كانت تركض بخوف وفزع، تنظر خلفها لتتأكد من أنه لا يتبعها.
تذهب إلى أحد المارة لتتحدث معه، لكنه لا يتحدث العربية. يتحدث لغة غريبة لا تعلمها.
حاولت أن تحدثه بالإنجليزية، لكنه لا يفهمها أيضاً.
واصلت الركض حتى لا يلحق بها، تبكي بخوف، لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله أو إلى أين تذهب.
كان يبحث عنها مثل المجنون الذي فقد عقله، لا يستطيع تخيل فكرة فقدانها.
يرتجف خوفاً من فكرة فقدانها.
تنهد براحة عندما رآها تركض أمامه، اختفى الخوف الذي في قلبه وحل مكانه غضب قاتم.
ركض باتجاهها بسرعة وهو يقول بجهير:
_ حياااااااااااة!
ارتعد جسدها بخوف عندما سمعت صوته البغيض. نظرت للخلف، وجدته يركض نحوها مثل إعصار هائج والشرار يتطاير من عينيه.
ركضت بسرعة أكبر وقلبها يكاد ينفجر من الخوف، تحاول الهرب منه.
كان أسرع منها، استطاع إلحاق بها. أمسك يدها وجذبها إليه.
رمقها بغضب وقال:
_ كنتي فاكرة إنك هتقدري تهربي مني بسهولة كده؟
رمقته بحقد وغضب وقالت وهي تحاول الإفلات من قبضته:
_ هفضل أهرب منك مش هستسلم، لحد ما أنجح وأرجع لجوزي وابني اللي أنت حرمتني منهم.
حاول السيطرة على غضبه وقال:
_ قولتلك أنا جوزك مش هو، إنتي بقيتي مراتي خلاص مش عايزة تفهمي ليه؟
رمقته بغضب وقالت:
_ لأ، إنت مش جوزي. أنا وآدم كنا مغصوبين على الطلاق، عشان كده طلاقنا باطل، يعني أنا لسه مرات آدم.
لم يستطع التحمل أكثر. وضع يده على فمها لإسكاتها، وقال بنبرة تشبه فحيح الأفاعي:
_ مش عايز أسمعك بتقولي كده تاني، وأوعي تفكري في الهرب مرة تانية، بدل ما أخلص على آدم وابنك وعيلتك كلها. مش هخلي ليكي حد عايش عشان ترجعي له، إنتي فاهمة؟
قال كلمته الأخيرة بجهير وغضب، ثم جذبها من يدها وجعلها تركب السيارة التي كانت قد وصلت.
تجلس في السيارة بهدوء، تنظر إلى الطريق ودموعها تنزل على وجهها مثل الشلال. تفكر في مستقبلها المظلم. لقد قضى على آخر أمل لها.
لم تعد تستطيع الهرب خوفاً على آدم وعائلته منه.
خطر في بالها الانتحار، لكنه إن فعلت ذلك ستقضي على آخر أمل لها للقاء آدم والعيش معه.
نعم، فهي مؤمنة أن الله سيجمعها معه في الجنة، وإن قتلت نفسها فلن يكون مثواها إلا النار. لذلك لا داعي لتخسر دنيتها وآخرتها. يكفي خسارة أحدهم وهي الدنيا.
***
خرجت شادية من المستشفى، ذهبت إلى شقة آدم حيث كان الجميع في انتظارها.
إحسان بسعادة:
_ الحمد لله على سلامتك يا بنتي، كده يا شادية تخوفينا عليكي.
حاولت شادية كتم دموعها، هي لا تريد أن تقلقهم عليها أكثر، يكفي ما أصابهم، كما أن دموعها لن تعيد ابنتها مرة أخرى.
_ معلش يا ماما، حقك عليا.
نظرت إلى سلوى التي كانت تحمل أحمد وقالت بحزن وهي تمد يدها:
_ هاتي أحمد أما أشيله شوية.
أعطتها سلوى الطفل. حملته بين يديها تنظر إليه بحب وحنان. تتذكر طفلتها الجميلة، كانت تشبه تماماً عندما كانت في سنه. كم كانت طفلة جميلة، لقد ربتها بكل حب وحنان، كانت تفكر بمستقبلها، أنها ستصبح شابة جميلة ستحقق كل أحلامها، تتزوج وترى أحفادها. لكنها لم تتخيل يوماً أن تفقدها، أن تخسرها بتلك الطريقة البشعة.
