تحميل رواية «مديري مستر فرعون» PDF
بقلم رحاب ابراهيم
الفصل 5 — رواية مديري مستر فرعون الفصل الخامس 5 - بقلم رحاب ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تسحبت تلك البائسة ليلًا وهي تكافح ألا يستيقظ أحد من هؤلاء العقارب أسرة عمها المضجعين في فراشهم ويغطون في سباتٍ عميق، حتى دخلت بترقب لغرفة على يمينها، وسحبت ببطء ورقة جريدة تعلن عن وظيفة هامة بشركة سياحة تم افتتاحها حديثًا منذ سنة تقريبًا بعد فترة تجديد بالمبنى أخذت أشهر وتم تسليمها للمالك الجديد، فباتت ذات صيت في فترة وجيزة بعد حالة ركود استمرت لسنوات. وتنفست الصعداء وتهللت أساريرها عندما وجدت ورقة الإعلان مندسة بملف به أوراق وشهادات ابنة عمها "شاهندة".. تلك الفتاة البغيضة التي لا تنفك عن السخري...
رواية مديري مستر فرعون الفصل الخامس 5 - بقلم رحاب ابراهيم
وعندما هبط على السلم ظهرت ابتسامة "سركن" وهو يبتسم ويقول:
_ قطعة من القمر .. قلبي بمدينة غير آمنة.
انفرجت ابتسامة على شفتيها، ثم هتفت قائلة وهي تركض لتسأله قبل أن يخرج من المبنى القديم:
_ صحيح هو أنت اسمك إيه يا أخينا؟
توقف "سركن" عند إحدى درجات السلم الأخيرة بالطابق الأرض، ثم رفع عيناه الزرقاء لها مجيبًا بابتسامة لمعت فيها أسنانه البيضاء اللامعة:
_ المرة القادمة عندما نلتقي سأخبرك.
وما جعلها تتجمد هي تلك النظرة الساحرة بعينيه الذي ختم لقاءه بها قبل أن يخرج من المبنى. ابتلعت شقاوة ريقها وتنفست بعمق وضربات قلبها تكاد مسموعة لها. وقالت بأنفاس متسارعة:
_ لا يابت يا شقاوة أهدي كده .. أهدي يخربيت ده إحساس بحسه قدامك يا دي الجدع .. ده أنا لسه شيفاك من كام ساعة!
هتفت صديقتها "سماح" فجأة:
_ حصل إيه يا شقاوة؟
شهقت شقاوة من الفزع وصاحت بوجه صديقتها:
_ يخربيتك يا سماح .. خضتيني يابت!
نظرت لها سماح بنظرة ضيقة ماكرة وسألتها بخبث:
_ هو الجدع اللي شبه البرج ده كان بيعمل إيه يابت على السطح السعادي؟
لوت "شقاوة" فمها بسخرية وأجابت:
_ جه على صريخي ياختي، جه ونجدني من بيومي والصيع اللي معاه .. بيومي النتن كان عايزني أرجع للرقص تاني، وأنا ياختي توبت .. وعهد الله توبت.
واستطردت بنظرة حالمة وتمنّي:
_ توبت ونفسي أداري في ضل راجل يحميني من الدنيا .. راجل بجد، راجل الناس كلها تخاف منه وتعمله ألف حساب .. راجل يملا العين والقلب وأتشحتف عليه لو غاب عني يوم .. وما يسبنيش لبيومي اللي مرمطني في الكباريهات من صغري، كان بيبيعني عينك عينك زي حتة اللحمة .. ولولا ستر ربنا في كل مرة كان زماني ضيعت من زمان.
وكزتها سماح بغمزة خبيثة وهمست:
_ راجل زي الراجل البرج بتاعك ده.
ابتسمت "شقاوة" بنظرة مليئة بالدفء وقالت:
_ الراجل بتاعي، يسمع من بوقك ربنا ياختي .. ده شقاوة اللي وقع عند رجليها أحسنها رجالة ولا عبرتهم قلبي بقى زي الطبل من بصة واحدة لعنيه ... جاي منين ده! .. حتى كلامه كله بالنحو زي ما يكون مدرس عربي معتمد .. مش كده يبقى معتمد أسماح؟
أكدت سماح:
_ معتمد ونص ياختي.
