تحميل رواية «مديري مستر فرعون» PDF
بقلم رحاب ابراهيم
الفصل 7 — رواية مديري مستر فرعون الفصل السابع 7 - بقلم رحاب ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تسحبت تلك البائسة ليلًا وهي تكافح ألا يستيقظ أحد من هؤلاء العقارب أسرة عمها المضجعين في فراشهم ويغطون في سباتٍ عميق، حتى دخلت بترقب لغرفة على يمينها، وسحبت ببطء ورقة جريدة تعلن عن وظيفة هامة بشركة سياحة تم افتتاحها حديثًا منذ سنة تقريبًا بعد فترة تجديد بالمبنى أخذت أشهر وتم تسليمها للمالك الجديد، فباتت ذات صيت في فترة وجيزة بعد حالة ركود استمرت لسنوات. وتنفست الصعداء وتهللت أساريرها عندما وجدت ورقة الإعلان مندسة بملف به أوراق وشهادات ابنة عمها "شاهندة".. تلك الفتاة البغيضة التي لا تنفك عن السخري...
رواية مديري مستر فرعون الفصل السابع 7 - بقلم رحاب ابراهيم
جعلت يد صبري المصوبة بوجه شقاوة بقوة شرسة، فصرخ من الألم وسقط سلاحه في بئر دون غطاء. جر "سركن" شقاوة خلف ظهره التي تشبثت بمعطفه الجلدي وهي ترتجف. حدج صبري بالرجل العملاق الضخم بدهشة، لأول مرة يرى رجلاً بهذا الطول وعرض المنكبين رغم خصره المشدود برشاقة متناهية.
قال وهو يبتلع ريقه بقلق ويحرك ذراعه المتألم بقوة:
_ وأنت مين بقا يا فتوة..؟!
لم يجبه "سركن" ولكنه عزم على تلقينه درساً لن ينساه بحياته. عندما شعر صبري بالخطر القادم، هتف برجاله ليأتوا إليه، ولكنه تفاجأ أن رجاله أصبحوا اثنين من بين خمسة رجال أشداء، ويبدو أنهم هربوا منذ قليل.
أتى الرجلان ووقفا خلف صبري، وظهر على وجهيهما بعض القلق. بينما اندفع "سركن" وجرّ صبري من بينهما ولكمه لكمة جعلته يصرخ من الألم وسقط أرضاً بعدها. حاول أحد الرجلين الدفاع، بينما تلقى ضربة مميتة على بطنه جعلته يسقط على ظهره صارخاً.
وقف الثالث ينظر لـ "سركن" محاولاً أن يجد ثغرة ليهزم هذا المخلوق العملاق. فأخرج "مطواة" من جيبه ووجهها بوجه "سركن"، وظل يحرك يديه بتلك المطواة كثيراً، حتى وجد نفسه يجرّ من معصمه الذي التوى بعنف ويندفع بقوة شرسة نحو الحائط محدثاً جرحاً كبيراً برأسه من قوة الاصطدام.
ركضت "شقاوة" لـ سركن تتحامى خلف ظهره مجدداً وهي تنظر له بابتسامة وفخر. حتى استدار هو وأخذها من معصم يدها حتى غرفتها على سطوح المنزل.
***
وتحت قمر الليل ونسمات الهواء التي جعلت خصلاتها السوداء الغجرية تلتصق بجانبي وجهها، ابتسمت شقاوة وقالت بنظرة شديدة العاطفة:
_ تسلم إيدك... تسلم ويسلم شبابك.
نظر لها "سركن" بنظرة غامضة، كأنه يعاتب نفسه على شيء، كأنه يقاوم بكل قوته تلك المشاعر العنيفة الجامحة التي اقتحمت قلبه رغماً وسريعاً وبذلك العنف. وهو قائد أقوى جيوش الأرض، هزمته عيناها الكحيلة. كيف وهو لطالما اعتبر الحب لا يصلح للرجال وغير مرحب به في عالمه، يصبح الآن أسيراً متنعمًا بأسره مبتسماً ويطلب المزيد من قيودها؟
طال انتظارها في رده فقالت بعتاب:
_ مش بترد عليا ليه...؟
تحكم "سركن" في نفسه ودقات قلبه العنيفة وأجاب بتقطيبة:
_ ماذا أقول..؟!
