تحميل رواية «معاناة فتاه» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
عمياء لا أرى شيئاً، دنياي مظلمة، أحتاج لمن يمسك يدي ليعبر بي الطريق، ولكن ما من أحد مستعد لذلك! لأن قلوبهم أصبحت صماء. ولكني أحمد الله لأنه أخذ بصري، لماذا؟ حتى لا أرى معاملتهم لي ولا أعلم بكذبهم. فيكفي أن نبرتهم التي يغلفها الكذب والغل تحطم قلبي. يكفي يا زمن معاناة، فجف قلبي. لا غرو، فأني أقول ذلك لأني حقاً عمياء، عمياء القلب. فأنا لا أرى كذبهم ولا أعلم نواياهم ولا أدري ما بخاطرهم. ورغم ذلك أحبهم وأفضلهم على نفسي! أنا وفاء، 17 سنة، أدرس بمدرسة تجارية. لا، ليس لأني فاشلة، بل لقد نجحت بامتياز ومج...
رواية معاناة فتاه الفصل الأول 1 - بقلم ندى ممدوح
عمياء لا أرى شيئاً، دنياي مظلمة، أحتاج لمن يمسك يدي ليعبر بي الطريق، ولكن ما من أحد مستعد لذلك! لأن قلوبهم أصبحت صماء.
ولكني أحمد الله لأنه أخذ بصري، لماذا؟ حتى لا أرى معاملتهم لي ولا أعلم بكذبهم. فيكفي أن نبرتهم التي يغلفها الكذب والغل تحطم قلبي. يكفي يا زمن معاناة، فجف قلبي.
لا غرو، فأني أقول ذلك لأني حقاً عمياء، عمياء القلب. فأنا لا أرى كذبهم ولا أعلم نواياهم ولا أدري ما بخاطرهم. ورغم ذلك أحبهم وأفضلهم على نفسي!
أنا وفاء، 17 سنة، أدرس بمدرسة تجارية. لا، ليس لأني فاشلة، بل لقد نجحت بامتياز ومجموع عالٍ. ولكن للأسف لم يقبل أبي دخولي الثانوي، ولسبب آخر هو أني أرى بعين واحدة والأخرى ضعيفة النظر.
لم أولد هكذا، بل أتيت على هذه الحياة بعيني وكنت أرى. ولكني أملك ضعف النظر. هذه الحياة القاسية وقلوب البشر التي لم تعد تعرف الرحمة جعلتني أفقد إحدى عيني. الحمد لله، أجل الحمد لله، فيكفي أني أرى بقلبي.
قد تتساءلون ما سبب صوتي الحزين، فأسخبركم أني أعاني. فوالدي يعاملني بكره وقسوة ويجبرني على الخروج للشغل خادمة، أشتغل عند هذا وذاك. لقد تعبت، لم أعد أتحمل نظرة الناس.
أبي، إنه يعامل أخواتي بكل حب، ولكن أنا فدائماً ضربي، ولم يرضَ أن يعالج عيني. ولكن الله لا يترك أحداً أبداً. وذادت معاملته لي عندما هربت أختي الكبرى مع ابن عمي. ومن وقتها وأنا والدي يكرهني أكثر من ذي قبل. وهمسات الفتيات علي بالطريق والمدرسة، ما ذنبي أنا أخبروني؟
استمعت لصوت يهتف باسمها لتترك القلم الذي بيدها جانباً وتقف متوجهة لخارج غرفتها. وتقف أمام والدها قائلة:
"أجل والدي!"
قذف تلك الملابس بوجهها وهو يصيح:
"لماذا لم تغسلي ملابسي؟ ولماذا أرى أمي جالسة لوحدها!"
تقف بصمت وأعين تذرف الدمع. حتى تقدم منها وهو يجذبها من مؤخرة رأسها بقسوة، كره دون رحمة. وأمسك فكها بيده الأخرى وصاح بأعين متسعة:
"وعليكي أن تدري، غداً ستذهبين لشغلك، لا يهمني دراستك!"
بأعين تذرف الدمع وهي تجاهد أن يبعد يده وتتأوه، أومأت برأسها فوراً قائلة:
"أجل، سأذهب."
أبعد يده وقال ببسمة:
"حسناً."
ليبصق بوجهها ويغادر. جثت على ركبتيها باكية، وقلبها ينادي ربها، ويناجيه.
كفكفت دموعها وساندت نفسها لتتوضأ. ودلفت غرفتها بقلب مفطور، به نار تكاد تحرقها. وهي لا تدري ما سبب تلك المعاملة. وضعت سجادتها وصّلت. ومن ثم سجدة سجده طويلة وهي تشكو حال قلبها لربها.
جلست تصلي حتى أذان الفجر. فصلته وغفت مكانها على الأرض، هذا مكان نومها. غطت بنوم عميق تهرب به من حياة لم تعد حياة.
فتحت عيناها على قدم تركلها بقسوة ويد تلكمها دون رحمة. تأوهت بألم ودموع تذرف منها وهي تعلم أنه والدها. يا الله، كم تشعر بالنعاس.
جذبها بحدة من شعرها قائلاً:
"استيقظي هيا، لقد تأخرتي للذهاب."
أبعدت يده وهي تهتف بتذكر:
"أنا لدي امتحان اليوم."
صفعها بكره على وجنتها قائلاً:
"لا أدري ما الذي ستأخذيه من مدرستك، هيا اذهبي."
ضغط على يدها بقسوة ودفعها للحائط لتصرخ بألم من عينيها. نظرة لطيفة بألم شديد وتنهدة بوجع كادت الخروج فتوقفت على صوت جدتها:
"وفاء، أريد الذهاب للمرحاض."
ابتسمت برضا وركضت لتساندها قائلة:
"حاضر جدتي."
ومن ثم توضأت لتصلي وجهزت لهم الطعام. لتشير جدتها بابتسامة:
"اجلسي جنبي يا وفاء."
ابتسمت وكادت الجلوس، فرمقها والدها بغضب ودفعها للخلف وصاح:
"إلى المرحاض جواره وكلي طعامك."
بنظرة آمرة هتفت والدته:
"عبد الرزاق، لا تعاملها هكذا."
فهتف بغيظ:
"أمي، لا تدخلي، إنها فتاة لن تجلب سوى العار مثلها مثل أختها."
أنهت فطورها وذهبت للعماره التي تشتغل بها. فهي تمسح الدرج والشقق وتعود بآخر اليوم. كانت تمسح الدرج وقلبها يبكي ألماً وعيناها تكاد أن ترى منها. تعثرت بأحد الدرج لضعف نظرها، لينكسب الدلو دون قصد.
فصاح بها رجل كان يصعد:
"أيتها العمياء، ألا ترين؟ انتبهي جيداً."
يا الله، ما تلك الطعنة؟ هل غرس سكين بأعماق فؤادها؟ يا الله، كم تلك الكلمات جارحة، تترك أثراً بالفؤاد. فهو معه حق، إنها عمياء؟ وستعمى حقاً إن لم تفعل العملية.
