إحنا كدا هنعدي على بيتي ضروري… هستأذنك في خمس دقايق أطلع أجيب ورق مهم للمحامي.
– تمام… اتفضلي. اسبقيني… وأنا جاي وراك.
***
توقفت السيارة أمام منزلها. التفتت إليه بابتسامة واسعة:
– مش هينفع تفضل قاعد كدا… أول مرة تيجي الحي بتاعنا، لازم تطلع… أعمل معاك الواجب.
– لا معلش… مرة تانية. المهم هاتِي الورق بسرعة.
– والله ما ينفع! هعملك عصير يروق دمّك… لونك مخطوف.
احتار… ثم قال باستعجال:
– حاضر… بس بسرعة يا مدام أميرة.
نزلت وهي تتمتم بسعادة داخلية:
– أخيرًا… وقع في الفخ. أخيرًا يا إبراهيم… هتبقى بتاعي. تعالى… تعالى لمصيرك دا أنا مجهزلك كمين.
رواية مرايا لا تعكس الحقيقة الفصل الرابع 4 - بقلم أمل عبد الرازق
حين صعد إبراهيم خلف أميرة إلى شقتها، أبقى هاتفه على وضع التسجيل، حرصًا على أن يوثّق كل ما سيدور بينهما.
وما إن فتحت الباب حتى قالت بنبرة متكلّفة:
– ادخل يا إبراهيم… واقف عندك كدا ليه؟ إيه؟ مكسوف مني ولا إيه؟ البيت بيتك… اتفضل.
دخل إبراهيم وقلبه مقبوض، وأنفاسه غير مستقرة، يقرأ آية الكرسي في سره، يلتمس ستر الله ونصره، ويُثبّت خطته.
أغلقت أميرة الباب خلفه وقالت بجرأة:
– خد راحتك… البيت بيتك. مش هتأخر عليك.
– اتفضّلي… بس من فضلك متتأخريش.
دخلت أميرة غرفتها، وفي اللحظة نفسها فتح إبراهيم الباب الموصد قليلًا وجعله مواربًا بحيث لا تنتبه، ثم اتجه إلى الأنتريه وجلس، يدعو الله أن ينجيه من هذا البلاء.
أعدّت له العصير، وسكبت فيه منوّمًا، ثم تقدّمت نحوه ومعها الكوب، وابتسامة نواياها السيئة تفضحها.
– دوق بقى عمايل إيديا… وعايزاك تشربها كلها حالًا.
– إبراهيم: حاضر هشرب… بس من فضلك أنا مش مرتاح لوجودنا هنا لوحدنا. ياريت تجيبي الورق ونمشي. وبعدين… أنس فين؟
– ليه متوتر كدا؟… وبعدين أنس في بيتكم ولا انت ناسي؟ اشرب بس… وأنا مش هتأخر عليك.
وما إن دخلت غرفتها حتى أسرع إبراهيم إلى الحوض، وسكب العصير كاملًا، ثم أعاد الكوب إلى مكانه، وعاد إلى جلسته متظاهرًا بالهدوء.
خرجت أميرة بعد دقائق، وقد كشفت شعرها، وبدّلت ملابسها إلى ثياب منزلية لا تليق بوجود رجل غريب.
وما إن رآها إبراهيم حتى وقف مصدومًا وقال:
– أنا هستأذن… أسماء رنّت عليّ وعايزاني ضروري.
أمسكت أميرة يده فجأة:
– إيه يا إبراهيم؟ هو مافيش في الدنيا غير أسماء؟ وأنا رُحت فين؟ ليه ظالم نفسك؟ ده أنا بلمّحلك من بدري… ولا انت هنا، كان لازم اتصرف واجيبك هنا عشان تبقى معايا لوحدي.
انتزع إبراهيم يده بقوة:
– أنتِ عبيطة ولا مجنونة ولا إيه نظامك… عيب اللي بتعمليه ده. أنا راجل متجوز… اتقي الله. إيه مش بتخافي ربنا؟
– أنا بحبك يا إبراهيم… من يوم ما شوفتك! قلبي مش عايز غيرك… وأنا راضية بأي شيء… حتى لو هنتجوز في السر. أوعدك مش هحسس أسماء بأي حاجة… أنا هكون ليك لوحدك! انت مش حاسس بيا ليه؟ مافيش راجل شافني إلا وأُعجب بيا. خسارة شبابك وحلاوتك تضيع مع واحدة مريضة زي أسماء… وأنا أحلى منها كمان!
كانت تعلم ماذا تفعل… فقد جهّزت كاميرا صغيرة مخفية تسجّل كل شيء من دون صوت. أرادت أن تُسقطه، بأي طريقة… وبأي ثمن.
لكن إبراهيم ردّ عليها بحدّة لم تتوقعها:
– أنا نظرتي فيكِ كانت صح من أول يوم… كنت عارف إن في حاجة غلط. انتِ أساسًا مش بتحبي أسماء! كل تصرّفاتِك بتقول إنك بتكرهيها. وخُنتي جوزِك مع صاحب عمره! ليه يا أميرة؟ ليه الغدر؟ ليه الوحاشة دي؟
أسماء بتحبّك… وجوزك كان بيحبّك… والاتنين خدعتيهم. ليه تقلّلي من نفسك؟ ليه واحدة تعمل كدا؟ عشان الفلوس؟ تغور الفلوس… المهم الإنسان يفضل عزيز ويعمل لآخرته.
عندِك شغل، وبيت، وصاحبة واقفة جنبك… وبرضه طماعة وبتدوري على الخراب. ربنا كان لازم يكشفك، نصيبك في الستر خلص.
رفعت رأسها، والجنون يتّقد في عينيها:
– أسماء كانت مرحلة… كانت وسيلة أوصل بيها ليك. أنا عمري ما حبيت جوزي… اتجوزته عشان أهرب من المرار اللي شوفته في بيت جدتي… أنا عانيت كتير.
– لو قدرتي تخوني جوزك… أنا مستحيل أخون مراتي.
ابتسمت أميرة ابتسامة انتصار:
– على فكرة… العصير اللي شربته فيه منوّم. ثواني وهتروح في دنيا تانية…
وبص هنا… شايف الكاميرا؟ بتسجّل كل اللي بيحصل… من غير صوت. ولو مش بمزاجك… هيبقى غصب عنك.
إيه اللي جايبك بيت واحدة غريبة؟ استحمِل بقى اللي هيحصل! أول واحدة هتتخلى عنك أسماء اللي انت مش عايز تخونها.
ضحك إبراهيم بسخرية:
– ما أنا مشربتش العصير يا مدام أميرة.
أظن كدا… اتأكدتي بنفسك.
وسمعتي… كل اللي دار بينا يا أسماء.
ادخلي بقى… شوفي صاحبة عمرك.
ظهرت أسماء، منهارة، تبكي بحرقة لا تُحتمل… وخلفها كان فريد.
قبل دقائق فقط، كانت أسماء تبكي وهي تُقسم أنّ الصور التي أرسلها لها إبراهيم مفبركة، وأن أميرة مستحيل تفعل ذلك. لكن إبراهيم أخبرها بخطته، وفتح لها الباب قليلًا، وجعلها تستمع لكل شيء بصوت مخنوق. وتواصل مع فريد، الذي كشف له المستور.
صرخت أميرة مفزوعة حين رأتهما:
– إلحقيني يا أسماء؟ جوزِك جاي يتهجم عليا في بيتي! كويس انك جيتي في الوقت المناسب، كنت عايز مني إيه يا أستاذ ابراهيم؟
أوعي تصدقي كلمة من اللي قاله. ده كدّاب وخاين… وكذا مرة لمحلي… بس انا مش عايزه اخرب بيتك وكنت مستحملة عشان بيهددني انه هيرفدني!
اقتربت أسماء منها، ودموعها تحرق وجهها:
– كفاياااااااااااااااااااااااااااا!
الكذب بيجري في دمك؟!
د انا الإيد الوحيدة اللي اتـمدّت ليكي وقت حاجتك؟!
وقفتُ جنبك… حبّيتِك… والدنيا كلها كانت بتحذّرني منك… وأنا اللي كنت شايفاكِ ملاك!
ليه يا أميرة؟ ليه تكسريني كدا؟
حسبي الله ونعم الوكيل فيكي!
عمري ما هسامحك!
ارتفع صوت أسماء، وبدأ الجيران يتجمّعون، يسمعون صرخاتها المنكسرة.
– اهو ربنا كشفك!
كسرتيني وخذلتيني.
صاحبتي اللي اعتبرتها أختي… طلعت بتدس ليا السم وبتكره ليا الخير!
عايزة جوزي يخونّي معاها!
إحنا كنا بناكل من طبق واحد يا مقرفة، كنت لما بشتري ليا شنطة بجيبلك زيها، بحوش من السنة للسنة عشان اجيبلك هدية دهب وبنسى نفسي، الوحيدة اللي كانت متعاطفة معاكِ، ابنك وقعني رجعلي ضهري لنقطة الصفر وكتمت في نفسي… يا خسارة! منك لله ربنا ياخدك.
حاولت أميرة الدفاع عن نفسها:
– يا أسماء أنا بريئة… جوزِك ضحك عليا…
لكن فريد انفجر فيها:
– اخرسي!
لتاني مرة أشوفك مع راجل غريب!
أول مرة مع صاحبي… والتانية مع جوز صاحبتك!
ويا عالم مين تاني كلمتيه
بس الراجل ده ربنا نجّاه… لأنه طيب.
إنما انتِ… تتغيري.
كل اللي حصل متسجل… والكاميرا فضحتك.
ومن حفر حفرة لأخيه… وقع فيها.
هاخد ابني منك وهحرق قلبك.
صرخت أميرة كالمجنونة:
– مش هسيبكم في حالكم!
هنتقم منكم كلكم!
فين ابني يا أسماء؟! خطفتيه؟!
– ابنِك السواق جايبه… ومع الأسف… مش هيعرف يرفع راسه تاني بسببِك.
مالت أسماء على كتف إبراهيم، باكية:
– انت كنت صحّ… وأنا كنت ساذجة.
دخلتها بيتي… وفي الآخر غدرت بيا، انا آسفه حقك عليا.
وفجأة… بدأت عيناها تدور، وقدماها ترتجفان… ثم سقطت فاقدة الوعي بين يديه.
صرخ إبراهيم:
– أسماء!… يا حبيبتي قومي!وسعوا افتحوا الطريق!
لازم أوديها المستشفى حالا!
حملها وهرع بها إلى سيارته، بينما وقفت أميرة تضحك ضحكة مكسورة ممزوجة بالجنون:
– ارتحت لما فضحتيني يا فريد؟
استنى بس… انتقام أميرة لسه ما بدأش!
هتشوف هعمل إيه.
– اللي عندك اعمليه…
أنا قلبي هيرتاح لما أخد ابني بالقانون… والنار اللي كانت مولعة جوايا انتطفت!
صرخت أميرة وهي ترتجف:
– انت لسه ما شوفتش مني حاجة، اوعى تكون مفكر ان دي النهاية، انا هوريك يا فريد وابنك مش هتلمحه!
وأسماء؟دي هتندم إنها اتولدت!
وابراهيم؟هحرق قلبه على أعز ما يملكا.
اطلعوا برا غوروا من بيتي!
انفعل أنس وهو يرى والدته تجمع الملابس بلا توقف، صوته خرج متوترًا:
_ ماما… بتعملي إيه؟
رفعت رأسها بعصبية وهي تغلق آخر حقيبة:
_ شايفني بعمل إيه… بجهّز شنطنا. إحنا مسافرين.
اتسعت عيناه بدهشة ممزوجة بالخوف:
_ هنسافر فين؟ أنا مش عايز أسيب تسنيم… ولا عايز أسيب بيتنا ولا أصحابي.
تجمدت ملامحها وعلت نبرتها بحدة مفزعة:
_ أنا مش عايزه أسمع اسم البنت دي تاني! فاهم ولا لأ.
أكملت بدموع التماسيح:
إحنا هنمشي من بكره الفجر. أم تسنيم وأبوها ضربوا أمك حبيبتك وجايين ياخدوا بيتنا يطردونا… ومعاهم أبوك. دول ناس وحشين، وهما السبب إننا نسيب البيت وتبعد عن مدرستك وأصحابك. ولما تكبر… لازم تجيب حقنا منهم. محدش فيهم بيحبنا. محدش بيحبك غيري يا أنس… انت راجلي اللي هيحميني، صح يا أنس؟
رد وهو يضم أمه والدموع تنهمر من عينيه:
_ أوعدك يا ماما هحميكي منهم كلهم، يا رب أكبر بسرعة عشان ارميهم هما في الشارع.