تطايرت خصلات شعرها الغجرية وهي تتحرك نحو سور السطح بخطوات شاردة والابتسامة لا تزال على شفتيها وقالت:
_ ربنا يحرسك لشبابك يا دي الجدع يا اللي معرفش اسمك.
واستندت بيدها على السور وانفرجت شفتيها بابتسامة ظهرت غمازتيها عندما وقعت نظرتها على "سركن" الجالس على الرصيف المقابل لمنزلها وينظر لها بابتسامته المهلكة هذه واكدت:
_ بس هعرفه .. وعزة جلالة الله لأعرف اسمك، وهناديلك بيه.
قالت سماح بتفكير:
_ شكله يدي على فتحي .. أو شوكت.
ضحكت "شقاوة" وقالت بعاطفة شديدة بعد ذلك:
_ لو على شكله فهو زي ما يكون كده أمير ولا سلطان .. قيمة وسيما والله ... مش مهم اسمه، أن شاء الله يكون اسمه عبد الجليل.
همست سماح قائلة بتمنّي:
_ يارب يكون عنده أخوات.
نظرت لها "شقاوة" بغيظ وهتفت:
_ أنتي لاضمة معايا في أي سكة يا سماح؟ ... ياختي فوكي الخيط وسبيني أدخل دنيا لا أرى فيها سحنة من سحنتكم.
ثانية كده ...
سألتها سماح باهتمام:
_ إيه؟!
أجابت شقاوة بابتسامة:
_ يلااااهوي .. بقيت بتكلم بالنحو زيه.
***
بقصر كبير .. ملك عائلة "هاكان كمال الريان"
التفت الأسرة المكونة من أربعة أفراد حول مائدة العشاء، وعندما انتهى الخدم من إتيان كافة الأطباق الشهية، حركت الأم "نورمان" معلقتها في طبق حساء دافئ وألقت نظرة عميقة على ابنها "هاكان" الذي بدأ يتناول وجبته بروتينه الخاص وهو ارتشاف عصير البرتقال الطازج الخالي من السكر تمامًا. وقالت بلهجة مصرية عامية جيدة نوعًا ما نظرًا لأصلها التركي:
_ لورا وأمها هيحضروا بعد ساعة .. أتمنى تقعد معانا وترحب بيهم.
كتم رشاد ضحكته الساخرة، بينما ابتلع "هاكان" ما بفمه ثم انتظر للحظات وبعدها قال بلا مبالاة:
_ لو كنت فاضي هحضر.
تحدث والده "كمال" بأمر وغلظة:
_ لازم تفضي نفسك .. وبعدين أنت بعد ساعة هتكون بتعمل إيه يعني؟ .. هاكان! ... أنا سيبتك في أمور كتير أوي تختار اللي أنت عايزه .. بس المرادي أنا اللي هختار وده شيء مافيهوش نقاش!
تنفس "هاكان" بعمق وحاول أن لا تنفلت أعصابه، فهو مخلوق لا يقبل الأوامر.
فقال بلا اكتراث:
_ بابا .. أنا قبل كده وافقت على طلبك وقولتلك أن الجواز مش رقم واحد في حياتي .. وأني مش مرتبط بواحدة، ويوم ما هرتبط هتكون أكيد بنت مناسبة ليا ولعيلتي .. وقولت برضه أن لورا مش بطالة ومناسبة .. أذن أنا ما رفضتش عشان كل شوية تفتح الموضوع ده معايا .. أحنا خلاص حددنا ميعاد الخطوبة آخر الشهر الجاي .. يعني المفروض دلوقتي نكون بنرتب للخطوبة مش لسه قلقان من موافقتي!
