تحميل رواية «ليست لي» PDF
بقلم الاء محمد حجازي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
إنت مجنون يا تميم؟ رايح تحب واحدة متجوزة؟ لا وكمان الأنيل من كده إنها متجوزة ابن خالك؟ إزاي سمحت لنفسك بحاجة زي دي؟ قالها معتز صاحبي وهو واقف قدامي، صوته عالي وعينه مليانة ذهول. ما رديتش. ما كانش عندي رد ينفع يتقال. كنت واقف ساكت، باصص في الفراغ، كأني بحاول ألاقي في الهوا تفسير لحاجة ملهاش تفسير. أنا نفسي سألت السؤال ده ميت مرة. إزاي؟ إمتى؟ وفين كنت وأنا بضيّع نفسي بالشكل ده؟ بس الحقيقة كانت أبسط وأقسى من أي تبرير. غصب عني. الكلمة دي كانت بتلف في دماغي من غير ما تطلع. غصب عني حبيتها. غصب عني فضل...
رواية ليست لي الفصل الأول 1 - بقلم الاء محمد حجازي
إنت مجنون يا تميم؟ رايح تحب واحدة متجوزة؟
لا وكمان الأنيل من كده إنها متجوزة ابن خالك؟
إزاي سمحت لنفسك بحاجة زي دي؟
قالها معتز صاحبي وهو واقف قدامي، صوته عالي وعينه مليانة ذهول.
ما رديتش.
ما كانش عندي رد ينفع يتقال.
كنت واقف ساكت، باصص في الفراغ، كأني بحاول ألاقي في الهوا تفسير لحاجة ملهاش تفسير.
أنا نفسي سألت السؤال ده ميت مرة.
إزاي؟
إمتى؟
وفين كنت وأنا بضيّع نفسي بالشكل ده؟
بس الحقيقة كانت أبسط وأقسى من أي تبرير.
غصب عني.
الكلمة دي كانت بتلف في دماغي من غير ما تطلع.
غصب عني حبيتها.
غصب عني فضلت موجودة جوايا، حتى بعد ما بقت مرات غيري.
رفع معتز صوته تاني:
إنت ساكت ليه؟ بتفكر؟ ولا عاجبك اللي إنت فيه؟
لفيت له بهدوء، هدوء واحد مستسلم مش واحد قوي:
إنت أكتر واحد عارف يا معتز.
سكت، فكمّلت وأنا صوتي واطي:
عارف إني كنت بحبها قد إيه.
الكلام خرج تقيل، تقيل كإنه شيل من على صدري.
عارف إنها مش حب عادي.
دي كانت حياتي، كانت أملي، كانت الحاجة الوحيدة اللي مستعد أستنى علشانها العمر كله.
ضحكت بسخرية وأنا بهز راسي:
بس العمر ما استناش.
قعدت، وسندت دراعي على ركبتي، وبصيت في الأرض.
الذكريات كانت بتيجي لوحدها، من غير ما أنده عليها.
حاولت أنسى…
قلت الجملة ووقفت، كإني بتأكد منها جوايا.
لا… مش مرة ولا اتنين.
حاولت أنسى كتير.
شغلت نفسي، سافرت، رجعت، ضحكت، اتعاملت مع ناس غيرها.
قلت لنفسي خلاص… اللي راح راح.
رفعت عيني لمعتز، وقلت بصدق موجوع:
بس قلبي ما اقتنعش.
سكت شوية، وكملت وأنا بكلم نفسي أكتر ما بكلمه:
كل مرة أقول نسيت، كانت تطلع في بالي.
في أغنية، في مكان، في ريحة، في تفصيلة ملهاش أي لازمة… بس هي كانت فيها.
بلعت ريقي:
أنا ما اخترتش أحب واحدة متجوزة.
أنا حبيت واحدة، وبعدين هي اتجوزت.
فرق بسيط في الكلام… بس فرق كبير في الوجع.
قال معتز بهدوء أقرب للشفقة:
بس دلوقتي لازم تبعد.
هزيت راسي بإدراك:
أنا بعيد.
عمري ما قربت، ولا عمري هقرب.
وبصيت له بثبات متعب:
بس محدش يطلب مني أبطل أحس.
سكتنا.
والسكات كان أصدق من أي كلام.
رجعت أسند ضهري وغمضت عيني، وأنا بفكر في حقيقة واحدة كنت بتهرب منها طول الوقت:
إن في حب… بيعيش جواك.
حتى لو مالوش مكان في حياتك.
فضلت واقف ثابت قدامه شوية.
مش علشان مش عندي كلام، علشان لو فتحت بقي أكتر من كده، كنت هنهار.
معتز كان باصص لي، مستني كلمة، قرار، أي حاجة.
بس أنا كنت محتاج أمشي… أمشي قبل ما أتكسّر قدامه.
قلت بهدوء:
أنا همشي.
ما استناش رد.
خدت جاكتي، ولفّيت، وأنا ماشي حسيت الدنيا بتبعد، وصوته بقى ورايا، بس جوا دماغي كان في صوت تاني أعلى… صوتها هي.
كانت جار خالي.
وأنا كنت بروح لخالي كتير.
بيت عادي، شارع عادي، بس هي… كانت مختلفة.
أول مرة شوفتها كانت راجعة من المدرسة، شنطتها أكبر منها، وضحكتها مالية وشها.
يومها قلبي عمل حركة غريبة، حركة طفل شاف حاجة حلوة ومش فاهم ليه.
كبرنا.
وهي كبرت معايا.
كبرت في عيني، وفي قلبي، وفي كل تفصيلة من يومي.
كل يوم وهي رايحة المدرسة، كنت أمشي وراها لحد ما توصل.
من غير ما تشوفني، ومن غير ما أتكلم.
وفي ميعاد خروجها… كنت أستناها، وأمشي وراها تاني لحد ما تدخل بيتهم.
وأرجع وأنا حاسس إني كسبت اليوم كله لمجرد إني شوفتها.
حبيتها.
لا… عشقتها.
عشق واحد لسه مش فاهم الدنيا، بس فاهم كويس إن دي مش أي واحدة.
ومع الوقت، الفكرة رسخت جوايا: لازم أتقدم لها.
بس مش كده وخلاص.
كنت عايز أدخل البيت من بابه.
راجل قدام أبوها، وقدام نفسي.
أجيب لها كل اللي هي محتاجاه، وأكتر كمان.
كنت كل مرة أقول: لسه شوية… لازم أشتغل.
لازم يكون معايا فلوس.
لازم أكون جاهز.
والحلم كبر.
والمسؤولية كبرت.
وأنا… سافرت.
اشتغلت.
أي شغل.
ما كنتش بسأل ده إيه ولا تعبه قد إيه.
كل تعب كان بيهون وأنا فاكر إنها مستنياني.
كنت أرجع البيت مهدود، جسمي مكسر، بس مجرد ما أفتكرها، كنت أقول: يستاهل.
جمعت مبلغ محترم.
ولأول مرة حسيت إني قريب.
قريب أوي.
حجزت، ونزلت.
قلبي كان بيجري قبل رجلي.
نزلت وأنا شايف اللحظة اللي هدخل فيها البيت، وأطلب إيدها.
بس اليوم اللي نزلت فيه… كان يوم زفتها.
على ابن خالي.
اللي في مقام أخويا.
الدنيا ساعتها وقفت.
مش بطلت تلف… لا، هي كانت بتلف، بس من غيري.
اتصدمت.
مش عارف أتكلم، مش عارف أتنفس.
حجزت تذكرة تاني، ورجعت.
رجعت وأنا مكسور، بس واقف.
اشتغلت تاني.
أكتر.
أقسى.
ولما كنت أرجع أوضتي، كنت بصلي.
وأعيط.
أعيط وأنا بسأل ربنا يريح قلبي.
مش عايز حاجة، غير الراحة.
أنا عايز أبعد… بس مش قادر.
عايز أنسى… بس مش قادر.
في حب، لما يدخل القلب، بيفضل ساكن فيه، حتى لو ما بقاش ليه مكان في الحياة.
فوقت من سرحاني على رنّة التليفون.
الرنّة كانت عالية، مزعجة، كإنها بتشدّني بالعافية من دنيا كنت غرقان فيها.
بصّيت في الشاشة… ماما.
خدت نفس عميق، وردّيت وأنا بحاول أظبط صوتي: أيوه يا ست الكل.
جالي صوتها الدافي اللي مهما كبرت لسه بيطبطب: إنت فين يا حبيبي؟ قلقتني عليك.
بصّيت قدامي وأنا ماشي، الشارع طويل وأنا أطول منه وجع: ماشي شوية وجاي يا ماما، محتاجة حاجة أجيبها وأنا راجع؟
سكتت ثانية، وبعدين قالت بنبرة أم مش بتطلب غير ابنها: لا يا حبيبي، أنا مش عايزة غير سلامتك.
الكلمة خبطت في قلبي.
سلامتي… يا ريت كانت بإيدي.
حاضر يا ماما، داخل اهو.
قفلت، والتليفون فضل في إيدي شوية.
أمي دايمًا بتحس، حتى من غير ما أتكلم.
كملت مشي، لحد ما وصلت البيت.
فتحت الباب، ولسه داخِل، سمعت صوت ضحكة جاية من جوه.
رفعت عيني… محمود ابن خالي.
واقف في الصالة، شكله مبسوط، هادي، مفيش في وشه أي حاجة تقول إنه واخد منّي عمري كله.
قرب مني بابتسامة: إزيك يا تميم؟
ابتسمت بالعافية: الحمد لله يا حوده… إنت عامل إيه؟
سلّمنا على بعض السلام المعروف، حضن خفيف، كلام عابر، كله طبيعي… زيادة عن اللزوم.
وبعدين، كإنه افتكر حاجة، قال بابتسامة أوسع: على فكرة، بما إنك ما حضرتش فرحنا… أنا وتاج عازمينك بكرة عندنا في البيت.
الجملة وقفتني.
قلبي عمل خبطة وحشة.
هزّيت راسي بسرعة: مش هقدر والله… عندي شغل.
ضحك وهو بيهز إيده بثقة: لا مفيش أعذار. هتيجي يعني هتيجي.
قالها ومشي، سابني واقف مكاني.
الباب اتقفل وراه، والبيت بقى هادي… هادي زيادة عن اللزوم.
قعدت على الكنبة، وسندت راسي على ضهري.
السؤال ضربني من غير رحمة: أنا إزاي هقدر؟
إزاي هقدر أشوف حب عمري جنب أخويا؟
في بيته؟
وتحت اسمه؟
غمضت عيني، وطلعت مني همسة مكسورة: «صبرني يا رب… وهون عليّ.»
يمكن الصبر مش إن الوجع يروح، يمكن الصبر إنك تستحمله وانت ساكت.
رواية ليست لي الفصل الثاني 2 - بقلم الاء محمد حجازي
إزاي هقدر أشوف حب عمري جنب أخويا؟
في بيته؟
وتحت اسمه؟
غمضت عيني، وطلعت مني همسة مكسورة:
صبرني يا رب… وهون عليّ.
يمكن الصبر مش إن الوجع يروح،
يمكن الصبر إنك تستحمله وانت ساكت.
دخل تميم أوضته، رمى نفسه على السرير من غير ما يغير هدومه.
السقف كان ثابت، بس دماغه كانت دايرة.
غمض عينه وهو بيتمتم بدعاء حافظه من كتر ما ردده:
يا رب… القعدة دي تعدّي على خير.
من غير ما أكسر، ومن غير ما أوجع حد، ومن غير ما أوجع نفسي أكتر.
نام بالعافية.
تاني يوم صحى بدري، راح شغله.
عدّى اليوم وهو شارد، شغله شغال بإيده بس، دماغه في حتة تانية.
رجع، دخل البيت، لبس، وقف قدام المراية شوية، وبعدين قال لنفسه:
عدّيها يا تميم… عدّيها وخلاص.
وطلع.
وقف قدام باب البيت، رنّ الجرس.
وفجأة…
الباب اتفتح.
واحدة مش باينة من الأرض.
شبه نقطة.
قصيرة أوي حرفيًا.
بص لها باستغراب وهو بيضحك:
محمود فين يا شاطرة؟
رفعت راسها له بصعوبة، وقالت وهي بتكشّر:
شاطرة؟ إيه شاطرة دي؟!
إنت شايفني حاطة مصاصة في بقي؟
ضحك تميم وقال وهو بيبص فوق راسها:
أنا مش شايفك أصلاً… ده إنتِ ما تجيش شبر ونص.
قبل ما ترد، جه صوت محمود من وراها وهو بيضحك:
واقف بره ليه؟
يا عم اتفضل… إنت داخل بيتك.
دخل، وهو بيبتسم تلقائي.
الحاجات البسيطة دي كانت دايمًا بتفك عنه شوية.
قرب من محمود:
عامل إيه يا محمود؟
الحمد لله، نورت.
سلامات، حضن خفيف، كلام عابر…
وهو لسه حاسس إن قلبه مش في مكانه.
وفجأة… ظهر صوتها.
ازيك يا أستاذ تميم؟
قلبه دق.
غصب عنه.
رفع عينه بسرعة… وبسرعة أكبر نزلها تاني.
عامل إيه؟
قالتها بابتسامة هادية.
بخير الحمد لله.
قالها وهو بيحاول يغض بصره عنها.
مش علشان مش عايز يشوفها…
علشان لو شافها، كان هيضعف.
كانت واقفة قدامه… حب عمره كله، بس دلوقت بقت حُرُم.
وهو واقف، بيجاهد نفسه، علشان يعدّي القعدة دي زي ما دعا امبارح.
قعد تميم على الكرسي، ساند ضهره ورا، وحاول يشغل نفسه بأي حاجة غير اللي جواه.
الضحك حواليه عالي، الكلام داير، بس هو كان حاضر بجسمه… غايب بقلبه.
كان باصص قدامه، سرحان، بيعدّي الدعوة دقيقة دقيقة، زي واحد بيعدّي امتحان صعب ومستني الجرس يرن.
وفجأة حس بحاجة اتحركت قدامه.
رفع عينه… ولقى نفس الكائن اللي فتح له الباب.
ضحك من غير ما يقصد وقال:
إنتِ عسولة قوي… اسمك إيه يا صغننة؟
رفعت له راسها بتحدي، وحطت إيديها في خصرها:
صغننة في عينك! هي مين دي اللي صغننة؟
ده أنا عندي ٢١ سنة قد تاج.
وسع عينه بصدمة مصطنعة:
٢١ إيه؟! ده أنا ما أديكيش ١١ سنة على بعض!
إنتِ أكيد بتهزري.
نفخت، ولفّت على تاج وهي بتزعق بنرفزة طفولية:
تاج! لمي قريبك ده عني قبل ما اهبده بحاجة في دماغه!
تاج ضحكت وقالت بسرعة:
خلاص بقى يا شذى، حصل خير.
تميم سكت… بس الاسم علّق معاه.
شذى.
كرره جواه مرة… واتنين.
شذى.
اسم خفيف، زيها بالظبط.
شذى
مش عارفة ليه…
أول ما شفته سرحت.
هو كان قاعد ساكت، مش بيضحك زي الباقي، ولا بيتكلم كتير.
صوته وهو بيهزر معايا كان خفيف، بس جواه حاجة تقيلة.
فيه حزن.
واضح.
مش من النوع اللي يبان في العياط، لا… حزن ساكن.
لمعة عينيه كانت غريبة.
لمعة واحد شاف كتير، واتوجع أكتر.
حسيت إنه شخص كئيب شوية، بس مش كآبة وحشة… كآبة ناس طيبين.
وضايقني قوي إنه فضل يقولي شبر ونص، أبو طويلة ده!
كإن الطول هو اللي بيحدد قيمة الواحد.
بس في نفس الوقت… هو اللي باين عليه طويل أوي، مش بالطول، بالوجع.
فضلت أبص له من بعيد، وأنا مش فاهمة ليه حسيت إني شوفته قبل كده، ولا ليه صوته شدّني، ولا ليه حزنه لمسني بالشكل ده.
يمكن علشان بعض الناس
أول ما تدخل مكان… تحس بيهم، حتى لو ما قالوش ولا كلمة.
الكلام كان ماشي عادي.
ضحك خفيف، هزار.
وتميم كان قاعد… حاضر غايب.
وفجأة، ومن غير أي تمهيد، محمود مد إيده، شدّ تاج ناحيته، وباسها.
اللحظة عدّت على الكل عادية.
بس عند تميم… كانت القشة اللي قسمت ضهره.
غمض عينيه بعنف.
مش علشان ما يشوفش… علشان ما يقعش.
في اللحظة دي اتأكدت.
اتأكدت إن خلاص… هي ما بقتش ليا.
ولا ينفع أفكر فيها.
ولا أسيب قلبي يسرح ناحيتها.
ولا أعلّق نفسي بحلم خلص من زمان.
لازم أطلعها من قلبي.
