تحميل رواية «معشوق الروح» PDF
بقلم اية محمد
الفصل 4 — رواية معشوق الروح الفصل الرابع 4 - بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
حُطم قلبها وتناثر لشروخ من الأوجاع، كيف تحتمل الأنين من حطمها؟ ظنت أنه محبوبها. كيف ستتمكن من العيش وهو من ظنت أنه حماها وأمانها؟ القلب خرج عن الطواف وتهشم بصوت استمعت له جيداً، لتكون العقوبة قاسية حتى لا تنخدع وتسقط بالهواجس مجدداً. أغمضت عينيها كثيراً في محاولة باتت بالفشل لتقبل حقيقة ما تراه. لا، ليست بحلم سيئ ولكنها بواقع مرير، واقع دعسها به بخيط الخيانة القاسي. يا الله، لم تحتمل رؤيته وتلك المرأة بين يديه. هوت دمعاتها على وجهها المتصلب، فرفعت يديها على فمها تكبت شهقاتها. لم يكن في أوسع مخيل...
رواية معشوق الروح الفصل الرابع 4 - بقلم اية محمد
حملها سيف لأقرب مشفى بعدما تولى شريف أمر القيادة، هبط بها للداخل فحملتها الممرضات، ومن ثم توجهت لغرفة الكشف ليتضح للجميع بأن سبب إغمائها هو هبوط حاد بالدورة الدموية.
وبعد مدة طالت بانتظار سيف وشريف بالخارج، أخبرهم الطبيب بأنها على ما يرام، ولكن عليهم تركها للغد حتى تصبح بخير. فأخبر سيف والدتها التي أتت على الفور، فظلت جوارها وغادر شريف ليستكمل دراسته كما طلب منه سيف، ليتبقى هو بالخارج.
تخفى ضوء القمر الخافت لتظهر الأشعة الذهبية لتطل على القصر فتجعله فاتكًا للأنظار.
بغرفة يزيد، ارتدى بدلته السوداء ثم صفف شعره بانتظام، نثر البرفان الخاص به واستدار ليغادر، فتفاجأ بمالك يقف أمامه.
أقترب منه قائلًا بابتسامة هادئة:
_ إيه الجمال دا يا غول.
ابتسم يزيد ابتسامته الثابتة قائلًا بجدية:
_ من بعض ما عندكم.
تعالت ضحكات مالك، فأقترب من المرآة يصفف شعره بعدما ترك غرفته ليلحق بيزيد.
ضيق عيناه قائلًا باستغراب:
_ بس مش عادتك تروح المقر بدري كدا!
استدار له قائلًا بثبات:
_ أنا قولت ألحقك عشان نروح المستشفى قبل الشركة.
_ مستشفى! ليه؟
قالها يزيد باستغراب، فاسترسل مالك حديثه:
_ سيف مع تقى في المستشفى من امبارح.
قال بهلع:
_ تقى بنت خالتي؟
أجابه بتأكيد:
_ أيوا عندها هبوط، متقلقش.
زفر بارتياح:
_ طب كويس إنك قولت قبل ما أنزل.
غمز له بعيناه الساحرة قائلًا بابتسامة هادئة:
_ لا متخافش مش بنسى حاجة.
ابتسم هو الآخر لفهمه ما يقصد رفيقه.
توجه للباب قائلًا بوجه خالٍ من التعبيرات:
_ كمل لبس وأنا هستناك تحت.
اكتفى بإشارة بسيطة من رأسه، فهبط يزيد للأسفل.
بالأسفل، كانت تجلس أمل على رأس الطاولة ولجوارها منار وشاهندة.
هبط هذا الوسيم قائلًا بابتسامة جذابة:
_ صباح الخير.
أمل ببسمة رقيقة:
_ صباح النور يا حبيبي.
جلس على الطاولة مشيرًا بعيناه الخضراء لها، فتفهمت إشارته وأسرعت للمطبخ تعد قهوته المتميزة.
بعد قليل، هبط مالك لينضم لهم قائلًا بابتسامة لا تليق سوى به:
_ صباحكم بيضحك.
تعالت ضحكات شاهندة قائلة بمرح:
_ صباح الجمال والأناقة يا أبيه.
رفع رأسه بغرور مصطنع بعدما انحنى ليزيد:
_ شوفت الناس اللي بتفهم.
رمقه بنظرة متلونة بغضب فتاك، فاستقام بجلسته مشيرًا لوالدته، فابتسمت لتفهمها ما يريد.
تناول يزيد قهوته ثم خرج للسيارة قائلًا بغضب:
_ اتأخرنا، انجز.
أنهى ما بيده وهو يلحق به قائلًا بصدمة وهو يتأمل ساعة يديه:
_ يا خبر!
اعتلى سيارته وتوجه للمشفى التي أخبره بها مالك، فصف السيارة ثم دلف للداخل.
بغرفة تقى، فتحت عيناها بتثاقل فوجدت والدتها جوارها وسيف يجلس على الأريكة المقابلة لها مستندًا برأسه على الطاولة من أمامه ويغفو بنوم عميق. منحت نفسها فرصة التطلع، فربما حرمت من ذلك.
هبطت دمعاتها بضعف شديد، فكم يصرخ قلبها حينما أحبت شخصًا وتزوجت آخر. يعاتبها البعض لعدم نسيانه، فكيف تخبرهم بأنها عاجزة عن ذلك وهو أمام عينيها!
