ارتدى جاد ملابس التمرين، ثم ذهب ليتمرن.
كان أحمد يراقب تمرينه، وطريقة لعبه وهجومه. لم يكن كشخص يلعب من أجل المتعة، بل كان يبدو كوحش غاضب، كأن اللعب وسيلة يخرج بها غضبه وحزنه.
أقترب منه أحمد وأخذ الكرة وقال له:
_ تقدر تغلبني؟
ابتسم جاد بسخرية وقال:
_ أظن دي أسهل حاجة عندي.
أحمد بتحدي:
_ طب وريني.
اندفع جاد نحو أحمد، محاولًا أخذ الكرة، لكنه باغته وقامت بتسجيل هدف.
اشتعل الغضب في قلب جاد، أخذ الكرة واتجه نحو المرمى بغضب. حاول أحمد قطع طريقه وأخذ الكرة لكنه فشل، ركل جاد الكرة وسدد هدف ثم رمق أحمد بسخرية وقال:
_ قولتلي هتكسب مين؟
ابتسم أحمد وقال:
_ متنساش أني سجلت هدف قبلك، يعني لسه مخسرتش.
استمر الاثنان في اللعب وتسجيل الأهداف. كان جاد يشعر بسعادة ومتعة باللعب، لم يشعر بهما منذ أن كان طفلاً. وكأن شغفه بالكرة وحبه لها عاد من جديد، ولأول مرة منذ زمن يشعر بسعادة باللعب، ولا يشعر بالغضب.
كان أحمد ينظر له بسعادة. طريقة لعبه اختلفت كثيرًا الآن، اختفى الكره والغضب من عينيه، أصبحت نظراته مثل نظرات طفل صغير.
انتهت المباراة بينهم بالتعادل. جلسا على الأرض يلتقطان أنفاسهما بصعوبة. نهض أحمد واتجه نحو جاد، مد له يده وقال بابتسامة:
_ عاش يا صاحبي.
"صديقي" تلك الكلمة أغدقت على قلبه الكثير من السعادة. منذ صغره وهو يتمنى أن يكون لديه أصدقاء، لكن والده يمنعه من ذلك. كم تمنى أن يمسك بيده ويتقبل صداقته، لكن ليس بيده حيلة.
عاد الغضب والحزن إلى عينيه. قام بإبعاد يده ثم نهض وقال بغضب:
_ قولتلك مبصاحبش.
اقترب منهم أحد زملائهم واسمه مارك. كان يفهم اللغة العربية قليلاً. رمق جاد بسخرية وقال:
_ لن تتغير مهما حدث، ستظل شخص مغرور ووحيد.
"وحيد" تلك الكلمة ألمت قلبه كثيرًا، ربما لأنها تعكس واقعه المؤلم. قام بدفع زميله بغضب وقال:
_ أفضل أن أكون وحيد، على أن أصادق أمثالك.
شعر مارك بالغضب وحاول الهجوم عليه، لكن أحمد أمسكه به.
أخذ جاد حقيبته ثم غادر والغضب قد تملك منه.
***
في مكان آخر.
وضع فنجان القهوة على الطاولة، يرمق والدته بحزن ويقول:
_ أنا مش همشي من شقتي، غير لما أجي أسافر.
طالعته والدته بغضب وقالت:
_ يابني أنتا مجتش البلد من زمان، هنقول لإختك وجوزها، ونسافر كلنا.
تنهد بتعب وقال:
_ أنا مش هروح في حتة. بعدين عمي سامي وماما شادية وجدي راضي وستي إحسان، كلهم هنا يبقى نسافر للبلد ليه؟
سلوى بحزن:
_ بس يا أدم.
قاطعها حسين وقال:
_ خلاص يا سلوى، سيبيه على راحته.
أدم:
_ عن إذنكم.
ذهب إلى غرفته وتركهم.
رمقت سلوى حسين بحزن وقالت ببكاء:
_ لحد أمتى هيفضل كده؟ يسافر من بلد لبلد، وفين وفين على أما ييجي، كمان لما ييجي يفضل حابس نفسه في أوضته يبص لصورها ويكلمها.
حسين بحزن:
_ خلاص يا سلوى أرجوكي.
سلوى بحزن وبكاء:
_ لأ مش خلاص، اللي بيعمله ده غلط. كمان إحنا لازم نقول لأحمد كل حاجة، ويعرف أمه.
حسين بفزع:
_ أنتي اتجننتي يا سلوى؟
سلوى بحزن:
_ اتجننتي ليه؟ أحمد بقى راجل ومن حقه يعرف مين أمه وهي فين، علشان يدعيلها بالرحمة ويقرأ على روحها الفاتحة، أظن ده أبسط حقوقها إن ابنها يدعيلها بالرحمة.