برضاي… أو غصب عني.
فتحت عينيه تاني، وشه ثابت، بس جواه كان بيتكسر حتت صغيرة.
شذى
كنت قاعدة جنب تاج، بتكلم معاها، بس عيني… كانت بتروح له غصب عني.
كل شوية أبص عليه، وأرجع أبص لتاج، وأبص له تاني.
مش عارفة ليه.
بس فيه حاجة شداني ناحيته.
وفجأة، من غير ما أفكر، قلت:
هو مين ده يا تاج؟
بصت لي باستغراب بسيط، وقالت:
ده تميم، ابن عم محمود.
وسكتت ثانية، وبعدين كملت وهي بتضحك:
بس إنتِ بتسألي ليه؟
هزّيت كتافي بسرعة:
عادي يعني… فضول.
بس الحقيقة؟ ما كانش عادي خالص.
عند محمود وتميم، كانوا قاعدين جنب بعض، تميم باصص له وهو مبتسم.
وفجأة سأله:
هي مين شذى دي؟
محمود لف له بهدوء:
دي صاحبة تاج، من وهم في ابتدائي.
محمود رفع حاجبه بمشاكسة:
وبتسأل ليه بقى؟ يا خلبوص.
تميم ضحك ضحكة خفيفة، سريعة:
عادي بس.
ولا واحد فيهم كان عارف
إن عادي ديكانت بداية حاجة… ولا مجرد لحظة هتعدّي.
اليوم خلص… وعدّى.
مش بسهولة، بس عدّى.
تميم كان واقف يلبس جاكته، يستأذن للمرة الأخيرة.
لفّ بعينيه على المكان، كإنه بيتأكد إن كل حاجة خلصت خلاص.
عينيه وقعت عليها… شذى.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال وهو ماشي ناحيتها:
سلام يا شبر وقطع.
رفعت راسها له بتلقائية:
سلام.
وما لحقش يسمع رد زيادة.
كان خلاص لافف ومكمل طريقه.
وهو ماشي في الشارع، الهوا كان هادي، وأول مرة من بدري صدره حسّه أوسع شوية.
الحمد لله… اليوم عدّى على خير.
قالها بينه وبين نفسه، ورفع راسه للسماء:
أحمدك وأشكرك يا رب.
خد نفس عميق، وكمل:
كنت فاكر إن القعدة دي مستحيل تعدّي… بس عدّت.
وقف لحظة، وفجأة الاسم جه في دماغه.
شذى.
ابتسم من غير ما يقصد.
وبعدين هز راسه كإنه بيوبّخ نفسه:
بس متأكد… لو شبر وربع دي ما كانتش موجودة، اليوم ده ما كانش هيعدّي كده.
الفكرة عدّت بسرعة، بس سيبت أثر.
وصل البيت، دخل، قفل الباب وراه.
غسل وشه، صلى، ورمى نفسه على السرير.
الهدوء كان تقيل، بس مريح.
غمض عينيه وهو بيحاول ينام، وأخيرًا… نام.
رنّ الجرس.
مرة.
واتنين.
وتالتة.
رنّ بطريقة غبية، مستفزة، كإن اللي برّه مستعجل على آخر الدنيا.
فتح عينه بخضة، قام وهو متلغبط، وبص في الساعة.
مين في الوقت ده؟
راح للباب، فتحه… واتصدم.
رواية ليست لي الفصل الثالث 3 - بقلم الاء محمد حجازي
فتح الباب… وانصدم.
تاج، واقفة قدامه.
وشّها وارم، أثر الضرب باين على خدّها.
طرحتها مش متظبطة وطالع منها خصلات شعر مبعثرة.
وكمّ الفستان مقطوع، ماسكاه بإيديها كأنها بتحاول تستخبّى.
تميم حس إن الأرض سحبت من تحته.
ما لحقش يتكلم… ولا يسأل… ولا حتى يتنفس.
على صوت الجرس العالي، أمّه طلعت.
وأول ما عينيها وقعت على تاج، ما سألتش… ما اتكلمتش… شدّتها من إيديها ودخلتها فورًا.
"ادخلي يا بنتي… ادخلي."
دخل تميم وراهم، قلبه بيدق بعنف، ومخه واقف.
قعدت تاج على الكنبة، كانت بترتعش.
أمّه دخلت المطبخ بسرعة، ورجعت بكوباية ليمون.
مدّتها لها بإيد حنينة: "اشربي يا تاج… واحدة واحدة."
شربت رشفة، وبعدين شهقة طلعت منها غصب عنها.
قعدت أمّه قدامها، وصوتها كان هادي بس ثابت: "احكيلي… إيه اللي حصل؟ وازاي تسيبي جوزك في نصاص الليالي كده؟"
شهقات تاج زادت، وبصوت مكسور قالت: "أنا… أنا ومحمود اتعاركنا… وهو ضربني."
تميم شدّ فكه. غصب عنه.
سكوته كان تقيل.
أمّه بصّت لها بهدوء، من غير اتهام ولا دفاع: "وإيه يا بنتي اللي خلّى جوزك يمد إيده عليكي؟"
مسحت تاج دموعها بطرف طرحتها، وقالت وهي بتحاول تتماسك: "أنا هحكيلك اللي حصل كله… وانتِ احكمي."
سكتت لحظة، وبعدين قالت بسخرية موجوعة: "بس قبل ما أحكي… أنا طبعًا آسفة إني جيت لكم في وقت زي ده."
رفعت عينها ليهم: "بس أنا ما أعرفش حد غيركم. أنا لسه عروسة جديدة… المفروض يعني."
ضحكة قصيرة، مكسورة، خرجت منها: "وما ينفعش أروح بيتنا بالحالة دي… انتوا عارفين الناس ما بترحمش."
سكتت.
والبيت كله سكت معاها.
أمّه قربت منها، وحطت إيديها على إيديها: "ما تقلقيش يا بنتي… انتِ في بيتك."
وبنبرة أم حاسمة: "احكي… إيه اللي حصل؟ بس اشربي الليمون الأول."
تميم كان واقف، ساكت، بس قلبه كان بيصرخ.
***
مسحت تاج دموعها، وكملت وهي صوتها مبحوح: "بعد ما تميم مشي… أنا وشذى قعدنا شوية."
"وبعدين مشيت برضو؟"
بلعت ريقها، وكملت: "لقيته فجأة بيبص لي ويقول: أنا عايزك توسّعي لبسك شوية."
رفعت راسها وهي بتحاول تبرر: "قلت له: ما أنا لبسي كويس."
تنهدت بوجع: "قال لي: عارف يا حبيبتي، وكل حاجة… بس أنا بغير عليك. وبعدين إنتِ عندك هدوم كتير ضيقة بصراحة."
ضحكت ضحكة قصيرة مالهاش روح: "قلت له: هي مش ضيقة، هي على الموضة. بطل أنت تخلف ورجعية."
صوتها ارتعش: "ساعتها وشه اتغيّر. قال لي: لا… انتِ قليلة الأدب ومش محترمة."
رفعت عينها لأم تميم، وقالت بوجع: "قليلة الأدب؟ مش محترمة؟ ده انتَ كنت حافي ورايا عشان تتجوزني!"
شهقت، وكمّلت بسرعة كأنها خايفة اللحظة تفلت منها: "من كتر العصبية… ضربني بالقلم."
البيت كله اتجمّد.
وسابني وخرج على طول.
سكتت، وبعدين قالت بصوت مكسور جدًا: "وأنا… لبست وخرجت على هنا."
تميم كان واقف، مش قادر يقعد، ولا قادر يتكلم.
عقله كان بيرجع ورا… ورا قوي.
إزاي؟ إزاي ده نفس الشخص اللي كان فاكره ينفع يعيش معاه عمره كله؟
إزاي كان في يوم بيفكر إنه ممكن يتجوزها؟
حس بحاجة تقيلة على صدره.
مش غيرة… ولا حب.
صدمة.
وإحساس واحد بس كان واضح جواه: الحمد لله… الحمد لله إنه…؟
وعلشان ما ظلمهاش أكتر من كده.
طلع تليفونه بهدوء.
إيده كانت ثابتة، بس قلبه كان بيخبط.
اتصل.
أول ما الخط اتفتح قال من غير لف ولا دوران: "محمود… تاج عندي في البيت. هات بعضك وتعالى."
وقفل.
رفع عينه، بص لتاج، وبص لأمّه.
اللي جاى مش سهل… بس السكوت كان مستحيل.
***
الباب خبط.
مرة… واتنين.
تميم فتح، ومحمود دخل بخطوات سريعة، وشه مشدود وعينه مليانة توتر.
قبل ما يقعدوا حتى، تميم قال بهدوء ثابت: "مراتك قالت إن اللي حصل كان كذا وكذا…" وحكى له كل حاجة زي ما تاج قالتها.
من غير زيادة، ومن غير نقصان.
محمود سكت شوية، وبعدين قال وهو بيزفر بعصبية: "حصل… بس هي كمان زوّدت."
رفع عينه وقال بنبرة دفاع: "فضلت تقول لي: إنت ما بتفهمش، ومتخلف، وأنا غلطانة إني اتجوزتك."
بلع ريقه وكمل: "أنا اتنرفزت… ضربتها. ما كانش قصدي."
سكت ثانية، وصوته واطي: "لما رجعت البيت… ما لقيتهاش."
الجو كان تقيل.
تاج باصة في الأرض، وأم تميم ساكتة.
تميم أخد نفس عميق، وبص لهم الاتنين: "تسمحوا لي أتكلم؟"
محمود هز راسه: "اتفضل."
تاج هزت راسها هي كمان، من غير ما ترفع عينيها.
تميم قال بهدوء حاسم: "إنتوا الاتنين غلطانين."
رفع إيده شوية: "واسمعوني للآخر لو سمحتوا."
لفّ لمحمود الأول: "أولًا… اللي ييجي ينصح حد، مهما كان مين، لازم ينصح باللين وبالرفق."
صوته كان هادي، بس واضح: "النبي ﷺ علّمنا كده، وما كانش يومًا فظ ولا غليظ."
قرب خطوة بسيطة: "كنت المفروض تتكلم معاها بالراحة، تفهمها، وتقنعها، مش تضغط عليها."
سكت لحظة، وبعدين كمل بنبرة أهدى: "ثانيًا… ما ينفعش تمد إيدك على ست. ما بالك بقى مراتك؟"
عينه ثبتت في محمود: "دي وصية رسول الله ﷺ، وكفاية إنها كانت من آخر الوصايا."
صوته واطي بس قاطع: "استوصوا بالنساء خيرًا"، وقال عنهم قوارير… يعني رقيقة، مش مستحملة أذى."
هز راسه بأسف: "تقوم إنت ضاربها؟"
سكت شوية، وبعدين قال: "لو كنت متعصب… كنت تسيبها وتمشي لحد ما تهدى."
نزل صوته أكتر: "الغضب لحظة، بس أثر الضرب عمره ما بيبقى لحظة."
البيت كله كان ساكت.
الكلام نزل تقيل… بس في مكانه.
لفّ تميم لتاج بهدوء، وصوته كان واطي بس واضح: "وانتِ كمان… تسمحي لي أتكلم معاكي كأخ كبير؟"
هزّت راسها من غير ما ترفع عينيها.
كمّل وهو محافظ على نبرته الهادية: "إنتِ كمان غلطانة."
رفعت راسها بخضة خفيفة، بس هو كمّل قبل ما تتكلم: "الزوج له احترامه في كل حاجة. ما بالك بقى إن ده جوزك… واللي المفروض يساعدك تقربي من ربنا أكتر."
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة فاهمة: "يمكن قال المعلومة غلط، يمكن طريقته ما كانتش أحسن حاجة، بس ده ما يديش حق الرد بالشتم."
قرب خطوة بسيطة، وكلامه طالع من حرص: "ومش كل موضة نجري وراها. إنتِ كبيرة وعاقلة، مش أي حاجة تتقال في الموضة تبقى صح."
بصّ لها مباشرة: "مش لما جوزك يقول لك كلمتين، تردّي تقولي له: إنت متخلف، أو رجعي، أو ما بتفهمش… أو أي لفظ فيه إهانة."
نبرته ما عليتش، بس كانت حاسمة: "الشتيمة عمرها ما كانت حل."
سكت ثانية، وبعدين قال بهدوء أكبر: "ثانيًا… إنتِ خرجتي من البيت من غير إذن جوزك."
أم تميم اتحركت في مكانها، بس تميم كمّل بهدوء: "حتى لو متخانقين، حتى لو زعلانين، ما ينفعش تخرجي كده."
خفض صوته: "البيوت ما بتتصلّحش بالهروب، بتتصلّح بالكلام، وبالعقل، وبإن كل واحد يعرف غلطه."
رجع بصّ لمحمود، وبعدين لتاج: "إنتوا الاتنين محتاجين تهدوا، وتفهموا إن الجواز مشاركة، مش معركة."
سكت.
والسكوت المرة دي كان مليان تفكير، مش غضب.
تميم خد نفس طويل، وبص لهم الاتنين، وبعدين قال بنبرة أهدى من الأول، نبرة واحد مش بيعاتب قد ما بينصح: "خلّيني أقول لكم كلمة أخيرة… مش بس ليكم، لأي اتنين لسه داخلين على جواز."
سكت ثانية، كإنه بيرتب كلامه، وبعدين كمّل: "الجواز مش حب وبس، ولا ضحك وبس، ولا صور حلوة وبوستات."
بص لمحمود: "الجواز مسؤولية. وشراكة. يعني إنت مش لوحدك، وهي مش لوحدها."
وبص لتاج: "يعني مفيش واحد فيكم يكسب، والتاني يخسر. يا إما تكسبوا سوا، يا إما تخسروا سوا."
صوته كان ثابت: "إنتوا لسه في أول جوازكم. وأول الجواز دايمًا أصعب مرحلة."
رفع إيده شوية: "هتختلفوا… وهتزعلوا… وهتواجهكم مشاكل أكتر ما تتخيلوا."
هز راسه بهدوء: "وده طبيعي. اللي مش طبيعي إن الخلاف يتحوّل لإهانة، أو عصبية، أو إيد متمدّة."
بص لمحمود مباشرة: "إنت راجل البيت. قوتك مش في صوتك العالي، ولا في إيدك."
نبرته كانت حاسمة: "قوتك في إنك تمسك نفسك وانت متعصب، وتعرف تحتوي، وتعرف تسكت لحد ما الغضب يروح."
وبص لتاج بنظرة مليانة حرص: "وانتِ… كرامتك مش في التحدي، ولا في الإهانة."
خفض صوته: "كرامتك إنك تعرفي تتكلمي، وتشرحي، وتحافظي على بيتك."
كمل وهو بيبص لهم الاتنين: "ما فيش جواز من غير تنازل. ومش كل تنازل ضعف."
ابتسم ابتسامة خفيفة: "في تنازل اسمه عقل، واسمه حب، واسمه حرص على العِشرة."
سكت شوية، وبعدين قال بصدق: "إنتوا لسه بتبنوا بيت. والبيت ما يتبنيش بالصوت العالي، ولا بالكسر."
نبرته بقت أدفى: "يتبني بالصبر، وبالكلام، وبإن كل واحد فيكم يشوف غلطه قبل ما يشوف غلط التاني."
وبهدوء شديد ختم كلامه: "لو فضل كل واحد ماسك في رأيه، ومش عايز يسمع… البيت هيتهد قبل ما يقف."
بص لهم الاتنين: "بس لو مسكتوا في بعض، وخلّيتوا الاحترام خط أحمر… أي مشكلة هتعدّي."
سكت.
والسكوت المرة دي كان مليان معنى.
نصيحة طالعة من القلب، مش بس لتاج ومحمود… لكل واحد لسه داخل حياة اسمها جواز.
***
بعد تميم ما خلص كلام وشكره محمود قاموا واحد ورا التاني.
محمود قرب من تاج، قال لها بهدوء: "يلا."
ما اتكلمتش، قامت، عدّت من جنب تميم من غير ما ترفع عينيها.
خطواتها كانت تقيلة.
الباب اتفتح… واتقفل.
الصوت وهو بيقفل كان عالي في ودن تميم أكتر من أي كلمة اتقالت طول الليلة.
لفّ بهدوء… لقى أمّه واقفة وراه.
بصّت له نظرة واحدة، نظرة أم شايفة قلب ابنها قبل ما يشوف نفسه.
قالت بصوت واطي، بس مليان وجع: "وبعدها معاك يا ابن بطني."
لفّ لها باستغراب خفيف، وهو بيحاول يضحك: "وجع إيه بس يا أمي… متكبريش الموضوع."
مسكته من إيده، برفق: "أنا بفهمك من نظرة عينك."
صوتها اتكسر شوية: "وعارفة كويس… إنك بتحبها."
وقف مكانه.
ما عرفش يهرب المرة دي.
كمّلت بهدوء أم فاهمة الدنيا: "بس لازم تنسى."