أبعدت نظراتها عنه حينما وجدت نظرات والدتها لا تنذر بالخير، فهي على علم بما يطوف قلبها، حتى أنها فعلت المحال لتجعلها تستقر معهم، ولكن مع إصرار تقى بالبقاء بشقتها لم تتمكن من تنفيذ قرارها.
طرقات باب الغرفة أعلنت عن يزيد، فدلف للداخل حينما استمع أذن الدلوف قائلًا بابتسامته الهادئة:
_ صباح الخير.
ابتسمت تقى لرؤية يزيد، فهي ترى به أخيها الذي لم يولد، حتى هو يتعامل معها بذلك النمط.
سماح بفرحة:
_ إيه النور اللي طل علينا دا.
اتسعت بسمته قائلًا وما زالت ملحقة:
_ النور بوجودك يا خالتو.
ثم أكمل باستغراب:
_ هو سيف مش هنا؟
أشارت تقى بعينيها على الأريكة، فأقترب منه يزيد محاولًا إفاقته بهدوء.
فتح سيف عيناه بنوم شديد ثم صرخ بفزع:
_ الغول! معملتش حاجة.
جذبه يزيد بنبرة صوت منخفضة:
_ غول إيه؟ هتفضحنا الله يكسفك.
بدأ بالأفاقة فتطلع خلفه ليجد خالته وابنتها تتطلعان لهم باستغراب، فرسم بسمة سريعة:
_ لا دانا حلمت حلم مش لطيف.
سماح بلهفة:
_ استعيذ بالله يا ابني، ربنا يصرف عنكم كل شر.
تطلع ليزيد مرددًا بتأكيد:
_ يارب.
تلونت عيناه بغضب يعلمه سيف جيدًا، فتوجه سريعًا للخارج لتوقفه كلماتها المتلهفة:
_ رايح فين يا سيف؟
أجابها على عجلة من أمره:
_ هروح أجيب فطار وقهوة للغول، أقصد يزيد.
بادلته بابتسامة رقيقة، تابعها يزيد بحزن دفين لعلمه ما بداخلها من مشاعر تجاهه.
تطلعت سماح ليزيد ثم قالت باستغراب:
_ هو فين مالك يا يزيد؟ هو قالي في الفون إنه جاي معاك!
جلس على المقعد المجاور لها:
_ بيركن عربيته وطالع.
جذبت حقيبتها قائلة بتعب:
_ طب هشوفه تحت يوصلني البيت أغير هدومي وأرتاح شوية.
قاطعها قائلًا بجدية:
_ أوصل حضرتك لو تحبي.
أجابته بابتسامة واسعة:
_ لا يا حبيبي خاليك مع تقى وأنا هنزل أشوف مالك.
أشار لها بهدوء، فغادرت تبحث عنه.
بغرفة ليان، ارتدت ملابسها بمساعدة الممرضة ثم استندت على ذراعيه، فهبط بها الدرج بحذر.
محمود:
_ براحة يا حبيبتي، لو حابة ممكن أشيلك.
ابتسمت قائلة ببعض التعب:
_ لا أنا كويسة.
ثم أكملت باستغراب:
_ هو طنط مجتش معاك ليه؟
صاح بسخرية:
_ هي عرفت إني نازل أجيبك ونامت في المطبخ من الصبح بتقول لازم أعملها أكلة حلوة ترم عضمها.
تلون وجهها بفيض من البسمات حتى أنهت الدرج وصارت بالأسفل. عاونها محمود على الجلوس ثم استدار للطبيب الذي أشار له.
محمود بتفكير:
_ خليكِ هنا، هروح أشوف الدكتور وأرجع.
أشارت له برأسها، فأكمل حديثه بقلق:
_ هتبقى كويسة لو سبتك.
ليان بهدوء:
_ متقلقش.
أشار لها ودلف لغرفة الطبيب، أما هي فظلت تنتظره لحين عودته.
استغل اختفاء محمود من جوارها، فأقترب منها قائلًا بصوت متلهف لرؤيتها:
_ ليان.
استدارت بوجهها لتجده يقف أمامها. نعم، هو من أفتك بها للهلاك، هو من تعمد تحطيمها لآلاف من الأنين بدون شفقة منه أو رأفة بحال قلبها الضعيف!
رددت بهمسٍ خافت:
_ أنت!!
جلس جوارها بحزن مصطنع:
_ أنا عارف إنك زعلانة مني، بس أنتِ فهمتي غلط، محصلش حاجة بيني وبينها، صدقيني.
تطلعت له بعين تحمل السخرية ثم قالت بصوت متقطع، فما زالت لم تشفَ بعد:
_ لو فاكر إني لسه هبلة وهرجع أصدقك تبقى بتحلم، أنا خلاص فوقت من الأحلام اللي إنت وماما بتسيطروا عليا بيها.
أجابها حسام بغضب:
_ أحلام إيه؟ إيه الكلام الفارغ دا؟ أنا عارف مين اللي محفظك الكلام دا، وإنتِ أكتر واحدة عارفة إن أخوكِ بيكرهني ومش بعيد يكون هو اللي زق عليا البت دي يوم الحفلة عشان يوقع بينا.
رفعت يدها على أذنيها وهي تصرخ بقوة حتى يكف عن الحديث قائلة بصراخ قوي:
_ كفايااا بقا حرام عليك، أنت أيه؟!!
