تحميل رواية «مديري مستر فرعون» PDF
بقلم رحاب ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تسحبت تلك البائسة ليلًا وهي تكافح ألا يستيقظ أحد من هؤلاء العقارب أسرة عمها المضجعين في فراشهم ويغطون في سباتٍ عميق، حتى دخلت بترقب لغرفة على يمينها، وسحبت ببطء ورقة جريدة تعلن عن وظيفة هامة بشركة سياحة تم افتتاحها حديثًا منذ سنة تقريبًا بعد فترة تجديد بالمبنى أخذت أشهر وتم تسليمها للمالك الجديد، فباتت ذات صيت في فترة وجيزة بعد حالة ركود استمرت لسنوات. وتنفست الصعداء وتهللت أساريرها عندما وجدت ورقة الإعلان مندسة بملف به أوراق وشهادات ابنة عمها "شاهندة".. تلك الفتاة البغيضة التي لا تنفك عن السخري...
رواية مديري مستر فرعون الفصل الأول 1 - بقلم رحاب ابراهيم
رواية مديري مستر فرعون الفصل الاول 1 - بقلم رحاب ابراهيم
تسحبت تلك البائسة ليلًا وهي تكافح الّا يستيقظ أحد من هؤلاء العقارب أسرة عمها المضجعين في فراشهم ويغطون في سُباتٍ عميق، حتى دخلت بترقب لغرفة على يمينها، وسحبت ببطء ورقة جريدة تعلن عن وظيفة هامة بشركة سياحة تم افتتاحها حديثا منذ سنة تقريبًا بعد فترة تجديد بالمبنى أخذ أشهر وتم تسلميها للمالك الجديد، فباتت ذات صيت في فترة وجيزة بعد حالة ركود استمرت لسنوات.
وتنفست الصعداء وتهللت أساريرها عندما وجدت ورقة الإعلان مندسة بملف به أوراق وشهادات أبنة عمها "شاهندة" .. تلك الفتاة البغيضة التي لا تنفك عن السخرية منها ومن مظهرها وجميع تصرفاتها بلا أدنى شفقة أو رحمة.
حذرت " ليلة العيد" أن لا تصدر أي صوت وهي تنسحب مرةً أخرى وتغادر الغرفة قبل أن ينكشف أمرها .. وبلحظاتٍ قليلة عادت لغرفتها الصغيرة المكدسة بكتب جميعها تتحدث عن تاريخ المصريين القدماء وذلك العصر القديم الذهبي الذي يفتنها القراءة عنه منذ سنوات .. والذي كانت فيه الأرض المصرية أرضا للملوك والكنوز والتقدم بين ظلام وعجاف كان يسود السواد الأعظم من بلاد العالم.
جلست على فراشها وتنهدت بقلق هامسةً لنفسها بخفوت وهي تقرأ الإعلان على مهلٍ وتفكر بشروط الوظيفة المُعلن عنها، فقالت بضجر:
_ طب وايه العمل بقا، ده مش بس محتاجين شهادات علمية معتمدة، ده كمان طالبين خبرة مش أقل من ٣ سنين ؟! كالعادة يعني!!.
وعندما تابعت القراءة ابتسمت بأمل اخيرًا وهي ترفع نظارتها الطبية السميكة على أعلى عظمة أنفها وهمست لنفسها بدعم :
_ معايا لغة ومستوايا ممتاز فيها .. وشرط التفرغ موجود، والسفر هوافق عليه طبعا، ده حتى اترحم من الخلق اللي ما يعلم بيها غير ربنا وعايشة معاهم دول .. بس الشهادة والخبرة دول بقا الأزمة.
وعاد السأم يغزو محياها، حتى لمحت شرطاً أضافي مكتوب هامشيًا بآخر الشروط، وقرأته ببطء وضيقا ملأ نفسها :
_ وتكون حسنة المظهر ..!!
ضيقت عينيها للحظات على ذلك الشرط، ثم نهضت من فراشها وتوجهت نحو المرآة الكبيرة المتقشرة بغرفتها، ونظرت لنفسها بتمعن وصمتٍ .. لمحت بشرتها الباهتة وعينيها المختبأة خلف نظارة سميكة بشعة المظهر وكأنها قطعتان من اللحم المقدد المحروق تضعهما على عينيها، عدى عن وجهها العابس دائمًا والذي لا يسر الناظرين بأول طلّة:
_ ربنا يستر بقا .. ما هو أكيد يعني مش ده أهم حاجة!!.
ماءت قطتها السوداء "شفيقة" وهي ترفع رقبتها القصيرة ذات الفرو الناعم وتبرق بعينيها الخضراء بنظرة حادة، فنظرت لها "ليلة العيد" وقالت تخاطبها وهي على حافة أن تجهش بالبكاء:
_ عارفة أني مش حسنة المظهر بلاش تبصيلي كده ! .. ولا أنتي جعانة ولا إيه ؟!
ماءت قطتها مرةً أخرى واقتربت وهي تتمسح بقدميها برجاء، فرفعتها اليها وضمتها "ليلة العيد" وقالت وهي تربت على ظهر قطتها السوداء بحنان :
_ والله يا شفيقة أنتي أنضف حد أعرفه وأحن قلب عليا .. من يوم ما لقيتك في رحلة الأقصر من شهر و بقيتي كل حاجة ليا.
قبلّت قطتها برقة ووضعتها أرضاً حتى تذهب وتأت إليها بطعامها الخاص، وحينما كانت بالمطبخ تُعد لقطتها بعض أجنحة الدجاج المسلوقة استندت بظهرها على رخامة المطبخ وشردت بعض الشيء، وعينيها نظرت بشرود للسماء الحالكة بالظلام من خلال نافذة المطبخ المفتوحة .. وهمست لنفسها بتمنّي:
_ ياريت لو كان بإيدي حياتي كلها تتقلب وتبقى حياة تانية .. حتى لو في زمن تاني ومع ناس تانية .. حاسة أن الزمن ده لا زماني ولا المكان ده ينفع يبقى مكاني.
وظلت تُحدث نفسها بأماني من المستحيل أن تتحقق بكل سُبل المنطق والعقل، وعندما مر بعض الوقت استدارت للموقد حتى تطفئه وتفاجئت بقطتها وهي تنظر لها بنظرة غريبة، لم ترتاب "ليلة العيد" ولم تكترث لشيء واعدت طعام القطة بهدوء .. وعندما وضعت للقطة الطعام التهمته القطة بشهية عالية وأصدرت مواءّ محبب دلالاة الرضا عن الوجبة اللذيذة .. فشاكستها بابتسامة مداعبة وتركتها، ثم عادت لغرفتها الضيقة تفكر بكيفية طلب التقديم لتلك الوظيفة.
ولكن بعد لحظات انضمت لها القطة السوداء شفيقة بالفراش، وسبحت ليلة العيد في نوم عميق والقطة تطالعها بمحبة ...
(وبأحلامها ....)
كانت تركض وسط الضباب ومكان تنخرط فيه البدائية والكآبة بجميع الاتجاهات، كانت تركض بذعر كأنها تهرب من وحشا مخيف .. حتى تلقفتها يدًا مجهولة وأخرجتها من ذلك المكان الموحش إلى بستان مليء بالزهور والرمال المتلألأة تحت ضوء شمس الغروب الدافئة ..
نظرت " ليلة العيد" لليد لتجد أن صاحبة تلك اليد امرأة اكتمل ظهورها بلحظة وكأنها نفرًا من الجن !!
وابتسمت لها المرأة برقة وقالت :
_ متخافيش أنا جانبك وهساعدك تحققي كل أحلامك.
سألتها ليلة العيد باهتمام وتوجس، خصيصا أن تلك المرأة يبدو عليها وكأنها آتية من العصور القديمة بمظهرها وزينتها النادرة :
_ أنتي مين ؟!
ابتسمت المرأة التي يبدو عليها وكأنها ستغادر سن الأربعين بعد عامين على الأكثر وقالت :
_ مش مهم تعرفي دلوقتي، بس أنتي ساعدتيني وأنقذتيني من الجوع بعد ما اختفت كل قوتي لما هربت من زماني .. أنا هساعدك زي ما ساعدتيني.
لم تفهم " ليلة العيد " مقصدها تمامًا، فقالت المرأة بابتسامة عريضة وهي تشير للبستان :
_ على ما قوتي ترجعلي هكون جانبك في كل مكان وأحاول اساعدك توصلي لأحلامك .. ولما قوتي ترجعلي كلها هحققلك كل اللي بتحلمي بيه فورًا ..
ابتسمت ليلة العيد بدهشة وقالت :
_ يعني أخيرًا هفرح وأبطل أخاف من كل اللي حواليا وأخد حقي وأعيش حياتي؟
ربتت المرأة على يد ليلة العيد بحنان واكدت:
_ أيوة ، هحاول احققلك كل اللي بتتمنيه قبل قمر ليلة ٣٠ في الشهر ده ... بعد الليلة دي مش متأكدة هكون موجودة هنا ولا لأ .. وعشان كده من النهاردة أوعدك أني ببقايا القوة اللي معايا هحاول أساعدك حتى لو بقيت زي ظلك.
سألتها ليلة العيد بلهفة وقلق :
_ هتروحي فين ؟
أجابت المرأة بابتسامة حنونة كأم تلاطف أبنتها:
_ هكون بخير أطمني ، بس في زمن تاني .. ومع ناس تانية ، زمن غير زمانكم .. لناس مستنياني.
وربتت المرأة على يد ليلة العيد بحنان أمومي شديد، حتى استيقظت ليلة من ذاك الحلم فجأة وانتبهت لجلوس قطتها السوداء ثابتة ومحدقة فيها بنظرة هادئة تمامًا، ورغم ذلك تدعو للقلق .. ولكنها لم تكترث كثيرًا وتجاهلت الأمر، ثم فركت عينيها واخذت القطة بين ذراعيها بمحبة وخلدت للنوم مجددًا ..
__________________________
وباليوم التاليــ
تسللت أشعة الشمس عبر نافذة غرفتها المظلمة وفتحت ليلة العيد عينيها ببطء، تثاءبت بكسل وهي تحرك ساقيها قليلًا قبل مغادرة الفراش لتحرر الدماء فيهما.. ولكنها انتبهت لنظرة القطة "شفيقة " وهي تنظر لها بتمعن ودقة، اخذت نظارتها السميكة وارتدتها سريعا لتصحح الرؤية الضبابية، ثم ابتسمت للقطة وهي تجثو لتحملها وتدللها وهمست بلطف :
_ هقوم اجيبلك الفطار يا شفشق.
وسرعان ما ذهبت للمطبخ وهي تتثاءب بعينان نصف مفتوحةً، ولكن ما أستوقفها هو حديث أبنة عمها شاهندة وهي تتحدث بعصبية على مائدة الافطار مع أمها وأشقائها وتقول بحدة:
_ كنت جيبالكم ورقة الأعلان اوريهالكم عشان تصدقوني بس ضاعت مني للأسف ومش لقياها في الملف بتاعي، تخيلوا الغبي ده خلاني قدمت استقالتي عشان مش عاجبه الأكسنت بتاعي !! .. واللي يغيظ أنه طالب في الاعلان مؤهلات أقل من اللي معايا ؟!... طب طردني ليه ؟!.
ارتشفت شقيقتها الصغرى "سالي" القليل من كوب مشروبها الدافئ وقالت بابتسامة ساخرة تفسر بعدم أقتناعها لمَ تقوله شاهندة:
_ ما هو انتي برضه يا شاهندة الاكسنت بتاعك في الانجليزي مش واو يعني .. ودي شركة سياحة يا حبيبتي، يعني كل شغلكم مع اجانب تقريبًا .. وبيشتكوا في أقل غلطة.
نفخت شاهندة بنظرة غاضبة من شقيقتها وهتفت بوجهها وهي تستشيط غضبًا :
_ تعرفي تنقطينا بسكاتك يابت أنتي ؟! .. أنا فيا اللي مكفيني.
تدخلت الأم " سميرة" وقالت هاتفة بأبنتيها ليتوقفا عن الجدال الغير مثمر :
_ مش عايزة كلام في الموضوع ده تاني، وأنتي يا شاهندة هتشتغلي في المصنع مع أبوكي .. وبلاها تنطيط من شغلانة لشغلانة وكل يوم عملالي موال ومشاكل !!.
شهقت شاهندة بصدمة، بينما ضحك أخوتها سالي وحسام عليها، وبعدما خرجت شاهندة من صدمتها قالت برفض واحتقار للفكرة وهي لا تتخيل أنها ستفعل ذلك بيوم من الأيام :
_ بقا عايزاني أنا شاهندة اشتغل في مصنع صابون ؟!
تمتم حسام بسخرية وشيء من الملل والسأم لمدى سطحية شاهندة ونكرانها الدائم لسنوات الفقر التي أخذت الكثير من طفولتهم :
_ الله يرحم.
نظرت لها الام سميرة بحدة وقررت بحسم :
_ مكنتش عايزة كده، لكن بما أنك كل ما تروحي لشغلانة تعملي مشاكل الدنيا مع زمايلك ويمشوكي فالأحسن تشتغلي بكرامتك في مصنع أبوكي .. على الأقل دي شغلانة لا محتاجة اكسنت عالي ولا محتاجة غير حضورك، مش كفاية دراستك اللي خلتينا دفعنا فيها دم قلبنا عشان بس تعدي وتنجحي!.
تدخل حسام مذكرًا والدته بخبث :
_ بس المصنع ده مش بتاع بابا في الأساس يا أمي، أنتي ناسية أنه بتاع عمي سعيد الله يرحمه.
حدجته أمه سميرة بنظرة عنيفة جعلته يلتزم الصمت ولا يتابع حديثه، فألتوى فمه بضيق ونهض مغادرًا المنزل وهو يجري اتصال هاتفي لفتاة من قائمة طويلة من الفتيات الذي يواعدهن، وانتبهت لهذا المشهد استماعا " ليلة العيد" وهي تفتح باب الثلاجة وتأخذ قطعا من الجبن المحبب لقطتها،
وازدرت ريقها بمرارة وما باتت تسأل نفسها ذلك السؤال المُحير الذي لازمها لسنوات ..
كيف لهذه السيدة زوجة عمها أن تبدو قاسية لهذا الحد وهي أيضا خالتها ؟! .. فهي شقيقة والدتها الراحلة أيضاً، ولكن شتان بينها وبين أمها تلك السيدة العطوف الطيبة المعشر ..
أغلقت باب الثلاجة وهي تتنهد بثقل وحاولت أن تبعد تلك الافكار المؤلمة عنها، وتابعت عودتها لغرفتها في هدوء زائف...
_____________________________
وفي طريق عودتها أتت اليها القطة راكضة بالصالة الواسعة وماءت بلهفة للجبن الممتلئة به يد " ليلة العيد" .. فقالت لها وهي تحملها وتتحاشى النظر لهؤلاء المُسلطة أعينهم عليها باستخفاف وسخرية:
_ تعالي افطرك في أوضتنا احسن يا شفيقة.
فقالت زوجة عمها وخالتها أيضا "سميرة" بغيظ ونفور وهي تنظر للقطة بكراهية :
_ القطة المقرفة دي لازم تمشي من هنا وده آخر تحذير ليكي، ده كفاية شكلها المرعب ده!.
حاولت أن تتحكم ليلة العيد بأعصابها وردت بهدوء زائف:
_ دي قطتي وهتفضل معايا وأظن أنها مش مسببة لأي حد أزعاج هنا ..
قالت شاهندة بحدة وكأنها وجدت شيء تفرغ فيه غضبها المكبوت لطردها من وظيفتها :
_ كلام ماما يتسمع وإلّا يومك مش معدي ..
زمت ليلة العيد شفتيها وكافحت لتكظم غيظها بشتى الطرق حتى لا يحدث شجارا بينهما كالمعتاد وتخرج منه خاسرة كالعادة عندما يلتفون حولها الثلاثة ويتناوبون بالشتائم والسباب وأحيانا اللكمات .. فتوجهت لغرفتها وتجاهلت تلك السخيفة أبنة عمها، مما أثار غيظ شاهندة وجعلها على حافة الجنون، فنهضت وتوجهت خلفها وهي تضمر الشر.
وعندما ما كادت أن تجلس ليلة العيد على فراشها وتطعم القطة وجدت شاهندة آتية بكامل غضبها وتصرخ فيها بغضب مبالغ فيه:
_ القطة دي لو فضلت هنا ساعة واحدة كمان هحطلها سم أو ارميها من الشباك.
حاولت أن تتحكم ليلة بأعصابها ولكن لم تستطع، فنهضت لها قائلة بعصبية وقد نفد رباط الجأش:
_ أنتي عايزة ايه مني بالضبط ؟! .. ما أنتي مربية كلب ومحدش اتكلم ولا اعترض، اشمعنى القطة بتاعتي اللي عملالك أزمة ؟!... ولا هو الغل اللي مالي قلبك من ناحيتي ؟!.
اتسعت عينان شاهندة بذهول وهي تجوب بنظرتها ليلة من أعلاها لأخمص قدميها بسخرية وازدراء، ثم صاحت باحتقار وغضب وهي تندفع اليها بشر :
_ أغل منك أنتي يا أم اربع عيون على ايه ؟! ... أنتي مش شايفة نفسك ولا معندكيش مراية تشوفي شكلك العرة ده يا بت؟! .. والله وبقا ليكي صوت وبقيتي تردي عليا وتوقفي قدامي كمان ؟!.
وأتى الجميع خلف شاهندة عندما بدأ الشجار وارتفع صوتها، فقالت سالي بأحتقار لليلة العيد:
_ شكلك نسيتي علقة كل مرة .. ما هو بابا السبب، من ساعة ما بعدنا عنك آخر مرة وخلصك من ايدينا وأنتي طيحتي فينا ومابقاش حد عارف يوقفك !...
تقدمت خالتها سميرة بنظرات حاقدة لأبنة أختها وقالت بشراسة وهي تشير لها بتهديد وتحذير:
_ والله لو ما احترمتي نفسك ولميتي لسانك لأعرفك مقامك، انا غلطانة اللي سكتلك الفترة اللي فاتت ومعلمتكيش الأدب اللي ما أتربتيش عليه .. يا قليلة الادب والرباية !.
نفد رباط الجأش من أعصاب ليلة وقالت بشراسة ودموعها تنزف من عينيها :
_ أمي الله يرحمها ربتني أحسن تربية، محدش خلاني أرد واتكلم بعد ما كنت قطة مغمضة غيركوا، من صغري وانتوا بتذلوني وبتتلموا عليا وتضربوني .. ولا نسيتي يا خالتي أنك بعد موت أمي جيتي وخدتي كل حاجتها غصب عني ، قعدتوا في بيت ابويا وأمي بالأجبار وعاملتوني على أني خدامة، حتى المصنع ما بيوصلنيش منه غير شوية ملاليم وفكة .. حتى القطة بتاعتي عايزين تمشوها غصب عني كيد فيا .. بس خلاص انا مش هسكتلكم تاني .. والبيت ده بيت أبويا وانتوا اللي اغراب وضيوف، ولو كان عمي بقا ليه نصيب في ورث ابويا فأنا وهو حسابنا مع بعض مش معاكوا .. من النهاردة ترجعوا لشقتكم القديمة اللي كانت هتقع عليكم لولا موت أبويا ومجيكم هنا ...
باتت عينان سميرة جمرتان من الغضب ودوت على وجه ليلة العيد بصفعات متتالية وقاسية وهي تعنفها وتسبها، فصرخت ليلة وقالت بأنهيار وهي تستشيط غضبا:
_ أنا بكرهك .. طول عمرك بتغيري من أمي ومن عيشتها وبتحقدي عليها، ما استنتيش لحظة بعد وفاتها وقبل ما تاخدي عزاها كنتي هنا وواخدة كل هدومها ودهبها والضحكة والفرحة مالية عنيكي كأنك لقيتي كنز .. سكوتي كان عشان طفلة صغيرة ومش مستوعبة، لكن كل سنة كنت بكبر فيها كان بينكشف ليا طمعك وحقدك .. بتضربيني وأنتي عايشة في بيتي ومن خير أبويا !! .. المرادي مش هسكتلك.
وركضت خارج الشقة السكنية وجلست على درجة من السلم الرخامي وانتفضت بالبكاء .. ولحظات مرت عليها ثقيلة مليئة بالأسى والحزن، حتى انتبهت لمواء قطتها الخافت ونظرتها المواسية.. أخذتها ليلة العيد وضمتها وهي تبك، وبعد دقائق مسحت دموعها ودخلت الشقة مرة أخرى وقد قررت شيء ...
_______________________________
وبمكتب محامي كان صديقا قديما لوالدها الراحل ..
دخلت" ليلة العيد " بعينان متورمة من البكاء وجلست تنتظر دورها للدخول ..
وبعد أكثر من نصف ساعة دخلت سريعا للمكتب، وحينما رآها الرجل ابتسم لها بترحيب رغم نظرة شفقة بعيناه جاهد أن يخفيها، وبعدما جلست امامه ليلة العيد قالت وهي تتحكم بدموعها :
_ أنا عايزة أرفع قضية على عمي، مش عايز يسلمني ورثي ومخلي مراته وولاده يبهدلوني ويذلوني .. انا استحملت وصبرت كتير لكن كفاية كده ..
صمت الرجل لبعض الوقت وقال بأسف :
_ بصي يابنتي الكلام اللي هقولك عليه ده أنا شوفته بنفسي .. للأسف عمك باع لنفسه كل حاجة بالتوكيل اللي معاه.
صدمت وتجمدت وهي تنظر له، فتابع الرجل بضيق :
_ أبوكي الله يرحمه كان طيب وغلبان ومسلّم اخوه كل حاجة ، وعمك توفيق طول عمره زي التعابين عرف يستغل طيبة أبوكي كويس أوي في آخر أيامه قبل الحادثة.. عرف يمضيه على أوراق كتير من غير ما يحس ده غير التوكيل كمان .. ودلوقتي كل حاجة باسمه قانونيا .. يعني مش هناخد معاه لا حق ولا باطل، الكلام ده ما قولتهوش السنين اللي فاتت لانك كنتي صغيرة ومش هتستوعبيه، لكن من مصلحتك أنك تفضلي زي ما أنتي وماتعرفيش حد أنك عرفتي الحقيقة ..
وتابع حديثه بنصيحة وشعور متواري بالشفقة:
_ لو عرفوا انك اكتشفتي الحقيقة هيذلوكي أكتر ، استحملي شوية لحد ما ربنا يرزقك بأبن الحلال وتخلصي منهم وتبعدي عنهم .. وبالنسبة للورث صدقيني يابنتي المال الحرام بيتعب صاحبه أوي .. والحق بيرجع ولو بعد حين.
ارتعشت شفتي ليلة العيد بدموع، ثم قالت بقهر واختناق :
_ عشان كده خالتي مستقوية ومش هاممها أي كلام أقوله ، كنت جاية وكل أمل أني الاقي عندك الحل واخلص من العذاب اللي عايشة فيه .. لكن كده لو اتكلمت وعرفتهم هيرموني في الشارع ومش هيرفلهم جفن حتى !.
رد الرجل موضحا ومؤكدًا:
_ عمك سرق ورثك ومسابش دليل يدينه .. بس ربنا كبير أوي وهيرجعلك حقك، انزلي أشتغلي ومتقعديش في البيت كتير واصبري على الأبتلاء ده.. وكل شيء له آخر.
نزفت عينان ليلة العيد الدموع بغزارة أسفل نظارتها السميكة وقالت :
_ ده مش بس هو اللي سرقني، ده خالتي كمان سرقت دهب أمي كله وماسبتليش منه أي حاجة .. أنا حتى لو فكرت أهرب مش هيبقى معايا اللي يسترني وما يحوجنيش لحد ..
اعترض الرجل وقال بتحذير :
_ اوعي تعملي كده، أنتي بنت والدنيا مليانة وحوش يابنتي والكل هيطمع فيكي، هما بكل جحودهم هيبقوا أفضل من الغرب وأنتي لوحدك .. أصبري لحد ما ربنا يكرمك.
وقفت بجسدها الذي وكأن أصابه الوهن فجأة وغادرت من المكتب دون أضافة المزيد ..
وضمت حقيبتها لصدرها وهي تبك وتسير بالطريق وسط المارة والزحام ولم تكترث للنظرات المشفقة على حالتها التي يرثى لها، وظلت هكذا حتى اوقفت سيارة أجرة ... وسألها السائق عن العنوان عندما جلست بالمقعد الخلفي شاردة وباكية :
_ العنوان يا آنسة ؟! ...... يا آنسة ؟!
خرجت من شرودها وأخبرته بعنوان منزلها بصوت متحشرج، الذي وبالأصح لم يعد منزلها، وعندما تحركت السيارة نظرت لحقيبتها وطرأ بفكرها شيء متهور، نظرت لساعة يدها وتمتمت :
_ الساعة ١٠ صباحا .. يعني لسه في وقت ..
وحمدت ربها أنها كانت تحتفظ بورقة شهادتها الوحيدة للثانوية العامة بداخل الحقيبة منذ ليلة الأمس وهي تفكر بالوظيفة، واخرجت الورقة وتفحصتها بتمعن ودموع، خصيصا عندما وقعت نظرتها على مجموعها بالقسم الأدبي، وقالت بحسرة وبكاء:
_ ٩٥٪ .. منك لله يا عمي انت ومراتك وولادك، دمرتوا مستقبلي وغصبتوني مكملش .. كان زماني دلوقتي رايحة أقدم للوظيفة وأنا مطمنة ومش خايفة ..
لم تتوقع رد السائق العجوز عليها بعدما انتبه لحديثها وفهم نبذة عن ما تعانيه وحدثها برفق :
_ محدش بياخد أكتر من نصيبه يابنتي .. قدمي يمكن ربنا يكرمك.
ردت ليلة العيد ببكاء وشعور خانق بالضعف:
_ ده انا لو قدمت الشهادة اللي معايا وبس ممكن يطردوني برا .. أنا بحلم من سنين بالشغلانة دي، بس الوصول ليها مستحيل تقريبًا..
سألها السائق عن ماهية الوظيفة التي تتحدث عنها، وعندما أخبرته ابتسم وقال بحبور :
_ ده الشركة دي عاملة ضجة فعلًا ... بنت أختي لسه متوظفة فيها من أسبوعين، مكنتش مصدقة نفسها برضه، أصل المدير بتاع الشركة دي بيقولوا شاب صغير وبينقي الموظفين بتوعه على الفرازة ، بعد ما المدير الاولاني تقاعد وباعه شركته ليه. بصي اللي فهمته يعني أنه بيختار الكفاءة مش الشهادة .. فقدمي وربنا ييسر الحال.
قالت ليلة العيد وهي تمسح دموعها بشيء من الامل :
_ أنا برضه سمعت كده، هتوكل على الله وزي ما تيجي تيجي بقا، معلش ممكن توديني على عنوان الشركة وتغير الطريق.
وافق السائق العجوز وتبسم بصدق :
_ ربنا يجعلك فيها مكانة كبيرة يابنتي احسن من اللي بتحلمي بيها .. أنا برضه وصلت بنت أختي يومها وكنت بدعيلها والحمد لله ربنا كرمها ومبسوطة أوي في الشغل .. وبإذن الله يكون وشي حلو عليكي أنتي كمان.
بث الأمل ليلة العيد من بشاشة هذا الرجل وحديثه الطيب معها، وبعد مرور بعض الوقت وقفت السيارة الأجرة أمام مبنى ضخم مغلف من الخارج بخامة تشبه الزجاج الملون بلون السماء الزرقاء الصافية، ارتجفت وهي تنظر للمكان الفخم ورواده الاثرياء الذين يلتمعون من الغنى الفاحش، ورفعت نظارتها على أنفها بقوة من فرط القلق وهي تجاهد حتى لا تقارن مظهرها بمن يسيرون حولها دخولًا للمبنى، حتى حسها السائق الطيب على الدخول :
_ اعملي اللي عليكي ويمكن خير ..
