تحميل رواية «معشوق الروح» PDF
بقلم اية محمد
الفصل 19 — رواية معشوق الروح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
حُطم قلبها وتناثر لشروخ من الأوجاع، كيف تحتمل الأنين من حطمها؟ ظنت أنه محبوبها. كيف ستتمكن من العيش وهو من ظنت أنه حماها وأمانها؟ القلب خرج عن الطواف وتهشم بصوت استمعت له جيداً، لتكون العقوبة قاسية حتى لا تنخدع وتسقط بالهواجس مجدداً. أغمضت عينيها كثيراً في محاولة باتت بالفشل لتقبل حقيقة ما تراه. لا، ليست بحلم سيئ ولكنها بواقع مرير، واقع دعسها به بخيط الخيانة القاسي. يا الله، لم تحتمل رؤيته وتلك المرأة بين يديه. هوت دمعاتها على وجهها المتصلب، فرفعت يديها على فمها تكبت شهقاتها. لم يكن في أوسع مخيل...
رواية معشوق الروح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اية محمد
تخلّى عنها السكون بعدما رأته جوارها.
نهضت عن الفراش سريعاً وعيناها تتفحصه برعبٍ حقيقي.
خرج صوتها المزعور بصراخ:
_ سيف... سيف.
بالمطبخ، ألقى سيف ما بيده وهرول للغرفة سريعاً ليجدها تختبئ جوار الخزانة برعبٍ بدا على قسمات وجهها.
ما أن رأته حتى هرولت لأحضانه تختبئ ببكاءٍ منهمر وجسدٍ مرتجف.
أحتضنها سيف بزعر، ثم جذبها بخوفٍ شديد على حالها:
_ في إيه؟
تطلّعت للفراش قائلةً برعب:
_ سامي.
سحب سيف يديه التي تحتضن وجهها، ثم ترك الغرفة وتوجه للمطبخ يكمل عمله بهدوء.
هرولت تقى خلفه قائلةً بغضب:
_ سيف صدقني، أنا شوفته بعيوني.
جذب السكين ثم شرع بتقطيع الخضروات بصمت، وهي تلحق به بتحركاته قائلةً بدموع:
_ أنت مش مصدقني!
ترك سيف السكين ثم استدار قائلاً بثباتٍ جاهدٍ في التحلي به:
_ غيّرِي هدومك يا تقى.
ضيّقت عيناها باستغراب:
_ ليه؟
جذب المقلاة قائلاً دون النظر إليها:
_ هوديكِ لدكتور كويس أعرفه.
جحظت عيناها بصدمة ليخرج صوتها الغاضب:
_ شايفني مجنونة!
_ تصرفاتك هي اللي مجنونة.
قالها بصوتٍ حادٍ وملامح غاضبة جعلتها تتراجع للخلف بخذلانٍ ودموع.
توجهت لغرفتها بيأس.
شدّد على خصلات شعره الغزير بغضب، ثم جذب المقلاة أرضاً كمحاولةٍ لتخفيف ما به.
***
بالقصر... وبالأخص بغرفة المكتب.
دلف محمود ليجد الجميع بالداخل، فصاح بسخرية:
_ متجمعين في الخير.
فراس بابتسامةٍ هادئة:
_ تعال يا حودة.
مالك:
_ ليك وحشة والله.
هزّ فمه بضيق:
_ لا حنين. يلا.
تعالت ضحكات طارق قائلاً بمرح:
_ شكلك شايل كتير.
أجابه بعصبية:
_ أخوك وابن عمك دبّسوني في الشغل وخلّعوا. لأ، وأستاذ فراس بيجي يوم وعشرة لأ.
فراس بغرور:
_ عندي خطط وأشغال، مش فاضي للعب العيال ده.
شريف بسخرية:
_ هو أنت فاضي لحاجة خالص؟
رمقه بنظرةٍ مميتة، فابتسم بغرورٍ كما فعل.
يزيد بثباته الطاغي:
_ لو خلصتوا لعب العيال ده، خدوا الكاميرات دي وعلقوها في الحديقة ومداخل القصر من جوه وبره.
ضيّق مالك عيناه باستغراب ثم قال بزهول:
_ كتير. كنت بفكر في الفكرة دي وأنت اللي كنت بتمنعني. ليه دلوقتي؟
لم تتأثر ملامح وجهه قائلاً بتأكيد:
_ أيوه، بس اقتنعت بكلامك.
ثم استدار بوجهه لمحمود وفراس وطارق:
_ يلا يا شباب، ورونا همتكم.
محمود بغرور وهو يضع قدماً فوق الأخرى:
_ هما يعملوا لك اللي أنت عايزه، أنا لأ.
شريف:
_ ليه بقا إن شاء الله؟
أجابه بنفس لهجته السابقة:
_ هاخد منار ونقضي اليوم بره، زمانها في انتظاري.
مالك بسخرية:
_ يا ما شاء الله. طب مش تأخذ رأيي؟ أو حتى لو مفهاش إزعاج تديني علم.
تعالت ضحكاته بغرور:
_ لا، مهي بقت مراتي خلاص.
فراس بابتسامة مكر:
_ يعني راحت عليك يا مالك.
مالك بغصب وتحدي:
_ لا يا حبيبي، طول ما هي في بيتي مهي تحت اسمي. وعشان لسانك الطويل ده مفيش خروج النهارده. وريّني مين في عيلة نعمان يعصي كلمتي.
رمقه بغضب ثم استدار ليزيد، فابتسم رافعاً يديه بقلة حيلة.
تعالت ضحكات فراس، فحمل الكرتون قائلاً بسخرية:
_ ورايا يا حودة نعلق الكاميرات.
طارق بسخرية:
_ كل عيش أحسن لك يا ابن الحلال.
شريف بسخرية هو الآخر:
_ مش لاقي إلا دول وتتحداهم؟ قلبك أبيض يا خويا. هات كاميرا وتعال ورانا.
رمقهم محمود بنظرةٍ مميتة، ثم خرج ليفعل المطلوب.
جلس مالك أمام يزيد بعينيه الغامضة. فتهرب يزيد من نظراته قائلاً بثباتٍ مخادع:
_ في حاجة يا مالك؟
ضيّق عيناه بذكائه الفائق:
_ أنت اللي مخبي عليا حاجة!