قالت بخبث وهي تضمه:
_ حبيب ماما وروح ماما يا أنس.
جلس إبراهيم أمام زوجته التي ما زالت غارقة في صمت ثقيل، اقترب منها بنبرة يشوبها القلق:
_ مش هينفع تفضلي كده كتير. بقالك شهر في نفس الحالة. لازم تفوقي يا حبيبتي… واللي حصل حصل خلاص. أحمدي ربنا إنها بانت على حقيقتها، أكيد اتعلمتي من الدرس.
الدكتور قال لازم تهتمي بصحتك وإن شاءالله هتبقي كويسة.
رفعت رأسها بوجه منكسر وصوت مبحوح:
_ قلبي واجعني يا إبراهيم… مش مصدّقة اللي حصل. ليه تعمل فيّا كده؟ يعني دا جزاء الإحسان؟… أنا بسببها فقدت الثقة في كل الناس.
تنهد بمرارة وهو يمسك بيدها:
_ الزمن بقى صعب… ومفيش حد له أمان. بس الحمد لله ربنا سترها.
أطرقت بعينين دامعتين:
_ الحمد لله. أنا آسفة يا إبراهيم، آسفة على كل حاجة حصلت بسبب إني دخلتها بيتنا، أوعدك مش هكرر غلطي تاني.
ربت على كتفها بحنان صادق:
_ انا عارف انك طيبة وعطوفة بس محدش ليه أمان يا حبيبتي، سطحي علاقتك بالناس على اد ما تقدري وأسرار بيتك وأي نعمة في حياتك متتحكاش لحد، لأنها هتزول.
وأنا مش زعلان، أهم حاجة صحتك. سميرة بتجهز الفطار… يلا نقعد مع بنتنا ونبدأ صفحة جديدة.
نادتهم سميرة من الخارج بخفوت لطيف:
_ الفطار جاهز يا مدام أسماء… وتسنيم صحت.
ابتسمت أسماء أخيرًا ابتسامة هادئة:
_ ربنا يساعدني أتخطى، يلا نبدأ من أول وجديد… مش هثق إلا في زوجي وأهلي إنما الباقي… الله أعلم بنواياهم. ربنا رزقني بيك انت وتسنيم وعوضني عن كل حاجة وحشة، شكرا يا حبيبي.
ابتسم إبراهيم :
_ دا أنا اللي ربنا كرّمني بيكِ، ربنا يحفظك.
تقدمت ليلى بخطوات قلقة نحو فريد الجالس على الكنبة، بدا مذهولًا مما سمعه من البواب، فسألته بصوت خافت:
_ طمّني… وصلتوا لحل ولا برضه مفيش فايدة؟
مرّر يده على وجهه بإحباط شديد:
_ بخبط محدش بيرد. البواب قال إنها باعت الشقة… وشافها الفجر ماشية بشنط كتير وركبت عربية هي وأنس. خدت ابني وهربت يا ليلى!
وضعت يدها على كتفه تهديه:
_ إن شاء الله هيرجعلك… بس اهدى.
زفر بغيظ مكتوم:
_ أنا كنت رايح أهددها إني هحبسها لو ما سابتش الولد يعيش معايا. من الصبح بدور عليها… مش لاقيها. يا رب احفظه منها.
ترددت ليلى قليلًا قبل أن تنطق:
_ بصراحة… في حاجة لازم أقولها وخايفة.
التفت لها بتركيز:
_ متخافيش… قولي.
قالتها بنبرة مرتجفة لكنها حقيقية:
_ أنا حامل… في الشهر التاني.
تجمدت ملامحه لحظة، ثم جذبها إلى حضنه بقوة:
_ تعرفي… كنت بتمنى لو كنتي نصيبي من الأول. الجمال الحقيقي مش في الشكل… الجمال جمال القلب والأخلاق.
صدقيني دا أحلى خبر سمعته من سنين.
نفسي ابني يعيش مع أم حنينة زيك ويتربى مع إخواته ويكون بيتنا دافي وهادي.
تمتمت ليلى بخجل:
_ إن شاء الله تلاقيه… وأنا هعامله بما يرضي الله.
نهض مصممًا:
_ لازم أعمل بلاغ… مش هسيبها تهرب بيه.
وبالفعل ذهب فريد إلى قسم الشرطة، قدّم كل الأدلة والصور. ما هي إلا ساعات حتى عرف رجال الشرطة أنها غادرت إلى لندن برفقة صبحي المبلغ عنه هو الآخر. سقط الخبر على قلبه كصاعقة… الخطة كانت جاهزة، وهو الآن لا يعرف طريقًا واحدًا يصل به لابنه.
لم يجد أمامه إلا أن يستودع صغيره عند الله… ويمضي في البحث.
في الطائرة، جلست أميرة بجانب صبحي، تتأمل النافذة بعيون متحفزة…
همس صبحي بتوتر:
_ أكيد دلوقتي فريد بلغ وقلبين الدنيا علينا… خصوصًا فريد. ما يعرفش إنك مجهزة خطة بديلة!
ردت هي بعصبية باردة:
_ خطة إيه؟ عشرين ألف جنيه خلّوك تبيعني وتسلمني تسليم أهالي!
رفع حاجبيه دفاعًا:
_ ولو العشرين ألف ماكانوش معايا كنت هفضل في الشارع وحضرتك ولا بتسألي فيا.
لوّحت بيدها باستهزاء:
_ الخطة خطتي… وأنا اللي هكملها. أول ما نوصل… هتتجوزني عشان وجودك يبقى طبيعي قدام الولد.
تذمر صبحي وقال باندفاع:
_ أنا مش فاهم ليه مصممة تاخديه معانا… دا حمل زيادة، كنتي سيبيه لأبوه وخلينا نعيش حياتنا.
التفتت له بنظرة حادة:
_ أنس دا مفتاحي والخطة كلها مبنية عليه، هاخد كل اللي وراهم واللي قدامهم.
_ انا معرفش انتِ عايزه منهم ايه لسه، ما كفايه لحد كدا وخلينا نعيش حياتنا بقى يا ميرو، وبعدين ايه الدماغ دِ ووصلتي للناس دول ازاي؟
_ الراجل الواصل دا منافس لإبراهيم وبيكرهه وهو عايزني عشان اساعده إنه يخلص منه، اصبر بس واتفرج على اللي هيحصل، اليوم اللي هرجع فيه بلدي هرجع وأنا راسي مرفوعة.
و طالما وافقت انك تيجي معايا يقبى تقول حاضر ونعم، مش احسن قعدتك من غير شغل ولا ليك اي لازمه في الحياة، اسمع الكلام واسكت يا صبحي، وأنا اول حاجه هعملها هغير اسمك دا.
- صبحي: ماشي اللي تشوفيه، انا معاكي للآخر يا ميرو بس خايف يكون مصيرنا اسود بسببك.
- اميره: مش عايزاك تخاف خالص طول ما انت معايا، واتكتم بقى عشان انس ممكن يسمعنا.
بعد ثماني عشرة عامًا…
وقفت أسماء أمام باب غرفة ابنتها تنادي بلهجة ضاحكة متضايقة:
_ نفسي أفهم… ليه المنبه بيصحّي البيت كله ما عدا صاحبة الشأن!
رفعت رأسها رأسها من تحت الغطاء:
_ ماما صحيني كمان خمس دقايق بس.
ضربت أسماء الباب بخفة:
_ قومي يا بنتي… أبوكِ هيمشي ويسيبك. والساعة تمانية!
قفزت من السرير:
_ يا نهار أبيض! كدا هيضيع السيكشن!
_ ما هو دا اللي بقوله بقالي ساعة. قومي اجهزي بسرعة وأنا هجهزلك ساندويتش، انجزي أبوكِ مستني.
ردت وهي تجري للحمّام:
_ حاضر يا ست الكل!
وفي الجهة الأخرى…
كان الهاتف يرن. رفع الشاب سماعته بنبرة ثابتة:
_ أيوه أنا وصلت الكلية خلاص.
جاء صوت أميرة الذي لم يتغير مع مرور الوقت مازالت خبيثة كما هي:
_ طمني يا حبيبي… عملت إيه يا أنس.
أجاب بجمود:
_ بلاش… تناديني بالاسم دا بيفكرني بكل القرف اللي انا عيشته، أنا أسمي عمر.
_ حاضر يا حبيبي… بس متنساش كلامي ولا تنسى هدفك من رجوعك لمصر حق أمك لازم يرجع… لازم أرجع بلدي وراسي مرفوعة يا عمر.
_ متقلقيش يا ماما أوعدك ان ابنك الدكتور عمر هياخد حقك وحقي، اطمني انا حاطط هدفي قدام عيني، عمر الحديدي مش بيخسر أبدًا يا ماما.
_ انا واثقه فيك يا عمر، خلي بالك من نفسك واوعى تكشف هويتك الحقيقية ل أي انسان، انا ما صدقت عرفت أغير أسماءنا.
_ اطمني يا ماما، هستأذن حضرتك اقفل معاكِ عشان هتأخر.
_ استني عندك يا آنسة فين بوسة بابا؟!
قالت تسنيم بمرح:
أجمل بوسه ل أجمل وأحن بابا في الدنيا، هخلص محاضرات وأجيلك على الشركة، دا انا دخلت كلية هندسة مخصوص عشان أجي اساعدك بقى وأفضل معاك علطوووول.
ضمها بحنان قائلًا:
_ اتخرجي انتِ على خير والشركة وصاحب الشركة ملكك يا سندريلا.
_ ربنا ما يحرمني منك ابدا يا هيما، هستأذن انا بقى عشان اتأخرت خالص.
كانت تسنيم تجري على السُّلَّم محاولةً اللحاق بالمدرج قبل أن تُغلق الأبواب، ولم تنتبه للخطوات القادمة من الاتجاه الآخر… لحظة واحدة، واصطدمت بجسدٍ ثابت كالجدار. ارتدّت للخلف قليلًا، بينما سقطت النظارة من يد الشاب وانكسرت على البلاط.
انحنى قليلًا يلتقط ما تبقّى منها، قبل أن يرفع رأسه نحوها بضيق واضح.
هتفت بارتباك:
_ والله أنا آسفة… آسفة جدًا… غصب عني.
رفع القطعة المكسورة بين أصابعه وقال بحدة:
_ وأنا أعمل إيه بالأسف بعد ما كسرتي نضارتي؟ مش تبصي قدّامك؟
توتّرت ملامحها وردّت:
_ كنت ببص قدّامي فعلًا… بس حضرتك ظهرت في الطرقة فجأة.
ضيّق عينيه كأنه يقاوم الصبر:
_ فجأة؟ هو أنا بطير مثلًا ووقفت قدّامك؟ عمومًا اللي حصل دا قلة ذوق، والطريقة اللي ماشيّة بيها دي غلط.
ارتفع حاجباها غضبًا:
_ لعلمك… أنا اعتذرت، ومش قليلة الذوق. وبعدين لو زعلان على النضارة… خلاص، هدفعلك تمنها حالًا.
ضم قبضته على النظارة المكسورة وقال بصوت منخفض لكنه لاذع:
_ الحكاية مش فلوس… النظارة دي غالية عندي لأنها كانت هدية من إنسان غالي. عمومًا… لحسن حظك أنا عندي محاضرة، و ياريت ما اشوفكيش تاني… عشان ساعتها هتزعلّي.
تمتمت باستهانة وهي تستدير مبتعدة:
_ وهيكون أحسن كمان… إني مشوفش حد زيك تاني.
دخل هو المدرج أولًا بينما كانت تلحق به بعد دقائق… لكنّ خطوته الفجائية أمام الباب أوقفتها.
نظر إليها ببرود:
_ ثانية واحدة… رايحة فين؟
زفرت بضيق:
_ داخلـة المدرج طبعًا… عندي محاضرة.
اقترب خطوة ومال برأسه نحوها:
_ ممتاز… وبالمناسبة، حق نضارتي هاخده منك… ودلوقتي.
تراجعت خطوة وقالت بحدة:
_ حق إيه؟ أنا وقعتها غصب عني واعتذرت! ممكن تبعد شوية من فضلك؟
وفجأة… رفع صوته بحيث يسمعه كل من في القاعة:
_ يا جماعة… أنا الدكتور الجديد… اسمي عمر الحديدي الدكتور اللي اسمه مكتوب في الجدول دا… ومش بسْمَح لأي طالب يدخل بعدي.