أجهشت بالبكاء وأنهت عملها وأخذت أجرتها وغادرت. ما كانت أن تدلف للمنزل حتى رأت والدها يقف أمامها بغضب جامح وابتسامة تكرهها وبشدة. وهتف:
"أين المال؟"
مدت يدها له بالقليل وقالت:
"اترك لي القليل حتى أكمل لعمليتي."
جذبها بقسوة من يدها:
"ماذا قلتي؟ هل أترك لك المال حقاً؟ أنا لا يهمني عمليتك وأتمنى أن تموتي."
جذب من يدها المال وهتف:
"اذهبي للداخل وساعدي والدتك."
دلفت بألم وهي تشعر بتكسر جسدها جميعه. نظرت لها والدتها بألم وهتفت:
"اذهبي لتستريحي يا ابنتي."
هزت رأسها مسرعة بخوف:
"لا، سيضربني."
كانت تعد الأكل حتى جاء أخاها الصغير وهتف:
"يا عمياء، يا خادمة، أريد أن آكل. هل قربتي أن تنهي الأكل؟"
تركت ما بيدها بصمت وشاردة بحزن بكل ما مرت به. انتهى يومها، وصلت ودعت ربها، وضعت رأسها لتنام. فجفها النوم وذهب. وأذرفت عيناها الدمع. إلى متى ستظل تعيش هكذا؟ يومياً ضرب وإهانة وشغل. متى ستنتهي معاناتها ونظرة الناس لها؟ لماذا يفكرون بها بالسواء كأختها؟ ما ذنبها؟ لماذا الفرح غادر من قلبها دون رجعة؟ لماذا البسمة فارقتها؟ لماذا طريقها أصبح مظلم هكذا؟ تتمنى بصيص نور فقط. كم تتمنى أن تعمي للأبد حتى لا ترى وجوههم الخبيثة. تتمنى أن لا تسمع حتى لا تستمع لصوتهم وكلماتها الجارحة التي تسكن فؤادها للأبد. كفي أيتها الحياة، أريد أن أفرح قليلاً. أريد أن أحقق أحلامي. هناك أمل ينتظرني، أريد الوصول إليه، لعل حياتي تتغير.
لم يغفَ لها جفن، حتى أشرقت الشمس لتضيء وتتلالأ. ولكن لماذا لم تضيء حياتها؟ غلبها النعاس لتغفو قليلاً. وما كادت أن تذهب بالنوم حتى شعرت بقدم أحد تركلها بظهرها. أدركت أنه والدها، فهو من يعاملها بذاك الكره. أغمضت عيناها بألم.
صاح وهو يجذبها من شعرها:
"استيقظي الآن وانهضي لتجهزي لي الفطور والمرحاض."
تأوه قلبها من قبضته. كانت الرؤيا مشوشة أمامها، بالكاد تكاد ترى. فهمست بوجع:
"ولكن لدي مدرسة، يجب أن أذهب. هكذا سأتأخر."
فهتف غاضباً:
"وما شأني أنا؟ انهضي الآن وافعلي ما طلبته منك."
رمقها بقرف وغادر. تساندت على نفسها، ونهضت تتهادى بخطاها. ولجت للمطبخ وهي تعد له الفطور على عجل من أجل أن تذهب لمدرستها. عكس ما تشعر به من ألم بعينيها، إلا أنهم لم يشعروا بها، فقد فقدوا الرحمة من أفئدتهم.
أنهت سريعاً ما طلبه منها وجهزت نفسها للذهاب لمدرستها. فهي بأخر سنة. أتجهت لوالدها بابتسامة:
"أبي، أني أريد بعض المال من أجل المواصلات."
أشاح يدها بعنف:
"اغربى عن وجهي، إن أردتي الذهاب فلن أمنعك، ولكن أنسي أن أعطي لك المال."
أدمعت عيناها. فهتفت جدتها بحنان:
"تعالي يا وفاء، تعالي يا ابنتي."
رمقهم عبد الرزاق بقرف وغادر المنزل. كادت أن تذهب إلى جدتها، ولكن الرؤيا تلاشت تماماً من عينيها إلا خفيف. فقالت ببكاء حارق:
"جدتي، إني بالكاد أراكي، أين أنتي؟ هل عميت؟"
استمعت والدتها حديثها لتهرول ركضاً إليها. جذبتها من بين يدي جدتها قائلة:
"ما بك يا وفاء؟"
فهتفت الجدة بصراخ:
"ما بها؟ هل حقاً تسألين؟ لم تذهب لطبيبها المختص من فترة، وإن أصابها مكروه فلن أسامحك."
ربتت الجدة على كتفها بحنان وجذبتها لتجلس:
"اجلسي يا حبيبتي، فاليوم ستذهبين للطبيب."
أما هي، فكانت تفكر أنها نسيت الصلاة لتنهض مسرعة بلهفة:
"لقد نسيت أن أصلي."
توجهت ببطء تتحسس وتوضأت لتصلي الضحى. بعد الظهر كانت تجلس تتلو بشجي وردها اليومي. أغلقت المصحف بتنهيدة وهي تصيح:
"آتي الآن يا أمي، انتظري قليلاً."
وضعته جانباً وخرجت للذهاب لطبيبها المعالج بصحبة والدتها. مضوا إلى العيادة. ومن عادتها أن تدلف هي أول. أن توصل بابتسامتها الرقيقة، ولجت له وهي تقول برقة:
"السلام عليكم."
رد د/ عصام السلام وأشار لهم بالجلوس وقال باسماً:
"كيف حالك يا وفاء؟"
ردت مبتسمة:
"الحمد لله."
تمعن النظر بعينها فوجد الضعف يظهر بهما. هز رأسه بأسف وهو يقول:
"لا يا وفاء، أنت لست بخير وعلينا أن نستعجل بالعملية حتى لا تفقد بصرك."
نظرت له بخذلان، فوالدها لا يسمح لها أن تفعلها، من أجل التكاليف. أشار لها د/ عصام:
"اسمعي جيداً، هناك دكتور سيأتي الأسبوع القادم من أكبر الأطباء، وأني أريد أثناء العملية أن يكون موجوداً. هناك أمل بعينيك، لا تيأسي."
فردت بابتسامة:
"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لا تقلق، لن أيأس وربي موجود."
ابتسم راضياً. بعد الانتهاء من الكشف عادت إلى منزلها. ما كادوا الدلوف للمنزل حتى وقفت وفاء مكانها بخوف يرجف له فؤادها، وعيناها محدقة بوالدها بخوف، الذي الغضب تعلى على وجهه وهو يقترب منها.
رواية معاناة فتاه الفصل الثاني 2 - بقلم ندى ممدوح
بعد الانتهاء من الكشف عادت إلى منزلها. ما كادوا يدخلون المنزل حتى وقفت وفاء مكانها بخوف يرجف له فؤادها، وعيناها محدقة بوالدها بخوف، والذي علا الغضب على وجهه وهو يقترب منها.
"أين كنتي؟"
غضت بصرها خوفاً وأردفت بتلعثم: "كنت بالعيادة!"
جز على أسنانه قائلاً بصوت هادئ: "ادخلوا!"
أمسكت يد والدتها بخوف ودلفت معها للداخل وهي تلتصق بها. لم تكد ترفع رأسها حتى تلقت صفعة قوية من يده وصاح بصوت عالٍ: "لماذا خرجتي دون إذني، أم أنك تريدين الهرب كما فعلت أختك؟"
بأعين تذرف الدمع هزت رأسها بالرفض.