رفع عينه لها بصدمة: "أنسى؟"
قالت وهي بتمسح على دراعه: "وعشان تنسى… لازم تخطب."
اتسمرت الكلمات في صدره.
بصّ لها كأنها قالت حاجة مستحيلة: "أخطب؟!"
قالها وهو صوته عالي لأول مرة: "ولما إنتِ عارفة إني بحبها… عايزاني أخطب إزاي؟"
بلع ريقه، وكمل بانكسار: "إنتِ عايزاني أخطب واحدة وأنا قلبي مع واحدة تانية؟"
سكتت.
ما ردتش على طول.
فضل واقف قدامها، راجل كبير، بس جواه طفل موجوع ومش لاقي إجابة.
والليل… كان لسه طويل.
رواية ليست لي الفصل الرابع 4 - بقلم الاء محمد حجازي
إنتِ عايزاني أخطب واحدة، وأنا قلبي مع واحدة تانية؟
فضل واقف قدامها، راجل كبير، بس جواه طفل موجوع مش لاقي إجابة.
والليل… كان لسه طويل.
سكتت شوية… والسكوت المرّة دي كان أحن من الكلام.
قربت منه خطوة، ومدّت إيدها ولمست وشّه كإنه لسه طفلها الصغير، مش الراجل اللي شايل همّ الدنيا.
قالت بصوت واطي، دافي، مليان أمومة:
بص يا حبيبي… أنا أمك، وأكتر واحدة حاسة بيك، وأكتر واحدة شايفة وجعك حتى وانت ساكت.
ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها دمعة:
إنت فاكر إني مش واخدة بالي؟ ده أنا بحس بيك قبل ما تتكلم.
تنهدت، وكملت:
اللي بينك وبين تاج ده… مش حب زي ما إنت متخيل.
قربت منه أكتر:
يمكن إعجاب، يمكن تعلق، يمكن صورة رسمتها في بالك من زمان… بس من جوّه؟ قلبي مش مطمّن.
رفعت عينيها للسقف لحظة، وقالت:
وربنا عمره ما يكسّر بخاطر حد إلا ويكون بيبعد عنه شر.
وبصّت له وهي بتقول الآية بصوت أم واثقة:
«وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌّ لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.»
مسحت على دراعه:
صدقني يا تميم… لو كانت خير ليك، ما كانتش اتبعدت عنك كده.
وسكتت لحظة، وبعدين قالت بوجع هادي:
إنت شفتها النهارده بعينك، وشفت ردّها على جوزها.
بصّت له نظرة أم غيورة على ابنها:
كنت هترضاها على نفسك؟ كنت هترضاها على رجولتك؟
صوتها رقّ أكتر:
أنا مش بقول الكلام ده عشان أوجعك، ولا عشان أضغط عليك.
هزّت راسها:
ولا عمري أقبل إنك تخطب واحدة وانت قلبك متعلق بغيرها.
قالتها بحسم وحنان:
ولا أرضى على أي بنت إنها تبقى استبن.
قربت جبينها من جبينه:
وما تبقاش محطة راحة لواحد موجوع، وبعدين تمشي شايلة وجعه ووجعك.
سكتت ثانية، وبعدين صوتها اتكسر شوية:
يا حبيبي… إحنا بعد أبوك ما لينا غير بعض.
مسكت إيده بقوة:
أنا وإنت في الدنيا دي لوحدنا، وأنا عمري ما أفرّط فيك.
دمعتها نزلت:
وجعك ده وجعي، وتعبك ده تعبي.
ابتسمت رغم الدمع:
حتى لو جيت قلت لي: يا ماما أنا عايز أخطب تاج، كنت هقول لك لا.
وبعدين قالت بهدوء أم حكيمة:
بس لو صمّمت، كنت هسيبك تجرب. مش عشان أنا مش فارق معايا، لا… عشان تتعلّم، وعشان تعرف إن ربنا عمره ما بيغلط.
مسحت دمعتها بسرعة، وقامت:
صلّي استخارة يا تميم، واطلب من ربنا اللي يريح قلبك.
لفّت تمشي، وقبل ما تدخل أوضتها قالت:
أنا كده كده… ما يهمنيش غير إنك تكون بخير.
وبصوت واطي قوي:
تصبح على خير يا ضنايا.
تميم فضِل واقف… لأول مرة حاسس إن حد شايل قلبه بين إيديه وبيطبّط عليه.
***
قفل باب أوضته وراها.
فضل واقف مكانه شوية، كلام أمه لسه بيلف في دماغه.
تنهد، وقال بينه وبين نفسه بصوت واطي:
أمي عندها حق…
مسح وشه بإيده:
يمكن أنا ماسك في وهم، مش في حقيقة.
رفع عينه للسقف:
هصلّي استخارة… يمكن قلبي يرتاح.
دخل الحمّام، فتح الحنفية.
المية كانت ساقعة شوية، بس حسّ إنها بتفوقه.
وهو بيتوضّا، قلبه كان تقيل.
كل نقطة مية كانت كإنها بتشيل حِمل.
خلص وضوءه، ووقف يصلّي.
ركعتين هادئين، من غير استعجال.
ولما رفع إيده بالدعاء، صوته طلع مكسور:
يا رب… لو العروسة دي خير ليّ، قرّبها مني بالحلال، وباللي يرضيك.
وسكت لحظة، وبعدين قال بصوت أصدق وأوجع:
ولو مش خير ليّ… يا رب ابعدها عني، وعن تاج، واشيل حبّها من قلبي.
دمعته نزلت وهو بيكمّل:
حتى لو كانت ممكن تبقى لي… أنا مش عايزها.
هزّ راسه كإنه بيستجمع قوته:
مش عايز وجع أكتر من كده.
شدّ إيده أكتر:
كفاية وجع لحد هنا يا رب.
صوته واطي، بس مليان رجاء:
ريح قلبي، طمني، خلّيني أنام وأنا مطمّن.
فضل يدعي… مرة ورا مرة.
من غير كلمات محفوظة، كله طالع من قلبه.
ولما سلّم، حسّ بحاجة غريبة.
راحة. هدوء. كإن حد شال حجر تقيل من على صدره.
تنفّس بعمق، وقال بهمس:
الحمد لله.
دخل أوضته، طفى النور، ورمى نفسه على السرير.
أول مرة من وقت طويل… نام.
من غير وجع.
***
صحى تميم الصبح… مش متقل، مش مخنوق، ولا حاسس بالوجع اللي كان صاحبه كل يوم.
فتح عينه وهو مبتسم.
راحة غريبة، هدوء أول مرة يحسه من شهور.
قام من على السرير، خرج لأمه، وباس إيدها بحب:
— صباح الخير يا ستّ الكل.
ابتسمت له، وبصّت لوشه بفرحة صادقة:
— صباح الخير يا حبيبي… وشّك منوّر، ربنا يفرّحك دايمًا. بس خير بقا؟
قعد جنبها وقال بثقة هادية:
— بخير الحمد لله، أنا صلّيت استخارة امبارح يا ستّ الكل، ومرتاح جدًا.
وبعدين كمل بابتسامة:
— وإن شاء الله نروح نشوف العروسة النهارده لو ينفع يعني؟
عينيها لمعت، وقالت بحماس:
— خلاص، هكلم جدّتها ونحدّد ميعاد يناسبهم.
استغرب وقال:
— جدّتها؟
هزّت راسها وهي بتشرح:
— آه يا حبيبي، باباها ومامتها منفصلين، وكل واحد عايش لوحده، مع عياله، وهي اختارت تعيش مع جدّها وجدّتها.
ابتسم براحة:
— تمام… خير إن شاء الله.
قام وهو لابس الجاكيت:
— أنا رايح الشغل بقى، عايزة حاجة؟
ردّت بسرعة:
— عايزة سلامتك يا حبيبي.
عدّى اليوم، وتميم في شغله خفيف، مبتسم، متفائل.
أول ما رجع البيت، لاقى أمه واقفة ومستنية، وشّها كله ابتسامة.
قالت بحماس طفولي:
— عندي لك خبر جميل شبه عيونك.
ضحك وقال:
— خير يا ستّ الكل؟
قالت وهي مش قادرة تخبي فرحتها:
— كلمتهم، وإن شاء الله هنروح لهم النهارده بالليل، يلا جهّز نفسك.
ضحك باستغراب:
— هو إحنا مستعجلين ليه كده؟
قالت بصراحة لطيفة:
— أنا اللي استعجلتهم… خير البر عاجله.
هزّ راسه وهو بيضحك:
— عندك حق، هدخل أجهّز.
دخل، ظبّط نفسه، لبس وهو حاسس إن خطوة جديدة بتبدأ.
خرج، أخد أمه، وركبوا.
وصلوا العنوان، خبطوا، دخلوا الشقة.
سلامات، ترحيب، كلام هادي.
أمه قالت بهزار لطيف:
— طب فين العروسة بقى؟
جدّها ضحك وقال:
— ثانية واحدة، أناديها.
نادى بصوت عالي:
— يا بنتي… تعالي.
تميم كان قاعد مستني، مبتسم، رايق.
وفجأة… ظهرت.
والابتسامة اتجمدت.
ده… دي شبر وربع!
دخلت فضلوا قاعدين.
السكوت كان غريب، بس مريح.
نظرات بتتسرق، نظرة منه، ونظرة منها.
وبعد شوية، استأذنوا أهلهم يسيبوهم يقعدوا مع بعض.
أول ما الباب اتقفل، تميم بص لها من فوق لتحت، وبنبرة مستفزة متعمدة قال:
— بصراحة… لو كنت أعرف إنك شبر وربع كده، كنت بدل ما أجيب شوكولاتة، جبت لك جزمة نص متر تطوّلك شوية، عشان مش باينة من الأرض أصلًا.
بصّت له بنرفزة طفولية، وقالت بسرعة:
— على فكرة إنت اللي طويل زيادة عن اللزوم يا أبو طويلة! يا أهبل.
ضحك وقال وهو بيهز راسه:
— ماشي يا ستّي… الله يسامحك.
وبص بعيد وهو بيضحك في سره:
طفلة والله…
قالت له بفضول:
— بتقول إيه؟ سمعني.
ردّ بسرعة:
— ولا حاجة… خلّينا نتكلم جد شوية.
هزّت راسها وقالت:
— طبعًا، إنت تعرف اسمي وسني؟
قال بابتسامة خبيثة:
— آنسة شذى… مع إني بصراحة مش مصدق حكاية السن دي.
ضحكت وقالت:
— تمام، ما علينا. طب تحب تعرفني بنفسك؟
اتعدل في قعدته وقال بهدوء:
— أنا تميم، عندي ٢٩ سنة. بابا اتوفى وأنا في تالتة ثانوي.
سكت ثانية، وبعدين كمّل:
— كملت كليتي الحمد لله، وسافرت أشتغل برّه. اشتغلت أي شغل ييجي، لحد ما جمعت قرشين.
ابتسم بخفة:
— رجعت وفتحت كافيه صغير كده، هادي وعلى قدّي. والحمد لله شغال، وبحاول أكبره واحدة واحدة. إن شاء الله يبقى سلسلة كافيهات ومطاعم.
هزّ كتفه بخجل بسيط:
— ده كل اللي عندي… مفيش حاجة تانية أقولها.
بصّت له شذى بنظرة مختلفة. مش شفقة. ولا تعاطف. فخر.
قالت بتلقائية صافية:
— على فكرة… ده ممتاز بجد.
ابتسمت وهي بتكمّل بحماس:
— أنا فرحانة لك قوي. مش أي شاب يمر بكل ده ويكمل ويقف على رجله.
وقالت بصدق:
— بجد ربنا كرّمك، وأنا مبسوطة إنك حكيت لي ده.
جواه حس بحاجة حلوة. راحة. فرحة.
أول مرة يحس إن حد ما استقلش بتعبه، ولا بص له من فوق.
قالت فجأة:
— بتصلي؟
ردّ بهدوء:
— الحمد لله. وإنتِ؟
ابتسمت:
— الحمد لله.
وسكتت شوية، وبعدين قالت:
— بص… أنا معنديش طلبات كتير. مش عايزة فلوس.
رفعت عينيها ليه بثبات:
— عايزة بيت هادي، مبني على المودة والرحمة. نجيب عيال، وحتى لو في مشاكل بيني وبين باباهم، ما نحسسهمش بيها.
قالت بحلم:
— مش عايزة أولادي يطلعوا بعقد نفسية. عايزة زوج ياخد بإيدي للجنة. يكون حنين، متفاهم، نعرف نكلم بعض.
ضحكت بخجل:
— في حاجات كتير في دماغي، مش عارفة أرتبها ولا أطلعها.
تميم بهدوء:
–علي فكرة انا فاهمك.
قالت فجأة وبعفوية:
— أول مره حد يكون فاهمني.
ضحك تميم، وهى فجأة استوعبت اللي قالته.
وشّها احمرّ. وطاطت راسها بخجل.
وفي اللحظة دي… الباب اتفتح. وأهلهم دخلوا.
قعدوا شوية كلام تقيل، ضحك خفيف، ودعوات.
وبعدها استأذنوا ومشيوا.
أول ما الباب اتقفل، جدتها بصّت لها بابتسامة عارفة، وقالت:
— ها يا حبيبتي؟ إيه رأيك؟
شذى ضحكت بخجل، وواطت راسها وقالت بنبرة هادية:
— هصلّي استخارة يا تيته… وأرد عليك.
دخلت أوضتها، قفلت الباب وراها، وسندت ضهرها عليه.
قلبها كان بيدق بسرعة. فرحانة. مبسوطة. حاسة بانجذاب مش فاهماله.
الحقيقة؟ هي كانت معجبة بيه.
من أول قعدة. طريقته. كلامه. هدوؤه.
وهي أصلاً… كانت عارفة إن هو العريس.
من كتر ما زنّت على جدتها، قالت لها اسمه من غير ما تاخد بالها.
ومن ساعتها وشذى وهي مستنية اللحظة دي.
قعدت على سريرها، سرحت بابتسامة، وقلبها مليان أمل.
وفجأة… صوت رسالة قطع سرحانها.
مسكت الموبايل. فتحت. والابتسامة اختفت.
إنتِ أكيد مش هتوافقي تتجوزي المدمن ده اللي اسمه تميم.
اتصدمت. إيدها رعشت. قلبها وقع في رجلها.
رواية ليست لي الفصل الخامس 5 - بقلم الاء محمد حجازي
في الصباح الباكر عندما استيقظت الديكة وصاحت.
كنت نائمًا في سريري، لم أستيقظ بعد.
إلا أنني بطلوع الروح وعن طريق الصدفة السعيدة، وصلت السيارة قبل ظهور سانتا.
وصلت سانتا بوجه متبرم، وجه امرأة عانت من ليلة طويلة كئيبة في أحضان رجل لا تحبه.
فتحت الباب قبل ما سانتا توصل.
ولاحظت أنها لابسة جزمة كعب عالٍ ماركة شانيل، تعلوها تنورة اسكتلندية جد قصيرة وقميص أبيض ضيق محشور داخل التنورة.
وكان يفوح منها عطر باكو رابان، اختيار غير موفق لصبيحة كالحة.
انطلقت السيارة حتى وصلنا الشركة.
"تعالى ورايا" قالتها سانتا بنبرة متحكمة.
لما وصلنا المكتب قالت: "ممكن تنتظر هنا".
دخلت سانتا المكتب وأنا فضلت واقف برا.
وفكرت أن انتقام سانتا بدأ وأنها هتعاملني بطريقة مهينة.
أربع ساعات بالضبط وأنا الحارس الشخصي أقف أمام مكتبها.
كل شوية كانت بتبص ناحيتي وتبتسم.
أول ما خرجت من المكتب مكنتش شاعر بقدمي من الوقفة.
قلت: "الحمد لله هنرجع الفيلا ونريح شوية".
سانتا طلبت من عم أحمد يقود على النادي وأنا بحاول أفكر هي عايزة إيه.
وصلنا النادي ومشيت ورا سانتا لحد ما دخلنا.
وكما توقعت، طلبت مني أن أظل واقفًا إلى جوارها.
جلست الهانم البغيضة على المقعد وراحت تسفح المشروبات خلف بعضها.
وأنا أتمتم بسباب لعينة في حقها.
"هوا آخر ما ينقصني".
وصل ذلك الشاب اللعين ذاته الذي حاول أن يتحدث مع سيليا.
ولما لمحها قرب من الطاولة التي قاعدة عليها.
لكن لما شافني تردد لحظة، بس سانتا شاورت له يقرب.
وقرأت في عينيها أنها بتحاول تذلني.
قعد الشاب وراحوا يتضاحكون على مواقف فارغة وأنا بحاول أسد وداني.
بعد كده الشاب قال: "أنا مضطر أسيبك يا سيليا".
هو مكنش عارف يفرق ما بينهم.