ابتسم "كمال" بسخرية وقال:
_ قلقان وهفضل قلقان لحد ما أشوفك بعيني في الكوشة .. البنت دي بنت أهم شريك ليا ومش مستعد أخسره عشانك .. المشكلة يا "هاك" أنك غامض حتى بالنسبالي أنا أبوك!! .. أول مرة ما أكونش عارف أفهم بني آدم ولا قادر أعرف بيفكر في إيه؟ ... عارف أخوك رشاد رغم أنه صايع ومالوش في الشغل .. بس حافظه وفاهمه وأعرف أحكمه، أنما أنت تحيّر!
التوى فهم "رشاد" بغيظ، ونظر له "هاكان" بنظرة جانبية، ولكن فجأة تذكر التعليق الساخر لتلك الفأرة ذي النظارات على شقيقه بالمكتب واتسعت ابتسامته.
فقال رشاد بغيظ أشد:
_ أضحك أضحك.
وبدأ "هاكان" يتناول عشائه بهدوء شديد، وبعد العشاء ببعض الوقت أعلنت إحدى الخادمات لـ "نورمان" الجالسة بمقعد أمام المسبح بالهواء الطلق:
_ الآنسة لورا وأمها وصلوا يا ست هانم.
نظرت "نورمان" لابنها "رشاد" الجالس قبالتها بمقعد آخر وقالت بأمر:
_ قول لـ هاكان ينزل يستقبلهم معانا.
أطاع رشاد الأمر وصعد للطابق الثاني حيث جناح شقيقه الأكبر "هاكان" والذي بمثابة مملكة خاصة به وممنوع الاقتراب إلا للضرورة!....
نقر "رشاد" على الباب الزجاجي العريض حتى سمح له "هاكان" بالدخول بصوت حاد. وقال رشاد بعدما دخل وألقى نظرة متفحصة لشقيقه الجالس بمكتبته الخاصة المليئة بالكتب النادرة والثمينة في كافة المجالات، ويبدو أن "هاكان" كان يستثمر وقت فراغه في القراءة مثل العادة، فقال:
_ خطيبتك وصلت مع أمها.
لم يبد "هاكان" أي رد فعل ببادئ الأمر وهو ينظر بتمعن بأحد الكتب التاريخية مرتدياً نظارة قراءة برزت وسامته بشدة. فكرر رشاد ما قاله بنفاد صبر. حتى التفت له "هاكان" بنظرة حادة وقال:
_ أطلع وأقفل الباب وراك يا رشاد .. شوية وهنزل.
رماه "رشاد" بنظرة حذرة كأنه يذكّره بما قاله لوالده:
_ ماينفعش تنطش! .. هتجيب لنفسك وجع الدماغ على الفاضي.
نهض "هاكان" من مقعده وبدأ فاتناً وهو يرتدي "تي شيرت" أسود دون أكمام وبنطال قطني رياضي أسود أيضاً برز برونزية بشرته المائلة للبياض. ووضع الكتاب من يده بتقطيبة ثم قال:
_ دقيقتين وهطلع تاني .. الكتاب ده ميتسابش.
أوقفه "رشاد" قائلًا بتعجب:
_ طالما ما بتحبهاش ولا بتطيق تقابلها مكمل في الجوازة دي ليه يا هاك؟ .. أنت هتعيش معاها إزاي وأنت حتى مش عايز تنزل تسلم عليها كام دقيقة وتطلع؟
رد "هاكان" بسخرية وهو يضع يداه في جيوب بنطاله بثقة:
_ حب إيه يا رشاد .. أنا الحب مش فكري أصلًا، وفكرة أني مش طايقها دي فكرة غلط .. هي بس دايمًا بتيجي في الوقت الغير مناسب .. مافيش حاجة اسمها حب وده اللي أنا مقتنع بيه .. الجواز بالنسبالي زوجة تؤدي دورها في حياتي وأولاد.
لم يقتنع رشاد بالأمر وقال بدهشة:
_ الغريب أن كل بنات العيلة شايفينك فارس أحلامهم .. بنات كتير أوي تحلم تاخد حيز من تفكيرك وقلبك .. لكن يا هاك أنت مغرور .. ساعات بحس أنك شايف نفسك خسارة في أي بنت .. عقدة نارسيس .. أتمنى يكون ظني غلط.