ضغط على يدها قائلاً بصوت يحمل هلاكها: "هل تريدين أن أنكس رأسي أمام الناس؟ ليس هناك خروج مرة أخرى بغير علمي."
ضمتها والدتها ببكاء حارق قائلة: "لم تذهب لوحدها، بل كنت معها ويجب أن نفعل لها العملية بأسرع وقت!"
ارتفعت صوت ضحكاته الساخرة وهمس: "هل من كل عقلك تريدين مني أن أفعل لها العملية وأن أصرف كل مالي عليها؟ هل جننتي؟ إنها فتاة لن تجلب لي سوى العار، يا ليتها تموت وتريحني!"
غادر صافقاً الباب خلفه.
ضمتها والدتها وهي تبكي بشدة، وهي أيضاً.
كفكفت دموعها بقلب يصرخ ألماً وعين انطفأ منها النور ولمعة الحياة. بصمت تام نهضت نحو غرفة جدتها لتجلس مستندة بظهرها للسرير وأرجعت رأسها للخلف وهوت دموعها التي لم تفارقها لحظة وأقسمت على البقاء.
مر اليوم وهي على حالها ذلك، سوى من فؤادها يناجي ربه.
"رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"
باليوم الثاني لم يختلف عما قبل. أيضاً مر اليوم ولم يخلو من معاملة والدها لها بكره.
صلاة الظهر وجلست تقول أذكار الصلاة. لمحت جدتها تدلف بصمت واقتربت منها وأمسكت يدها ووضعت بها مالاً قائلة: "وفاء، هذا راتبي كله، اذهبي لطبيبك وخذي موعداً لعمليتك يا ابنتي!"
هزت رأسها بنفي هاتفة: "لا يا جدتي، لن أفعل هذا، مالكِ لي ولن آخذه."
بحسم أردفت جدتها: "أنا ماذا قلت الآن؟ اسمعي الكلام وجهزي نفسك واذهبي بعد خروج والدك."
ضمتها وفاء بحب، فهي الوحيدة من تعول همها وتحبها. هل لأنها تهتم بها أم ماذا؟
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
ذهبت وفاء للعيادة بصحبة والدتها. نظرت للسكرتيرة فلم تجدها ووجدت شاباً، أول ما رآها انتفض واقفاً كمن طلع عليه ملاك فجأة في جنح الليل وهمس بذاته: "ما الذي أراه؟ لماذا دقات قلبي تزداد هكذا؟"
فاق لذاته على صوتها قائلة: "دكتور عصام موجود؟"
همس بإدراك: "هااا، لا لم يأتِ بعد، يمكنك انتظاره، لن يتأخر. تفضل..." وأشار لها أن تجلس.
وهمس بذاته: "ما هذا الصوت الرقيق؟"
ظل ينظر لها ويتمعن النظر بها، يحفرها بفؤاده.
أخرجت وفاء دفترها وظلت ترسم ما يجول بذهنها من "ملابس". كانت تجلس أخرى تتمعن النظر بما ترسمه بإعجاب وانبهار شديد.
دلفت وفاء د. عصام وأخذت منه موعداً للعملية وغادرت. لم تسمع صوت الفتاة التي ركضت خلفها تصيح: "انتظري، لقد نسيتي دفترك!"
بيأس هتفت: "لم تسمعني؟"
وجلست وهي تقلب بانبهار بالرسومات، حتى همست بذاتها بإصرار: "هذه الفتاة لها مستقبل باهر في شركتنا، سأعرضهم على أخي عند عودتي، ولكن علي أن أعرف أين تسكن لأني على يقين أنها ستكون معنا بالشركة."
نهضت لتقف أمام السكرتير قائلة: "هذه الفتاة التي غادرت للتو، من أين هي؟"
هز كتفيه بلا علم هاتفا: "لا أدري، فهذا أول يوم لي بالعمل."
أشارت له بتفهم: "حسناً، شكراً لك."
"رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"
عادت بعدما كشفت لمنزلها. حيث ولجت تركض لغرفة أخيها بحماس شديد وهي تهتف: "محمد، يا محمد؟"
كان منكباً على عمله بحاسوبه الخاص مستنداً بذراعيه على مكتبه، رفع بصره بها قائلاً بحسم: "حبيبي، ماذا قال لكِ الطبيب؟"
أردفت له قائلة بحب وهي تضع الدفتر أمامه: "اتركني مني الآن! وعليك أن تلقي نظرة تجاه هذه التصاميم."
بأذنين صاغيتين استمع لها فأشار بعد ذلك قائلاً: "أنجي، عن أي تصاميم تتحدثين؟ ماذا فعلتي عند طبيبك؟"
جلست أمامه قائلة وهي تربع يديها أمام صدرها: "لن أقول لك إلا عندما ترى التصاميم هذه."
مرر يديه على وجهها قائلاً: "أنا لا أفهم شيئاً عن أي تصاميم تتحدثين وماذا بذاك الدفتر؟"
قصت عليه بفرحة كل شيء. ليصيح بها غاضباً بسخرية: "هل تريدين مني أن أشغل عندي مثل هذه الفتاة؟ أنا لدي أفضل المصممين!"
بوجه محتقن بالغضب هتفت: "ما بك يا محمد؟ منذ متى أصبحت تتحدث معي هكذا؟"
وقفت لتغادر بزعل. قلب هو صفحات هذا الدفتر بإعجاب وانبهار شديد وهمس: "رائع، هذه الفتاة تملك أيادي ذهبية، لديها تصاميم رائعة! لم تخطر ببالي قط."
شدة انتباهه تلك الكلمات والتي كانت معناتها اليومية ليرتجف فؤاده بحزن لحالها وأدمعت عيناه وتنهد بحزن وهو يعاود القراءة مرة أخرى بوجع وهمس بعدما زفر بعمق وهو يرجع رأسه للخلف: "يا الله، هل ما زال هناك تلك القسوة بقلوب الآباء وما زالوا يكرهون الفتاة ظناً أنهم يجلبون العار؟"
"على مساعدتها وأن أخرجها من معاناتها تلك، ليس مكانها أن تخدم، وستفعل العملية، لن يلومها الآن أحد أبداً."
خرج لوالدته ووالده وقص عليهم كل شيء، مما زادهم اندهاشاً. أيعقل ما عانته تلك الفتاة؟ إن كانت جبلاً لنهد.
"رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ"
دارت الأيام، ليل يطويه نهار ونهار يتجلى بعده ليل. واليوم موعد عملية وفاء. أقنعت جدتها والدها بأعجوبة لذهابها وقد شرط عليها أن لا أحد سيصحبها بتاتاً. كانت جالسة تبكي بحزن وخوف من الذهاب لوحدها. خرجت من غرفتها باكية وقفت أمام عيني والدتها هاتفة: "أمي، اذهبي معي أرجوكي، فأخشى الذهاب بمفردي! أرجوكي يا أمي لا تتركيني!"
أردفت بحزن قائلة وهي تغض بصرها: "سامحيني يا ابنتي، لن أستطيع."