وتركته واستندت على الحائط بضعف شديد لتبتعد عنه. لم يعبأ بها وغادر مسرعًا قبل أن يراه محمود فيفتك به.
تحملت على نفسها وهي تشعر بانتهاء العالم من حولها، مشهد خيانته لها يعاد أمامها، أتى ليذكرها بآنين حاولت دفنه بذكريات دعستها، ولكن لم تستطع. دموعها تهبط بغزارة وقسوة لتشعل نيران وجهها، تمنت أن يكون والدها على قيد الحياة، فهي بأمس الحاجة له.
حاولت الخطى مسرعًا من أمامه لاعتقادها بأنه ما زال يلحق بها. لم ترَ الشاب الذي يقترب من طريقها وعيناه على هاتفه، لم ترَ ظلها الروحي الملحق بجسدها ونبضات القلب. لم ترَ تقارب الخطوات بينهم، فهي بعالم الأنين وهو بعالم آخر منه، ولكن بالنهاية المطاف موحد بالعذاب لكليهما.
اصطدم بها فكادت أن تتسطح أرضًا، فرفع يديه مسرعًا يتمسك بها، ولكن سرعان ما ابتعد عنها ليشتعل فتيل القلوب. ابتعد عنها مسرعًا بعدما تلامست الأيدي ببعضها البعض ليشعر بأن رجفة أشعرت جسده ليصبح كالجمر. رفع عيناه لها باستغراب وما زال يتأمل يديه بصدمة.
كانت بحالة لا تحسد عليها، من يراودها بأحلامها يقف أمامها، الظل الذي ظل لسنوات ملامحه معتمة صار حقيقة أمام عينيها. مرت الثواني وما زالت النظرات تستمد حقيقة الواقع من الأخرى، إلى أن قاطعها مالك بعد محاولة مستميتة للعودة على أرض الواقع قائلًا بهدوء:
_ أنا آسف، مقصدتش.
أشارت برأسها بتفهم، فأكمل طريقه ليدعها هي الأخرى تكمل طريقها. كانت بحالة من الاضطراب ما بين ما فعله هذا الخائن والظل التي رأت من يشبهه بشابٍ ما. ربما ليست على ما يرام.
رفعت ليان يدها على رأسها بضعف شديد، لم تستطع تحمله لتهوي أرضًا بلا هدف ويأس طاف بها ليجعلها كالرمال المستكينة بالصحراء.
خطى مالك بضع خطوات وقلبه يصرخ بوجع مريب، تعجب من كنيته، فأفاق على صوت اصطدام جعلها تهبط من مركبة الأنين ليرى تلك الفتاة متمددة أرضًا. هرع إليها وهو يحاول إفاقتها بالحديث، فقال بلهجة مرتفعة:
_ يا آنسة.
لم تستجب له، فرفع عيناه يبحث عن أحد من الممرضات، ولكن لم يتمكن من العثور على أحداهن. فقرب يديه منها ليحملها بين ذراعيه، فتخشبت قدماه قبل أن تتخشب نظرات عيناه حينما صرخ قلبه بصوت مرتفع كأنه يعلن تمرده عليه ويخبره أن من بين ذراعيه هي معشوقة الروح. هي رابط مريب بين القلب والروح، علاقة مخلدة لا يقوى على معرفة ألغازها أحد.
بقى متخشب وعيناه تتأملها بصمت. نبضات قلبه تزداد بالتمرد لتجعله بصدمة لا يقوى عقله على تميزها.
ركضت إليه قائلة بزعر:
_ فيه إيه يا مالك؟ ومين دي؟
صوت سماح أعاده لأرض الواقع، فقال بصوت يكاد يكون مسموع:
_ أنا لقيتها مغمى عليها.
لحظت الطبيبة ما يحدث، فقالت باستغراب للممرضة التي أتت هي الأخرى:
_ مين خرجها من أوضتها؟
ثم صاحت بغضب حينما تفحصتها وهي على ذراعيه:
_ انتوا بتستهبلوا!
أجابتها الممرضة بخوف:
_ أنا آخر مرة شوفتها كانت مع أخوها.
رمقتها الطبيبة بنظرة كسيف، ثم تطلعت لمالك قائلة برجاء:
_ معلش تدخلها الأوضة دي.
أشار برأسه وأتابعها وهي تفترش ذراعيه بإهمال. لاحقت به سماح وهي في معركة مريبة لتتذكر تلك الفتاة. تشعر بأنها رأتها من قبل، ولكن لم تتمكن من تذكرها.
دلف مالك للداخل ثم وضعها على الفراش ببطء شديد ونظراته متعلقة بها. استقام بوقفته وهب للأبتعاد عنها، ولكنه توقف حينما اشتبكت به قلادتها. تدخلت الممرضة بمحاولة للفصل بين القميص الذي يرتديه مالك وبين قلادتها، فبعد معاناة تمكنت من ذلك.
ابتعد قليلاً وعيناه تتأملها باستغراب من تلك الفتاة التي جعلته هائمًا كذلك؟ لما يشعر بنفس الشعور الذي راوده حينما تركته حبيبته؟ لم يتسارع قلبه بالهبوط حينما كان قريبًا منها؟ لما كف عن النبض والخفقان حينما ازداد في الابتعاد؟
لم يحتمل معركته غير المتوازنة، فخرج من الغرفة سريعًا ليجد سماح ما زالت تقف أمام باب الغرفة بمحاولة مكثفة للتذكر.