ترغرغت عيناها بالدموع، حاولت كتمها، هي لن تكون ضعيفة، يجب أن تكون قوية من أجل ذلك الطفل الصغير.
راضي:
_ إحنا مينفعش نقعد هنا أكتر من كده.
حسين:
_ عندك حق يا عمي، إحنا نرجع كلنا البلد.
نظر إلى آدم وقال:
_ إنت كمان يا آدم هترجع معانا، نفتحلك مكتب هندسة وتقعد وسطنا إنت وابنك.
تنهد آدم وقال:
_ أنا قررت أسافر كمان شهر.
حسين بصدمة:
_ تسافر تروح فين؟
آدم بحزن:
_ هلف الدنيا، هسافر كل بلد شوية، وأحمد هيفضل معاكم. وأنا لما أبقى أجي إجازة هبقى أخده وأقعد بيه هنا، ولما أسافر تاني هبقى أجيبهولكم.
سامي:
_ وإيه لزمة سفرك ده؟
آدم بابتسامة حزينة:
_ كل بلد ليها طريقتها في البناء وتصميم البيوت، هشتغل في كل بلد شوية عشان أتعلم منهم.
كانت سلوى تنظر إليه بحزن، هي تعلم جيداً أنه لا يرغب بالسفر من أجل ذلك، بل يريد البحث عن حياة. هو مازال يظنها على قيد الحياة وأن ذلك المجنون أخذها وذهب بعيداً، لهذا يريد السفر والبحث عنها. ياله من مسكين. يقولون أن الحب أجمل شيء في الحياة، لكنه الآن أصبح لعنة أصابته.
سلوى بحزن:
_ لو لفيت العالم كله بردوا مش هتلاقيها لأنها معدتش موجودة، خليك هنا يا ابني عيش معانا ومع ابنك.
تعجب الجميع من حديثها كثيراً، من التي يريد البحث عنها؟ مستحيل، هل ما زال يفكر بها؟
حسين بحزن:
_ مستحيل، إنت لسه مش مصدق إنها ماتت.
راضي:
_ اسمع الكلام اللي هقولهولك ده وحطه حلقة في ودنك، حياة خلاص راحت ولو عملت إيه مش هترجع. كمل حياتك يا ابني إنت لسه شاب صغير، وهتلاقي واحدة تانية تحبك وتحبك.
آدم بحزن وغضب:
_ إنت إزاي تقول كده، عايزني أحب واحدة تانية غير حياة، ده مستحيل. شكلك متعرفش حياة تبقى إيه بالنسبالي.
تنهد راضي بحزن وقال:
_ لا يمكن تتخيل الوجع والحزن اللي أنا حاسس بيه وأنا بقولك الكلام ده، بس دي حقيقة لازم نتقبلها. حياة ماتت وإنت لسه عايش ولازم تكمل حياتك.
آدم بحزن:
_ قولتلكم أنا هسافر عشان أطور نفسي، أرجو إنكم تتفهموا موقفي.
حسين بحزن:
_ اللي يريحك يا بني اعمله.
آدم بابتسامة حزينة:
_ شكراً، بس أتمنى إنكم تفضلوا هنا لحد ما أسافر.
نظر إلى راضي وقال:
_ طبعاً الكلام ده ليكم إنتوا كمان.
راضي:
_ وأنا موافق.
***
بعد مرور شهر.
جهز آدم حقيبة سفره. ارتدى ملابسه، ألقى نظرة أخيرة على الغرفة وصور حياة وكل ما يخصها ثم ذهب. أغلق الغرفة بمفتاحها وأخذه معه.
كان الجميع يقف في الخارج لتوديعه. ودعهم آدم ثم ذهب، رافقه عادل وحسين.
***
في مكان آخر.
كانت تجلس على فراشها تبكي بحرقة. لقد تحققت مخاوفها. كانت تشعر بالتعب والغثيان. دعت الله ألا يكون ما تفكر به صحيح، لكنها تعرف تلك الأعراض جيداً.