تجمدت مكانها هاتفة: "لماذا تعاملوني هكذا؟ أحياناً أشعر أني لست ابنتكم."
بتوتر وارتباك قالت والدتها: "م... ماذا ماذا تقولين؟ أنتي ابنتنا، والدكِ هكذا قاسٍ."
هزت وفاء رأسها بيأس ودلفت لتسجد تناجي ربها أن ييسر لها الأمر والعملية.
ذهبت بطريقها حيث المحافظة الأخرى "أسيوط" والتي تبعد عن محافظتها. وهي تقف سيارة أجرة تقلّها استمعت لصوت يناديها. نظرت يميناً ويساراً ووقع بصرها على دكتور عصام يطل من نافذة سيارته، أشار لها فأقتربت منه باطمئنان هامسة: "نعم؟"
فأشار بجدية: "اصعدي."
بتوتر همست: "ولكن؟"
أشار بحسم: "وفاء، أنا ليس طبيبك فحسب، أنا أيضاً أخ لكِ ولن أتركك تذهبين وحدك ولا أدري ما سيحصل لكِ. اصعدي يا وفاء واعتبريني السائق، هيا!"
ظلت تحادث ذاتها بحيرة، وأخيراً صعدت معه إلى المستشفى بصمت.
بعد ساعات، ها هي تنتظر بغرفة الانتظار بانتظار أن يأتي أحد ليعقمها. نظرت حولها فالجميع أتى بجل أهله، ولا يوجد سوي هي وحدها؟ فبكت بوجع. وفجأة شعرت بيد على كتفها، توغل الخوف فؤادها ونظرت بقلق لتقف بصدمة هامسة.
رواية معاناة فتاه الفصل الثالث 3 - بقلم ندى ممدوح
همست "وفاء" بأعين دامعة وهي تنهض لتحتضن والدتها:
"ماما؟"
وانكبت على كتفها مجهشة بالبكاء وقالت:
"أتيتي يا أمي، لقد كنت أخشي أن أفعل العملية وحيدة!"
ربتت على ظهرها بأعين تذرف الدمع قائلة:
"لم أستطع أن أتركك وحدك ولهذا أتيت، أعذريني يا ابنتي؟"
رفعت بصرها بصدمة لها:
"أمي، وماذا ستفعلين مع أبي؟"
هتفت بحدة:
"لن أفعل شيئاً ولن أتركك يا ابنتي وليفعل ما يريده!"
استداروا على مناداة الممرضة، لتدلف "وفاء" غرفة العمليات بخوف شديد. لحظات ولم ترَ سوى سواد، ولم تشعر بما يدور حولها.
لحظات فدقائق فساعات، وجلست والدتها بقلق منتظرة خروجها، وبقلب يدعو أن تكون بخير ويحفظها لها.
خرجت وفاء من غرفة العمليات وتمت العملية بنجاح.
عادت للمنزل، ولم يرحم والدها تعبها وجعلها تفعل كل شيء بالمنزل وتذهب لتشتغل. تملكها الوهن والضعف والتعب أكثر.
وذات يوم، بجنح الليل، توجهت لتتوضأ لقيام الليل. وبعودتها، توقف قلبها لوهلة وهي تستمع إلى تلك الكلمات التي اخترقت فؤادها:
"أعلم جيداً أن هذه ليست ابنتنا، ولكن لا تنسي أنها ابنة أختي ولن أفرط بها، ويجب أن تعاملها جيداً، ليس لديها ذنب بكل ما حصل."
فصاح بها غاضباً بصوته الرجولي الحاد وهو يصفعها:
"أصبحتِ تتحدثين كثيراً وأنا أكره ذلك، وهذه الفتاة لست ابنتي ولن تصبح بيوم، إنها فتاة لا تجلب سوى العار مثلها مثل أخواتها."
تنهد بضيق وعاد ليجلس على طرف الفراش قائلاً وهو يضع رأسه بكلتا يديه:
"لقد ألقاها والدها غير آسف، فما ذنبي أنا أن أتحملها؟"
بكت بنحيب وهي تقول بعجز:
"عن ماذا تتحدث؟ متى صرفت عليها؟ إنها تعمل ليل نهار كي توفر لك لقمة عيش، فأنت حي بسببها اليوم!"
لا ريب أنهم يتشاجرون يومياً، ولكن تلك الليلة غير أي ليلة سابقة. فتلك الليلة كسرت قلبها. كانت تقف بصدمة خلف الباب ويدها على فمها فاتحة فاها.
تتردد بأذنها تلك الكلمة: "أعلم أنها ليست ابنتنا ولكن ابنة أختي". سالت دموعها بصمت. ألهبت في قلبها جمرة كانت خامدة. وضعت يدها على قلبها بألم وهي تتأوه كأن هناك أحد يغرس السكين بقلبها وينتشله ويفعل ذلك مراراً وتكراراً. عادت إلى غرفتها كالجثة، فقدت الحياة لتوها. ألا يكفي كل ما مرت به؟
ولجت لداخل الغرفة، نظرت قليلاً لجدتها التي تغط في نوم عميق. سارت ببطء ودموع لا تفارق وجنتيها حتى جثت على ركبتيها. قلب يصرخ لا أحد يسمعه، ولكن سمعه رب كريم قريب مجيب الرحمن الرحيم. ظلت مكانها بتوهان وحيرة، تشعر بأوجاع كثيرة وبذات الوقت فاقدة الشعور بكل شيء.
لهثت بشدة وكأنها تركض، وأصبحت الرؤية ضباب أمامها. شعرت بأنها بحاجة لأحد! أحد تشكو له حالها! ولكن من؟ فحتى أخواتها "يعايروها" بعينيها. شعرت بالوحدة. سرعان ما تذكرت "قيام الليل" فهي قد توضأت لتوها، ولكن عند عودتها استمعت لكلماتهم التي أحرقت فؤادها. لم تستطع الوقوف لتصلي، فجلست انعقد لسانها فلم تستطع التفوه بحرف، إلا دموعها وسؤال يحيرها.
هل حقاً والدها ألقاها دون اكتراث؟ هل لهذا السبب دائماً والدها يضربها لأجله!
سجدت وحين سجدت سكبت كل ما بقلبها من أوجاع لربها ليبدلها بسعادة لا متناهية. أجل، سوف يأتي عوض الله مهما طال. إنكبت مجهشة بالبكاء وقلبها يحادث مولاه. وها هي بعد لحظات تهدأ، فقد طبطب الرحمن عليها. احتضنت نفسها فنامت على سجدتها وعيناها تذرف الدمع.
فاحتضنتها السجادة بقلب رحب كأنها "أم" لها.
لم يغفُ لها جفن، حتى أشرقت الشمس لتضيء وتتلالأ، ولكن لماذا لم تضيء حياتها؟
اندفعت مسرعة لتبدل ملابسها المدرسية. وجهزت جل ما يحتاجه والدها.
جذبتها جدتها من معصمها قائلة بوجع:
"ما بالك يا وفاء؟ لماذا عيناكِ منتفخة؟ هل كنتِ تبكين؟"
أبعدت يدها برفق وهمت لتغادر وهي تهمس:
"كلا، لا أبكي، سأذهب لتوي للمدرسة!"