رفع عيناه بإعجاب، ثم قال بثباته المعهود:
_ وهخبي إيه؟ أنت عارف أنا كتاب مفتوح ليك.
جذب مالك جهاز التحكم ليشرف على الكاميرات قائلاً بنبرةٍ يعلمها يزيد جيداً:
_ هعمل نفسي مصدقك.
أخفى يزيد بسمته بصعوبة وهو يتابع معه الكاميرات التي قام الشباب بزرعها.
دلفوا جميعاً للداخل، فتطلع مالك للشاشة الكبيرة:
_ برافو عليكم يا شباب.
جلس كلاً منهم على المقاعد، فحرك مالك الكاميرات ليتفقد الحديقة.
وهنا انتبه الجميع لصوت الصراخ باهتمام، ليجدوا الأمر كالتالي:
شاهندة بصراخ وهي تركض بتعب:
_ اعقلي يا مجنونة.
منار بغضب لا مثيل له:
_ اعقل! أنتِ لسه شفتي جنون.
ركضت شاهندة بقوة ثم صرخت به:
_ رجلي لسه مخفتش. الله يخربيتك. أهدي يا ماما.
منار بغضب وهي تجذبها من حجابها:
_ بقا يابت أقول لك كلمتين تروحي تقولي لهم لفراس وأتعلق أنا!
رفعت يدها برعبٍ حقيقي، فهي تعلم جنون منار:
_ محصلش يا حبيبتي والله. أخوك مجنون زيك وبيتبلى على خلق الله.
تطلعوا جميعاً لفراس المصعوق مثلهم مما يحدث أمامه، ثم عادوا لمتابعة ما يحدث.
أسترسلت شاهندة حديثها:
_ أنا قلت له إني كشفت لعبته بأن نوال دي كانت عايزاه يدخل العيلة. فأنا قلت الحمد لله إنها طلعت عيلتك، بس يا حبيبتي غلطت في حاجة.
جحظت عيناها بغضب لا مثيل له قائلةً بسخرية:
_ لا سمح الله، دانا اللي غلطانة.
ثم جذبتها بقوة لتكيل لها الضربات:
_ دانا هوريكِ.
تعالى صراخها قائلةً بألم:
_ آآه، ألحقوني يا معاشر الفتيات. الحيوانة دي بتضرب بجد.
وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى خرجت ليان وبسمة وبسملة التي تعاون أمل على الخروج.
تطلّعت ليان لبسمة بصدمة، ثم هرولوا ليحولوا بينهم.
ليان لمنار:
_ في إيه يا بنتي على الصبح؟
دفشتها للخلف:
_ خليكِ بعيد أنتِ.
بسمة بضيق لشاهندة:
_ عملتي إيه يا شاهندة؟ هي دي حد بيهزر معاها يا ماما؟
شاهندة بألم وهي تحاول تخليص نفسها:
_ ورحمة أمي معملتش فيها حاجة. هي بنت عمي أهي، بس أنا معترفة إنها مجنونة رسمي.
ثم استدارت بوجهها لأمل قائلةً بأسف:
_ لا مؤاخذة يا أم مالك.
تعالت ضحكات أمل، فقالت بصعوبة:
_ خدي راحتك يا حبيبتي.
زاد غضبها أضعاف، فجذبتها أرضاً بغل:
_ بقا أنا مجنونة؟ طب تعالي بقا.
ابتلع محمود ريقه برعب:
_ يا نهار أسود يا جدعان. دا البت وأخوها عاملين زي النسور. طب دي أزعلها إزاي دي؟
طارق وعيناه على الشاشة بتركيز:
_ التعامل بحدود يا معلم.
شريف وعيناه هو الآخر على الشاشات:
_ وأنا بقول كده برضو.
فشلت ليان في الحيل بينهم، فوقفت بسمة تحتضن يدها بألم، ثم طافت بنظراتها لتقع على شيئاً ما.
تطلّعت لها ليان قائلةً بابتسامةٍ واسعة:
_ متفكريش كتير. هما مش عايزين إلا كده.
ابتسمت بسمة هي الأخرى، ثم هرولت تجذب خرطوم المياه الضخم.
فاقتربت ليان من المضخة وشغّلتها على أقصى سرعة.
أقتربت بسمة منهم وأغرقتهم بالمياه، لتصرخ كلٌّ منهم وتهرول سريعاً لتقول بغرور:
_ في أغلب الأحيان التفكير الجنوني بيكون حل عظيم.
تعالت ضحكات ليان، فاستدارت لها بسمة بنظراتٍ عرفتها ليان جيداً.
فرفعت يدها قائلةً بتحذير:
_ عيب يا ماما. الناس يقولوا علينا إيه؟ إحنا اتدخلنا وحلّينا المشكلة خلاص. نرجع لعقلنا بقا.
تعالت ضحكات بسمة وهي تغرقها بالمياه:
_ للأسف لا يوجد عقل.
صرخت ليان وأسرعت تحتمي خلف الأريكة، لتنضم لمنار وشاهندة بضحكاتٍ مرتفعة.
كل ذلك تحت نظرات صدمة أمل والشباب لما يحدث.
تراجعت بسملة للخلف، فأقتربت منها بسمة، فأشارت لجنينها:
_ بت بلاش جنون. أنا حامل. الله يخربيتك.
بسمة بضحكةٍ مرتفعة أسرت قلب معشوقها:
_ تصدقي أنا فكرت إن عندك انتفاخ.
ثم انفجرت من الضحك وهي تقلل سرعة المياه قائلةً بمكر:
_ عشان عذرك ضغط المياه منخفض.
وقبل أن تستوعب ما تقوله، كانت تصرخ من المياه وتهرول لتستكين جوار ليان.
آبتسمت بسمة وهي تتأملهم بغرور:
_ ها، حد لسه ليه شوق في حاجة؟
تعالت ضحكات أمل لعلمها بما يحدث خلف ظهرها:
_ ربنا يلطف بيكِ يا بنتي.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، كانت منار أغلقت صنبور المياه وجذبت منها ليان ما بيدها لتفعله منار وتغرق ليان بسمة بابتسامةٍ واسعة قائلةً بسخرية:
_ لا يا قلبي، الشوق ده عينيّه للي يستاهله. صح يا بت يا شاهي؟
شاهندة بغرور:
_ صح يا ليو.