اخفض رأسه بحزن، هي محقة فيما تقول، لكنه لا يمتلك الجرأة لأخبار أحمد، كما يخشى أن يفقد ابنه للأبد إن فعل ذلك.
***
في مكان آخر.
أوقف سيارته أمام القصر، ثم دلف إلى الداخل والغضب يتطاير من عينيه. صعد إلى غرفته بسرعة فور دخوله.
كانت تجلس على أحد المقاعد الموجودة في الصالون، عندما رأته يدلف بملابس التمرين، ووجه أحمر والشرار يتطاير من عينيه، شعرت أن هناك شيء سيئ حدث له. فاليس من عاداته أن يعود بسرعة هكذا وهو يرتدي ملابس التمرين، كما أنه لم يبحث عنها كما يفعل في كل مرة، فعند وصوله يبحث عنها أولًا ليطمئن عليها، ثم يذهب إلى غرفته.
لحقت به، طرقت على باب الغرفة لكنه لم يجيب. فتحت الباب ودلفت، وجدته جالسًا على حافة فراشه، يضع يديه على قدمه ويكور قبضتيه بغضب ويضع ذقنه فوقهما.
اقتربت منه تربت على ظهره بحنان وتقول:
_ مالك يا جاد، إيه اللي مزعلك؟
نفض يدها بغضب ثم نهض، يرمقها بغضب وعتاب وحزن ويقول بجهير:
_ ليه كل ده بيحصل معايا؟ ليه مش مسموح يبقى ليا أصحاب؟ ليه مليش أهل طبيعيين؟ ليه كل ما أبصلك ألاقي عينيكي مليانة كره وغضب تجاه بابا؟ ليه على طول حاسس إنكم مخبيين عليا حاجات كتير؟
أكمل بانهيار:
_ طفولتي ضاعت مني، وشبابي كمان بيضيع، بقيت معقد. حتى الكورة الحاجة الوحيدة اللي كنت بحبها وبلاقي سعادتي فيها، بقت مجرد وسيلة أخرج فيها غضبي وحزني، ليه كل ده بيحصل؟ فهميني أنا من حقي أعرف انتوا مخبيين إيه عني؟
قال جملته الأخيرة بجهير، وهو يحطم كل ما تقع عليه عينه.
تقف مصدومة ترمقه بحزن، تضع يدها على فمها ودموعها تتسابق على وجنتيها، قلبها يتمزق ألماً عليه، لكنها لا تستطيع أن تخبره بشيء. إن أخبرته ستؤلمه أكثر، كما أنها تخشى عليه من بطش إياد إن علم.
أمسكها من ذراعيها بغضب وقال:
_ لو مش هتتكلمي أمشي، أمشيييييي!
انتفض جسدها، تراجعت للخلف وهي تنظر إليه بحزن وألم، حتى وصلت إلى الباب قامت بفتحه، ثم ركضت مسرعة إلى غرفتها وهي لا تستطيع منع شهقاتها.
***
في مكان آخر.
يجتمعون حول التلفاز يشاهدون أحد الأفلام الكوميدية، كان الجميع يضحك ما عدا هي. تجلس والحزن ظاهر على وجهها، شاردة تفكر به كيف حاله؟ ما الذي يفعله الآن؟ هل هو نائم؟ أم يتدرب؟
قطع شرودها صوت رنين هاتف والدها.
أجاب عادل على المتصل وقال:
_ ألو.
وأجابه المتصل وكان أحمد وقال:
_ ازيك يا خال عامل إيه؟
عادل بسعادة:
_ الحمد لله يا أحمد، انت عامل ايه؟
نظرت بسعادة إلى والدها عندما ذكر اسمه، كأن الروح دبت فيها من جديد مع ذكر اسمه. تمنت لو تأخذ الهاتف من والدها وتحدثه، لكن خجلها منعها.
أحمد بسعادة:
_ أنا الحمد لله، عمتي عاملة إيه وجدي راضي وستي إحسان، وجدي سامي وستي شادية، وابنك أسيل عامل إيه؟
عادل بسعادة:
_ الحمد لله.
دُق قلب أحمد بقوة وقال بنبرة عاشقة تملأها الشوق:
_ حياة عاملة إيه؟
استشعر عادل شعور أحمد وقال:
_ حلوة الحمد لله.
أخذت أسيل الهاتف من والدها وقالت:
_ ازيك يا سطا عامل إيه؟
أحمد:
_ الحمد لله يا ابن خالي، انت عامل إيه؟
أغتاظت كثيرًا وقالت بغضب:
_ تصدق أنا غلطانة إني بسأل عليك.