عقد "هاكان" حاجبيه ثم قال بحدة كأنه فوجئ بنظرة شقيقه له:
_ خلصت كلامك؟
رد رشاد بيأس بعدما أيقن أن هاكان ينهي المناقشة:
_ تقريبًا.
أشار له "هاكان" وقال:
_ طب يلا ننزل عشان منتأخرش أكتر من كده.
***
تورد وجه "لورا" بحمرة مشرقة وابتسامة مضيئة عندما لمحت "هاكان" يهبط درجات السلم الرخامي.
طالعته بنظرة عاشقة. لم تكن تتخيل أن ذلك الرجل الفاتن سيتقارن اسمها به ويصبحان زوج وزوجة بالقريب. انتفض قلبها بسعادة وهي ترميه بنظرة دافئة. بينما همس "رشاد" لشقيقه "هاكان" وقال بضحكة خافتة:
_ البت واقعة من فوق برج القاهرة في حبك وأنت ولا هنا!
رحب بهما "هاكان" بلطف ثم جلس على مقعد بعيدًا عن الجميع واضعا ساقا على ساق بتجاهل المجلس برمته!
تنفست والدته "نورمان" بغيظ منه وغمزت لولدها "رشاد" أن ينبه "هاكان" للجالستين وينظران له بتعجب كل برهة!
فنهض رشاد وجلس بجانب شقيقه هاكان ضاحكاً:
_ افتكرت حاجة هتموتكم من الضحك .. امبارح جت بنت تقدم على وظيفة في شركتنا وشكلها لوحده انتيكة.
وتابع وهو يقهقه من الضحك ويروي واصفاً ليلة العيد بدقة:
_ لا واسمها إيه تخيلوا ... اسمها "ليلة العيد سعيد رمضان"!
ضحك الجميع بقوة عدا "هاكان" الجالس واضعاً ساقا على ساق ولم ينفرج فمه بأقل ابتسامة ولو بسيطة حتى. فتوجه رشاد نحو شقيقه بمزاح قائلاً:
_ ياريتك كنت قبلتها يا هاك .. دي كانت هتبقى فقرتي الكوميديا المفضلة.
قالت لورا بضحكة:
_ وهي بنت بالمواصفات دي جاية تشتغل إيه في شركة سياحة؟ .. طبيعي تترفض!
مط هاكان شفتيه للحظة ثم قال بثبات وثقة:
_ اتقبلت.
فوجئ الجميع لبرهة، حتى سأله رشاد بدهشة:
_ أنت لما خرجتني من المكتب وسيبتها معاك .. قبلتها بعد كده؟
توجهت "لورا" لهاكان بنظرة حادة وسألته:
_ سابها معاك؟!
ألقى هاكان نظرة جانبية سريعة للورا، كأنه يحذرها أن لا تتعدى حدودها المسموحة لها بالتدخل في شؤونه، وأجاب على تساؤلاتهم بهدوء مستفز:
_ آه اتقبلت .. بنت شاطرة وطموحة وهتكمل دراستها وهتجتهد .. أرفضها ليه؟ ... بالعكس أنا الكسبان.
وسألته "لورا" مجددًا بعصبية:
_ وكسبان إيه بقا؟! .. ومن امتى الشركات بتقبل الموظفين على حسب طموحاتهم مش شهاداتهم؟
وكزتها أمها "تهاني" لكي تصمت ولا تثير غضب هاكان، بينما اشتدت الحدة بعيني هاكان وظهر جلياً كرهه الداخلي للارتباط بتلك المخلوقة المجادلة. وقال ردًا على تعليقها المستفز لشخصه:
_ وقولت أنها شاطرة .. شاطرة يعني مناسبة جداً للوظيفة، ولكن اللي ناقصها الشهادة .. أنا ليا أسلوبي وتفكيري الخاص في شغلي ومقتنع جداً بالبنت دي وهساعدها لحد ما تخلص دراستها.
