تحميل رواية «ليس لها ذنب» PDF
بقلم ميلي ميس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت قاعدة على الأرض، تحت رجليّ والدها. الراجل اللي وشّه ماكانش باين عليه أي إحساس. عيناه فاضية، صوته ساكت، وكأن قلبه مات من زمان. وهي، كانت منهارة. دموعها بتنزل على خدّها من غير توقف، وإيديها بتترجّاه: – "أرجوك... أرجوك يا بابا، مش عايزة أتجوّز... بلاش، بالله عليك..." لكن قبل ما يرد، دخلت زوجة أبوها الكلام وهي واقفة على السلم، نظرتها كلها قسوة، وصوتها حاد كالسيف: – "هتتجوّزي غصب عنك! أنا مش هارمي بنتي أنا في الجحيم علشان غلطة عملها أبوك زمان!" سكت البيت للحظة. بس السكون كان مخيف، كأن الجدران نف...
رواية ليس لها ذنب الفصل الأول 1 - بقلم ميلي ميس
رواية ليس لها ذنب الفصل الاول 1 - بقلم ميلي ميس
كانت قاعدة على الأرض، تحت رجليّ والدها... الراجل اللي وشّه ماكانش باين عليه أي إحساس. عيناه فاضية، صوته ساكت، وكأن قلبه مات من زمان.
وهي، كانت منهارة... دموعها بتنزل على خدّها من غير توقف، وإيديها بتترجّاه:
– "أرجوك... أرجوك يا بابا، مش عايزة أتجوّز... بلاش، بالله عليك..."
لكن قبل ما يرد، دخلت زوجة أبوها الكلام وهي واقفة على السلم، نظرتها كلها قسوة، وصوتها حاد كالسيف:
– "هتتجوّزي غصب عنك! أنا مش هارمي بنتي أنا في الجحيم علشان غلطة عملها أبوك زمان!"
سكت البيت للحظة... بس السكون كان مخيف، كأن الجدران نفسها كانت بتشهق من هول الكلام.
البنت بصّت لوشّ أبوها، بتدور فيه على شوية رحمة... بس مافيش، كان تمثال.
وصرخت تاني، بصوت موجوع:
– "أنا بنتك برضه... إزاي تعمل فيا كده؟"
فجأة، انفجر أبوها بغضب زي العاصفة، ووشّه اتقلب نار.
مدّ إيده، ومسكها من شعرها بعنف يخوّف، ورفعها ناحيته وهي بتصرخ من الوجع.
– "اسمعي كويس يا بنت!
النهاردة بالليل، كتب كتابك على سليم الأسيوطي...
فاهمة؟ سليم الأسيوطي!
وإلّا... هيشيل العيلة دي من الوجود!"
كلامه كان زي السيف، بيقطع في قلبها.
عينه ماكانتش عين أب، كانت عين جلّاد.
وهي، كانت بتترعش... مش من الخوف، لكن من الخيانة.
صوتها اتغير... ما بقتش بتعيط،
بقت بتتكلم بصوت متهزّش، كأن كل الحزن اتحوّل جمر في صدرها.
– "ليه ما جوّزتش واحدة من بناتك؟
ليه أنا؟
دلوقتي بس افتكرت إن عندك بنت؟
فين كنت لما كنت بعيّط من الجوع؟
فين كنت لما السقف كان بيشرّ علينا مَيّه؟
ولا لما أمي كانت بتطلع من بيت لبيت تشتغل خدامة عشان نعيش؟
ماتت وهي واقفة على رجليها، وإنت ما سألتش حتى إذا عايشة ولا لا!"
بصّت له بعينين مولعة من القهر:
– "عارف إيه المضحك؟
إني صدقتك... لما جيت امبارح، بعد شهور من موت أمي،
وقلتلي: هتاخدي مكانك وسط إخواتك،
أنا... صدّقت إنك ندمت.
قلت يمكن قلبك وجعك، يمكن ربنا صحّاك!
بس لا...
كنت بس بتدور على ضحية، على كبش فداء،
بنت مالهاش حد، تقدر ترميها في النار،
وتنقذ بيها بناتك اللي من مراتك!"
صفعها والدها بغضب، وصوته دوّى في المكان:
– "إياكِ... إياكِ تحاولي ترفعي صوتك عليّ مرة تانية، فاهمة؟ يلا غوري من قدامي!"
نظرت إليه بعيون منكسرة، ما ردّتش، ولا حتى دمعة نزلت،
بس مشيها للغرفة اللي مخصّصينها للخدم كان تقيل...
كأن كل خطوة فيها كانت بتدفن حلم.