منار بابتسامةٍ واسعة وهي تتطوف كتف شاهندة:
_ بس إيه رأيك في اللي عملته؟
شاهندة بابتسامةٍ هادئة:
_ خطة ناجحة، الله ينور عليكِ.
تعالت ضحكاتهم وهم يتبادلون الأحضان، فأخرجتها منار بتذكر:
_ إحنا مش كنا بنتخانق؟
شاهندة بعدم تذكر مصطنع:
_ لا، دانتِ كنتِ بتتشاجري مع نفسيتك.
رمقتها بغضب، ثم عادت المعركة من جديد.
تعالت ضحكاتهم بجنون وكلا منهم تغرق الأخرى.
بغرفة المكتب.
أغلق مالك الحاسوب قائلاً بسخرية ليزيد:
_ أنا بقول بلاش تلجأ للكاميرات إلا في الضرورة، زي ما حضرتك شايف البنات واخدين راحتهم بزيادة.
محمود بغرور:
_ شفت البت مونى مسيطرة.
رمقه طارق بزهول، فتعالى الصراخ من الخارج.
فراس بضحكةٍ مكبوتة:
_ وأنا بقول إن الحكاية عدت ولازم نتدخل قبل ما الإصابات تكون خطرة.
ابتسم يزيد هو الآخر وخرج معهم للحديقة.
صدمت الفتيات حينما وجدن من يقف أمامهن.
يزيد بثباتٍ زائف:
_ ممكن أفهم إيه اللي بيحصل هنا ده؟
ابتسمت بسمة قائلةً بعشق:
_ مفيش حاجة يا حبيبي، دا سوء تفاهم واتحل.
ابتسمت ليان هي الأخرى:
_ بالضبط كده يا يزيد، هو سوء تفاهم وراح.
ابتسم مالك وهو يتأمل معشوقته، ولكن قلب نظراته لجدية وهو يرمق يدها بغضبٍ مصطنع.
فألقت ما بيدها على منار، فسلمته لشاهندة، فسلمته لبسملة، وبسملة لأمل، وأمل لشريف، وهكذا حتى أصبح بيد مالك.
ليصيح بسخرية:
_ وهو سوء التفاهم ده يعمل فيكم كده!
تطلعوا جميعاً لملابسهم المبتلة، فصاحت بسملة:
_ أنا هعترف يا مالك، وإلا يحصل يحصل.
أحتضنتها منار قائلةً بصوتٍ مضغوط:
_ حبيبتي يا بسوم، بتحب تهزر.
ابتسم فراس قائلاً بثباتٍ يضاهي طالته الجذابة:
_ مش محتاجين تعترفوا، إحنا شوفنا وسمعنا كل حاجة.
منار بصدمة:
_ كله، كله؟
محمود بغرور:
_ كله من أول الثروة لآخرها.
بسمة بسخرية:
_ إزاي ده؟
ليان بابتسامة مرح:
_ محاولة جيدة للإيقاع بنا.
تعالت ضحكة يزيد قائلاً بصعوبة:
_ طارق.
وبالفعل أنصاع له ودلف لغرفة مكتبه وأحضر الحاسوب، ثم وضعه أمامهم على الطاولة، لتصعق كلٌّ منهم.
منار:
_ يا نهار أسوخ.
شاهندة ببرائةٍ مصطنعة لمالك ويزيد:
_ شفتوا بقا اللي حصل وإني اتظلمت إزاي؟ هاتولي حقي بقا من البت دي.
يزيد بسخرية:
_ كملي الفيديو للآخر، جايز البراءة دي تختفي.
شريف:
_ ياختي عسل. بنقول لك شوفنا كل حاجة.
بسملة بابتسامةٍ واسعة:
_ أنا الوحيدة اللي عاقلة.
طارق بنبرةٍ عاشقة:
_ ربنا يكملك بعقلك يا قلبي.
انتبه له الجميع، حتى هي خجلت للغاية، فأبتسم يزيد وهو يتأمل خجلها ليعلم الآن بأن قصة عشق جديدة على وشك أن تكون.
صاحت بسمة بغضب:
_ مش عيب تصورونا وإحنا في أوقات تسلية ومرح بريئة.
مالك بسخرية:
_ بعيد عن كلمة بريئة دي، حضرتك لو كنتِ بصيتي فوق شوية كنتِ هتشوفي الكاميرات. حاجة مهمة كمان، ياريت لو حبيتوا تتجننوا تاني، أقصد تتخانقوا، يكون في القصر نفسه.
تطلّعت الفتيات أرضاً، ثم دلفوا للداخل بخجلٍ شديد.
تعالت ضحكات أمل قائلةً بعتاب:
_ كده يا مالك.. حرام يا ابني البنات اتحرجت.
جلس جوارها قائلاً بسخرية:
_ مش عيب يحصل ده في وجودك يا كبير.
تعالت ضحكاتها:
_ قلت أسيبهم يعيشوا سنهم.
يزيد بابتسامةٍ مكبوتة:
_ ده جنان مش تعايش مع السن.
شريف:
_ إنتوا مكبرين الموضوع ليه يا جماعة؟
طارق:
_ أنا بقول تروح بيتكم وتشوف سيف مختفي فين من صباحية ربنا.
شريف بغضب:
_ عريس جديد يا خويا.
فراس بسخرية وقد تلون وجهه من الضحك:
_ أما هو عريس جديد، قارف في أمه ليه؟
زمجر قائلاً بغضب:
_ أنا سيبهلكم مخضرة.
وغادر شريف، لتتعالى ضحكاتهم المرحة.
***
بمنزل سيف.
ظلت بغرفتها كما هي تبكي بحرقة على ما يحدث لها.
مر الوقت ومازالت دمعاتها تأبى تركها.
دلف سيف للداخل ليجلس جوارها على الفراش، بعد محاولات عديدة للتحدث.
خرج صوته قائلاً بعشق ويديه تتطوف وجهها:
_ آسف يا حبيبتي.
هوت دمعة وهي تتأمله ليخرج صوتها المتقطع من أثر البكاء:
_ أنا مش مجنونة يا سيف، أنا فعلاً بشوفه.
أزاح دمعاتها بأطراف أنامله:
_ عارف يا عمري، بس جايز الدكتور ده يقدر يساعدك. مش لازم يكون اللي بتشوفيه حقيقي، جايز وهم.