امتقع وجه لورا بالغضب والغيظ، وابتسمت بسخط وهي تقول:
_ ده واضح أنها عجباك أوي؟!
أجاب "هاكان" بتأكيد وثقة:
_ جداً.
كانت لورا تريد أن تنفجر بوجهه وتقول ما بداخلها، بينما نهض هاكان وقال بابتسامة كأنه أتم مهمته بنجاح:
_ بعد إذنكم .. مستني مكالمة شغل ضرورية.
ولأول مرة ترتاح "نورمان" بمغادرة ابنها هاكان بوجود لورا، ولكن على ما يبدو أنه لو لم يغادر لكان سينشب شجار بينهما لا محال!
فقالت تهاني بعصبية لـ "نورمان":
_ هو ده ترحيب ابنك بينا؟!
اعتذرت نورمان بمبالغة، ثم قالت:
_ هاكان دي شخصيته .. جاد وحاد، لكن قلبه زي السما الصافية .. ما يقصدش أبداً يضايقكم، ده حتى وإحنا على العشا كان بيفكرنا بترتيبات الخطوبة.
هدأت تهاني بعض الشيء، بينما قال رشاد بضحكة وسخرية:
_ ما انتوا لو شوفتوا ليلة العيد دي لورا مش هتزعل أوي كده، دي نظارتها بس تجيب جلطة .. شكلها مبهدل أوي في نفسها، "هاكان" في الأول اتصدم أنها جاية للوظيفة وتقريبًا كان هيطردها... بس يظهر فعلاً أن البنت شاطرة في الشغل وأقنعته في الأنترفيو .. وهاك أخويا مخه كله في الشغل والأفواج والرحلات والفنادق.
هدأت لورا بعد حديث رشاد بعض الشيء، وعادت الابتسامة لشفتيها بالتدريج.
***
عادت "ليلة العيد" للمنزل في ساعة متأخرة ليلاً وبيديها أكياس من المشتريات. كانت تدرك أن لا أحد سيهتم بتأخرها، ولكن حينما دخلت وجدت خالتها سميرة تربت على كتف زوجها وتقول بمواساة:
_ فداك يا خويا .. فداك أي حاجة، المهم أنك بخير ووسط ولادك.
كان الزوج يرمي رأسه بين يديه بكسرة، وتابعت ليلة العيد سيرها لغرفتها دون الاهتمام بما حدث، فلا أحد يشاركها أحزانها كي تشاركهم هي.
بينما قالت سميرة لزوجها وأولادها بتحذير:
_ أوعوا حد يقول للبت دي على الـ 200 ألف اللي اتسرقوا من خزنة المصنع، لاحسن تطمع وتقول ما المصنع بيكسب أهو وهاتوا حقي وندخل في سين وجيم .. لو سألت قولوا أن المصنع جاله فلوس ضرايب ومضطرين ندفعها.
قال الزوج "شوقي" بحسرة:
_ كل ما أجي أكسب وأطلع فلوس وأفرح بيها لازم تيجي حاجة وتضيعها مني .. تقوليش فلوس حرام!
ضربت سميرة على صدرها بخضة واعترضت:
_ تف من بوقك .. قال حرام قال، أومال لو مكنتش بتدي كل واحد حقه على داير المليم .. هو في زيك أنت، ربنا ما يحرمنا منك ومن حنية قلبك.
***
وقفت "ليلة العيد" أمام المرآة تختبر الملابس الجديدة بسعادة. وجلست لوتس تراقبها في بهجة وابتسامة عريضة. حتى قالت بفخر:
_ شوفتي ذوقي حلو إزاي يا ليلة؟
كادت ليلة العيد أن تقفز كالأطفال من السعادة:
_ ذوقك يجنن يا لوتس، من زمان ما اشتريتش لبس كتير أوي كده .. لا وكله تحفة حرفيًا .. أنا مش مصدقة أني اشتريت لبس ب 30 ألف جنيه مرة واحدة .. كويس أنك خبّيتي الشنطة الكبيرة عن عنيهم وإلا كانوا هيستغربوا جبت ده كله منين.