أعطته ليلة العيد أجرته ولكنه رفض قائلًا بلطف:
_ لو قابلتك تاني هاخد منك أجرة، أنما المرادي خليها عليا، وربنا يجبر بخاطرك.
صممت على اعطائه الاجرة، ولكنه أيضا صمم على موقفه، ثم سألته بأمتنان :
_ هو حضرتك اسمك إيه ؟
رد عليها السائق الطيب :
_ عمك رزق .. بنت أختي اسمها منة جمال .. هتلاقيها شبهي شوية.
ابتسمت له ليلة العيد بأمتنان حقيقي، واستدارت للمبنى وتقدمت بخطوات تجاهه وهي تردد بعض الاذكار بتوتر قد تملّك منها، وضمت حقيبتها بقوة كالتلميذة المعاقبة خارج فصلها الدراسي.
خطواتها كانت مرتبكة وبطيئة، حتى بات مظهرها ملفت للنظر وهي تدخل المبنى وعينيها تدور بتوتر شديد على الجميع، رغما عنها قارنت مظهرها البائس هذا مع الفتيات التي يتنافسن في الأنوثة والأناقة .. ابتلعت ريقها بصعوبة عندما انتبهت لبدء الهمسات والسخرية عليها .. مظهرها تمامًا يبدو كالتلميذة التي تأخرت على صفها الدراسي ..
وبحشرجة ملأت صوتها سألت موظف الاستقبال عن المكان الذي تستطع فيه أن تجري مقابلة العمل للوظيفة المُعلن عنها، ودون ان ينظر لها الموظف أشار للمصعد قائلًا :
_ الدور الأخير .. آخر مكتب.
أومأت رأسها لتشكره سريعا وتركته عدة خطوات، ثم عادت له وسألته بحرج وهي ترفع نظارتها أعلى أنفها :
_ الدور الأخير ده اللي هو الكام ؟
رد الموظف بتأفف وسحب نظرته من على جهاز "اللاب توب " وأجاب :
_ الخامس ..
عاد لعمله مجددًا ووقفت هي للحظة تفكر بوضعها، واصبحت رغبة الركض من هنا تتعدى رغبتها بالحصول على الوظيفة .. استدارت وتابعت سيرها للمصعد ببطء وشرود .. ثم دخلت المصعد ولم تنتبه أن هذا المصعد خاص بالمدير فقط، بينما المصعد المجاور على بعد خطوات بسيطة خاص بالموظفين .. استندت بظهرها على جدار المصعد ولا زالت تضم حقيبتها لصدرها بقوة وتنهدت بحنق، ثم انتظرت حتى توقف المصعد عند الطابق الخامس ..
خرجت منه ليلة وهي تشعر بالخنقة والدوار، فهمست لنفسها بدعم :
_ لا اجمدي كده ده انتي هتستخدميه كتير، الشغل ما يعرفش فوبيا الاسانسيرات ..
وظلت تحدث نفسها بدعم وهي تهرب من روية حشد من الفتيات الجميلات اللاتي يقدمن أوراقهن اليوم للوظيفة ، ازدرت ريقها بصعوبة حتى انتبهت لفتاة جميلة أتت ووقفت أمامها تمامًا وتبتسم ابتسامة صافية، ثم قالت :
_ أكيد أنتي اللي خالي رزق كلمني عشانها من شوية.
لم تفهم ليلة العيد الأمر للحظات، ولكنها تذكرت السائق الطيب وأنشرحت نفسها قليلًا وابتسمت قائلة :
_ آه أنا .. اكيد أنتي منة.
ضحكت منه وقالت بمودة :
_ آه أنا منه .. منون ، وشكلنا كده هنبقى أصحاب، حكم أنا عشرية أوي والناس بتحبني بسرعة.
شعرت ليلة بذلك بالفعل وما كادت أن تقول شيء حتى سحبتها منه قائلة بلطف شديد:
_ تعالي هوديكي على المكتب تسلمي ورقك وتنتظري دورك عشان الأنترفيو .. النهاردة آخر يوم وفي بنات كتير أوي قدموا للوظيفة دي ... بس المدير بتاعنا مش عاجبه حد وبيطرد أي بنت جياله بواسطة ... بيتنرفز موت.
تبسمت ليلة العيد بأمل وقالت بلهفة :
_ معنى كده أنه بيهتم بالكفاءة أكتر صح ؟
أكدت منة وقالت :
_ جدًا جدًا .. مش مهم عنده أي شيء تاني بس الكفاءة في الشغل رقم واحد ..
اطمئنت ليلة العيد وغضت الطرف عن مظهرها البائس وقالت بابتسامة عريضة :
_ يبقى في أمل أن شاء الله ..
وانقطع الحديث عندما مر شاب ثلاثيني يرمي نظراته الخبيثة للفتيات الجالسن في انتظار موعد المقابلة ودخل مكتب المدير مباشرةً، فنفخت منه وهي تنظر له، فسألتها ليلة العيد بتعجب :
_ مالك حصل ايه ؟!
قالت منه بضيق :
_ رشاد أخوه وصل ... ايه اللي جابه النهاردة ده ؟!!
قلقت ليلة وسألتها مجددًا :
_ هو ماله ؟!
تنهدت منه بضيق وقالت لليلة العيد بصدق :
_ مش هكدب عليكي ، ده بقا أهم حاجة عنده المظهر، ومش أي مظهر ، ده عايز موظفات ملكات جمال حتى لو معاهمش شهادات .. طالما جه يبقى هيفضل قاعد وهيحضر الأنترفيو ، وده ...
وقطعت منه حديثها ولم تعرف كيف تخبرخا دون أن تجرح مشاعرها، فأختفت الابتسامة من وجه ليلة وقالت بغصة :
_ أنا فاهمة .. ما أنا يعني عارفة أن مظهري مش احسن حاجة .. وصعب أتقبل في وسط كل دول وانا لا حسنة المظهر ولا معايا شهادات كفاية.
أستوقف منه الجملة الأخيرة فسألتها بقلق :
_ أنتي معاكي شهادات إيه ؟!
ابتلعت ليلة ريقها المرير وقد اعتقدت أن السائق قد أعطاها ولو نبذة بسيطة عنها ترفع عنها حرج التوضيح، فقالت بصدق :
_ مش معايا غير شهادة ٣ ثانوي عام .. كنت جايبة مجموع كبير أوي .. والاكسنت بتاعي ممتاز والله ، أصل واحدة جارتي قبل ما تسافر ساعدتني اتعلم لغة وفضلت معايا سنين لحد ما وصلت لمستوى عالي .. وكمان أنا من صغري عندي هوس بالحضارة المصرية والكتب وأعرف معلومات كتير أوي .. ومستعدة لأي امتحان.
ربتت منه على يدها بلطف وقالت :
_ مش هكدب عليكي وأقولك أن كل ده كفاية، الشهادة مهمة جدًا وأهم خطوة .. يمكن لو رشاد مكنش موجود كنت اديتك أمل ، لكن في حضوره صدقيني مقدرش أتوقع ايه اللي يحصل.
امتلأت عينان ليلة بالمرارة والدموع، وكان قرارها أن تعود وتتجنب مزيدًا من الألم النفسي عندما يتم رفضها .. ولكن أتى لمنة اتصال هاتفي من رقم خالها، فأجابت سريعا :
_ أيوة يا خالي معاك.
حدثته قليلًا ثم نظرت لليلة التائهة بعالمها الكئيب وقالت بعدما انتهت المكالمة :
_ خالي بيقولك كملي وقدمي .. عشان ما تحسيش بالندم بعد كده .. يمكن يحصل حاجة.
ردت ليلة بيأس :
_ هيحصل إيه يعني ..
واتسعت عينان ليلة العيد بذهول عندما رأت فجأة آخر شيء كانت تتوقع أن تراه ...؟!
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية مديري مستر فرعون الفصل الثاني 2 - بقلم رحاب ابراهيم
امتلأت عينا ليلة بالمرارة والدموع، وكان قرارها أن تعود وتتجنب مزيدًا من الألم النفسي عندما يتم رفضها.
ولكن أتى لمنة اتصال هاتفي من رقم خالها، فأجابت سريعا:
_ أيوة يا خالي معاك.
حدثته قليلًا ثم نظرت لليلة التائهة بعالمها الكئيب وقالت بعدما انتهت المكالمة:
_ خالي بيقولك كملي وقدمي.. عشان ما تحسيش بالندم بعد كده.. يمكن يحصل حاجة.
ردت ليلة بيأس:
_ هيحصل إيه يعني..
واتسعت عينا ليلة بذهول عندما رأت فجأة آخر شيء كانت تتوقع أن تراه..
فقد فغرت فاها من الدهشة عندما لمحت قطتها السوداء "شفيقة" وهي تركض نحوها مباشرةً وتتشبث بفستانها الفضفاض لتتسلق على ساقيها بسرعة عالية، خرجت ليلة من دهشتها ورفعتها اليها قائلة بذدهول:
_ أنتي إيه اللي جابك هنا يا شفيقة وجيتي هنا أزاي أصلًا؟!.
اصدرت القطة موءًا للحظات كأنها تشكو لها من شيء أو تريد أخبارها أمرًا هامًا، فضمتها ليلة وهي تحاول الخروج من صدمتها بوجود القطة هنا ومن المفترض أن المسافة من هنا حتى منزلها كبيرةً جدًا!.
تعجبت منه لمَ تراه وقالت:
_ هي القطة دي بتحبك لدرجة أنها تعرف تيجي وراكي هنا؟!... شكلك ساكنة قريب من هنا.
ردت عليها ليلة وأخبرتها بعنوان سكنها، فشهقت منه وقالت:
_ لا مستحيل تعرف تيجي وراكي المسافة دي كلها؟!!
فتدخلت فتاة من الفتيات الجالسات بالحديث وقالت بضحكة ساخرة:
_ تلاقي القطة السوداء دي لابسها جن.
وضحك الفتيات وبدأت سلسلة من السخرية على تلك القطة المسكينة، ولكن تلك القطة لم تكن مسكينة مثل ما يعتقد البعض.. فرمتها ليلة بنظرة مغتاظة وهي تربت على فرو قطتها بحنان كأنها تعتذر عن سخافة بعض البشر.. بينما كانت القطة تنظر لها بعينان ضيقة مخيفة..
وبتلك اللحظة خرجت فتاة من المتقدمات للوظيفة بمكتب المدير بعصبية وهي تتمتم بالشتائم، ووقفت تلك الفتاة التي كانت تسخر منذ قليل وهي تعدل هندامها وتسير بتغنج مفتعل، وبيدها ملف أوراقها التي وقفت قليلًا لتتأكد من ترتيبه... فسخرت منه بضحكة وهمست لليلة قائلة:
_ اللي قبلها كانت كده واتطردت..
تذكرت ليلة أمر أبنة عمها الحمقاء "شاهندة" وطردها من تلك الوظيفة وفهمت الآن السبب الأساسي لطردها الذي لم تفصح عنه شاهندة.. فقالت باستغراب:
_ هو في مدير ما بيحبش النوعية دي؟!.
قالت منه بتأكيد:
_ المدير بتاعنا.. هاكان كمال الريان أو HK.
تعجبت ليلة من الاسم ورددت:
_ هاكان؟!!
تبسمّت منه وقالت بمزاح:
_ ما هو أنا برضه استغربت كده أول ما سمعته، بس لما عرفت أن والدته تركية فهمت ليه اسمه كده، بس غالبًا بينادوله HK خصوصا الأجانب.
ونبهتها منه موضحة:
_ خلي بالك لأنه مابيحبش المرقعة بتاعة البنات والدلع في الشغل وآه تعبانة وآه مصدعة، جد بشكل مبالغ فيه.. أنا شغالة من أسبوعين وعمري ما شوفته بيضحك إلا نادرًا جدًا وبيمشي آخر واحد في الكام يوم اللي بيحضر فيهم.. مع أنه جامد جمودة.
ضحكت ليلة ببلاهة على كلمات منه الأخيرة، ثم قالت بثقة:
_ لا من ناحية المرقعة بتاعة البنات ما تلاقيش.
وفجأة انتبهتا الفتاتان لصوت ارتطام بالأرض، وحينما التفتا لمصدر الصوت وجدتا تلك الفتاة التي كادت أن تدخل مكتب المدير تعثر حذائها بشكل غامض ووقعت على وجهها بطريقة مضحكة جعلت الجميع يضحك بفكاهة دون مراعاة لموقفها المحرج.. عدا ليلة التي اتسعت عيناها بدهشة وركضت مسرعة تحاول مساعدة الفتاة التي افترشت الأرض وتحاول النهوض وهي تتألم..
_ حصلك حاجة..؟!
قالت ذلك ليلة باهتمام صادق ومدت يدها للمساندة، ولكن تلك الفتاة كانت على درجة من الغرور جعلتها تدفع يد ليلة وتنهض وهي تنفخ بغيظ وعصبية ولملمت أوراقها... ولكن اكتشفت أن كعب حذائها قد أصبح قطعتين منفصلتين بطريقة صادمة!!!
فغرت الفتاة فاها بصدمة، ثم قالت بضيق شديد:
_ الكعب أتكسر أزاي؟!... هدخل للمقابلة أزاي دلوقتي؟!!
اصدرت القطة شفيقة موءًا متكرر كأنها تهتف، فذلك جعل ليلة تنظر لها بتعجب وذهب ظنها أن القطة تشعر بالجوع.. فذهبت اليها وهمست:
_ حاضر يا حبيبتي هجيبلك أكل بس لما نروح.. مش هينفع أمشي دلوقتي خالص.
رمقتها القطة بنظرة هادئة ومسحت رأسها بخد ليلة برقة، فابتسمت ليلة وقبلتها بمحبة.. ثم اندفعت القطة من يدها للأرض وظلت تسير أمام الفتيات وتصدر أصواتا غريبة حتى اختفت تمامًا بعد ذلك... وبحثت ليلة عنها ولم تعثر عليها مطلقاً!!.
وقررت صاحبة الحذاء الممزق الانسحاب من تلك المقابلة والمغادرة.. ودخلت بعدها فتاة من الجالسات بثقة، ولكن بعد عدة دقائق أرتفع صوت رجولي رخيم للغاية، ويبدو من صاحبه أنه ذو شخصية قيادية صعبة جدًا ولا ينال رضاه شيء...
ابتلعت ليلة ريقها بقلق وخفقات قلبها تزداد بجنون... وفتح باب المكتب وخرجت الفتاة التي دخلت منذ دقائق وهي تتلفظ الشتائم.. ثم ارتفع صوته مجددًا وهو يقول لأحدهم بالداخل:
_ مافيش موظف أو موظفة هيشتغلوا هنا معايا غير وهما يستاهلوا وعلى درجة عالية من الكفاءة.. أنا مش هشغل ناس هتكون مع سياح أجانب وهما بيتهتهوا في اللغة ومايعرفوش حاجة عن تاريخ بلدهم ولا عارفين يكلموا السياح عنه!.. يبقا لازمتهم ايه؟
رد عليه شقيقه رشاد وقال:
_ ما في منهم كان الاكسنت بتاعه ممتاز يا هاك وأنت اللي رفضت ورقه!!.
استدار إليه هاكان بجسده المفتول العضلات بقميص لأسود لامع وبنطال بنفس اللون يبرزون برونزية بشرته وملامح وجهه المنحوتة بدقة بوسامة قاتلة.. وتطلع به هاكان بعيناه شديدة السواد و رد بعصبية:
_ الشغل مع السياح مش مجرد اكسنت يا رشاد، المرشد السياحي ده وجهة لشركتنا ولبقته بتتكلم عن مستوانا.. مافيش حد متوفرة لحد دلوقتي فيه كل المواصفات اللي أنا محتاجها..
سخر رشاد وهو يضع ساقا على ساق:
_ أنت اللي طلباتك في الموظفين مش منطقية وعايزهم فوق كل المستويات، وده مش هتلاقيه بسهولة أبدًا.. ده إذا لقيته أصلًا.. والله دخلك شوية بنات مزز وأنت جبل ما بتتهزش.. يا قلبك الجاحد!!.
ذهب هاكان للنافذة وفتحها ليجدد الهواء لرئتيه وتنفس بعمق، ثم قال وهو ينظر بعيناه السوداء للطريق المكتظ بالسيارات:
_ اللي أنا مقتنع بيه وهفضل مقتنع بيه طول عمري.. أن الشخص المناسب في المكان المناسب بيساوي أفضل نتيجة.. لكن شغل الوسايط والمعارف ده كله فشل في فشل ما بحبهوش ولا هقبله في شغلي يا رشاد.. شغلي عندي رقم واحد.
وقطع الصمت الذي ران بعد ذلك أتصال هاتفي من والدتهما، فأجاب هاكان وتحدث مع أمه بمزيج من العربية والتركية..
بينما بالخارج انسحبت فتاة بعد الأخرى وغادرن.. ولاحظت ليلة ذلك بقلق وجبين متعرق من التوتر.. وعادت رغبة الذهاب من هنا إليها مجددًا، ولاحظت منه شرودها وتوترها فأتت اليها هامسة:
_ مش فاضل غيرك أنتي وبنت كمان قبلك، لو مشيت البنت دي وما اتقبلتش يبقى الدور عليكي بقا تحاولي تبيني شطارتك... النهاردة آخر يوم ومش هيعمل مقابلات شغل لوظايف تاني..
تنفست ليلة بتردد وخوف من شيء مجهول.. وانتظرت بقلق مفرط نتيجة مقابلة الفتاة الأخرى، حتى خرجت الفتاة كمثيلاتها وهي تهتف وتقول لطاقم السكرتارية:
_ ده أنسان مش طبيعي، عايز موظفين روبوت مش بني آدمين!!..
وغادرت مثل السابقات.. فأسرعت منه إلى ليلة وقالت بدعم:
_ الدور عليكي.. ياريتني كنت أقدر أحضر الانترفيو ده، بس ده طبعا مستحيل!.
ظهرت القطة السوداء فجأة ولكن لم تنتبه لها ليلة، بينما ضيقت القطة عينيها واستمعت للحديث جيدًا، وتسحبت حتى دخلت مكتب هاكان..
ارتشف هاكان قهوته وانتبه لوقوف قطة سوداء أمام مكتبه ظهرت فجأة وتنظر له بهدوء وثبات مريب، فأنزعج رشاد وقال بتشاؤم وهو ينهض ليطردها خارج المكتب:
_ ما بحبش القطط السودا..
ولكن القطة سلطت عيناها على هاكان بثبات شديد ثم ذهبت اليه وتسلقت ساقيه وجلست أعلى ركبته بهدوء، بينما تفاجأ هاكان من تصرف تلك القطة المريب وعينيها المحدقتان فيه، والأعجب أنه لم يستطع أن يبعدها عنه رغم أرادته بذلك وكأن شيء يقيده!!
دخلت ليلة المكتب بخطوات بطيئة ووجه شاحب من القلق، ابتلعت ريقها وهي تعدل نظارتها أعلى عظمة أنفها وتحمحم لتنقي صوتها المتحشرج..
غاصت قدميها في السجاد العجمي وهي تقف أمام مكتبه وتجمدت عندما رأت قطتها جالسةً على ساق رجل يجلس بفخامة خلف مكتبه وكأنه يمتلك نصف ثروة العالم.. !!
نظر لها رشاد بدهشة واحتقار، بينما قطب هاكان حاجبيه وهو ينظر لها من رأسها لأخمص قدميها بدهشة، لا يعقل أن تلك الفأرة ذي النظارات السميكة آتية لطلب الوظيفة التي بالاساس تطلب درجة عالية من حسن المظهر!!
ووجد نفسه يسألها بحدة لا تبشر بالخير:
_ مين أنتي؟!.
جف حلقها وهي تطالعه وتدحضت فكرتها المتفائلة عنه وهو ينظر لها بتلك النظرة المحتقرة!!.. فقالت بارتباك شديد:
_ أنا جاية عشان الأنترفيو.. لأ.. أقصد عشان الوظيفة!.
ضيق هاكان عيناه بذهول وسألها:
_ وظيفة إيه؟!!
غضبت من رده وقالت بعصبية رغم جسدها المرتجف:
_ يا عم ما تركز معايا كده..
ابتلعت ريقها ووبخت نفسها على تلك الهفوة وقالت بتصحيح:
_ لا أقصد.. الوظيفة اللي اعلنتوا عنها والنهاردة آخر يوم للمقابلة... بالأمارة يعني.
نظر هاكان لشقيقه رشاد بدهشة واستخفاف، بينما كتم رشاد ضحكته وهمس له:
_ خلينا نستلى شوية.. استنى..
وتوجه لها رشاد بالأسئلة لمزيد من التسلية:
_ أنتي اسمك ايه؟
كتمت ليلة سيل من الردود وقالت بحدة وهي واثقة أنها ستنهال عليها الكلمات الساخرة بعد قليل:
_ ليلة العيد سعيد رمضان.
أطلق رشاد ضحكة عالية وهو ينظر لشقيقه الأكبر هاكان، الذي أخذ قهوته وتوجه للنافذة مجددًا وهو يخفي ابتسامته على ذلك الاسم الغريب المضحك... فعاد رشاد قائلًا:
_ يعني ند*بح ولا نتسحر.
وضحك ضحكات عالية متتابعة ولم يستطع التوقف، بينما اتسعت ابتسامة هاكان وهو يواليها ظهره ويقف أمام النافذة، فقالت ليلة بغيظ وتمتمة:
_ أبو غتاتك.. طبق بامية بيسألني، أومال لو مكنتش أقرع!!.
ضحك هاكان عندما انتبه لهمسها، واختفى المرح من وجه رشاد ليهتف بغيظ:
_ لسه الباب مفتوح.. المقابلة انتهت.
تجمدت ليلة بمكانها بعدما تعرضت للطرد الصريح هذا، وقررت المغادرة على الفور ونسيان هذا الأمر برمته، وعندما استدارت بدموع تملأ عيناها وتحركت بخطوات تجر أذيال الخيبة للخارج وجدت صوت هاكان يقول فجأة:
_ أستني.
تسارعت دقات قلبها مع بعض الدهشة، وعندما عادت تنظر لهاكان وجدته ينظر بعينان القطة بعمق ويبدو عليه بعض التشوش والتيه، والحقيقة أن هناك وكأن صوت صارخ برأس هاكان يأمره ببعض الأشياء... وذلك بنفس الوقت التي كانت تحرك فيه القطة فمها بصوت خافت جدًا غير مسموع، وأغمض هاكان عيناه وهو يستمع لصوت غامض داخل رأسه يقول له:
_ أطرد الكلب أخوك ده من المكتب.. أطـــــــــــرده!!
صاح هاكان بشقيقه قائلًا بعصبية:
_ أطلع برا دلوقتي يا رشاد!!
دهش رشاد من جملة شقيقه، ولكنه نهض عندما نظر له هاكان بغضب لينفذ الأمر... هدأ الصوت داخل رأس هاكان ليسمع تمتمة هادئة وصوت قبلة!!
وعاد هادئا مرةً أخرى ونظر لـ ليلة وهو يريد طردها وأنهاء تلك المقابلة المزعجة.. ولكن صرخ الصوت داخل رأسه مجددًا وأمره:
_ هات البت منه منون السكرتيرة معاك في المقابلة... أبعتلهـــا!!
ضغط هاكان على جرس الأرسال لمكتب السكرتارية، لتأت بعد لحظات تلك الفتاة الرقيقة منه وقال لها وهو مشوش تمامًا وليس مدرك ما يفعله:
_ تعالي يا آنسة منة..
لم تفهم ليلة ما يحدث، ولكن عندما أتت منه قال لها هاكان بدهشة مما يفعله:
_ أقعدي واسألي الآنسة..
فغر الفتاتات ثغرهما بدهشة... ولكن ابتسمت منه وقالت والغبته تملأ نفسها:
_ تمام يا فندم..
هتف صوت برأس هاكان مرةً أخرى:
_ شوفها بقلبك مش بعينك يا هاكونا..
التوى فم هاكان بسخرية من منحنى أفكاره!!، وتنفس الصعداء وأبعد عيناه عنهما ولكنه استمع تماما لردود ليلة بالمقابلة.. ناقشتها منه في عدة أسئلة واختبرت مهارتها في اللغة الأنجليزية التي كانت ليلة ماهرة بإتقانها... نظر هاكان لها بتعجب بعدما انتبه لنطقها الصحيح تمامًا للكلمات... ولكن أتى السؤال الأهم والأخير وهو أوراق شهاداتها العلمية، فقالت ليلة بصدق بعدما اجتازت جميع الاسئلة بمهارة:
_ مش معايا غير شهادة الثانوية العامة.
اتسعت عينا هاكان على آخرهما بشراسة، واضطربت منه من رؤيته هكذا وابتلعت ريقها بقلق... فقال هاكان بذهول:
_ بتقولي إيه؟!... ثانوية عامة!... أنتي واعية للي بتقوليه ولا أنتي شاربة حاجة؟!.
تلقى هاكان صفعة وكأنها بداخل رأسه وسمع نفس الصوت يقول له:
_ ما أنا قولتلك شوفها بقلبك ولا هو لازم استخدم ايدي يعني!.. رجالة مش بتيجي غير بالعين الحمرا، هو أنا طفشت من زماني من شوية!
تألم هاكان وهو يمسك رأسه بكلتا يداه وقال بعصبية:
_ مش فاهم في ايه بيحصلي!!
تدخلت منه وقالت له شيء طرأ بفكرها فجأة:
_ لو سمحتلي يا فندم اتكلم وهقترح اقتراح.. بصراحة البنت ممتازة، نفس المواصفات اللي طلبتها بالضبط، أنا مدركة طبعا أن ماينفعش تشتغل من غير شهادة، بس فيها ايه لو تشتغل أي شغلانة هنا بسيطة لحد ما تكمل دراستها وبعدين تثبت نفسها..
تفاجئت ليلة بأقتراح منة، فغمزتها منه لتصمت وترحب بالاقتراح، وكان من المستحيلات أن يوافق هاكان على هذا الأمر، ولكن ذلك الصوت اللعين داخل رأسه سيقود للجنون وهو يهتف:
_ وافق، وافق، وافق، وافق، وافق، وافق، وافق، وافق..
صاح هاكان بعصبية شديدة وهو ينظر لهما ويمسك رأسه بألم:
_ خـــــــلاص بقا... موافق.
ونهض متنهدًا بعمق عندما أختفى الصوت وعاد لطبيعته، وخرج من المكتب بعدما القى نظرة غاضبة يإزدراء على ليلة..
صاحت منه بضحكة عقب خروجه من المكتب وذهبت لتبارك لليلة قائلة:
_ اتمسكي بالفرصة دي، كملي دراستك في المجال اللي بتحبيه وأوعي تتخلي عن حلمك، أنا فرحانة ليكي أوي، مش عارفة الفكرة دي جاتلي منين، بس كأن حد همسلي بيها!!
لم تعرف ليلة أن كان عليها أن تفرح أو تقلق، لأنها لا زالت لا تعرف ما سيكون عملها حتى تنهي دراستها التي لم تبدأ في استئنافها من الأساس!!.. فسألتها:
_ طب وهشتغل ايه هنا مؤقتا؟!.
قالت منه بتصميم:
_ أي حاجة يابنتي، حتى لو هتشتغلي على البوابة برا وافقي، صدقيني دي فرصة مش هتتكرر تاني، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة أن مستر هاكان وافق على اقتراحي!!.. ده بالنسبالي معجزة!! تعالي بكرا وهنشوف هو هيقرر يشغلك ايه.. ومهما كان اوعي ترفضي.. ده حلمك وما تستغنيش عنه.