تأملت الفراغ بتفكير، ثم قالت بتقبل:
_ هتفضل معايا.
أحتضنها بعشق:
_ وعمري ما هسيبك.
شدّت من أحتضانه برعب:
_ مهما حصل يا سيف.
أخرجها من أحضانه بشك:
_ ليه بتقولي كده؟
ابتسمت قائلةً بمرح:
_ يفترض إني طلعت مجنونة، تقوم تسبني؟
تعالت ضحكاته الرجولية وهو يقربها من صدره قائلاً بسخرية:
_ لا متقلقيش، عامل حسابي. يلا هسيبك تغيري هدومك.
أشارت له بتفهم، فتركها وخرج من الغرفة.
***
أبدلت ثيابها، ثم خرجت من غرفتها لتجده يقف أمامها بطالته القابضة للأنفاس.
نجحت بتصنع اللامبالاة به، ثم أكملت طريقها.
ليخرج صوته من حفوة الصمت:
_ رايحة فين؟
لم تجبه وأكملت طريقها، لتشعل جمرات الغضب.
فجذبها بقوة قائلاً بعصبية:
_ لما أكلمك تقفي هنا وتكلميني.
جذبت يدها بقوة قائلةً بصوتٍ مرتفع للغاية:
_ لو فاكر إنك اشتريتني تبقى غلطان. ومش عشان ابن عمي هسكت لك.
أقترب منها بعينيه الساحرة قائلاً بهدوئه المعتاد:
_ ابن عمك بس؟
ابتعدت عنه قائلةً بتحذير:
_ بحذرك لآخر مرة يا مروان. متتعداش حدودك معايا.
ابتسم قائلاً بسخرية:
_ اسمي فراس، مش مروان. وبعدين أي كان الاسم اللي يليق عليا، لازم تعرفي إن ليا حدود محدش بيتخطاها، حتى لو كان الحد ده البنت اللي بحبها وهتبقى زوجتي.
تعالت ضحكاتها قائلةً بسخرية:
_ زوجتك؟ أنت بتحلم على فكرة. أنا خلاص وفقت على العريس اللي يزيد.
قاطعها نظراته المريبة، فأقترب منها بنظرةٍ أرعبتها وجعلتها تلعن اليوم الذي وقعت به أسيرته.
خرج صوته قائلاً ببطءٍ قاتل:
_ أنتِ ملكي أنا. فاااهمة!
أرتعبت من نبرة صوته، فأبتلعت ريقها بخوفٍ شديد.
ليكمل بصوته القابض للأرواح:
_ الحيوان ده اعتبريه اتمحى من على وش الأرض. ده إذا كان له وجود.
وقبل أن تتمكن الحديث معه، كان قد غادر من أمامها بعدما دفع المرآة بقبضة يديه القوية.
***
تمددت بجسدها على المقعد الطبي والطبيب يجلس أمامها بعدما رفض وجود سيف، حتى بعد أن طلبت منه تقى البقاء.
خرج صوت الطبيب ذي الثلاثين عاماً بابتسامته العملية:
_ ها يا تقى، مرتاحة دلوقتي؟
أشارت له بابتسامةٍ هادئة، فأسترسل حديثه:
_ جاهزة.
أشارت بخوف لخوض تجربة الماضي.
ارتدى الطبيب نظارته قائلاً بهدوء:
_ زوجك المتوفى ده، كانت إيه طبيعة العلاقة بينكم؟
أستعدت أيامها معه قائلةً بارتباك:
_ مكنش فيه علاقات بينا حتى لو سطحية.
ضيّق عيناه بعدم فهم، فأكملت بارتباك:
_ أنا مكنتش بحبه، كنت بحب سيف من طفولتي.
بادلها بسؤالٍ محير:
_ طب ليه اتجوزتيه من الأول؟
أجابته بحزن:
_ لأن ماما كانت شايفة سامي مناسب ليا أكتر من سيف.
أشار برأسه بتفهم، ثم بادلها بعدد من الأسئلة، لتجيبه تقى باستسلام.
إلى أن رمقه بسؤالٍ جعلها تلتزم الصمت فترة، حتى عاد يكرره من جديد:
_ في حاجة حصلت في حياتك معاه مخلياكي حاسة بالذنب من ناحيته؟
عادت الذكريات تنهشها بلا رحمة، فتناثرت دموعها وهي ترى ما حدث أمام عينيها.
***
_ ابعد عني بقولك.
رمقها بصدمة:
_ ابعد عنك إزاي؟ أنا لازم أخلص عليكِ. أنا سبتك الفترة اللي فاتت دي وكان ظني حاجة واحدة، إنك خجولة من التعامل معايا أو لسه شايفاني أخ ليكي. لكن اللي بتقوليه ده محدش يقدر يتحمله.
صرخت بدموع:
_ دي الحقيقة. أنا مبحبكش ومستحيل ده يحصل، لأني زي ما قولتلك من شوية بحب شخص تاني.
صفعها بقوة، ثم جذبها من شعرها قائلاً بعينٍ تحمل من الجحيم مذاق:
_ كرري الكلمة دي تاني، وأوعدك إنك مش هتكوني على وش الدنيا دي.
ثم جذبها من معصمها:
_ مين الحيوان ده؟ والله لأكون دافنه قدامك عشان تتربي من أول وجديد.
تراجعت للخلف برعبٍ حقيقي، فجذبها بقوة:
_ هو مين؟ .. انطقي.
تلونت عيناها بالدموع قائلةً بصوتٍ متقطع من الآلام والخوف:
_ مفيش داعي يا سامي، أنا هحاول أنساه. صدقني هنساه، بس بلاش تأذيه.
جمرات من جحيم استحوذت عليه وهو يرى زوجته تخشى على رجل آخر وتبكي لأجله.
ليجذبها بعنف بعدما أنهال عليها بعدد من الصفعات قائلاً بصوتٍ كالرعد:
_ هتقولي هو مين؟ ولا أعرف بطريقتي.
لم تجبه، فرفع يديه يطوف عنقها بحقدٍ وكرهٍ حتى كادت الاختناق.
لتردد بهمسٍ خافت:
"سيف".
تركها بصدمةٍ ليس لها مثيل، لتسقط أرضاً وتشرع بنوبة بكاءٍ جنونية قائلةً بصوتٍ متقطع:
_ أنا بحبه. هو بس ملوش ذنب، وميعرفش حاجة.