وفي نفس اللحظة، ظهرت ثريا، زوجة الأب،
وهي بتقترب من حازم بخفة ومكر في عينيها،
ولسانها يقطر خبثًا:
– "ما كنتش أتوقّع إن حبك القديم لتلك الخادمة
يومًا ما… حيكون له فايدة."
رمقها حازم بنظرة حادة، فيها تحذير،
لكنها كملت كلامها بدون تردد:
– "شُفت؟ الحمد لله إن عقلي اشتغل بسرعة
وخليتك تجيب البنت دي…
وإلا كانت واحدة من بناتنا دلوقتي هي اللي هتترمي في النار!
ردّ عليها حازم، بنبرة فيها خيط تعب مش مفهوم:
– "هي بنتي برضه، يا ثريا..."
لكن قبل ما يكمل، قطعت كلامه بضحكة باردة:
– "بنتك؟
اللي أمها كانت خدامة؟
بلاش نرجّع فصول قديمة، يا حازم.
دي مش بنتك... دي ورقة،
ولازم نلعبها صح.
وعيلة الأسيوطي مش لازم يعرفوا الحقيقة و أهم حاجة لازم يفكرو انها بنتي و اننا نحبها
النهارده كتب الكتاب، وبكره نكون نسينا."
ضحكت ثريا ضحكة مكتومة، كلها سمّ:
– "علشان تذوق العذاب.
زي ما أمها ذاقته قبلها."
في جهة أخرى من قصر الأسيوطي،
وقف سليم الأسيوطي، بكامل هيبته وجبروته،
مرتديًا بدلة قاتمة تعكس سواد الأيام اللي عاشها،
وعيناه تلمعان بشرر الحقد، أمام والدته الجالسة في صمتٍ مهيب.
قال بصوتٍ خافت،
لكن كل حرف فيه كان سكين:
– "جاء الوقت...
الوقت اللي هنتقم فيه لموت أبوي وأختي،
من حازم الجبّار."
اقترب خطوة، نبرته امتلأت بوعدٍ لا رجعة فيه:
– "هخليه يشوف الموت وهو عايش،
هخليه ينزف زي ما قلبي نزف،
هخليه يصرخ… زي ما صرخت أمي فوق جثة أبوي،
هدمّر كل حاجة بُناها…
سمعته، شراكاته، فلوسه… وحتى بنته."
لحظة صمت...
ثم انسحب بذاكرته، كأن الزمن بيرجعه سنين وراه…
قبل ثلاث عشرة سنة، كان عمره فقط 15 سنة…
يوم دخل أبوه المكتب، ووشه ملوّن بالخذلان،
بعد ما حازم خدعه،
بعد ما سرق منه كل حاجة،
وسابه يتهاوى في حضن الإفلاس،
شراكة دامت سنين، ضيّعها حازم في ليلة.
وصوت الأطباء بيرن في أذنه لحد اليوم:
– "العملية لازم تتم في الخارج خلال أسبوع،
وإلا قلبها مش هيستحمل..."
لكنهم ما لحقوش...
لأنهم ما قدروش يدفعوا!
وماتت أخته...
ومات بعدها أبوه من القهر...
عاد سليم من دوامة الذكرى، ويده مشدودة على طرف المقعد كأنها بتكتم عاصفة داخله،
حين دخلت زوجة عمّه، وقالت بصوتٍ حازم:
– "جه الوقت، يا سليم...
يلا نروح."
رفع عينه ليها، وبرودة قاتلة في ملامحه:
– "جاهز...
والحرب لسه ما بدأتش."
ستوب أعرفكم بالشخصيات
🌹 نور الجبّار
بنت جميلة جدًا، شعرها أحمر زي اللهب، وعيونها زرقاء كأنها البحر، وبشرتها بيضا صافية كأنها لسة مولودة. عندها 20 سنة، طيبة قوي وبنت ناس، بتحب تساعد الكل ودايمًا بتضحك وبتدي طاقة حلوة في أي مكان تروحه. أمها توفت من شهر، وده كسرها جدًا، بس رغم كده، ماحدش حس بوجعها عشان دايمًا قوية ومكملة. بتدرس طب في أكبر كلية في مصر بمنحة، يعني مش بس جميلة، دي كمان شاطرة وطموحة. بس هي لسه مش عارفة إنها داخلة عالم كله وجع وخيانة، وعينها هتفتح على الحقيقة قريب.
🐺 سليم الأسيوطي
عنده 29 سنة، اسمه بس كفاية يخلي أي حد يسكت مكانه. معروف في كل البلد، ليه هيبة ومكانة، وناس كتير بتهابه. عيونه عسلية وفيها نظرة تخوف، بشرته قمحاوية وجسمه رياضي، راجل من الآخر. اتظلم كتير في حياته، وشايل جوا قلبه حكايات ماحدش يعرفها، وده اللي خلاه قاسي ومابيصقش في حد. شايل همّ كبير، وبيسعى لحق ضايع من زمان… لحد ما نور تدخل حياته وتلخبط كل المعادلات.