استند هاكان بظهره على مقعد السيارة في حالة من الذهول لما حدث، كيف وافق على تلك الفأرة الحقيرة أن تعمل بشركته وهو من طرد الأفضل منها!!
حتما سيكون سخرية الجميع، ولكنها بالتأكيد ستأت غدًا لبدء عملها المؤقت.. وحينئذ سينهي الأمر بالتأكيد.
كان سيترجل من سيارته حتى رآها وهي تخرج من مبنى الشركة وتحمل تلك القطة السوداء المخيفة وتضحك وتمازحها.. نظر بامتعاض لمظهرها البائس الرتيب ولم يصدق أنه استطاع الموافقة بتلك البساطة على تلك الفأرة البائسة!
وعادت ليلة للمنزل وقد غمرتها الفرحة لأولى خطوات تحقيق حلمها..
وحينها وجدت خالتها سميرة جالسة أمام التلفاز تشاهد في ضحكات عالية.. وأبنتها شاهندة ممددة على الكنبة وترمي رأسها بحجر أمها وتشاركها مشاهدة المسلسل.. ولكن حينما لمحا ليلة قالت شاهندة بعصبية:
_ يعني برضه القطة المقرفة دي رجعت تاني ومافيش فايدة.. المرادي مش هرميها في الشارع ده أنا هرميها من البلكونة.
ونهضت وهي تندفع نحو ليلة بغضب جارف.. ولكن القطة قفزت على شاهندة وغرزت أظافرها بوجهها، مما جعل الأخرى تسقط أرضا صارخة بألم شديد بعدما امتلأت الخدوش وجهها النازف بالدماء... صرخت سميرة وهي تقول لأبنتها:
_ تعالي معايا على المستشفى حالا تاخدي مصل.. ولما ارجع ليا تصرف تاني.
نظرت سميرة لليلة بتوعد مخيف، بينما ابتلعت ليلة ريقها وركضت لغرفتها وهي تحتضن القطة، وحينما دخلت اغلقت الباب خلفها قائلة بأسى:
_ عملتي كده ليه يا شفيقة، أهم هيرموكي في الشارع ومش هقدر أنطق بعد اللي حصل.
وتنهدت ليلة وهي تغمض عينيها بألم وقلة حيلة، حتى أتى صوت أمرأة وكأنه من عالم آخر:
_ محدش يقدر يقربلي متخافيش.
فتحت ليلة عينيها بفزع ونظرت حولها بخوف وهي تردد:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، الصوت ده جاي منين؟!
لم يصدر الصوت مرةً أخرى، بينما ماءت القطة لطلب الطعام كعادتها، فهدأت ليلة وظنت أن الأمر من نسج خيالها وقالت:
_ لما يخرجوا هطلع اجيبلك تاكلي.
رواية مديري مستر فرعون الفصل الثالث 3 - بقلم رحاب ابراهيم
بعد مرور أكثر من ساعة عقب مغادرة سميرة وابنتها التي خدشتها القطة "شفيقة" وذهابهما إلى المشفى لأخذ المصل المضاد، جلست "ليلة العيد" بغرفتها شاردة الذهن تفكر بما حدث اليوم.
تسللت ابتسامة لشفتيها وهي تتذكر ذاك الرجل الفاتن التي رأته اليوم، كأنه خرج من قصة أسطورية رومانسية وتجسد أمامها.
اختفت ابتسامتها وهي توبخ نفسها بسخرية لاذعة:
_ بتفكري في إيه يا عبيطة أنتي، أحمدي ربنا أنه وافق يشغلك مؤقتا.
وتذكرت شيئًا جعلها تتنهد بعمق وخوف:
_ طب حتى لو قررت أكمل دراسة، هجيب الفلوس منين؟ أنا محلتيش غير الخمسين جنيه اللي في البوك بتاعي على ما أول الشهر الجديد يبدأ بعد يومين وأخد الملاليم اللي باخدها كل أول شهر.
وشعرت بمرارة وهي تتحسس القرط الذهبي بأذنها الذي كان الهدية الأخيرة من والديها قبل الحادثة المشؤومة بأيام بسيطة.
وقالت بغصة تكورت بحلقها:
_ غالي عندي أوي الحلق ده ومش هيهون عليا أبيعه.. لكن هبقى مضطرة.
وطفرت دمعة من عيناها وهي تشعر بالأسف والعجز. ولكنها مسحت عيناها سريعاً وتظاهرت بالنوم وهي تسحب القطة بين ذراعيها بضمة محكمة، وذلك عندما انتبهت لصوت فتح باب الشقة ويبدو أن "شلة اللصوص" قد عادوا، وبالتأكيد يضمران الشر لها وللقطة المسكينة.
وما هي إلا عشر دقائق وكان باب غرفتها يُفتح وتهجم شاهندة عليها لتوقظها وتأخذ القطة إجبارًا لتلقيها خارجًا. انتفضت "ليلة العيد" من فراشها بعصبية وحاولت إنقاذ تلك القطة المسكينة من براثنها، بينما هتفت "شاهندة" بصياح وهي تلكم ليلة على كتفيها بغلظة وكراهية:
_ أنا مش هستنى لما نمرض ونموت بسبب المقرفة بتاعتك دي!.
نظرت لها القطة "شفيقة" بغضب مخيف، وصدمت الفتاتان عندما نطقت القطة بصوت بشري قائلة:
_ سيبيني لأحسن أولع فيكي وفي أمك ده أنا أجن مجنونة!!.
شهقت "شاهندة" بفزع ودفعت القطة بعيدة عنها بصراخ وهي تخرج من الغرفة كأن يركض خلفها ثعبان، ثم ارتتمت أرضاً فاقدة الوعي بصالة الشقة وهرعت إليها سميرة صارخة.
بينما تجمد صوت "ليلة العيد" بوجه شاحب هربت منه الدماء وجسدها متيبس الحركة بغرفتها. ونظرت القطة لها بقلق وماءت مثل القطط الطبيعية لكي تبعد الشكوك والظنون. ولكن ليلة لم تكن تتوهم هذه المرة أيضاً وعلى يقين أن تلك القطة أضحى بها شيء مخيف وغير طبيعي.
فركضت القطة وأغلقت الباب جيدًا، ثم اقتربت من ليلة التي التصق ظهرها بالحائط وهي ترتعش بهلع وتردد آيات من القرآن الكريم. وبعدها تشكلت القطة بثوانٍ قليلة إلى هيئتها الحقيقية، لتقف أمام ليلة امرأة بأواخر سن الأربعين ولكنها مذهلة الجمال وترتدي زي فرعوني بكامل زينته وأناقته المعروف بها عبر الأجيال، بينما شعرها الأسود الحريري يسترسل لمنتصف ظهرها تقريبًا وكأنها تستخدم أغلى أنواع الزيوت بعصرنا الحالي.
وابتسمت لها قائلة بمحبة:
_ مكنتش عايزة أظهرلك دلوقتي ولا أعمل أي حاجة تثير شكوك أي حد هنا.. بس مقدرتش أسيبها تمد إيدها عليكي تاني وأسكت.. أنا حبيتك أوي واعتبرتك بنتي اللي مخلفتهاش.
تمتمت "ليلة العيد" بدهشة وصوت مخنوق:
_ أنتي مين يا ست أنتي؟
اتسعت ابتسامة المرأة وقالت:
_ أنا زوجة الوزير الأول "لوتس در مون".. جيت في الزمن ده من غير إرادتي، ومش همشي قبل نهاية قمر ليلة ٣٠ في الشهر الجديد. ولأني من زمن تاني مكنش ينفع أظهر بهيئتي الحقيقية.. فتشكلت بقطة.. كان معايا قوة خفية في ست من العبيد أهدتني بيها.. لكن ما لحقتش أستخدمها، وفضل معايا بقايا منها.. احتفظت بالبقايا لوقت اللزوم.
صدمت "ليلة العيد" مما تسمعه وسألتها:
_ أنا مش فاهمة حاجة، زمن إيه وقوة إيه اللي بتتكلمي عنها؟
عرّفت "لوتس" عن نفسها بفخر:
_ أنا زي ما قولتلك.. لوتس زوجة الوزير الأول "حات حوت"، كنت عايشة في القرن التاسع عشر قبل الميلاد.. بلادي كيميت العظيمة.. أم التاريخ والحضارات.
وتابعت بألم ظهر بعينيها المكحلة بكحل شديد السواد:
_ من كتر حبي لزوجي كنت دايمًا بشك فيه، وبدأ بعض الجواري يوصلولي أخبار أنه بيحب ست تانية وبيِروح لها.. كنت هتجنن، ولقيت ست من العبيد جيالي وبتديني شربة أعشاب.. وقالتلي أن الأعشاب دي سحرية، هتخليني أسمع أفكاره، وكمان أعرف أدخل جوا دماغه وما أخليهوش يفكر غير فيا ويطيع كل أوامري.. هيفضل قلب الأنثى واحد في كل زمان وآوان.
وتنهدت "لوتس" بضيق شديد وهي تتذكر شرود الاتفاقية:
_ بس الشرط أني لازم أبعد عنه شهرين كاملين، فقررت أسافر لوالدي في الجنوب.. وفي الطريق دخلت كهف ظهر قدامي فجأة أنا والجارية بتاعتي عشان نستريح من تعب الطريق.. وبعدها معرفش حصل إيه ولقيتني في الأقصر على شكل قطة.. وواحد بيقولي بسخرية أنه عرف ينتقم من أخويا سركن وخطفني.. ومش هعرف أرجع لزماني غير بقمر ليلة ٣٠.. لكن للأسف القوة الخفية اللي معايا ضعفت جدًا وبتقل يوم عن يوم.. وبتقل أكتر لما بستخدمها.. عشان كده ما حاولت أستخدمها خالص الفترة اللي فاتت.
وعادت ابتسامتها الصادقة ونظرت لوجه "ليلة العيد" المصدوم مما تسمعه وقالت:
_ لكن بالبقايا دي مش هتردد أبدًا أني أساعدك بيها.
رددت ليلة بعض الكلمات وقالت:
_ القرن التاسع عشر قبل الميلاد يعني الملك أمنمحات الثالث.. سادس ملوك الأسرة الـ ١٢.. الدولة الوسطى ووالده سنوسرت الثالث.
رفعت "لوتس" يدها لقلبها بالتحية الملكية عندما ذكرت ليلة اسم الملك وقالت:
_ آمون.
نظرت لها ليلة بذهول وحاولت أن تصدق ما تراه عينيها، لا يمكن أن امرأة فرعونية من سلالة النبلاء في المملكة تخرج من خيالها المهووس بالفراعنة وتقف أمامها هكذا!
وخرجت ليلة من أفكارها على صوت صريخ "شاهندة" وهي تخبر أمها ما حدث، وانتبهت أيضًا لصوت أقدام تقترب، فعادت "لوتس" لشكل القطة بأقل من الثانية، وذلك عندما دخلت سميرة بوجه ممتقع وتهتف بعصبية:
_ أنا لازم أتصرف في القطة دي بالذات بعد اللي بنتي شافته منها... القطة دي لابسها جن.
ماءت القطة بصوت عالٍ جعل سميرة ترتجف خوفًا منها وتردد:
_ أعوذ بالله.. اللهم احفظنا.
تمتمت "ليلة العيد" بخفوت:
_ اللهم احفظهم كلهم في ثلاجة الموتى.
وعادت لخالتها قائلة:
_ مافيش حاجة حصلت من اللي شاهندة قالتها، ما أنا واقفة أهو ما سمعتش حاجة.
بدأت تشك سميرة بما قالته ابنتها، ريثما أن ليلة تبدو طبيعية وثابتة تمامًا وتكذب الأمر أيضًا، ولو كان مثل ما قالت شاهندة لكانت ليلة الآن فاقدة للوعي من الهلع!
فذهبت سميرة من غرفة ليلة دون إضافة المزيد. بينما أسرعت ليلة للباب وأغلقت من الداخل بالمفتاح حتى لا يتسنى لمخلوق اقتحام جلستها مع تلك الأميرة الفرعونية.
وعادت "لوتس" لشكلها البشري من جديد. ثم وقفت أمام مرآة الغرفة تتفحص مظهرها قائلة بأشتياق:
_ وحشني أوي حات.. ووحشني القصر.
نظرت لها ليلة العيد ورفعت كعادتها نظارتها أعلى عظمة أنفها وقالت وهي تنظر لها بإعجاب:
_ أنتي جميلة أوي أوي يا لوتس.. بس إزاي بتقوليلي أنك بتعتبريني زي بنتك يا مزة أنتي... ده أنا اللي ماما.
ضحكت "لوتس" من قلبها وقالت بعد ذلك:
_ أنا مش بنت مراهقة يا ليلة العيد.. أنا سني ٤٨ سنة.. يعني فعلًا أنفع أبقى أمك.. لكن الكل أتفق أن سني مش باين عليا، يعني بالكتير شكلي يدي في العشرينات.
اتفقت ليلة مع هذا الرأي، وقالت:
_ لما جيتيلي في الحلم مكنتيش بالجمال ده.. بس إزاي جوزك يخون واحدة زيك كده؟
اختفت تعابير المرح من وجه "لوتس" وقالت بمرارة:
_ متأكدتش من خيانته.. بس مجرد الظن كان هيموتني من القهر.. أنا بعشقه، والمفروض أن هو كمان بيعشقني.
سرحت ليلة العيد بخيالها وتساءلت بفضول شديد:
_ يا ترى عامل إيه دلوقتي من غيرك.
تنفست لوتس بعمق وقالت:
_ منتظرة أشوف رد فعله لما أرجع.
انتبهت ليلة العيد لشيء وسألتها:
_ أنتي عرفتي تتكلمي بالعامية المصرية كده بسرعة إزاي؟
أجابت لوتس بثقة:
_ مش صعبة.. وبعدين في كلام كتير لسه باقي من اللغة القديمة.
جرى بفكر ليلة شيء واضيق عيناها بشك قائلة:
_ أتمنى ما يكونش مقابلة الشغل واللي حصل فيها النهاردة أنتي اللي وراه؟
اقتربت "لوتس" منها ووقفت أمامها قائلة باعتراف:
_ أيوة أنا.. وكان لازم ده يحصل، وإلا كانت هتضيع منك الفرصة دي.. وأنا وجودي هنا معاكي مش هيطول ومش هبقى جنبك أدعمك يوم ما تجيلك فرصة تانية.
اعترضت "ليلة العيد" وقالت:
_ بس ده غش!! يعني خدت موافقة إجبارية من المدير!
صححت "لوتس" الفكرة وقالت بتأكيد:
_ مافيش إجبار ولا ده غش.. أنتي هتشتغلي شغلانة بسيطة جدًا على ما تقدري تكملي دراستك بتعبك ومجهودك.. وبعدين تثبتي نفسك لأنك أحق حد بالوظيفة دي.. يبقى فين الغش؟
احتارت ليلة وقالت بقلق:
_ خايفة من اللي جاي.
ابتسمت لوتس لها بحنان واقتربت منها قائلة:
_ متخافيش.. وبالنسبة لفلوس دراستك برضه ما تقلقيش هعرف أتصرف.
تصبغ وجه ليلة بالحرج وما عادت تعرف كيف تقول.
***
وباليوم التالي استيقظت "ليلة العيد" على وجه "لوتس" المبتسم بحماس، وقالت وهي تسحبها لتنهض من الفراش قائلة:
_ جبتلك رزمة فلوس كبيرة.
شهقت ليلة عندما رأت هذا المبلغ الكبير بين يديها، وسألتها بشك:
_ جبتي الفلوس دي منين؟
لم تخبرها "لوتس" بالحقيقة، ولكنها قالت بمواربة:
_ هو مش أنا معايا بقايا قوة خارقة وكده، فأكيد يعني مش صعب أجيبلك الفلوس دي.. خديها وخبيها وشوفي مصاريف جامعتك ودراستك.. وكمان جيبيلي شوية هدوم بدل هدومك دي.
قطبت ليلة العيد جبينها وهي ترتدي نظارتها السميكة بتكشيرة:
_ مالها بقا هدومي!
قالت لوتس بغيظ:
_ وحشة ومش لايقة على سنك.. أنا عارفة أنك بتحبي الواسع والطويل، لكن في برضه واسع وطويل وشيك!
نظرت ليلة للمبلغ بفضول وقالت:
_ يا ترى كام المبلغ ده؟
أجابت لوتس بحماس:
_ بعملتكم.. ٢٠٠ ألف جنيه تقريبًا.
فغرت ليلة فاها من الصدمة، فضحكت لوتس عليها وقالت وهي تغلق فم ليلة المفتوح:
_ اتبسطي وأفرحي وأشتري اللي نفسك فيه كله.. الفلوس دي بتاعتك، مش بتاعة حد.. دي هديتي ليكي.
نظرت لها ليلة بذهول، ثم نهضت وهي ترمي بين ذراعيها بدموع وقالت:
_ مش عارفة أقولك إيه.. أنا...
قاطعتها لوتس بحنان:
_ أنتي تحضري نفسك عشان النهاردة أول يوم شغل.. وبعد الشغل هتروحي تشتري هدوم كتير هتحتاجيها.
***
وبالشركة السياحية...
دخل "هاكان" المبنى وخلفه اثنان من رجال الحراسة ذوي البنية الضخمة. وتوجه نحو المصعد مباشرةً، وتوقف حينما رأى تلك الفأرة تقف وهي تضم حقيبتها وتقف أمام باب المصعد الخاص به. أغمض عينيه بنفاد صبر وقرر أن يتخذ ذاك الإجراء الحاسم معها ويرفض عملها هنا وإذا لزم الأمر سيطردها أيضًا.
وحينما تقدم للمصعد وقف خلفها وقال بعصبية:
_ يا آنسة...؟
قالت "ليلة العيد" ولم تهتم لأن تعرف حتى من صاحب الصوت:
_ هطلع أنا الأول وبعدين أبقى اطلع بعدي، وأصلا في أسانسير تاني ولا ده عليه شيكولاته؟
ضيق "هاكان" عينيه بذهول وقال:
_ أنتي بتكلميني أنا..؟
أومأت ليلة العيد رأسها بالتأكيد دون أن تستدير وتنظر له، فاستشاط "هاكان" غضبًا ورفع يده وأدارها من ذراعها بالقوة لتواجهه بوجه محتقن من العصبية. فشهقت ليلة ونظرت لقبضة يده التي تقبض على ذراعها بعنف، ولم تشعر وهي تدوي على وجهه بصفعة من اليد الأخرى نظرًا لما فعله وتعديه لحدودها بهذا الحد الخطر!
رواية مديري مستر فرعون الفصل الرابع 4 - بقلم رحاب ابراهيم
توقفت عقارب الساعة عندما حدج فيها "هاكان" بنظرة نارية وأصابع يده تتحسس موضع الصفعة.
توقفت أزواج العيون عليهما بانتظار بركان سيثور بعد قليل.
جف ريق "ليلة العيد" بوجه شاحب كالأموات ودقات قلبها تدق بجنون وهي لا تعرف كيف فعلت ذلك.
ولكنه تعدى حدوده فعليًا عندما لمس ذراعها بقوة وغرور، ظنًا منه أنه يحق له أن يعنف الجميع دون محاسبة للخطوط الحمراء.
نظراته التي تنذر بقرب وقوع كارثة حتمية تقول أنه رجل اعتاد أن يأمر فيطاع.
لا مجال للجدال ولا مناقشة ولا حتى مساحة للتفكير في قاموسه.
زم "هاكان" شفتيه بغضب شرس، وتلك المرة قبض على ذراعها مرة أخرى بقوة وعنف حتى جرها لخارج المبنى أمام مرأى الجميع.
ثم دفعها طردًا حتى سقطت نظارتها الطبية ولم تستطع أن ترى أين دُفعت.
وهتف بصوت عالٍ غاضب:
"ده مكانك.. الشارع، وكده كده كنت ناوي أطردك، بس أنتي اللي قررتي تتهاني بعد اللي عملتيه ده."
رماها بنظرة احتقار ثم عاد للداخل مرة أخرى.
تيبس جسدها بلا حراك وهي تقف أمام المبنى والجميع أعينهم مسلطة عليها في شفقة ونظرات أخرى ملوثة بالازدراء.
ارتفعت أجراس الألم بقلبها وانهمرت دموعها على خديها قهرًا.
حمدت للحظة سقوط نظارتها حتى لا ترى نظرات الشفقة في أعين الآخرين.
لم تستطع سؤال أحدهم عنها، فيكفيها ما تلقت من إهانة وسخط.
مضت "ليلة العيد" في الطريق ببكاء وخطواتها بطيئة يائسة من كل شيء في الحياة.
لا يبدو أن شيئًا سينصفها في هذا الكون الشاسع، هكذا سرى بعقلها وهي تبكي بحرقة وتقريبًا لا ترى شيئًا حولها بعينيها القصيرة النظر.
شعرت أنها ستسقط مغشيًا عليها، فتحامت بجسد شجرة ضخمة يحاوطها فراغ صغير دائري به حشائش خضراء.
جلست أسفلها "ليلة" واغتنمات فرصة بعدها عن الأنظار وظلت تبكي بحرقة وحدها.
وفجأة شعرت بيد تربت على كتفها بمواساة، فشهقت بالبكاء أكثر وكأنها توقعت الأمر.
وبلحظات كانت "لوتس" تجلس أمامها بزي معاصر حتى لا تلفت الأنظار إليها.
وقالت بقلق:
"جيت أشوفك عملتي إيه لقيت المدير بيزعق وجايب سيرتك.. ما فهمتش اللي حصل بالضبط.. بس كويس إني لقيتك.. حصل إيه؟!"
انتفضت "ليلة العيد" بالبكاء وأخبرتها ما حدث.
فضيقت "لوتس" عينيها بشرر وغضب ثم هتفت بتوعد:
"بقا كده.. طب يستحمل بقا اللي هيحصله!"
منعتها "ليلة العيد" وقالت برفض وهي تبكي:
"مش عايزة أروح هناك تاني، ما تتعبيش نفسك.. كفاية اللي حصلي قدام الناس النهاردة."
اعترضت "لوتس" بغضب شديد وقالت:
"أنا اعتبرتك بنتي.. وأنا بنتي عمري ما هسمحلها تكون ضعيفة كده أبدًا.. أنا هعرف أرجعك بطريقتي وهتثبتي نفسك يا ليلة.. وهترجعي وهتشتغلي وفي الشركة دي بالذات بقا.. ده هيكون تحدي أكبر ليكي عشان تحققي اللي بتحلمي بيه."
نظرت لها "ليلة العيد" ببكاء وضعف ثم قالت:
"الحياة تعبتني أوي.. حاسة إني مابقتش قادرة أعافر وأحلم، حاسة إن جناحي اتكسر.. أنا بنت أحلامها بسيطة أوي.. بس الدنيا مش سيباني في حالي.. كل ما أجي ألاقي أمل عشان أحلم ببكرا لازم يضيع!"
ربتت "لوتس" على يدها بحنان وقالت بعينين مليئتين بالمحبة:
"الحياة زي ما بيقولوا فرص، وفرصتك جتلك.. صحيح فيها شوية عقبات بس محلولة.. أوعي تضيعيها منك.. أوعدك إنك هترجعي وهتشتغلي وهتكملي.. وأنتي عليكي تجتهدي."
كانت عينا "ليلة العيد" مليئتين بالحزن والتيه.
فشعرت "لوتس" أن عليها أن تسرع التصرف في الأمر، فنهضت قائلة بإصرار:
"هغيب شوية وهرجعلك تاني.. خليكي هنا لحد ما أرجع مش هتأخر."
***
ظل "هاكان" في مكتبه صامتًا صمتًا مخيفًا.
كان يزفر بغضب شديد وعيناه السوداء ناظرة للفراغ كلما تذكر صفعة تلك الفأرة أمام موظفين الطابق الأرضي.
انتبه لصوت نقر على باب المكتب وسمح بالدخول.
حتى ظهر حارسه الشخصي متسائلًا:
"أستنى حضرتك؟"
رد "هاكان" بعصبية:
"لأ أمشي."
نظر الحارس لما بيده بتردد ثم قال وهو يضع نظارة طبية على مكتب "هاكان":
"النظارة دي بتاعة البنت اللي..."
حم حم الحارس بتوتر ثم تابع:
"بتاعة البنت اللي حضرتك طردتها، هي وقعت على الرصيف وعلى ما روحت أجيبها كانت البنت اختفت.. الحقيقة كنت محتار أعمل بيها إيه، فقولت أسلمها لحضرتك."
حدجه "هاكان" بشرر وفهم ما يرمي إليه.
فيبدو أن الحارس قد استخدم تلك الوسيلة لكي يحث هاكان على تأنيب ضميره.
فأشار له "هاكان" أن يغادر المكتب ويذهب.
وبعد قليل تسربت نظرة هاكان للنظارة الطبية وتردد أن يلمسها للحظات.
ولكنه بعد برهة أخذ النظارة وتمعن بالنظر فيها وأدرك أن تلك الفتاة تعاني من ضعف شديد في النظر.
وتذكر كيف جرها بعنف لخارج المبنى كالقمامة وبدأ يشعر بالفعل بوخزة تأنيب لضميره.
شرد لبعض الوقت حتى استأذنت "منة" سكرتيرته بالدخول وظهر على وجهها الضيق.
فقالت بشجاعة:
"في كلمتين عايزة أقولهم لحضرتك يا فندم.. بس قبل ما أقولهم عايزة أعرف ده هيأثر على شغلي ولا لأ؟"
تنفس "هاكان" بعصبية وهو يعرف مسبقًا ماذا ستقول.
فقال عنها بحدة:
"بصرف النظر أن أي رأي هتقوليه في أي شيء مش هيأثر على شغلك، بس مش عايز أسمع سيرة البنت دي تاني هنا.. وإلا هتحصليها."
صمتت "منة" ويبدو أنها ستنفجر من الكبت.
فأشار لها "هاكان" أن تخرج من مكتبه.
وبالفعل خرجت "منة" وهي تنفخ بعصبية.
ولكن قبل أن تغلق "منة" الباب، دخلت تلك القطة الغريبة الأطوار مجددًا إلى مكتبه.
ولم ينتبه "هاكان" بادئ الأمر.
ذهب للنافذة ليستنشق هواءً نقيًا، حتى استوقفه رؤية تلك الفتاة وهي جالسة أسفل شجرة بحديقة جانبية للشركة وتبكي بقوة.
أطرف عينيه وحاول أن يتجاهلها تمامًا ولكنه توقف عندما استندت تلك الفتاة ونهضت وكانت تبدو أنها تريد السير.
ولكن مع عينيها المتورمتين بالبكاء ودون نظارتها أيضًا يبدو الأمر شاقًا عليها.
وذلك عندما تعثرت بحجارة صغيرة بالأرض وكادت أن تسقط أرضًا.
فنظر للنظارة الطبية ثم إليها وفكر سريعًا في شيء.
حتى خرج من مكتبه وهو يركض تقريبًا.
وقفت "لوتس" في هيئة القطة وقالت بغيظ مستغلة فراغ المكان:
"نفذ بجلده مني.. كنت هكهرب شرايين مخه دلوقتي.. بس وراه وراه."
***
مسحت "ليلة العيد" يدها الملطخة بالوحل بمنديل ورقي.
وأطرف عينيها بقوة بمحاولة أن تنقي الرؤية حولها ولو قليلًا ولكن هيهات.
فأصبحت الرؤية ضبابية تمامًا ولن تستطيع السير هكذا.
فقالت بضعف ودموع:
"أنتي فين يا لوتس؟"
أغمضت عينيها بضعف شديد، حتى شعرت بشيء يوضع على عينيها فجأة.
انفجر جفن "ليلة العيد" خلف نظارتها وأخيرًا استطاعت أن ترى أمامها.