تجمّدت هي في مكانها، واتسعت عيناها صدمةً… الدكتور؟! أنت؟!
التفت إليها يكمل:
_ قوليلي… اسمك إيه يا بشمهندسة؟
بصوت مرتعش:
_ أنا اسمي … أنا تسنيم… والله ما كنت أعرف إن حضرتك الدكتور و .......
قاطعها بابتسامة جانبية تحمل وعيدًا:
_ اطلّعي برا يا بشمهندسة.
ثم أضاف بصوت منخفض لا يسمعه إلا هي:
_ ذاكري كويس… عشان أيامنا مع بعض هتبقى لطيفة قوي.
رواية مرايا لا تعكس الحقيقة الفصل الخامس 5 - بقلم أمل عبد الرازق
أنا آسفه، أنا كنت بجري عشان متأخرش على المحاضرة، مش قصدي أكسر نضارتك.
ادخلي… صدقيني لو اتأخرتي بعد كدا مش هتدخلي ليا محاضرات تاني.
بعد دخولها، همست إليها صديقتها التي تجلس بجوارها، وكانت نظراتها تلمع بالفضول.
شايفه يا بت يا تسنيم المعيد الجديد دا حلو ازاي! بس واضح إنه مغرور أوي، متعلم في لندن بقى وجاي شايف نفسه علينا.
دا إنسان بارد جدًا… وربنا يسترها علينا. وبعدين لمي نفسك! إيه الكلام اللي بتقوليه دا؟
طب بزمتك مش حلو؟ وزي القمر وطول بعرض؟
احترمي نفسك يا تغريد… أنا مش طايقة نفسي أصلًا.
قوليلي… هو كان موقفك قدام الباب وبيتودود معاكِ في إيه؟
كانت تستعد للرد، لكن عمر التفت لهما فجأة وكأنه التقط كلماتهما من الهواء.
قومي يا آنسة… منك ليها! قوليلي كنت بقول إيه؟
بصراحة يا دكتور… مكنتش مركّزة مع حضرتك. صاحبتي كانت بتسألني عن حاجة.
والحاجة دي حبكت تتقال دلوقتي؟… عمومًا انتو الاتنين هاخدكم غياب. قوليلي اسمك.
رفعت رأسها واستجمعت أنفاسها ثم قالت بثبات رغم ارتباكها:
أنا تسنيم إبراهيم المالكي.
تجمّد عمر فجأة. اتّسعت عيناه كأن الاسم صفعة أيقظت فيه بابًا مغلقًا منذ سنوات. ظلّ يحدّق فيها أكثر من دقيقة كاملة. ارتبكت تسنيم، وبدأ الهمس ينتشر بين الطلاب في المدرج.
هو اسمي فيه حاجة غلط يا دكتور؟ ولا أنا ضايقت حضرتك وأنا مش واخدة بالي؟
انفعل عمر:
طالما مش مركزين… اتفضلوا اخرجوا برا المدرج خالص.
خرجت هي وصديقتها، وما إن ابتعدتا حتى انفجرت الأخيرة بالكلام.
هو ماله اتصدم كدا ليه لما قولتي اسمك؟
وأنا هعرف منين؟ أنا اتخضّيت منه… أحرجنا وحرق دمنا! ارتاحتي؟ شوفتّي حلاوته عملت فينا إيه؟ روحي منك لله!
بقولك إيه… فكك من السكشن دا! تعالي ناكل الأول وبعدين نكمل باقي المحاضرات.
كانت على وشك الرد عندما وجدته يقف أمامهما فجأة، وصوته منخفض ولكن ثابت.
اتمنى متزعليش من تصرفي… بس كان لازم أعاقبك عشان الكل يتعظ. عمومًا حصل خير.
حصل خير يا دكتور. واحنا آسفين.
لا… مافيش داعي للأسف. تحبي أعزمِك على حاجة تشربيها بما إني سمعتكم بتقولوا رايحين تاكلوا؟ أنا رايح الاستراحة.
آسفه يا دكتور… مش هقدر. عندنا محاضرة. شكرًا جدًا.
تمام… بعد إذنك.
وما إن ابتعد حتى اندفعت صديقتها بكلامها كالعادة.
هو أنا شفافه؟! يعني كل دا وشفافه؟! دا مفكرش يعتذرلي أنا كمان! لأ في حاجة… الراجل دا وراه حاجة. يا إمّا بقى وقع ومحدش سمّى عليه من أول ما شافِك!
أنا مش عايزة أسمع صوتك باقي اليوم… لازم أشوفلي صاحبة غيرِك. انتِ مُوَرّطاني معاكِ!
يلا يا ست الكل… نلحق المحاضرة وبعدها نقطع علاقتنا ببعض.
بينما كانت تتجّه إلى محاضرتها التالية، كان عمر يراقبها من بعيد دون أن يلفت نظرها. كان عقله يغلي… كيف تكون هي نفسها رفيقة طفولته؟ كيف اجتمعت الأقدار بهذه السرعة؟
لم يكن مستعدًا للمواجهة قبل أن يكتمل كل شيء… قبل أن يحين وقت الانتقام.
لكن وجودها بين يديه في الكلية سهّل كل الطرق، وفتح له الباب الذي ظلّ يبحث عنه لسنوات.
بعد انتهاء يومها الطويل، خرجت تسنيم المدرج لتجد عمر ينتظرها عند الباب.
يا باشمهندسة… ممكن دقيقتين من وقتك؟
نعم يا دكتور؟ يا ترى أنا عملت حاجة ضايقت حضرتك تاني؟
توقّف للحظة… وغرقت عيناه في ملامحها.
مرّ أمامه شريط طويل: طفلة تضحك… يرفعها بين ذراعيه… تجري خلفه وتتمسّك بقميصه… ثم صورة أخرى: فتاة جميلة تكبر، يزداد وجهها هدوءًا وبراءة.
غصّ حلقه دون أن يشعر.
أنا… عايز أعتذرلك.
اتّسعت عيناها بدهشة.
مين فينا اللي يعتذر؟ أنا اللي كسرت نضارة حضرتك! وأكيد حضرتك دلوقتي واخد عني فكرة وحشة.
لأ بالعكس… انتي أحسن بنت في الدنيا. وأنا غلطت لما قلتلك إنك قليلة الذوق… كنت متعصب جدًا. أنا آسف ليكِ.
احمرّ وجهها خجلًا.
شكرا لحضرتك… دا من ذوقك.
طب تسمحيلي أعزمِك على عصير أو أي حاجة تحبيها؟ عشان أحس إنك قبلتي اعتذاري.
للأسف مش هينفع… صاحبتي مستنّياني. وبابا كمان جاي ياخدني.
خلاص… يبقى بكرا. لازم أعزمِك. وإلّا هفضل حاسس بالذنب. وبعدين أنا لسه راجع مصر بعد 18 سنة غياب… وعايز مهندسة شاطرة زيك تحكيلي عن البلد والكلية.
حاضر… أنا بكرا عندي محاضرة واحدة. ممكن بعدها حضرتك تعزمني على عصير فراولة.
قال دون وعي:
إيه دا… انتي زي ما انتِ! لسه بتحبي الفراولة.
اتسعت عيناها بارتباك.
عرفت إزاي؟
أدرك ما قاله… فعدل كلامه بسرعة.
لأ… أقصد إنك زيي بتحبي الفراولة. يلا… اتفضلي عشان ماتتأخريش.
كانت تشعر بقلق غريب منه… ملامحه مألوفة، صوته قريب، وطريقته معها مختلفة عن باقي زملائها.
لكنها دفعت الفكرة جانبًا واقنعت نفسها بأنه مجرد شعور عابر.
أما هو… فكان يتبعها بخطوات محسوبة، يخفي نفسه في الظل، ويراقبها وهي تخرج مع والدها إلى السيارة.
ابتسم بمرارة وهو يهمس لنفسه:
بريئة أوي وجميلة يا تسنيم.
جمالك يخطف القلب والروح، أنا عارف إن أنا وأنتِ مالناش ذنب في اللي حصل زمان…بس حق أمي لازم يرجع…والفضيحة اللي عملها أبوكِ وخيانة أمك وطردكم لينا من بيتنا هيطرد في بنتهم.
داخل منزل أميرة وصبحي ارتفع صوت صبحي غاضب مندهش مما يسمعه من أميرة:
هو انتِ ناوية على جناني النهارده ولا إيه؟! شوية هنسافر وشوية لأ! وشويه مش هنسافر غير بعد شهر؟
ردّت عليه أميرة بثبات:
بقولك… بنت إبراهيم وأسماء طلعت طالبة عند ابني في كلية الهندسة. يعني تحت إيديه. أخاف أنزل دلوقتي أخرب كل حاجة! هو ذكي وهيعرف يلف عليها… ويخليها تحبه… ويتمكن منها. وساعتها بقى فضيحتها على إيديا أنا.
طب ما تنزلي انتِ… وسيبيني أدير الشغل واشوف مصالحنا هنا.
رجلك على رجلي يا صبحي. احنا نازلين ناخد حقنا… وهنرجع.
يا أميرة إحنا ملناش حقوق هما اللي ليهم حق عندنا، كذبتي الكذبة وصدقتيها.
هنتمسك في المطار، خايف نتكشف ونروح في داهية بسببك.
اخرس يا صبحي، طول عمرك ضعيف، اسمع الكلام واسكت.
بيت تسنيم:
كانت أسماء تحدث تسنيم عن العريس، بينما تسنيم تنظر إليها بنفاد صبر.
قومي البسي يا بنتي… بلاش تغلبيني. زمان الناس على وصول.
هو انتِ خلاص زهقتي مني يا ماما؟ أنا مش مستعدة أتجوز دلوقتي… ومش هقعد مع العريس دا.
اقعدي معاه، شوفيه يمكن ترتاحي. هتفضلي ترفضي من غير ما تشوفي؟ أنتِ بنتي الوحيدة… نفسي أطمن عليكِ.
بعد الشر عنك يا ماما… بس والله صورته مش مريحاني.
هتحكمي عالراجل من صورته؟ دا دكتور بيطري ومحترم! وأبوكِ أول مرة يمدح في عريس.
عندي مذاكرة… ومش فاضية للكلام دا. هؤوح أقول لبابا إني مش موافقة.
ريّحي قلبي ولو مرة. شوفيه… ولو مش مرتاحة ارفضي.
ضغطت على أسنانها ثم قالت:
حاااضر يا ماما… وبعد كدا ابقي عرفيني إن في عريس قبل ما تحطيني تحت الأمر الواقع!
البسي الفستان اللي جبتهولِك النهارده… هيليق عليكِ.
متشليش هم… أنا هبهرك.
كان العريس قد وصل وحده، راغبًا في التعرّف على تسنيم أولًا. نهضت أسماء لتُنادي ابنتها، وطرقت الباب برفق. وحين فتحت تسنيم الباب، اتّسعت عينا أسماء صدمةً وهي تحدّق في هيئتها.
ايه اللي انتِ لابساه دا يا تسنيم، دَ منظر عروسة طالعة تشوف الراجل اللي متقدم ليها، دا انتِ لو عايزه تطفشيه مش هتعملي كدا.
دبت تسنيم ثابتة كعادتها، ترفع حاجبها بثقة طفولية.
ما أنا فعلًا عايزه اطفشه، وبعدين ماله لبسي! عباية جميلة من عبايات أمي حبيبتي، وحطيت كحل بسيط يبرز جمال عيوني والطرحة عليها ترتر لون العباية… مافيش أبسط من كدا. إنما جو الفساتين مش ماشي مع بنتك خالص.
وبعدين لازم يتقبلني في كل حالاتي دا لو فعلا شاريني… دا اختبار ليه يا ماما.
اشتدّ صوت أسماء وهي تكتم غيظها.
قومي يا تسنيم غيري حالا، انتِ عايزه تفضحينا ولا إيه.
لكن تسنيم رفعت كتفيها بلا مبالاة.
والله يا ماما لو خرجت ليه ما انا خارجه غير بالمنظر دا… ما هو انا مش متجوزة دلوقتي، ومش بحب حد يورطني… انا مش مستعدة للجواز وبالذات الفترة دي.
حاولت اسماء أن تتماسك، تُخفي رجفة غضبها.