سألته سانتا: "ليه؟"
قالها: "فيه مسابقة ركض داخل النادي ولما مشارك فيها ولازم أكسب".
سانتا: "يلا بينا أنا هتفرج عليك وأشجعك".
وبصت عليه وعينها رمشت.
وصلنا مضمار السبق.
سانتا بصتلي وقالت: "اقلع هدومك واستعد تشارك في السبق، انت لازم تقتل نفسك وتكسب السبق ده".
قلت: "آسف يا هانم أنا مش محضر نفسي للجرى، مش معايا ملابس رياضية".
سانتا قالت بهدوء: "انت تعمل اللي أامرك بيه مفيش نقاش، انت شغال عندي وأنا هتصرف في الهدوم".
حدقت في عينيها.
"من حقك تأمريني أدخل السبق، لكن مش من حقك تحددي أكسب أو أخسر".
"موافقة" قالت سانتا وهي بتتحرك من مكانها.
بعد شوية رجعت ومعاها ملابس رياضية وشاورت على الحمام.
غيرت هدومي ورجعت.
"هذه البعوضة القزمة القصيرة لا تملكنى، هشارك في السباق لكن مش هتحرك خطوة، هيجيني شد عضلي وهنام على الخط".
حول المضمار التف مجموعة من الأوباش وتحلق بعض الشبان المدللين يصرخون "بابا ماما".
واستعد الحكم القصير الثخين الذي يملك أكبر كرش رأيته في حياتي لإطلاق صافرته.
ورأيت هذا الشاب ينظر لسانتا بثقة.
الحقيقة أنا مكنتش حاسس برجلي من الوجع.
لكن لما لمحت ابتسامة الشاب السمجة غيرت رأيي.
"أنا بغير رأيي بسرعة كبيرة لما حد يستفزني".
وانطلق السبق وركضت بكل سرعتي واشتد العزم وثابرت على وتيرة ركض قوية أبعدتني عن كل المتسابقين.
ورأيت خط النهاية بعيني.
ثم فكرت: "من أنت؟ من تكون؟ ماذا يعني أن تفوز بسبق؟ هل سيغير ذلك أي شيء؟ أنت لا شيء بين هؤلاء المتعجرفين وواحدهم يستحق النصر أكثر منك".
توقفت عن الركض وأكملت السباق مشيًا وكان ترتيبى الثالث.
انتهى السبق وروحت على الحمام غيرت هدومي ورجعت.
سانتا كانت واقفة مع الشاب ده بتهنيه بانتصاره.
ولم يسأل أي شخص من الأوباش المترفين لماذا توقفت عن الركض قرب خط النهاية.
التفتت سانتا ناحيتي وقالت: "انت فشلت، انهزمت".
قلت: "ثلثي الهزيمة مكسبك".
كان حديثي أثار اهتمامها وفضولها.
قالت: "إزاي؟"
قلت: "البعض بعد الهزيمة يتوقف مكانه وهذا هو الخاسر الحقيقي. والبعض تدفعه الهزيمة للمحاولة مرة أخرى. والصنف الأخير هو الذي تدفعه الهزيمة لإعادة حساباته واختيار طريق آخر ينجح فيه. يعني الهزيمة أحيانًا بتكون مكسب".
"وانت بقا خسرت ليه؟"
"خسرت لأني كنت عايز أخسر ولأن المكسب مكنش يعني لي أي شيء".
قالت سانتا: "لكن انت طلبت منك تكسب؟"
قلت: "لهذا السبب قررت الخسارة، مش معقول يا هانم أحرج صديقك قدام الناس. أنا كنت براعي شعورك يا هانم وأنا دايما في خدمتك".
"دلوقتي بعد إذنك لو تسمحي يعني عايز أدخن سيجارة وأرجع الفيلا".
"انت مش شغال في محل كشري، انت حارسي الشخصي، يعني رجلك تكون على رجلي في كل مكان وتحافظ على سلامتي دي مهمتك الأساسية وهترحل لما أنا أسمح ليك ترحل، ومش عايزة أسمع كلمة عايز تاني".
"أنا بقتنع لما يكون الكلام مقنع، وأحيانًا لما أكون مرغم على الاقتناع عشان أريح دماغي".
"أوامرك يا سانتا هانم".
"أوامرك. أنا هنا من أجل سعادتك، طوع مزاجيتك".
تمت مهمة سانتا بنجاح، تعرضت للإذلال قدام الشاب نفسه.
سانتا كانت بتأدبني عشان اللي عملته مع سيليا رغم إني كنت بنفذ أوامرها.
أكيد للمرة العشرين بتسأل نفسك وأنت بتقرأ القصة: "هو ليه مضطر لكده؟ ممكن يسيب الفيلا ويرحل والشغل كتير".
معاك حق طبعًا، لكن أنا شخص مش بحب أخسر قدام امرأة.
من هذا المنطلق ممكن تفهم أسباب عدم تركي للوظيفة لحد الآن.
لما رجعت الفيلا رجلي كانت متورمة واحتجت ثلج عشان الفقاعات اللي انتشرت فيها.
كنت حانق على سانتا جداً وعايز آكلها بأسناني، بس كان لازم أروح المكتبة.
سيليا أكيد هتكون موجودة هناك وكلامي معاها هيخفف عليا حاجات كتيرة.
روحت المكتبة وكانت سيليا بتنتظرني.
حكيت ليها اللي حصل في النادي.
وكانت بدأت، بدأت تعتبرني صديق مش خادم عندها.
ولمحت ليها عن رغبتي في ترك العمل، لأني كنت اكتفيت من تلقي الإهانات من أختها.
كانت سيليا بتسمع بتألم واضح.
لما قلت ليها إن مفيش أي حاجة هنا تخليني أستنى وأتحمل أكتر من كده.
قالت: "لا فيه، خليك عشاني أنا".
الكلمة كانت غريبة.
سيليا صححتها بسرعة: "لأنك الوحيد اللي عندك ثقافة ولو مشيت مش هلاقي حد أتكلم معاه وهشعر بالوحدة".
وهنا أدركت أنها مهتمة بي كإنسان وليس كخادم أو حتى حارس شخصي.
رواية ليست لي الفصل السادس 6 - بقلم الاء محمد حجازي
تاج خلعت محمود… عشان ما بيخلّفش.
الخبر أول ما وصل لشذى، حسّت كأن حد خبطها في صدرها. قعدت دقيقة ساكتة بتحاول تستوعب. تاج… خلعت محمود؟ السبب ما دخلش دماغها. قلبها قال لأ قبل عقلها.
مسكت الموبايل، إيدها كانت بترعش، ورنت على تميم. رد بسرعة، وبنبرة خفيفة حاول يهزر:
— أنا حاسس إن تليفوني عايز يزغرط من الفرحة… شبر وربع بذات نفسه بيكلمني؟ دي معجزة كونية!
ضحكت ضحكة صغيرة باينة إنها غصب عنها، وبعدين قالت:
— تميم… هو الخبر اللي سمعته عن تاج ومحمود صح؟
سكت ثانية، وبعدين قال بصوت واطي:
— للأسف… أيوه صح.
غمضت عينيها وأخدت نفس طويل، كأنها بتلم نفسها من جوه:
— عارف؟ أنا واثقة إن الموضوع ده فيه حاجة إحنا لسه ما نعرفهاش. حاسه إن السبب اللي اتقال مش كل الحقيقة.
سكتت شوية، وبعدين كملت بنبرة هادية بس موجوعة:
— بس في نفس الوقت حاسه إن اللي حصل، يمكن يكون أرحم لهم الاتنين. هما عمرهم ما كانوا شبه بعض… من الأول خالص.
ضحكة خفيفة مكسورة:
— تخيل لو كانوا خلفوا؟ كانوا أولادهم هيتشدوا من هنا لهنا… كانوا هيطلعوا شايلين مشاكل ملهاش ذنب فيها.
اتنهدت وصوتها بدأ يطلع تقيل:
— تعرف أنا يمكن بهزر وبضحك وببان خفيفة دم… بس محدش يعرف قد إيه جوايا وجع.
سكتت لحظة، وبعدين صوتها واطي:
— بابا وماما انفصلوا، وأنا في أولى إعدادي…
— يعني كنت فاهمة كل حاجة… حاسّة بكل كلمة، وبكل نظرة، وبكل خناقة.
أول ما انفصلوا عشت مع ماما، كنت فاكرة، إنها هتبقى الحضن…
ضحكة مرة:
— بس لما عرفت، إن بابا هيتجوز قررت تعانده… فبعتتني عنده.
سكتت، أنفاسها بقت مسموعة:
— بابا… ما استحملنيش. ولا مراته. هي كانت كويسة آه… بس كنت دايمًا حاسّة إني تقيلة… زيادة عن اللزوم. كل شوية يرجعني لماما. لحد ما… ماما نفسها اتجوزت.
صوتها اتكسر وطلع فيه عياط مكتوم:
— وساعتها أنا ما بقيتش عارفة أروح لمين. كنت دايمًا شنطة بتتسلم من إيد لإيد.
— لحد ما جدي خدني. مش عشان واجب… لا… عشان قلبه عليّ.
نبرة صوتها هنا اختلفت، بقى فيها دفء:
— جدو وتيتة شالوا عني حاجات أنا نفسي ما كنتش عارفة إني شايلها. علّموني إزاي أحب نفسي… وإزاي ما أحسش إني عبء. هم أحن عليّ، من أي حد، في الدنيا… أنا بحبهم قوي، يا تميم… بحبهم بجد.
صوتها رجع يوجع:
— وبشكر بابا وماما… آه بشكرهم… إنهم تخلو عني عشان يسيبوني في إيدين عرفوا يربوني صح. لولا وجودهم كان زماني دلوقتي مرمية في ملجأ… أو في مدرسة داخلية محدش يعرف اسمي ولا يسأل عني.
— أه والله زي ما بقولك. ده حتى بيجوا زيارات كل فين وفين… حتى يوم شبكتي…
صوتها خانها وبكت:
— ما كملوش اليوم… سابوني ومشوا.
سكتت فجأة، كأنها خلصت كل اللي جواها. تميم كان سامع من غير ما يقاطع، سايبها تطلع الوجع، حرف حرف.
وبعد صمت طويل رد بصوت هادي دافي، ومليان احتواء:
— شذى… إنتِ مش ضعيفة. اللي يشيل كل ده، ويطلع بالقلب ده يبقى قوي… قوي قوي كمان. الوجع ما كسركيش… الوجع صنعك.
كمّل تميم بصوت هادي بس مليان يقين:
— شذى… ربنا عمره ما بياخد حاجة، غير لما يكون شايل بدالها أحسن. لو كنتِ فضلتي عايشة وسط مشاكلهم… لو كانوا فضلوا متجوزين، غصب عنهم وعلى حساب نفسهم… كنتِ هتطلعي مكسورة من جواك. مكنتيش هتبقي سوية نفسيًا زي دلوقتي. مكنتيش هتعرفي تضحكي الضحكة اللي بتيجي من القلب… ولا كنتِ هتحسي بالحنان اللي شوفتيه مع جدك وجدتك.
سكت ثانية، وبعدين كمل بنبرة أدفى:
— الخناقات اليومية، والتوتر والبرود… كل ده كان هيكسر، طفولتك حتة حتة. بس ربنا اختار لك السكة اللي تحميك… مش اللي ترضينا إحنا.
قالها بثقة:
— وإنتِ طلعتِ قوية… مش قاسية. قلبك لسه أبيض، رغم كل اللي شوفتيه. بتحبي… وبتسامحي… وبتضحكي… وده مش ضعف، ده جمال.
صوته بقى أهدى شوية، وفيه إعجاب صريح:
— إنتِ شخصية تتشاف وتتحب… مش محتاجة حد يكملك… إنتِ كاملة بنفسك.
تنفّس وبعدين فجأة غيّر نبرة صوته وبقى فيه لمعة هزار:
— بس…
ضحكت من غير ما تحس، وقالت:
— بس إيه؟
— بس أنا عندي سؤال هيموتني ولا لازم أسأله… إنتِ جايبة الطول ده منين؟
سكت ثانية وبعدين كمل بجدية مصطنعة:
— يعني مين عندكم في العيلة طوله كده؟ أكيد مش جدو ولا تيته…
ضحكت غصب عنها، ضحكة طالعة من القلب، وقالت بنرفزة خفيفة:
— يا سلام عليك، قلبتني من عياط لهزار؟ وبعدين على فكرة ده طول محترم… إنت اللي طويل زيادة عن اللزوم.
ضحك وقال:
— ماشي يا ستي، طلع العيب فيا أنا.
وبنبرة أخف، وأدفى:
— بس صدقيني… ضحكتك دي نعمة.
وساب الضحك يكمل اللي الكلام، ما عرفش يقوله.
قفل تميم معاها وقال لها إنه هيقفل بقى ويعدي يشوف محمود، طمنها بكلمتين هادية وخرج وهو حاسس إن دماغه مليانة، بس قلبه أهدى شوية.
وصل عند محمود، دخل عليه بهدوء وقرب منه وقال:
— ما تزعلش يا صاحبي، وإن شاء الله خير وربنا يعوضك.
محمود بص له نظرة مختلفة، مفيهاش حزن قد ما فيها راحة غريبة. قال له:
— على فكرة أنا مش زعلان، بالعكس، أنا حاسس براحة لأول مرة من يوم ما اتجوزت تاج.
محمود بهدوء:
— تعرف من أول الجواز وأنا حاسس إنها مش هي دي الشخصية ولا البني آدمة اللي كنت فاكرها، كل حاجة اتغيرت بعدها. طريقتها بقت مختلفة، كلامها ناشف، كل شوية مصاريف وخروج، ولبس مش شبه الكلام اللي كانت بتقوله قبل الجواز عن البيت الدافي والاستقرار.
سكت شوية وبعدين قال له:
— تعرف يا تميم، أنا في الأول كنت بستغرب إزاي تاج العاقلة تبقى مصاحبة واحدة زي شذى، واحدة بتحب الهزار والضحك. كنت فاكرها سطحية. بس لما عرفت ظروف شذى واللي عدت بيه، فهمت إن البنت دي أنضف ميت مرة من تاج، وأنضج منها كمان، وإن الضحك ساعات بيبقى ستر مش خفة.
احنا بقالنا فترة طويلة كل يوم خناقات ومشاكل، لحد ما الدنيا هديت فجأة، وتاج اتغيرت شوية. قولت الحمد لله يمكن ربنا أصلح الحال. بعدها بفترة قصيرة لقيتها بتتكلم عن الخلفة، رغم إنهم ما كملوش خمس ست شهور جواز.
قال لها نستنى شوية، قالت له لا، لازم نكشف ونطمن. راحوا وكشفوا، والدكتور طلب تحاليل. ولما النتيجة طلعت واكتشف إن المشكلة عنده، تاج وقتها قالت له إنها هتفضل معاه ومش هتسيبه. صدقتها، واديته قلبي كله.
صوته واطي وهو بيكمل:
— اللي صدمني بعدها بأسبوع إني لقيت جواب من المحكمة إنها رافعة قضية خلع.
قال منين يودي على فين؟ إزاي واحدة كانت بتقول هستحمل تمشي من غير حتى ما تقعد معايا شوية نحاول نلاقي حل؟ لو كانت قالت لي طلقني عشان مش قادرة أستحمل، والله كنت طلقتها، بس الطريقة دي كسرتني.
تميم كان سامع ومش لاقي كلام مناسب. قال له بهدوء:
— أنا مش عارف أقولك له إيه ولا يواسيك إزاي، بس يمكن ربنا يجمعكم تاني ويتحل كل شيء.
محمود رد بسرعة:
— وقال لا، أنا مش عايز أرجع، كفاية لحد كده.
تميم هز راسه:
— وقال له إن شاء الله ربنا يعوضك باللي أحسن منها ويجبر بخاطرك، واستأذنه ومشي.
خرج وهو حاسس إن الدنيا بتكشف للواحد حقايق ما كانش مستعد لها، بس يمكن كان لازم تحصل.
عدّت الأيام واحدة ورا التانية، وكل اللي حصل مع تاج كان مختفي تمامًا، لا حد يعرف عنها حاجة ولا هي ظهرت ولا اتكلمت، كأنها اتبخرت من حياة الناس فجأة. محمود حاول يسأل مرة واتنين، بس في الآخر ساب الموضوع، يمكن تعب من الدوران في نفس الدايرة، ويمكن قرر يقفل الصفحة من غير ضجيج.
وفي وسط كل ده، كان فرح تميم وشذى بيتحدد. المواعيد قربت، التفاصيل بتتكمل، الناس بتفرح وتجهز، وكل حاجة باينة من بره إنها ماشية صح.
بس شذى من جواها ما كانتش مطمنة. كل يوم يعدي كانت تصحى بإحساس غريب، حاجة تقيلة على صدرها، إحساس إن في حاجة ناقصة أو حاجة غلط، حتى وهي بتضحك أو بتهزر، قلبها ما كانش حاضر بالكامل. كانت بتحاول تقنع نفسها إن ده توتر طبيعي قبل الفرح، أي عروسة بتحس كده، بس الإحساس ما كانش بيروح.