ولكن تجمدت عندما وجدت "هاكان" يقف أمامها صامتًا تمامًا، ولا يبدو عليه أي ملامح للغضب.
أبعدت عينيها المليئتين بالدموع عنه وقالت بصوت متهدج:
"أنت عاقبتني على القلم، بس مسألتش نفسك أنا عملت كده ليه.. ما هو أكيد مش هسمح لحد يمسكني من دراعي بالطريقة دي وهقف ساكتة.. مش ندمانة ولو اتكرر الموقف هعمل كده تاني.. ولو على الشغل فأرض الله واسعة، ولو على حلمي فهاعرف أحققه في أي مكان هروحه."
ثم نظرت له بحدة وهتفت وهي تبكي:
"أنت شخص مغرور.. مش بتسمح لحد أنه يفكرك أنك إنسان."
"خلصتي..؟"
أجفلت "ليلة العيد" من رده ولم تفهم.
فوضع يده بجيوب بنطاله في ثبات وثقة عالية ثم أضاف بنظرة لم تطمئنها:
"شغلك في الشركة هيبدأ من ٧ الصبح.. لما تيجي بكرة هتعرفي وظيفتك الجديدة."
ورماها بنظرة ساخرة وذهب من أمامها بمنتهى البساطة.
وأتت إليها "لوتس" بهيئتها البشرية ووجدتها فاغرة فاها من الذهول.
فسألتها بقلق:
"هو بيعمل إيه هنا؟"
أشارت لها "ليلة العيد" وقالت بصدمة:
"أنتي أقنعتيه إزاي إنه يجيلي ويرجعني الشغل؟"
وهذه المرة شهقت "لوتس" بصدمة، ثم قالت:
"وغلاوة حتحوتي عندي ما جيت جنبه!.. ده مشي قبل ما أعرف أسيطر على مخه!.... بس ملحوقة."
ضيق "ليلة العيد" عينيها بذهول وقالت:
"يعني هو جاي كده من نفسه؟!"
صمتت "لوتس" للحظات ثم قالت لـ "ليلة" بابتسامة خبيثة:
"تخيلي!.."
لم تفهم "ليلة العيد" الأمر، بينما تمتمت "لوتس" بكلمات وهي تبتسم بخبث.
***
بحي شعبي فقير.
وقف شاب عملاق ضخم البنية كأنه مقاتل شرس من العصور الوسطى برداء انتقاه ليناسب هذا العصر ولا يلفت الأنظار إليه.
وارتسمت على ملامحه شديدة الجاذبية الصمت المطبق.
لا أحد يستطيع قراءة تلك التعابير المجهولة مهما اجتهد.
نظر بعينيه الواسعتين الزرقاوين رغم سمرة بشرته التي لوحتها الشمس، وتمعن في البشر حوله بدقة.
يبدو أن العصر الحديث ما زال محتفظًا بالملامح المصرية الجذابة ولم يطمس تميزها وجمالها.
سار بخطوات هادئة وهو يفكر أين سيقضي مهمته حتى يجد شقيقته "لوتس".
حتى استوقفه على بعد خطوات تجمع عدد غفير من الناس ويرتفع من بينهم صوت أنثوي عال وصارخ.
تقدم "سركن" نحو الصوت غاضبًا وظن أن ربما هناك امرأة تطلب المساعدة وتستغيث بمن حولها.
ولكنه تفاجأ بفتاة تصرخ وتصيح بخصلات شعرها السوداء الطويلة والغجرية، وترفع يدها القابضة على حذائها وتهبط على رأس أحد الرجال بغيظ:
"بقا يا راجل يا ناقص يا جوز الأربع نسوان ناططلي في كل حتة وعايز تماشيني وفاكر إني هكش وأخاف وأتهدد!... حوش حوش."
وشهقت "شقاوة" شهقة عالية وتابعت:
"عارف أنا مين يلا؟... أنا شقاوة يا حيلتها، يعني أشقيك وأحشيك وأتغدى بيك.. ورحمة جوز أمي اللي نفسي يفلسع لو شفت وشك تاني لهخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك."
"ما هذا..؟!"
وجه "سركن" السؤال لها مباشرةً وهو ينوي أن يبعدها تمامًا عن هذا الشجار الغير لائق أن بداخله امرأة.
بينما شهقت "شقاوة" بغضب ونظرت له بعينيها السوداوين قائلة بعصبية:
"ماذا هذا وذاك يا خويا؟!!.. ما تتكلم عدل في نهارك ده!!... انت جاي من سوق الجواري يا جدع انت!!"
ضيق "سركن" عينيه بغضب خطر وهمس بصوت خافت:
"من هذه التي تتحدث مع قائد الجيوش 'سركن در مون' بهذه الطريقة الوقحة!!"
نظرت له "شقاوة" بتعجب، فهي أمام هذا العملاق مثل القطة أمام الفهد.
فهمست له صديقتها "سماح":
"ما تستفزيهوش انتي مش شايفة منظره عامل إزاي؟! ده لو كح هيبلعنا كلنا!"
اقتربت منه "شقاوة" وهتفت بغيظ:
"هعلي صوتي وأعمل اللي أنا عايزاه كله، وأي بغل في الحتة هيتعرضلي بشبشي وعلى نفوخه.. أنا رقاصة آه بس تبت.. وعهد الله توبتي"
بدأ يفهم "سركن" سبب هذا الشجار بأكمله.
فنظر لعينيها السوداوين بصمت للحظات، ثم اقترب لها قائلاً بنظرة غامضة:
"لدي ملاحظة على عينيكِ.. أيتها الشرسة."
ورماها بنظرة جعلتها تقف متجمدة للحظات وهي تنظر له بصمت.
وعندما اختفى من أمامها قالت "شقاوة" بابتسامة:
"يلااااهوي."
استفسرت "سماح" وقالت بعدم فهم:
"ملاحظة إيه دي ياختي؟.. أنتي مش غاسلة وشك يابت؟!"
ضربتها "شقاوة" على كتفها بضحكة ثم قالت:
"اكتبي يابت.. ده كلام بالنحو ما يفهمهوش اللي زيك."
وأضافت "شقاوة" بنظرة شاردة تتفقد خطواته المبتعدة:
"ده باين في فيلم هيبدأ يابت وقصة حياتي هتبتدي."
لوت "سماح" فمها بسخرية:
"وهيحتووا قصة حياتك ليه يا أوخة.. كنتي الملكة ليزابسة؟!"
ردت "شقاوة" بثقة:
"أحلى وأهم حياتك.. أما نشوف بقا إيه الحكاية!"
***
وأتت ساعات الليل.
وتمددت "شقاوة" بفراشها الذي يتوسط غرفة صغيرة على أسطح إحدى المباني القديمة.
وابتسمت كلما تذكرت نظرة ذلك الرجل الغريب.
لأول مرة تشعر بدقة القلب هذه وهي الفاتنة الذي ارتمى تحت قدميها أثرى الرجال لمجرد نظرة منها ومحادثة.
فتنهدت بعمق وقالت:
"ده مين ده؟.. شكله غريب عن الحتة وناسها، لأ.. ده شكله غريب كله كده على بعضه، بس عليه حتة نظرة عصرت قلبي عصر."
وضحكت عندما سمعت نفسها تقول ذلك، فنهضت مرة أخرى وتوجهت لمرآة الغرفة وهي تنظر لنفسها بتمعن.
وقالت بابتسامة وزهو:
"إن كان هو سيد الرجال فأنا البت شقاوة.. اللي كل ما دا بتزيد حلاوة."
وذهبت لخزانة ملابسها الصغيرة وانتقت منه فستاناً أحمر وقررت أن ترتديه الآن حتى لو كانت ستمكث بغرفتها.
وبدقائق كانت بدلت ملابسها وارتدت ذلك الفستان الأحمر المحكم تمامًا حتى منطقة الخصر ثم يتسرسل واسعًا حتى الذيل.
وفردت شعرها الغجري الأسود الطويل مع لمسات صارخة من مرطب الشفاه.
وابتسمت بزهو وهي تقول:
"كتري يابت من الروج كتري.. هو أنتي يعني هتخرجي كده من أوضتك ولا مخلوق هيشوفك! .. أهو تتبسطي شوية."
ومضغت العلكة بفمها بضحكة وهي تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة.
حتى انتبهت لصوت طرقات على باب غرفة السطح وكأن أحدهم سيكسره.
فانتفضت بخوف للحظات وقالت:
"مين اللي بيخبط؟!"
نطق بيومي "زوج أمها" وصاح بصوت عال:
"افتحي يابت والا هكسر الباب على نفوخك!"
أخذت "شقاوة" نفسا عميق بعصبية ثم ذهبت وفتحت الباب وهي تصيح بشراسة:
"تكسره على نفوخي ليه إن شاء الله.. ليك عندي إيه يا بيومي ولا عشان اعتزلت وبت من الشغلانة السودة اللي جبرتني عليا من يوم ما اتلف عودي!"
نظر بيومي لمظهرها المغري وقال بنظرة ماكرة:
"يابت يا عبيطة، آآه لو تسمعي كلامي.. ده الباشا إياه حفر وراكي ورايدك في الحلال وهيغرقنا كلنا فلوس وعز.. ولا أنتي عاجبك الفقر والضنك ده؟!"
دفعته "شقاوة" ليخرج من الغرفة بعنف وصاحت بتهديد:
"والله لو ما مشيت من قدامي وغورت بعيد عني ما حد هيخلصك من إيدي!"
برقت عين "بيومي" بخطر وصاح مناديًا على رجلين، واضحت نيته ظاهرة أنه سيأخذها بالإجبار أن لم تأت معه برغبتها.
فصرخت "شقاوة" وهي تدفع الرجلين بيديها وقدميها حتى يبتعدا عنها، ولكنها لم تستطع صد قبضتيهما الشديدة على يدها.
فصرخت مجددًا تستغيث بالجيران، فضحك بيومي بسخرية وقال:
"ومن إمتى حد بيقدر يقف قدام بيومي يابت نعيمة."
بصقت "شقاوة" ريقها بوجه بيومي وهي تبكي وتلفظه بأشد الشتائم والتصقت خصلاتها الغجرية بوجهها المتعرق.
وتردد صدى صوتها الصارخ حتى اندفع أحد الرجلين بضربة جعلت قلبه سيتوقف من شدتها، بينما الآخر وجد نفسه محمولًا على يدان صلبتان ويندفع بعنف على الأرض لمسافة بعيدة.
واستدارت "شقاوة" لطوق النجاة الذي أغاثها لتجده ذلك الغريب.
ابتسمت بوجهها الغارق بالدموع له، بينما وجه "سركن" كان أيقونة وكتلة من الغضب وهو ينظر لـ بيومي المصدوم مما حدث بلحظات سريعة ولم يستوعب الأمر.
فجر "سركن" بيومي من ياقة قميصه وصاح بشراسة:
"لو لم يكن ذلك الرأس اللعين يمتلئ بالشيب لكنت الآن تلفظ أنفاسك الأخيرة أيها الحقير القذر.. ولكن يداي لن تلطخ أبدًا بدماء العجائز!"
رد "بيومي" بعدم فهم:
"كلام مقنع.. بس مش فاهمه!"
تلقى بيومي صفعة قاتلة من يد "سركن" جعلته يسقط أرضًا ويتلوى من الألم، حتى صاح "سركن" فيه وهدده بشراسة:
"لو اقتربت منها مرة أخرى سأقتلع عيناك من محجرها."
شعر بيومي بالخوف منه وركض هاربًا بعدما فر من معه من الرجال.
وتحسست "شقاوة" معصمها إثر قبضة الرجلين منذ قليل.
فسألها "سركن" باهتمام:
"أتؤلمك يداك؟"
رفعت "شقاوة" عينيها لعينيه بنظرة طويلة وابتسامة، ثم قالت وهي تائهة تمامًا بعينيه الزرقاوين الساحرتين:
"أنت مين يا جدع أنت؟"
نظر لعينيها الجميلة "سركن" بشرود لبعض الوقت ثم قاوم شيئًا في نفسه وقال بثبات:
"ليس من شأنك."
ووقعت عيناه رغما على ردائها الأنثوي حتى سحب نظراته بعيدًا وقد كافح لذلك.
ثم ابتعد عنها قائلاً بحدة:
"لا تجعلي رجلاً يراكِ هكذا مرة أخرى.. وإلا سأرتكب جريمة."
اتسعت ابتسامتها وقالت:
"بتتكلم بالنحو بس تمام.. عجباني اللغة، بس هو يعني ماله شكلي.. ما أنا قمر أهو."
تمتم بخفوت وبعصبية:
"وتلك الأزمة!"
استفهمت "شقاوة":
"بتقول إيه؟!"
رد بصرامة وهو يبتعد ويشير لها:
"لن أنبهك ثانيةً.. أحذرك مني."
وعندما هبط على السلم ظهرت ابتسامة "سركن" وهو يبتسم ويقول:
"قطعة من القمر.. قلبي بمدينة غير آمنة."
رواية مديري مستر فرعون الفصل الخامس 5 - بقلم رحاب ابراهيم
وعندما هبط على السلم ظهرت ابتسامة "سركن" وهو يبتسم ويقول:
_ قطعة من القمر .. قلبي بمدينة غير آمنة.
انفرجت ابتسامة على شفتيها، ثم هتفت قائلة وهي تركض لتسأله قبل أن يخرج من المبنى القديم:
_ صحيح هو أنت اسمك إيه يا أخينا؟
توقف "سركن" عند إحدى درجات السلم الأخيرة بالطابق الأرض، ثم رفع عيناه الزرقاء لها مجيبًا بابتسامة لمعت فيها أسنانه البيضاء اللامعة:
_ المرة القادمة عندما نلتقي سأخبرك.
وما جعلها تتجمد هي تلك النظرة الساحرة بعينيه الذي ختم لقاءه بها قبل أن يخرج من المبنى. ابتلعت شقاوة ريقها وتنفست بعمق وضربات قلبها تكاد مسموعة لها. وقالت بأنفاس متسارعة:
_ لا يابت يا شقاوة أهدي كده .. أهدي يخربيت ده إحساس بحسه قدامك يا دي الجدع .. ده أنا لسه شيفاك من كام ساعة!
هتفت صديقتها "سماح" فجأة:
_ حصل إيه يا شقاوة؟
شهقت شقاوة من الفزع وصاحت بوجه صديقتها:
_ يخربيتك يا سماح .. خضتيني يابت!
نظرت لها سماح بنظرة ضيقة ماكرة وسألتها بخبث:
_ هو الجدع اللي شبه البرج ده كان بيعمل إيه يابت على السطح السعادي؟
لوت "شقاوة" فمها بسخرية وأجابت:
_ جه على صريخي ياختي، جه ونجدني من بيومي والصيع اللي معاه .. بيومي النتن كان عايزني أرجع للرقص تاني، وأنا ياختي توبت .. وعهد الله توبت.
واستطردت بنظرة حالمة وتمنّي:
_ توبت ونفسي أداري في ضل راجل يحميني من الدنيا .. راجل بجد، راجل الناس كلها تخاف منه وتعمله ألف حساب .. راجل يملا العين والقلب وأتشحتف عليه لو غاب عني يوم .. وما يسبنيش لبيومي اللي مرمطني في الكباريهات من صغري، كان بيبيعني عينك عينك زي حتة اللحمة .. ولولا ستر ربنا في كل مرة كان زماني ضيعت من زمان.
وكزتها سماح بغمزة خبيثة وهمست:
_ راجل زي الراجل البرج بتاعك ده.
ابتسمت "شقاوة" بنظرة مليئة بالدفء وقالت:
_ الراجل بتاعي، يسمع من بوقك ربنا ياختي .. ده شقاوة اللي وقع عند رجليها أحسنها رجالة ولا عبرتهم قلبي بقى زي الطبل من بصة واحدة لعنيه ... جاي منين ده! .. حتى كلامه كله بالنحو زي ما يكون مدرس عربي معتمد .. مش كده يبقى معتمد أسماح؟
أكدت سماح:
_ معتمد ونص ياختي.
تطايرت خصلات شعرها الغجرية وهي تتحرك نحو سور السطح بخطوات شاردة والابتسامة لا تزال على شفتيها وقالت:
_ ربنا يحرسك لشبابك يا دي الجدع يا اللي معرفش اسمك.
واستندت بيدها على السور وانفرجت شفتيها بابتسامة ظهرت غمازتيها عندما وقعت نظرتها على "سركن" الجالس على الرصيف المقابل لمنزلها وينظر لها بابتسامته المهلكة هذه واكدت:
_ بس هعرفه .. وعزة جلالة الله لأعرف اسمك، وهناديلك بيه.
قالت سماح بتفكير:
_ شكله يدي على فتحي .. أو شوكت.
ضحكت "شقاوة" وقالت بعاطفة شديدة بعد ذلك:
_ لو على شكله فهو زي ما يكون كده أمير ولا سلطان .. قيمة وسيما والله ... مش مهم اسمه، أن شاء الله يكون اسمه عبد الجليل.
همست سماح قائلة بتمنّي:
_ يارب يكون عنده أخوات.
نظرت لها "شقاوة" بغيظ وهتفت:
_ أنتي لاضمة معايا في أي سكة يا سماح؟ ... ياختي فوكي الخيط وسبيني أدخل دنيا لا أرى فيها سحنة من سحنتكم.
ثانية كده ...
سألتها سماح باهتمام:
_ إيه؟!
أجابت شقاوة بابتسامة:
_ يلااااهوي .. بقيت بتكلم بالنحو زيه.
***
بقصر كبير .. ملك عائلة "هاكان كمال الريان"
التفت الأسرة المكونة من أربعة أفراد حول مائدة العشاء، وعندما انتهى الخدم من إتيان كافة الأطباق الشهية، حركت الأم "نورمان" معلقتها في طبق حساء دافئ وألقت نظرة عميقة على ابنها "هاكان" الذي بدأ يتناول وجبته بروتينه الخاص وهو ارتشاف عصير البرتقال الطازج الخالي من السكر تمامًا. وقالت بلهجة مصرية عامية جيدة نوعًا ما نظرًا لأصلها التركي:
_ لورا وأمها هيحضروا بعد ساعة .. أتمنى تقعد معانا وترحب بيهم.
كتم رشاد ضحكته الساخرة، بينما ابتلع "هاكان" ما بفمه ثم انتظر للحظات وبعدها قال بلا مبالاة:
_ لو كنت فاضي هحضر.
تحدث والده "كمال" بأمر وغلظة:
_ لازم تفضي نفسك .. وبعدين أنت بعد ساعة هتكون بتعمل إيه يعني؟ .. هاكان! ... أنا سيبتك في أمور كتير أوي تختار اللي أنت عايزه .. بس المرادي أنا اللي هختار وده شيء مافيهوش نقاش!
تنفس "هاكان" بعمق وحاول أن لا تنفلت أعصابه، فهو مخلوق لا يقبل الأوامر.
فقال بلا اكتراث:
_ بابا .. أنا قبل كده وافقت على طلبك وقولتلك أن الجواز مش رقم واحد في حياتي .. وأني مش مرتبط بواحدة، ويوم ما هرتبط هتكون أكيد بنت مناسبة ليا ولعيلتي .. وقولت برضه أن لورا مش بطالة ومناسبة .. أذن أنا ما رفضتش عشان كل شوية تفتح الموضوع ده معايا .. أحنا خلاص حددنا ميعاد الخطوبة آخر الشهر الجاي .. يعني المفروض دلوقتي نكون بنرتب للخطوبة مش لسه قلقان من موافقتي!
ابتسم "كمال" بسخرية وقال:
_ قلقان وهفضل قلقان لحد ما أشوفك بعيني في الكوشة .. البنت دي بنت أهم شريك ليا ومش مستعد أخسره عشانك .. المشكلة يا "هاك" أنك غامض حتى بالنسبالي أنا أبوك!! .. أول مرة ما أكونش عارف أفهم بني آدم ولا قادر أعرف بيفكر في إيه؟ ... عارف أخوك رشاد رغم أنه صايع ومالوش في الشغل .. بس حافظه وفاهمه وأعرف أحكمه، أنما أنت تحيّر!
التوى فهم "رشاد" بغيظ، ونظر له "هاكان" بنظرة جانبية، ولكن فجأة تذكر التعليق الساخر لتلك الفأرة ذي النظارات على شقيقه بالمكتب واتسعت ابتسامته.
فقال رشاد بغيظ أشد:
_ أضحك أضحك.
وبدأ "هاكان" يتناول عشائه بهدوء شديد، وبعد العشاء ببعض الوقت أعلنت إحدى الخادمات لـ "نورمان" الجالسة بمقعد أمام المسبح بالهواء الطلق:
_ الآنسة لورا وأمها وصلوا يا ست هانم.
نظرت "نورمان" لابنها "رشاد" الجالس قبالتها بمقعد آخر وقالت بأمر:
_ قول لـ هاكان ينزل يستقبلهم معانا.
أطاع رشاد الأمر وصعد للطابق الثاني حيث جناح شقيقه الأكبر "هاكان" والذي بمثابة مملكة خاصة به وممنوع الاقتراب إلا للضرورة!....
نقر "رشاد" على الباب الزجاجي العريض حتى سمح له "هاكان" بالدخول بصوت حاد. وقال رشاد بعدما دخل وألقى نظرة متفحصة لشقيقه الجالس بمكتبته الخاصة المليئة بالكتب النادرة والثمينة في كافة المجالات، ويبدو أن "هاكان" كان يستثمر وقت فراغه في القراءة مثل العادة، فقال:
_ خطيبتك وصلت مع أمها.
لم يبد "هاكان" أي رد فعل ببادئ الأمر وهو ينظر بتمعن بأحد الكتب التاريخية مرتدياً نظارة قراءة برزت وسامته بشدة. فكرر رشاد ما قاله بنفاد صبر. حتى التفت له "هاكان" بنظرة حادة وقال:
_ أطلع وأقفل الباب وراك يا رشاد .. شوية وهنزل.
رماه "رشاد" بنظرة حذرة كأنه يذكّره بما قاله لوالده:
_ ماينفعش تنطش! .. هتجيب لنفسك وجع الدماغ على الفاضي.
نهض "هاكان" من مقعده وبدأ فاتناً وهو يرتدي "تي شيرت" أسود دون أكمام وبنطال قطني رياضي أسود أيضاً برز برونزية بشرته المائلة للبياض. ووضع الكتاب من يده بتقطيبة ثم قال:
_ دقيقتين وهطلع تاني .. الكتاب ده ميتسابش.
أوقفه "رشاد" قائلًا بتعجب:
_ طالما ما بتحبهاش ولا بتطيق تقابلها مكمل في الجوازة دي ليه يا هاك؟ .. أنت هتعيش معاها إزاي وأنت حتى مش عايز تنزل تسلم عليها كام دقيقة وتطلع؟
رد "هاكان" بسخرية وهو يضع يداه في جيوب بنطاله بثقة:
_ حب إيه يا رشاد .. أنا الحب مش فكري أصلًا، وفكرة أني مش طايقها دي فكرة غلط .. هي بس دايمًا بتيجي في الوقت الغير مناسب .. مافيش حاجة اسمها حب وده اللي أنا مقتنع بيه .. الجواز بالنسبالي زوجة تؤدي دورها في حياتي وأولاد.
لم يقتنع رشاد بالأمر وقال بدهشة:
_ الغريب أن كل بنات العيلة شايفينك فارس أحلامهم .. بنات كتير أوي تحلم تاخد حيز من تفكيرك وقلبك .. لكن يا هاك أنت مغرور .. ساعات بحس أنك شايف نفسك خسارة في أي بنت .. عقدة نارسيس .. أتمنى يكون ظني غلط.
عقد "هاكان" حاجبيه ثم قال بحدة كأنه فوجئ بنظرة شقيقه له:
_ خلصت كلامك؟
رد رشاد بيأس بعدما أيقن أن هاكان ينهي المناقشة:
_ تقريبًا.
أشار له "هاكان" وقال:
_ طب يلا ننزل عشان منتأخرش أكتر من كده.
***
تورد وجه "لورا" بحمرة مشرقة وابتسامة مضيئة عندما لمحت "هاكان" يهبط درجات السلم الرخامي.
طالعته بنظرة عاشقة. لم تكن تتخيل أن ذلك الرجل الفاتن سيتقارن اسمها به ويصبحان زوج وزوجة بالقريب. انتفض قلبها بسعادة وهي ترميه بنظرة دافئة. بينما همس "رشاد" لشقيقه "هاكان" وقال بضحكة خافتة:
_ البت واقعة من فوق برج القاهرة في حبك وأنت ولا هنا!
رحب بهما "هاكان" بلطف ثم جلس على مقعد بعيدًا عن الجميع واضعا ساقا على ساق بتجاهل المجلس برمته!
تنفست والدته "نورمان" بغيظ منه وغمزت لولدها "رشاد" أن ينبه "هاكان" للجالستين وينظران له بتعجب كل برهة!
فنهض رشاد وجلس بجانب شقيقه هاكان ضاحكاً:
_ افتكرت حاجة هتموتكم من الضحك .. امبارح جت بنت تقدم على وظيفة في شركتنا وشكلها لوحده انتيكة.
وتابع وهو يقهقه من الضحك ويروي واصفاً ليلة العيد بدقة:
_ لا واسمها إيه تخيلوا ... اسمها "ليلة العيد سعيد رمضان"!
ضحك الجميع بقوة عدا "هاكان" الجالس واضعاً ساقا على ساق ولم ينفرج فمه بأقل ابتسامة ولو بسيطة حتى. فتوجه رشاد نحو شقيقه بمزاح قائلاً:
_ ياريتك كنت قبلتها يا هاك .. دي كانت هتبقى فقرتي الكوميديا المفضلة.
قالت لورا بضحكة:
_ وهي بنت بالمواصفات دي جاية تشتغل إيه في شركة سياحة؟ .. طبيعي تترفض!
مط هاكان شفتيه للحظة ثم قال بثبات وثقة:
_ اتقبلت.
فوجئ الجميع لبرهة، حتى سأله رشاد بدهشة:
_ أنت لما خرجتني من المكتب وسيبتها معاك .. قبلتها بعد كده؟
توجهت "لورا" لهاكان بنظرة حادة وسألته:
_ سابها معاك؟!
ألقى هاكان نظرة جانبية سريعة للورا، كأنه يحذرها أن لا تتعدى حدودها المسموحة لها بالتدخل في شؤونه، وأجاب على تساؤلاتهم بهدوء مستفز:
_ آه اتقبلت .. بنت شاطرة وطموحة وهتكمل دراستها وهتجتهد .. أرفضها ليه؟ ... بالعكس أنا الكسبان.
وسألته "لورا" مجددًا بعصبية:
_ وكسبان إيه بقا؟! .. ومن امتى الشركات بتقبل الموظفين على حسب طموحاتهم مش شهاداتهم؟
وكزتها أمها "تهاني" لكي تصمت ولا تثير غضب هاكان، بينما اشتدت الحدة بعيني هاكان وظهر جلياً كرهه الداخلي للارتباط بتلك المخلوقة المجادلة. وقال ردًا على تعليقها المستفز لشخصه:
_ وقولت أنها شاطرة .. شاطرة يعني مناسبة جداً للوظيفة، ولكن اللي ناقصها الشهادة .. أنا ليا أسلوبي وتفكيري الخاص في شغلي ومقتنع جداً بالبنت دي وهساعدها لحد ما تخلص دراستها.
امتقع وجه لورا بالغضب والغيظ، وابتسمت بسخط وهي تقول:
_ ده واضح أنها عجباك أوي؟!
أجاب "هاكان" بتأكيد وثقة:
_ جداً.