هتفت جدتها بصوت عال نسبياً:
"لم تأخذي مصروفكِ ابنتي؟ فكيف ستذهبين؟"
فردت بوجع وهي تكمل سيرها بعدما جذبت حقيبتها:
"مثل كل يوم، سيراً!"
ظلت تسير بالطرقات كالتائهة دون ملجأ يأويها. تورمت قدماها من السير وتتوجع، ولكن لم تشعر بكل ذلك، فوجع فؤادها هذه المرة كان يطغى على ألمها الجسدي. كانت تلهث ونفسها يضيق لطول الطريق. وها هي قد اقتربت. رأت فتيات يسيرون، فنظرت لهم بحب وهتفت:
"السلام عليكم؟"
ردت واحدة السلام، فغمزتها إحداهما وهي تهمس بكلمات استمعت إليها لتخترق قلبها وتحرقه حرقاً:
"لماذا تجيبين عليها؟ ألا تعرفين أنها فتاة سيئة؟ لقد هربت أختها مع ابن عمها وأكيد هي كذلك أو أسوأ، فابتعدي عنها!"
هتفت الفتاة بذهول:
"ماذا حقاً؟ ومن أين لكِ بذلك؟"
فهتفت بوضوح:
"أني أسكن قريباً منهم والقرية ليس لهم سوى سيرة بذلك!"
توقفت وفاء مكانها بصدمة وقد فطر قلبها واخترقت كلام تلك الفتيات قلبها، واستقرت عميقاً بالقلب كالسكين وما شابه.
أكملت سيرها بقدمين عاجزتين وهي تغض بصرها، تتمنى أن يأخذ الله روحها من تلك النظرات والهمسات. استدمعت عيناها، فهوى الدمع كالشلال، فكفكفت دمعها وظلت روحها تبكي بداخلها.
تذكرت جل ما مرت به، فوسوس الشيطان لها:
"لماذا لا تنهين حياتك وتستريحين من كل ذلك؟ لماذا تريدين ذاك العذاب وأن تتعايشي معه وبإمكانك أن تنهي كل ذلك؟"
نظرت حولها إلى السيارات التي تسير من حولها، ولوهلة أرادت إنهاء حياتها. اقتربت تجاه السيارة القادمة لتقف أمامها، وبآخر لحظة توقفت السيارة وصاح بها السائق وهو يخرج رأسه من النافذة:
"هل جننتِ أم ماذا؟ هل تريدين أن تموتي؟"
أشار لها بيده قائلاً:
"تنحي جانباً من أمامي!"
كالمتغيبة رجعت للخلف لتقف مكانها بصدمة. أدركت خطأها، هل حقاً كانت ستكفر بربها؟ هل بعد صبرها على كل تلك السنين تنهي بحياتها لنار جهنم؟ لماذا؟ وهي تدرك أن بعد صبرها هذا سيكفيها الله.
أكملت طريقها وهي تستغفر ربها بذاتها وبقدمين تتألمان وهي تسير مسرعة حتى تلحق دروسها. وها هي تقف أخيراً أمام باب المدرسة، تلقت أنفاسها الهاربة وولجت للداخل.
تجلس بمقعدها بشرود والدمع يهوي بصمت تام، تغض بصرها، فأصبحت تخشى الجميع. لم تكن تتحدث وليس لديها أصدقاء سوى اثنتين، واحدة معها منذ الطفولة "ياسمين"، والأخرى عرفتها منذ سنة "نورهان".
تطلعت بها "نورهان" ورأت دموعها التي تهبط بشرود تام. لترفع يدها على كتفها قائلة بقلق:
"مالك يا بنتي، في إيه؟"
كفكفت دموعها وابتسمت قائلة:
"لا شيء، فقط عيني تؤلمني!"
علمت "نورهان" أنها تكذب، ولكن صمتت حتى تتكلم هي عن ما يوجعها.
وفجأة لفظت "وفاء" وهي شارده:
"آه يا نورهان."
نظرت لها فرأت دموعها تهوي بغزارة توجع قلبها، لذلك رآتها شارده فأكملت وفاء:
"أبي ليس بأبي وأمي ليست أمي. أنا ابنة أختها التي توفت عندما جاءت بي لهذه الحياة القاسية وتركتني، يا ليتها أخذتني معها. وأبي لقد تركني دون أن يرق قلبه لي."
نظرت لها بأعين تذرف الدمع وبصوت موجوع هتفت نورهان:
"ماذا حقاً؟"
كفكفت دموعها وهي تقول باسمة:
"أجل!"
فهمست نورهان بتذكر:
"لماذا دائماً أنتِ حزينة وشارده وتوجد دموع متحجرة بعينيكِ وتبكين بصمت أحياناً؟"
ويا ليتها لم تلفظ نورهان بسؤالها هكذا، تمنت عندما رآتها تقول وهي تحبس دمعة من عينيها، جاهدت كثيراً كي لا تنحدر على وجنتيها، وغصة بحلقها جاهدت ألا تخرج بصوتها:
"أخاف أني أخبرك فتبعدي عني وتتركيني، وليس لي أصدقاء سواكِ!"
بأعين دامعة وزهول هتفت "نورهان":
"ماذا؟ ماذا تقولين؟ هل حقاً تظنين أني ممكن أن أتركك؟ أنتِ تعلمين أنكِ ليست صديقتي فقط بل أختي أيضاً."
ربتت على يدها بحنان:
"تكلمي حبيبتي وأخرجي ما يوجع قلبك، تحدثي لعلكِ تستريحين قليلاً."
نظرت لعيناها وهي تذرف الدمع وهتفت بهمس وصوت مؤلم:
"يوجد خلاف بين عمي وأبي، ولكن ابن عمي أحب أختي وهي أيضاً، ورفض والدي زواجهم، فهربوا سوياً."
شهقت بصوت عال وبنحيب أكملت:
"لا أحد يشعر بي. أبي من وقتها وهو يعايرني بها كأنها ليست ابنته أيضاً. ما ذنبي أنا؟ حتى الناس تتحدث عني وتوجع قلبي. ماذا فعلت أنا وما خطئي؟ الكل ينظر إلي بنظرات تقتلني، وعلي أن أتحمل. يضربني والدي ويجبرني على الذهاب لأشتغل خادمة، ورغم ذلك يعاملني بقسوة. لماذا لا يأخذني الله؟ ماذا فعلت؟ لا تتركيني يا نور، فأنا ليس لدي غيرك، أشعر أنكِ والدتي وكل عائلتي، ليس لدي ذنب بكل شيء، فلا تتركيني أرجوكِ."
يهوي الدمع من عيني صديقتها بصمت وجذبتها لتضمها، وانكبوا الاثنتين على كتفي بعضهما مجهشين بالبكاء.
فتابعت "وفاء" من بين دموعها:
"لا تتركيني، أريد أن أموت."
أطلقت تنهيدة موجوعة وأكملت ببكاء:
"يا ليتني أفقد بصري، أنا أرى بعين واحدة، أريد أن أفقد الأخرى حتى لا أرى معاملتهم لي وملامحهم التي يغلفها الكره والقسوة. لقد ذهبت الرحمة من قلوبهم، أنهم ليسوا ببشر بل ذئاب بشرية."