كانت كل ما تيجي تمسك فستانها أو تتكلم عن تفاصيل بسيطة، فجأة قلبها يقبض من غير سبب واضح. تحس إن الفرحة دي مش كاملة، وإن في حاجة مستخبية في السكة. تحاول تطرد الفكرة، تقول لنفسها بلاش تشاؤم، بس الإحساس كان راجع راجع.
تميم كان واخد باله إن شذى بقت ساكتة أكتر، تضحك بس بسرعة، وتسرح كتير. كان يسألها مالك، تقول له مفيش، شوية تعب أو إرهاق. بس هو كان حاسس إن في حاجة مضايقاها ومش عارفة تسميها.
قرب الفرح كان المفروض يزيد الحماس، بس بالنسبة لشذى كان بيزود القلق. كانت حاسة إن الفرحة دي مش هتعدي على خير، مش عارفة ليه ولا إزاي، بس الإحساس كان مسيطر عليها. تحس كأن قلبها بيحاول يحذرها من حاجة جاية، حاجة لسه ما ظهرتش.
عدّت الليالي وهي نايمة ودماغها شغالة، تسأل نفسها هل ده خوف طبيعي ولا إحساس حقيقي؟ كانت بتدعي إن اللي جواها يطلع وهم، وإن ربنا يكمل فرحتهم على خير، بس رغم الدعاء، القلق ما كانش بيسيبها.
والأيام كانت بتقرب، والفرح بقى على بعد خطوات، وشذى لسه واقفة بين الفرحة اللي مستنياها، والخوف اللي مش عارفة له سبب.
دخل أخوها الشقة بهدوء، قفل الباب وراه وبص حواليه، المكان كان فاضي وبارد زيها بالظبط. قعد قدامها وهي قاعدة على الكنبة، رجليها متنيّة ودرعاتها متشابكة، ملامحها جامدة ومفيهاش أي إحساس.
قال لها وهو بيحاول يسيطر على عصبيته:
— أنا عملت لك كل اللي انتي طلبتيه، شقة بعيدة عن الكل، لا حد يعرف مكانك ولا حد يوصل لك، دلوقتي بقى ممكن أفهم انتي بتعملي كل ده ليه.
رفعت عينيها له ببرود، ولا كأن الكلام لمسها:
— بعمل ايه؟
تنهد وهو يهز راسه:
— شغل البرود ده مش عليا يا تاج، أنا أخوكي وعارفك، في حاجة كبيرة انتي مخبياه.
ميلت بجسمها للخلف وقالت بنبرة باردة أكتر:
— أنا برجع حقي.
قرب منها خطوة:
— حق ايه ده بقى إن شاء الله.
سكتت ثانية، وبعدين اتكلمت بحدة مكتومة:
— تميم.
تصدم، اسمه خرج منها بثبات يخوف:
— تميم… حقي من البداية، المفروض كان يبقى جنبي أنا مش جنبها، هو أصلا بيحبني أنا، ما بيحبهاش هي.
رواية ليست لي الفصل السابع 7 - بقلم الاء محمد حجازي
تميم حقي من البداية، المفروض كان يبقى جنبي أنا مش جنبها، هو أصلا بيحبني أنا، ما بيحبهاش.
يضحك بسخرية ممزوجة بصدمة.
"انتي سامعة نفسك بتقولي ايه؟"
قاطعته بسرعة.
"أنا سامعة نفسي كويس قوي، وعارفة أنا بقول ايه، وأنا عمري ما هتنازل عن حقي مهما كان التمن."
قرب منها وهو صوته واطي بس حاد.
"حتى لو التمن ده إنك تكسري ناس مالهاش ذنب."
لفت وشها بعيد.
"اللي مالوش ذنب ما بيقفش في طريقي."
سكت شوية وبعدين قال.
"يعني كل اللي حصل، اختفائك، الخراب اللي سيبتيه وراكي، كل ده عشان تميم."
لفت له تاني، وابتسامة صغيرة ظهرت على شفايفها.
"عشان آخد اللي كان المفروض يبقى بتاعي من الأول."
بصلها طويل وهو مش قادر يستوعب.
"انتي بتتكلمي عن واحد قرب يتجوز."
ردت بثقة مخيفة.
"ولا جوازه هتكمل، ولا فرح هيتعمل، صدقني."
قال بعصبية.
"انتي هتضيعي نفسك."
ردت بهدوء.
"أنا عمري ما بضيع نفسي، أنا بس بسترد حقي."
سكتت، سكتة تقيلة، خلت المكان كله تقيل.
أخوها حس لأول مرة إن اللي قدامه مش أخته اللي يعرفها، دي واحدة مستعدة تعمل أي حاجة، ومش فارق معاها غير هدف واحد بس.
قال لها أخوها وهو باصص لها بحدة.
"تستردي حقك في ايه يا تاج، تميم عمره ما كان حقك، تميم حق شذى، وشذى هي حقه."
ضحكت ضحكة خفيفة فيها سخرية.
"يعني انت مش المفروض بتحب شذى، يعني عاوزها ليك."
هز راسه بثبات.
"أنا فعلا بحب شذى، وعايزها ليا واتمنّاها، بس الأهم عندي إن هي تكون مبسوطة حتى لو مش معايا."
"ولما بحثت ورا تميم وعرفت حكاية إدمانه، بعت لها الرسالة، وهي وافقت تكمل، يبقى هي بتحبه بجد."
"واللي بيحب حد بيبقى عايزه مبسوط، إنما اللي انتي فيه ده كره وانتقام مش حب خالص."
قربت منه خطوة وصوتها هدي.
"على فكرة أنا بحب شذى جدا."
"هي البنت الوحيدة من أيام المدرسة اللي ما كانتش بتبعد عني."
"ما كانتش بتتنمر عليا زيهم."
"كانت دايما قريبة، بتسأل، بتضحك، تحسسني إني مش قليلة."
وقفت لحظة وبعدين سكتت.
أخوها يقول بهدوء.
"أقول لك ايه."
"انتي لما تعملي فيها كده، تبقي بتردي الإحسان بالإساءة."
لفت وشها وقالت ببرود.
"ما أنا مش زورّت ورق تحاليل محمود وخليته ما يخلفش وخلعته كل ده عشان عيون شذى."
"أنا آه بحبه."
"بس بحب نفسي أكتر."
قرب منها أكتر.
"يعني ايه الكلام ده."
قالت بثقة غريبة.
"تميم شخص كريتف، ناجح، معاه فلوس، جنتل مان."
"وفوق كل ده بيحبني."
"هيسيب كل ده عشان خاطر شذى."
سكت ثانية وبعدين قال.
"وانتي ايه اللي مخليكي متأكدة إن تميم بيحبك."
ابتسمت ابتسامة خبيثة.
"فاكر أول خناقة حصلت بيني وبين محمود."
تنهد.
"فاكر."
"لما صوتها هدي شوية."
"يومها كنا عندهم، أنا ومحمود."
"الخناقة عليت، وتميم صالحنا علي بعض."
"نزلت تحت أنا ومحمود، وبعدها بثواني رجعت له وقلت له نسيت تليفوني فوق، هطلع أجيبه بسرعة."
"طلعت السلم وأنا متعصبة."
"وصلت قدام باب الشقة."
"مديت إيدي أخبط."
"وفي اللحظة دي حسيت بحاجة في جيبي."
"دخلت إيدي."
"لقيت تليفوني."
"وقفت مكاني."
"اتلخبطت."
"قولت أرجع وأنزلبس قبل ما أتحرك، سمعت صوت أمه."
"صوتها كان واطي بس واضح."
"كانت بتقول له: انت ما ينفعش تحب تاج."
"لازم تنسى الحب ده."
"هي بقت مرات أخوك."
"ومن اللحظة دي انتهى كل شيء."
"قلبي وقع."
"فضلت واقفة مش قادرة أتنفسمش قادرة أتحرك."
"ومن اليوم ده."
"وأنا بتخانق مع محمودمش عشان أحبهولا عشان الجوازعشان يطلق."
رجع صوتها للحاضر، ونظرتها قاسية.
"بس اللي صدمني بجدإنه خطب شذى."
سكتت لحظة وبعدين كملت.
"بس لما خطبهااتأكدت."
"هو عمل كده عشان يقرب مني."
هز أخوها راسه بأسى.
"طيب ليه ما تقوليش الحقيقةليه ما تشوفيش إن شذى شخصية كويسة."
"محترمةوتتحبوما لهاش ذنب في كل اللي جواك."
بصت له نظرة طويلةوفي عينيها حاجة مكسورةبس لسه الكِبر مغطيهاوما ردتش.
***
عدت فترة وكل شواية يتبعت لشذى رسايل.
في الأولاللي بدأ كل حاجةكانت الرسائل.
رسائل بتوصل لشذى من أرقام غريبة.
أرقام مش متسجلةولا ليها اسمولا أي علامة تدل هي تبع مين.
في البداية كانت رسائل هادية.
كلام بسيطبس يدخل الشك في القلب من غير ما يبان.
جمل قصيرة.
"زيخلي بالك."
"انتي متأكدة منهمش كل اللي بيبان بيبقى حقيقي."
شذى كانت بتقراوتقفل الموبايلوتقول أكيد حد فاضيأو حد بيهزرأو يمكن غلطة.
عدت أياموالرسائل ما وقفتش.
بالعكس بقت أطولوأوضحوأقسى.
الكلام بقى مباشر.
"تميم مش بيحبك."
"هو خطبك عشان يقرب من واحدة تانية."
"انتي مجرد مرحلةوآخرها معروفة."
ساعتها قلبها اتقبضمش عشان صدقتلكن عشان الكلام اتكرروالتكرار بيهزحتى أقوى واحد.
كانت كل مرة تقول.
"أنا واثقة فيهوأكيد الكلام ده مش حقيقي."
بس في نفس الوقتالرسائل كانت بتسيب أثرحتى لو بسيط.
وبعدين جه موضوع تعب أم تميموالدنيا كلها اتلخبطتالخوفوالقلقودعاءولحظة إنك تحس إن الحياة ممكن تتسحب منك فجأة.
طلبت منهم يقربوا ميعاد كتب الكتابوقالت إنها نفسها تطمنوتفرح بيهم.
كتبوا الكتابوكان يوم جميل.
بسيطوصادق.
تميم كان مبسوط بجدوشذى كانت حاسه إنها دخلت مرحلة أمان، إن كل اللي فات خلاصوإن الرسائل دي لازم تسكتلأن مفيش حاجة أقوى من الحب.
بس اللي حصلإن بعد كتب الكتابالرسائل رجعت.
أكتروأجرأ.
المرة دي بقى الكلام مفهوش لفولا تلميح.
الكلام بقى صريح.
"جارحانتي فاكرة إنه كتب كتابه عليكي عشان بيحبك."
"ده عمل كده عشان يقرب منها أكتر."
"هو عمره ما نسيهاولا عمره هينساها."
شذى بدأت تتغير.
من غير ما تحسمش قاصدةولا ناوية.
بقت تسكت أكترتفكر أكترتراجع مواقف قديمةتحلل كلاموتربط حاجات ببعض.
تميم لاحظ.
لاحظ إنها مش زي الأول.
ضحكتها أقلكلامها أقصرردودها سريعةومش دايما من القلب.
كان يسألمالكفيكي حاجةتزعل ليه على الفاضيكانت دايما ترد.
"مفيشتعبضغطمش أكتر."
بس أسلوبها اتغير.
بقت عصبيةتضايق من هزار كان بيضحكهاتزعل من حاجات صغيرةوبقوا يتخانقوامش خناقات كبيرةلكن كتير.
كل يوم مشكلةكل يوم سوء فهموكل يوم شوية وجع زيادة.
وهيكل ما الرسائل تزيدتسكت أكتروتقفل جواها أكترلحد ما جه اليوماللي الشك بقى تقيلوالصمت بقى موجعوالقلب بقى مش عارف يصدق مينولا يواجه إزايواليوم دهكان بداية اللي جايمش نهايته.
***
بقيت حاسس إن في حاجة اتغيرت، مش تغيير بسيط، تغيير يخوف.
شذى مش هي شذى.
الضحكة اللي كانت بتيجي بسهولة، بقت محتاجة مجهود.
والقرب اللي كان طبيعي، بقى محسوب.
كل ما أحاول أقرب، تبعد، مش بإيدها، ولا بقسوة، لكن بحاجز كده.
حاجز مش فاهمه.
أقعد أفكرهو أنا عملت حاجة، قلت كلمة، قصرتولا ده خوف طبيعي قبل الجواز.
أرجع أقول لنفسي: أكيد توتر.
أكيد رهبة.
أي بنت مكانها تحس كده.
بس إحساسي كان بيقولي غير كده.
كنت شايف الفرح قداميكل يوم أقرب له خطوة.
وأنا مبسوطومرتاحونفسي بقى نتجمع في بيت واحدبيت هاديبيت فيه ضحكوفيه صلاةوفيه دفى.
كنت بتخيلها وهي ماشية في البيت، وهي بتضحك، وهي بتزعق، وهي بتتخانق، حتى زعلها كنت شايفه حلو.
بس في نفس الوقت: كان في حاجة جوايا مش مطمناني.
شذى بقت سرحانة.
الموبايل في إيدها كتيروتقفل فجأة.
وأنا عمري ما كنت واحد يحب يفتشولا يسألولا يضغطبس كنت هموت وأعرفمالها.
أبص في عينيها، ألاقي حزن مستخبي، مش حزن لحظة، حزن متراكم.
أسألهامالكتبتسم، وتقول مفيشبس أنا كنت عارف، إن مفيش دي أكبر كذبة.
الفرح كان بيقرب.
وأنا كل يوم أحس نفسي أقرب منها أكتر.
وهي كل يومتبعد سنة.
كنت مبسوطبس قلبي مش مطمن.
نفسي أعرفنفسي أساعدنفسي أطمنهابس مش عايز أضغط.
كنت بين ناريننار الفرح اللي مستنيهونار القلق اللي مش فاهم سببه.
أرجع البيتوأقعد أفكر فيهافي كلامهافي سكوتهافي نظراتها اللي بقت طويلة.
أقول يمكن خايفةيمكن محتاجة وقتيمكن مستنية تطمنيبس كل ما الفرح يقرب.
الإحساس الغريب يكبر.
وكأني واقف على باب حاجة كبيرةومش عارف.
اللي مستنيني ورا الباب.
فرحة العمرولا صدمة عمري.
***
لحد ما في يوموهو قاعد بيحاول يقنع نفسه إن كل حاجة هتعدي.
الموبايل رنرسالة، قصيرة، بس تقيلة قوي مع صورة.
"مراتك المحترمة بتقابل واحد دلوقتي، لو عايز تتأكد بنفسك."
"العنوان اهو."
قلبه وقع.
بس عقله سبق قلبه وقال مستحيل.
شذى.
مستحيل.
مسك الموبايل وهو بيهز راسه.
"لالا."
"الكلام ده ما يدخلش دماغ، هو واثق فيها، واثق في ضحكتها، وفي خوفها، وفي وجعها، وفي كل مرة قالت له مفيش."
بس عينه راحت غصب عنه على الصورة.
ركز.
كبر.
الصورة متصورة النهاردهوبنفس الدقيقةاللي الرسالة اتبعتت فيها.
يعني الصورة لسهطازة.
مش قديمةمش متفبركة.
الصورة كانت متاخدة بوضع رومانسي شواية وكمان مش باين وش اللي قاعدة معاه.
الشك دخل قلبه، دخل بهدوء يخوف.
قام من مكانه لبس من غير ما يحس بنفسه، مفكرش، ما سألش، ما كلمهاش، جري.
وقلبه بيدق في ودانه.
طول الطريق بيكلم نفسه.
يمكن صدفةيمكن سوء فهميمكن قاعدة عاديةيمكن أي حاجة.
غير اللي دماغه بيصوره.
وصلوقف العربية.
نزل.
دخل المكانوعينيه بتلف.
وقلبه بيدور عليها.
زي طفل ضايع.
ولما شافهااتسمر.
شذى.
قاعدة.
مش لوحدها.
قاعدة مع آخر شخصكان ممكن يتخيلهولا حتى يجي في باله.
رواية ليست لي الفصل الثامن 8 - بقلم الاء محمد حجازي
قلبه وقع.
بس عقله سبق قلبه وقال: مستحيل.
شذى. مستحيل.
مسك الموبايل وهو بيهز راسه.
"لالا. الكلام ده ما يدخلش دماغ. هو واثق فيها. واثق في ضحكتها، وفي خوفها، وفي وجعها، وفي كل مرة قالت له: مفيش."
بس عينه راحت غصب عنه على الصورة.
ركز. قرب. كبر.