كانت لورا تريد أن تنفجر بوجهه وتقول ما بداخلها، بينما نهض هاكان وقال بابتسامة كأنه أتم مهمته بنجاح:
_ بعد إذنكم .. مستني مكالمة شغل ضرورية.
ولأول مرة ترتاح "نورمان" بمغادرة ابنها هاكان بوجود لورا، ولكن على ما يبدو أنه لو لم يغادر لكان سينشب شجار بينهما لا محال!
فقالت تهاني بعصبية لـ "نورمان":
_ هو ده ترحيب ابنك بينا؟!
اعتذرت نورمان بمبالغة، ثم قالت:
_ هاكان دي شخصيته .. جاد وحاد، لكن قلبه زي السما الصافية .. ما يقصدش أبداً يضايقكم، ده حتى وإحنا على العشا كان بيفكرنا بترتيبات الخطوبة.
هدأت تهاني بعض الشيء، بينما قال رشاد بضحكة وسخرية:
_ ما انتوا لو شوفتوا ليلة العيد دي لورا مش هتزعل أوي كده، دي نظارتها بس تجيب جلطة .. شكلها مبهدل أوي في نفسها، "هاكان" في الأول اتصدم أنها جاية للوظيفة وتقريبًا كان هيطردها... بس يظهر فعلاً أن البنت شاطرة في الشغل وأقنعته في الأنترفيو .. وهاك أخويا مخه كله في الشغل والأفواج والرحلات والفنادق.
هدأت لورا بعد حديث رشاد بعض الشيء، وعادت الابتسامة لشفتيها بالتدريج.
***
عادت "ليلة العيد" للمنزل في ساعة متأخرة ليلاً وبيديها أكياس من المشتريات. كانت تدرك أن لا أحد سيهتم بتأخرها، ولكن حينما دخلت وجدت خالتها سميرة تربت على كتف زوجها وتقول بمواساة:
_ فداك يا خويا .. فداك أي حاجة، المهم أنك بخير ووسط ولادك.
كان الزوج يرمي رأسه بين يديه بكسرة، وتابعت ليلة العيد سيرها لغرفتها دون الاهتمام بما حدث، فلا أحد يشاركها أحزانها كي تشاركهم هي.
بينما قالت سميرة لزوجها وأولادها بتحذير:
_ أوعوا حد يقول للبت دي على الـ 200 ألف اللي اتسرقوا من خزنة المصنع، لاحسن تطمع وتقول ما المصنع بيكسب أهو وهاتوا حقي وندخل في سين وجيم .. لو سألت قولوا أن المصنع جاله فلوس ضرايب ومضطرين ندفعها.
قال الزوج "شوقي" بحسرة:
_ كل ما أجي أكسب وأطلع فلوس وأفرح بيها لازم تيجي حاجة وتضيعها مني .. تقوليش فلوس حرام!
ضربت سميرة على صدرها بخضة واعترضت:
_ تف من بوقك .. قال حرام قال، أومال لو مكنتش بتدي كل واحد حقه على داير المليم .. هو في زيك أنت، ربنا ما يحرمنا منك ومن حنية قلبك.
***
وقفت "ليلة العيد" أمام المرآة تختبر الملابس الجديدة بسعادة. وجلست لوتس تراقبها في بهجة وابتسامة عريضة. حتى قالت بفخر:
_ شوفتي ذوقي حلو إزاي يا ليلة؟
كادت ليلة العيد أن تقفز كالأطفال من السعادة:
_ ذوقك يجنن يا لوتس، من زمان ما اشتريتش لبس كتير أوي كده .. لا وكله تحفة حرفيًا .. أنا مش مصدقة أني اشتريت لبس ب 30 ألف جنيه مرة واحدة .. كويس أنك خبّيتي الشنطة الكبيرة عن عنيهم وإلا كانوا هيستغربوا جبت ده كله منين.
ضحكت لوتس وقالت:
_ استخدمت قوتي وجبتها قدامهم وما شافونيش .. لما تبدأي شغل بقا جيبي بالباقي وهيبقى عندك حجة أنك اشتغلتي.
تسمرت ليلة العيد للحظة، ثم قالت بتوتر:
_ أحنا نسينا حاجة .. أنا ما قولتلهمش على الشغل .. ولو شاهندة عرفت أني اشتغلت في الشركة اللي اتطردت منها هتطين عيشتي .. أنا إزاي ما فكرتش وحسبت حساب كده؟
نهضت لوتس وقالت بدعم وثقة:
_ أنا معاكي، ومحدش هيقدر يمنعك تشتغلي، وإلا أنتي عارفة هحلها إزاي!
نظرت ليلة العيد لها وتدرجت ابتسامتها على ثغرها، ثم ضمتها بعناق حنون وقالت:
_ ربنا يخليكي ليا يارب.
نظرت لها لوتس بابتسامة وعاطفة الأمومة تغزو قلبها.
***
وباليوم التاليــ
استيقظت ليلة العيد مبكرًا جدًا، وذهبت لأخذ دش دافئ، وحينما انتهت وخرجت من الحمام وهي ترتدي كامل ملابسها وحجابها كالمعتاد. وجدت سميرة قد استيقظت للتو ويدها على خدها وتتألم:
_ ضروسي رجعوا يوجعوني تاني، آآآه ياني.
استغلت ليلة العيد الفرصة وقالت لها سريعا:
_ أنا هلبس وأروح الشغل، النهاردة أول يوم ليا.
تأوهت سميرة بألم وصاحت فيها:
_ ياختي ما تغوري في داهية هو أنا ناقصاكي.
ولأول مرة لم تستاء ليلة العيد من هذا الرد القاسي، بل ابتسمت وذهبت لغرفتها لتبدل ملابسها سريعا قبل أن يستيقظ الجميع وتنهمر على رأسها التساؤلات.
وحالما انتهت من ارتداء "بدلة" أنثوية باللون الأسود الفحمي، وقميص أبيض ناصع أسفل المعطف. وأحكمت حجابها الرقيق، وقفت أمام المرآة بثقة وابتسامة عريضة. لا يشوب هذا المظهر سوى تلك النظارة السميكة على عينيها.
وشردت فجأة حينما تذكرت الأمس وهو يضع نظارتها على عينيها وقف أمامها متأملاً وجهها بثبات.
نفضت ليلة أفكارها سريعاً. حتى همست لها لوتس بدعم:
_ خليكي دايمًا فاكرة أهم حاجة .. أنك تستحقي كل خير.
تبسمت ليلة العيد لها بمحبة وسألتها بصدق:
_ كده شكلي كويس؟
صفرت لوتس بإعجاب وقالت بغمزة:
_ كويس جداً جداً .. روحي أنتِ وأنا ورايا مشوار مهم وجاية وراكي.
لم تسألها لوتس لرغبتها في أن تغادر المنزل بأسرع وقت، فحملت حقيبة كتفها وأسرعت الخطا متجاهلة تماماً النظرات الجانبية لخالتها سميرة التي لاحقتها بدهشة وهي متوجهة للخارج.
***
وبالشركة السياحية..
خرجت "ليلة العيد" من سيارة أجرة خاصة أمام مبنى الشركة. وسارت بثقة لم تشعر بها يوماً بنفسها، رغم أن تلك الثقة لا تزال ممزوجة بالقلق والتوتر والشك.
وحينما دخلت المبنى وسارت عدة خطوات وقفت وهي تنظر للمصعد وتذكرت ما حدث بالأمس. فابتلعت ريقها بصعوبة وابتعدت عن ذلك المصعد اللعين ووقفت أمام الآخر الخاص بالموظفين.
وفتح باب المصعد ودخلته، وما كادت أن تضغط زر الصعود حتى دهشت بدخول "هاكان" بملامح وجهه الجامدة مع حارسه الضخمان، ولم يلقي عليها أدنى نظرة حتى.
رفعت نظارتها أعلى أنفها بتوتر شديد ولم تستطع الاعتراض، وتساءلت بخفوت:
_ هو في إيه .. مش المفروض ده بتاع الموظفين؟!
ويبدو أنه قرأ أفكارها، فقال للحارسين بعصبية:
_ هاتوا أي حد للصيانة بسرعة .. مش معقول هستخدم الإسانسير ده؟!
وهنا فهمت ليلة العيد الأمر، فالمصعد الآخر قد تعطل! .. رغماً عنها ضحكت. فألتفت لها "هاكان" بنظرة مهددة ومتوعدة أيضاً عندما لاحظ ضحكتها المتشفية فيه.
حاولت "ليلة العيد" كتم ضحكتها بما لديها من قوة، ولكن انفلتت منها وضحكت بخفوت. ضحكتها جعلت الحارسين يبعدان وجهها عن "هاكان" لكي لا يرى بوادر الابتسامة عليهما! ...
ووقف المصعد أمام الطابق الخامس. وخرج "هاكان" أولاً. ولكنه توقف واستدار لها، بينما كانت ليلة العيد في طريقها لـ "منة" كي تعرف وظيفتها المؤقتة وتبدأ فيها. ولكن أشار لها "هاكان" أن تتبعه حتى مكتبه.
ابتلعت ليلة العيد ريقها بتوتر وسارت خلفه مرغمة، وتحاشت أن تثير استفزازه أكثر من ذلك.
وبعدما جلس "هاكان" أمام مكتبه بكامل هيبته وحضوره الشرس. رمقها بنظرة متفحصة لما ترتديه وابتسم بسخرية وقال:
_ تعبتي نفسك على الفاضي.
لم تفهم قصده ليلة العيد وتساءلت بريبة:
_ مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟
ضيّق عيناه عليها ثم نهض ووقف قبالتها مباشرةً بثقة قريبة للغرور:
_ حضرتك تقصد أن اللبس ده مش مناسب أبداً لشغلك الجديد .. أصل شهادتك ما تشغلكيش عندي غير أنك تعمليلي قهوة كل لما أطلب.
فغرت "ليلة العيد" فاها من الصدمة ولم تتخيل الأمر نهائياً، واللمعت عيناها بدمعة جاهدت أن تخفيها، ثم نظرت لعينيه المنتصرة الشامتة في ضيقها وقالت بقبول لكي لا يهنأ بانتصاره الرخيص:
_ تمام .. حضرتك بتشربها إيه؟
ضيّق "هاكان" عيناه بغيظ وظهرت عروق فكيه مشيرة لشدة عصبيته. وهتف بها:
_ لما أعوز هبقى أقولك .. هتلاقي المطبخ آخر الممر .. ده مكانك المناسب.
لم تعرف ليلة لماذا فعلت ذلك، ولكنها نظرت له نظرة مليئة بالعتاب وشفتيها ترتعشان بالدموع وكأنها طفلة تشعر بالظلم. وسارت متوجهة للخارج وهي تبتلع مرارة بحلقها. هي حقاً لا تعرف لماذا يتحداها لهذه الدرجة!
***
وبالمطبخ الكبير..
الذي به كل الإمكانيات لإعداد جميع المشروبات الدافئة والعصائر الطازجة....
جلست "ليلة العيد" على مقعد خشبي وجدته أمامها واستندت بمرفقيها على طاولة مستطيلة خشبية وأجهشت بالبكاء.
حتى انتبهت لصوت يسألها بتعجب:
_ بتعيطي كده ليه؟
فزعت ليلة العيد بأول وهلة، ثم سألته وهي تمسح عينيها:
_ أنت مين؟
أجاب الصبي ذو الثمانية عشر عاماً وقال:
_ أنا سقراط .. بتاع الشاي.
رواية مديري مستر فرعون الفصل السادس 6 - بقلم رحاب ابراهيم
أجاب الصبي ذو الثامنة عشر عامًا:
_ أنا سقراط .. بتاع الشاي.
تعجبت "ليلة العيد" من اسمه لثوانٍ، ومسحت عينيها جيدًا حتى لا تثير شفقة ذلك الصبي، بينما دخل "سقراط" المطبخ ووضع حقيبته الصغيرة التي تشبه الحقائب المدرسية.
ثم ابتسم لها وهو يجلس قبالتها ويخرج من حقيبته "سندويتشات" فول.
وقال بلطف:
_ يلا بسم الله يا ... هو أنتي صحيح اسمك إيه؟
أغمضت ليلة عينيها ببؤس وهي تعلم ردة الفعل كالعادة:
_ ليلة العيد.
_ أنستينــا.
وضحك الصبي ضحكة عالية على اسمها، بينما لوت ليلة العيد شفتيها بغيظ وقالت:
_ على الأقل أحلى من سقراط!
تابع الصبي قهقهته العالية ولم يكترث لما قالته ولم يبالي.
ونظرت له ليلة العيد لدقيقة بتمعن وسألته بفضول:
_ أنت ما بتزعلش لما حد يتريق على اسمك؟
التهـم "سقراط" قطعة من ساندويتشه بشهية، ثم أجاب وفمه منتفخ بالطعام:
_ زمان آه كنت بزعل وبتضايق، لكن دلوقتي بقيت جبلة، عقبالك لما تبقي جبلة زيي.
تبسّمت "ليلة العيد" رغمًا عنها واعجبت بمنطقه البسيط، ثم قالت بصدق:
_ ياريت .. كانت أكتر مشاكلي اتحلت يا سقراط.
سألها سقراط باهتمام:
_ هو لمؤاخذة يعني .. أنتي قاعدة هنا ليه؟
تنهدت ليلة وقالت له بيأس:
_ هشتغل هنا .. هعمل للمدير قهوة!!.
قالت ذلك بسخرية ممزوجة بمرارة وضيق، فوقف الطعام بفم سقراط وهتف:
_ تشتغلي هنا؟! هو الباشا طردني ولا إيه؟
طمأنته ليلة العيد وقالت:
_ لأ هو شغلني مؤقتًا على ما أخلص دراستي.
وفزعت ليلة عندما ارتفع صوت جرس بشكل مزعج ونظرت لسقراط قائلة بتساؤل:
_ إيه ده ..؟!
هبّ سقراط من مكانه وهو يبتلع ما بفمه بعجالة، ثم قال وهو يركض بالمكان:
_ هاتي السكر ،هاتي القهوة بسرعــــــــــة !!... مالحقتش أفطر ، مالحقتش أفطر يا شركة موراهاش غيري!!.
تعجبت ليلة منه وشعرت بالضيق من تصرفه، فصاح فيها:
_ لو حد دخله المكتب قبل ما يشرب قهوته هتبقى مصيبة .. هيفضل يجعر لنا طول النهار وهنغرق في بحر التهزيق، ده بيشتم بالأنجليزي، بيشتم بالأنجليزي، عارفة ده معناه إيه؟
سألته ليلة بدهشة وهي تعطيه علبة السكر:
_ معناه إيه؟
رد سقراط وهو يعد كنكة القهوة الخاصة لـ "هاكان":
_ معناه إني هضطر أرد عليه بالفرنساوي .. وأنا كنت بغيب في حصة مسيو بهنسي.
ارتفع رنين هاتف خلوي خاص بالمطبخ، وأشار سقراط لليلة لتجيب، فذهبت ليلة للهاتف ورفعت سماعته لتجيب بضيق وعصبية:
_ نعم ..؟
رد صوت "هاكان" حادًا آمرًا:
_ هاتي لي القهوة بتاعتي الخاصة في المكتب .. في خلال دقيقة!.
زمت ليلة العيد شفتيها بغيظ:
_ تمام ... سقراط بيعملها وهيبعتها لحضرتك ..
رد بهتاف وعصبية:
_ أنتي اللي تجيبيها أومال هتشتغلي أمتى !! ..
كادت أن تجيب باعتراض وغيظ حتى انتبهت لصوت إغلاق الخط الآخر، فوضعت السماعة بغضب وقالت:
_ بني آدم غبي ...
أعدّ سقراط القهوة في وقت قياسي رغم مهارته الملحوظة، وأعطاها الفنجان قائلًا:
_ روحي ارميهاله على المكتب وأجري.
أخذت ليلة العيد فنجان القهوة وذهبت لمكتبه بنفس الطابق، وحينما سمح لها بالدخول قال مشيرًا لها بتهديد:
_ دقيقتين تأخير .. لو اتكررت مع السلامة ..
ردت قائلة بغيظ:
_ أنا مش روبوت!! .. ومش معنى إني بشتغل هنا أي كان شغلي إيه أن حضرتك تعاملني زي العبيد !! .. لأني إنسانة وليا كرامتي .. وافقت أشتغل في البوفيه لأن الشغل مش عيب ، إيه يعني طالما بحاول وبكافح عشان أحقق حلمي .. بس واضح إنك شغلتني تصفية حسابات .. لو ده صح ياريت توضح لي من دلوقتي .. وأوعدك مش هتشوف وشي تاني.
نظر لها "هاكان" لبعض الوقت وأستفزه وأعجبه بآنٍ واحد تمسكها بهدفها وتحديها له !! ... فنهض ووقف أمامها مباشرةً بنظرة جامدة:
_ أنا اللي بسأل مبتسألش .. ومش كل مرة هطلب فيها قهوة هتفتحي المحاضرة دي !! ... ده نظام والكل هنا ماشي عليه ، المرادي هعديها وهغفر جهلك بنظام الشغل هنا .. بس دي آخر مرة .. أنا بحب النظام في كل شيء .. وأنا أول واحد هنا بطبقه على نفسي .. واللي مش عاجبه الباب مفتوح دايمًا مع السلامة.
نظرت له ليلة العيد بصمت للحظات، صمت بمحاولة فهم هذا الرجل الغريب، الذي بلحظة تشعر بنبذه لها، وبلحظة أخرى تظن أنه يتعامل هكذا مع الجميع دون إستثناء .. فقالت بصدق:
_ أستاذ هاكان .. مش هطلب منك غير أنك متحاولش تأذيني نفسيًا .. أنا راضية أكافح وأذاكر وأجتهد عشان أوصل لحلمي .. مش جاية هنا عشان أتذل وأتهان .. ورغم كل اللي بتقوله وعصبيتك عليا وتصرفاتك اللي فاتت .. بس حاسة إنك مش هتحب تأذيني أو توجعني .. ارجوك سيبني أشتغل في حالي من غير إستقصاد أو نبذ.
واستأذنت بهدوء وخرجت من المكتب، وتركت هاكان يقف متجمدًا للحظات.
عاد لمكتبه وارتشف من قهوته الدافئة وهو يفكر بكلمات تلك الفتاة البسيطة .. ابتسم ابتسامة بسيطة بتعجب .. من بين جميع الجميلات التي يركضن خلفه .. تلك الفأرة البائسة تترجاه لكي يبتعد عنها ويتركها وشأنها !!.
يا للعجب !!.
***
أتى موعد اللقاء السري للأشقاء ..
عند الهرم الأكبر ...
تنفس "سركن" بعمق وعيناه على الهرم بفخر وعزة .. ثم قال:
_ لقد سرقوا أولاد الأفاعي الكثير من علومنا ونسبوها لأنفسهم .. خدعوا بعضًا من أحفادنا وأوهموهم أننا أنشأنا تلك الحضارة العريقة على السحر والخرافات .. بينما الحقيقة كانت أنها بنيت بالعلم والصبر والكفاح .. العلم كان هدفنا الأهم من كل شيء .. لذلك ها هي إلى الآن صامدة شامخة لا تهزها ريح سحرا .. أو أكاذيب الأفاعي.
نظرت "لوتس" لشقيقها الأصغر بنظرة جانبية قلقة ، ثم قالت:
_ أعرف أنك تحاول أن تتحكم بغضبك كي لا تعنفني .. لست مخطئة و..
قاطعها "سركن" بحدة وعصبية:
_ لوتـس !! ... لولا أنك شقيقتي الكبرى لكان رد فعلي مختلف الآن .. وضعتني بموقف لا أحسد عليه !! ... جعلتني لأول مرة أترك بلادي وزماني رغمًا عني .. وضعتني بورطة كبرى وحتمًا سيكتشف الجميع اختفائي وستكون العواقب وخيمة ..
دافعت لوتس عن نفسها:
_ لم آتي لهنا برغبتي ! ..
نظر "سركن" لشقيقته بنظرة حادة ثم قال:
_ ولكن تركت نفسك لساحرة العبيد تلميذة أبليس أن تلهو بعقلك وتشكك بزوجك !.. هل تعلمين أنه كان سيترك بلادنا بحثًا عنك ؟! ... هل تعلمين حجم الكارثة التي وضعتينا فيها ؟! .. أمر اختفائك جاهدت لكي أبقيه سرًا .. ولكن لمتى سيبقى سرًا وأنا وأنت مقيدان هنا حتى قمر ليلة ٣٠ ؟!
ذرفت لوتس الدموع وقالت بندم:
_ أغفر لي يا سركن أرجوك .. أنا لوتس ، شقيقتك الكبرى وأقرب مخلوق لقلبك .. ألا أستحق منك بعض الرحمة والغفران؟!.
أطرف "سركن" أهدابه بحدة ثم قال دون أن ينظر لها:
_ ليس أنا من عليكِ أن تطلبي الغفران منه .. زوجك أولًا يا لوتس.
لمست "لوتس" ذراع شقيقها وقالت ببكاء:
_ وأنت يا سركن ..؟!
تنهد سركن بعمق، ثم استدار لشقيقته لوتس وقال بعدما رفع يده وربت على خديها بحنان:
_ أخطائك مغفورة دائمًا وأبدًا بقلبي يا لوتس ... ليس عليكِ أبدًا أن تطلبي الغفران مني.
ابتسمت لوتس وهي ترتمي بين ذراعي شقيقها ، ثم روت له عن تلك الفتاة المسكينة التي تقيم معها ، فقال سركن بأطمئنان:
_ أعرف عنوانك جيدًا .. ولا تحاولي أن تظهري بهيئتك الحقيقية حتى رحلة العودة ..
نظرت لوتس لملابسه المعاصرة للعصر الحديث:
_ ولكنك تظهر ؟!.
رد سركن بنظرة غامضة:
_ القائد سركن در مون لن يتخفى من أعدائه أبدًا، أعلم أنهم يراقبونني أبناء الشيطان.. وتركتهم يفعلون ما يريدون، ولكني سأفعل ما أريد أيضًا.... ولن أعود ويدي نقية من دمائهم النجسة !.
دعمته لوتس بكل ثقة وفخر:
_ لست قلقة على أخي القائد .. أنت المُحارب الأعظم بالنسبة لي ..
رد عليها سركن بحزم:
_ لا تحاولي أن تبحثي عني ، أنا أعرف أين أنت وسآتيك بالوقت المناسب حتى يحين وقت العودة .. وحتى ذلك الوقت لابد أن تكوني بعيدة عني .. ولابد أن تتخلصي من تلك القوة الخرقاء التي معك !.
اعترضت لوتس وقالت:
_ تلك القوة ضعفت جدًا عندما أتيت لهذا الزمان، وتضعف يومًا بعد يوم .. وحتى أنني لا أعرف كيف أتخلص منها ! .. ولكن أطمئن لم أؤذي أحدًا بها، ولن أفعل ذلك أبدًا.
نظر "سركن" لشمس الغروب وقال:
_ سأتركك الآن رغمًا عني يا لوتس ، ولكن من الخطورة أن نبقى معًا وأنا أريد الانتقام والثأر .. اذهبي أنتِ حيث أنت وسأراقبك من بعيد حتى أتأكد من سلامتكِ، وسأعود أنا لذلك المكان الذي لي به مأرب وهدف.
ضيّقت "لوتس" عينيها بغرابة ولكنها أطاعت أمره وذهبت ....
***
بالحي الشعبي ...
وقفت "شقاوة" مستندة بيديها على سور السطح الملحقة به شقتها الصغيرة وعينيها تجيء هنا وهناك ... وهمست بضيق وقلق:
_ هو راح فين ده؟! .. ده مختفي من صباحية ربنا !...
انتبهت شقاوة لصوت خلفها، فأستدارت ونظرت بعتاب لصديقتها القديمة "أشجان" ، فأقتربت أشجان لشقاوة بابتسامة وقالت:
_ مش جه الوقت اللي نتصالح فيه بقا ولا إيه ، ولا يرضيكي أروح بيت جوزي وأمشي من الحتة وأحنا لسه متخاصمين ؟!
ابتسمت لها شقاوة وقالت بصدق:
_ لا ما يصحش .. ألف مبروك يا بت .. ربنا يعدلهالك ويتملك على خير ..
ضمتها "أشجان" بمحبة ثم قالت:
_ حنتي النهاردة وأنتي أكيد عارفة، ده فروع النور مالية الشارع قدامك أهي .. هتيجي وتنفذي وعد السنين وترقصي في فرحي لما تتعبي ، ولا هتسبيني لوحدي ؟
ضربتها شقاوة ضربةً خفيفة على كتفها وقالت:
_ هو أنا تبت آه عن الرقص .. بس أنتي أختي ، هاجي وهولع لك الحنة زي ما وعدتك زمان .. هخليها ليلة تتحاكى بيها نسوان الحتة لسنين .. هو أحنا يعني عندنا كام أشجان !.
ضحكت أشجان بسعادة، ثم قالت لها بأسف:
_ وما تزعليش من أمي ... أنتي ...
قاطعتها شقاوة بمرارة حاولت أن تخفيها:
_ أمك عندها حق يا أشجان .. ما هو برضه مافيش أم هتسيب بنتها تصاحب واحدة رقاصة وتسكت !! .. بس والله ياختي ما كان بكيفي ولا بهوايا .. ده أنا كنت بضرب مطرح ما تفر روحي كل مرة رايحة فيها نمرة في فرح ولا في صالة ... بيومي كان عفي في شبابه ومحدش كان بيقدر عليه .. اللي ربنا ينتقم منه.
واستها "أشجان" وقالت بدعم:
_ بس أنتي قدرتي وبعدتي عنه وده الأهم .. والله يا بت يا شقاوة لربنا يعوضك عوض كبير أوي .. قولي بس يارب.
قالت شقاوة بعمق قلبها وهي تتذكر ذلك الرجل الغريب ولما اختفى فجأة:
_ يـــارب.
***
خرجت "ليلة العيد" من مبنى الشركة بعدما دقت الساعة الثامنة مساءًا ... خرجت وعلى وجهها دموعًا متألمة كلما تذكرت ما أتت لأجله .. وما باتت عليه !.
ظهرت أمامها فجأة "لوتس" ... وقالت بقلق:
_ كنت لسه هدخلك .. معلش اتأخرت عليكي شوية.
وتوقفت لوتس عن الحديث عندما لاحظت دموع ليلة، فضمتها وهي تربت على كتفها:
_ عملك إيه خلاكي كده؟
روت لها ليلة العيد كل شيء، وما قالته له، وعناده معها بعد ذلك رغم كل ما أخبرته به ... فزمت لوتس شفتيها بغيظ، ثم قالت بعصبية:
_ مش هعرف أنام النهاردة قبل ما أعمل حاجة ... أنا متغاظة أوي !!... أنتي قولتيلي إنه لسه جوا ؟ ... تمام !.
حاولت أن تمنعها ليلة العيد ، بينما لوتس أصرت على الدخول، ولكن قبل ذلك اختبأت خلف شجرة وعادت لهيئة القطة حتى تستطيع الدخول دون جدال من أفراد الأمن ...
***
وبمكتب "هاكان" ..
ظل رشاد يضحك بصوت عالٍ ويقول لشقيقه:
_ ده أنت ناوي تذلها بقا ... بس البت نضفت عن أول مرة شوفتها ... خسارة الشياكة دي في البوفيه والله.
نظر له "هاكان" باستخفاف وقال:
_ شياكة ؟! ... أنت بتسمي اللي كانت لبساه الفأرة ده شياكة ! .. ذوقك بقا في النازل أوي.
رد رشاد وهو لا يزال يضحك:
_ بس على الأقل أحسن من أول مرة شوفناها .. وبعدين يا هاك أنت لا بتفرق معاك شياكة ولا غيره .. دي لورا خطيبتك ملكة جمال ومش فارقة معاك بفنجان قهوة حتى.