أغتاظت للحظة من تمسكه بطريقة حديثه تلك، ولكنها قالت برقة وعاطفة بعد ذلك:
_ هقولك أنا.. تعرف أني لأول مرة في حياتي أحس أن ليا حد يقدر يحميني من بيومي وصبري واللي معاه.. وأنت بتضربه كنت عايزة أضحك بأعلى صوتي.. وأعيط برضه، وأقولهم أخيرًا ما بقتش خايفة منكم.
نزلت دموع عينيها رغم ابتسامتها الصادقة، فرقت قلب "سركن" لها بقوة، وأراد بوحشية أن يأخذها لذراعيه ويحميها من العالم بأسره، ولكن هذا سيكون ضرباً من الجنون. فتنهد بعمق وقال بشراسة:
_ قبل أي شيء لا تجعلي من جسدك عرضة لأنظار الرجال.. اليوم كنت على بُعد خطوات قليلة من ارتكاب مجزرة جماعية!
اتسعت ابتسامتها رغم دموعها وقالت بإعتذار:
_ أنا غلطانة ووالله مش هتتكرر تاني وعزة جلالة الله، هي بس البت أشجان العروسة كانت صاحبتي من زمان، ووعدتها أني هحيي ليلتها.. مرضتش أزعلها لما جت وعزمتني.. بس والله ما هتحصل تاني لو الدنيا كلها زعلت مني.. أصل أنت عندك حق أوي يعني.. وأنا ما يرضنيش زعلك.
نظر "سركن" لعيناها الذي لا يعرف كيف سرقت قلبه المغلف بأسوار فولاذية بتلك البساطة! ووجده نفسه سابخا بحبات عينيها السوداء ويقول:
_ تاهت عيوني في بحور عيونها، واختار قلبي أن يغوصَ فيغرقَ، آواهُ من رمشٍ أحاط بعينها.. سهمًا توغل في الوريد فمزقَ.
قال تلك الكلمات التي تعود لأحد الشعراء المعاصرين وهو يبتسم لعيناها بدفء شديد. فقالت شقاوة بضربات قلب سريعة:
_ الكلام حلو أوي رغم أني مش فهماه يا سي غريب.. هسميك غريب، طالما مش عايز تقولي اسمك.
اشتدت ابتسامة "سركن" وابتعد عنها وقرر أن يذهب، فهتفت شقاوة بضيق:
_ طب أبقى كلمني بالبلدي كده عشان أفهمك.
توقف سركن وهو ما زال مبتسماً، ثم استدار لها وقال بنظرة اجتاحت قلبها:
_ يا رموش قتالة وجارحة يا بويا وعيون نعسانة وسارحة يا عين.. اديكي عمري بحاله يا بويا وأديني أنتي الفرحة يا عين.
واتسعت ابتسامته الجذابة بشراسة عندما قال:
_ بعرف أتكلم بالبلدي وبأي لغة ولهجة.. أعرف كل حاجة عن كل العصور وكل الأزمنة.. بس بتعامل بس باللي بميل له وبيعجبني.. ومش هفكرك تاني.. لبسك ده كله، ما يتلبسش تاني.. ونامي وأنتي مطمنة.. محدش هيقدر يقربلك وأنا موجود.
غادر وعلى وجهه تلك الابتسامة الساحرة، بينما تجمدت شقاوة بمكانها وفمها مفتوح بدهشة. ثم قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بعدما غادر:
_ والمصحف بحبه... وعزة جلالة الله بحبه.. وعهد الله بحبه.. ده بيغنيلي أغاني عبد الحليم.. يالهوي يا لهوي يا لهوي.