أعطت الهاتف إلى جدها.
حدثه الجميع وبعد أن أنتهوا، أعطى عادل الهاتف لحياة التي كانت تحترق شوقًا لمحادثته وقال:
_ خدي كلمي أحمد، بس اطلعي كلميه في البلكونة علشان الشبكة هنا وحشة.
قاطعته أسيل وقالت:
_ وحشة إزاي وانتوا كنتوا بتكلموه؟
ضربتها والدتها على يدها وقالت:
_ اقعدي ساكتة يا فيلسوفة.
أخذت حياة الهاتف وذهبت إلى التراس.
أحمد بسعادة وعشق:
_ ازيك يا حياة؟
دق قلبها بقوة عندما نطق اسمها، شعرت بسعادة كبيرة وقالت بخجل:
_ األحمد لله، اأنتا عامل إيه؟
أحمد بهيام:
_ حلو أوي وجميل وقمر.
كان يقصدها بكلمات الغزل تلك.
فهمت مقصده توردت وجنتيها خجلًا وقالت:
_ هوا إيه ده اللي حلو وجميل؟
تنهد بهيام وقال:
_ القمر.
ضحكت وقالت:
_ هوا فيه قمر بيطلع بالنهار؟
ضحك وقال:
_ عندنا الدنيا ليل دلوقتي، وأنا ماشي في الشارع وببصله، بس إيه جميل جمال، سرق قلبي.
قالت بسعادة وخجل:
_ هوا مين اللي سرق قلبك؟
قال بسعادة وعشق:
_ القمر.
أكمل بخبث وقال:
_ هوا أنتي مبتحبيش القمر ولا إيه؟
ابتسمت برقة وقالت بهيام:
_ بحبه وبعشقه.
أحمد بسعادة:
_ هوا إيه ده؟
قلت بخجل وعشق:
_ القمر.
***
في مكان آخر.
يجلس على الأرض يشاهد الأثاث المحطم من حوله. هدأ غضبه قليلًا لكن قلبه عاتبه على معاملته السيئة لها. نهض وذهب إلى المطبخ، أعد بعض وجباتها المفضلة، وبعض الحلوى أعدهم كما علمته هي، ثم أعد الطاولة بطريقة جميلة ووضع عليها الأطباق، ثم بدل ثيابه وذهب إلى غرفتها.
وقف أمام الباب يستمع لشهقاتها بحزن. هو سبب بكائها وحزنها، كيف استطاع فعل ذلك، ما ذنبها هي بما مر به، لقد فعلت ما بوسعها ليحيا حياة طبيعية، أهكذا يرد إليها الجميل؟
دق على الباب برفق.
توقفت عن البكاء عندما سمعت دقته، مسحت دموعها وحاولت رسم ابتسامة. نهضت مسرعة فتحت الباب، قامت بضمه وقالت بحزن حاولت إخفاءه:
_ أنتا كويس؟
بادلها الضم وهو يفكر، كيف يمكنها أن تكون بهذه الرقة والحنان، بالرغم مما فعل إلا أنها مازالت قلقة عليه.
تركته ونظرت إليه بشك وقالت:
_ أنتا رايح في حتة ولا إيه؟
ابتسم بحنان وقال:
_ لأ بس أنا عازمك على العشا.
أمسك يدها وأنزلها للأسفل.
نظرت بسعادة للمكان والطعام الشهي، كان كل شيء رائع حقًا. رمقته بسعادة وقالت:
_ أنتا عامل كل ده علشاني؟
قبل رأسها وقال بابتسامة:
_ هوا أنا عندي أغلى منك؟
جلسا يتناولان الطعام بسعادة.
بعد أن انتهيا من تناوله، رمقه جاد بحزن وقال:
_ أنا آسف على اللي عملته، أنا كنت متضايق ومخنوق ومكنتش حاسس باللي بقوله.
أمسكت يده وأبتسمت بحزن وقالت:
_ اللي قولته ده حقيقة، آسفة على طفولتك اللي ضاعت، بس أوعدك أني مش هسمح لشبابك يضيع.
شعر بحزنها، حاول تغيير الحديث فقال:
_ بتعرفي ترقصي؟
ابتسمت وقالت:
_ مش قوي.
ضحك وقال:
_ الوقتي نشوف.
نهض من مكانه، أشغل الموسيقى ثم ذهب إليها، مد يده وقال بابتسامة:
_ تسمحيلى بالرقصة دي يا مدام؟
ضحكت على طريقة حديثه وقالت:
_ بكل تأكيد.