مالك بصوت منخفض للغاية:
_ أنا مركنتش العربية زي ما حضرتك قولتيلي في الفون.
لم تجبه، ولكن لمعت عيناها بلمع غامض لمالك، فقالت بصوت خافت:
_ افتكرت البنت دي.
_ بنت مين؟
قالها مالك باستغراب، فأكملت سماح بتذكر:
_ أنا شوفتها من خمس سنين تقريبًا في المستشفى يوم الحادثة اللي حصلت معاك.
انكمشت ملامح وجهه بعدم فهم، فأكملت بهدوء:
_ لما عملت الحادثة البنت دي اتبرعتلك بالدم وأنا وأمك شكرنها لأنها بجد تستاهل الشكر.
صُدم مالك، فأحساسه بأن هناك رابط خفي بينها وبينه يتحقق أمامه! فماذا لو علم بأنها نفس الفتاة التي تبرع لها منذ أيام قليلة؟!!! ماذا لو علم بأن القدر يلعب معهم بأحكام ليجمع روحًا بروح أخرى فتجسد قصة عشق مخلدة على مر العصور.
كاد الحديث ولكنه تخشب مرة أخرى حينما صرخ اسم ليان في الروق. كان صوت محمود الذي علم بما حدث لشقيقته، فهرول للغرفة بخوف شديد وصوته يعلو باسمها.
"لياااان".
اسم أيقظ ذكريات الأنين بقلب مالك، ليجعل عقله الذي كان على الدوام ألماس بالفكر وذكاء خارق يتوقف عن التفكير. هل ظهورها بذاك الوقت وتشابه اسمها مع معشوقته مجرد صدفة؟!!!!!! أم أن هناك شيئًا ما!!
دلف سماح للغرفة تطمئن عليها، فهي من أنقذت حياة مالك من قبل، فواجبها يحتم ذاك. أما مالك فجلس بالخارج يستوعب ما يحدث حوله.
بغرفة تقى، طال الصمت وهي تتأمل باب الغرفة بلهفة لعودته. تطلع لها يزيد بحزن ثم قال بصوت يعكس هدوئه المخادع:
_ وبعدين يا تقى، مش هنفوق بقا!
تطلعت له بعين لمعت بدمع غزير يوشك على السقوط. خرج صوته الثابت قائلًا بحزن:
_ يا تقى أنا بعتبرك زي شاهندة ومنار، واللي مقبلهوش عليهم مش هقبله عليكِ. سيف مش حاسس بحبك، وحتى لو عرف مش هيدي فرصة لنفسه بدأ لأنك.
أكملت بكسرة:
_ مرات أخوه. عارفة يا يزيد والله عارفة، بس بحبه ومش شايفة غيره.
تحطم قلبه حينما بدأت بالبكاء الحارق، فخرج صوته بحزن:
_ مش عارف أقولك إيه؟
رفعت عيناها له بألم:
_ متقولش يا يزيد، الوجع خلاص بقى عادي في حياتي. أنا عايشة عشانه، لما بشوفه بحس إني مش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أشوفه قدامي.
تطلع لها بثباته المعتاد قائلًا بعد تفكير:
_ إنتِ مش كنتِ حابة تشتغلي؟
أجابته بلهفة:
_ جداً والله.
أجابها بنفس نبرة الصوت:
_ خلاص أول ما تخفي اعتبري نفسك اشتغلتي في المقر.
رددت بسعادة:
_ بجد يا يزيد؟!!!
ارتسمت بسمة هادئة على وجهه قائلًا بسخرية:
_ معنديش غيره.
تعالت ضحكاتها قائلة بفرحة:
_ ربنا يخليك لينا ياررب ودايمًا كدا تكون سند لينا.
قطع الحديث دلوف منار وشاهندة بعدما علما ما حدث، فصاحت شاهندة بارتجافة:
_ فيه إيه يا تقى؟ إيه اللي حصل؟ إنتِ مش كنتِ بتتكلمي معايا امبارح وبنضحك، إيه اللي حصلك!!
أجابتها بابتسامة هادئة:
_ والله خلصت صلاة ومحستش بنفسي غير وأنا هنا.
منار بحزن:
_ ألف سلامة عليكِ يا تقى.
قالت بنبرة جافة:
_ الحمد لله على كل حال.
دلف سيف حاملًا أكياس متعددة، وضعها على الأريكة والابتسامة المحفورة بالوسامة تختل وجهه قائلًا بنبرة مرحة:
_ الفطار وقهوة الغول وبعض المشاريب.
وتوقفت الكلمات على لسانه حينما رآها تقف بالغرفة. ما زال جمر العشق مشتعلًا بعيناه، فحطم قلب تقى حينما قرأت لغة عيناه.
تهربت منار من نظراته وعيناها تتبع تقى بحزن، فهي كانت رفيقتها المقربة أكثر من شاهندة، فتعلم جيدًا أنها تعشق سيف منذ الطفولة، ولكن ما ذنبها إن كان يحبها هي؟ عاقبتها تقى بأن ابتعدت عنها حينما اكتشفت حب سيف لمنار.
قالت مسرعة للهروب:
_ أنا كنت حابة أطمن عليكي قبل الجامعة، وللأسف اتأخرت ولازم أمشي.
وتوجهت لباب الغرفة قائلة بابتسامة هادئة:
_ أشوفك بعدين يا تقى، سلام.
اكتفت بإشارة رأسها، فبداخلها نار تتأجج لرؤية العشق الملون بعين سيف.