ضمتها نورهان وظلوا يبكون هم الاثنين بمرارة من ظلم البشر. كلما سألهم أحد لماذا تبكون ألزموا الصمت وهم يقولون: "لا شيء".
ماذا؟ هل احتجتيني يا صديقتي؟ هل ناديتني؟ أردتِ أن أمسك يدكِ لأعبر بكِ الطريق لأحتويكِ وأخبئكِ من أعين العالم ومن ظلم البشر؟ أعذريني، فلم يعدوا بشر! أشعر بالعجز، فما أصعب أن يناديكِ شخص عزيز ولا تلبي النداء! أن يحتاج لظلكِ ولن تستطيعي أن تظليه! أن نبرة صوته تخبركِ وبشدة أني أريدكِ جواري ولا تستطيعين! لقد كنتِ مبتسمة دائماً يا صديقتي، ودودة، محبوبة بابتسامتكِ المشرقة، لم يكن شيء يوحي إلي أنكِ تعانين هكذا. كيف نجحتِ بإخفاء جل ما بقلبكِ؟ وما أصعب أن تقولي أنني بخير وبداخلكِ قلب محطم يصرخ بالآلام.
رواية معاناة فتاه الفصل الرابع 4 - بقلم ندى ممدوح
بعد اليوم الدراسي، عادة "وفاء" لمنزلها سيرا. وجدت ضجة عالية، وعندما دلفت رأت أبناء عمتها وعمتها.
بلهفة هرولت إليها بفرحة عارمة من أعماق فؤادها وهي تضمها بحب. فرأت عمتها لا تضمها ولا تجيبها، فقط تجلس بجسد كالجثة.
أمسكت وجهها بكلتا يديها قائلة:
- ما بكِ عمتي؟ هل أنتِ بخير؟
فصاح والدها بغضب:
- اذهبي من أمامنا الآن. ألا يكفي أنكِ للآن لا تجدين عملاً؟ اذهبي لتجهزي لنا الطعام.
بأعين دامعة وحرج، نظرت لأبناء عمتها وهي تغض بصرها قائلة:
- حاضر!
فصاح بها قائلاً:
- وعندما تنتهين، رتبي غرفة عمتكِ لأنها ستقيم معنا!
أومأت برأسها وذهبت من أمامه بصمت. رأت جدتها نائمة، فأبدلت ملابسها وجلست تتأوه من ألم قدميها. فساندت نفسها وذهبت لتجهز لهم الطعام.
فناداها والدها:
- وفاء؟
فردت مسرعة بخوف من نبرته:
- نعم أبي!
وهرولت إليه. وقفت أمامه قائلة:
- نعم يا أبي؟
فرد بقرف:
- خذي عمتكِ لتستريح بالداخل.
اقتربت منها، وأثناء ذلك استمعت لأبناءها يهمسون:
- حينما تعبت وهي لا تتحرك ولا تتكلم. وأنا لدي بيت وأطفال ولم أعد أتحمل أن أصرف عليها أو أن أظل جوارها. لقد تعبت منها!
فرد ابنها الآخر:
- وأنا أيضاً زوجتي لم تعد تتحملها أكثر من ذلك. إنها تحتاج لمن يأكلها ويقوم على خدمتها ويغسل ثيابها يومياً، وزوجتي قد قرفت من كل ذلك. سنعطي لك مرتباً شهرياً، وبالأخير هذا منزل والدها؟
أشار لهم قائلاً بهدوء:
- لا تقلقوا عليها، وفاء ستقوم برعايتها.
رفعت "وفاء" بصرها بحزن، فوجدت عمتها تبكي بصمت. أزاحت لها دموعها وربتت على كتفيها، فأحست أنها تبتسم لها. ساندتها مع والدتها للداخل، وجاءت بطعام لتطعمها. وظلت تطعمها لفترة بسبب أنها تأكل ببطء، بسبب حركة فمها البطيئة.
كانت تبكي لحالها، فكيف بعدما كبرت أبناءها وتعبت لأجلهم وسهرت لمرضهم، كيف ألقوها هكذا؟ يا له من زمن عجيب! لا غرو أننا في زمن كل شخص يحب نفسه فقط! لقد سرقوا أبناءها فرحتها. كيف لهم أن يقولوا هكذا؟ ألا يعلمون أن كلماتهم جارحة؟ تفطر القلب، واخترقت عميقاً بقلبها كما تفعل السكين. لقد هانوا عليهم ترك والدتهم عليلة بالمرض دون أن يرق قلبهم لها! وهي التي كانت إذا تألم أحد منهم دارت به إلى الأطباء بقلب ينزف وعين تبكي وروح تنتزع منها.
كانت تصرخ بداخلها من وجع قدميها، والجوع ينهش بها. استمعت لنداء والدها لتترك ما بيدها وتسرع خطاها للخارج.
فصاح بها قبل أن تتحدث:
- اذهبي فوراً ورتبي غرفة عمتكِ.
فهمست بعجز:
- حاضر، ولكن سأبدل ملابسي وآكل؟
فصاح ساخراً بها:
- وهل سأنتظر جلالتكِ لتفعلي كل هذا؟ اذهبي الآن وافعلي ما طلبته!
بأعين فاض بها الدمع وكسرة روح وخاطر، عادت أدراجها لتدلف إحدى الغرف المليئة بالتربة وهي ترتبها بأعين تذرف الدمع. لم أحد يشعر بألم جسدها ولا حتى فؤادها وروحها.
ولج أخوها الصغير هاتفا:
- أيتها العمياء، جهزي لي الطعام، أني جائع.
امتلأ الدمع بعينها. فما ذنبها أن جاءت على الحياة بضعف بالنظر؟ لما يدعوها الجميع بالعمياء؟ ولكن لا بأس، فرب الأرباب لا ينسى أحد! والفرج سيأتي قريباً حتماً!
مرت الأيام، ليل يطويه نهار ونهار يطويه ليل. وزاد عبء وفاء أكثر فأكثر، وهي تدير عمتها وجدتها وعملها والبيت. وأصبحت منبوذة من جميع أخواتها، تأكل وتجلس وتنام وحيدة لسبب أنهم يقرفون منها لأنها تراعي عمتها المشلولة في كل شيء.
واليوم ظهرت نتيجتها، وقد نجحت بمجموع عالٍ، ألا وهو 92 بالمئة. كانت فرحتها لا توصف حقاً.
وحينئذ ناداها والدها لتجيب على صديقتها "نورهان". بلهفة جذبت الهاتف وهرولت بعيداً وهي تهتف بفرحة عارمة:
- كيف حالكِ نوري؟ لقد نجحت وسأدخل الكلية.
ابتسمت ضاحكة لقولها وهمست:
- سنكمل سوياً ولن نفترق.
ظلا يتحدثان سوياً عن مستقبلهما. أنهت وفاء المكالمة، وبفرحة توجهت لوالدها وهي تقفز كالطفل الصغير.
دنت منه وهي تعطيه الهاتف، وبابتسامة وفرحة بصوتها هتفت:
- هذا هاتفك أبي، تفضل.
انتشله من يدها بتقزز، وأردف قائلاً:
- ما بكِ؟ لماذا هذه الفرحة؟
فردت ببراءة وبهجة:
- لقد نجحت أبي وسأدخل الكلية.