وظلت تقفز شقاوة من السعادة مثل الصغار.
***
وبالمحل الفخم لبيع فساتين السهرة والزفاف. وقفت ليلة العيد أمام مرآة كبيرة في غرفة البروفة وتتمعن ببهجة انعاكسها بالمرآة، فقد أصبح الرداء مناسباً تماماً ويظهرها كأنها تنتمي للطبقة المخملية في المجتمع. بينما وقفت "لوتس" بجانبها تتفحص مظهرها بابتسامة واثقة بذلك الرداء الفاتن التي اختارته ليلة لها.
وقالت بثقة:
_ ياريت زوجي الوزير الأول "حات حوت" كان معايا دلوقتي، عمري ما لبست أي شيء جديد غير وكان هو أول واحد يشوفه عليا ويقولي رأيه.
ابتسمت لها ليلة وقالت برقة:
_ زمانكم ما يختلفش كتير عن زماننا.. الست هتفضل ست في كل زمان.
ردت لوتس وقالت بحنين:
_ وحشني أوي ونفسي أرجع عشان أشوفه، وفي نفس الوقت هيصعب عليا فراقك؟ أنا خلاص بقيت معتبراكي بنتي وصاحبتي.
نظرت لها ليلة العيد بألم، ثم ارتتمت بين ذراعيها بدموع وقالت:
_ أنا اتحرمت من أمي بدري أوي.. وكمان مكنش ليا صحاب غير جارتي بثينة وللأسف عزلت من سنتين.. ودلوقتي ماليش بعد ربنا غيرك أنتي.. أرجوكي يا لوتس فكري في حل نفضل بيه مع بعض.
ربتت لوتس على كتفي ليلة وقالت بحنان:
_ أنا جنبك.. حتى لو للفترة الباقية من وجودي هنا.. لكن لو قررت أفضل معاكي هنا ده يعتبر في حد ذاته جريمة هتعاقب عليها بالطرد للأبد من زماني.. وأظن أنتي مش هتقدري تيجي معايا؟
تألمت ليلة وقالت بأسى:
_ مش هينفع يا لوتس أرجع للزمن البعيد أوي ده.. يمكن أنا مبهرة بزمانكم وبالحضارة والإمبراطورية المصرية العظيمة وقتها.. بس أنا اتولدت في العصر ده ومش هعرف أعيش في غيره.. زي ما أنتي برضه مش هتعرفي تتأقلمي بسهولة هنا.
ربتت لوتس على خدها برقة وحنان وقالت:
_ احنا الاتنين عايشين على نفس الأرض حتى لو كان الزمن مختلف.. بس كل ما توحشيني هطلب أشوفك.. مش هيكون في وداع أبدي ما بيننا أطمني.
مسحت ليلة دموع عينيها وحاولت أن تتجاهل ذلك الخوف بقلبها من فراق لوتس وعادت تنظر لنفسها عبر المرآة. فنظرت لوتس لحجاب ليلة ووجهها الباهت، ثم رفعت عينيها لساعة الحائط وتمتمت:
_ فاضل ساعة.
لم تفهم ليلة العيد الأمر وسألتها:
_ فاضل ساعة على إيه؟
ابتسمت لوتس بمراوغة وأجابت:
_ على ميعاد نومي.. يلا بينا نخرج نتفسح شوية وتعزميني في المكان اللي أختاره.
سألتها ليلة بضحكة:
_ أنتي لحقتي كمان تعرفي عناوين المحلات والمطاعم!
غمزت لها لوتس بثقة:
_ لأني لوتس در مون.. زوجة الوزير الأول، وشقيقة قائد جيوش البلاد "سركن در مون".. يعني مش ست عادية!
انتبهت ليلة لاسم شقيق لوتس الذي ولأول مرة تسمعه منها وقالت:
_ قائد الجيوش سركن در مون!! أول مرة أسمع اسمه.
