كان يركض يمد يده يحاول الإمساك بها، يصرخ باسمها لكنها اختفت من أمامه وتحول المكان إلى ظلام دامس.
استيقظ وهو يصرخ باسمها بخوف ويقول:
_ حياة، ارجعي، متتمشيش.
ينظر يمينًا ويسارًا يبحث عنها ويقول بخوف ولهفة:
_ حياة، انتي روحتِ فين؟ حياااااااااااة.
كانت سلوى ورضى وحسين جالسين معه في الغرفة.
اقتربت منه سلوى بخوف وهي تبكي وقالت:
_ آدم، حياة ماتت، لازم تفهم كده.
آدم وهو ما يزال ينظر يمينًا ويسارًا بحثًا عنها:
_ لأ يا ماما، هي كانت هنا دلوقتي.
سلوى بحزن شديد:
_ لأ، هي ما كانتش هنا، هي ماتت. انت بنفسك دورت عليها في البحر وملقتهاش.
آدم بحزن وتعب:
_ علشان هي مش موجودة في البحر. هي قالت لي إنه أخدها لمكان بعيد.
لم تعد تستطيع المجادلة أمامه، انفجرت في البكاء وقلبها يتمزق حزنًا عليه، لقد فقد عقله حقًا.
نهض حسين وضّمها إليه وحاول تهدئتها، ثم نظر إلى آدم وقال بحزن جهير:
_ هتفضل كده كتير؟ هتفوق لنفسك إمتى؟ خلاص حياة راحت، بس أحمد لسه موجود، لازم تفوق عشانه.
لقد تعب حقًا من محاولة إقناعهم أنها لم تمت بعد. قلبه يخبره بذلك، يشعر بأنها ما زالت حية تنتظر قدومه ليساعدها، لكن كيف يقنعهم بذلك؟ إنهم يظنون أنه فقد عقله.
كان راضي ينظر إليهم بحزن وقال:
_ إيه اللي مخليك متأكد إنها لسه عايشة؟ مع إن الأدلة كلها بتثبت إنها ماتت.
قال كلمته الأخيرة بصعوبة والدموع تملأ عينيه:
_ علشان هي وعدتني إنها لو ماتت روحها هتفضل جنبي، مش هتسيبني. بس أنا مش حاسس بيها جنبي. غير إنها كانت موجودة دلوقتي وقالت لي إنه خدها مكان بعيد وطلبت مني أروح أجيبها.
راضي بحزن:
_ ده حلم اخترعه عقلك الباطل، علشان يأكد لك إن حياة لسه عايشة زي ما انت بتتمنى.
آدم بإصرار وغضب:
_ مش مهم رأيكم ولا الأدلة. أهم حاجة أنا واللي حاسس بيه. قلبي بيقولي إنها عايشة، يبقى هي عايشة.
نهض راضي ونظر إلى آدم وقال:
_ مش طول الوقت إحساسنا بيبقى صح. لو انت بتحبها بجد يبقى تفوق لنفسك وتعيش حياتك انت وابنك، لأن دي أكتر حاجة هتفرحها.
نظر إلى حسين وسلوى وقال:
_ عن إذنكم، هروح علشان أطمن على شادية.
ثم ذهب.
استلقى آدم على الفراش ينظر للأعلى، يفكر في كلام راضي ووالديه. حسنًا، إن طريقته في التفكير خاطئة، يجب أن يجد طريقة للبحث عن حياة دون أن يقلق أحد.
سلوى بحزن:
_ بتفكر في إيه دلوقتي؟
آدم بحزن:
_ متخافيش يا ماما، أنا هبقى كويس. ممكن نروح علشان أنا تعبان وعايز أرتاح. كمان أحمد وحشني.
رمقه حسين بشك وقال:
_ يعني خلاص؟ ولا هتضحك علينا زي المرة اللي فاتت؟
تنهد آدم بتعب وقال بحزن:
_ خلاص يا بابا، ما طلعتش في البحر، يبقى هروح هناك تاني أعمل إيه؟
سلوى بسعادة:
_ ربنا يخليك يا حبيبي. انت لازم تشد حيلك عشان خاطر ابنك وعشانا.
***
يدلف إلى الغرفة، يجدها تبكي بحرقة. يحاول سامي وعادل مواساتها لكن دون فائدة. اقترب منها ربّت على كتفها وقال:
_ ربنا يصبرك يا شادية.
لم يعلم ما الذي يجب عليه قوله لمواساتها، ما من كلمات يمكنها تخفيف ألمها.
رمقته شادية بحزن وقالت من بين شهقاتها:
_ بنتي راحت مني خلاص، حتى مش هعرف أدفنها وأودعها.