الصورة متصورة النهارده، وبنفس الدقيقة اللي الرسالة اتبعتت فيها.
يعني الصورة لسه طازة. مش قديمة. مش متفبركة.
الصورة كانت متخدة بوضع رومانسي شوية، وكمان مش باين وش اللي قاعدة معاه.
الشك دخل قلبه، دخل بهدوء يخوف.
قام من مكانه. لبس من غير ما يحس بنفسه. مفكرش. ما سألش. ما كلمهاش. جري.
وقلبه بيدق في ودانه.
طول الطريق بيكلم نفسه.
"يمكن صدفة. يمكن سوء فهم. يمكن قاعدة عادية. يمكن أي حاجة غير اللي دماغه بيصوره."
وصل. وقف العربية. نزل. دخل المكان. وعينيه بتلف.
قلبه بيدور عليها. زي طفل ضايع.
ولما شافها. اتسمر.
شذى. قاعدة. مش لوحدها. قاعدة مع آخر شخص كان ممكن يتخيله. ولا حتى يجي في باله.
أخو تاج.
الدم نشف في عروقه. والصوت اختفى. والدنيا سكتت.
وقف بيبص. مش عارف يتحرك. ولا يتكلم. ولا حتى يزعل.
أسئلة بتخبط في دماغه.
ليه؟ إمتى؟ وإزاي؟ ومن امتى؟
والأكتر وجع. إنه عمره ما شك فيها. ولا مرة.
إلا اللحظة دي. اللحظة اللي شاف فيها الصورة بعينه.
مش في رسالة. مش في كلام ناس.
لحظة حس فيها إن كل اللي كان حاسس بيه الفترة اللي فاتت. ما كانش وهم. كان إنذار.
***
قرب من الترابيزة بخطوات تقيلة. مش ثابتة. كأن الأرض مش راضية تشيله.
وقف قدامهم لحظة طويلة قبل ما صوته يطلع. لحظة كان فيها بيحاول يستوعب المشهد كله مرة واحدة.
شذى قدامه. والكرسي اللي قصاده مش فاضي.
ووش الشخص اللي قاعد معاها آخر وش كان ممكن يشوفه في اللحظة دي.
قال اسمها بصوت واطي لكنه مليان وجع:
"شذى."
رفعت عينيها ببطء. وأول ما شافته قامت وقفت فجأة. اتخضت بجد. وشها فقد لونه. وكأن وجوده هنا مش كان في حساباتها.
وقالت بسرعة وهي بتحاول تلم نفسها:
"تميم… إنت إيه اللي جابك هنا."
بصلها من فوق لتحت. نظرة طويلة فيها ألف سؤال. وبعدين بص للشخص اللي قاعد معاها ورجع لها تاني وقال بصوت حاول يخليه ثابت:
"وأنتِ إيه اللي جابك هنا. وقاعدة مع الشخص ده بتعملي إيه."
قربت خطوة. وملامحها اتشدت. وقالت ببرود متعمد:
"إنت مالك."
الكلمة نزلت عليه تقيلة. مش لأنها جديدة. لكن لأنها طلعت منها. منها هي.
رد بصوت مخنوق شوية:
"أنا جوزك يا مدام."
ضحكت. ضحكة قصيرة ما فيهاش أي إحساس. وقالت وهي بتهز راسها بسخرية:
"جوزي على الورق. حتة ورقة بينا وهتتقطع. ومش عارفة إيه اللي خلاني أسمع لعقلي وأوافق عليك. أكيد ما كنتش في كامل قوايا العقلية وقتها."
قلبه وجعه. بس لسه بيحاول يتمسك بالعقل.
لف بعينه حواليه وشاف الناس بتبص وبتتهامس. فقرّب خطوة وقال بنبرة أهدى:
"شذى. أنا عارف إنك بقالك فترة مضغوطة وتعبانة. تعالي نمشي. مش قدام الناس كده. واحكي لي مالك."
هزت راسها بنفي سريع. وصوتها بقى أحد:
"مفيش. وأنا مش همشي."
قرب أكتر وقال بحدّة مكبوتة:
"وأنا مش هسيبك قاعدة كده مع راجل غريب."
ردت من غير تردد:
"غريب؟ إنت اللي غريب."
بصت له باستخفاف وكملت:
"وبعدين إنت بتسألني خرجت ليه ليه. هو إنت فاكر نفسك جوزي بجد ولا إيه."
قال بسرعة. كأنه بيحاول يمسك حاجة بتقع منه:
"علشان إنتِ فعلا مراتي."
ضحكت تاني. بس الضحكة دي كانت أقسى. وقالت وهي قريبة منه قوي:
"أنا اتجوزتك علشان أهرب من العريس اللي أبويا كان جايبه. إنما عمري ما فكرت فيك. ولا يوم."
سكت. ثواني طويلة. وبعدين قال بصوت واطي لكنه ثابت بالعافية:
"شذى بلاش هبل. أنا لحد دلوقتي مقدرك ومش عايز أزعلك."
رفعت حواجبها وقالت باحتقار واضح:
"إنت ما تقدرش تزعلني. إنت واحد مدمن."
الكلمة ضربته. مش بس قدام الناس. ضربته جواه. في تعبه. في كل مرة حاول يقوم.
بص لها كأنه بيشوفها لأول مرة. وقال بصوت مبحوح:
"دي آخر مرة أقول لك. امشي قدامي يا شذى."
قربت منه وقالت بهمس سام:
"خلي عندك دم وطلقني."
رد من غير ما يفكر:
"يستي أنا ما عنديش."
ابتسمت وقالت:
"يبقى خلي عندك رجولة. ولا دي كمان مش عندك."
وقف لحظة. حس إن الدنيا كلها واقفة معاه. الناس. الأصوات. حتى نفسه.
لف ورا ضهره ومشي. مش قادر يبص وراه.
خطواته تايهة. دماغه فاضية ومليانة في نفس الوقت.
وهو ماشي. كان بيقول:
"دي مش شذى اللي أعرفها. مش البنت اللي كانت بتضحك من قلبها. مش اللي كانت بتخاف وتتطمن. مش اللي كنت شايف فيها أمان. أكيد في حاجة. مستحيل تكون دي الحقيقة كلها. مستحيل تكون اتغيرت بالشكل ده فجأة. طيب لو في حاجة. ليه تعمل كده. ليه توجعني بالطريقة دي. ليه تختار القسوة وهي عارفة ضعفي."
كان حاسس إنه ماشي بجسمه. إنما روحه واقفة هناك. قدام الترابيزة. قدام نظرتها. قدام آخر جملة قالتها.
ومهما حاول يقنع نفسه إنه لازم يسيب. قلبه كان لسه بيسأل: ليه؟
***
فضل ماشي في الشارع. مش حاسس برجله. ولا بالطريق. ولا بالناس اللي حواليه.
كان موجوع بجد. وجع تقيل. وجع أعمق حتى من اليوم اللي شاف فيه تاج بتتجوز غيره.
المرّة دي حس إن روحه هي اللي بتتسحب منه واحدة واحدة.
ليه؟ ليه تعمل كده؟ ليه بعد ما اتعرّى قدامه. بعد ما قال لها عن ضعفه. عن سقوطة. عن تعافيه. عن كل حاجة كان مستخبي وراه. تيجي في لحظة وتكسره بالشكل ده.
كان بيكلم نفسه. مش عارف يروح فين. ولا يرجع منين. تايه.
الأسئلة في دماغه أكتر من قدرته على الاحتمال.
ومش عارف إزاي. لقى نفسه قدام البيت. واقف. بيحاول ياخد نفس. بس النفس مش راضي يدخل.
فتح الباب. وأول ما دخل. شاف أمه قاعدة.
بمجرد ما عينيه وقعت عليها. انهار. جرى ورمى نفسه في حضنها. وعيط. عيط زي الطفل. زي العيل الصغير اللي اتكسرت لعبته قدامه.
حضنته جامد. ومسحت على شعره. وصوتها مليان فزع:
"مالك يا نور عيني. إيه اللي حصلك. عمري ما شفتك مكسور كده. ولا يوم. ولا حتى يوم ما أبوك مات. ولا يوم اللي ما يتسمّوش كسروا قلبك وخلوك تشرب زيهم."
رفعت وشه بإيديها. وبصت في عينه:
"مين اللي كسرك كده يا حبيبي."
بدأ يحكي. كل حاجة. من غير ترتيب. من غير تجميل. من غير دفاع.
حكى اللي شافه. واللي اتقال. والكلمة اللي ضربته. والنظرة. والضحكة. والوجع.
كانت سامعة. ساكتة. بس عينيها بتتكلم.
ولما خلص. قالت بهدوء فيه حكمة السنين:
"بص يا نور عيني. اللي شوفتها النهارده دي. مش شذى. ولا عمرها تكون شذى."
هز راسه وهو باصص في الأرض.
قالت تكمل:
"أنا قعدت أشكرك فيها. وقلت دي بنت أصول. وبنت وجع. وبنت ربنا هيكرمك بيها. والبنت اللي كنت بتحكيلي عنها. ما تعملش اللي اتعمل ده."
قربت منه أكتر. وقالت بحنية:
"أكيد في سبب. وأكيد في حاجة مستخبية. وأكيد في حد لاعب في دماغه. بس ده مش مبرر. مش مبرر إنها توجعك الوجع ده. ولا تكسر راجل بالشكل ده. ولا تطلع أسرارك قدام الناس."
مسحت دموعه. وقالت:
"اللي بيحب. ما يفضحش. واللي خايف. ما يجرحش بالطريقة دي."
سكتت لحظة. وبعدين قالت بصوت واطي:
"أنت اتوجعت. وأنا شايفة الوجع ده في عينيك. بس صدقني. الوجع ده. ربنا ما يبعتهوش عبث."
حس لأول مرة من ساعة. إن في حد شايفه. مش متهمه. ولا بيقلل منه.
فضل في حضنها ساكت. والدموع بتنزل. وهو مش قادر يقرر. هل اللي انكسر جواه قلبه. ولا ثقته. ولا الاتنين سوا.
***
بعد ما ساب شذى. رجع الشقة اللي كانت مستخبية فيها.
دخل من غير ما يخبط. الباب خبط في الحيطة. وهو داخل بعصبية.
لقاها قاعدة على الكنبة. مستريحة. بتبرد في ضوافرها. ولا كأن الدنيا مقلوبة برا.
قرب منها في خطوتين. ومد إيده. وشدها من دراعها جامد. لدرجة إنها شهقت من الوجع.
قال بصوت مليان غضب:
"إنتِ ليه تعملي كده. ليه؟ بوّظتي عليها حياتها. واستريحتِ؟!"
صرخت بوجع حقيقي:
"إيده اللي كانت تقيلة. وقالت وهي بتحاول تفلت منه: بوّظت إيه. إنت بتقول إيه. أنا مش فاهمة حاجة."
شد دراعها أكتر: وقال وهو بيقرب وشه من وشها:
"إنتِ هتستعبطي عليّا. لا. أنا فاهم كل حاجة. مش إنتِ اللي كلمتي تميم. وأنا قاعد مع شذى. وخلّيتيه ييجي. ويتخانقوا."
وشها اتجمد. والدهشة بانت بجد من الاستغراب.
قالت بسرعة:
"أنا ما كلمتش حد."
زعق وإيده لسه ماسكاه:
"تاج. أنا بتكلم جد. مش وقت لعب."
ردت وهي بتوجع. بس صوتها ثابت:
"وأنا كمان بتكلم جد. والله. أنا ما كلمتش حد. ولا بعت رسالة. ولا عملت حاجة."
ساب دراعها فجأة. بس فضل واقف قدامها. وشك في عينه.
كملت. وصوتها بدأ يطلع مكسور:
"أنا عمري ما بوّظت سمعة واحدة. ما بالك دي صاحبتي. صاحبتي يا كريم. إنت فاهم."
قعدت. وحطت إيدها على دراعها. والوجع ظاهر. وقالت بهدوء أقسى من العصبية:
"أنا آه غلطانة. وغلطت في حاجات كتير. بس مش للدرجة دي."
حاسس إن الأرض بتتحرك من تحته. قال:
"طيب. أمال مين."
رفعت عينيها. وفيهم حيرة حقيقية. وقالت:
"ما أعرفش. بس اللي متأكدة منه. إن اللي عمل كده. كان قصده يكسّر. مش يصلّح."
سكت. لحظة تقيلة. وهو لأول مرة. بدأ يشك. إن اللعبة أكبر. وأوسخ. من تاج.
كملت كلامها. وصوتها كان بيطلع مبحوح. مش قوة. ده قهر متراكم.
وقالت:
"أنا شوفت اللي أوسخ من كده. وسكت. ما فتحتش بقي. ولا فضحت. يبقى هتكلم على شذى. أنضف حد عرفته في حياتي."
أخوها وقف. اتلخبط. نبرة صوته هديت غصب عنه. وقال:
"شوفتي إيه."
"كل اللي كانت حبسته سنين. وقع مرة واحدة."
قالت بانهيار. وعيونها مليانة دموع.
"شوفت أمك. وهي كل يوم بتكلم واحد. ضحك. كلام. نظرات. مش فعل. بس أوسخ من الفعل."
وسكتت ثانية. وبعدين كملت. وصوتها بيتهز.
"وشوفت أبويا. وهو كمان بيخونها. مش زيه. ده فعل. وخيانة كاملة. ولا فارق معاه حد. ده غير الخناقات. الصريخ. الشتيمة. كل يوم قدامي. وأنا واقفة زي العفش. ولا حد فيهم شايفني."
أخوها قرب. صوته واطي. وفيه وجع. قال:
"ولما جيت. قولتي لي ليه."
رفعت وشها. والعيط طالع من صدرها. مش من عينيها بس.
وقالت:
"عشان إنت ما كنتش فاضي لي. ولا عمرك كنت فاضي. زيهم بالظبط."
قالتها وهي بتنهار.
"أنا كنت لوحدي. دايما لوحدي."
وبعدين صرخت. من غير ما تعلي صوتها. صرخة وجع.
"أنا بكرهكم. وكله."
وسكتت ثانية. وبعدين كملت. بنبرة مكسورة. بس عنيدة.
"ومش هسيب تميم."
بص لها مصدوم.
قالت:
"لأنه الوحيد. الوحيد اللي شوفته في عيونه حنية ليا. أنا. مش مصلحة. مش تملق. مش كره."
قالت آخر جملة. وهي بتعيط.
"مش زيكم."
والشقة سكتت. سكات تقيل. وأخوها لأول مرة. حس إن أختها مش شريرة. دي واحدة مكسورة. ومتمسكة بآخر أمل. قبل ما تقع خالص.
***
تميم ساب حضن أمه. دخل أوضته. قفل الباب عليه. والليل كان تقيل قوي. تقيل على صدره.
نام وهو لسه نفس الكلام بيلف في دماغه. نفس النظرة. نفس الجملة. نفس الإحساس إنه اتكسر من غير ما يعمل حاجة.
بعد شوية. أمه صحته. صوتها هادي. بس فيه قلق. قالت له:
"في واحد بره عايزك."
فتح عينه بالعافية. قام وهو لسه موجوع. ومش فاهم مين ممكن ييجي في الوقت ده.
لبس بسرعة. وطلع.
أول ما فتح الباب. شافه.
أخو تاج.
وقف. اتصدم. وشه اتشد. وقال:
"إنت إيه اللي جابك هنا."
أخوها كان شكله تعبان. عيونه فيها حاجة غريبة. مش تحدي. ولا خبث. حاجة أقرب للذنب. قال:
"أنا جاي أقولك حاجة مهمة. مش عاوز تعرف أنا كنت قاعد مع شذى ليه."
رواية ليست لي الفصل التاسع 9 - بقلم الاء محمد حجازي
إنت إيه اللي جابك هنا، امشي اطلع بره.
أخوها كان شكله تعبان، عيونه فيها حاجة غريبة. مش تحدي ولا خبث، حاجة أقرب للذنب. قال:
أنا جاي أقولك حاجة مهمة، مش عاوز تعرف أنا كنت قاعد مع شذى ليه؟
تميم سكت. بص له من فوق لتحت. وجواه نار. بس سابه يكمل.
قال:
قبل ما تحكم، وقبل ما تطردني، اسمعني للآخر.
كريم خد نفس أطول شوية، وكان باين عليه إن الكلام تقيل على قلبه قبل لسانه.
رفع عينه لتميم وبص له بنظرة فيها اعتراف متأخر، وقال بهدوء مصطنع:
أنا هبتديها من الأول خالص، من غير ما ألف ولا أدور، ومن غير ما أجمّل نفسي، عشان اللي حصل ده أكبر من أي تبرير.
أنا شوفت شذى من زمان، وأول ما شوفتها حسيت إنها مختلفة. مش شبه البنات اللي بتقعد تضحك وتتكلم وخلاص.
كانت هادية، كلامها محسوب، وعينيها دايما فيها حاجة أعمق من سنها.