تحدث "هاكان" بعدما اختنق من مرور الحديث حتى وقف عند لورا ، وهتف بشقيقه:
_ ما تغير الموضوع الخنيق ده ... بقولك إيه ، عندي عشاء عمل في مطعم مع ناس أجانب .. إيه رأيك تيجي معايا ؟
ضيق "رشاد" عينيه بخبث:
_ أجي طبعًا ...
ولاحظت لوتس أنها لن تستطيع السيطرة عليه وهو يستعد للمغادرة، ففكرت سريعًا بشيء ، وابتسمت بخبث وأسرعت للخارج مجددًا بعدما علمت عنوان المطعم ...
***
وبخارج مبنى الشركة ..
قد عادت "لوتس" لليلة العيد وقالت باقتراح:
_ أنا عايزة أتمشى شوية ..
نظرت لها ليلة العيد بدهشة وكأن لوتس قرأت أفكارها وقالت:
_ موافقة .. أنا فعلًا محتاجة أشم شوية هوا قبل ما أرجع البيت .. هما كده كده ما بيهتموش بوجودي فمافيش حد هيهتم يعرف أصلا اتأخرت ليـه ..
ابتسمت لوتس بخبث ولم تخبر ليلة بشيء حتى لا تجد اعتراضًا ورفضًا ... وبعد فترة وقفت لوتس أمام فاترينة تعرض فستانًا يخطف الأبصار بجماله الساحر ... وصاحت:
_ ادخلي قيسي ده بسرعة ..
تعجبت ليلة العيد، ولكنها وافقت لأن الرداء بالفعل سرق قلبها ، وحينما اختبرته بالبروفة وجدته مناسبًا تمامًا وكأنه صمم لها خصيصًا .. عدى عن طوله الأطول بقليل .. فقالت الفتاة بالمحل:
_ لو حابة ممكن أعمله لك هنا .. هضبط لك كل اللي انتي عايزاه وهتاخدي في نص ساعة.
قالت لوتس بموافقة:
_ تمام .. ابدأي فيه دلوقتي.
نظرت ليلة العيد للوتس وهمست:
_ أنتي عارفة الفستان ده بكام ؟ .. ده بكل الهدوم اللي جبتها !
اجابت لوتس بتصميم:
_ هو فعلًا بكل اللي جبتيه ، وشكله عليكي مخليكي زي الأميرة ... ممكن أطلب منك طلب يا ليلة ؟
ردت ليلة بتأكيد:
_ أكيد طبعًا ..
شرحت لوتس ما تود أن يحدث:
_ كام يوم وهرجع زمان بعيد أوي عنك ... خلينا نستغل الوقت ده ونخرج نتفسح ونفرح .. الأيام دي مش هتتكرر تاني .. أنتي هتلبسي الفستان ده وهتعزميني في المكان اللي أحب أروحه ..
تلمعت عينا ليلة العيد بالدموع:
_ ما تفكرنيش بقا أنك هيجي اليوم وتمشي .. مش عارفة ولا قادرة أفكر في اللحظة دي.
ربتت لوتس على يدها وقالت بحماس:
_ سبيها لوقتها .. المهم دلوقتي نفرح بكل لحظة ..
ابتسمت ليلة العيد بمحبة صادقة، ثم ذهبت وانتقت للوتس رداءً فاخرًا على ذوقها .. وحاسبت ببطاقتها الإلكترونية التي حفظت بها المبلغ المتبقي ..
***
ارتفعت أصوات الأغاني الشعبية المعتاد سماعها بالأفراح .. وهتف النسوة بالزغاريد ودوى الأكف عندما ظهرت العروس "أشجان" بيديها المصبوغة بالحناء ..
ومن بعيد همست سماح لـ "شقاوة" وهما يدخلان بين الجموع ويقتربان من العروس:
_ فكي التكشيرة دي لأحسن أمها تقول إنك غيرانة من بنتها المقشفة أشجان ..
زفرت "شقاوة" بضيق وقالت بحنق:
_ اختفى فص ملح وداب .. يارب يرجع الحتة .. ده أنا قلبي اتعلق به وكأنه طوق النجاة .. يارب يرجع يا سماح .. حاسة بوجع في قلبي كده يابت من غيابه ..
كشرت سماح بوجهها وقالت:
_ مالك ياختي مش على بعضك كده ، ماكنتش عشرة يوم دي اللي تعمل فيكي كده !!! ...
تنهدت شقاوة بقوة وقالت:
_ ما هو اللي زيي ياختي لما بتتنيل وتندب وتحب بتقع في ثانية على جدور رقبتها .. هو خطف قلبي في يوم صحيح ، بس غيره جرى سنين ومعرفش يخطف مني حتى رمش عين .. شوفتي الفرق بقا !.
قالت سماح بتأفف:
_ بت أنا جاية أزقطط وأهيص ، الليلة دي منزوعة النكد أنا بقولك أهو !.
وقبل أن ترد شقاوة أتى عدد من الفتيات وخطفن شقاوة من مكانها لمشاركتهم الرقص ...
وارتفعت أنغام الموسيقى عندما انضمت شقاوة للفتيات وتعالى صفير الشباب بصيحات إعجاب ومعاكسة ..
واندمجت شقاوة مع الفتيات على إحدى الأنغام الشعبية حتى لا ينتبه أحدًا لدموع عينيها خصوصًا عندما انتبهت لقول إحدى النسوة وهي تقول بنظرة حاقدة لرداء شقاوة الأحمر الذي يبرز جمالها الأنثوي بتمرد:
_ آه ماهي رقاصة بقا .. استخسروا يدفعوا وجابوها ببلاش !.
ولكن رمتهن شقاوة بنظرة شرسة وتمايلت بأنوثة مهلكة أمامهن لكي تكيدهن أكثر .. وضحكت عندما نجحت في استفزازهن وتابعت رقصتها مع الفتيات متجاهلة صيحات بعض الشباب الهاتفة باسمها مرارًا وتكرارًا..
ودارت شقاوة بحركة سريعة وهي تلف حول نفسها بختام رقصتها كالمعتاد وترفع رأسها من أسفل لأعلى .. ولكنها اصطدمت بصدر عريض مفتول العضلات ..
رفعت رأسها كثيرًا حتى وصلت لعينيه الزرقاء التي تلتهب كالجمر المحترق ... ابتسمت وأضاء قلبها وهي تنظر لعمق عينيه وإن كانت تصفعها بتلك النظرات القاسية ..
فهمسـت:
_ كنـــت فيــن ؟!
تحرك عصب فكيه بغضب شديد كأنه يكتم سيل من الشتائم ، ثم رماها بنظرة قسمت قلبها من قسوتها وابتعد مجددًا ... جف ريق شقاوة وهي تنظر لخطوات ابتعاده بدموع وفهمت أنه فسر الأمر خطأ...
فركضت بين الزحام وحاولت أن تجده، ولكنه اختفى من جديد !.
وقفت شقاوة تبكي عند مدخل المبنى التي تسكن به بأمل أن تلمح له طيفًا... ولكنها بدلًا عن ذلك وجدت رجلًا من الأثرياء سئمت من اللحاق به وملاحقته كي ترضى عنه ...
وقف "صبري" أمامها وهي ينفث دخان سيجارته وتصطف سيارته الفارهة على بعد خطوات قريبة منه:
_ قولت أجيلك طالما مش عايزة تشوفيني ...
كانت شقاوة الآن بأكثر لحظاتها غضبًا وشراسة، قالت والدموع والغضب بعينيها:
_ عارف لو ما بعدتش عن خلقتي السعادي يا راجل أنت ؟! .. هو البعيد ما عندوش دم مابيحسش !! .. هو أنا كام مرة هقولك إني مش بطيق حتى الأرض اللي أنت واقف عليها ..
رد صبري وقال متحكمًا في أعصابه:
_ مش مهم تحبيني دلوقتي ، هتحبيني بعدين ، لما أخليكي هانم .. بقا في واحدة عاقلة ترفس النعمة برجليها ؟! .. اومال لو مكنتش عايزك بالحلال ؟!
صرخت شقاوة به بأعلى صوتها:
_ ولا هتطول مني شعرة .. ما تريح بقا وتحل عني وتشوف لك واحدة غيري ..
زفر صبري بغضب:
_ لا شكلك أنتي اللي شوفتي واحد غيري ، ما أنا بتوصلني أخبارك من جوز أمك يا بنت نعيمة .. ما هو قالي كمان على اللي حصل امبارح واللي حاشك عنه .. بس أنا جاي وعامل حسابي ، سلاحي في جيبي ورجالتي معايا .. ورينا بقا هركليز اللي فرحنالي بيه هيعمل إيه؟!.
وأخرج صبري سلاحه وأشهره بوجه شقاوة التي شحب وجهها ، ليس خوفًا على نفسها ، بل خوفًا أن يأتي ذاك الغريب ويتصدى لهؤلاء المجرمين ..
وفجأة اندفعت يد صبري المصوبة بوجه شقاوة بقوة شرسة جعلته يصرخ من الألم، وسقط سلاحه في بئر مكشوف ، وجر "سركن" شقاوة خلف ظهره و...
رواية مديري مستر فرعون الفصل السابع 7 - بقلم رحاب ابراهيم
جعلت يد صبري المصوبة بوجه شقاوة بقوة شرسة، فصرخ من الألم وسقط سلاحه في بئر دون غطاء. جر "سركن" شقاوة خلف ظهره التي تشبثت بمعطفه الجلدي وهي ترتجف. حدج صبري بالرجل العملاق الضخم بدهشة، لأول مرة يرى رجلاً بهذا الطول وعرض المنكبين رغم خصره المشدود برشاقة متناهية.
قال وهو يبتلع ريقه بقلق ويحرك ذراعه المتألم بقوة:
_ وأنت مين بقا يا فتوة..؟!
لم يجبه "سركن" ولكنه عزم على تلقينه درساً لن ينساه بحياته. عندما شعر صبري بالخطر القادم، هتف برجاله ليأتوا إليه، ولكنه تفاجأ أن رجاله أصبحوا اثنين من بين خمسة رجال أشداء، ويبدو أنهم هربوا منذ قليل.
أتى الرجلان ووقفا خلف صبري، وظهر على وجهيهما بعض القلق. بينما اندفع "سركن" وجرّ صبري من بينهما ولكمه لكمة جعلته يصرخ من الألم وسقط أرضاً بعدها. حاول أحد الرجلين الدفاع، بينما تلقى ضربة مميتة على بطنه جعلته يسقط على ظهره صارخاً.
وقف الثالث ينظر لـ "سركن" محاولاً أن يجد ثغرة ليهزم هذا المخلوق العملاق. فأخرج "مطواة" من جيبه ووجهها بوجه "سركن"، وظل يحرك يديه بتلك المطواة كثيراً، حتى وجد نفسه يجرّ من معصمه الذي التوى بعنف ويندفع بقوة شرسة نحو الحائط محدثاً جرحاً كبيراً برأسه من قوة الاصطدام.
ركضت "شقاوة" لـ سركن تتحامى خلف ظهره مجدداً وهي تنظر له بابتسامة وفخر. حتى استدار هو وأخذها من معصم يدها حتى غرفتها على سطوح المنزل.
***
وتحت قمر الليل ونسمات الهواء التي جعلت خصلاتها السوداء الغجرية تلتصق بجانبي وجهها، ابتسمت شقاوة وقالت بنظرة شديدة العاطفة:
_ تسلم إيدك... تسلم ويسلم شبابك.
نظر لها "سركن" بنظرة غامضة، كأنه يعاتب نفسه على شيء، كأنه يقاوم بكل قوته تلك المشاعر العنيفة الجامحة التي اقتحمت قلبه رغماً وسريعاً وبذلك العنف. وهو قائد أقوى جيوش الأرض، هزمته عيناها الكحيلة. كيف وهو لطالما اعتبر الحب لا يصلح للرجال وغير مرحب به في عالمه، يصبح الآن أسيراً متنعمًا بأسره مبتسماً ويطلب المزيد من قيودها؟
طال انتظارها في رده فقالت بعتاب:
_ مش بترد عليا ليه...؟
تحكم "سركن" في نفسه ودقات قلبه العنيفة وأجاب بتقطيبة:
_ ماذا أقول..؟!
أغتاظت للحظة من تمسكه بطريقة حديثه تلك، ولكنها قالت برقة وعاطفة بعد ذلك:
_ هقولك أنا.. تعرف أني لأول مرة في حياتي أحس أن ليا حد يقدر يحميني من بيومي وصبري واللي معاه.. وأنت بتضربه كنت عايزة أضحك بأعلى صوتي.. وأعيط برضه، وأقولهم أخيرًا ما بقتش خايفة منكم.
نزلت دموع عينيها رغم ابتسامتها الصادقة، فرقت قلب "سركن" لها بقوة، وأراد بوحشية أن يأخذها لذراعيه ويحميها من العالم بأسره، ولكن هذا سيكون ضرباً من الجنون. فتنهد بعمق وقال بشراسة:
_ قبل أي شيء لا تجعلي من جسدك عرضة لأنظار الرجال.. اليوم كنت على بُعد خطوات قليلة من ارتكاب مجزرة جماعية!
اتسعت ابتسامتها رغم دموعها وقالت بإعتذار:
_ أنا غلطانة ووالله مش هتتكرر تاني وعزة جلالة الله، هي بس البت أشجان العروسة كانت صاحبتي من زمان، ووعدتها أني هحيي ليلتها.. مرضتش أزعلها لما جت وعزمتني.. بس والله ما هتحصل تاني لو الدنيا كلها زعلت مني.. أصل أنت عندك حق أوي يعني.. وأنا ما يرضنيش زعلك.
نظر "سركن" لعيناها الذي لا يعرف كيف سرقت قلبه المغلف بأسوار فولاذية بتلك البساطة! ووجده نفسه سابخا بحبات عينيها السوداء ويقول:
_ تاهت عيوني في بحور عيونها، واختار قلبي أن يغوصَ فيغرقَ، آواهُ من رمشٍ أحاط بعينها.. سهمًا توغل في الوريد فمزقَ.
قال تلك الكلمات التي تعود لأحد الشعراء المعاصرين وهو يبتسم لعيناها بدفء شديد. فقالت شقاوة بضربات قلب سريعة:
_ الكلام حلو أوي رغم أني مش فهماه يا سي غريب.. هسميك غريب، طالما مش عايز تقولي اسمك.
اشتدت ابتسامة "سركن" وابتعد عنها وقرر أن يذهب، فهتفت شقاوة بضيق:
_ طب أبقى كلمني بالبلدي كده عشان أفهمك.
توقف سركن وهو ما زال مبتسماً، ثم استدار لها وقال بنظرة اجتاحت قلبها:
_ يا رموش قتالة وجارحة يا بويا وعيون نعسانة وسارحة يا عين.. اديكي عمري بحاله يا بويا وأديني أنتي الفرحة يا عين.
واتسعت ابتسامته الجذابة بشراسة عندما قال:
_ بعرف أتكلم بالبلدي وبأي لغة ولهجة.. أعرف كل حاجة عن كل العصور وكل الأزمنة.. بس بتعامل بس باللي بميل له وبيعجبني.. ومش هفكرك تاني.. لبسك ده كله، ما يتلبسش تاني.. ونامي وأنتي مطمنة.. محدش هيقدر يقربلك وأنا موجود.
غادر وعلى وجهه تلك الابتسامة الساحرة، بينما تجمدت شقاوة بمكانها وفمها مفتوح بدهشة. ثم قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بعدما غادر:
_ والمصحف بحبه... وعزة جلالة الله بحبه.. وعهد الله بحبه.. ده بيغنيلي أغاني عبد الحليم.. يالهوي يا لهوي يا لهوي.
وظلت تقفز شقاوة من السعادة مثل الصغار.
***
وبالمحل الفخم لبيع فساتين السهرة والزفاف. وقفت ليلة العيد أمام مرآة كبيرة في غرفة البروفة وتتمعن ببهجة انعاكسها بالمرآة، فقد أصبح الرداء مناسباً تماماً ويظهرها كأنها تنتمي للطبقة المخملية في المجتمع. بينما وقفت "لوتس" بجانبها تتفحص مظهرها بابتسامة واثقة بذلك الرداء الفاتن التي اختارته ليلة لها.
وقالت بثقة:
_ ياريت زوجي الوزير الأول "حات حوت" كان معايا دلوقتي، عمري ما لبست أي شيء جديد غير وكان هو أول واحد يشوفه عليا ويقولي رأيه.
ابتسمت لها ليلة وقالت برقة:
_ زمانكم ما يختلفش كتير عن زماننا.. الست هتفضل ست في كل زمان.
ردت لوتس وقالت بحنين:
_ وحشني أوي ونفسي أرجع عشان أشوفه، وفي نفس الوقت هيصعب عليا فراقك؟ أنا خلاص بقيت معتبراكي بنتي وصاحبتي.
نظرت لها ليلة العيد بألم، ثم ارتتمت بين ذراعيها بدموع وقالت:
_ أنا اتحرمت من أمي بدري أوي.. وكمان مكنش ليا صحاب غير جارتي بثينة وللأسف عزلت من سنتين.. ودلوقتي ماليش بعد ربنا غيرك أنتي.. أرجوكي يا لوتس فكري في حل نفضل بيه مع بعض.
ربتت لوتس على كتفي ليلة وقالت بحنان:
_ أنا جنبك.. حتى لو للفترة الباقية من وجودي هنا.. لكن لو قررت أفضل معاكي هنا ده يعتبر في حد ذاته جريمة هتعاقب عليها بالطرد للأبد من زماني.. وأظن أنتي مش هتقدري تيجي معايا؟
تألمت ليلة وقالت بأسى:
_ مش هينفع يا لوتس أرجع للزمن البعيد أوي ده.. يمكن أنا مبهرة بزمانكم وبالحضارة والإمبراطورية المصرية العظيمة وقتها.. بس أنا اتولدت في العصر ده ومش هعرف أعيش في غيره.. زي ما أنتي برضه مش هتعرفي تتأقلمي بسهولة هنا.
ربتت لوتس على خدها برقة وحنان وقالت:
_ احنا الاتنين عايشين على نفس الأرض حتى لو كان الزمن مختلف.. بس كل ما توحشيني هطلب أشوفك.. مش هيكون في وداع أبدي ما بيننا أطمني.
مسحت ليلة دموع عينيها وحاولت أن تتجاهل ذلك الخوف بقلبها من فراق لوتس وعادت تنظر لنفسها عبر المرآة. فنظرت لوتس لحجاب ليلة ووجهها الباهت، ثم رفعت عينيها لساعة الحائط وتمتمت:
_ فاضل ساعة.
لم تفهم ليلة العيد الأمر وسألتها:
_ فاضل ساعة على إيه؟
ابتسمت لوتس بمراوغة وأجابت:
_ على ميعاد نومي.. يلا بينا نخرج نتفسح شوية وتعزميني في المكان اللي أختاره.
سألتها ليلة بضحكة:
_ أنتي لحقتي كمان تعرفي عناوين المحلات والمطاعم!
غمزت لها لوتس بثقة:
_ لأني لوتس در مون.. زوجة الوزير الأول، وشقيقة قائد جيوش البلاد "سركن در مون".. يعني مش ست عادية!
انتبهت ليلة لاسم شقيق لوتس الذي ولأول مرة تسمعه منها وقالت:
_ قائد الجيوش سركن در مون!! أول مرة أسمع اسمه.
أجابت لوتس بأسف:
_ في شخصيات تاريخية عظيمة جداً وأبطال اتمسحوا من التاريخ بفعل فاعل.. اتمسحوا بإيد أعدائهم اللي كتبوا تاريخهم الخاص المزيف وألفوا بطولات وهمية لشعوبهم المهاجرة من كل حتة والمغيبة.. استوطنوا أراضي عمرها ما كانت ليهم وزعموا أنها أرضهم الأصلية.. وهما ولا ليهم تاريخ ولا أرض ولا شرف ولا عهد.. وللأسف كنت ضحية ساذجة لساحرة منهم وعرفت تشككني في جوزي وتسحرني.. ولكن لي لقاء آخر مع تلك الساحرة الملعونة.
فهمت ليلة العيد حديث لوتس، بينما قالت لوتس بغيظ:
_ مش عايزة أفتكر اللي حصل.. المهم دلوقتي خلينا في نفسنا.
نظرت ليلة للمرآة مجدداً بابتسامة ثم قالت وهي تنظر لوجهها وحجابها الغير متناسق مع الرداء الراقي:
_ همشي بالمنظر ده كده إزاي؟ الفستان لا شبه الطرحة ولا الجزمة.
تبسمت لوتس بوجهها وقالت:
_ الشارع اللي احنا فيه ده كله محلات.. يلا بينا نختار اللي احنا عايزينه.
وأخذتها لوتس للخارج. وبعد مرور أكثر من نصف ساعة كانت ليلة ولوتس يخرجان من صالون تجميل ببعض اللمسات البسيطة بوجههن، ولكنها لمسات أضاءت وبرزت جمالهن بنعومة.
وأوقفت لوتس سيارة أجرة وأخبرته العنوان، وحينما جلست ليلة داخل السيارة نظرت لها بتعجب وقالت:
_ أنتي عارفة المطعم ده منين؟
قالت لوتس بنظرة ماكرة وبمراوغة:
_ سمعت عنه.
تقبلت ليلة العيد تلك الإجابة المختصرة ولم تشك أبداً بالأمر، بينما نظرت لوتس لتلك النظارة السميكة الملتصقة بوجه ليلة وقالت بعبوس:
_ ينفع تشيلي النظارة دي النهاردة؟
لمست ليلة نظارتها بحركة لا إرادية وقالت:
_ لا ما ينفعش للأسف، لأني مش هشوف لو قلعتها.. همشي أخبط في كل اللي حواليا.
ربتت لوتس على يدها وقالت:
_ متخافيش أنا جنبك.
وابتسمت لها ليلة وخيّم الصمت بعد ذلك حتى توقفت السيارة الأجرة أمام مطعم فخم جداً يبدو أن رواده من الأثرياء فقط، فلا سبيل حتى للطبقة المتوسطة بزيارته. وعندما خرجتا ليلة ولوتس من السيارة وقفتا أمام المطعم المتلألأ اسمه على لوحة معدنية ضخمة معلقة.
وهنا سحبت لوتس نظارة ليلة العيد من وجهها وقالت:
_ شكلها مش مناسب أبداً على الشياكة والجمال ده كله.
اغتاظت ليلة من ذلك الأمر وهتفت بقوة:
_ لا لا.. هاتي النظارة بتاعتي، صدقيني مش شايفة حاجة خالص وهقع!
اشفقت عليها لوتس لوهلة، ولكن ذلك الأمر سيخدمها بشيء ما، فقالت:
_ أنا جنبك ومش هخليكي تقعي، تعالي بس معايا من غير كلام.
وسحبتها لوتس للداخل قبل أن تعترض ليلة، بينما الرؤية أمامها كانت ضبابية بالفعل وكأن يطبق على عينيها لوح زجاجي مغبر بالأتربة الملتصقة منذ سنوات، فما باتت ترى أي شيء غير أشباح وظلال تتحرك هنا وهناك.
وعندما دخلت لوتس وبيدها ليلة لداخل المطعم، تجولت عينيها بكل الزوايا، حتى رأت مرادها، فكان "هاكان" جالساً مع وفد سياحي من خمسة أشخاص ومعه شقيقه رشاد جالساً بجانبه وعيناه المتلاعبة ترمق الشقراوات بمكر.
تنفست لوتس بعمق ثم ابتسمت وهي تسحب ليلة وتأخذها لطاولة مقابلة تماماً لطاولة هاكان.
فانزعجت ليلة وقالت وهي تشعر بالضيق الشديد:
_ هاتي النظارة بتاعتي بقا يا لوتس والله ما شايفة أي حاجة خالص وحاسة بالخنقة.
أجلستها لوتس على أحد مقاعد الطاولة، وقد اختارت المقعد المناسب التي يجعلها مقابلة تماماً لهاكان ويسهل عليه رؤيتها، بينما هي تقريباً تواليه جانبها الأيمن فلن تلتفت له بسهولة. وبعدما جلست لوتس قبالتها وضعت بخفة تلك النظارة البشعة على عظمة أنفها. فتنهدت ليلة وقالت وهي تتحسس نظارتها وتتنفس الصعداء:
_ آه كده تمام أوي.
فابتسمت لها لوتس بعدما نالت مأربها وقالت:
_ رغم أنها مش ماشية خالص مع فستانك التحفة ده، لكن سماح المرادي.
***
لاحظ رشاد بأن إحدى الشقراوات بالفوج السياحي ترمق هاكان بإعجاب وانجذاب شديد. فهمس رشاد لهاكان قائلاً:
_ شكل القاعدة مطولة وغالباً هتلاقي لورا طابة علينا دلوقتي.
انعقد حاجبا "هاكان" بدهشة وسأله بحنق:
_ لورا؟! وايه يخليها تيجي هنا دلوقتي أصلاً؟
حمحم رشاد بتوتر ثم اعترف:
_ أصل بصراحة هي اتصلت بيك كتير أوي ومكنتش بترد، فبعتتلي رسالة على الواتساب تسألني عليك وكنا لسه في الشركة.. فقولتلها أننا في عشاء عمل وكده.. سألتني على العنوان وقولتلها عشان ما أنرفزهاش أكتر.. وبعدين قفلت، بس متوقع إنها على وصول.
رد هاكان بسخرية وعصبية وعيناه على التي تتجه نحوهما بنظرات غاضبة:
_ متوقع؟! لا اتأكد، لأنها جاية علينا.
نظر رشاد للورا بدهشة، ثم همس لشقيقه:
_ طب الحمد لله أني جيت معاك وإلا كانت حصلت مشكلة.
رد هاكان بعصبية:
_ لو ضايقت أي حد من الناس اللي معايا هفض الجوازة دي وأخلص.
سخر رشاد وقال:
_ أنت أصلاً بتتلكك عشان تفركش!
أتت لورا ووقفت أمام الطاولة بنظراتها الغاضبة التي حاولت أن تخفيها بتلك الابتسامة الملتوية وقالت:
_ مش كنت تقولي كنت جيت معاك!
نظر هاكان لها بنظرة حادة منفعلة ومهددة كي تنتبه لتصرفاتها أمام الفوج السياحي وإلا تحدث أي شيء أرعن من أفعالها، ورحب بها رشاد قائلاً:
_ طب اتفضلي أقعدي الأول وشاركينا السهرة.
جلست لورا بحركة استفزت هاكان وجعلته يستشيط غضباً، وكان ردة أنه تجاهلها تماماً وعاد لحديثه مع السياح بمزيج من الإنجليزية والفرنسية المتقنة. ولكنه توقف فجأة بذهول عندما وقعت عيناه بالصدفة على الفأرة البائسة صاحبة أبشع نظارات طبية قد رآها في حياته. ولكنها اليوم تختلف كثيراً عن كل مرة رآها فيها.
كانت تبتسم وتتحدث مع صديقة لها تشاركها نفس الطاولة بعفوية وضحكة، ويبدو أنها لم تنتبه لوجوده من الأساس. وهمس رشاد له قائلاً بتعجب وهو يشير لطاولة ليلة:
_ هي مش دي البنت أم أربع عيون اللي اسمها ليلة العيد ولا أنا غلطان؟
أجاب هاكان بهمس وعيناه المصدومة لا تزال واقفة على ليلة:
_ هي.
قال رشاد باستغراب:
_ وايه اللي جابها هنا دي؟ وبعدين هي ليه بتحلو عن كل مرة بشوفها فيها؟
تلقى رشاد ضربة خفيفة على جانبه الأيسر من ذراع هاكان الذي نظر له بحدة وقال:
_ بطل رغي وخلينا في الشغل.