ثم انفجرت في البكاء مرة أخرى.
يا له من ألم لم يعد يستطيع تحمله، هو مستعد لفعل أي شيء ليخفف ذلك الألم قليلًا، كم يتمنى لو يستطيع انتزاع قلبه، هو سبب ألمه.
اختل توازنه، كاد أن يسقط لولا يد عادل التي أمسكت به.
عادل بخوف:
_ انت كويس يا جدّي؟
حاول راضي التماسك وقال بحزن قاتم:
_ أنا كويس.
ساعده على الجلوس، ثم أعطاه كوب ماء.
***
في مكان آخر.
تجلس على فراشها تضم قدميها إلى صدرها وتبكي بحركة. توقفت عن البكاء ثم نهضت اتجهت إلى المرآة الموجودة في الغرفة. نظرت لانعكاس صورتها وقالت بغضب:
_ هتفضلي تعيطي كده كتير؟ انتي لازم تهربي من هنا بسرعة.
ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهها وقالت:
_ حلوة أوي الفكرة دي.
اتجهت نحو الباب، حاولت فتحه لكنه كان مغلقًا. ركلته بغضب وقالت:
_ أوف، شكله قافلة بالمفتاح.
ظلت تطرق عليه بقوة وتقول بجهارة:
_ افتحوا الباب، أنا في سجن هنا ولا إيه؟
بعد قليل من الوقت، جاء إياد بعد أن أخبره أحد الحراس. فتح الباب ودلف إلى الغرفة.
تراجعت حياة بخوف عندما رأته وقالت بنبرة حاولت جعلها قوية:
_ ممكن أعرف أنا محبوسة هنا ولا إيه؟
كان ينظر بحزن إلى وجهها الشاحب، عينيها المنتفخة والحمراء من كثرة البكاء وقال بحزن:
_ لأ، مش في سجن.
حاولت إخفاء خوفها وقالت بتوتر:
_ طب أنا عايزة أخرج.
لاحظ خوفها، يعلم أنها محقة في خوفها، فما فعله أمس لا يُغتفر. تنهد بحزن وقال:
_ عايزة تروحي فين؟
شعرت بسعادة على ما يبدو أن خطتها ستنجح. حاولت الهدوء وأخفت سعادتها حتى لا يشك بها وقالت:
_ عايزة أخرج بره أتمشى.
إياد بابتسامة:
_ طيب، اطلعِ اقعدي في الجنينة.
كم تمقته، تمقت ابتسامته، تمقت كل شيء يخصه، لكنها مجبرة على مجاراته حتى تتمكن من الهرب.
حياة بتوتر:
_ أنا عايزة أخرج برا المكان ده، برا الجنينة.
إياد بصدمة وغضب:
_ نعم؟ تطلعي برا إيه؟
ارتعد جسدها بخوف وقالت والدموع تملأ عينيها:
_ أنا مخنوقة من المكان ده، حاسة إني في سجن، عايزة أروح لمكان بعيد.
حاول تهدئة غضبه، هو لا يريد إخافتها أكثر. كما أنها ستخرج معه، وهي لا تعلم في أي بلد هي، كما أنه لا يوجد أحد يعرفها أو يعرف لغتها هنا. أي أن فكرة هروبها مستحيلة.
إياد:
_ ماشي، هخرجك. هعدي عليكِ كمان ساعة تكوني جهزتي.
حياة بخوف وتوتر:
_ أنا هخرج لوحدي.
رمقها بغضب قاتم وقال:
_ هتخرجي معايا، يا إما مفيش خروج.
***
في مكان آخر.
يدلف إلى شقته بحزن، يبحث في كل مكان على أمل أن يجدها، لكن دون فائدة. لقد ذهبت حقًا.
اقتربت منه شقيقته وقالت بحزن:
_ تعال شوف أحمد مزهق ستي إحسان، مش عايز يسكت.
سلوى بحزن:
_ روح شوف ابنك يا حبيبي.
ذهب مع شقيقته لرؤية طفله.
رمقت سلوى حسين بحزن وقالت:
_ هنعمل إيه؟ ماينفعش نسيبه هنا لوحده، وهو دماغه ناشفة مش هيوافق يجي معانا.
حسين بحزن:
_ لو حكمت هنعيش احنا معاه.
***
يحمل صغيره بين يديه يداعبه، حتى يتوقف عن البكاء. توقف الصغير عن البكاء وغط في نوم عميق. كان ينظر إليه بحزن ويفكر بمستقبله، كيف سيكبر دون أمه؟ ماذا لو سأله عنها؟ ما الذي سيجيبه؟ هل سيقول له أنها ذهبت بسببه، بسبب ضعفه، لأنه لم يستطع حمايتها؟ عاش هو بدون أم. نفض الفكرة من رأسه وأعطى الطفل إلى جدته مرة أخرى. ثم نهض جمع كل صورها، كل ما يخصها ووضعهم في غرفتهما، ثم أغلق الغرفة ومنع أي أحد من الدخول إليها.