تجمدت العبارات بعينيه، حتى صوته المكبوت رفض بالخروج.
فأقتربت منه وهي تشدد على قدميه قائلةً برجاءٍ ودموع:
_ عشان خاطري متعملش فيه حاجة. هو والله ميعرف عن اللي حبي ده، وأنا هحاول أنساه وأبدأ معاك من جديد.
ركلها بقدمه وغادر بصمتٍ قاتل، لتستمع بعد قليل بوفاته.
كانت دموعها المنسدلة كفيلة بنقل معاناة ما له.
خرج صوت الطبيب بتفهم لما هي به:
_ خلاص يا مدام تقى، إجابة السؤال ده في الزيارة الجاية إن شاء الله.
أشارت له برأسها، وتناولت منه ما كتبه لها من أدوية.
خرجت من الغرفة وعيناها ما زالت تنزف الدمعات الحارقة على ما أفاقها به الطبيب من نقطة هامة جعلتها تعلم ما بها.
ما أن رأها سيف حتى أقترب منها قائلاً بهدوء:
_ ها يا تقى، عملتي إيه؟
ابتسمت بعدما أخفت دموعها:
_ حاسة إني أحسن يا سيف.
أحتضنها بفرحة قائلاً بعشق:
_ يارب دايما بخير يا قلب سيف. تعالي بقا ننزل نتغدى في أي مطعم.
توجهت معه للسيارة بخضوعٍ تام، كأنه هو من يحركها، فربما عقلها بمطافٍ آخر.
***
بالقصر.
دلف فراس القاعة بغضبٍ شديد، ليجد يزيد ومالك بالداخل يتناقشان أموراً خاصة بالعمل.
مالك بسخرية لرؤية أخيه هكذا:
_ ألطف بينا يارب.
يزيد بابتسامةٍ هادئة:
_ مالك يا أبو الفوارس؟
خرجت نظراته القاتلة له:
_ حضرتك عارف إني بحب أختك وهتجوزها. ليه لزمتها الحركات دي بقا؟
يزيد بثباته الطاغي:
_ حركات إيه؟
فراس بغضب:
_ هعمل نفسي مصدقك إنك متعرفش حاجة. ليه تخليها تشوف الحيوان ده؟
ابتسم يزيد قائلاً بخبث:
_ مش لما يبقى في حيوان. وبعدين عيب عليك، أنا هنسى طريقة كلامك وده لمصلحتك. أما اللي حصل فكان اختبار مني ليها عشان أعرف اللي في دماغها.
أسرع إليه فراس حتى أنه دفع مالك الذي يجلس جواره، ليجلس جوار الغول قائلاً بابتسامةٍ هادئة:
_ ولقيت إيه؟
ابتسم يزيد قائلاً بمكر:
_ مش كنت عايز الفرح بعد تلات أيام؟
أسرع بالحديث:
_ وفات يوم.
يزيد بنظراته الماكرة:
_ جهز فرحك.
أحتضنه فراس قائلاً بسعادة:
_ هو ده الكلام اللي بجد.
مالك بسخرية:
_ دانت واقع واقع، يعني مش كلام.
دلف محمود ليستمع لما يحدث، فصاح بغضب:
_ نعم يا خويا انت وهو، بقا الواد ده يقول لكم جواز تقوله بالهنا، وأنا خطوبة وأيه سنة!
تطلع مالك ليزيد بغضب، فردد بصوتٍ منخفض:
_ البس.
صاح محمود بغضب:
_ أنا هوريكم أيام سودة.
قاطعه مالك بتأفف:
_ عايز إيه يا محمود؟
جلس واضعاً قدماً فوق الأخرى بتعالٍ:
_ فرحي مع الواد اللي جنبِك ده، وإلا هتزعلكم.
يزيد بصدمة لمالك:
_ الحيوان ده بيهددنا؟
مالك بغضب:
_ على ما أعتقد. بس متقلقش، أنا موجود.
وأنقض عليه مالك بلكمةٍ أفقدته وعيه تدريجياً.
فراس بصدمة:
_ الواد مات.
يزيد بصدمة:
_ من أول قلم!
محمود بابتسامةٍ واسعة:
_ أموت وأسيب الفرح؟ طب ده ينفع يا جدعان.
مالك بسخرية:
_ وإحنا معندناش بنات للجواز. يلا وريّني بقا هتعمل إيه.
صاح بغضب:
_ لا هعمل و...
قاطعه فراس حينما جذبه من تالباب قميصه، لينحني له، فهمس بصوتٍ منخفض له:
_ بلاش مالك يا محمود، خلي وشك في الأرض. من دقايق بلاش تعاند معاه، لا هتطول لا جوازة ولا يحزنون زي خروجة النهارده.
أجابه الآخر بهمسٍ وعيناه تتفحص يزيد ومالك:
_ أنت شايف كده؟
أشار برأسه:
_ وما عنديش غير كده.
خرج صوته المسموع:
_ خلاص يا عم، اللي تحبه هنعمله.
ابتسم مالك بإعجاب:
_ كده تعجبني، وموافق على إن فرحك يبقى من فراس.
صاح بحماس:
_ هو ده الكلام! روح ربنا يديك على قد نيتك.
وهرول محمود للأعلى قائلاً بفرحة:
_ يا نونوو، تعالي اسمعي آخر الأخبار... نونووو.
مالك بصدمة ليزيد:
_ دا العيال واقعين يا جدع!
يزيد وهو يشاركه الصدمة:
_ حالتهم صعبة أوي. كويس إنك معاندتش قصاد محمود، كان ممكن يتجوز على نفسه!
تطلع له مالك ليشير برأسه بأن حديثه صائب، لينفجر ضاحكاً:
_ ده كان حالي عشان أتجوز ليان، بس مسكت نفسي شوية.
تعالت ضحكات يزيد قائلاً بصوته الرجولي:
_ لا كان باين، ومتنساش الجميل. أنا اللي خلصت الموضوع.
ابتسم مالك بجدية:
_ طول عمرك جنبي يا صاحبي.
أحتضنه يزيد بسعادة أخوية، والخوف يتراقص بعينيه من القادم.