أمسكت يده، حاوط هو خصرها بيده الأخرى، وضعت هي يدها الأخرى على كتفه، بدآ يتمايلان على أنغام الموسيقى العذبة، وهما ينظران إلى بعضهما بسعادة ويضحكان.
كان يقف يراقبهم من بعيد ويبتسم. هو لم ير تلك الابتسامة منذ زمن، كم اشتاق لها، لكنه لا يجب أن يلوم غير نفسه، هو السبب في اختفاء تلك الابتسامة. تمنى الذهاب إليهم ليضحك معهم، لكنه متأكد أنه إن ذهب ستختفي تلك الابتسامة، لهذا سيكتفي برؤيتها من بعيد.
***
في اليوم التالي.
بدأ التدريب في النادي، كان الجميع يتدرب، ما عدا أحمد الذي كان ينظر باتجاه الباب منتظرًا قدوم جاد، فقد تأخر كثيرًا اليوم.
بعد القليل من الوقت وصل جاد، شعر أحمد بسعادة كبيرة عندما رآه لا يعلم سببها. هو يشعر بالسعادة بوجوده يريد التعرف عليه. ذهب إليه مسرعًا وقال بسعادة:
_ اتأخرت كده ليه؟
نظر إليه بتعجب، هل كان ينتظره؟ ذلك الفتى إنه حقًا غريب. رغم معاملته السيئة له إلا أنه مازال مُصر على مصادقته.
قاطع شروده صوت أحمد وهو يقول:
_ تعالى نتمرن مع بعض.
تجاهله جاد وذهب إلى غرفة تبديل الملابس. بالرغم من تجاهله له إلا أنه كان سعيدًا بتقرب أحمد منه، إنه لشعور رائع حقًا أن يكون هناك أحد يرغب بك ويتقبلك بكل عيوبك.
نظر له أحمد بدهشة وقال:
_ بردوا مش هسيبك غير لما نتصاحب، أصل أنا رزل وهبقى عملك الأسود.
اقترب منه مارك وقال:
_ لا أعلم لماذا تصر على مصادقة ذلك المغرور الأحمق.
لم يعجبه طريقة حديث مارك وقال بغضب:
_ هذه حرية شخصية.
ثم ذهب وتركه.
بدل جاد ثيابه وانضم لهم. كان مارك يرمقه بحقد. أنه يكره جاد بسبب تفوقه وغروره. قام بركل الكرة باتجاه جاد، أصابته الكرة في رأسه.
اتجه جاد نحوه بغضب وقام بلكمه، نشب بينهم قتال لكن كان جاد المتفوق. تدخل أحمد والبقية وأبعدوهم.
كان مارك ينظر له بحقد وغضب طوال اليوم، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة.
انتهى التدريب وبدأ الجميع في المغادرة. كان أحمد يجلس على أحد المقاعد الموجودة في صالة التدريب، يحدث والده عبر الهاتف عندما رأى جاد يغادر، أغلق الخط ووضع هاتفه على المقعد ولحق به، ينادي عليه ويقول:
_ جاد يا جاد استنى يا عم.
توقف ونظر خلفه، وقال بتعجب:
_ عايز إيه؟
أراد أحمد التقرب منه بأي طريقة فقال:
_ ممكن توصلني في طريقك؟
كان يعلم أنه يريد التقرب منه فقط، وهذا أسعده كثيرًا. تصنع البرود وقال:
_ هطلع أشغل العربية، لو اتأخرت همشي.
شعر بسعادة كبيرة وقال وهو يعود للصالة بسرعة:
_ ثواني هجيب حاجتي وأحصلك.
***
وقف أمام سيارته، أخرج المفتاح من جيبه ليفتح بابها. سقط المفتاح من يده عندما تلقى ضربة قوية على رأسه من الخلف. نظر خلفه ليرا من ذلك الذي ضربه، وجد مارك ومعه بعض الرجال يبدو على ملامحهم الأجرام.
نظر له مارك بحقد وغضب وقال:
_ سأجعلك تدفع ثمن إهانتي.
قيد رجلان جاد الذي فقد بعض من قوته وتركيزه بسبب الضربة. قام مارك بضربه بالعصا مرة أخرى في رأسه مما جعلها تنزف، ثم أخرج سكين أراد طعن جاد في معدته، لكنه حرك يده بصعوبة بسبب الرجلين اللذان يقيدانه، وأصيب في يده.
في تلك اللحظة وصل أحمد ورأى الرجال يقيدون جاد، والدماء تسيل من رأسه، ومارك يطعنه في يده.