أجابت لوتس بأسف:
_ في شخصيات تاريخية عظيمة جداً وأبطال اتمسحوا من التاريخ بفعل فاعل.. اتمسحوا بإيد أعدائهم اللي كتبوا تاريخهم الخاص المزيف وألفوا بطولات وهمية لشعوبهم المهاجرة من كل حتة والمغيبة.. استوطنوا أراضي عمرها ما كانت ليهم وزعموا أنها أرضهم الأصلية.. وهما ولا ليهم تاريخ ولا أرض ولا شرف ولا عهد.. وللأسف كنت ضحية ساذجة لساحرة منهم وعرفت تشككني في جوزي وتسحرني.. ولكن لي لقاء آخر مع تلك الساحرة الملعونة.
فهمت ليلة العيد حديث لوتس، بينما قالت لوتس بغيظ:
_ مش عايزة أفتكر اللي حصل.. المهم دلوقتي خلينا في نفسنا.
نظرت ليلة للمرآة مجدداً بابتسامة ثم قالت وهي تنظر لوجهها وحجابها الغير متناسق مع الرداء الراقي:
_ همشي بالمنظر ده كده إزاي؟ الفستان لا شبه الطرحة ولا الجزمة.
تبسمت لوتس بوجهها وقالت:
_ الشارع اللي احنا فيه ده كله محلات.. يلا بينا نختار اللي احنا عايزينه.
وأخذتها لوتس للخارج. وبعد مرور أكثر من نصف ساعة كانت ليلة ولوتس يخرجان من صالون تجميل ببعض اللمسات البسيطة بوجههن، ولكنها لمسات أضاءت وبرزت جمالهن بنعومة.
وأوقفت لوتس سيارة أجرة وأخبرته العنوان، وحينما جلست ليلة داخل السيارة نظرت لها بتعجب وقالت:
_ أنتي عارفة المطعم ده منين؟
قالت لوتس بنظرة ماكرة وبمراوغة:
_ سمعت عنه.
تقبلت ليلة العيد تلك الإجابة المختصرة ولم تشك أبداً بالأمر، بينما نظرت لوتس لتلك النظارة السميكة الملتصقة بوجه ليلة وقالت بعبوس:
_ ينفع تشيلي النظارة دي النهاردة؟
لمست ليلة نظارتها بحركة لا إرادية وقالت:
_ لا ما ينفعش للأسف، لأني مش هشوف لو قلعتها.. همشي أخبط في كل اللي حواليا.
ربتت لوتس على يدها وقالت:
_ متخافيش أنا جنبك.
وابتسمت لها ليلة وخيّم الصمت بعد ذلك حتى توقفت السيارة الأجرة أمام مطعم فخم جداً يبدو أن رواده من الأثرياء فقط، فلا سبيل حتى للطبقة المتوسطة بزيارته. وعندما خرجتا ليلة ولوتس من السيارة وقفتا أمام المطعم المتلألأ اسمه على لوحة معدنية ضخمة معلقة.
وهنا سحبت لوتس نظارة ليلة العيد من وجهها وقالت:
_ شكلها مش مناسب أبداً على الشياكة والجمال ده كله.
اغتاظت ليلة من ذلك الأمر وهتفت بقوة:
_ لا لا.. هاتي النظارة بتاعتي، صدقيني مش شايفة حاجة خالص وهقع!
اشفقت عليها لوتس لوهلة، ولكن ذلك الأمر سيخدمها بشيء ما، فقالت:
_ أنا جنبك ومش هخليكي تقعي، تعالي بس معايا من غير كلام.
وسحبتها لوتس للداخل قبل أن تعترض ليلة، بينما الرؤية أمامها كانت ضبابية بالفعل وكأن يطبق على عينيها لوح زجاجي مغبر بالأتربة الملتصقة منذ سنوات، فما باتت ترى أي شيء غير أشباح وظلال تتحرك هنا وهناك.