أبوكِ لو شافك كدا هيزعل منك. قومي غيري يا تسنيم… اللي من عمرك عندهم ولاد دلوقتي و…
قاطعتها تسنيم وهي تزيح يدها:
أنا خارجه أشوف عريسي يا ماما… بعد إذن حضرتك.
اندفعت قبل أن تُمسكها أمها، ووقفت أمام والدها والعريس. وما إن وقعت عليها عينا إبراهيم حتى انفجر ضاحكًا.
تعالي يا حبيبة أبوكِ… اقعدي جنبي.
أما العريس فقد اتَّسع وجهه دهشة، إذ كان يعرف أن الفتاة جميلة؛ اعتاد رؤيتها في طريق الجامعة، لكنه لم يتخيل أن يراها بهذا الزي.
وبنبرة جادّة قال إبراهيم:
هقوم أنا أعمل مكالمة وأرجعلك.
تركهما وحدهما، فبادر الشاب بالسؤال، محاولًا أن يبدو أكثر ثباتًا مما يشعر به.
عاملة إيه يا آنسة تسنيم.
الحمد لله كويسة… حضرتك عامل إيه.
أنا كويس… ممكن أسألك سؤال بسيط؟ بس متفهمنيش غلط.
طبعا… اتفضل اسأل.
انتِ ليه عاملة في نفسك كدا؟ على فكرة أنا عارف شكلك الحقيقي… وعارف إنك ما شاء الله محترمة وجميلة… ودا مش شكل لبسك خالص.
رفعت تسنيم وجهها بخفّة.
أنا بحب ألبس اللي يعجبني يا… صحيح هو حضرتك اسمك إيه؟
أنا اسمي كاظم… خريج كلية الطب البيطري.
يعني زوجي المستقبلي هيكون اسمه كاظم؟ لأ فعلا اسم جميل… تسنيم وكاظم! بص يا دكتور… بغض النظر عن لبسي اللي أنا لابساه عشان أطفشك؛ لأني بصراحة مغصوبة… أنا مش عايزة أتجوز ولا مقتنعة بالجواز الفترة دي.
ظهر الانزعاج في عينيه للحظة، لكنه كتمه.
بعيدًا عن تريقتك على اسمي… بس دا كان اسم جدي، وكنت بحبه جدًا، وإسمي جميل، عموما دا من ذوقك. ممكن أعرف ليه رافضة الجواز؟
انا آسفة مش قصدي، بس أنا عندي أحلام كتير أوي عايزه أحققها. نفسي أسافر كل البلاد وأتعرّف على كل الثقافات. نفسي أكون حرة… مش عايزة أحس إن في عبء عليا. أنا لسه طالبة وبدرس وتقديراتي كويسة… ونفسي أتعين في الكلية. نفسي أحقق كل دا وبعد كدا ييجي فارس أحلامي براحته… وأنا آسفة لو ضايقتك. بس فعلا اسمك عجبني لأنه مختلف ومش شائع.
طب ما أنا ممكن أساعدك في تحقيق أحلامك… وأقف جنبك. أهم حاجة تكوني بتعرفي تطبخي… عشان مش بحب الأكل برّا.
أنا آخري بعمل ساندويتش جبنة رومي. فاشلة جدًا في المطبخ… مش هعرف خالص أطبخ.
للأسف أنا مش مرتاحة ومش عايزة أتخطب. أتمنى متزعلش مني… بس فعلا لو أنا اتخطبتلك واتجوزنا… كدا بظلمك معايا. انا عارفة نفسي.
خلاص… أنا مش هضغط عليكِ. ومحترم صراحتك جدًا. هقوم أمشي… وهبلغ والدك بقرارك.
دكتور كاظم… بتمنى حضرتك متزعلش مني. ربنا يعوضك بالأحسن… ويراضي قلبك.
أكيد مش زعلان… إن شاء الله ربنا يحققلك اللي نفسك فيه.
خرج الشاب بهدوء، واتجه إلى الأب، يخبره بأن النصيب لم يكتمل. وبعد دقائق عاد الأب وزوجته إلى غرفة الفتاة، وما إن رآها الأب حتى ضمّها إلى صدره.
ليه يا بابا تعمل كدا؟ ما انت عارف رأيي في الموضوع دا! ليه تخليني أكون سبب في كسرة خاطر إنسان؟ أنا زعلانة عشانه يا بابا… وزعلانة من نفسي.
أنا آسف يا حبيبتي… حقك عليا. أنا بس كنت عايز أريح الست اسماء… لأنها بتقولي إن أنا السبب في وقفان حالِك.
رفعت أسماء حاجبها وقالت بنبرة لاذعة.
عموما براحتكم… قلّي من نفسك براحتك… وإلبسي لبس مهرول عليكِ براحتك! وانت بدل ما تقولها عيب… بتضحك وفرحان بيها! متتجوزيش يا تسنيم… انتِ حرة، خليكِ قاعدة جنب أبوكِ، أنا ماليش دعوة من اللحظة دي.
لكن تسنيم أسرعت لتعانق أمها.
يا ماما يا حبيبتي… أنا عارفة إنك خايفة عليا ونفسك تفرحي بيا. بس لسه مجاش الإنسان اللي أحس إنه شبهي وارتاحله. سيبيني أفرّحِك بنجاحي الأول… وبعد كدا العريس يجي براحته. عشان خاطري متزعليش مني. وأنا آسفة على اللبس دا… مكنش في نيتي. بس أول ما شوفت العباية في دولابي قلت: هي دي اللي عليها الطلب وهتخطف قلب العريس.
تمتمت أسماء وهي تتنهد.
أكيد أنا كنت مش مركّزة… وحطّيتها في الدولاب بالغلط. وسميرة جاية بُكرة عشان تشوفك. الحمد لله بعد ربنا أكرمني بالشفاء … قررت أعمل كل حاجة لوحدي. وهي بردو كبرت… ولازم ترتاح شوية.
اتسعت ابتسامة تسنيم فرحًا.
يااااه… بقالي شهرين من غير ما أشوف دادة سميرة! أخيرًا بقى هشوفها وهتعملي أحلى رز بلبن في الدنيا… مش بحبه إلا من إيديها. بعد إذنكم هدخل أذاكر.
مرت الأيام، وشهر كامل انقضى على وجود عمر الذي التحق بكلية تسنيم. كان في كل يوم يجلس معها نصف ساعة، بحجة أنه يرغب في معرفة المزيد عن الكلية والدكاترة. وكانت تسنيم تُحدّثه عن حياتها، ومواقف العرسان الذين تقدموا لها، وعن عائلتها. وقد أعجب عمر بقوتها وخفة ظلّها، فتبدل أسلوبه معها، يسألها في السكشن، يشجعها، ويقترب منها.
وذات يوم، جلسا في الكافيه، بينما همسات الطلبة تدور حولهما.
يعني حضرتك عايش في مصر لوحدك… وأهلك في لندن؟
بالظبط كدا… وإن شاء الله قريب أوي هيرجعوا.
بس حضرتك عايش إزاي كدا؟ ومين بيعمللك أكلك… وبيغسلك لبسك؟ طب مش بتخاف وانت قاعد لوحدك في البيت بالليل؟
ضحك على أسئلتها بعفوية لطيفة.
لأ مش بخاف… في ست طيبة بتيجي تظبط لي كل حاجة في البيت… وبتعمل لي الأكل وكل حاجة… وقبل ما أرجع بتكون مشيت.
لأ دا انت ربنا معاك! أنا بابا وماما معايا في البيت وبخاف برضو! معلش أنا هستأذن… عندي محاضرة دلوقتي.
تمام… اتفضلي وخلي بالك من نفسك. ثواني… افتكرت. بلاش تقوليلي حضرتك دي تاني،وإحنا قاعدين مع بعض قوليلي يا عمر.
هزّت رأسها بسرعة.
لأ طبعا مقدرش! حضرتك دكتوري… ولازم أحترمك. إن شاء الله هشوف حضرتك بعد المحاضرة. في رعاية الله.
خلاص… اللي تحبيه. مع السلامة.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
كانت تسير بخطوات ثابتة على السُّلَّم، حين استوقفتها إحدى الطالبات أمام الجميع، وقد علت وجهها ملامح التشفّي، وارتفع صوتها بين الطلبة كأنها تنتظر لحظة الانقضاض.
إيه؟ خلصتي كلام مع حبيب القلب؟ بتيجي تحبي ولا تتعلمي يا آنسة؟ لأ ممثلة شاطرة عامله علينا دور الملاك وإنتِ بتحاولي تشقطي الدكتور.
عموماً، دا بيقضي وقت معاكِ… ويوم ما يفكر يخطب، هياخد واحدة شبهي، مش واحدة رخصت نفسها زيّك.
تجمّدت خطواتها، واتّسعت عيناها من وقع الكلمات، وانسالت دمعتها رغمًا عنها أمام الجميع.
اقتربت منها صديقتها تغريد، وملامح الغضب تسبق كلماتها.
أنتِ عارفه يا هايدي إن تسنيم أحسن منك ومن عشرة زيّك. وكلّنا عارفين إنك بتغلي ومنفسنه منها وهتموتي من الغيرة. سيبك منها يا تسنيم… إحنا عارفين انتي على إيه. على الأقل الدكتور لما طلب مساعدة من حد طلبها منك لأنك شاطره ومؤدبة وبتفهمي، مش زي واحدة بتكلم كل الشباب وسمعتها في الأرض، وتيجي تتكلم عليكِ!
رفعت الأخرى حاجبها بسخرية، وردّت ببرودٍ لاذع.
أنا بس حبيت أثبت ليكم إن نظرتي فيها كانت صح من البداية. وطالما ما وجّهتش ليكي كلام يا تغريد، متتكلميش معايا.
وبعدين قبل ما تكلميني روحي بصّي على منظرك في المراية الأول.
كان عمر يقف بعيدًا يراقب المشهد كله، وعيناه تفحص ملامحها مع كل كلمة. وحين همّت هي بالرد، تقدّم بثبات ووقف أمامها مباشرة، صوته يخرج قاطعًا التوتر.
رايحة تردّي عليها وتبرّري إيه؟ واحدة قاعدة في مكان عام… والدكتور بتاعها قاعد معاها عادي، بيشرحلها حاجه مش فاهماها، إيه الغلط في دا؟
حسابك معايا في مكتب العميد يا هايدي، وغير كل دا… تسنيم هتبقى خطيبتي.
يعني مش مسموح ليكِ ولا لغيرك يرفع عينه فيها أصلًا.
تجمّدت الوجوه جميعها، كأن الوقت توقّف لحظة حين نطق عمر بالجملة الأخيرة.
الصدمة ارتسمت على ملامح الطلبة، لكن تسنيم كانت الأكثر ذهولًا… لم تستوعب الكلمات التي انهمرت فجأة على مسامعها.
استدار جسدها بتلقائية، وعيناها معلقتان بالأرض. تركتهم جميعًا خلفها، وغادرت مسرعة… ثم خرجت من الكلية بأكملها، يسبقها خوف وقلق لا تدري كيف تواجهه.
رواية مرايا لا تعكس الحقيقة الفصل السادس 6 - بقلم أمل عبد الرازق
رايحة تردّي عليها وتبرّري إيه؟ واحدة قاعدة في مكان عام… والدكتور بتاعها قاعد معاها عادي، بيشرحلها حاجه مش فاهماها، إيه الغلط في دا؟
حسابك معايا في مكتب العميد يا هايدي، وغير كل دا… تسنيم هتبقى خطيبتي.
يعني مش مسموح ليكِ ولا لغيرك يرفع عينه فيها أصلًا.
تجمّدت الوجوه جميعها، كأن الوقت توقّف لحظة حين نطق عمر بالجملة الأخيرة.
الصدمة ارتسمت على ملامح الطلبة، لكن تسنيم كانت الأكثر ذهولًا… لم تستوعب الكلمات التي انهمرت فجأة على مسامعها.
استدار جسدها بتلقائية، وعيناها معلقتان بالأرض. تركتهم جميعًا خلفها، وغادرت مسرعة… ثم خرجت من الكلية بأكملها، يسبقها خوف وقلق لا تدري كيف تواجهه.
أهلاً وسهلًا بيك في شركتي المتواضعة يا دكتور عُمر.
أهلًا بحضرتك شرف كبير ليا معرفتك. انا عارف انك مشغول، مش هاخد من وقت حضرتك كتير… أنا جاي النهارده اخد ميعاد مناسب أزوركم في البيت… علشان أطلب إيد الأنسة تسنيم.
تغيّرت ملامح إبراهيم قليلًا، وتنهّد بصوت عميق.