حتى فراس، حتى يتأملهم بابتسامة فخر لمن أسسوا تلك الإمبراطورية العريقة بمحبتهم وصداقتهم الدائمة.
لتحمله الأشواق لرفيق دربه، فترك القاعة وأخرج هاتفه.
***
على متن الجنة المتناغمة بين دفوف المياه.
كانت تنعم بدفء أحضانه.
تشعر بأن سعادة العالم بأكملها بين أطراف أصابعها.
حلم صعب الحصول عليه، وها هو يتحقق بين يديه.
خرج صوتها بعدما ساد الصمت المكان:
_ مراد.
_ أممم.
خرجت من أحضانه وهي تتفحصه بحيرة من أمرها، لأرتدائه النظارات السوداء.
ابتسم وهو يخلعها:
_ صاحي، متخافيش.
ابتسمت بسعادة وهي تعود لدفء أحضانه:
_ والله أنا اللي شكلي نايمة، وكل اللي بيحصل ده هيطلع بالنهاية حلم سخيف كالعادة.
تعالت ضحكات مراد قائلاً بسخرية:
_ ده كان في أحلام كمان.
أشارت برأسها قائلةً بتأييد:
_ حالتي كانت متدهورة خالص يا مراد.
تعرف إن كانت أبسط أحلامي تتكلم معايا، حتى لو هتقولي أعملي أكل أو أي حاجة.
كمان كنت بحب أتسحب بالليل وأفضل أشوفك وأنت نايم لحد ما المعاد اللي بتصحى فيه يجي، كنت بختفي.
أخرجها من أحضانه قائلاً بحزن:
_ ممكن ما نتكلمش في اللي فات. أنا اتغيرت يا ميرفت، وأنتِ أكيد هتشوفي ده بنفسك. بلاش تفكري في الماضي، شوفي المستقبل وأنا معاكِ.
تقابلت نظراتها بعينيه التي سحرتها منذ رؤياها أولى النظرات.
لتستند برأسها على يديها بحزن:
_ ده حلم مراد الجندي. مستحيل يتغير.
ابتسم وهو يحملها بين يديه بمكر:
_ بيقولوا إن المية هي اللي بتساعد على الإفاقة من الأحلام.
تعمقت به قائلةً بصراخ:
_ لاااا.
ابتسم وهو يلقي بها بالمسبح الخاص باليخت.
تصارعت مع المياه، ليتركها بمفردها فوقفت بحرية حينما وجدت سطحاً ملس تحت قدميها.
أعانها على الوقوف، فكانت سعيدة للغاية.
جذب المياه على وجهها، فصرخت وتعلقت به بجنون.
ميرفت بصراخ:
_ لا يا مراد.
ابتسم وهو يحملها لتقف على أطراف أصابعه قائلاً بعشق:
_ حاسس إن محدش ناداني بالاسم ده غيرك.
تلون وجهها بحمرة الخجل، فأقترب منها بعشقٍ جارف.
ليتأفف بغضب حينما يصدح هاتفه.
تركها قائلاً بغمزة من عيناه الساحرة:
_ رجعلك تاني.
وسبح بمهارة لهاتفه الموضوع على الطاولة، ليلمع باسم رفيقه.
فراس بغضب:
_ أزعجت جنابك.
مراد بضيق:
_ داخل شمال على طول كده!
فراس بسخرية:
_ هو أنت بينفع معاك شمال ولا لمين يا خويا. حتى أختك زعلانة منك، مبتسألش عليها ولا معبر حد.
_ غصب عني يا فراس، كنت بمر بظروف كده. لما أشوفك هحكيلك. وبعدين أنا مأمن عليها معاك وعارف إنك تقدر تحميها وتخلي بالك عليها أكتر مني ومن أي حد تاني.
= لا، ثبتني ياض. وحضرتك ناوي ترجع إمتى؟
_ مش عارف.
= نعم يا خويا، هو أنت فين من الأساس؟
_ قلت لك لما أشوفك هحكيلك. وراعِ إنّي عريس.
= عريس! نهارك أسود. اتجوزت على مراتك!
_ الله يخربيتك، أنت دايما كده بتفهمني غلط.
= فهمني الصح أنت!
_ صلحّت حاجات كتير كانت جنبي وما كنتش أخد بالي منها.
فراس بسعادة:
_ ميرفت!
مراد بتأكيد:
= أيوه يا فراس.
_ أحسن حاجة عملتها في حياتك يا مراد. ميرفت بتحبك جداً بجد. لو كنت ضيعتها من إيدك، كان هيفوتك عمرك كله.
ابتسم وهو يتأملها بعشق ترتشف المياه:
_ عندك حق يا صاحبي.
_ حيث كده بقا، هقفل. بس كنت عايز أبشرك إني خلاص لقيت البنت اللي هتلمني، أقصد اللي القلب اتعب لحد ما لقاها.
= إيه ده بجد؟
_ فرحي بعد بكرا.
= مين دي؟ ولحقت تحدد الفرح!
_ بنت عمي. إحنا في عصر السرعة يا مان.
تعالت ضحكاته:
_ تشابه رهيب بينك وبين ابن عمك يزيد. تصور إنّي لما كنت معاه في آخر ميتنج، قولت له إنك بتشبه صديقي المقرب. وسبحان الله تطلع ابن عمه!
= يزيد فعلاً شخصية عظيمة زي ما أنت وصفتهالي. والغريبة إن مالك أخويا هو سيد عيلة نعمان، بس مش قادر أشوفه كده.
تعالت ضحكات مراد قائلاً باستغراب:
_ ليه؟
= مش عارف يا أخي، يمكن عشان نفسيّة الأخوات دي. البشر كلهم شايفينه سيد الرجولة والكرم كله، وهو الوحيد اللي في عيلة نعمان اللي أنا شايفه كده. خبيث وعنده مكر يودي المشنقة.
:_ ويا ترى عايز المشنقة دي برقبة ولا بطربوش؟
قالها مالك بسخرية وهو يجذب فراس من تالباب قميصه، لتتحجر الكلمات على شفتيه، ويخر مراد ضاحكاً بعد سماعه لصوت مالك.
فراس بصدمة:
_ مالك!
مالك بغرور:
_ أينعم، الخبيث والماكر اللي يودي المشنقة. اللي هتتعلق لسيادتك بعد شوية.