الآن بعد مرور شهر، تأكدت أن ما كانت تفكر فيه صحيح، أنها تحمل طفل ذلك البغيض في أحشائها. يا الله كيف حدث ذلك؟ لم تكن إلا مرة واحدة، كيف حدث ذلك الحمل؟ لا يمكن أن تنجب طفل ذلك البغيض والده. هي تمقته بشدة، إذا كيف سيكون هنا طفل يربطهم؟
نهضت من فراشها، فتحت باب الغرفة. حمدت الله أنه لم يعد يغلقه.
وقفت أعلى الدرج ثم سقطت من عليه. تدحرجت من على الدرج، وصلت للأسف فاقدة الوعي، مصابة ببعض الكدمات والدماء تخرج منها.
***
في المطار.
آدم بابتسامة حزينة:
_ ده معاد طيارتي، أشوف وشكم على خير.
ضمه حسين وقال بحزن:
_ خلي بالك من نفسك، اتصل بينا على طول ومتتأخرش في الغيبة.
بادله الضم وقال:
_ حاضر، هتصل بيكم على طول.
أخرج مفتاحاً من جيبه، أعطاه لوالده وقال:
_ ده مفتاح الشقة عشان لو احتاجتم حاجة.
ضمه عادل وقال:
_ أشوف وشك على خير.
بادله آدم الضم وقال:
_ مش هوصيك على أحمد.
عادل:
_ ده في عنيا.
آدم بابتسامة:
_ أشوف وشكم على خير.
ثم ذهب.
***
كان جالس في مكتبه يراجع بعض الأوراق، عندما سمع صوت صراخ. خرج من مكتبه بسرعة. وقف ينظر بصدمة وخوف أسفل الدرج.
كانت حياة ملقاة أسفل الدرج، فاقدة الوعي والدماء تخرج منها. والخادمة تقف بجوارها تصرخ بفزع وخوف.
نزل بسرعة، انخفض لمستواها يتفحصها وهو يصرخ بخوف وفزع ويقول:
_ شوقي! يا شوقي!
حضر شوقي وقال بخوف وفزع:
_ الهانم مالها يا باشا؟
إياد بخوف وفزع وبكاء:
_ إنت لسه هتسأل، جهز العربية بسرعة، هنوديها المستشفى.
ذهب شوقي جهز السيارة.
حمل إياد حياة بين يديه ينظر إليها بحزن، وقلبه يتمزق من الخوف. صعد إلى السيارة وهو مازال يحملها، وضعها على قدميه، يحتضنها بخوف.
رمق شوقي بغضب ممزوج بخوف وقال:
_ سوق بسرعة.
انطلق شوقي بسرعة.
كان جسد إياد يرتجف من الخوف. هذه أول مرة يشعر فيها بالخوف على شخص. لقد كان دائماً قاسياً بارداً لا يهمه أحد. لكن الآن ذلك القلب البارد القاسي يكاد يتوقف من شدة خوفه.
بالرغم من خوفه، إلا أنه كان يشغل تفكيره سؤال واحد عجز عن إيجاد جوابه: لماذا فعلت ذلك؟ هل تعمدت السقوط أم أنها سقطت بدون قصد؟
وصلوا إلى المستشفى، كان الطبيب بانتظارهم. اتصل به شوقي وأخبره بكل شيء.
كان جميع من في المستشفى يتحدث الإنجليزية.
الطبيب:
_ ضعوها على الناقلة بسرعة.
وضعها إياد.
أخذوها إلى غرفة العمليات بسرعة.
أراد إياد الدخول معهم بالقوة، لكن أوقفه شوقي.
***
بداخل غرفة العمليات.
كانت حياة ما تزال فاقدة الوعي.
عالج الطبيب جروحها والكدمات، لكنه صدم عندما كشف على معدتها بالأشعة التلفزيونية للتأكد من سلامتها. إنها حامل!!
لكن لماذا لم يخبروه بذلك؟
نظر إلى أحد الممرضات وقال:
_ اذهبي واحضري الطبيب "ستيفن".
ستيفن هو طبيب نساء وتوليد ماهر للغاية.
خرجت الممرضة بسرعة وأحضرت ستيفن.
قام ستيفن بفحصها وأكد لهم حملها، وقال:
_ إنها حامل في الشهر الأول. الحمد لله الطفل لم يتأثر بالسقطة، لكنها بحاجة للراحة وبعض الفيتامينات.