نهض يزيد هو الآخر قائلًا بأسف:
_ أنا كمان مضطر أنزل، يلا أشوفكم بعدين.
وغادر يزيد هو الآخر بعدما تعلقت نظراته بسيف بغموض، ثم خرج هو الآخر.
كانت تتوجه للخارج والدموع على وجهها، فما زالت تعاملها رفيقتها بجفاء. لما تعاقب على شيء ليس لها دخل به؟
تتبعته يزيد ليجد البكاء حليفها، فحاولت جاهدة إخفاء دمعاتها ولكن لم تستطع.
أقترب منها قائلًا بثبات:
_ كنت عارف إن دا هيحصل عشان كدا طلعت وراكِ.
استدارت بوجهها له والدموع تزداد بقوة قائلة بشهقة قاسية:
_ أنا ماليش ذنب في اللي بيحصل يا ابيه، ليه مصممة تعاملني كدا؟
رفع يديه على كتفيها قائلًا بتفهم:
_ معلش يا منار، حطي نفسك مكانها، وبعدين إنتِ أكتر واحدة فاهمة تقى، الغضب بيعميها عن حاجات كتير.
تأملته بدموع تزداد مع كلماته، فقالت باستغراب:
_ بس أنا رفضت سيف، أعمل إيه تاني عشان أثبتلها إني مش بحبه؟
احتضنها بحزن على تلك الطائفة التي أخذت بطيتها ثلاث قلوب جرحت لسبب مزعوم.
بكت منار وهي تشدد من احتضان أخيها، نعم، فهو أخ بكل ما تحملت معاني الكلمات. يعلم عنها ما لا يعلمه شقيقها الحقيقي.
لم ترَ من رآها وهو يحمل شقيقته بين يديه ويتوجه للسيارة بعدما أصرت عدم بقائها بالمشفى. وضعها محمود بالسيارة بحرص شديد، ثم قال بغضب:
_ هو إنتِ مش هتسمعي الكلام أبداً يا ليان؟ الدكتورة قالت تفضلي يومين تلاته.
ليان ببعض التعب:
_ مش حابة أفضل هنا، صدقني يا محمود، لو رجعت البيت هكون أحسن.
انصاع لها وتوجه ليصعد هو الآخر، فألقى نظرة على من تحتضن شابًا مجهولًا بالنسبة له وصعد السيارة متوجهًا للمنزل.
بسيارة مالك، أوصل سعاد لمنزلها بعدما اطمئنت على ليان من الطبيبة، ثم توجه للمقر وعقله يكاد يتوقف من التفكير. وسؤال وجيه يتردد على مسمعه: ما المغزى من وجود تلك الفتاة بذاك الوقت بالتحديد؟ هل هي إشارة من الله سبحانه وتعالى بأنها نصفه الآخر؟ أم أن هناك أمرًا مجهولًا؟
بمكان آخر منعزل، جلست على المكتب بغضب شديد حينما علمت بأن الصفقة الأخيرة لم تكتمل بعدما فسخ الطرف الآخر التعاقد ليتم التعاقد مع شركات نعمان.
طرقت المكتب قائلة بغضب:
_ يعني إيه؟
أجابها من يجلس أمامها بخوف:
_ يعني الشركة فسخت التعاقد ودفعت الشرط الجزائي.
_ بدون سبب... كداا.
قالتها نوال بغضب شديد ليجيبها العامل بارتباك:
_ اتعاقدوا مع شركة تانية.
احتدم الغضب على وجهها قائلة بصوت كالرعد:
_ شركات نعمان! صح؟
اكتفى بإشارة رعب بدت على وجهه، فألقت بالمزهرية أرضًا وهي تصيح بغضب جامح:
_ لا كدا كتير.
ثم تطلعت له قائلة بعصبية فشلت في إخفائها:
_ غور من وشي.
وبالفعل هرول العامل للخارج، فأخرجت هاتفها تبعث برسالة:
"تعال مكتبي حالا".
وبالفعل، ما هي إلا دقائق معدودة ودلف شاب بنهاية العقد الثاني من عمره، يقارب عمر يزيد ومالك. عيناه تشع بالخبث بجانب لونها الساحر. ربما يكون حلف أو ربما طال لوجه جديد. جلس على المقعد واضعًا قدماه على الطاولة وعيناه تتطلع لها ببرود.
فصاحت به قائلة بغضب:
_ يزيد ومالك لازم ينفصلوا عن بعض، الاتنين بيكملوا بعض وطول ما هما إيدهم واحدة مستحيل هقدر أهزمهم.
خرج صوته أخيرًا قائلًا ببرود:
_ وعايزني أساعدك؟
أجابته بغضب:
_ أنا على آخري ومش مستحمل جزء من برودك دا.
رفع فراس عيناه قائلًا بصوت ثابت:
_ وأنا مش مجبر أساعدك، حجزت على أول طيارة نازلة المغرب، مش حابب العيشة هنا لمجرد إنك تحققي انتقاماتك.
تطلعت له بغضب شديد ثم قالت بصدمة:
_ إنت نسيت نفسك يا ولد. إزاي تكلم أمك بالطريقة دي؟
تعالت ضحكاته قائلًا بسخرية:
_ أمي؟!!
طالت الضحكة، فأعتدل بجلسته قائلًا بعينين معبأتين بسموم تعرفها جيدًا:
_ طب بصي يا ماما.