وعندما دخلت لوتس وبيدها ليلة لداخل المطعم، تجولت عينيها بكل الزوايا، حتى رأت مرادها، فكان "هاكان" جالساً مع وفد سياحي من خمسة أشخاص ومعه شقيقه رشاد جالساً بجانبه وعيناه المتلاعبة ترمق الشقراوات بمكر.
تنفست لوتس بعمق ثم ابتسمت وهي تسحب ليلة وتأخذها لطاولة مقابلة تماماً لطاولة هاكان.
فانزعجت ليلة وقالت وهي تشعر بالضيق الشديد:
_ هاتي النظارة بتاعتي بقا يا لوتس والله ما شايفة أي حاجة خالص وحاسة بالخنقة.
أجلستها لوتس على أحد مقاعد الطاولة، وقد اختارت المقعد المناسب التي يجعلها مقابلة تماماً لهاكان ويسهل عليه رؤيتها، بينما هي تقريباً تواليه جانبها الأيمن فلن تلتفت له بسهولة. وبعدما جلست لوتس قبالتها وضعت بخفة تلك النظارة البشعة على عظمة أنفها. فتنهدت ليلة وقالت وهي تتحسس نظارتها وتتنفس الصعداء:
_ آه كده تمام أوي.
فابتسمت لها لوتس بعدما نالت مأربها وقالت:
_ رغم أنها مش ماشية خالص مع فستانك التحفة ده، لكن سماح المرادي.
***
لاحظ رشاد بأن إحدى الشقراوات بالفوج السياحي ترمق هاكان بإعجاب وانجذاب شديد. فهمس رشاد لهاكان قائلاً:
_ شكل القاعدة مطولة وغالباً هتلاقي لورا طابة علينا دلوقتي.
انعقد حاجبا "هاكان" بدهشة وسأله بحنق:
_ لورا؟! وايه يخليها تيجي هنا دلوقتي أصلاً؟
حمحم رشاد بتوتر ثم اعترف:
_ أصل بصراحة هي اتصلت بيك كتير أوي ومكنتش بترد، فبعتتلي رسالة على الواتساب تسألني عليك وكنا لسه في الشركة.. فقولتلها أننا في عشاء عمل وكده.. سألتني على العنوان وقولتلها عشان ما أنرفزهاش أكتر.. وبعدين قفلت، بس متوقع إنها على وصول.
رد هاكان بسخرية وعصبية وعيناه على التي تتجه نحوهما بنظرات غاضبة:
_ متوقع؟! لا اتأكد، لأنها جاية علينا.
نظر رشاد للورا بدهشة، ثم همس لشقيقه:
_ طب الحمد لله أني جيت معاك وإلا كانت حصلت مشكلة.
رد هاكان بعصبية:
_ لو ضايقت أي حد من الناس اللي معايا هفض الجوازة دي وأخلص.
سخر رشاد وقال:
_ أنت أصلاً بتتلكك عشان تفركش!
أتت لورا ووقفت أمام الطاولة بنظراتها الغاضبة التي حاولت أن تخفيها بتلك الابتسامة الملتوية وقالت:
_ مش كنت تقولي كنت جيت معاك!
نظر هاكان لها بنظرة حادة منفعلة ومهددة كي تنتبه لتصرفاتها أمام الفوج السياحي وإلا تحدث أي شيء أرعن من أفعالها، ورحب بها رشاد قائلاً:
_ طب اتفضلي أقعدي الأول وشاركينا السهرة.
جلست لورا بحركة استفزت هاكان وجعلته يستشيط غضباً، وكان ردة أنه تجاهلها تماماً وعاد لحديثه مع السياح بمزيج من الإنجليزية والفرنسية المتقنة. ولكنه توقف فجأة بذهول عندما وقعت عيناه بالصدفة على الفأرة البائسة صاحبة أبشع نظارات طبية قد رآها في حياته. ولكنها اليوم تختلف كثيراً عن كل مرة رآها فيها.