***
خارج الغرفة.
كان إياد يسير ذهاباً وإياباً بخوف وقلق، خاصة عندما رأى طبيب آخر يدخل.
حاول شوقي تهدئته وقال:
_ متخافش يا باشا هتبقى كويسة.
إياد بخوف وتوتر:
_ طب الدكتور التاني ده دخل يعمل إيه؟
شوقي:
_ الوقتي نعرف.
قاطع حديثهم خروج الأطباء، ومعهم حياة التي كانت ما تزال فاقدة الوعي.
ذهب إليهم إياد وقال بخوف وقلق:
_ هل هي بخير؟
الطبيب:
_ لا داعي للقلق، هي بخير، فقط بعض الكدمات. أيضاً الجنين بخير لم يصبه مكروه، لكن يجب عليها الراحة وأخذ بعض الفيتامينات.
إياد بصدمة وعدم تصديق:
_ ماذا؟ جنين؟
أدرك الطبيب أنه لا يعلم شيئاً، قال بابتسامة:
_ نعم، جنين. إنها في الشهر الأول من الحمل.
ظل إياد شارداً لبعض الوقت. هل سقطت عن عمد لأنها لم ترد أن تحمل في أحشائها طفله؟
شوقي:
_ شكراً للمساعدة، هل يمكننا أخذها والذهاب؟
الطبيب:
_ نعم يمكنكم الذهاب، لكن يجب أن تأخذ هذه الفيتامينات وتنتبه جيداً.
إياد بحزن:
_ حاضر.
أخذوها وذهبوا.
***
نائمة على فراشها مثل الملاك. كم كانت تشبه الأطفال.
ينظر لها بحزن ويفكر: لهذه الدرجة تمقته؟ لماذا تمقته؟ هو أحبها بصدق، تخلى عن كل شيء لأجلها، لكنها تمقته وبشدة. لم ترغب بحمل طفله في أحشائها.
لكن لا بأس، هي بخير وطفله أيضاً بخير. إنها مسألة وقت، ستنجب طفله وسيكونون أسرة سعيدة.
استيقظت من نومها تنظر حولها. عندما رأته تذكرت كل شيء. كانت تفكر: هل مات الطفل؟ إنه غاضب الآن بالتأكيد.
رمقها إياد بغضب وقال:
_ ليه كل الكره ده؟ للدرجة دي مش طيقاني؟ كنتي عايزة تقتلي ابني اللي لسه بيتخلق!!!
هل يتعجب حقاً من كرهها له؟ ألا يعلم السبب؟ هل نسي كل ما فعله بها؟ أيظن أنها ستتوقف عن كرهه؟ إنه مجنون مغرور ومتكبر حقاً.
لكن لحظة، هل يقصد من كلامه هذا أن الطفل مازال على قيد الحياة؟؟ ينمو داخل أحشائها!!
رمقته بغضب وقالت:
_ إنت بجد بتسأل أنا بكرهك ليه؟
أغلق قبضته بغضب وقال:
_ طب أنا أذيتك، لكن الطفل اللي لسه بيتخلق ده عملك إيه؟ ذنبه إيه عشان عايزة تقتليه؟؟
إنه محق، كيف استطاعت فعل ذلك؟ أرادت أن تقتل طفل بريء لم يفعل شيئاً. ما ذنبه هو ليعاقب على أفعال غيره؟
إياد بغضب:
_ اسمعيني كويس، أنا ميهمنيش حد في الدنيا دي غيرك، إنتي أغلى حاجة عندي. لو أذيتيني أغلى حاجة عندي، ساعتها أنا مش هخلي ولا حاجة غالية ليكي على وش الدنيا. إنتي لا يمكن تتخيلي الخوف والرعب اللي حسيت بيهم النهاردة.
غادر وتركها.
كانت جالسة تفكر ما الذي عليها فعله. هي لا تطيق فكرة أن يكون لديها طفل منه. لكن ما ذنب ذلك الطفل البريء؟
لقد اتخذت قرارها، ستنجب ذلك الطفل مهما حدث. على كل حال، هي لن تستطيع العودة إلى آدم. سيكون هذا الطفل مؤنسها في وحدتها. كما أن الله له دائماً حكمة فيما يرزقنا. لابد أن يكون هناك سبب لقدوم ذلك الطفل.