قالها بسخرية واسترسل حديثه بجدية:
_ فراس الألفي مش بيعمل حاجة ببلاش، أنا مستعد أدمرك العيلة دي كلها مقابل إنك تتنزلي عن شركة أبويا اللي بالمغرب وأرجع بلدي وتعيشي حياتك، ومتنسيش إنها كانت ملكي من الأول بس إنتِ اللي مضيتيه على تنازل ليكِ بعد موت أمي الله يرحمها.
حل الحزن ملامح نوال، فأكمل بابتسامة مكر:
_ دي حقيقة مقدرش أنكرها، إنك زوجة والدي الله يرحمه، سواء اعتبرتيني ابنك أو لا، دي الحقيقة.
صمتت قليلًا تفكر بعرضه، فلم تجد مخرجًا آخر سوى الموافقة لعلمها بدهاء فراس وذكائه. خرج صوتها بعد مدة التفكير:
_ موافقة، وريني بقا هتقدر تعمل كدا إزاي.
ابتسم بثقة وهو يتفحص الملف أمامه، واضعًا عيناه على صورتها، فخرج صوته قائلًا بثقة لا يملكها سواه:
_ هتشوفى هعمل إيه؟
ووضع الملف أمامها، فتطلعت لصورتها بابتسامة لامعة، فهي تعلم أنه يمتلك سحرًا خاصًا لإيقاع أي فتاة يريد، فربما اختياره سيجعله هو بمقام ليس له مخرج إلا تحت ختم ثابت يخترق القلب فيجعله حطامًا من جزيئات اللعنة التي تستكين تحت نبرات العشق المسطر.
بالمقر الرئيسي لشركات نعمان، وصل يزيد للمقر فتوجه للمصعد ليتفاجأ بها تجلس على مقعد موضوع أمام المصعد. وما أن رأته حتى هرولت إليه قائلة بابتسامة واسعة:
_ متقلقش يا فندم، الوضع تحت السيطرة.
خلع نظارته السوداء قائلًا بعدم فهم:
_ وضع إيه؟
ابتسمت قائلة بغرور:
_ مخلتش دبانه تدخل الأسانسير إلا لما حضرتك تيجي بنفسك، حتى مالك بيه بنفسه قولتله لا والله ميصحش أبداً، فركب بتاع الشعب.
لم يتمالك يزيد زمام أموره، فابتسم قائلًا بنفاذ صبر:
_ هو إنتِ مجنونة!
ارتدت نظارتها الطبية قائلة بغرور:
_ لا أنا بسمة بس.
ابتسم قائلًا بهدوء:
_ طب يا بسمة بس، ممكن تقوليلي عملتي إيه في المكتب؟ غير حراسة الأسانسير.
ابتسمت بغرور:
_ لما نطلع هتعرف.
توجه للمصعد وهي خلفه، فأغلقه وهي بالخارج، فقالت بصدمة:
_ يا فندم.
فتح الباب مشيرًا بعيناه على الجهة الأخرى بسخرية:
_ اركبي بتاع الشعب.
زفرت بغضب ثم توجهت للمصاعد الأخرى.
وصل يزيد للأعلى فتوجه لغرفة مكتبه، ولكن كانت الصدمة كفيلة بجلعه يتصنم محله. مكتب السكرتيرة الخاصة به مزدحم للغاية بعدد مهول من الكتب، فمن يخترق الطريق للدلوف لمكتب يزيد نعمان يستحق شهادة تقدير من المقر.
استدار بوجهه على صوتها:
_ إيه رأيك؟
قالتها بسمة بسعادة وفرحة غامرة، فomegal بصدمة:
_ إيه كل دا؟
أقتربت لتقف أمامه قائلة بسعادة وغرور:
_ دي حاجات هتفيدني جدًا بالشغل.
لم يجد كلمات يتحدث بها، فأشار للعامل الذي أتى على الفور قائلًا بنبرة مخيفة:
_ شيل الحاجات دي من هنا فورًا.
وما أن أنهى كلمته حتى شرع العامل بحمل الكتب بعيدًا عن باب المكتب ليدلف بعدما رمقها بنظرة مخيفة. جلس على مكتبه وتعبيرات وجهه تحمل السخرية على تلك الفتاة.
بمكتب مالك، لم يتمكن من العمل، فصورتها لم تترك مخيلته. نبضات قلبه تسارع بالخفقان كلما تذكرها. اسم ليان يصدح بعقله فيجعله بعاصفة مريبة. أخرج من خزانته صور معشوقته وعيناه تلمع بشرارة غامضة. طائفة من الحنين اجتزت أواصره لتلمع بطوفان العشق الذي ظن أنه انتهى، فربما مجهول أخير سيحطم تمرده.
بمنزل محمود، فرحت للغاية حينما رأيتها أمام عينيها، فأحتضنتها بفرحة:
_ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
أجابتها ليان بتعب بدا بملامحها:
_ الله يسلمك.
استند على يدها لتدلف للغرفة التي اعتادت البقاء بها، فعاونتها فاتن على تبديل ثيابها والتمدد على الفراش قليلًا.
فاتن بسعادة:
_ أيوا كدا نورتي البيت برجوعك، هروح أجهز الغدا بقا.
تمسكت بذراعيها قائلة بصوت منخفض من التعب:
_ لا مليش نفس.
تطلعت لها فاتن بغضب:
_ لا في المستشفى مردتش أغصب عليكِ، لكن هنا لا.