رد رشاد بتأفف وهو ينهض:
_ لا معلش فركش... خليك أنت وأنا هستأذن.
وبالفعل استأذن رشاد للانصراف ولم يعترض هاكان لذلك وعاد متحدثاً مع الأجانب باندماج حقيقي، حتى أنه تجاهل لورا التي ترمقه بغيظ وعصبية. بينما تفاجأ هاكان عندما رأى شقيقه يتوجه نحو تلك الفأرة وصديقتها المجهولة.
***
مساء الخير.
وقبل أن ترد أي من الفتاتين كان رشاد يجرّ مقعداً ليجلس عليه وينضم للوتس وليلة على طاولتهما دون أي مقدمات. فنظرت له ليلة بذهول للحظات من وجوده هنا، ثم قالت بدهشة:
_ أنت هنا؟
اتسعت ابتسامة رشاد وقال وهو يتفحص النظارة السميكة التي تشوه ذلك الرداء الفاتن التي ترتديه وتلك الطلة الجذابة:
_ آه عادي يعني.. أنا وهاك أخويا دايمًا بنستقبل العملاء هنا وفي كذا مكان تاني.. وحظك بقا إننا هنا النهاردة.
رددت ليلة العيد الكلمة بريقها الذي جف من الاضطراب والتوتر:
_ أنتم؟ هو.
قاطعها رشاد بابتسامة ساخرة:
_ آه.. النمر بتاع عيلتنا قاعد في الترابيزة اللي وراك بشوية على جانبك اليمين.. أوعي تبصيله بقا ليبلعك.
كتمت لوتس ضحكتها، بينما ضحك رشاد ضحكة عالية جعلت هاكان يلتفت لهم بنظرات شرسة. واستدارت ليلة ونظرت له بروع كأنه حقاً سيبتلعها! وهنا تأكد هاكان أنها بالفعل لم تعرف بوجوده. ونظر لبعضهما للحظات، كانت نظراته غاضبة منفعلة وغامضة، بينما نظراتها مرتبكة وخائفة وكأنها تفعل شيئاً ستعاقب عليه.
فقالت لها لوتس بغيظ:
_ أنتي خايفة كده ليه؟ هو انتي بتعملي حاجة غلط؟
تدخل رشاد وقال:
_ أيوة فعلاً خايفة كده ليه؟ أنتي قاعدة في مطعم مش في كباريه!
ابتلعت ليلة ريقها بصعوبة وحاولت أن تتظاهر بالثبات رغم نظراتها المرتبكة بشدة. وبعد قليل طلب رشاد عدة أطباق شهية لهم وقال بعد ذلك:
_ أنا عازمكم النهاردة بعد إذنكم طبعاً، وهأكلكم بقا نوع سمك هتدمنوه زيي.
اعترضت ليلة:
_ أنا آسفة لكن ما ينفعش.
تجاهل رشاد شعوره الأكيد بعدم ترحيبها به وظل جالساً رغم ذلك كعادته مع الفتيات، وقال بابتسامة يعتقد أنها جذابة:
_ اللي ما ينفعش إني أمشي وأنا جعان، واكيد مش مقبول إنك تدفعيلي! أنا الراجل هنا، يبقى أنا اللي أدفع.
حاولت ليلة أن تعترض ولكن لوتس غمزتها لتصمت، كانت لوتس تراقب من بعيد هاكان الذي أصبحت عيناه أكثر شراسة كلما رمق شقيقه يتحدث ويمزح ويطيل الحديث بارتياح.
فهمست لوتس لنفسها بخفوت:
_ أنا هعرفك الفارة دي ممكن تعمل فيك إيه يا المغرور.. أهي قاعدة هانم أهيه ومش معبراك وأنت عينك هتطق شرار عليها.. عشان تبقى تحترم نفسك وتعرف بتتعامل مع مين.
ظل رشاد يتحدث ويضحك على نكاته السخيفة حتى يأتي الطعام، بينما أنهى هاكان مقابلته مع السياح إجباراً ونهض من مكانه وتوجه نحو طاولة ليلة بخطوات رشيقة، وترك لورا كأنها هواءً غير مرئي!
وكان قلب ليلة العيد سيقف عندما تخللت أنفاسها عطره الخاص والمميز وأدركت أنه تقريباً خلفها. ولكن الذي أذهل الجميع هو عندما جرّ "هاكان" مقعداً وجلس بجانب مقعد ليلة العيد!!
نظرت له لوتس بتعجب رغم خطتها المحكمة، وكانت ستحاول السيطرة على عقله ولكن تراجعت، هي تريد أن ترى ماذا يريد أن يفعل وما يخبئه بداخله حقاً.
وتعجب رشاد لبعض الوقت وهو ينظر لشقيقه، حتى قال هاكان بابتسامة يظهر من خلفها الغضب وأشار للورا أن تأتي وتنضم إليهم:
_ تعالي.
أقتربت لورا بخطوات بطيئة وودت لو تركض من هنا وتنهي تلك المهزلة، ولكنها جلست بجانب لوتس بالمقعد الوحيد الخالي. فأطلق رشاد نكتة لينقي الأجواء من ذلك التوتر، ولكن لم يبتسم أحد!! فعبس وقال لليلة:
_ أنا مبسوطة بجد إني شوفتك هنا النهاردة أنتي وقريبتك.. بس أنتوا بتيجوا هنا على طول ولا دي أول مرة؟
كان يعرف أن سؤاله يبدو سخيفاً، ولكن لم يجد أموراً يضيع الوقت فيها، فأجابت لوتس بثقة:
_ تاني مرة نيجي هنا، لولو مكنش عاجبها المكان خالص بس أنا اللي صممت نيجي هنا.
ضيق هاكان عيناه بسخرية. بينما ازدردت ليلة العيد ريقها بقوة والتزمت الصمت وهي تعي أنه يسخر منهن في نفسه. وعندما التهب الغضب بقلب لورا من نظرات هاكان لتلك الفتاة ذات النظارات البشعة قالت بسخرية:
_ هي مش دي يا رشاد ليلة العيد اللي كنت بتحكيلنا عليها؟ وصفك ليها فعلاً صحيح.
وضحكت لورا بسخرية واتضح أن ليلة كانت سخرية لهاكان وأسرته وتلك الفتاة التي لا تعرف للآن من هي!
امتقع وجه رشاد واغتاظ من لورا، بينما تحدث هاكان موجهاً الحديث للورا بصوت حاد:
_ لورا!!!
فقال رشاد جملته ليرد الصاع للورا:
_ آه هي.. هي نفس البنت اللي هاكان أخويا قال عليها شاطرة وممتازة ومناسبة جداً للشركة.. ولا مش فاكرة لما قال أنه هيساعدها لحد ما تكمل دراستها وبعدين يوظفها في المكان اللي تستحقه! نسيتي ده كله ولا إيه؟
تسمرت ليلة في مكانها وتسحبت نظرتها بدهشة نحو هاكان، الذي أصبحت عيناه كالجمر الملتهب من الغضب وهو ينظر لشقيقه رشاد!
رواية مديري مستر فرعون الفصل الثامن 8 - بقلم رحاب ابراهيم
تسمرت ليلة في مكانها، وتسللت نظرتها بدهشة نحو هاكان، الذي أصبحت عيناه كالجمر الملتهب من الغضب وهو ينظر لشقيقه رشاد.
شعر رشاد بأن هناك شيء غير مفهوم خلف نظرات شقيقه الغاضبة، خاصةً وأن ليس هناك ما يزعج بالحديث لتلك الدرجة التي جعلت من عيناه جمرتان متقدتان من الغضب.
فحمحم رشاد بتوتر.
بينما لم تتركه لورا يتنعم بانتصاره السخيف بالحديث، فذكرته بوصفه للفتاة:
_ آه افتكرت.. ده أنت حتى كنت نفسك هاكي يشغلها في الشركة عشان تتبسط، أصل النظارة بتاعتها كانت عجباك أوي.
أصبح مجرى الحديث سخيفًا بين لورا ورشاد، الذي أقسم في نفسه أن لا يتدخل مرة أخرى في استمرار علاقتها بشقيقه.
فهتف هاكان فيهما بعصبية وضجر:
_ كفاية سخافة بقا واسكتوا..!
حملقت لورا بهاكان وهي تختنق من كتمان صراخها بوجهه، ورمقته بنظرة نارية متقدة:
_ أنا ما سخفتش يا هاك.. أنت مش شـ…
قاطعها هاكان بوقفته المفاجئة والحادة، وهو يأخذ هاتفه ومفاتيح سيارته من على الطاولة، وطالعها بنظرة عنيفة جعلتها تقطع جملتها:
_ اللي حصل ده أول وأخر مرة يحصل.. واتفضلي معايا عشان اوصلك لحد بيتك.
كانت تصرفاته تخبرها وكأنه يطردها من هذه السهرة عنوةً، ولكن بلباقة ومراعاة أنها فتاة.
فنهضت وأخذت حقيبتها وقد تجهم وجهها، وتجاهلت النظرات المسلطة عليها.
ثم سارت معه بخطوات سريعة وكأن وحشًا يطاردها.
تأملت لوتس بوجه ليلة، وتفاجأت من عينيها الشاردة للبعيد وكأنها في عالم آخر.
بينما تحدث رشاد ليصحح تلك الفكرة المقيتة التي اتخذت عنه:
_ ما تصدقوهاش دي بنت مستفزة وبتقول كده عشان تغيظني.
سألته لوتس وجاهدت لتظهر بثبات رغم الانفعال المشحون بداخلها:
_ تغيظك؟!
أكد رشاد وكأنه وجد مخرجًا لذلك الموقف المحرج:
_ أيوة.. أصلها تبقى زوجة هاكان المستقبلية.. وفي آخر فترة حسيت أني مش مقتنع بيها تبقى مرات أخويا وبعاملها بتريقة.. هاكان ده فيلسوف وغامض صحيح.. بس رغم كل عيوبه يستحق أحلى حاجة.. وأكيد لورا مش أحلى حاجة!
لم تقتنع لوتس بما قاله رشاد تمامًا، ولكنه أظهرت عدم الاكتراث للأمر مؤقتًا حتى تنفرد بصديقتها.
ونهضت وهي تربت بخفة على ذراع ليلة لكي تنتبه وتخرج من هذا الشرود:
_ طب لازم نمشي بقا عشان منتأخرش.
اعترض رشاد، وظهر أنه يضع اهتمامًا خاصًا بلوتس، رغم أنه ببادئ الأمر أتى لصديقتها ليلة العيد:
_ أحنا لسه ما اتعشيناش سوا ولا قعدنا.. أنتوا مش كنتوا هتتعشوا برضه؟
أجابت لوتس بابتسامة حاولت أن تبدو طبيعية ولا تعشره أنها استاءت مما حدث:
_ كنا.. بس دلوقتي اتأخرنا.
فهم رشاد أن وجوده كان سبب الاضطراب لتلك الأمسية.
فنظر للوتس باهتمام وقال بنظرة لامعة بالإعجاب:
_ طب ممكن رقم فونك عشان اتصل أطمن عليكي لما ترجعي البيت؟
تحولت ابتسامة لوتس المجاملة لحدة وعصبية:
_ أنت عارف أنت بتكلم مين..؟!
وشعرت ليلة العيد أن لوتس ستعرف عن نفسها دون إدراك للموقف.
فنهضت وقاطعت حديثها وقالت لرشاد بصوت حاد:
_ ما بنديش أرقام تليفوناتنا لحد.. بعد إذنك!
استاء رشاد من تعكر الموقف وصحح بارتباك:
_ ما أقصدش حاجة والله.. طب على الأقل أوصلكم ماينفعش ترجعوا لوحدكم بليل كده؟
كان يتحدث ببعض المبالغة.
فتنفست لوتس بضيق وهتفت:
_ يلا يا ليلة عشان اتخنقت.
وغادرن مبتعدتين عنه في انفعال واضح.
بينما وقف رشاد بمكانه متعجبًا من التغير الجذري لتلك الفتاة المجهولة والجذابة بدرجة مهلكة التي ترافق صديقتها صاحبة النظارات السميكة:
_ أول مرة معرفش أخرج حتى بالاسم الأول.. بس ماشي يا قمر أنتي.. حتة بت ملامحها مرسومة رسم، يخربيت حلاوتها.
وتحت نسمات الليل سارت ليلة العيد بالطريق شاردة تمامًا، ويبدو على ملامحها الصمت المطبق.
فهمست لها لوتس بلطف:
_ حاسة بيكي وعارفة بتفكري في إيه.
التفتت لها ليلة بتفاجئ وتعجبت:
_ عارفة..؟! .. إذا كان أنا نفسي تايهة ومش عارفة!
تبسمت لوتس برقة، ثم قالت بنظرة يملأها الحيطة والحذر:
_ خلي بالك من قلبك يا ليلة.. هو قلبه لسه فاضي.
توقفت ليلة العيد بمكانها بتسمر، ثم تاهت نظرتها بوخزة ألم وهي تنظر للوتس.
فأردفت لوتس وهي تقف أمامها بنظرة داعمة:
_ لما كنا في المطعم عرفت أدخل عقله وأفكاره، بس محاولتش أسيطر على ردوده زي كل مرة، المرادي بس كنت عايزة أعرف هو بيفكر في إيه وأزاي.. لأني قرأت أفكارك أنتي كمان وعرفت أنك بدأتي تعجبي بيه.
امتقع وجه ليلة وهي تنظر للوتس بمزيج من الحيرة والضيق لاقتحام خصوصية أفكارها دون علمها.
فتابعت لوتس بجدية:
_ هاكان ده شخص عملي مابيهموش المظاهر فعلًا، قلبه فاضي مافيهوش واحدة ولا حتى معجب بحد.. كل مشكلته معاكي أنه مش فاهم قبلك أزاي في شركته، وأنك كمان ما بتحاوليش تلفتي نظره زي أغلب البنات حواليه.. رغم أنك في نظره عادية اكتر منهم.. يعني من الآخر ده ما بتبذليش مجهود عشان تعجبيه.. وده رغم أنه كان بينرفزه في كل بنت بتشوفه، الا أنه أضايق أنك معملتيش زيهم!.. ما توهميش نفسك أنه مهتم.. لأنه مش مهتم بحد… وعلى فكرة هو مش شرير.
أوجعتها تلك الكلمات.
فربتت لوتس على جانب وجهها وقالت بحنان:
_ أنا عارفة أن يمكن كلامي قاسي شوية، بس هيفوقك وهينقذك من حفرة كنتي هتوقعي نفسك فيها بعدين.
اضطرب صوت ليلة وهي ترد بنفس وأنكار:
_ أنتي.. أنتي فهمتي غلط يا لوتس، أعجابي بيه مش عشان شكله ومركزه… أعجابي بيه لأنه ناجح وطموح وله شخصيته في شغله زي ما سمعت.. أعجاب عن أعجاب يفرق.
لم ترغب لوتس أن تجرحها أكثر من ذلك رغم درايتها بالحقيقة:
_ ممكن جدًا أكون فهمت غلط، بس لو أنتي وخداه قدوة ليكي فهو في الحتة ده فعلًا قدوة.. شاب لسه صغير ورجل أعمال وله اسمه بالشكل ده فأكيد لازم يبقى قدوة.
سألتها ليلة العيد بارتباك:
_ بس أنتي قولتيلي أنه مش بيحب حد.. أومال اللي المفروض خطيبته دي إيه..؟!
أجابتها لوتس بتوضيح وتمنت أن لا يتجدد أملها بهذا الرجل الذي قلبه وكأنه من جرانيت:
_ شايفها أكتر بنت مناسبة لمستواه هو وعيلته بعيدًا عن تصرفاتها المستفزة.. زي ما قولتلك هو شخص عملي جدًا.. مساحة العاطفة في قراراته شبه منعدمة!…. راجل زي ده لازم واحدة تبهر عقله عشان تعرف تدخل قلبه.
وابتسمت لوتس متذكرة شقيقها:
_ بيفكرني بأخويا سركن.. من وهو طفل بيحب المعارك وبيعشق القتال والضرب بالسيوف، المرأة عمرها ما كانت جزء من حياته حتى ولو جزء بسيط.. رغم أنه اتحب من الأميرة والجارية.. لكن هو عمره ما لفت نظره أي بنت!… ولا حتى مهتم يتجوز!
ولم تنتبه ليلة لما قالته لوتس عن شقيقها، فهي كانت تائهة بذلك الرجل الذي غزا فكرها بالأيام القليلة الماضية.
فقالت وهي تتظاهر بالمزاح:
_ طب يلا نركب تاكسي عشان كده هنتأخر فعلًا.. بس هروح بالفستان ده؟!
نظرت لوتس لمظهرها وتذكرت عائلتها الحمقى فطمأنتها:
_ هدخلك من غير ما يشوفوكي.
وبعد منتصف الليل…
كان رفاعي يتناول جرعاته المخدرة في إحدى "الخرابات" الذي لا يزورها سوى قطاع الطرق والمجرمين ليلاً.
وقال بضحكة ثملة وهو يتحدث مع رجلًا آخر يتكئ على وسادة متسخة بالأتربة والغبار الأسود:
_ الحتة اللي مدكن عليها دي تسوى ملايين ياض يا دسوقي، حتة آثار أنما إيه هتعيشنا ملوك زمانا.. حتة تقيلة تقيلة يعني.
رد عليه دسوقي بنظرات ماكرة وهو يضمر الغدر:
_ طب ومطبق عليها فين دي يابن اللذينة؟.. ده انت مطلعتش سهل ابدًا.
فخّم فيه دسوقي لينال غرضه، فضحك رفاعي بزهو ساذج:
_ أومال فاكرني قاعد طول المدة دي كده على الفاضي!، أنا بس مستني لما الحكومة تبعد عنيها عننا شوية وبعدين أحطها على الميزان واللي يقدر تقلها يدفعلها.
ضيّق دسوقي عيناه بمكر وسأله بلهفة:
_ طب وأنا.. ماليش شوية رمل في الشيلة دي؟
ضحك رفاعي بقوة وقال:
_ ده أنت المقاول يا دسوقي عيب عليك.. هات انت بس المشتري وهتاخد شوال رمل بحاله يا صاحبي.. بقولك الحتة تقيلة، يعني هتصيف في المالديف وتبقى نضيف ياض يا نتن.
وضحكا الاثنان بأعلى صوتهما.
حتى اجتر دسوقي الحديث معه قائلًا بعد ذلك ليعرف مكانها السري:
_ طب والحتة دي مدفونة فين ياض؟.. قولي عشان اروح ادعيلها.
رد رفاعي قائلًا:
_ مش هقولك دلوقتي.. كام يوم هاخدك ونروح نزورها، هات انت بس المشترى واحنا نطلعها ونتحاسب.
ردد دسوقي بصوت خافت:
_ هحاسبك فعلًا يا رفاعي.. وكله بالشرف، إلا الشرف.
وبين كومةً من القش كان يختبأ ذو العيون الزرقاء التي اسودت كالجمر من الغضب.
وتلك من ضمن مهامه السرية للمجيء للمستقبل عبر آلة الزمن.
وامتلأت نظرته بالشراسة والانتقام من الذين يسرقون آثارًا لأعظم الحضارات على الأرض، ولا تقدر بثمن لبيعونها بالبخس وتخرج من أرض مصر العظيمة لبلادًا يتباهون بمجرد امتلاكها ويعرضونها بمتاحفهم كأنها صنع أيديهم!!
واستطاع سركن الاختباء حتى خرج من تلك الخرابة التي تبعد خطواتٍ عن الحي الشعبي الذي أتى إليه لهدفًا خطير وهام.
ثم عاد بالطريق المظلم وتوجه نحو منزل قديم مهجور أقام فيه ليلته السابقة.
وذلك المنزل هو المقابل تمامًا للمبنى القديم التي تقيم فيه شقاوة.
وبفيلا فخمة بأرقى أحياء القاهرة.
دخلت لورا وعلى ملامحها الانفعال.
توجهت لغرفتها بالطابق الثاني مباشرةً ولم تعير لوالدتها تهاني التي ترتشف من كوب مشروبها الدافئ أي اهتمام.
راقبت تهاني ابنتها وهي ترتقي درجات السلم بعصبية واضحة.
ثم تنهدت بضيق:
_ أكيد عريس الغفلة هو السبب في عصبيتها دي!
وانتظرت لبعض الوقت حتى قررت الصعود لابنتها وتطمئن عليها.
وبغرفة لورا.
نقرّت تهاني على الباب بخفوت ثم فتحته ونظرت لابنتها التي تجلس على فراشها منكمشة وتبكي بحرقة!.
وقفت تهاني لدقيقة تطالعها بعصبية ثم أغلقت الباب بلطف واقتربت منها:
_ أنا قولتلك وحذرتك قبل ما تمشي.. مكنش ينفع تروحي له يا لوري وهو أساسًا النقابلات دي من ضمن شغله!
صاحت لورا ببكاء وانهيار وهي تضرب بيديها الفراش:
_ أنتي ماشوفتيش معاملته ليا كانت عاملة إزاي، ده أنا كنت حاسة أني خدامة عنده وبيعاملني بمنتهى القرف! .. أنا عملتله إيه عشان يعاملني كده؟
ردت تهاني قائلة بغيظ:
_ بتجري وراه ومحسساه أنه شهريار زمانه!.. يابنتي الرجالة مابتتعاملش كده!
تحدثت لورا بألم وبكاء:
_ بحبه يا ماما.. بحبه ومش متخيلة أني ممكن أتجوز حد غيره، حاولت كتير أوي أقربله واقطع المسافة البعيدة دي اللي ما بينا لكن هو قافل أوي على نفسه.. حاولت أشاركه أهتماماته مانفعش وما اهتمش! .. أنا مش قادرة أفهمه ولا عارفة أخليه يحبني أزاي!
قالت تهاني برفضها وانفعال لكل ما تقوله ابنتها:
_ الجوازة دي من البداية وأنا مش مقتنعة بيها، بصي يابنتي أنا عندي شعار في حياتي.. خدي اللي بيحبك هتعيشي مرتاحة، عندك أنا مثلًا.. يوم ما لقيت نفسي هتهان بسبب قلبي وافقت على أبوكي بمجرد ما اتقدملي.. أبوكي كان بيتمنى نظرة بس مني.. وأهو بقالي سنين عايشة مرتاحة ومحاولش مرة يزعلني.. لكن أنتي بتفكيرك ده هتتعذبي كل لحظة وهتسكتي غصب عنك عشان بس يسمحلك تفضلي جانبه!.. الراجل ما بيحبش غير الست اللي تدوخه وراها ومايبقاش عارف يطولها.
استرسلت دموع لورا بغزارة ورغم انها لم تقتنع بما قالته أمها ولكنها قالت بعذاب:
_ قلوبنا مش بإيدينا يا ماما.. أنا بحبه من سنين، يوم ما اتقرت فاتحتنا ما نمتش من كتر الفرحة، كنت حاسة اني مش عايزة أي شيء تاني من الدنيا.. لكن هو دايمًا بعيد… بعيد أوي كأنه مش شايفني، والغريب بقا أني متأكدة أن مافيش واحدة في حياته أصلًا.. أنا بس بتمنى يديني فرصة اقربله ويجرب.. يمكن يحبني.
هتفت تهاني بها بسخط:
_ يمكن يحبك؟! .. تصدقي أنا بقيت بتجنب أتكلم معاكي عليه عشان كلامك المتخلف ده!… أنتي ناسية أنتي مين وتبقي بنت مين؟ .. بصي بقا عشان جبت أخري منك ومن الولد ده.. لو في الخطوبة ما اتعدلش وعرف قيمتك الجوازة دي مش هتتم، وهجوزك سيد سيده، وده آخر كلام عندي.
قالت تهاني ذلك ونهضت غير مكترثة لدموع ابنتها والخوف الذي ملأ عينيها.
رمتها بنظرة محذرة أخيرة ثم خرجت من الغرفة.
فأرتمت لورا على فراشها مجددًا ودخلت بنوبة بكاء شديدة.
وبفيلا عائلة هاكان.
_ اسمع بس يا هاك.. قبل ما تمد ايدك عليا اسمعني لوجه الله.
كان هاكان ينظر لشقيقه رشاد بشراسة وعروق رقبته تظهر مدى غضبه.
وظل رشاد يتراجع خطوات للخلف وهو يشير لهاكان بأن ينتظر ويستمع إليه، بينما كان هاكان قد فقد رباط الجأش منه.
ولم ينتبه رشاد في عودته للخلف أنه خرج من الباب المؤدي للمسبح بالجنينة.
وبلحظة سقط فيه وهو يصرخ مستغيثاً.
فوقف هاكان على أطراف المسبح الرخامية بمزيج من الغيظ والسخرية وخلع قميصه الأسود الستان ليظهر صدره العريض وضيق خصره.
ثم قال بتوعد قبل أن يقفز بالمياه:
_ محدش هينجدك مني النهاردة.
سبح رشاد مبتعدًا بمسافة لا بأس بها عن شقيقه.
ثم رفع رأسه بضحكة قائلًا ورأسه يتساقط منه الماء:
_ وهو أنا قولت حاجة غلط، هو مش ده اللي حصل يسطا؟
دفع هاكان بقبضته قطرات المياه بوجه شقيقه بغيظ.
فأستقبل رشاد دفعة المياه بضحكة عاليةً ثم أضاف باستفزاز:
_ ده أنا مرضتش أقول الباقي احسن آنسة كحك العيد تفتكر أنك معجب بيها ولا حاجة!
ورغم غيظ هاكان من رشاد إلا أنه ابتسم بعد ذلك رغمًا على ما لقبّها به رشاد.
فقال هاكان وهو يكتم ضحكته:
_ بطل استظراف.. فعلًا كان عندها حق لما قالت عليك شبه طبق البامية.. وصف دقيق.
ابتسم رشاد ابتسامة مستفزة وعلّق وهو يسبح بالمياه بتلذذ:
_ برضه مش هتستفزني.. وبعدين تقول اللي تقوله مش زعلان، ده كفاية البت اللي معاها يا جدع.. البت شعرها ورسمة عيونها من عالم تاني! … معرفتش أخد رقمها بس وغلاوة لورا عندك لأخده.
سبح هاكان برشاقة حتى مكان شقيقه، بينما هرب رشاد وسبح بعيدًا عنه.
وظل يلاحقان بعضهما لبعض الوقت، حتى أخرج رشاد رأسه وضحكا عاليًا من جديد.
ثم خرج من المسبح هاتفًا بضحكات وهو يتوجه للداخل حيث غرفته بأحد الطوابق:
_ هغيّر هدومي وراجعلك.
سبح هاكان لبعض الوقت وأفكاره متجهة بغيظ من تلك الفتاة التي تصر لتؤكد له أنه لم يؤثر بها على الإطلاق كرجل!
وبعد دقائق كثيرة استند هاكان على أطراف المسبح لينهي تلك الجولة.
فتفاجأ برشاد الذي بدل ملابسه بملابس رياضية ويقف ناظرًا بابتسامة ماكرة له:
_ بس قولي ولا تخبيش يا هاك.. أنت جيت قعدت معانا ليه وسيبت لورا والفوج السياحي.. لأ وكنت بتبصلنا بغيظ أول مرة أشوفه في عنيك ليا.. تقولش عدوك!
أخذ هاكان قميصه الأسود وهو يبعد خصلات شعره من على عيناه السوداء.
وطالع شقيقه بنظرة حادة متحدية وأجاب:
_ خليك فاكر أنك أخويا وكل تصرفاتك محسوبة عليك وعليا كمان.. يعني تصرف غبي زي اللي عملته النهاردة لما روحت وقعدت معاهم بدون استئذان مش هيتفهم غير بحاجة واحدة وبس.. ولأني برضه عارف طريقة كلامك مع أي كائن أنثوي كان لازم أنقذ الموقف قبل ما سيرتك تبقى على كل لسان.. وأظن لولا أني قعدت كنت هتعك كتير أوي في الكلام.