كانت تبتسم وتتحدث مع صديقة لها تشاركها نفس الطاولة بعفوية وضحكة، ويبدو أنها لم تنتبه لوجوده من الأساس. وهمس رشاد له قائلاً بتعجب وهو يشير لطاولة ليلة:
_ هي مش دي البنت أم أربع عيون اللي اسمها ليلة العيد ولا أنا غلطان؟
أجاب هاكان بهمس وعيناه المصدومة لا تزال واقفة على ليلة:
_ هي.
قال رشاد باستغراب:
_ وايه اللي جابها هنا دي؟ وبعدين هي ليه بتحلو عن كل مرة بشوفها فيها؟
تلقى رشاد ضربة خفيفة على جانبه الأيسر من ذراع هاكان الذي نظر له بحدة وقال:
_ بطل رغي وخلينا في الشغل.
رد رشاد بتأفف وهو ينهض:
_ لا معلش فركش... خليك أنت وأنا هستأذن.
وبالفعل استأذن رشاد للانصراف ولم يعترض هاكان لذلك وعاد متحدثاً مع الأجانب باندماج حقيقي، حتى أنه تجاهل لورا التي ترمقه بغيظ وعصبية. بينما تفاجأ هاكان عندما رأى شقيقه يتوجه نحو تلك الفأرة وصديقتها المجهولة.
***
مساء الخير.
وقبل أن ترد أي من الفتاتين كان رشاد يجرّ مقعداً ليجلس عليه وينضم للوتس وليلة على طاولتهما دون أي مقدمات. فنظرت له ليلة بذهول للحظات من وجوده هنا، ثم قالت بدهشة:
_ أنت هنا؟
اتسعت ابتسامة رشاد وقال وهو يتفحص النظارة السميكة التي تشوه ذلك الرداء الفاتن التي ترتديه وتلك الطلة الجذابة:
_ آه عادي يعني.. أنا وهاك أخويا دايمًا بنستقبل العملاء هنا وفي كذا مكان تاني.. وحظك بقا إننا هنا النهاردة.
رددت ليلة العيد الكلمة بريقها الذي جف من الاضطراب والتوتر:
_ أنتم؟ هو.
قاطعها رشاد بابتسامة ساخرة:
_ آه.. النمر بتاع عيلتنا قاعد في الترابيزة اللي وراك بشوية على جانبك اليمين.. أوعي تبصيله بقا ليبلعك.
كتمت لوتس ضحكتها، بينما ضحك رشاد ضحكة عالية جعلت هاكان يلتفت لهم بنظرات شرسة. واستدارت ليلة ونظرت له بروع كأنه حقاً سيبتلعها! وهنا تأكد هاكان أنها بالفعل لم تعرف بوجوده. ونظر لبعضهما للحظات، كانت نظراته غاضبة منفعلة وغامضة، بينما نظراتها مرتبكة وخائفة وكأنها تفعل شيئاً ستعاقب عليه.
فقالت لها لوتس بغيظ:
_ أنتي خايفة كده ليه؟ هو انتي بتعملي حاجة غلط؟
تدخل رشاد وقال:
_ أيوة فعلاً خايفة كده ليه؟ أنتي قاعدة في مطعم مش في كباريه!
ابتلعت ليلة ريقها بصعوبة وحاولت أن تتظاهر بالثبات رغم نظراتها المرتبكة بشدة. وبعد قليل طلب رشاد عدة أطباق شهية لهم وقال بعد ذلك:
_ أنا عازمكم النهاردة بعد إذنكم طبعاً، وهأكلكم بقا نوع سمك هتدمنوه زيي.
اعترضت ليلة:
_ أنا آسفة لكن ما ينفعش.
تجاهل رشاد شعوره الأكيد بعدم ترحيبها به وظل جالساً رغم ذلك كعادته مع الفتيات، وقال بابتسامة يعتقد أنها جذابة:
_ اللي ما ينفعش إني أمشي وأنا جعان، واكيد مش مقبول إنك تدفعيلي! أنا الراجل هنا، يبقى أنا اللي أدفع.