ابتسم محمود قائلًا بتسلية:
_ هنا القانون قانون.
ضربته بخفة على ذراعيه:
_ اسكت أنت.
تعالت ضحكاته قائلًا بحزن مصطنع:
_ ماشي يا فوفا، هسيبلك البيت خالص، بس لما أرجع هزعل براحتي.
وكالعادة نجح برسم البسمة على وجه ليان، فقال بسعادة لحقت به:
_ أيوا كداا، وحشني أشوف الضحكة العسل دي، دانتي عليكِ بوظ يا ساتر.
رمقته بنظرة محتقنة، فهرول للخارج سريعًا قائلًا بمرح:
_ أه لو حد من الطلاب شافك وإنتِ بتجري كدا يا محمود هيبتك هتبقى بأحضان الأرض.
تعالت ضحكاتها، فلم تتمكن من التماسك لتقول من بين سيل الضحكات:
_ هتعتزل بكرامتك.
ابتسمت فاتن وهي تتأملهم، فقالت بخفوت:
_ مفيش فايدة فيكم، هتفضلوا زي ما أنتم.
بالشركة، دلفت بسمة للمكتب حاملة فنجانًا من القهوة، فرفع يزيد عيناه قائلًا باستغراب:
_ إيه دا؟
أجابته بابتسامة واسعة:
_ قهوة.
ألقى بنظرته بغضب:
_ هو حد قالك إني أعمى!! أنا طلبت عصير.
جلست على المقعد المجاور له قائلة بابتسامة واسعة:
_ اسمع مني، القهوة أحسن، بتساعد على التركيز.
لم يتمالك زمام أموره، فطرق المكتب بقوة:
_ إنتِ بتهزري معايا!
فزعت بشدة ووقفت سريعًا وهي تحمل الفنجان وتخرج سريعًا.
دلف مالك ليجد من تخرج للخارج كمن رأت شبحًا، وما زاد حيرته استماعه لها.
بسمة بغضب:
_ عندهم حق يقولوا عليه غول، دا الغول أرحم والله، دا المفروض يكون اسمه أمنا الغولة أو ريتشارد، لا والله هنظلم الراجل.
وأرتشفت القهوة قائلة بغضب:
_ والله خسارة فيك، دا ابن أبو حسن.
وأستدارت لتجلس على مكتبها، فصعقت بمن يقف خلفها. كاد أن يصل فمها للأرض، فابتسم بمكر وهو يقترب منها لتتراجع للخلف. ابتلعت ريقها بخوف شديد، فقال بصوت منخفض:
_ من الأفضل لكِ أني مسمعتش حاجة، وإلا أمنا الغولة اللي جوه هشيل رقبتك الحلوة دي عن جسمك.
وضعت يدها بطريقة عشوائية، فابتسم تاركًا إياها بصدمة كبيرة.
رفع يزيد وجهه ليجد رفيق دربه يجلس أمامه بهدوء مريب، يراه لأول مرة، فترك ما بيده وتوجه ليجلس أمام عينيه قائلًا بشك:
_ إنت كويس يا مالك؟
رفع عيناه قائلًا باستسلام:
_ لا.
ضيق يزيد عينيه باستغراب، فزفر مالك قائلًا بلا هوادة:
_ مش عارف إيه في إيه؟
يزيد بسخرية:
_ اللي هو إزاي دا؟
مالك بهدوء:
_ النهاردة الصبح شفت بنت.
ووقعت.
أجابه بغضب:
_ هو إنت على طول متسرع كدا!
رمقه بنظرة شك، فأكمل مالك:
_ مش عارف إيه اللي جرالي، حاسس إني متلخبط، أنا لما شيلتها حسيت إحساس عمري ما حسيته، لأ، واتفاجئ إنها اتبرعتلي بالدم، حاسس إني تايه ومش عارف أفكر لأول مرة.
يزيد بثبات وهدوء لما هو به:
_ طب أهدى كدا وفهمني، دم إيه وشيلتها إزاي؟
شرع مالك بقص ما حدث بالتفاصيل الدقيقة على مسمع يزيد المذهول هو الآخر، فقال بدهشة:
_ دي مش صدف يا مالك.
تطلع له بعدم فهم، ليكمل يزيد:
_ ليه البنت دي تظهر لك في الوقت اللي ليان توفت فيه؟!! وليه تظهر لك بالوقت دا؟
مالك بعدم فهم:
_ تقصد إيه؟
بادله الآخر بسؤال غامض:
_ حسيت بإيه أول ما شفتها؟
غاصت ذاكرته، فلمعت عيناه بشرارة قرأها يزيد، فأبتسم قائلًا بثبات:
_ أوعى تسيب البنت دي، احفر عليها الأرض لحد ما توصلها، صدقني اللي بيحصل دا تخطيط من ربنا، يعني تعب تقى ودخولها نفس المستشفى مخطط عشان تتقابل مع البنت دي، مفيش في حياتنا صدف.
أشعل فتيل مخيف برأس مالك، فربما لا يعلم بأنها شعلة العشق الطائف.
بالجامعة، دلف محمود المدرج بطالته الساحرة، ليتفاجأ بها بين الطلاب. تعلقت نظراتهم لمدة لم تطل، ثم شرع محمود بعمله، وعيناه كلما تعلقت بها هرولت الكلمات من على لسانه. انتهت المحاضرة وخرج الطلاب جميعًا، وما زال هو يجمع البحوث بحقيبته، فأغلقها جيدًا وكاد الرحيل، فتوقف حينما وجدها تقف أمامه هي ومجموعة قليلة من الفتيات. فتقدمت نورا منه قائلة بخجل مما ارتكبته:
_ أنا آسفة يا دكتور.