ضحكت لوتس وقالت:
_ استخدمت قوتي وجبتها قدامهم وما شافونيش .. لما تبدأي شغل بقا جيبي بالباقي وهيبقى عندك حجة أنك اشتغلتي.
تسمرت ليلة العيد للحظة، ثم قالت بتوتر:
_ أحنا نسينا حاجة .. أنا ما قولتلهمش على الشغل .. ولو شاهندة عرفت أني اشتغلت في الشركة اللي اتطردت منها هتطين عيشتي .. أنا إزاي ما فكرتش وحسبت حساب كده؟
نهضت لوتس وقالت بدعم وثقة:
_ أنا معاكي، ومحدش هيقدر يمنعك تشتغلي، وإلا أنتي عارفة هحلها إزاي!
نظرت ليلة العيد لها وتدرجت ابتسامتها على ثغرها، ثم ضمتها بعناق حنون وقالت:
_ ربنا يخليكي ليا يارب.
نظرت لها لوتس بابتسامة وعاطفة الأمومة تغزو قلبها.
***
وباليوم التاليــ
استيقظت ليلة العيد مبكرًا جدًا، وذهبت لأخذ دش دافئ، وحينما انتهت وخرجت من الحمام وهي ترتدي كامل ملابسها وحجابها كالمعتاد. وجدت سميرة قد استيقظت للتو ويدها على خدها وتتألم:
_ ضروسي رجعوا يوجعوني تاني، آآآه ياني.
استغلت ليلة العيد الفرصة وقالت لها سريعا:
_ أنا هلبس وأروح الشغل، النهاردة أول يوم ليا.
تأوهت سميرة بألم وصاحت فيها:
_ ياختي ما تغوري في داهية هو أنا ناقصاكي.
ولأول مرة لم تستاء ليلة العيد من هذا الرد القاسي، بل ابتسمت وذهبت لغرفتها لتبدل ملابسها سريعا قبل أن يستيقظ الجميع وتنهمر على رأسها التساؤلات.
وحالما انتهت من ارتداء "بدلة" أنثوية باللون الأسود الفحمي، وقميص أبيض ناصع أسفل المعطف. وأحكمت حجابها الرقيق، وقفت أمام المرآة بثقة وابتسامة عريضة. لا يشوب هذا المظهر سوى تلك النظارة السميكة على عينيها.
وشردت فجأة حينما تذكرت الأمس وهو يضع نظارتها على عينيها وقف أمامها متأملاً وجهها بثبات.
نفضت ليلة أفكارها سريعاً. حتى همست لها لوتس بدعم:
_ خليكي دايمًا فاكرة أهم حاجة .. أنك تستحقي كل خير.
تبسمت ليلة العيد لها بمحبة وسألتها بصدق:
_ كده شكلي كويس؟
صفرت لوتس بإعجاب وقالت بغمزة:
_ كويس جداً جداً .. روحي أنتِ وأنا ورايا مشوار مهم وجاية وراكي.
لم تسألها لوتس لرغبتها في أن تغادر المنزل بأسرع وقت، فحملت حقيبة كتفها وأسرعت الخطا متجاهلة تماماً النظرات الجانبية لخالتها سميرة التي لاحقتها بدهشة وهي متوجهة للخارج.
***
وبالشركة السياحية..
خرجت "ليلة العيد" من سيارة أجرة خاصة أمام مبنى الشركة. وسارت بثقة لم تشعر بها يوماً بنفسها، رغم أن تلك الثقة لا تزال ممزوجة بالقلق والتوتر والشك.
وحينما دخلت المبنى وسارت عدة خطوات وقفت وهي تنظر للمصعد وتذكرت ما حدث بالأمس. فابتلعت ريقها بصعوبة وابتعدت عن ذلك المصعد اللعين ووقفت أمام الآخر الخاص بالموظفين.