قطع حديثها وهو يقول بلهجة ساخرة:
- ومن كل عقلكِ رتبتي لتعليمكِ؟ ومن سيجعلكِ تذهبين؟ احمدي الله أنكِ أكملتي مدرستكِ واذهبي من أمامي، لا أريد تعكير يومي.
تلاشت فرحتها وهي ترمقه بحزن شديد ينبع من فؤادها. بخطاه ثقيلة وقلب محطم، عادت أدراجها لغرفتها منكسرة. كيف بلحظة كانت تحلق من الفرحة وها هي أكثر شخص حزين؟ يا له من قدر عجيب! هل سيذهب حلمها الذي قد بنته لتوها؟ هل سيتبخر؟ لن تكمل تعليمها؟ لا، لن تقبل هذه المرة بالصمت، ستتحدث ولن تصمت.
اندفعت عائدة إليه، فبغضب يكمن من فؤادها هتفت بدموع حارقة:
- لماذا؟ لماذا لا يمكنني أن أكمل تعليمي؟
أغمضت عينيها، فانسالت دمعاتها. فكفكفتهم سريعاً لتردف بوجع:
- هذا حلمي الوحيد. ألا يكفي أنك لم تقبل دخولي الثانوي؟ لماذا تفعل بي هكذا؟ أعلم أني لست ابنتك، ولكن لماذا تعاملني بكل هذا الكره؟ ماذا فعلت لك؟ أنا أفعل كل ما يرضيك لترضي، ولكنك ترد ما أفعله بالشر، لماذا؟ سأكمل تعليمي ولن يستطيع أحد منعي.
صفعة مزلزلة تلقتها، لتقع من فورها. ارتجف جسدها وهي ترى النار تشع من عينيه. انحنى ممسكاً بثغرها بحدة وهتف بلهجة مخيفة:
- لقد علمتِ أنكِ لست ابنتي، هذا جيد!
وصاح بصوت عالٍ:
- لا أريد أن أسمع أي كلمة أخرى، وعليكي أن تنسي الدراسة فلن أجعلكِ تكملين! وستذهبين عما قريب لعمكِ حتى تعملي هناك.
ابتسم بمكر ودفعها بعيداً، وهرول خارج المنزل.
هرولت والدتها جذابة إياها بأحضانها باكية وهي تقول:
- سامحيني ابنتي، لم أستطع أن أواجه.
تشبثت بها باكية وهي تهمس بصوت سجي:
- أمي، هل لن أكمل دراستي؟ إنه حلمي الوحيد! هل سأغادر لأعمل بالقاهرة؟ أني أكره المكان هناك ولن أنسى ذاك اليوم وأنا أعمل بإحدى الشقق وتهجم علي شاباً، لن أنسى يا أمي!
رفعت بصرها نحوها وهتفت بوجع:
- لن أرى نوراً مرة أخرى إن لم أكمل تعليمي؟
هوى الدمع بغزارة وأنشأت تقول:
- لن أراها، هي الوحيدة من تشعر بي؟ كيف سنفترق هكذا؟
ربتت والدتها على ظهرها بحنان، همت بالحديث، فقطعت كلماتها اندفاع وفاء لغرفتها. لتضع سجادتها وتنكب باكية بسجودها تشكو وتناجي رب العالمين. ومن ثم جلست تدعو للجميع، حتى والدها دعت له بالهداية. لم تنسَ أحد.
عن أبي الدرداء قال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب إلا وكل الله به ملكين يقولان "ولك بالمثل"، أفلا أرغب أن تدعوا لي الملائكة.
وها هي تناجي ربها تسأل مولاها أن يهدي والدها. ذاك الوالد الذي دائم ضربها وكرهه، لقد سامح فؤادها وتدعو دائماً له. لعلها تعلم أنها دنيا فانية، وأن هذه دار اختبار وبلاء، ويا حظ من اختبره الله في الدنيا لينال الآخرة. إن بعد الصبر فرج، وها هي تصبر وتحتسب أمرها بيقين أن صبرها وبلائها سيدخلها جنة الرحمن.
رواية معاناة فتاه الفصل الخامس 5 - بقلم ندى ممدوح
سافرت وفاء إلى عمها بالقاهرة، أوصلها والدها وعاد مرة أخرى، بحزن يعلو وجهها تجلس باستحياء.
ليقول عمها باسمًا بحب:
لا عليكي يا وفاء ولا تحزني، هذا أخي أعلم جيداً أنه يعشق المال والكسل، ولكني سأرى لكِ عمل غير العمل خادمة إن شاء الله ابنتي!
ألمع الحزن بأعينها وأومأت برأسها هاتفة:
ولكني سأشتغل إلى أن تجدي لي عمل! لي يومين هنا ويجب علي أن أوفر له المال حتى لا يدوج علي!
بيأس وعجز أومأ برأسه.
لتهم هي إلى كل شقة تنظفها.
بينما زفر عمها بحزن شديد.
لتهتف زوجته بيأس:
ما ذنب تلك الملاك مع أخاك؟ لماذا يعاملها هكذا؟! ولكنه سيأتي يوم ويندم ولن يجد أحد جنبه؟
زفر بوجع وهمس:
سيعوضها فرب العالمين لا يترك أحد وسيجازيها.
بعد انتهاء ذلك اليوم، كانت تنظف الدرج بوجع يحتل جسدها وحزن ينبع من فؤادها لتلك الحياة القاسية!
هذا ليس مكانك؟
كان هذا الصوت يأتي من خلفها.
فأكملت عملها غير عابئة ظناً منها أنها لا تحدثها.
فهتفت الفتاة باسمها "وفاء".
تركت ما بيدها، واتسعت عيناها فهي لا تعلم أحد غير عمها وزوجته فمن هذه؟
أدارت لها باسمه وهتفت:
هل تعلمين من أنا؟
نظرت لها بتعمق وهمست:
أنا لا أعرفك فمن أنتِ؟
بابتسامة مشرقة دنت منها؛ مدت يدها قائلة بلمعة تنبع من عيناها:
أنا أنجي!
صافحتها وفاء بدهشة هامسة:
ومن أنجي؟ حقاً لا أعرف من أنتِ ولن أراكِ من قبل!
ابتسمت أنجي وجلست على أحد الدرج هامسة:
رأيتك بعيادة دكتور عصام وحينها نسيتي دفترك وأنا رأيته ورأيت تصاميمك التي بداخله ولكِ مستقبل باهر وسأساعدك لتعملي؟
تهلل وجهها وأشرق، وامتلأ قلبها بشرا، همست بعدم تصديق وزهول:
وما هو الشغل وأين دفتري؟ ومن أين علمتِ بمكاني؟
أشارت لها قائلة:
عملك بشركتنا، دفترك ستأخذينه، علمت عنوانك من د/ عصام وعندما ذهبت لبيتك أخبرتني والدتك بعنوانك وكل شيء؟
بعدم صدق همست وفاء:
بجد؟
استقامت لتقترب منها هامسة بصدق:
بجد، اصعدي لتجهزي وسآخذك للعمل من اليوم؟
بشرود وزعر صاحت وفاء:
وكيف لي أن أصدقك؟
ابتسمت ضاحكة لقولها وأردفت بجدية:
لا تخافي مني يا وفاء لن أؤذيكِ هيا لتجهزي نفسك وسآخذك للمصنع؟
بعد مناقشات أبدلت وفاء ملابسها ومضت معها للشركة واستلمت عملها.