بص يا ابني بنتي رافضة الفكرة، مش عايزه تتجوز دلوقتي. وبصراحة… بما إنك دكتور عندها في الكلية، أنا مش هقدر أجبرها تشوفك، علشان ما تأثرش عليها وتخاف تيجي الكلية، ممكن تستنى لبعد الامتحانات… لحد ما أسأل عليك كويس؛ لأن تسنيم بنتي الوحيدة وحبيبة روحي.
أنا تقريبًا قلت لحضرتك كل حاجة عني… كنت عايش برا مع والدي ووالدتي من طفولتي. هما مش هيقدروا ينزلوا مصر بسبب شغلهم، بس حضرتك ممكن تسأل عني في الكلية. والأهم… إني محتاج أقعد مع تسنيم لو مرة واحدة بس، وأنا واثق إنها هتوافق.
رفع إبراهيم حاجبه باستغراب.
وجايب الثقة دي منين بقى؟
صليت استخارة، وقلبي مرتاح للخطوة دي. ومش هلاقي زي تسنيم حضرتك ربيتها أحسن تربية. ولو هي وافقت أنا مستعد أجيبلها كل اللي تتمناه.
ارتسمت على وجه إبراهيم ملامح امتزج فيها القلق بالحكمة.
بص يا عمر أنا مش عايز من الدنيا غير زوج صالح لبنتي يحافظ عليها ويحميها. عمومًا أنا هتكلم مع تسنيم وهحاول أقنعها. وهكتبلك عنوان البيت، تقدر تيجي النهارده عشان انا محتاج أعرفك أكتر.
في البيت، كانت أسماء تنادي ابنتها بصوت حنون.
يلا يا تسنيمو… الغدا جاهز. وبابا رجع وبيغيّر هدومه.
أنا مش جعانة يا ماما… من فضلك سيبيني شوية لوحدي.
جلست أسماء إلى جوارها، تنظر لها بقلق واضح.
مالك يا تسنيم؟ حالك مش عاجبني، في إيه يا حبيبتي ماما؟
قلبي واجعني يا ماما، ومبقتش عايزة أروح الكلية ولا عايزة أتعامل مع حد.
ضمّت أسماء تسنيم برفق.
احكيلي إيه اللي مضايقك؟ مش إحنا أصحاب؟
روت لها تسنيم كل شيء… منذ لحظة تعرّفها على عمر، مرورًا باهتمامه، وكلام هايدي، ورد تغريد، وصولًا إلى الجملة التي صدمت الجميع قبلها هي.
تنهدت أسماء وقالت بنبرة عتاب محبّة.
عارفه إن اللي حصلك كله… سببه إنك ماحطيتيش حدود بينك وبين الدكتور عمر، مش معنى إنه دكتورك… تقعدي معاه وتحكيله عن حياتك. وواحدة زي هايدي طبيعي تتكلم كدا؛ لأنك وفرتي ليا فرصة مكنتش لاقياها وكان نفسها تمسك عليكِ حاجه.
لما تتجاهلي تعاليم دينك وقيمك، انا فهمت من كلامك إنه شاب صغير ومش متزوج، حتى لو كان متزوج ميصحش يا حبيبتي لأنه في الأول وفي الآخر راجل أجنبي عنك.
لا يصح إلا الصحيح يا تسنيم، فين بنتي القوية المؤدبة؟
أنا آسفة يا ماما، عارفه إني غلطت، هو كان بيهتم بيا أوي وعارف كل تفاصيلي الصغيرة، وحسيت في توافق بينا وغصب عني اتعلقت بيه فترة بسيطة، أنا فهمت ليه ربنا حطلنا ضوابط ومنعنا من الاختلاط.
المهم إنك عرفتي غلطك، قومي صلي ركعتين وانوي التوبة، وخلي تعاملك مع الدكتور دا وأي واحد غيره رسمي جدًا، ولو هو فعلًا عايز يخطبك هيدخل البيت من بابه.
دخل إبراهيم فجأة وهو يضحك بصوت مرتفع، قاطعًا التوتر.
يا أهل البيت… عصافير بطني بتصوصو من الجوع! عاملين اجتماع مفاجئ ليه؟ أوعي يا أسماء يكون مفيش غدا النهارده؟
ابتسمت أسماء ووقفت.
لا يا حبيبي… الغدا جاهز وأنا عاملة لتسنيم أكلتها المفضّلة.
اجتمع إبراهيم وأسماء وتسنيم على السفرة وبدأوا يتناولون الطعام. كان كل ما يشغل بال إبراهيم كيف يحدث تسنيم عن العريس، خصوصًا أنه رأى فيه شابًا محترمًا ذا مكانة، متعلمًا ومثقفًا، ويبدو عليه الخلق وحسن النية تجاه ابنته. قرّر أن يخبرها ويسمع رأيها.
تسنيم يا حبيبتي، جايلِك عريس.
انقبض قلب تسنيم، ثم رفعت عينيها إلى والدها وقالت.
انت عارف وجهة نظري في الموضوع دا يا بابا… وبعدين انت كنت زيّي وموافق على كلامي، إيه اللي اتغيّر؟
حاول إبراهيم تهدئتها بنبرة رزينة، كعادته حين يخشى تسرّعها.
بصّي قبل ما تتسرّعي زي كل مرّة، أنا هقولّك مواصفات الشاب دا ومميّزاته، وهسيبلك حرية الاختيار، يا إمّا توافقي، يا إمّا ترفضي.
قالت أسماء بحماس.
قول يا إبراهيم إحنا سامعينك. واضح إن الشاب دا عاجبك.
تنفّس إبراهيم بعمق وقال.
محترم جدًا ومتعلم كويس يا أسماء. اسمه عمر… متعلّم في لندن ومتخرّج بتقدير امتياز. وما شاء الله عليه مجتهد جدًا ومعتمد على نفسه. أهله عايشين برا علشان شغلهم، ومستواه المادي كويس. وكمان شاب وسيم جدًا.
ثم نظر إلى تسنيم بطرف عينه.
وعلفكرة هو دكتور في كلية الهندسة، أظن كدا ممكن تكوني عرفتي هو مين يا تسنيم.
نظرت أسماء إلى ابنتها وابتسمت.
ها؟ إيه رأيك يا تسنيم؟ أظن مواصفاته كلها كويسة… وشاريكِ جدًا.
تابع إبراهيم.
أنا قلتله إن بنتي رافضة الفكرة ومش هتوافق… لكن أصرّ إنه ييجي يقعد معاكي ولو مرّة واحدة، يمكن تقتنعي.
وفعلًا قولتله يجي النهارده يقعد معاكِ شوية.
أنا مش عايزِك تستعجلي… اقعدي معاه الأول، وبعد كدا قرّري براحتك.
قالت تسنيم بخجل.
حاضر يا بابا هقعد معاه، وطالما حضرتك مقتنع بيه كدا… ممكن يكون كويس فعلًا.
ابتسم إبراهيم براحة.
ربنا يكتب لك اللي فيه الخير يا حبيبتي… ويفرّح قلبي بيكِ… وتكوني مع اللي يستاهلك.
دخلت أسماء الغرفة حيث كانت تسنيم تستعدّ، وقالت بصوت دافئ.
عروستنا الحلوة… لبستِ ولا لسه؟
فتحت تسنيم الباب لأمها، ووقفت أمامها بخجل لطيف.
قولي لي بصراحة… إيه رأيك في الفستان عليّا يا ماما؟ بجد شكلي حلو ولا لأ؟
امتلأت عينا أسماء بالدموع من فرحتها.
ما شاء الله… اللهم بارك… زي القمر يا تسنيم.
يا رب أعيش لليوم اللي أشوفك عايشه فيه في بيتك سعيدة ومتهنية.
اقتربت تسنيم وحضنت أمها بقوة.
إن شاء الله يا ماما هتفرحي بيا وبولادي وولاد ولادي كمان.
ضحكت أسماء وسط دموعها الخفيفة.
إن شاء الله يا حبيبتي. يلا عشان العريس برا من بدري.
بس تصدّقي ملامحه مش غريبة عليا أبدًا!
حاسّة إني شيفاها قبل كدا، حتى نبرة صوته حاسّة إني سمعتها، بيفكرني بحد بس ..... استني دا كان عايش في لندن وأميرة وابنها في لندن، بس إزاي الإسم مختلف تماما، تسنيم هو إسمه الحقيقي عمر؟
ايوه طبعا، هيبقى استاذ في الكلية بإسم مستعار يعني وبعدين دا كان عايش برا… هنشوفه فين؟
هو فعلًا وشه فيه قبول وتحسي انك عارفاه من زمان.
يا رب لو كان خير ليكِ ربنا يجعله من نصيبك، ولو شر ربنا يبعده عنك.
أمّا عمر، فكان جالسًا في الصالون، منغمسًا في ذكرياتٍ لم يكن يتوقع أنها ستعود بهذه القوة.
ذكريات طفولته في هذا البيت… يوم تعثّر وسقطت أسماء على الأرض بسببه، وحين لم ترفع صوتها عليه، بل احتضنته وهدّأته.
تذكّر كيف كانت تطعمه بيديها، وكيف كان يشعر بقربها…
لم يتذكر التفاصيل كاملة، لكنها كانت راسخة في قلبه.
والآن… عاد إلى نفس البيت، لا ليُكرّم ذكريات الماضي، بل ليأخذ "حق أمه" منهم..... من أسماء وزوجها.
عاد ليجعل إبراهيم يتنازل عن كل شيء، مقابل أن يرحم ابنته أغلى ما يملك.
لكن دخول تسنيم قطع خيوط الانتقام في داخله؛ للحظة نسيَ كرهه، ونسي خططه.
كانت تقف أمامه… هادئة، رقيقة، شديدة الجمال.
شيء ما في قلبه دقّ للمرة الأولى.
ابتسم رغمًا عنه، ونهض وهو ما زال مأخوذًا بجمالها.
عاملة إيه يا آنسة تسنيم؟
توترت تسنيم بشدة، وردّت بصوت خافت.
الحمد لله… كويسة.
تعالي يا تسنيم… اقعدي هنا يا حبيبتي.
جلست بجواره، وعيونها مثبتة في الأرض من شدة الخجل.
أما عمر… فكان إبراهيم يلاحظ جيدًا نظراته التي لم يستطع إخفاءها.
غار على ابنته غيرة الأب الذي يخشى على قلب صغيرته من ان يتسبب أي إنسان ألمه.
فقال بحدة خفيفة.
اتفضل يا دكتور، قول اللي انت عايزه إحنا سامعينك.
انتبه عمر لنفسه، وسحب أنفاسه.
احم… احم…
يا عمي، يشرفني ويسعدني… إني أطلب إيد بنت حضرتك الآنسة تسنيم.
وهكون أسعد إنسان في الدنيا لو وافقت عليّا.
ابتسم إبراهيم.
أنا شهادتي فيك مجروحة…
الأهم دلوقتي رأي تسنيم.
أنا هسيبكم مع بعض شوية على ما أعمل مكالمة جنبكم هنا، ولو وافقت… إن شاء الله نتفق على كل حاجة ونقرأ الفاتحة.
أنا واثق في ربنا وإن شاء الله هتوافق عليّا.
انا عارف انك اتفاجئتي واتضايقتي لما قولت قدامهم انك خطيبتي… بس صدقيني، مقدرتش اشوف حد بيتكلم معاكِ بالطريقة دي واسكت، شوفت إن دا كان أنسب وقت أقولك فيه إني عايز اخطبك.
رفعت تسنيم نظرها إليه، ما زالت آثار الصدمة تسكن ملامحها.
مافيش واحدة كانت تتجرأ تقولي كلام زي دا، بس بسبب كلام حضرتك معايا كل شوية، قالت ليا الكلام اللي سمعته بنفسك.
حقك عليّا… بكره دبلتك تنوّر إيدك ومافيش حد هيتجرأ يتكلم معاكِ. وقبل ما تسألي هجاوبك… لأ يا ست البنات، أنا مش جاي أتقدملك عشان قولت قدامهم إنك خطيبتي، وإنتِ في الحقيقة مكنتيش تعرفي حاجه ولا حتى قرينا فاتحة، أنا لقيت نفسي بقول كدا تلقائي.
صدقيني قلبي أول ما شافك اطمن، واختارك وارتاح ليكِ… وقالّي يا عمر هي دي فتاة أحلامك اللي كنت بتتمناها.