حاولت ليلة أن تعترض ولكن لوتس غمزتها لتصمت، كانت لوتس تراقب من بعيد هاكان الذي أصبحت عيناه أكثر شراسة كلما رمق شقيقه يتحدث ويمزح ويطيل الحديث بارتياح.
فهمست لوتس لنفسها بخفوت:
_ أنا هعرفك الفارة دي ممكن تعمل فيك إيه يا المغرور.. أهي قاعدة هانم أهيه ومش معبراك وأنت عينك هتطق شرار عليها.. عشان تبقى تحترم نفسك وتعرف بتتعامل مع مين.
ظل رشاد يتحدث ويضحك على نكاته السخيفة حتى يأتي الطعام، بينما أنهى هاكان مقابلته مع السياح إجباراً ونهض من مكانه وتوجه نحو طاولة ليلة بخطوات رشيقة، وترك لورا كأنها هواءً غير مرئي!
وكان قلب ليلة العيد سيقف عندما تخللت أنفاسها عطره الخاص والمميز وأدركت أنه تقريباً خلفها. ولكن الذي أذهل الجميع هو عندما جرّ "هاكان" مقعداً وجلس بجانب مقعد ليلة العيد!!
نظرت له لوتس بتعجب رغم خطتها المحكمة، وكانت ستحاول السيطرة على عقله ولكن تراجعت، هي تريد أن ترى ماذا يريد أن يفعل وما يخبئه بداخله حقاً.
وتعجب رشاد لبعض الوقت وهو ينظر لشقيقه، حتى قال هاكان بابتسامة يظهر من خلفها الغضب وأشار للورا أن تأتي وتنضم إليهم:
_ تعالي.
أقتربت لورا بخطوات بطيئة وودت لو تركض من هنا وتنهي تلك المهزلة، ولكنها جلست بجانب لوتس بالمقعد الوحيد الخالي. فأطلق رشاد نكتة لينقي الأجواء من ذلك التوتر، ولكن لم يبتسم أحد!! فعبس وقال لليلة:
_ أنا مبسوطة بجد إني شوفتك هنا النهاردة أنتي وقريبتك.. بس أنتوا بتيجوا هنا على طول ولا دي أول مرة؟
كان يعرف أن سؤاله يبدو سخيفاً، ولكن لم يجد أموراً يضيع الوقت فيها، فأجابت لوتس بثقة:
_ تاني مرة نيجي هنا، لولو مكنش عاجبها المكان خالص بس أنا اللي صممت نيجي هنا.
ضيق هاكان عيناه بسخرية. بينما ازدردت ليلة العيد ريقها بقوة والتزمت الصمت وهي تعي أنه يسخر منهن في نفسه. وعندما التهب الغضب بقلب لورا من نظرات هاكان لتلك الفتاة ذات النظارات البشعة قالت بسخرية:
_ هي مش دي يا رشاد ليلة العيد اللي كنت بتحكيلنا عليها؟ وصفك ليها فعلاً صحيح.
وضحكت لورا بسخرية واتضح أن ليلة كانت سخرية لهاكان وأسرته وتلك الفتاة التي لا تعرف للآن من هي!
امتقع وجه رشاد واغتاظ من لورا، بينما تحدث هاكان موجهاً الحديث للورا بصوت حاد:
_ لورا!!!
فقال رشاد جملته ليرد الصاع للورا:
_ آه هي.. هي نفس البنت اللي هاكان أخويا قال عليها شاطرة وممتازة ومناسبة جداً للشركة.. ولا مش فاكرة لما قال أنه هيساعدها لحد ما تكمل دراستها وبعدين يوظفها في المكان اللي تستحقه! نسيتي ده كله ولا إيه؟
تسمرت ليلة في مكانها وتسحبت نظرتها بدهشة نحو هاكان، الذي أصبحت عيناه كالجمر الملتهب من الغضب وهو ينظر لشقيقه رشاد!