اتنهد، وقال:
عجبت بيها، إعجاب حقيقي، مش لعب ولا تسلية.
تقدمت لها مرة، رفضت. رجعت حاولت تاني، رفضت. وثالث، وبرضه رفض.
كمل:
رفضها كان محترم، من غير ما تجرح، ولا تسيب أمل، ولا تفتح باب. كنت أطلع من عندها وأنا حاسس إني قليل قدام نقاءها.
سكت شوية، وبعدين قال بصوت أوطى:
ومع الوقت، أي عريس كان بييجي لها، كنت بتدخّل. مرة بكلمة، مرة بإشارة، مرة إني أخلّيه يحس إن الموضوع مش مناسب. وأنا مقتنع إن ده حقي، وإن اللي بعمله ده حب.
ابتسم ابتسامة خالية من الفرح، وقال:
لحد ما انت ظهرت. ولما عرفت بالصدفة موضوع إدمانك القديم، قلت بيني وبين نفسي: خلاص، ده السبب اللي هيخليها تبعد، ده اللي هيخوفها.
رفع كتفه، وقال:
بس اللي حصل كان صدمة، شكلها كانت معجبة بيك، مرتاحة، وأكتر مما أنا كنت متصور. وأنا اتكسرت لما عرفت إنكم اتخطبتوا. الغريب إني زعلت، بس في نفس الوقت فرحت لها. فرحت لأن ضحكتها رجعت، ولأنها كانت مبسوطة بجد. وأنا عمري ما تمنيت لها وجع.
سحب نفس عميق.
من أسبوع، رقم غريب رن عليّ. رديت. لقيت صوتها. قالت لي:
كريم، أنا محتاجاك، الموضوع ضروري.
تخضيت. وسألتها في إيه؟
قالت لي نتقابل. ورحت. وقبل ما انت تيجي بدقايق، كانت قاعدة قدامي، وشكلها متغير، وعيونها حمرا، وكانت بتتكلم عنك. عن حبها ليك، عن خوفها عليك، عن إحساسها إنها عبء. كانت بتقول: أنا بحبه، وعشان بحبه، لازم أسيبه. بأي طريقة، حتى لو الطريقة دي تكسّرني، وتكسّره قبلي.
وكانت عايزاني أساعدها. بس ما لحقتش أفهم، ولا هي كملت، لأنك وقتها كنت جيت. وبعد ما انت مشيت، انهارت، عيطت عياط يخوف. قامت مشيت فجأة وسابتني واقف مش فاهم حاجة.
خفض راسه.
رجعت البيت، وأنا حاسس إن في حاجة غلط. حاجة كبيرة. مش خناقة ولا سوء تفاهم.
رفع عينه لتميم وقال بصدق:
أنا جيت أقولك الكلام ده عشان تحاول تفهم، وتدور، وما تسيبهاش. لو لسه في إيدك حاجة. لأن اللي شوفته بعيني، أكد لي إن شذى، بتحبك بجد.
وقف، وقال بهدوء:
استأذنك.
وسابه. وتميم واقف قدام حب موجوع، وحقيقة تقيلة، إن في ناس بتبعد، مش عشان ما بتحبش، لكن عشان خايفة تأذي.
***
بعد ما كريم مشي، تميم فضل واقف مكانه. حرفيًا واقف. مش عارف يتحرك، ولا حتى عارف يفكر بوضوح.
كل كلمة قالها كريم كانت بترن في ودانه.
"بتحبك، وعشان بتحبك لازم تسيبك."
الجملة دي كانت عاملة زي المسمار، ثابتة في دماغه. كل ما يحاول يشيلها، تغرز أكتر.
قال لنفسه بصوت واطي:
ليه؟ ليه تعمل كده؟ ليه توجعني بالطريقة دي؟ ولو بتحبني فعلًا! إزاي قلبك استحمل القسوة دي!
لف وشه بعيد. حاسس إن في حاجة مستخبية. حاجة أكبر من مجرد خوف. أكبر من شائعة. أكبر من لعب حد في دماغها.
قرر، من غير ما يفكر كتير، إنه يراقبها. مش علشان بيشك فيها، ولا علشان يمسك عليها غلطة. لكن علشان يفهم. علشان يوصل للحقيقة، أيًا كانت.
تاني يوم، الصبح بدري، كان واقف قدام بيتها. واقف بعيد شوية. والبرد لسه في الجو.
وهو واقف متكتف، مشدود. قلبه بيدق بسرعة مش طبيعية.
فجأة شافها نازلة. لابسة لبس بسيط وشكلها شاحب. وشها مرهق. مش وش واحدة خارجة تتفسح.
مشي وراها، على مسافة. خطوة بخطوة. من غير ما تحس.
دخلت شارع، لفت، وهو وراها. لحد ما وقف فجأة. مستشفى.
وقف مكانه لحظة. قلبه وقع. قال لنفسه:
مستشفى ليه؟ هي تعبانة! ولا حد من أهلها!
دخل وراها. يحاول يكون طبيعي. قعد في الانتظار. عيونه عليها. شايفها بتتكلم مع الاستقبال. وشها باين عليه قلق مكتوم.
دخلت أوضة الكشف والباب اتقفل.
الوقت كان بيعدي ببطء. دقيقة، اتنين، عشرة، ربع ساعة.
طلعت. وشها كان أهدى شوية. بس عيونها. عيونها كانت مكسورة. كأنها شايلة هم أكبر منها.
استنى لما مشيت. وقام دخل عند الدكتورة.
قال بصوت متماسك بالعافية:
لو سمحت. البنت اللي كانت هنا من شوية، هي جاية تبع حد ولا هي مريضة؟
الدكتورة بصت له شوية، كأنها بتقيمه. وبعدين قالت:
قصدك شذى؟
قال بسرعة:
أيوه، أنا خطيبها، وكنت بس عايز أطمن عليها.
الدكتورة تنهدت وقالت:
أخيرًا؟! أخيرًا لقيت حد من أهلها.
الجملة دي لوحدها كسرت حاجة جواه.
قالت:
شذى عندها لوكيميا، سرطان دم. بس الحمد لله في المرحلة الأولى.
الدنيا وقفت. مش سامع غير كلمة واحدة: سرطان.
الدكتورة كانت بتتكلم، بس صوتها بقى بعيد، زي صدى. مش واضح.
قالت:
المشكلة إنها رافضة تبدأ العلاج، ورافضة تقول لحد. وأنا كنت محتاجة أوصل لأي حد قريب منها. أرجوك، حاول تقنعها. العلاج ضروري والحالة لسه بدري.
عن إذنك، علشان عندي حالات لازم أمُر عليها.
وسابته.
وهو واقف. ثابت. مش قادر يتحرك، مش قادر ياخد نفس.
قال بصوت مبحوح:
سرطان؟ يعني عشان كده؟ عشان كده كانت بتبعد؟ عشان كده كانت قاسية؟ عشان كده بتوجعني بإيدها؟
قعد على الكرسي، مسك راسه بإيده، قال لنفسه:
يا غبية. كنتِ فاكرة إنك كده بتحميني؟ ولا بتعاقبيني؟
افتكر كلامها. نبرتها. وجعها. كل حاجة كانت منطقية.
"مش هسيبك، حتى لو انتِ اللي بتحاولي تمشيني. مش هسيبك."
قام. واقف. عينيه مليانة دموع، بس ملامحه ثابتة.
قال لنفسه:
لو المرض ده هيخليك تبعدي، أنا هقرب أكتر. ولو فاكرة إنك لوحدك، فإنتِ غلطانة.
وأول مرة من ساعة ما سمع الحقيقة، قرر. مش يسأل ليه. قرر يحارب.
***
خرج من المستشفى وهو مش شايف قدامه. الدنيا كانت ماشية، بس هو واقف جواه. كل خطوة بياخدها تقيلة، كأن رجليه مش شايلاه.
فضل ماشي من غير اتجاه. شارع ورا شارع. لحد ما لقى نفسه واقف قدام جامع.
وقف شوية. بص له. وحس إن رجليه جابته غصب عنه.
دخله. الجامع كان هادي. فاضي إلا من صوت خفيف، قريب من السكون.
راح توضى. المية كانت ساقعة، بس حسها بتهدي النار اللي جواه.
غسل وشه، افتكر وشها. غسل إيده، افتكر إيده وهي بترتعش.
غسل راسه، وقال في سره:
يا رب.
دخل صلى. ركعتين. كان كل دعاء بيطلع من قلبه مباشرة، من غير ترتيب ولا صياغة.
يا رب، أنا مش فاهم، بس راضي. بس ما تاخدهاش مني. لو هي اختبار، أنا قبلته. بس قويها. قويها يا رب. وما تسيبهاش لوحدها.
فضل يدعي طول ما هو ساجد. حاسس إن الأرض شايلة عنه شوية.
ولما سلم، قام وهو واخد قرار.
طلع من الجامع. وراح على بيتها. وصل. وقف قدام الباب.
نفسه تقيل. قلبه بيدق، بس إيده ثابتة وهو بيخبط.
الباب اتفتح. شذى. كانت واقفة قدامه. وشها شاحب، عيونها فيها حزن. حزن قديم، مش حزن لحظة.
بصت له شوية، وبعدين قالت ببرود متعمد:
انت إيه اللي جابك هنا؟ مش قلت هتطلقني؟
قال بهدوء:
أنا ما قلتش. انتِ اللي قلتي. وأنا مش جاي أطلق. أنا جاي أسألك سؤال واحد.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
ليه بتكذبي يا شذى؟
اتوترت وقالت بسرعة:
أنا مش فاهمة. انت بتتكلم عن إيه؟
قرب خطوة، وقال بنبرة وجع:
يعني لو كنتي قلتي إن عندك لوكيميا، كنت هسيبك؟ فاكرة إني ممكن أعمل كده؟
وشها اتجمد. وبعدين قالت:
مين قالك الكلام ده؟ أنا معنديش حاجة. انت بتقول إيه؟
قال بهدوء قاطع:
مش هنضحك على بعض. رافضة العلاج ليه؟
الجملة وقعت عليها زي الطوبة. سكتت. ثانيتين، ثلاثة. وفجأة انهارت.
إيديها طلعت على راسها. قلعت الطرحة ورمتها على الأرض. شعرها نزل. مفرود. طويل.
شايف شعري ده؟ كان دايمًا جدو يقول لها عليه: شعر ربّنا.
نزل. صرخت.
مش عايزة. مش عايزة أتعالج.
قعدت على الأرض ومسكت شعرها وقالت وهي بتعيط:
مش عايزة أبقى شبه الصور. مش عايزة أشوف نفسي في المراية من غير شعر. من غير رموش، من غير حواجب.
صوتها كان بيتكسر. وقالت:
الدكتور قال شعري هيقع، ورموشي وحواجبي. ويمكن أتعب. ومش ضامنين النتيجة.
رفعت عينيها له وقالت بوجع:
وأنا تعبت. تعبت قوي.
نزل لمستواها. قعد قدامها وقال بصوت ثابت بس مليان نار:
لازم تتعالجي.
قالها بوضوح:
لو مش علشاني، يبقى علشان جدك وجدتك.
قرب أكتر وكمل:
انتِ فكرتي إنك لما تبطلي علاج وتستني قضاء ربنا، تبقي كده مؤمنة؟
هز راسه وقال:
دي أنانية. نسيتي إن في ناس هتتدمر من بعدك. في ناس حياتها هتقف.
سكت لحظة. وبعدين قال بصراحة موجعة:
ده اختبار من ربنا، وانت مش قد الاختبار ده. انت مش بالقوة اللي كنت فاكرها.
قال اسمها وهو بيتوجع:
انتِ تعبانة يا شذى، بس مش ضعيفة. بس لازم تحاربي.
صوته وطي وقال:
عشان خاطري.
انهارت أكتر. عيطت بعنف. شهقات ووجع سنين.
مد إيده، شدها، وحط راسها في حضنه. شدها عليه. وعينيه دمعت وهو ساكت.
كان حضنه ثابت. كأنه بيقول من غير كلام: أنا هنا. ومش ماشي. ومش هسيبك. حتى لو الدنيا كلها ضدك.
***
ابتدت شذى العلاج، وتميم ما كانش بيسيبها لحظة، ولا يوم، ولا حتى ساعة. كان معاها خطوة بخطوة، داخل المستشفى، وخارجها.
قاعد جنبها وهي بتاخد الكيماوي، يمسك إيدها، يعد لها النفس، يضحك غصب عنه علشان ما تخافش.
كان هو اللي بيسرح لها شعرها بإيديه، بالراحة، كأنه بيمسك حاجة غالية قوي.
كان بيغسل لها وشها. يحضر لها الأكل. ينبهها تشرب المية. يلبسها الطرحة ويمسح دموعها من غير ما تتكلم.
وكان بيتعامل معاها مش كزوج بس، ولا حبيب، لكن كأنها بنته. حاجة مسؤولة منه. حاجة لازم يحميها.
وشذى رغم الوجع كانت فرحانة. فرحانة قوي. إن في حد مستحمل. مش شافها ناقصة، ولا ضعيفة، ولا عبء.
لحد ما في يوم، كانت قاعدة قدام المراية، وشها شاحب، عينها مرهقة، وباصة لنفسها بحزن. وقالت بصوت واطي:
شعري ابتدى يقع. حتى حواجبي. ولا رموشي.
كان واقف وراها. قرب منها، وحط إيده على كتفها، وقال بثبات:
متهيأ لك. وبعدين، حتى لو أنتِ في نظري زي القمر في كل حال.
سابها فجأة، وطلع برا الأوضة.
عدت نص ساعة. وشذى كانت قاعدة على السرير، مستنية. قلقانة.
دخل شايل كيس.
شذى بقلق: هو انت كنت فين؟ افتكرتك هتنام.
ضحك وقال: لا نوم إيه بس، رحت أجيب لك شوية حاجات.
قالت بابتسامة صغيرة: حاجات إيه؟!
قال بإبتسامة صغيرة: استني.
وراح قعد جنبها، وطلع من الكيس وقال بفخر: بصي يا ست الكل.
روج.
روج.
ايلاينر.
روج.
وبعدين وقف فجأة.
قال:
لابسة لا لنسز. أهم حاجة.
قالت باستغراب: نسيت إيه؟
تميم قال بمنتهى الجدية: الرماشة.
قالت باستغراب: إيه الرماشة دي؟
قال بجدية: مش عيب عليكي تبقي بنت ومش عارفة الرماشة؟ اللي بتطول الرموش.
قالت وهي بتضحك: تقصد المسكرة.
رد عليها بثقة: مسكرة إيه بس، انتِ ايش فهمك. اسمها رماشة.
ضحكت من قلبها، وقالت: عندك حق فعلًا. يعني حافظ اسم الايلاينر ومش حافظ المسكرة؟ يا شيخ عيب عليك.
وقعدوا يضحكوا. ضحك صادق. من القلب. وسط الوجع.
الأيام عدت. تقيلة. طويلة. وتميم ما سابهاش.
كان يشوفها وهي خارجة من أوضة الكيماوي، وشها أصفر. جسمها بيرتعش.
كان يسمع صراخها من الألم، ويقف برا. قلبه بيتقطع، ومش قادر يعمل حاجة غير إنه يستنى.
لحد ما في يوم، وهم قاعدين سوا، وشذى كانت هادية على غير العادة.
قالت له:
تميم، أنا كنت عايزة أقولك على حاجة مهمة.
بصلها باهتمام وقال:
قولي يا عيون تميم.
قالت:
من فترة، كانت بتجيلي رسايل.
لسه ما كملتش، والباب اتفتح فجأة. وتاج دخلت.
شذى بصت لها اتصدمت. وتاج قربت منها وقالت ببرود:
ألف سلامة عليكي يا شذى.
وبعدين لفت لتميم، وقالت بابتسامة واثقة:
عامل إيه؟ إن شاء الله تكون بخير.
تميم قال بهدوء:
الحمد لله.
قربت أكتر، وقالت بجرأة:
تميم، أنا سمعت كلام. وعرفت إنك بتحبني، وإنك خطبت شذى علشان تكون قريب مني.
وسكتت لحظة. وبعدين قالت:
الكلام ده صح؟
شذى بصت لتميم، عينها مليانة صدمة، ووجع، وقالت:
كل الكلام ده صح يا تميم؟
تميم وقف. وشة اتغير. بلع ريقه. وقال بصوت مكسور:
صح.
بص لشذى وقال:
أنا آسف. بس قلوبنا مش بإيدينا. وأنا مش عارف أنسى تاج.
الدنيا لفت بشذى. حست الأرض بتميل.
كمل وهو بيحاول يثبت نفسه:
أنا هفضل معاكِ لحد ما تخلصي علاجك. مش هسيبك. بس بعد كده، كل واحد فينا يروح لحاله.
شذى ما عيطتش. ما صرختش. ما اتكلمتش. بس بصت له. نظرة واحدة. كانت كفاية تكسر أي بني آدم.