لم تستطع منع ابتسامتها الصغيرة، ثم همست بخجل جميل.
بس انت بتعرف الاسئلة اللي عايزه اسألها ليّك إزاي؟
ابتسم بثقة واضحة.
عادي… بمشي ورا إحساسي، وبيطلع صح. أنا شاريكِ وحاسس إنك شبهي.
إيه رأيك… تتجوزيني؟
تورّد وجهها واحمرّت خدودها، فزاد ذلك من جمالها الهادئ.
ها… قولتي إيه؟ قولي موافقة… واروي عطش قلبي بقى.
جاء صوتها خافتًا، لكنه كان كافيًا ليهز قلبه كله.
موافقة… بس أهم حاجة رأي بابا وماما.
هربت إلى غرفتها من شدّة الخجل، وقلبها يرفرف فرحًا كطائر تحرّر أخيرًا.
دخل والدها وراءها بخطوات هادئة.
ها… ايه رأيك يا حبيبتي؟ لو مش موافقة… مستحيل أغصبك وهو ميقدرش يعملك حاجه في الكلية.
بصراحة… قلبي مرتاح يا بابا. وكمان حضرتك موافق… واللي حضرتك تشوفه في الأول وفي الآخر.
ضمّها بحنان لا يشبه إلا حنان الآباء.
كبرتي… وبقيتي عروسة يا تسنيم، ربنا يجعله خير ليكِ… يلا على بركة الله.
وبعدها دخل إلى الصالون وأخبر أنس بموافقة ابنته، فاتفقا على أن تكون حفل الخطبة آخر الأسبوع، وبعد إصرار أنس وافق الأب أن يكون كتب الكتاب بعد شهرين من الخطوبة، والفرح بعد عام.
وفي اليوم التالي في الكلية، كانت تغريد لا تكاد تُصدّق ما تسمعه.
بتهزري يعني صاحبتي تتقرأ فاتحتها وأنا معرفش؟! لأ… وعلى مين؟ الدكتور عمر كمان؟!
يا بت وطي صوتك، الناس هتسمعنا، الموضوع جه فجأة… بس أكيد هعزمك على الخطوبة.
عالفكرة أنا بعلي صوتي بمزاجي… عشان أغيظ ناس هنا.
لأ… كبّري دماغك. أنا مش فارق معايا خلاص، ولا عايزة أثبت حاجة لحد، أنا عارفة نفسي على ايه كويس. المهم أنا مبسوطة أوي حاسه إني عايزه أطير.
ربنا يفرح قلبك كمان وكمان، عشان تعرفي إن أنا كان عندي حق من الأول! قولتلك أول ما شافك وقع ومحدش سمّى عليه.
بس بقى عشان بتكسف. أنا هروحله مكتبه… عشان نِسِي نضارته عندنا امبارح… وأكيد دور عليها.
هي النضارة دي السبب، ربنا يرزقني بواحد ابن حلال اكسرله نضارته ويحبني بعدها. أنا هسبقك على المحاضرة… وألف مبروك يا عروستي.
اتجهت تسنيم نحو مكتبه، تحمل النضارة بين يديها، وما إن اقتربت من الباب، وهمّت بالطرق… حتى سمعت صوته من الداخل، صوتًا لم تسمعه بهذه الحدّة من قبل.
كان يقول في الهاتف بصوت منخفض لكن واضح.
خلاص هانت يا ماما وخطتنا هتنجح، وهترجعي بلدِك معزّزة مكرّمة.
أوعدك أنا هاخد حقك من إبراهيم ومن أسماء … وتسنيم هعملها نفس الفضيحة اللي عملوها ليكِ، هاخد منهم كل اللي حيلتهم، انا مش ناسي إن بسببهم بعدنا عن بيتنا وعيشت أسوأ أيام حياتي، هاخد منهم اللي وراهم واللي قدامهم.
خلاص هانت… وهتبقى تحت إيدي. أنا عارف ان هي هي مالهاش ذنب… بس ذنبها الوحيد إنها بنت أكتر اتنين بكرههم والتالت اللي اسمه فريد دا لسه حسابه جاي، اطمني أنس ابنك هيردلك اعتبارك.
سكت قليلًا، ثم تابع.
خلاص ماشي يا ماما، انزلي مصر واختفي عن الأنظار لحد ما أكتب الكتاب وهستعجل عشان اعمل فرح وأجيبها تحت رجلك، ووقتها نلعب على المكشوف. وأوعي يا ماما تظهري للأنظار لأن عمليات التجميل مش بتخفي الملامح الحقيقية وإنسي انك اسمك أميرة.
ارتجفت قدماها، وانهارت دموعها قبل أن تعي ما يحدث… لم تستطع أن تستوعب بأن من وثقت به… هو نفسه الذي يحيك خيط الانتقام حولها.
وما إن شعرت باقترابه من الباب… حتى ركضت. ركضت بلا وعي، بلا اتجاه، حتى وجدت نفسها في الشارع، تستوقف سيارة أجرة لتذهب إلى والدها… وقلبها يتمزق وهي تفكر:لماذا؟ ماذا يريد منهم؟ ولماذا كانت هي السهم الذي سيصيبهم؟
في الوقت نفسه كان عمر _أنس_ يبحث عنها، وسأل صديقتها عنها فأخبرته أنها كانت ذاهبة لتوصيل النظارة إليه، ولم تعد حتى الآن. خشيَ أن تكون قد سمعت ما دار بينه وبين أمه.
حاول الاتصال بها… لكن هاتفها كان مغلقًا.
وصلت إلى الشركة، اندفعت نحو مكتب والدها، وارتمت بين ذراعيه كطفلة مرعوبة.
احنا كنا هنروح ضحية لعبة كبيرة قوي يا بابا…
كان إبراهيم يربّت على كتفي ابنته محاولًا تهدئتها، بينما عيناها تفيض بالخوف والخذلان. لم يفهم شيئًا بعد، لكن ارتجاف صوت تسنيم كان كافيًا ليوقظ في داخله غريزة الأب الذي يشعر بالخطر قبل أن يراه.
رفعت رأسها أخيرًا، ونطقت بكلمات متقطّعة.
بابا… عمر مش عمر… اسمه أنس… اأمه اسمهاااا أميرة… وكان جاي ينتقم مننا… وأنا وسيلته في الانتقام أنا كمان.
سقطت الجملة الأخيرة كالصاعقة في قلب إبراهيم. تجمّدت ملامحه، وابتلع صدمته بصعوبة. في تلك اللحظة فقط، أدرك أن شيئًا مظلمًا يتحرك حول أسرته… أقرب مما تخيّل.
رواية مرايا لا تعكس الحقيقة الفصل السابع 7 - بقلم أمل عبد الرازق
احنا كنا هنروح ضحية لعبة كبيرة قوي يا بابا.
كان إبراهيم يربّت على كتفي ابنته محاولًا تهدئتها، بينما عيناها تفيض بالخوف والخذلان. لم يفهم شيئًا بعد، لكن ارتجاف صوت تسنيم كان كافيًا ليوقظ في داخله غريزة الأب الذي يشعر بالخطر قبل أن يراه.
رفعت رأسها أخيرًا، ونطقت بكلمات متقطّعة:
بابا… عمر مش عمر… اسمه أنس… أمه اسمها أميرة… وكان جاي ينتقم مننا… وأنا وسيلته في الانتقام أنا كمان.
سقطت الجملة الأخيرة كالصاعقة في قلب إبراهيم. تجمّدت ملامحه، وابتلع صدمته بصعوبة. في تلك اللحظة فقط، أدرك أن شيئًا مظلمًا يتحرك حول أسرته… أقرب مما تخيّل.
ارتبك إبراهيم واحتضنها بقوة، يطلب منها أن تهدأ لتشرح ما حدث. وما إن حكت، حتى فهم أنه أنس ابن أميرة وأنها لم تكتفِ بما فعلته قديمًا، بل عادت لتكمل ما بدأته.
حاولي تهدي يا تسنيم واحمدي ربنا إنك سمعتيه، صدقيني كان وشه مألوف ليا، بس مش فاكر شايفه فين. الحمد لله ربنا وقف جنبنا للمرة التانية.
ربنا أنقذني أنا وأمِك منها وقتها كنتي طفلة وهو بردو كان لسه مش عارف حاجة.
يا بنتي… الشر مصيره مهزوم.
ظلت تسنيم تبكي بشدة:
أنا مش فاهمة حاجة يا بابا… ربنا أنقذك أنت وماما من مين؟ هي مين؟ وكانت عايزه ايه؟
تقريبًا هي استغلت ابنها وزرعت جواه الكره لينا ولأبوه… وراجع ياخد حقها زي ما قال... بس مين فينا له حق عند التاني؟ أنا بقى هفهمك كل حاجة، أنا مكنتش عايز أكلمك في الموضوع دا نهائي، بس للأسف لازم تعرفي، وكمان دورك مهم جدا عشان نكشفهم.
بدأ يحكي لها ما حدث قبل ثمانية عشر عامًا… يحكي كل شيء، يسمعها التسجيلات، ويُريها الصور… خيانة تلك المرأة لصديقة عمرها والمكيدة التي أعدتها له… ثم سفرها واختفاءها. وكيف كشف زوجها الحقيقة، وفرّغ كاميرات المراقبة وسلم الأدلة. وكيف كانت لا تحتمل رؤية أحد سعيدًا، وكانت تكره الخير للجميع.
ولو فعلاً خايفة على امك وعليا، حاولي تكوني قوية ومتظهريش وجعك، واسمعي كلامي ونفّذيه، وحاولي تتماسكي. وبما إنها نازلة مصر… لازم أبلغ… عشان ملفها يتفتح تاني وناخد بالنا. متخافيش طول ما أنا جنبك. عمر الشر ما هينتصر يا بنتي.
حسبي الله ونعم الوكيل فيها، ربنا يكشفها.
يا حبيبتي يا ماما… أقرب واحدة ليكِ كسرت قلبِك. أمي صعبانه عليا اوي.
عشان كدا دايمًا إياكِ تعرفي سرك او نقطة ضعفك لحد، وأوعي في تفتحي بيتك لأي واحده مهما كانت قريبة، عشان الغدر بيوجع.
مسحت دموعها وقالت:
أنا مستعدة لأي حاجة تقولها يا بابا، وموافقة تكون الخطوبة بكرا.
وتابع إبراهيم شرح خطته لكشف آميرة وصبحي … وأنس الذي غيّر اسمه… ليعود بوجه جديد لا يحمل إلا الانتقام.
وبينما كانت تسنيم تختبئ في حضن والدها، يقف في مكانٍ آخر، يبحث عنها بعينين مضطربتين… يدرك لأول مرة أن خطته تتهاوى، وأن الفتاة التي لم يكن ذنب لها، أصبحت نقطة ضعفه الوحيدة.
***
يوم الخِطبة
كانت تسنيم ترتدي فستانًا رقيقًا، تشبه فراشة بيضاء هبطت من نورٍ صافٍ. لم يدعُ إبراهيم أحدًا إلى الخطوبة سوى فريد، الذي لم يكن يعلم شيئًا بعد عن أنس… ولا عن أميرة.
وقبل أن تخرج تسنيم من غرفتها، جلس إبراهيم مع أسماء، وأخبرها بكل شيء حتى لا تُفاجأ ولا تُرهق.
عندما سمعت الحقيقة، بكت خوفًا على ابنتها، وخشيت أن تمتد يد أميرة إليها. لكن إبراهيم طمأنها، وشرح لها خطتهم، طالبًا منها أن تقف مع تسنيم وتشدّ على قلبها.
***
حين خرجت تسنيم، أضاء وجهها المكان.
عمر — أو أنس — ابتسم سريعًا، وارتسم الرضا على ملامحه؛ خطّته تسير كما يريد…
إلى أن فتح الباب، ودخل فريد.
تبدّلت ملامح عمر فورًا؛ اختفت ابتسامته، وحلّ محلّها غضبٌ مباغت لم يستطع إخفاءه.
لاحظ إبراهيم تغيره، لكنه لم يُعلِّق، واتجه ليعرّف فريد عليه.
أشار إليه مبتسمًا:
أعرّفك على الدكتور عمر… خطيب بنتي الوحيدة.
ابتسم فريد بحرارة:
ألف مبروك يا دكتور… ربنا يتمّم لكم على خير. بس… أنا حاسس إني شفتك قبل كده. ملامحك مألوفة جدًا. وبعدين… فين أهلك؟ ليه جيت لوحدك؟ هو مافيش معازيم غيري ولا إيه يا أستاذ إبراهيم؟
ردّ إبراهيم قبل عمر:
سبحان الله… كلّنا قلنا نفس الكلام أول ما شفناه. وشه مألوف فعلًا. عمر دارس في لندن، وعاش هناك من صغره يا فريد.