خرج صوته بصعوبة:
_ لا، ده مراد مش أنا.
خرج صوته من الهاتف:
_ بريء.
جذب مالك الهاتف قائلاً بهدوء:
_ بيحط التهمة عليك، بس متقلقش. دانا واقف من زمان.
تعالت ضحكات مراد قائلاً برجولية:
_ أخيراً اتشرفت بمالك نعمان.
= الشرف ليا، معرفتك يا مراد. سمعت عنك كتير من يزيد، بس محصليش شرف التعامل معاك.
_ هيحصل إن شاء الله. هحضر تجهيزات زفاف فراس، مفيش فرصة أعظم من دي للتعارف. بس خليك حنين عليه، بلاش شنق الله يكرمك.
تعالت ضحكات مالك:
_ عشان خاطرك بس. وطبعاً القصر ينور بضيافتك. بأنتظارك.
وأغلق الهاتف، ليجد فراس قد اختفى من أمامه.
حتى هاتفه تنازل عنه بسهولة، ليردد مالك بسخرية:
_ جبان.
***
بغرفة يزيد.
كانت تتمدد على الفراش بسكون بين ذراعيه.
وهو مغلق العينين، يترسم النوم.
وهي تبتسم لعلمها بأنه من المحال أن يغفو صباحاً.
فتح عينيه ليجدها تتأمله بابتسامة تسلية، فقال بسكون:
_ سبب ابتسامتك؟
أزاحت خصلات شعره المتمردة على عيناه قائلةً بسخرية:
_ وسبب تصنعك النوم؟
ابتسم وهو يشدد من احتضانها:
_ وأنتِ مركزة معايا ليه؟
قالت بخجل:
_ أنت جوزي على فكرة. أركز براحتي.
يزيد بعشق:
_ وركزتي!
أعتدلت بجلستها، ثم أسرعت للحمام الغرفة قائلةً بخجل من نظراته التي لا تنذر بالخير مجدداً:
_ لا، مش عايزة أركز.
تعالت ضحكاته وهو يتأملها تتخفى من أمامه.
ثم جذب هاتفه يلهو به لحين خروجها.
طرقات على باب الغرفة.
جذب يزيد قميصه وأرتداه على عجلة من أمره.
فنح باب الغرفة، فوجد الطريق خالياً.
حتى كاد الدلوف، ولكنه لمح تلك العلبة المغلقة على باب الغرفة.
جذبها للداخل، ثم فتح العلبة باستغراب، ليجد فستان قصير للغاية، أسود اللون، وورقة صغيرة.
"الأسود بعشقه عليكِ."
"مالك"
ألقى العلبة قائلاً بغضبٍ جامح:
_ يا ولاد ال....
ثم شدد على شعره بجنون، لا يعلم ما عليه فعله.
كل ما يعرفه بأنه تحت أنظارهم، فكيف لهم بأرسال تلك العلبة إلا حينما ظل وحيداً بالغرفة.
خرجت بسمة من الحمام بعدما ارتدت فستاناً من اللون الأحمر وحجاباً فضياً اللون.
لتتفاجأ بيزيد يجلس على المقعد بإهمال ونظرات الغضب تحيل به.
توجهت إليه سريعاً، ثم قالت برعب:
_ يزيد... أنت كويس؟!!
رفع عيناه لها بتفكير.
كيف له من التحدث عن ذاك الأمر!
كيف له بأن يزرع كره مالك بقلبها، وهي تراه أخاً لها!
لا، ربما لا تعلم تلك الحمقاء بقدرة الغول.
خرج صوته الغاضب:
_ مفيش.
وتركها وهم بالخروج، فتمسكت بمعصمه قائلةً بخوف:
_ مفيش إزاي! أنا كنت سايباك كويس.
جذب ذراعه بعنف:
_ مش قايل لك مفيش. أنتِ مبتفهميش.
وتركها وغادر، ودموعها تهوي على وجهها بصدمة.
لينقل الجاسوس لنوال الأخبار التي بعثت السرور لها بأن الخطة تسري بنجاح.
*******
بغرفة بسملة.
دلف طارق ليستمع لأنينها بحمام الغرفة، فأسرع للداخل بلهفة وخوف.
ليجدها تستند على الحائط بتعبٍ شديد بعدما أفرغت ما بجوفها.
اقترب منها طارق قائلاً بلهفة:
"_ أنتِ كويسة؟"
أشارت له بضعف بمعنى لا، فحملها برفق للخارج، ثم وضعها بالفراش.
ثم جذب بعض الفواكه والعصائر إليها.
جذبت منه العصير بضعف لحاجتها إليه، ولكن لم تتمالك أعصابها.
فجذب طارق ما بيدها، ثم قربه منها لتتناوله منه، وهو يتطلع لها بحبٍ بدا بنظراته.
وضع ما بيده على الكومود، ليجدها غطت بنومٍ عميق.
فجذب حذاءها برفق، ثم حرر حجابها.
جذب الوسادة خلف ظهرها برفق، وأعدل من الغطاء، ليظلم الغرفة، فتنال قسطاً من الراحة.
أما هو فتمدد جوارها على الأريكة، وعيناه تتأملها بعشقٍ وهو يراها بدون حجاب.
***
تبعدت عنه كثيراً بابتسامةٍ متوردة خجلاً، ليقترب هو قائلاً بهمس:
_ بتهربي مني ليه؟
ليان بخجلٍ وارتباك:
_ أنا... وأنا ههرب ليه؟
:_ اسألي نفسك.
قالها بعشقٍ وهو يعيد خصلات شعرها المتمردة للخلف.
فتراجعت للخلف قائلةً بتوتر:
_ زعلانة منك.
صاح بصدمة:
_ مني أنا؟ ليييه؟
زمجرت بوجهها بضيقٍ مصطنع:
_ عشان بتحب تحرجني بنظراتك دي، وأنا لما بكون تحت بحاول بقدر الإمكان مبصش عندك عشان عارفة إن شكلي هيكون زي المجانين.
اقترب منها وكلماته تهمس لها:
_ مقدرش أتحكم لا بقلبي ولا بنظراتي.
أغلقت عيناها بقوة قائلةً بخوف:
_ هتفضل تحبني كده على طول يا مالك؟
أحتضنها لعلها تستمع لدقات قلبه، فتكون تلك الإجابة كافية لها.