قال بملامح ثابتة:
_ مفيش داعي، أنا قلت للأنسة أ.
وتوقف حينما حاول تذكر اسمها، فأخبرته هي بخجل:
_ منار.
أكمل بلا اهتمام:
_ الأنسة منار فهمتني اللي حصل، فمفيش داعي للاعتذار.
ابتسمت نورا قائلة بفرحة:
_ بشكرك بجد.
أشار بوجهه ثم قال باستغراب:
_ فين البحث بتاعكم؟
اعتذرت نورا عن عدم استطاعتها لذلك، فألتـمس لها العذر لعلمه بمرض والدتها، ولكنه تفاجئ بها تخرج البحث، فقال باستغراب:
_ على حد علمي إنك محضرتيش الاسبوع اللي فات!!
أجابته بتأكيد:
_ أيوا بس أخدت من زمايلي اللي فاتني وعرفت موضوع البحث وعملته.
أوضح بإعجاب:
_ شابو بجد.
ابتسمت ابتسامة رقيقة فكت قلبه، فجذب البحث وغادر سريعًا قبل التخلي عن ثباته المصطنع.
بمنزل تقى، تمددت على الفراش بمساعدة شاهندة ووالدتها. دلف شريف قائلًا بابتسامة واسعة:
_ حمد الله على سلامتك يا توتووو.
ابتسمت قائلة بصوت متعب:
_ الله يسلمك يا شريف.
شريف بغرور:
_ على فكرة أنا اللي لحقتك وشيلتك زي الأسد وجريت على المستشفى، حتى الواد سيف مكنش راضي يسوق العربية، بس بعد ما زعقتله جامد جري ونفذ الكلام.
شاهندة بابتسامة واسعة:
_ استلقي وعدك يا فتى.
هنا علم بأن قابض الأرواح يقف خلفه، فأبتلع ريقه بخوف شديد، ثم رفع أصبعه قائلًا بفخر:
_ أشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله.
وقبل أن يستدير كان بين يدي سيف، فجذبه إليه قائلًا بنبرة مميتة:
_ شايف الباب دا؟
أجابه بابتسامة واسعة وهو يتحسس عضلات صدره:
_ هو باب واحد، ما شاء الله دي عمارة بحالها.
صاح سيف بغضب:
_ شررريف.
أعتدل بوقفته قائلًا بصوت ثابت:
_ أيوااا.
سيف بتحذير:
_ اخرج من الباب دا أحسن لك، وإلا أحب أعلم عليك هنا.
أشار بيديه على تقى وشاهندة، فأشار بمعنى نعم، فهرول للخارج بسرعة كبيرة قبل الفتك به أمامهم كما أشار.
ابتسمت شاهندة قائلة بمرح:
_ الله عليك يا سيف، والله ما حد بيلم الواد دا غيرك.
جلس على المقعد قائلًا بابتسامة هادئة:
_ ما أنا قولتلك لو ضيقك كلميني، سيبك من أخوكِ وابن عمك دول.
تعالت ضحكاتها قائلة بمرح:
_ عيوني والله، أنا ابتديت أحبك لأنك بتنصر الضعفاء اللي زي حالاتي، عشان كدا هختارك موزة من صحابي وأجوزك واحدة فيهم.
_ بره يا شاهندة.
قالها سيف بتحذير، فأكملت بابتسامة واسعة:
_ هجوزك نورين قمر، هي بس كانت مخطوبة أربع مرات قبل كدا، بس والله قمر وطيبة وبنت حلال، مكنش بيعجبها نظام العريس في الأكل.
وقاطعها حينما جذبها هي وحقيبتها وخرج من شقة تقى قائلًا بنبرة مخيفة:
_ قولتلك بره، لو شوفت وشك هنا تاني، ورحمة أبويا لأكون ماسح بيكِ بلاط العمارة بلاطة بلاطة.
قالت بغضب:
_ هي البلد مفهاش قانون ولا إيه؟
جذبها من تاليب الفستان قائلًا بعين كالصقر:
_ لا فيها، بس لو طلعتي من هنا بعد ما أخلص عليكِ، وأهو أكون كسبت ثواب في أخوكِ.
قالت بصوت خافت:
_ طب سيب الفستان وأنا مش هوريك وشي بعد كدا.
وبالفعل تركها، فجذبت حقيبتها وهبطت الدرج، لتستدير بسرعة قائلة بمرح:
_ مجنون مفكر إني مش هاجي تاني، دا بيت خالتي يا حبيبي، فوووق.
هرول سيف خلفها لتصطدم به، فتصمنت محلها وبسمة الخبث تتضح بعيناه العسلية، ليشرع الآن بخطة دلوفه عائلة نعمان كما خطط من قبل، ولكن هناك خطوة لم يضعها بالحسبان، فربما مجهول ما أو سر خفي يربطه بمالك نعمان سيكشف مع حقائق ستهز إمبراطورية نعمان، ليكشف حقيقة الأخ التوأم لمالك. فهل سيصمد فراس حينما يرى والدته المتوفاة أمام عينيه؟!!! ماذا لو علم بأن من يحاربه هو نفسه شقيقه التوأم؟!!!