اهتزّ قلب فريد عندما سمع اسم البلد، وتنهد بحرقة:
أنا كمان… ابني في لندن. ومش عارف أوصله، يمكن بقى في نفس سنّك يا دكتور عمر.
مال عمر برأسه قليلًا، يحاول التحكم في تعابيره:
ممكن… مش بعيد تشوفه قريب. ربنا يسهل.
ابتسم إبراهيم بخبثٍ لم يلحظه سوى أسماء:
عندك حق يا عمر… ممكن يشوفه قريب فعلًا.
المهم أنا عاملك مفاجأة بسيطة.
عد في سرّك من واحد لتلاتة… وبُصّ للشاشة.
أدار عمر رأسه نحو الشاشة.
وفي لحظة… تجمّدت أنفاسه.
صورة لأمّه ظهرت أولًا.
ثم أخرى…
ومعها رجلٌ غريب يحيطها بذراعه.
ارتفع الهواء في صدره، كأنه ابتلع نارًا.
وقبل أن ينطق، دار الفيديو المسجّل لأميرة وإبراهيم… الصوت الذي سجله إبراهيم فركّبه على الفيديو بذكاء.
اهتزّ وجه عمر.
تراجع إلى الخلف، وسقط على الكرسي، كأن الأرض فقدت ثقلها تحته.
لم يفهم… لم يستوعب… لم يجد كلمة واحدة.
اقترب إبراهيم ببطء، ثم قال بصوتٍ محمّل بتعب كل السنين:
زمان أمّك كانت عايزة تخرب حياتي.
ودلوقتي… أنت جاي عايش كذبة كبيرة وعايز تإذيني في بنتي، بس انا امحيك انت وأمك من على الأرض ولا تمس شعرايه واحده بس منها.
شوف واسمع كويس؟ دِ حقيقة الست اللي جاي تنتقم من أجلها.
صبحي اللي معاها دا كان صاحب أبوك وعاشقها، الاتنين خاينين، متخيل أبوك اتوجع ازاي بسببها، غير كل دا خدتك وهربت ومحدش عرفلكم طريق.
الراجل اللي مش معترف إنه أبوك وجاي تنتقم منه… عايش على أمل يشوفك، وشاف الذل والوجع من أمّك.
نيجي لأسماء اللي انت كسرتلها ضهرها.
قاطعته أسماء وقالت:
أكيد فاكر يا أنس كنت بعاملك إزاي، فاكر لما كنت بأكلك وألعب معاك انت وتسنيم، كنت بتشيلها وتجري بيها وكنت بتحبها، جاي عايز تإذيها؟
ليه يا ابني كدا؟
فاكر لما وقعتني على الأرض وتعبت ومحدش قالك كلمة ضايقتك وحضنتك وقتها وقولتلك انت معلش، كنت بجيبلك ألعاب كتير.
أمك دي أنا كنت بحبها أوي وكان نفسي أشوفها مرتاحة وكانت صاحبتي الوحيدة وعملت عشانها حاجات كتير أوي، لكن زي ما انت شايف في الفيديو كدا حاولت تاخد جوزي وعايزاه يغضب ربنا زي ما هي بتعمل، هو حد فينا ضامن عمره عشان يرتكب المحرمات، دي الدنيا أيام معدودة بتجري وإحنا في غفلة، هل هي مستاهلة لكل الكره والقرف دا.
انت اتربيت على الكُره والغل وأكيد كانت بترويك بيهم كل السنين اللي فاتت، بس مافيش مرة لاخظت سلوكها وقُلت لنفسك يعني معقول كل الناس وحشه حتى أبويا وهي اللي صح؟
جاي عايز مننا تاني كفايه بقى، مصممين تندموني على الخير اللي عملته ليه؟!
مصدوم ليه؟ زي ما انت شايف أمك كانت عايزاني أبيع مراتي… وأشتريها هي.
حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم.
كان فريد واقفًا خلفهما، ووجهه يتحوّل ببطء…
وعيناه تتّسعان.
ثم همس بصوتٍ مخنوق:
ثانية واحدة حد يفهمني… يعني… اللي قاعد قدّامي دا… أنـــــــــس؟
أنس ابني؟
التفت إليه إبراهيم بهدوء مؤلم:
هو أنس ابنك يا فريد.
وجاي بعد السنين دِ بهوية تانيه عشان ينتقم منك، ومني ومن أسماء، ومن بنتي اللي متعرفش أي حاجه عن الموضوع وكانت طفلة وقتها.
لأن أميرة اللي خدعتنا كلنا كانت بتمثل دور البريئة وإحنا الوحوش.
انهار فريد في لحظة.
كسرته السنين، وجمعته الصدفة.
أسرع نحو أنس واحتضنه بقوة، كأنّه يخشى أن يتبخّر بين ذراعيه.
يااااه يا أنس…
أنا مش مصدّق… مش مصدّق إنّي عشت لليوم اللي أشوفك فيه قدّامي!
انتقم مني زي ما أنت عايز… بس بالله عليك… ما تبعدش عني تاني.
غيابك قهرني… كنت كل يوم أقول: اللهم كما رددت يوسف إلى يعقوب… ردّ إليّ ابني.
وربنا… رجّعك ليا بعد العمر دا كله.
وسقطت دموعه على كتف أنس…
***
داخل الطائرة قبل الهبوط بدقائق
قال صبحي وهو يرتعش:
أنا خايف أوي يا أميرة… الموضوع كبر مننا.
نظرت له بحدة:
صبحي… انت مش بتفهم؟ شكلك عايز تفضحنا؟
اهدى بقى واخرس شويه.
قولتلك تناديني دانا هانم. واقعد بقى ساكت، كلها دقايق ونوصل مطار القاهرة.
زمان أنس دلوقتي البت اللي اسمها تسنيم، وخلاص هندخل في الجد.
افهم إبراهيم معندوش أغلى من بنته وعشان يحميها مستعد يتنازل عن كل ثروته.
صبحي بقلق حقيقي:
أنا خايف يعرفوا إن الورق دا كله مزوّر… وإن أسامينا الحقيقية عندهم. انا كنت عايز أفضل هناك، كنا في أمان.
أميرة متضايقة:
انت أصلاً في الطيارة… يعني مافيش رجوع. وبتتكلم كتير ليه؟ ماحدش هيعرف حاجة، عدينا من هناك وزي الفل.
ولو حد عرف… هيكون بسببك انت!
ياريت تسكت… خلاص وصلنا. وبقولك مش عايزة اسمع اسم "ميرة تاني يا عماد.
صبحي مذهول:
عماد مين؟!
أميرة بضيق شديد:
يا نهار مش فايت… انت عماد يا صبحي! اسمك في الباسبور عماد، بقالك ١٨ سنه مش عارف تحفظه، الله يخرب بيتك ركّز بقى… هنروح في داهية بسبب غبائك.
***
لم يتحرّك أنس.
ظلّ واقفًا بين ذراعي أبيه، كأنه طفل عاد فجأة إلى حضنٍ لم يتذكره يومًا… حضنٍ يشعر به لأول مرة، لكن شيئًا عميقًا داخله كان يعرفه… يحنّ إليه… يخشاه.
ارتعشت يده وهو يبعد فريد قليلًا، لا يجرؤ على النظر في عينيه، يخشى أن تنهار الصورة التي ظلّت أمّه ترسمها له طوال السنين.
لكن فريد أمسك وجهه براحتيه، يجبره أن ينظر إليه:
يا ابني… أنا ماليش غيرك.
أنا ماعشتش بعدك يوم واحد، كنت جسد بلا روح.
لم يجد أنس كلمة… ولا مبررًا… ولا حتى حجة من تلك التي زرعتها أمُّه في صدره كأشواكٍ سوداء.
نظر إلى تسنيم… كانت واقفة خلف والدها، ترتجف… لكنها ثابتة.
لم يكن يريد أن يؤذيها… لم يكن يعرف أنه يستطيع أساسًا أن يؤذيها.
في تلك اللحظة… الشاشة ما زالت تعرض الخيانة… والبيت يضجّ بصدى الحقائق التي خرجت من مخابئها.
أسماء مسحت دموعها، واقتربت من أنس، بصوتٍ مكسور لكنه واضح:
حتى لو أمّك أذتنا… حتى لو انا اتظلمت… أنت كنت زي ابني... ومـا مهما حصل… ما فيش أمٍّ حقيقية ترضى ولادها يعيشوا في الضلمة دي.
فوق بقى… فوق لنفسك.
أغلق أنس عينيه… وكأنه يسمع لأول مرة.
وكأن العالم الذي بنته له أمُّه ينهار قطعة قطعة… ينكشف… ويتبدد.
اقترب إبراهيم، ووضع يده على كتفه بثقلٍ أبويّ صارم:
اللعبة خلصت يا أنس.
وأنا عمري ما هأذيك… لكن هوقف الشر اللي اتزرع فيك.
اعتقد الحقيقة كلها وضحت.
***
في صالة استلام الحقائب — لحظة السقوط
ما إن خرجت أميرة من باب الطائرة، وتحركت بخطوات واثقة نحو سير الحقائب، حتى التفّ حولهما رجال الشرطة من كل جانب.
تقدّم الضابط، وقف أمامها، وبصوت ساخر قال:
أقولّك دانا… ولا أميرة؟
رفعت حاجبها بتصنّع:
مش فاهمة حضرتك تقصد إيه. أنا دانا هانم… كنت مسافرة ورجعت مصر النهارده.
ضحك الضابط ضحكة قصيرة:
أيوه حمدالله على السلامه ما إحنا مستنيين رجوعِك بقالنا ١٨ سنة.
أخيرًا نورتي مصر.
إزيك يا صبحي؟
رجعت بس… على السجن المرة دِ.
انهار صبحي فور سماع اسمه الحقيقي:
أنا ماليش دعوة والله! أميرة… هي السبب في كل حاجة! هي اللي خططت… وهي اللي قالتلي اسمي معاد ولا عماد! مش عارف ماله صبحي مضايقها ليه!
أنا بريء يا باشا… قلتلك يا أميرة نفضل هناك… منك لله!
ضحك الضابط بسخرية وهو يومي عليه بإيده:
ماهو مهما هربتو هيتقبض عليكم في الآخر، عمليات نصب وخيانه وقلة أدب.
وهوب! رجعتوا برجليكم.
وكل الفلوس اللي جمعتوها؟ هتطير.
لسه مصمّمة إنك دانا هانم؟ شريكك فضح كل حاجة… من غير حتى ما ياخد أول قلم.
مالت أميرة برأسها، واصفر وجهها من الصدمة:
كنت عارفة… كنت عارفة إنه هو اللي هيضيّعنا…
اقترب الضابط خطوة:
حسابك تقيل أوي يا أميرة.
وكمان عرفنا شغلكم في الممنوعات، إيه البعيدة مبتحسش خالص.
ولسه التحقيقات هتكشف كل المصايب.
يلا يا ابني… خدهم على البوكس.
وبين صرخات صبحي… وصمت أميرة المتكبّر المنهار…
اتقفلت الصفحة اللي بدأت بخيانة… وانتهت بعدلٍ لم يتخيلوه.
***
سادت لحظة صمت ثقيل بعد انكشاف الحقيقة، وكان إبراهيم أوّل من قطع هذا الصمت بصوت ثابت:
قال إبراهيم بنبرة حازمة:
أنا وصلتني معلومة إن الست اللي كانت سبب خراب البيوت زمان… راجعة مصر النهارده.
واتحرّكت فورًا، وبلّغت الشرطة.
وزمانها دلوقتي اتقبض عليها هي وشريكها.
لم يكد يُكمل حتى هتف فريد بغضب مكبوت، واقترب خطوة من ابنه:
إزاي كل دا يحصل؟ ليه يا ابني تعمل كدا؟ كنت تعالى واجهني الأول واسمع مني... مهما حصل… اوعى تسيب حد يحرّضك على الغلط، مش كل كلمة تتسمع تتصدق.
تزلزل قلب أنس، وانكسرت صلابته التي أخفت سنين من الوجع، وانهمرت دموعه.
لم يحتمل أنس الضغط أكثر، فانهار وصوته يرتجف كالطفل:
علفكرة انت وحشتني… وحشتني أوي.