_ لأخر العمر، لأنك عمري كله يا ليان.
رفعت يدها تشدد من احتضانه، تركت له التصريح الكامل ليخطفها بعالمه الخالد.
***
بغرفة فراس.
:_ تصرفك صح يا يزيد. لو كنت وجهت بسمة، كانت هتشك في مالك وتكرهه. وفي نفس الوقت أنت بينت زعلَك ليها وللحيوان ده عشان ميشكش في حاجة.
أنكمشت ملامحه بغضب:
_ ورحمة أبويا أنا ما هسيبك فيها رقبتها هي والحيوانات دي. الحارس أنا مش مستغرب خيانته، لكن الشغالة دي بقالها مدة معانا، مش شفت منها شيء يخليني أشك فيها.
فراس بتفهم:
_ نوال مش سهلة يا يزيد. الله أعلم هي استغلت الست دي إزاي وأختارتها هي، لأنها الوحيدة المسموح لها الدخول للغرف.
قاطعه بتفكير:
_ معتقدش إنها مسألة فلوس.
أجابه الآخر بتأييد:
_ تفكيرك صح. جايز بتبتزها بحاجة أو بتهددها.
يزيد بسخرية:
_ كل حاجة عندها واردة. المهم إنك تنفذ اللي قولته لك عليه.
فراس بثبات:
_ اعتبره حصل.
لمعت نظرات يزيد بالحقد الدفين لها.
ولكن دام الماضي، وتبقى خطى متقطعة.
***
بأحد المطاعم الفاخرة.
كانت تبتسم من حين لآخر، وبداخلها ما يكفي حزن عالم بأكمله.
تركها سيف وتوجه للمرحاض، فظلت حبيسة الماضي.
بحمام المطعم الخاص بالرجال.
جذب سيف المنشفة الورقية يجفف فمه بعد الاغتسال، ليتفاجأ بمن يحتضنه قائلاً بسعادة لرؤياه:
_ سيف!
سيف بسعادة هو الآخر:
_ فاروق!
ابتسم الآخر قائلاً بشوق:
_ وحشني والله يا سيفو. أخبارك إيه؟
سيف بغضب:
_ ماهو واضح إنك مفكرتش ترفع عليا سماعة التليفون. زي ما تكون ارتاحت من خلقتي. بموت صاحبك، كنت دايما بتكلمني عشان أعطيه الفون لو معرفتش توصله.
انكمشت ملامحه بحزن:
_ الله يرحمه.
شاركه الحزن هو الآخر:
_ يارب.
ليكمل بحزن:
_ سامي كان أكتر من أخ يا سيف، وأنت كمان عارف قد إيه إنت غالي عندي. أنا بعد موت سامي سافرت كندا، ولسه راجع من حوالي أسبوعين عشان حددت جوازي.
سيف باستغراب:
_ سافرت؟
أشار براسه بمعنى نعم، فرفع سيف يديه على كتفيه قائلاً بفرحة:
_ عموماً ألف مبروك يا عم.
ابتسم قائلاً بفرحة:
_ الله يبارك فيك يا سيفو. عقبالك يارب.
تعالت ضحكاته وهو يشير بيديه:
_ مش شايف الدبلة.
صاح بصدمة:
_ اتجوزت!
ابتسم بتأكيد:
_ من أيام بسيطة.
أجابه بحماس:
_ مين سعيدة الحظ؟
:_ تقى.
قالها بابتسامةٍ هادئة، لتقع على مسمع فاروق بصدمةٍ لا مثيل لها.
فأكمل سيف بتفهم:
_ سامي الله يرحمه. ... وهى يعني خلاص مبقتش مراته.
قاطعه قائلاً بحزن:
_ عارف يا سيف، عن إذنك.
وكاد المغادرة، فجذبه سيف بشك:
_ في إيه يا فاروق؟ ليه لما عرفت إنها تقى زعلت؟ هو حرام إني أتزوج مرات أخويا الله يرحمه؟
قاطعه بغضب:
_ لا مش حرام، الحرام إنك تحط إيدك في إيد واحدة كانت السبب الأول والأخير في موت أخوك.
صدمة اجتزت سيف، فجعلته كالمتخشب، ليجاهد للحديث:
_ إيه اللي أنت بتقوله ده؟
تحكم بأعصابه قائلاً بهدوء:
_ الحقيقة يا سيف.
سيف بصدمة:
_ إزاي!
غاصت ذاكرته بحزن:
_ سامي عمره ما خبى عليا حاجة، وعمري ما كلمة هو قالها لي طلعت بره، لكن هيحصل النهارده. سامي كان بيعاني مع تقى لأنه كان بيحبها، وهي مكنتش مديله فرصة في حياتها. حاول كتير، بس معرفش. لحد ما اتفاجئ في يوم إنها بتحب شخص تاني، والشخص ده أظنك تعرفه كويس. ... سامي كلمني قبل الحادثة بدقايق وهو منهار لما عرف إن الشخص ده يبقى أخوه. كان بيبكي زي الأطفال، وأنا بترجاه يجي عندي أو على الأقل يوقف سواقة ويقعد على أي كافي وأنا هجيله. قال لي إنه في طريقه ليا، وللأسف موصلش.
صدمة لا مثيل لها.
لتغفو دمعة ساخنة من عينيه على شقيقه.
دمعة غامضة جعلت فاروق يرفع يديه على كتفيه كنوع من المواساة، وغادر بصمتٍ قاتل، تاركه بدوامة ممتلئة بموجات قاتلة له ولقلبه المطعون.
كيف فعل ذلك؟!!
وقف أمام المرآة بعدم اتزان، وهو يحرر الجرفات بقوة، ليرى انعكاس صورته بالمرآة، فركلها بقوة، فتكت بيديه قائلاً بصراخ:
_ ليييييه، ليييييه كدبتي علياااا؟ ليه تخليني أشارك في جريمة ماليش ذنب فيها؟ ليييييه؟ دمارك على إيدي يا تقى، ده وعدي ليكِ.
عيناه الحمراء المشعة بالغضب كفيلة بإحراقها.
كلماته ووعوده ستقلب لدمار لها.
لتلقى الآن من كأس يحمل من عذاب العشق ألوان شتى.
معركة... شر... خير... انتصارات... ألغاز...
ستكشف عن قريب في الفصول القادمة من.
•