أومأ رشاد رأسه بموافقة ساخرة:
_ هعمل نفسي مقتنع يا كينج.. بس اقولك الصراحة، البت دي رغم أنها مش قد كده.. بس كاريزما، وبما أني بفهم في الكائنات الأنثوية ومعايا ليسانس فأحب أقولك سر… البنت الكاريزما أجمد من البنت الأمورة.. مش عارف.. بس حاسس أن ده ذوقك في النسوان؟!
ضيّق هاكان عيناه بدهشة وسأله ليتأكد من ظنه:
_ أنت تقصد مين بالكاريزما؟
اتسعت ابتسامة رشاد بمرح:
_ آنسة كحك العيد.
فر رشاد هاربًا بضحكة عالية عندما اندفع نحوه هاكان بغيظ.
وبعدها وقف هاكان يسخر بازدراء من تلك الفكرة.
لا يمكن أن يكون ذوقه بالفتيات متواضعًا لتلك الدرجة الحقيرة!
هكذا ردد في نفسه بتأكيد!
وبغرفة ليلة العيد بمنزلها.
نظرت لوتس لتلك البلورة المضيئة وهي تضحك بقوة عندما رأت مشهد هاكان وشقيقه كاملًا.
حتى دخلت ليلة وهي تحمل بعضًا من ملابسها ووضعتها بقفص الغسيل.
ثم سحبت المنشفة من على شعرها المبتل وقالت بتنهيدة ارتياح:
_ خدت دش وهعرف أنام كويس.. أنتي كنتي بتعملي ايه؟
تنفست لوتس بعمق ونظرت لها بابتسامة واسعة بعدما استطاعت إخفاء تلك البلورة قبل أن تعود ليلة:
_ كنت بفكر في سركن أخويا.. أصله أصر أني ابقى بعيدة عنه الفترة دي لحد الميعاد المنتظر ونرجع.
مشطت ليلة شعرها أمام المرآة واقترحت:
_ يمكن عشان يحميكي.
اقتربت لوتس من ليلة وأخذت منها المشط وبدأت هي بتمشيط شعرها برقة:
_ سركن محدش يقدر يقف قصاده زي ما أنتي متخيلة.. سركن أخويا بيتدرب تدريبات مميتة وخطيرة جدًا ودايمًا بينجح فيها بمنتهى السهولة.. من ناحية الأعداء فهو يقدر يحميني، أنا حاسة أن في شيء تاني.. شيء مصمم يخبيه حتى عني أنا!!.
نظرت لها ليلة بقلق وألم:
_ أنتي زهقتي من القاعدة معايا يا لوتس؟
دهشت لوتس من ظنها، فجعلتها تلتفت إليها قائلة وهي تربت على خد ليلة بحنان:
_ لا يا ليلة ماتقوليش كده.. أنا بس مستغربة، لكن أنتي خلاص بقيتي بنتي وحتة مني.. ومستعدة اعمل أي شيء عشان خاطر سعادتك… هو في أم بتزهق من بنتها؟!
ضمتها ليلة بمحبة حقيقية، وكافحت حتى تخبأ دموعها فقالت بمزاح:
_ طب ما تقوليلي بقا إيه التدريبات الخطيرة والمميتة دي؟
عادت لوتس لتمشيط شعر ليلة ثم أجابتها:
_ دي من أسرار المملكة وأسراره الشخصية كمان، لكن اللي أقدر أقوله أنه يقدر يدخل أي معركة حتى وهو مخبي عنيه.. عبقري في فنون القتال بكل أنواعها اللي التاريخ ذكرها واللي مذكرهاش كمان.. سركن أتولد عشان يبقى دايمًا قائد.
قالت ليلة بفخر:
_ تاريخ مصر القديم والحديث كمان مليان بالشخصيات الأسطورية دي.. حضارة ٧ آلاف سنة!
ضحكت لوتس بقوة وقالت بعدم تصديق:
_ ٧ آلاف سنة…! ، تاريخ مصر أعرق وأقدم من كده بكتير أوي.. عشان كده مصر هتفضل اللؤلؤة النادرة اللي هتفضل حلم للجميع.. الأسطورة اللي مالهاش زي.
دهشت ليلة من حديثها، ولكن ما عكر مزاجها هو صوت خالتها سميرة وهي تصيح وتهتف بالشتائم الصريحة لليلة، وذلك بسبب أنها تركت صنبور المياه تتساقط منه القطرات القليلة.
فقالت ليلة بغيظ:
_ ربنا يرحمني منكم وتبعدوا عني بقا.
قالت لوتس بضيق:
_ عارفة يا ليلة أنا كان ممكن أسيطر على عقلهم واخليهم يمشوا من هنا ويرجعولك حقك.. بس خوفت عليكي، بمجرد ما أمشي وتأثيري عليهم يختفي مش هيسكتوا أبدًا وهيبهدلوكي على ما يرجعوا تاني.. ومتوقع منهم أي شيء.
تألمت عينان ليلة وقالت:
_ مافيش داعي لوجع القلب.. أصل بمجرد ما تمشي هترجع ريما لعادتها القديمة وأسوأ كمان.. يبقى خلينا زي ما أحنا وبلاها بهدلة.
تسللت أشعة الشمس عبر النافذة التي غفلت شقاوة عن إغلاقها ليلة أمس من فرط سعادتها وانشغال فكرها بذاك الغريب.
تنهدت بكسل وهي تفتح عيناها بعد ساعات نوم طويلة.
كأنها لم تنم منذ عقود!!
تثاءبت ومطت ذراعيها ثم اعتدلت بالفراش واعتلت ابتسامة على ثغرها.
وابتسمت بدفء عندما هجم على فكرها ما حدث ليلة أمس.
شعرت بمزيج من البرودة والدفء!
وبحركة لا إرادية أرجعت خصلاتها الطويلة للخلف وظهر رداء نومها الخفيف الذي ظهر مساحة رقبتها كاملةً.
ولكنها كانت تظن أنها بمفردها تمامًا.
بينما كان هو قبالتها على السطح المقابل، متسمرًا من رؤيتها بتلك النعومة الخاسفة لمقاومته.
كان قد صعد بسط ذلك المبنى المهجور ليشم هواءً نقيًا.
وربما كان يرغب برؤيتها، ولكنه لم يظن أبدًا أنه سيراها من خلال النافذة المفتوحة.
وتنهدت شقاوة بابتسامة ثم نظرت للنافذة بتعجب.
ولكنها تجمدت عندما وجدت عيناه الزرقاء تطلع إليها بها من السطح المقابل بذلك العمق.
سحبت شقاوة سريعًا الغطاء على جسدها بتوتر وخجل وسترت ما يظهر من ذراعيها ورقبتها.
بينما استطاع سركن إبعاد عيناه عنها بقوة وظهر عليه الضيق من نفسه.
وتحركت شقاوة وهي ملفوفة بالغطاء لزاوية بعيدة عنه وارتدت رداءً ساترًا أكثر من ذلك.
وتنفست الصعداء ثم عادت للنافذة ونظرت له بارتباك وحياء.
فقال بإعتذار حقيقي:
_ أقسم لم أقصد شيئًا بصعودي لهنا سوى أن أطمئن عليكِ… لذلك كنت…
ظهر التردد والحرج الشديد بصوته وهو يوضح:
_ لذلك كنت أنظر من النافذة وأحاول أن أراكِ بخير.
أشرقت ابتسامتها وقالت بارتباك:
_ أنا بخير يا سي غريب.. بخير ياخويا اطمن.. وهو بعد اللي عملته في صبري امبارح هيفكر يعتب الحارة تاني؟ .. الا صحيح أنت فطرت؟!
رد قائلًا:
_ ليس بعد.
ابتسمت وقالت:
_ خلاص.. هبعتلك الولا بودة بعيش وطعمية وطبق فول من اللي قلبك يحبه.
قال "سركن" بصدق:
_ ولكن قلبي لا يحب الفول والطعمية؟ …. ومن هذا المدعو "بودة"؟
ضحكت شقاوة وظهرت غمازتيها:
_ يا أخويا مش قولتلك تتكلم بالبلدي كده، بس خلاص طالما بتحب النحوي احبه انا كمان واكلمك بيه … أومال ده أنا شقاوة البقلاوة!
فكرت شقاوة لبعض الوقت وكأنه تحاول تكوين جملة:
_ المدعوق بودة هذا يكون ابن الولية جمالات بتاعة الخضراوات … ولا تنسى البقدونس والكرات يا سيدي.
صاحت سماح فجأة من خلف شقاوة التي لا تعرف كيف تسللت للغرفة:
_ انتي خدتي كورس نحوي يابت؟!
صرخت شقاوة من الفزع ثم بصقت بغضب وهي تنظر لسماح مما جعل سركن يضحك بضحكة عالية اقتحمته فجأة.
فتغير مزاج شقاوة من ضحكته وقالت بتنهيدة وابتسامة حالمة وهي تستند بمرفقيها على حد النافذة الخشبية:
_ تدوم الضحكة يا سي غريب.
لوت سماح شفتيها وقالت بسخرية:
_ مُحن مجرور بالكسرة!
نظرت لها شقاوة بعصبية وهي تخفي توترها:
_ ما تصطبحي على الصبح ياختي.
قالت سماح بضحكة وحماس:
_ مصطبحة ياختي وزي الفل.. أسكتي مش الولا سردينة عاد معتذرا؟
سخرت شقاوة وهي ترى السعادة بعينان سماح بارزةً:
_ وأنتي عملتي ايه يا نفرتيتي؟
ابتسمت سماح بحياء، ثم ضحكت ضحكة رقيعة عالية وأجابت بحياء مرةً أخرى:
_ من فرحتي يابت عزمته على فسيخ.. هو أنا هقفله على الواحدة يعني.. ما يخوني عادي هو أنا الملكة ليزابسة؟ ولا اكونش الملكة ليزابسة؟….. وربنا لو كنت مكانه ما كنت هعبرني!
وتابعت سماح بسعادة وهي تصف:
_ هو عاد معتذرًا من هنا ومالحقش يكمل كلمة قومت حدفاله كلمة بحبك في وشه كده قبل ما يعود غائبًا.. آآه مافيش وقت، لكن للأسف.. جري خائفًا! … اكيد من الفرحة؟
كتمت شقاوة ضحكتها.
حتى نظرت لها سماح بعمق وهي تفكر!!
وبفيلا عائلة هاكان.
كان هاكان لا يزال نائمًا عندما دقت الساعة الثامنة صباحاً، وهذا يخالف تمامًا مواقيت نومه واستيقاظه الدقيقة.
بينما نفخت بأذنه لوتس وهي في هيئة القطة حتى يتثاقل رأسه ويظل نائمًا لأطول فترة ممكنة وتستطع تنفيذ ما فكرت به.
وهمست لنفسها بتفكير:
_ دماغه ناشفة أوي بس هتلينيمكن لما يشوف نفسه أمير وليلة العيد سندريلا يرق بقا يخربيته.
ونفذت لوتس فكرتها الكوميدية وهي تضحك وتلاعبت بالفعل بأحلامها ورسمت مشهدا ساحرًا وشاعريًا مثلما تقول الأسطورة.
وظهر على ملامح هاكان بعض الانزعاج وهكذا بدأت بالفعل الخطة.
وكانت كالتالي.
_ يا آنسة.
نظرت ليلة العيد برداء الأميرات الفاتن.
واقترب لها هاكان بابتسامة وقال:
_ ممكن أعرف انتي مين؟
أجابت ليلة العيد وهي على شفير البكاء:
_ لما ألاقي نضارتي الأول.. طالما مش شايفة يبقى مش هفتكر حاجة.. تنستر يارب لو دورتلي عليها.
تعجب هاكان منها ولكنه نظر حوله وهو وسط حشد غفير من المدعوين للقصر الملكي الذين ينتظرون العروس المختارة للأمير الشاب.
وفجأة انتبه هاكان لشيء داكن مخيف بجانب إحدى الطاولات.
فاقترب لفحصه وتبيّن أنه تلك النظارة البشعة.
فعاد لتلك الفتاة التي تغمض عيناها بضيق ووضع النظارة على عينيها قائلًا:
_ كده تمام..؟
فتحت ليلة العيد عيناها، ثم صاحت بسعادة:
_ اللهي تنستر وما تتحط في ضيقة أبدًا.. ربنا يخليك ويعلي مراتبك مرتبة مرتبة.
ابتسم هاكان لها ولبساطتها ثم قال:
_ طب ممكن تشاركيني الرقصة دي ونتعرف براحتنا؟
جعدت ليلة العيد عيناها بذهول وصرخت بوجهه في غضب:
_ أشاركك إيه يا عنيا؟! … الرقصة؟ .. ما تحترم نفسك يا راجل أنت؟ .. أنت أمير أنت؟! قال شاركيني الرقصة ونتعرف قال!
أتت نورمان والدته وهمست بتساؤل وقلق بمزيج من التركية والمصرية:
_ فيه إيه حبيبي؟
نظرت لها ليلة بتعجب ثم قالت بانفعال:
_ ما تحوشي ابنك يا سلطانة هويام؟ ما تربي ابنك ياختي؟ … ده عايزني أرقص معاه؟ .. أنا جاية آكل مش أرقص!
أشار لها هاكان بتحذير:
_ وطي صوتك.. أو أقولك أطلعي برا.
(صرخت لوتس وقالت وهي تشاهد ما يحدث: _ سندريلا اللي مشيت وهو جري وراها مش طردها.. هتجيبولي جلطة، حتى في الحلم بتتخانقوا!!)
نظرت له ليلة العيد بغضب وقالت:
_ يعني هتطردني من الجنة!
وهنا قرر هاكان أن يأمر الحرس باعتقالها بسبب الفوضى التي أحدثتها تلك الفأرة بين الحضور.
فهربت ليلة العيد وركضت للخارج.
وركض هاكان وحراسه خلفها.
وعندما سقط فردة حذائها، أخذها هاكان قائلًا للحرس:
_ اقلبوا عليها البلاد.. لازم تلاقوها وتسجنوها.
بصقت لوتس في أذن هاكان بغيظ وقالت:
_ يا مراري.. الامير كان بيدور عليها عشان يتجوزها وده بيدور عشان يسجنها!! .. ده أنتوا اللي يفكر أنه يقربكم لبعض يبقى متخلف!
واستيقظ هاكان وفتح عيناه فجأة كأنه مر بكابوس بشع.
اعتدل من الفراش وتنهد بعمق.
ثم نظر للساعة واتسعت عيناه بصدمة.
فأسرع للحمام ليأخذ دشًا سريع قبل أن يستعد للذهاب.
ودقائق وكان يخرج وهو يجفف رأسه المبتل بالمنشفة.
بينما تسللت ابتسامة سريعا ما تحولت لضحكة عندما تذكر ذلك الحلم.
رواية مديري مستر فرعون الفصل التاسع 9 - بقلم رحاب ابراهيم
استيقظ هاكان وفتح عينيه فجأة كأنه مر بكابوس بشع. اعتدل من الفراش وتنهد بعمق، ثم نظر للساعة واتسعت عيناه بصدمة. أسرع للحمام ليأخذ دشًا سريعًا قبل أن يستعد للذهاب.
دقائق وكان يخرج وهو يجفف رأسه المبتل بالمنشفة. تسللت ابتسامة سريعة على وجهه، سرعان ما تحولت لضحكة عندما تذكر ذلك الحلم العجيب.
وبعد دقائق، دلفت نورمان للغرفة مع إحدى الخادمات. ظنت أن هاكان ذهب لعمله، لكنها تفاجأت عندما وجدته يرتدي جاكت بدلته الرسمية الأنيقة باللون الجملي المناسب للطقس الراهن، وبنطالًا أسود من الجينز.
فقالت بلغتها العربية الركيكة:
"أنت لسه ما روحتش للشغل!"
مشط هاكان شعره الأسود الذي يصل لبعد أذنيه بقليل، ورد بعجالة تاركًا المشط من يده:
"اتأخرت في النوم شوية."
أخذ مفاتيح سيارته وهاتفه الخاص، ثم أشار لأمه بسلام مؤقت وخرج من الغرفة. تنفست نورمان ببعض الضيق من أمر ولدها المحير، ثم بدأت تخبر الخادمة عن مهمة التنظيف العميقة للغرفة، مع الحرص الشديد ألا تقترب لمكتبته الخاصة.
***
دخلت ليلة العيد للمصعد بمبنى الشركة بمفردها. حمدت ذلك الانفراد الذي جعلها تنظر بتمعن في مرآة المصعد لترى مظهرها اللطيف بذلك الفستان الخريفي باللون الجملي الدافئ، ويتوسطه حزام عريض أسود يعطيه مظهرًا أنثويًا أنيقًا. تنهدت بمزيج محير من الرضا عن مظهرها والقلق من رؤيته. وقد بدأت تتقبل عملها المؤقت هذا حتى إشعار آخر.
وحينما خرجت من المصعد، لمست نظارتها بحركة لا إرادية. بينما أوقفتها تلك الفتاة اللطيفة منة وتبسمت، معربة:
"إيه الجمال ده يا لولو ما شاء الله! الفستان ده ذوقه يجنن."
ابتسمت ليلة بفرحة كالصغار وهي تنظر لفستانها، وقالت بابتسامة عريضة:
"بجد عجبك؟"
أكدت منة بقوة:
"جداً جداً.. هسألك جبتيه منين بس مش دلوقتي، روحي بسرعة على شغلك قبل Hk ما يوصل."
أسرعت ليلة العيد بخطواتها بمجرد الإشارة إليه. وحينما دخلت المطبخ العريض، وجدت ذلك الصبي اللطيف سقراط جالسًا ويبدو على ملامحه الهم والضيق. فدخلت وهي تجر مقعدًا وتجلس قبالته:
"مالك مكشر كده على الصبح يا سقراط؟ حد زعلك ولا إيه؟"
رد سقراط بتقطيبة:
"محدش يقدر يزعلني."
نظرت له ليلة بشك. فخر سقراط معترفًا بغيظ وسخط:
"بصراحة كده أنا في خطر.. أصل في بلطجي في الشارع عندنا رامي بلاه على كل الناس والكل بيخاف منه.. ومن كام يوم خرجني من شقتي بمنتهى الاحترام."
تألم سقراط سرًا وهو يتذكر الصفعات المتتالية التي أمطرت على وجهه وخلف رقبته. واستطرد بتقطيبة:
"ومصمم ياخد الشقة.. أصلها بتطل على ناصيتين، أول ناصية الصرف الصحي يعني موقع ممتاز وبحري، وتاني ناصية مقلب الزبالة يعني فيو ولا أروع."
سألته ليلة العيد باهتمام:
"وأنت عملت إيه؟!"
تهرب من عينيها وقال وهو يتظاهر بقوته الخارقة:
"ضربته لما كسرت عظمه. شيلته كده على إيدي الاتنين وقومت حادفه في الشارع.. لولا الناس لحقوه كان اتدغدغ من شدة الوقعة.. كان بيصرخ وبيترجاني أسيبه في حاله وأنا أبداً ولا ممكن آه."
تعجبت ليلة وسألته مجددًا:
"طب أومال زعلان ليه لما أنت ضربته؟"
اغتاظ منها سقراط وهتف:
"إنتي بتسألي كتير كده ليه؟ ما تسبيني في أحزاني!"
اغتاظت منه وشكت بالأمر برمته، ولكنها نهضت وهي تعد كنكة القهوة وبجانبها البن المميز، قبل أن يرن الجرس وتذهب إليه بقهوته الخاصة.
***
وبالحارة الشعبية...
وقف الطفل بودة، الذي لا يتخطى عمره التسع سنوات، أمام مدخل ذلك المنزل المهجور وعلى وجهه أمارات الخوف. حتى قال بصوت مرتعش:
"يا عم غريب.. يا عم!"
كان سركن جالسًا على إحدى درجات السلم، تائهًا بالفكر ومعاتبًا نفسه بقسوة على هذا المنعطف الذي مال قلبه إليه دون إدراك. وتعجب كيف لهذا الشيء المسمى بالحب يستطيع أن يقتحم قلوبًا لا تريده!
حينما انتبه لصوت يناديه بالاسم التي أطلقته عليه تلك الفتاة التي سرقت خفقات قلبه بلحظة، نهض وانحدر عدة درجات حتى بات أمام ذلك الطفل الصغير الذي يحمل صينية صغيرة تحمل عدة أطباق شهية ومغطاة بمنشفة كبيرة ونظيفة.
نظر الطفل بودة للأعلى بقوة لهذا الرجل العملاق الذي يقترب طوله لـ 200 سم أو ربما تجاوزهم! وقال:
"شقاوة بعتلك الفطار ده وبتقولك بالهنا على قلبك يا سي غريب."
تبسم سركن للصغير ومرر أصابعه على شعره بمشاكسة، ثم أخذ صينية الطعام منه وقال:
"شكرًا يا صغير."
ابتسم الطفل بودة وركض من أمامه عائدًا لأمه بائعة الخضار. ونظر سركن للأطباق، الذي يبدو من رائحتها أنها شهية، ولاحظ أن لم يختلف ذوق المصريين بالطعام الشهي اللذيذ على مر العصور.
أخذ الطعام وصعد تلك الدرجات حتى سطح المنزل المتهالك تقريبًا. وحينما نظر للسطح المقابل، وجد شقاوة تنظر بلهفة لرؤيته. فأفتر ثغرها عن ابتسامة واسعة وقالت:
"فطار سريع كده على ما أدوقك أحلى محشي ورق عنب من إيديا الجوز.. لا ومش بس كده، دبحتلك بطة من اللي مربياهم في العشة اللي جنبي عشان ترم عضمك كده.. بس بأمانة تبقى تقولي رأيك في عمايل إيديا يا سي غريب."
نظر سركن لعينيها الحبيبتين بعمق، كأنه يقسم على نفسه أن يغادر ويرحل قبل أن يتورط قلبه بطريق لا رجعة فيه. ولكن إن قاوم عينيها.. كيف يقاوم ابتسامتها تلك!
لاحظت شقاوة أنها صامت ويبدو على ملامحه القسوة والجمود، فسألته بقلق وارتياب:
"فيه إيه مالك كده يا سي غريب... أنا زعلتك في حاجة تاني؟"
وعندما ظل على حاله، قالت شقاوة بلهفة وألم:
"والله ما أعرف زعلتك في إيه.. طب يعني حقك عليا لو كنت زعلتك، ده أنا عبيطة وأغلب خلق الله وما أقصدش حاجة."
تبسم لعينيها بدفء عنيف ولم يستطع المقاومة، وقال:
"لا تنظري إلي بتلك الحبتان السوداء وأنا غاضب يا فتاة القمر.. سأغفر دون كلمة اعتذار واحدة، عينيك وآه من عينيك.. ثمة شيئًا بيننا أكبر من الوقت والزمان.. رفقًا بقلب القائد الذي لم تهزمه سوى عينيك."
تسحبت ابتسامة على ثغرها بحياء، ثم قالت وهي تريد أن تصرخ من شدة السعادة:
"طب والله لأعملك مع ورق العنب بتنجان وكرنب ها."
ركضت شقاوة لداخل شقتها الصغيرة وهي تقريبًا تقفز مثل الصغار. بينما اتسعت ابتسامة سركن بعاطفة جامحة لن يستطيع بعد اليوم السيطرة عليها مهما قاوم. أدرك ذلك للتو!
***
دخل هاكان بخطوات سريعة لمكتبه وهو يلوم نفسه على هذا التأخير بموعده وإفساد هالة الانضباط الذي تحيطه! وعندما جلس أمام مكتبه، أسرعت خلفه سكرتيرته منة بجدول مواعيد اليوم.
وقالت بشكل روتيني:
"مواعيد حضرتك النهارده و..."
قاطعها هاكان وقال بجدية:
"هاخد نص ساعة ليا قبل أي مواعيد ومش هلفت نظرك للموضوع ده تاني يا آنسة."
تجعد ما بين حاجبي منة بضيق، ووضحت تصرفها:
"أنا منتبهة لكن حضرتك اللي لأول مرة توصل متأخر ساعة بحالها عن ميعادك.. فتخيلت أنك هتقابل العملا على طول."
مرر لها تلك الكبوة وتحدث بهدوء:
"خالص، اعرفي نظامي واحفظيه.. سواء جيت بدري أو متأخر مش هبدأ شغل قبل نص ساعة بعد وصولي."
وتابع حديثه وهو يضغط على جرس الكافيتريا ليأتوا إليه بقهوته الخاصة الصباحية.
***
انتظرت ليلة العيد صوت الجرس بتعجب من تأخره هذا. وحينما ارتفع صوت الجرس، ارتفعت دقات قلبها. ولاحظت أن سقراط ينهض ببطء وهو يعرج بقدمه. فركضت إليه لتساعده حتى يعد القهوة بأسرع وقت.
وبالفعل، أنهى سقراط فنجان القهوة بوقت قياسي. وأخذته ليلة العيد وهي تقول بضحكة مكتومة:
"أنت متأكد إنك أنت اللي ضربت البلطجي يا سقراط؟"
كشر سقراط بطريقة مضحكة، فارتفعت ضحكة ليلة وهي تبتعد وتخرج من الكافيتريا متوجهة مباشرة للسيد المغرور.
وحالما دَقت على باب المكتب دقات متتالية خفيفة، سمح لها هاكان بالدخول وهو يتفحص جريدة اليوم. دخلت ليلة العيد المكتب وغاصت قدميها بالسجاد العجمي الفاخر وهي تسير وجهته، ثم وضعت القهوة على المكتب بأصابع مرتعشة.
رفع هاكان رأسه من الجريدة حتى فنجان القهوة الذي أخذه بلهفة. ولكنه توقف عند ملاحظة مضحكة. لون فستانها هو ذاته لون بدلته، مثلما كان بهذا الحلم العبثي لون فستانها نفس لون بذلته الملكية.
وضع هاكان فنجان القهوة على المكتب وظل صامتًا وناظرًا لها بصمت للحظات. ثم وبدون أي مقدمات، ضحك ضحكات متتالية كلما تذكر ذلك الحلم العبثي مجددًا.
ولكنها يبدو ذهب ظنها بأنه يسخر منها! فقالت بعصبية:
"هو أنا شكلي مضحك للدرجة دي؟"
لم يجيب، ولكنه لم يتمالك نفسه من حالة الضحك هذه. ونهض ووقف أمامها محاولًا السيطرة على نفسه وهو يقول بلمحة اعتذار مبتسمًا ابتسامة مهلكة:
"مش أقصد.. بس افتكرت حاجة كده."
لمست ليلة العيد نظارتها بارتباك، وهذا جعل نوبة الضحك تعود له مجددًا. ورغم عصبيتها، ولكنها ابتسمت رغما عندما وجدت لأول مرة ينظر لها بلطف ويبتسم ويضحك هكذا. كان جميلاً فاتنًا وساحرًا.. يستطيع أن يسرق قلب أي امرأة!
خرجت ليلة العيد من شرودها على صوت فتح الباب ودخول لارا للمكتب دون أدنى استئذان!
رواية مديري مستر فرعون الفصل العاشر 10 - بقلم رحاب ابراهيم
لم أقصد.. بس افتكرت حاجة كده.
لمست ليلة العيد نظارتها بارتباك، وهذا جعل نوبة الضحك تعود له مجددًا. ورغم عصبيتها، إلا أنها ابتسمت رغمًا عنها عندما وجدته لأول مرة ينظر لها بلطف ويبتسم ويضحك هكذا. كان جميلًا، فاتنًا، وساحرًا.. يستطيع أن يسرق قلب أي امرأة!
خرجت ليلة العيد من شرودها على صوت فتح الباب ودخول لارا للمكتب دون أدنى استئذان.