موجع. خذلان. حب. واتكسروا كلهم. في نفس اللحظة.
رواية ليست لي الفصل العاشر 10 - بقلم الاء محمد حجازي
أنا آسف، بس قلوبنا مش بإيدينا، وأنا مش عارف أنسى تاج. أنا هفضل معاكي لحد ما تخلصي علاجك، مش هسيبك. بس بعد كده، كل واحد فينا يروح لحاله.
شذى ما عيطتش، ما صرختش، ما اتكلمتش. بس بصت له نظرة واحدة كانت كفاية تكسر أي بني آدم. وجع، خذلانه، حب، واتكسروا كلهم في نفس اللحظة.
فجأة، الصورة قدام عينيها ابتدت تهتز. صوت تاج بقى واطي وبعيد، وكأن حد بيقفل باب تقيل جوه دماغها. وشذى فتحت عينيها على صوت تميم، واقف قدامها، وشه قلقان، وعينيه مليانة خوف.
وقال لها بهدوء ممزوج بتوتر:
يا بنتي، تاج بقالها ساعة بتكلمك. سرحتي وروحتي فينك.
شذى بصت حواليها، المكان فاضي. مفيش غيرها وغير تميم وتاج.
قالت بصوت متلخبط:
موجودة أهو.
تميم ابتسم ابتسامة خفيفة، وحاول يخفف الجو وقال:
طب ماشي. أنا أسيبكم مع بعض شوية وأطلع، هجيب حاجة وأرجع.
طلع.
أول لما الباب اتقفل، تاج قربت منها، ومن غير مقدمات حضنتها، حضن طويل، هادي.
وقالت بصوت مكسور:
أنا آسفة!
آسفة قوي؟ عارفة إن اعتذاري جاي متأخر. بس ما قدرتش أسيبك، وأنا سايبة كل الوجع ده في قلبك.
شذى كانت سامعة، ساكتة، عينيها بس اللي بتتكلم.
كملت تاج:
مش عارفة عملت كده إزاي؟
شذى قالت بهدوء:
عملتي ايه؟
تاج بإنهيار:
أنا اللي كنت ببعت الرسائل. أنا مش حد غيري. أنا عمري ما حبيت تميم، ولا حتى كنت عايزاه. بس ما أعرفش ليه عملت كده. غيرة، نقص، وجع، حاجات كتير خلتني أبقى إنسانة مش شبه نفسي.
قربت أكتر ومسكت إيد شذى، وقالت وهي بتعيط:
سامحيني، يا صاحبة عمري، يا أنضف إنسانة دخلت حياتي. انتي ما تستاهليش كل اللي حصلك ده. ولا الوجع، ولا المرض، ولا الخذلان.
شذى دموعها نزلت، من غير صوت. وقالت:
طب ليه؟
تاج قالت:
عشان انتي قوية، نضيفة، بتضحكي من قلبك. وأنا طول عمري تايهة، طول عمري بخرب اللي حواليا. كنت فاكرة، لو بعدتك عن تميم هترتاحي، لكن كل مرة كنت أبعت رسالة كنت بحس إني بأوسخ أكتر.
شذى قالت بوجع:
وانتي ما فكرتيش فيا، في اللي ممكن يحصلي؟
قالت وهي بتعيط:
فكرت. بس كنت أنانية، كنت بعمل اللي يريحني حتى لو على حسابك.
قربت منها تاني، وقالت:
سامحيني. مش عشان أرتاح، لكن عشان انتي تستاهلي. حتى لو مش هتسامحيني.
شذى سكتت شوية وبعدين قالت:
اللي حصل حصل. وأنا تعبانة. مش عايزة أشيل في قلبي أكتر من كده.
تاج كملت:
إن شاء الله تقومي بالسلامة وتبقي أحسن مني ومن الدنيا كلها. وإن شاء الله أحضر فرحك وأبقى واقفة أزغرط لكم من قلبي. وقفت، مسحت دموعها. وأنا ما أستاهلش السماح. بس كنت محتاجة أقول الحقيقة. وأوعدك عمري ما أوجعك تاني. عن إذنك.
ومشيت.
المكان فاضي تاني، وشذى قاعدة، حاسه إن روحها تعبت. بس في نفس الوقت في حاجة اتقفلت، جرح قديم اتقفل، حتى لو بسيط.
الباب اتفتح وتميم دخل. قرب منها على طول، ومسك إيديها. إيده كانت دافية وثابتة.
بص لها وقال بقلق:
مالك؟ وشك متغير!
شذى بصت له، وعينيها مليانة دموع، وقالت بصوت ثابت رغم التعب:
تميم. لازم نتكلم. ضروري.
قال بسرعة:
بعدين. مش دلوقت. انتي تعبانة.
شدت على إيده وقالت بإصرار:
لأ دلوقتي. لازم نقفل القديم. كلهم مرة واحدة. علشان نعرف نكمل أو نوقف. بس نبقى صريحين. مش هينفع نأجل. لازم نقفل كل حاجة في الماضي، ونبتدي صفحة جديدة واضحة من غير أسرار.
تميم سكت وشد على إيده. مستني يسمع.
شذى بصّت له وهو ماسك إيديها، صوتها كان واطي، بس ثابت. وقالت:
تميم… انت كنت بتحب تاج؟
الكلمة نزلت عليه فجأة. اتشد مكانه. عينه وسعت وسكت ثانيتين كأن نفسه اتقطع.
كنت موهوم. قرب منها أكتر وابتدى يتكلم من غير ما يبص في عينيها في الأول.
كنت فاكر إن ده حب. بس الحقيقة؟ أنا كنت خارج من حجات كسرتني حرفيًا. مش تعب. كسرة. سافرت أشتغل، قلت أرجع أدخل البيت من بابه وأعمل الصح. رجعت لقيتها اتجوزت.
رفع عينه وبصلها وقال بوجع هادي:
رضيت. والله رضيت. بس كنت موجوع. موجوع أوي. كل يوم أقول خلاص عدّت. بس لا. الوجع كان قاعد. لحد ما في يوم أمي قالت لي: يا ابني ده مش حب ده إعجاب. وده جرح قديم، ليه ما تستخيرش؟ ليه ما تفتحش صفحة جديدة؟
وسمعت كلامها. رشحتك عروسة ليا. ابتسم ابتسامة خفيفة مكسورة. لقيت نفسي مستريح. من غير سبب. استخرت. وقلت ما أسيبش الإحساس ده. في حاجة جوايا كانت بتشدني لك. مش فاهمها. بس قوية. ولما عرفت إني كنت مدمن وانتي وافقتي.
كمّل كلامه وهو مصدوم.
أنا استغربت. استغربت نفسي قبل ما أستغربك. أنا ما قلتلكيش من الأول. مش خبث ولا كدب. كنت خايف. خايف تبعدي وأنا لسه متعلق. كنت مستغرب ليه اتعلقت بيكي كده؟ ليه وجودك بيفرق؟ ليه ما بحبش اليوم إلا لما أسمع صوتك؟ كنت فرحان. فرحان بجد. إنك كمّلتي. إنك ما هربتيش.
وبعدين… لقيتك بتتغيري. صوته علي شوية ومكسور. كنت هموت أعرف ليه؟ كنت بموت وأنا شايفك بتبعدي وأنا مش فاهم. ولما عرفت الحقيقة اتصدمت تاني مرة. بس يا شذى. أنا معاك. فاهمة؟
قرب أكتر. مسك وشها بإيديه.
أنا عمري ما هسيبك.
سكت وعينه لمعت.
شذى كانت سامعة وبتعيط من غير صوت. وبعدين اتكلمت:
من أول يوم شفتك فيه، وأنا حاسة بحاجة غريبة.
ابتسمت وسط دموعها.
إعجاب؟ يمكن. رخامة؟ آه بصراحة. بس كنت مشدودة ليك. كان في حزن في عينيك غريب. كان بيوجعني. كنت هموت أعرف سببه. ولما عرفت إنك انت اللي متقدم لي. فرحت.
بصّت له وقالته بصدق:
فرحت قوي. كنت العوض بعد كل اللي شوفته. ولما اتخطبنا حسيت إني أخيرًا مش لوحدي.
صوتها هدي فجأة. وبعدين تعبت.
رحت كشفت وعرفت أن عندي لوكيميا. ما كنتش عايزة أخليك تتوجع. كفاية الحزن اللي في عينيك وكفاية كل اللي مريت بيه. عشان كده كنت عايزة أخليك تبعد. عشان لما أموت ما تتكسرش أكتر. أنا حاسة إني…
ما لحقتش تكمل.
تميم قرب فجأة. حط إيده على بُقّها.
بصّ لها وعينه بتعيط.
أنا بحبك. بحبك أوي.
شدّها في حضنه قوي وهو بيعيط وهي بتعيط. من غير كلام. غير نفسين متلخبطين وقلبين ماسكين في بعض عشان يعيشوا. وتعرف أول لما تاج دخلت أنا جالي تهيؤات: أن انت خلاص مش عاوزني تاني، وعاوز ترجع لتاج. أول لما أخف؟ لما فوقت حمده ربنا في سري بجد إنه مش حقيقة.
شذى كانت لسه في حضنه، دموعها ساكتة، بس جسمها بيرتعش. تميم شدّها أكتر، كأنه خايف تسيبه حتى وهو حضنها. سكتوا شوية. السكوت كان تقيل. تقيل أوي.
وبعدين شذى بعدت وشوية، رفعت عينيها له وصوتها مبحوح:
عارف يا تميم، أنا طول عمري فاكرة إن الحب هو كل حاجة. إن لو بنحب بعض الدنيا لازم تمشي.
ابتسمت ابتسامة حزينة.
بس وأنا تعبانة وأنا ضعيفة وأنا شايفة نفسي بتقع قدامي في المراية اكتشفت إن الحب لوحده مش كفاية.
سكتت لحظة. وبعدين كملت بهدوء:
الحُب مش كفاية في العلاقة. فيه حاجات أهم من الحب. لو مش موجودة العلاقة دي عمرها ما تنجح.
رفع راسه يسمعها وهي بتعدّد وكأنها بتفتّش جوا قلبها.
زي التفاهم. إنك تفهمني من غير ما أتكلم. والراحة في التعامل. إني ما أحسش إني تقيلة ولا عبء ولا محتاجة أمثل. والحنية. مش حنية كلام. حنية فعل. وإيد تمسك وصوت يطبطب. والتقدير. إني أتحب وأنا ضعيفة. مش بس وأنا قوية.
بصّت له وعينها بتلمع.
لو الحب موجود وكل الحاجات دي مش موجودة يبقى الحب ده مالوش لازمة.
تميم سكت. الكلام دخل قلبه، مش دماغه. قرب منها تاني ومسح دموعها بإصبعه:
عارفة ليه أنا متمسك بيكي؟
هزّت راسها لا.
أنا حاسس معاكي براحة عمري ما حسّيتها قبل كده. أنا ما بحتاجش ألبس قناع ولا أبين أقوى ولا أضحك وأنا من جوه مكسور. معاكي أنا أنا.
صوته واطي بس ثابت.
أنا اتعلمت من وجعي إن الحب لوحده بيوجع. لكن الحب مع حنية بيطبطب. الحب مع تقدير بيشفي. الحب مع تفاهم بيكمل.
لمسك إيديها وحطها على قلبه.
القلب ده اتكسر كتير. بس أول مرة يحس إنه في أمان.
قرب جبينه من جبينها.
أنا ما حبيتكش عشان شكلك ولا عشان ظروفك ولا عشان دور الضحية. أنا حبيتك عشان روحك. وعشان وإنتي تعبانة لسه نقية.
شذى دموعها نزلت تاني. بس المرة دي كانت أهدى.
وأنا، أول مرة أحس، إني مش لوحدي، حتى وأنا بموت خوف.
حطت راسها على صدره.
لو ربنا كتب لي عمري فهو عشان اللحظة دي. عشان الإحساس ده.
شدّها في حضنه، وعينيه دمعت:
وإن كتب لك شفاء فأنا جنبك. وإن كتب لك تعب فأنا ضهرك. وإن كتب لك خوف فأنا أمانك.
سكت لحظة. وبعدين قالها من قلبه:
أنا بحبك. بس الأهم. إني محتاجك. وحابب وجودك. زي ما انتي.
وهي فضلت في حضنه وكأنها لأول مرة تحس إن الحب مش بس كلمة. ده حضن وصبر ونفس بيكمل.
ابتدت الأيام تعدّي. مش بسرعة ولا بسهولة. بس كانت بتعدّي. تاج أول مرة في حياتها تبص لنفسها في المراية من غير قسوة ومن غير كره. راحت لمحمود. وقفت قدامه. صوتها واطي، وعينها مكسورة:
أنا مش عارفة أنا عملت كده إزاي، ولا إزاي وصلت للدرجة دي. بس أنا آسفة. آسفة بجد.
محمود بصّ لها. ما قالش كتير. بس في نظرته كان في راحة. كأن صفحة اتقفلت أخيرًا. بعدها تاج أخدت خطوة عمرها ما كانت فاكرة إنها هتاخده. راحت لدكتور نفسي. بدأت تتعالج، تواجه نفسها. مش تبرر ولا تهرب. بدأت تتعلم تعيش. مش تأذي ولا تتعلق بالوجع.
وفي الناحية التانية كان حب شذى وتميم بيكبر بهدوء. مش حب كلام ولا وعود كبيرة. حب أفعال صغيرة. بس ثابتة. شذى ابتدت تخف يوم عن يوم. وجع أقل. ضحكة أطول. وتميم ما سابهاش لحظة. في العلاج. في التعب. في الصمت. في الخوف.
اتجاوزوا. ومن غير دوشة ولا مظاهر. بس بقلوب مطمئنة. لحد ما في يوم دخلوا عند الدكتورة علشان آخر نتيجة. الدكتورة ابتسمت، وقالت بهدوء:
أنا عندي لكم خبرين. خبر حلو، وخبر وحش.
تميم مسك إيد شذى، وقال من غير تردد:
قولي الحلو الأول.
الدكتورة:
الحمد لله. مدام شذى خفّت، وبقت زي الفل. بقت من محاربين السرطان.
شذى دموعها نزلت. وتميم ابتسم. ابتسامة عمره ما نسيها.
الدكتورة كملت:
الخبر الوحش إن الحمل دلوقتي صعب. ممكن يحصل. بس محتاج علاج مكثف. سنتين، تلاتة. ممكن أكتر.
تميم رد من غير ما يفكر ولا ثانية:
مش فارق معايا. أهم حاجة إنها بخير. دي بنتي، وأختي، وحبيبتي، وكل الدنيا.
الدكتورة ابتسمت وقالت:
ربنا يخليكم لبعض.
أول ما خرجوا. شذى وقفت، وبصّت له بحزن خفيف:
تميم. كفاية عليك لحد كده. أنا مش عايزة أحرمك من الخلفة كمان.
ضحك وشدّها من إيدها:
امشي يا شِبر وربع، وبطّلي هبل. هو أنا كنت بحبك علشان كده؟
عدّت الأيام. وبعدها سنين. أربع سنين. فيهم تغييرات كتير. محمود اتجوز. وتاج كملت علاجها وبدأت حياة جديدة. وبعدها اتجوزت. وتميم وشذى. حبهم كل يوم بيكبر. لسه العلاج مكمل، لسه الأمل موجود.
وفي يوم تميم رجع من الشغل. فتح الباب. البيت هادي. لاقى شذى واقفة، وشها منوّر، وعيونها بتلمع. قال مستغرب:
في إيه؟
قربت منه. حطت إيده على بطنها. وقالت بصوت بيرتعش من الفرحة:
أنا حامل.
تميم وقف. مش فاهم. وبعدين استوعب. ضحك، عيّط. حضنها وقال بصوت مكسور من الفرح:
ربنا كريم. أوي.
وهي لسه في حضنه. تميم قال:
ما تحكمش على الناس من أفعالهم الأولى، ولا تفسّر الوجع خيانة. أوقات الخوف بيخلّي أحسن الناس يؤذوا اللي بيحبوهم وهم فاكرين إنهم كده بيحموهم. واللي بيحب بجد مش اللي ييجي وقت السعادة، ده اللي يفضل واقف وقت المرض والتعب والاختبار. ربنا دايمًا بيعوض اللي صبر، حتى لو العوض اتأخر، بييجي أجمل مما كنا نتمنى.
وبعد كده طلعها وقال:
الحـُــبّ بالحُــبّ ،و الدّعـوة بالدَعــوة ،و البَــادئ أجمَـل.
فردت شذى بحب:
الدّعـوة بِـوِدّ ،و الحـبّ يمتـدّ ، و البـادئ أصــدَق.
وفي الخلفية الست وهي بتقول: يـَ حَبيب إمبارح وحَبيب دِلوقتِ ، يـَ حبيبِ لِبُڪرة ولأخر وَقتي.