كنت محتاج حضنك… ومكنتش لاقيه.
كل ما أسأل عليك… كنت بتعاقب وبتحر.ق بالنا.ر، كنت بتضرب لحد ما كرهتك، وكرهت الدنيا كلها.
ليه سبتني معاها وأنا صغير؟
ليه سيبتني لوحدي؟
مافيش اي عذر هسمعه منك، انت المفروض ابويا اللي يحميني، انا عانيت كتير واتقهرت... محدش يلومني، انا اكتر واحد اتظلم فيكم وكنت ضحية.
محدش حضني ولا حد طبطب عليا، محدش قالي معلش، بقيت مشوه نفسيًا...
ارتعش صوت فريد، لكن أنس أكمل وهو مازال منهارًا:
أنا كبرت وأنا شايفكم وحوش.
اتعلمت أكرهكم واحد واحد.
كانت بتوريني صوركم… وتخليني أحفظ الحكايات اللي اخترعتها وتقولّي: فاكر دا عمل فيّ إيه؟ وأنا اسمعلها كإنه درس بحفظه.
وأنا بردو طفل كنت بصدّق.
كبرت وأنا شايل كره مالوش آخر لدرجة إنّي ذاكرت ومرحمتش نفسي وجيت هنا مخصوص… علشان أأذيكم.
بلع ريقه بصعوبة وقال:
انا مش زعلان الا على وجودي هنا عشان أضر ناس هما اللي مضرورين أصلًا... دخلت بيت الراجل دا وأنا كنت ناوي أدمّر بنته.
تسنيم… اللي عمرها ما آذَت حد، كنت بحبها فاكرها وهي طفلة بريئة وبسأل نفسي ذنبها إيه؟
ذنبها إنها بنتكم، يمكن لو كنت في ظروف غير دي كنت حبيتها من قلبي وحافظت عليها حتى من نفسي، انا مش بكرهها بالعكس كنت بكذب على نفسي واجبرها واقولها حق أمي لازم يرجع، انا متخلقتش للحب.
وأمها اللي شالت وجع السنين بسبب اللي حصل زمان.
كنت مخطط هعملها فضيحة زي اللي حصلت مع أمي…!
أنا… أنا طلعت غلط.
غلط في كل حاجة.
عيشتني في كذبة… عمري كله مافيش فيه يوم حلو، لا ام حنينه ولا اب يضمني ليه ويربيني صح، واللي عرفته كمان ان بقى عنده أولاد وحياة وولاده مستقرين وعايشين حياة هادية وسوية، طب ما أنا بردو ابنك ومن حقي اعيش مرتاح....
شهقت أسماء من شدّة الوجع:
يا ابني… كل دا جواك؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيها، دي حرقت حياتك.
أمسك أنس بأنفاسه، ونظر نحو تسنيم التي كانت تستمع بصمت مرتجف:
انتِ… انتِ كنتي النور الوحيد اللي شوفته، أول ما سمعت اسمك، افتكرت كل ذكرياتي الحلوة.
أنا حبيتك… بجد.
أيوه كنت ناوي أأذيكِ… بس والله ما كنت هعرف… لأن كل مرة أبصّلك… أنسى الحقد والكره، لما كنت بشوف ضحكتك كنت بنسى كل اللي أنا جاي عشانه، كنت بقعد مع نفسي وأقولها تفوق، لكن تعرفي اول ما جيت اتقدملك ولمحتك اتمنيت ان كل الوجع اللي جوايا يزول، وإن الناس دي تكون ناس تانيه بعيده عن المشاكل كلها، انا مش عارف انا بقول إيه... بس يا تسنيم أنا فعلا اتمنيت ان إحنا نكون مش ولادهم ونخرج عن دايرة الصراعات وأعيش معاكِ في حب وهدوء، انا عرفت يعني إيه قلب بينبض لما شوفتك.
سامحيني على أي لحظة خوف سببتها ليكِ.
انتو كمان سامحوني على القلق اللي سببته لحضراتكم.
ربت فريد على كتفه، وقال بصوت منكسر:
أنا آسف يا أنس. آسف يا ابني، انت أكتر واحد اتظلم، سامحني يا أنس.
أنا يا أنس عملت كل دا عشان اخدك منها وأحميك، كنت بخطط ومرقابها وخلاص كنت هوصلك وهتبقى في حضني خدتك وهربت في غمضة عين، انا آسف يا ابني.
بحكي لإخواتك عنك ونفسهم يشفوك أوي، تعرف كل شويه أوريهم صورك وأنت صغير.
كان اختياري لأميرة من الأول غلط، مقدرتش أغيرها، طماعه وغدارة، انا اللي هتحمل المسؤولية كلها، بس سامح أبوك، انا كنت عطشان طول السنين دي يا أنس وأول ما شوفتك ارتويت، تعالى في حضني اشم ريحتك قبل ما أمو.ت.
انت مش شبهها… انت ابني… وابني رجعلي.
وأوعدك هحاول أعوضك عن السنين اللي ضاعت وأنت بعيد عني...
انهمرت دموع أنس وهو يلقى بنفسه في حضن أبيه الذي غاب عنه عمرًا:
انا اكتر حاجه محتاجها إني أتعرض على طبيب نفسي، لأني مش بخير، سامحني يا أستاذ إبراهيم، سامحيني يا مدام أسماء أنا كنت بعتبرك زي أمي وانصدمت بعد اللي سمتعه لأني كنت بحترمك أوي وفاكر حنيتك وعطفك عليا، أتمنى تسامحيني.
تأثرت أسماء ولم تتماسك وانهمرت دموعها:
مسامحاك يا أنس، اللي انت مريت بيه مش سهل، انت كنت ضحية أم استغلاليه، ربنا يعافيك وترجع أحسن من الأول.
انا محتاج اعرف أثق في الناس تاني، محتاج حد يحس بالدوشة اللي جوايا ويفهمها، انا محتاج أحاول اتخطى الماضي والأذى....
ان شاء الله لازم أشوف دكتور كويس، انا بعتذر تاني، سامحيني يا تسنيم، بعد اذنكم.
ضمه فريد بقوة:
استنى يا أنس... طبعًا عندك حق، وأنا عارف دكتور كويس وإن شاء الله بإرادتك هتبقى أحسن من أي حد.
صمت للحظة ثم أكمل...
تسنيم يا بنتي ابني بيحبك وعايزك وهو عايز يتغير.
إبراهيم… أنا بطلب إيد بنتك لابني...
تنفس إبراهيم ببطء، ثم نظر إلى ابنته التي كانت ترتجف في صمت والدموع تنهمر من عينيها:
كل حاجة حصلت قدامها… لو هي تقدر تسامح… لو هي تقدر تسامح، القرار قرارها وأنا واثق ان أنس هيتغير.
وواثق إنه عمره ما يفكر يإذيها. دموعه كانت صادقة، وموضوع الدكتور النفسي دا أساسي.
وضعت أسماء يدها على يد ابنتها:
اوعي تتسرعي… دا هيبقى شريك حياتك. اختاري بعقلك مش بقلبك، أوعي اللي حصل يأثر على قرارك.
رفع أنس رأسه نحوها، وصوته مبحوح:
لو في أمل تكوني ليا… دا هيبقى عَوَض ربنا لقلبي.
أنا مش عايز غيرك.
ابتلعت تسنيم غصّتها، ثم رفعت وجهها بخجل وشجاعة:
موافقة… موافقة وأنا عاقلة ومركّزة… لأني عارفة إنك كنت ضحية… وإحنا الاتنين كنا ممكن نضيع.
ومش هاخدك بذنب حد… احنا هنكون في فترة خطوبة لحد ما أخلص الكلية، فاضلي سنة غير دي، وكمان انا مشوفتش منك حاجه وحشه بالعكس شوفت كل خير، اظن الحقيقة وضحت وعارفه انك هتفضل متأثر وكمان بعد ما امك اتحبست، بس أكيد انت بقيت ناضج كفايه عشان تعرف ان كل اللي بيغلط لازم يتعاقب ولو مش في الدنيا في الآخرة، وهي هتاخد جزائها.
أتمنى تكون عند حسن ظني.
فرح فريد وتمسكت يداه ببعضها بامتنان:
هاقولت ايه يا إبراهيم… موافق؟
احتضن إبراهيم ابنته، وقال بصوت يفيض دعاءً:
موافق… وربنا يسعدك يا بنتي… ويحفظك.
وانت يا أنس… اتمنى تكون قد الثقة، وخلاص نخلي الخطوبة الشهر الجاي.
وقف أنس ممسحًا دموعه:
أوعدك يا عمي، هي عِندي بالدنيا، وربنا يعلم قد ايه أنا بكن ليها احترام وتقدير… مش هنسى دعمكم واحتوائكم عمري ما هنسى الجميل دا.
قالت أسماء بابتسامة دافئة:
من النهارده… انت واحد من العيلة. ومش هناخدك بذنب أي حد يا أنس.
أضاف فريد وهو يربت على كتفه بحنان الأب الذي اشتاق لابنه عمرًا كاملًا:
أحلى حاجة حصلت بعد اللي عشناه… إننا عرفنا ناس طيبين زيكم.
ان شاء الله هنعمل الخطوبة الشهر الجاي عشان ناخد نفسنا من اللي حصل، وهيجي أنس مع أهله وعزوته وناسه.
وانت يا ابني تعالى معايا عشان اخواتك بيحلموا باليوم اللي يشفوك فيه.
راجع تاني يا تسنيم بس شايلك المرة دِ كل الحب اللي في العالم كله.
الحمد لله ان ربنا بيجبرنا مهما اشتد الوجع والكرب.
قالت أسماء بتأثر:
في آخر الحكاية… مابقاش في حد زي ما كان.
الوجوه نفسها، لكن القلوب اتغيّر شكلها، والأيام كشفت ما بين السطور أكتر ما كشفت في الكلام.
عرفنا إن الشر مهما لفّ ودَار… نهايته يتعرّى، ولو بعد سنين.
وإن الكُره اللي بيتربّى جوا بني آدم… بياكل صاحبه قبل ما يمسّ حد.
وإحنا؟
كنّا خلاص هنروح ضحية لعبة حدّ تاني، لعبة معمولة بإيدين ست ماعرفتش يعني إيه محبة، ولا يعني إيه بيت، ولا يعني إيه ربنا يحاسب.
لكن ربنا… بيردّ الحق بطريقته، وبيكشف الحقيقة لمَّا يحين وقتها، وبيفضح الظلم مهما استخبى وراء وشوش بريئة، وأسماء جديدة، وخطط مرسومة بسواد.
في اللحظة اللي انهارت فيها كل الأكاذيب… اتولد نور جديد.
نور الفهم… نور الستر… نور الرجوع للصح.
عرَّف كل واحد فينا إنه ماينفعش يعيش عمره مربوط بخيوط حد تاني، ولا يسيب غرور الماضي يسوق مصيره.
وبعد كل الوجع دا… اكتشفنا إن أقوى انتصار مش إنك تردّ الإساءة… لكن إنك تنجو من أثرها.
وإن البيوت اللي ربنا حافظها… محدّش يقدر يهدمها، ولا حتى لو رجع بعد سنين بخطة محطوطة بإحكام.
***
وفي آخر الصفحة…
فهمنا الرسالة:
إن اللي عاش على الخيانة… هيموت لوحده في ظلامها.
واللي عاش على العدل… ربنا بيوقف الدنيا علشانه.
وده كان ختام الحكاية… حكاية ناس اتكسرت، وناس اتصلّحت، وقلوب اتبدّلت، وحق اتردّ بعد طول غياب.
حكاية انتهت… لكن أثرها هيفضل جوا كل واحد فينا… شاهد على إن الرحمة أقوى من الغضب، وإن ربنا ما بيسيبش حد.
رواية مرايا لا تعكس الحقيقة الفصل الثامن 8 - بقلم أمل عبد الرازق
وفي آخر الصفحة… فهمنا الرسالة:
إن اللي عاش على الخيانة… هيموت لوحده في ظلامها.
واللي عاش على العدل… ربنا بيوقف الدنيا علشانه.
وده كان ختام الحكاية…
حكاية ناس اتكسرت، وناس اتصلّحت، وقلوب اتبدّلت، وحق اتردّ بعد طول غياب.
حكاية انتهت…
لكن أثرها هيفضل جوا كل واحد فينا… شاهد على إن الرحمة أقوى من الغضب، وإن ربنا ما بيسيبش حد.