وفتح باب المصعد ودخلته، وما كادت أن تضغط زر الصعود حتى دهشت بدخول "هاكان" بملامح وجهه الجامدة مع حارسه الضخمان، ولم يلقي عليها أدنى نظرة حتى.
رفعت نظارتها أعلى أنفها بتوتر شديد ولم تستطع الاعتراض، وتساءلت بخفوت:
_ هو في إيه .. مش المفروض ده بتاع الموظفين؟!
ويبدو أنه قرأ أفكارها، فقال للحارسين بعصبية:
_ هاتوا أي حد للصيانة بسرعة .. مش معقول هستخدم الإسانسير ده؟!
وهنا فهمت ليلة العيد الأمر، فالمصعد الآخر قد تعطل! .. رغماً عنها ضحكت. فألتفت لها "هاكان" بنظرة مهددة ومتوعدة أيضاً عندما لاحظ ضحكتها المتشفية فيه.
حاولت "ليلة العيد" كتم ضحكتها بما لديها من قوة، ولكن انفلتت منها وضحكت بخفوت. ضحكتها جعلت الحارسين يبعدان وجهها عن "هاكان" لكي لا يرى بوادر الابتسامة عليهما! ...
ووقف المصعد أمام الطابق الخامس. وخرج "هاكان" أولاً. ولكنه توقف واستدار لها، بينما كانت ليلة العيد في طريقها لـ "منة" كي تعرف وظيفتها المؤقتة وتبدأ فيها. ولكن أشار لها "هاكان" أن تتبعه حتى مكتبه.
ابتلعت ليلة العيد ريقها بتوتر وسارت خلفه مرغمة، وتحاشت أن تثير استفزازه أكثر من ذلك.
وبعدما جلس "هاكان" أمام مكتبه بكامل هيبته وحضوره الشرس. رمقها بنظرة متفحصة لما ترتديه وابتسم بسخرية وقال:
_ تعبتي نفسك على الفاضي.
لم تفهم قصده ليلة العيد وتساءلت بريبة:
_ مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟
ضيّق عيناه عليها ثم نهض ووقف قبالتها مباشرةً بثقة قريبة للغرور:
_ حضرتك تقصد أن اللبس ده مش مناسب أبداً لشغلك الجديد .. أصل شهادتك ما تشغلكيش عندي غير أنك تعمليلي قهوة كل لما أطلب.
فغرت "ليلة العيد" فاها من الصدمة ولم تتخيل الأمر نهائياً، واللمعت عيناها بدمعة جاهدت أن تخفيها، ثم نظرت لعينيه المنتصرة الشامتة في ضيقها وقالت بقبول لكي لا يهنأ بانتصاره الرخيص:
_ تمام .. حضرتك بتشربها إيه؟
ضيّق "هاكان" عيناه بغيظ وظهرت عروق فكيه مشيرة لشدة عصبيته. وهتف بها:
_ لما أعوز هبقى أقولك .. هتلاقي المطبخ آخر الممر .. ده مكانك المناسب.
لم تعرف ليلة لماذا فعلت ذلك، ولكنها نظرت له نظرة مليئة بالعتاب وشفتيها ترتعشان بالدموع وكأنها طفلة تشعر بالظلم. وسارت متوجهة للخارج وهي تبتلع مرارة بحلقها. هي حقاً لا تعرف لماذا يتحداها لهذه الدرجة!
***
وبالمطبخ الكبير..
الذي به كل الإمكانيات لإعداد جميع المشروبات الدافئة والعصائر الطازجة....
جلست "ليلة العيد" على مقعد خشبي وجدته أمامها واستندت بمرفقيها على طاولة مستطيلة خشبية وأجهشت بالبكاء.
حتى انتبهت لصوت يسألها بتعجب:
_ بتعيطي كده ليه؟
فزعت ليلة العيد بأول وهلة، ثم سألته وهي تمسح عينيها:
_ أنت مين؟
أجاب الصبي ذو الثمانية عشر عاماً وقال:
_ أنا سقراط .. بتاع الشاي.