خلال فترة قصيرة تعلمت كل شيء وأخذت في التقدم وتقدم المصنع.
وب يوم تجلس على ماكينة الخياطة تعمل منكبة عليها تعمل بجهد أتاها صوت "أنجي" من الخلف وهي تصيح باسمها بفرحة.
باشتياق اندفعت لتعانقها بحب.
لتهتف أنجي بعتاب:
اشتقت لكِ وفاء، لم أراكِ منذ مدة بسبب العمل!
هتفت وفاء بحب:
اشتقت إليكِ كثيراً أيضاً أنتي لم تأتي؟ وما الذي جاء بكِ اليوم؟
أردفت أنجي موضحة بجدية:
محمد بعث خلفي لأجل اجتماع! هل تعلمين به؟
لتقول وفاء بشرود:
أجل وسيقام الآن! هيا بنا لنذهب؟
مضوا للاجتماع الذي قام به محمد وقد أرقى وفاء لمنصب أعلى.
انتهى الاجتماع لتصيح أنجي فجأة:
وفاء لن يصمم أحد فستان زفافي إلا أنتي!
عانقتها من الخلف لتضمها وفاء بحب قائلة:
أكيد لن يصممه أحد غيري!
دنا محمد باستحياء هاتفا بحنو:
وفاء؟!
استدارت برأسها له:
نعم!
كاد أن يمد يده للمصافحة فأعاده بتذكر أنها لا تصافح الرجال وهمس:
لقد نسيت أني أسف! مبروك وفاء المنصب الجديد واعلم أنك تستحقيه بجدارة بالتوفيق لكِ؟
أومأت برأسها له.
لتجذبها أنجي قائلة:
ستجلسين معي اليوم ولن أسمح لكِ بالعمل!
انتهى اليوم وعادت وفاء للشقة التي تمكث بها وبطريقها دلفت لتطمئن على فتاتين قد توفي والديهما بحادث ولم يعد لهما أحد ولولاها لكانوا بالشارع الآن إلا أنها أخذتهم وأقامت على جل ما يحتاجوه من رعاية وكانت لهم الأخت الأكبر.
كادت أن تجلس على الأريكة فصدح رنين هاتفها معلنا عن اتصال من والدتها التي أخبرتها أن والدها مريض جداً ويريد أن يراها!
ذهبت مسرعة لتصعد أقرب مواصلة راجعة إلى محافظتها التي لم تذهب سوي القليل إليها منذ عملها.
وصلت وفاء لمنزلها باشتياق شديد لكل من به.
استحسنت حالة عمتها بفضلها.
وعندما اطمئنت على الجميع دلفت إلى والدها بأعين تذرف الدمع عند رؤياها.
كاد أن يهم بالوقوف لتندفع مانعة إياه وتسانده قائلة بحزن:
كما أنت يا أبي لا تتحرك ستكون بخير لا عليك؟
همس بتعب:
وفاء هل ستسامحيني؟
رمقته بزهول ودهشة هاتفة:
أسامحك؟ لماذا تقول ذلك؟ أبي أني أحبك أعلم أنك لست والدي ولكنك ربيتني وعلمتني! وأنا أحبك!
باستغراب همس:
ولكن لا أستحق هذه الكلمة فأنا لا أستحق خوفك وقلقك علي لقد كنت أعاملك بكره دائماً وكنت أضربك ولم أرحمك؟
بأعين تفيض بها الدمع همست:
أبي لا ترهق نفسك واطمئن أنا لم أزعل منك بتاتاً؟
دوي صوت الأذان لتهم واقفة فأمسك معصمها قائلاً:
لا يا وفاء زلي بجانبي أريد أن أتحدث معك!
ربتت على كفه هامسة باطمئنان:
سأصلي بجانبك أبي هنا لن أرحل؟
شرعت صلاتها وزلت تدعو له.
ولسانها لا ينقطع عن الدعاء له فانسالت دموعه حتى سمعت نشيجه.
بشجن اقتربت منه هاتفة:
أبي لماذا تبكي سآخذك للمشفى الآن أنا وأمي وستكون بخير؟
فهمس لها بتعجب:
لقد كنتِ تدعين لي ولم تدعي علي؟ بعد كل ما فعلته بكِ؟
ابتسمت وفاء بصدق قائلة:
لماذا نذكر الماضي؟ أنه ماضٍ صفحة وانطوت ولن نفتحها مرة أخرى. هذه الحياة لن تعطينا فرح دائماً ولا حزن دائماً والحمد لله على كل شيء أبي الله لا يترك أحد أنه دائماً قريباً منا ويعلم ما نخفيه ونخبئه وليس بظالماً لنا.
أصبح والدها بحالة جيدة وها هي تتجهز للسفر وعملها بشغف وانشراح قلب.
ولكن تلك المرة برفقة جدتها وعمتها اللتين أصروا على الذهاب والبقاء معها.
قبل موعد السفر ذهبت وفاء لترى د/ عصام الذي كان لها أخ وليس طبيب فقط.
دلت العيادة ودنت من السكرتير.
الذي هب واقفاً ينظر لها ببهجة.
لم تلاحظه هي فقد كانت تغض بصرها، لم يصدق عينيه أأيرآها أمامه أم أنه يتخيل نعم يراها كأنها القمر ليلة تمامه تضيء له ظلام الليل.
هتفت وفاء وهي تتحاشى النظر له:
هل أتى د/ عصام أم لم يأتي بعد؟
فاق على صوتها الذي توغل فؤاده قائلاً:
لا لم يأتي بعد يمكنك انتظاره تفضلي؟
أشار لها بأن تجلس فجلست عن بعد.
أتى د/ عصام لتدلف هي ورحب بها بشدة وهو يسألها عن ذاتها بلهفة وهي تقص عليه جل ما حصل معها.
ودعته وذهبت.
ما كادت بالخروج حتى توقفت على سمع صوت ينادي باسمها لتستدير إذ أحمد أمامها السكرتير.
هتف باعتذار:
اعتذر أني قد أوقفتك ولكن قد لا تأتي مرة أخرى لا أريد أن تفهميني خطأ " زفر بتوتر وهمس " أنا معجب بكِ وأريد عنوان والدك ومنزلك!
تذكرت جل ما حصل معها وكيف كان يعاملها والدها وكيف كان دائم الضرب لوالدتها.
ألتمعت عيناها بالدمع وهتفت بجدية:
لا فأنا لا أفكر بالارتباط ليس لأني مرتبطة بغيرك أو أرفضك شخصياً ولكن ما زال حلم ينتظرني على الوصول إليه وأكمله ولدي مستقبل أريد تحقيقه.
ابتسمت ابتسامة ساحرة للحياة وتراجعت للخلف خطوتين.
كاد أن يهم بتحريك شفتيه إلا أنها استدارت مغادرة بأمل ينبع من فؤادها وقلبها يهتف "الحمد لله".