حسين بحزن:
_ انت بتعمل كده ليه يا ابني؟
آدم بحزن:
_ لو سمحت يا بابا، ممنوع أي حد يدخل الأوضة دي، ممنوع أي حد يكلم عن حياة.
حسين:
_ ليه يا ابني كل ده؟
آدم بحزن:
_ علشان مش عايز يسألني عليها.
حسين ببعض الغضب:
_ وفيها إيه لما يسأل عن أمه؟ ده حقه يا ابني.
آدم بحزن وغضب:
_ عايزني أقوله إيه لما يقول لي أمي راحت فين؟ أقوله إيه؟ أمك راحت بسبب ضعفي، لأني كنت عاجز، مقدرتش أحافظ عليها.
قال جملته الأخيرة وهو يجلس على الأرض ويضع رأسه بين يديه. يحاول منع دموعه من النزول، لكن نزلت دمعة خائنة من عينه. مسحها بسرعة قبل أن يراها أحد، وهو يقسم أنه سيجدها مهما كلفه الأمر. هو متأكد أنها ما زالت على قيد الحياة، سيجدها. حينها فقط سيخبر طفله عنها، وحتى يحين ذلك الوقت لن يسمح لأحمد بأن يعرف شيئًا عنها، وما حدث معهم مهما حدث.
***
في مكان آخر.
ارتدت ملابس واسعة، تساعدها على الركض.
دق باب الغرفة، يدخل بطلته المهيبة التي طالما كرهتها.
إياد بابتسامة:
_ مستعدة للخروج؟
حياة بخوف وتوتر:
_ هنروح فين؟
إياد بابتسامة:
_ هنخرج نتغدا مع بعض.
ذلك البغيض من يظن نفسه، هل يظن أنها ستقع في حبه بسهولة هكذا؟ وتلك الابتسامة التي يرسمها طوال الوقت، هل يظن أنه يصبح وسيمًا بها؟ إنها تمقته في جميع حالاته.
إياد بابتسامة:
_ يلا نمشي.
لم تجبه بل ذهبت أمامه دلالة على الموافقة.
تبعها إياد في صمت، صعدوا إلى السيارة. بعد مرور نصف ساعة وصلوا إلى أحد المطاعم الراقية.
كانت حياة تتابع الطريق، لعلها تجد علامة أو شيء تعلم من خلاله أين هي، لكن للأسف لم تعلم أين هي. كل ما تعلمه أنها توجد بقصر كبير وسط الغابة، ملئ بالحراس.
بعد أن دخلوا إلى المطعم طلب إياد الطعام، بينما هم يتناولانه أسقطت حياة الطعام على ملابسه.
انهض إياد بفزع وخوف، ينظر إذا كان قد أصابها مكروه.
إياد بخوف:
_ انتي كويسة؟
حياة:
_ أنا كويسة، بس عايزة أدخل الحمام علشان أمسح هدومي.
إياد:
_ طب تعالي معايا.
أخذها إلى دورة المياه.
إياد:
_ ادخلي وأنا هستناك هنا.
لفت حياة وأغلقت الباب خلفها، ظلت تبحث عن مخرج تستطيع الهروب منه، وجدت نافذة فوق مقعد الحمام. وقفت على المقعد ثم صعدت إلى النافذة وركضت بسرعة لتهرب.
شعر إياد بشيء مريب يحدث بالداخل، طرق على الباب وقال:
_ حياة، انتي خلصتي؟ ادخل. حياة.
لم يجبه أحد. حاول فتح الباب، لكنه كان موصدًا من الداخل. قام بكسره ودلف، لم يجد أحد، وجد النافذة مفتوحة، علم أنها هربت. صرخ باسمها بصوت مرعب، ثم خرج خارج المطعم طلب من حراسه مساعدته في البحث عنها.
***
كانت تركض بخوف وفزع، تنظر خلفها لتتأكد من أنه لا يتبعها. تذهب إلى أحد المارة لتتحدث معه، لكنه لا يتحدث العربية، يتحدث لغة غريبة لا تعلمها. حاولت أن تحدثه بالإنجليزية لكنه لا يفهمها أيضًا. واصلت الركض حتى لا يلحق بها وهي تبكي بخوف ولا تعلم ما الذي يجب عليها فعله أو إلى أين تذهب.