🧱 حازم الجبّار
راجل في الخمسينات، مالوش شخصية خالص، مراته هي اللي بتحركه زي العروسة الماريونت. كان ليه شغل مع أبو سليم، بس خان العيش والملح وسرقه، وده قلب الدنيا من ساعتها. دلوقتي هو مجرد اسم، لا يهش ولا ينش، وسايب مراته تظلم في اللي حواليها براحتها.
🐍 ثريا
مراته حازم، ست ماكرة جدًا، دماغها شغالة 24 ساعة، بتحب السيطرة ومابتعرفش تقول "لأ". شايفة الدنيا لعبة وهي اللي لازم تكسب في الآخر، حتى لو الناس كلها اتحرقت. عندها 3 أولاد، وبتحبهم جدًا بس بطريقتها السامة.
👔 ياسين الجبّار
الابن الكبير لثريا، عنده 26 سنة. شايف نفسه جامد جدًا، ومابيحبش حد يراجعه. أناني ومغرور، متربي على إيد أمه، وبيستغل اسم عيلته عشان يفرض نفسه.
---
💄 نرمين الجبّار
عندها 24 سنة، بنت أمها في كل حاجة، ناعمة وهادية في الشكل، بس جواها نار. عندها غيرة قاتلة، وبتحب تتحكم وتقلل من أي واحدة تحس إنها أحلى أو أذكى منها.
🎀 لينا الجبّاى
في نفس سن نور، 20 سنة، بس مختلفة شوية عن إخواتها. مش واضحة، ساعات تبان طيبة وساعات تبان ماشية ورا أمها، ولسه محدش عارف هي هتكون إيه في الآخر… ملاك؟ ولا شيطان؟!
🐾 زمرد
أم سليم، ست شخصيتها قوية أوي، باين عليها القسوة، بس اللي يعرفها كويس يعرف إنها طيبة جدًا، بس بتخبي ده ورا وش حاد. شافت كتير في حياتها، وده اللي خلاها تعلم سليم يبقى قاسي عشان ماحدش يأذيه
🦂 سمية
زوجة عم سليم، ودي بقى مصيبة لوحدها، لو ثريا شريرة، فدي شيطان متنكر في شكل بني آدم. دايمًا بتحرض، دايمًا بتوقع الناس في بعض، ومابتعرفش تفرح إلا لما تشوف حد بيتبهدل. بتحقد على زمرد وعلى سليم، وبتتمنى تشوفهم واقعين بأي طريقة.
🧨 سارة
بنت سمية، زي أمها بالظبط. بتحب سليم من وهي صغيرة، ومابتتقبلش فكرة إنه يبص لواحدة غيرها. شكلها بريء، بس جواها نار من الغيرة والأنانية، وبتعرف تلبس قناع الطيبة كويس جدًا
👶 ليلى
أخت سليم، متجوزة من صاحبه، وعندها توأم. حنونة وعاقلة، دايمًا بتحاول تخفف عن أخوها وتخليه ماينجرفش ناحية القسوة اللي ماشية بيها الدنيا حواليه. بتفهمه من غير ما يتكلم، وهي الوحيدة اللي تقدر توقفه لو فقد أعصابه.
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية ليس لها ذنب الفصل الثاني 2 - بقلم ميلي ميس
في بيت الجبّار، كانت التحضيرات على قدمٍ وساق. الزينة تملأ القصر، والضيوف على وشك الوصول، وكل شيء جاهز لحفل زفاف يُفترض أن يكون سعيدًا… إلا في غرفة تقع في نهاية الرواق الطويل، حيث جلست نور منهارة فوق سريرها، وعيناها دامعتان، ويديها ترتجفان.
لم تستوعب بعد أنها على بعد ساعات من أن تصبح زوجة لرجل لا يحبّها، بل يحتقرها… رجل كل ما يريده منها هو الانتقام لما فعله والدها.
فُتح باب الغرفة بعنف، ودخلت نيرمين وعلى وجهها تعبير ازدراء واضح، وهي تحمل الفستان الأبيض ببرود:
— الفستان يا هانم، ياريت تتجهزي بسرعة… العريس على وصول!
رفعت نور رأسها بحدة، وعيناها ممتلئتان بالدموع والغضب:
— مستحيـــــل! أنا مش هتجوزه! حتى لو دا آخر يوم في عمري!
في قصر الأسيوطي، كان المشهد مختلفًا تمامًا… سارة تتدلّع في أحضان سليم، في وضع أقلّ ما يُقال عنه إنه غير لائق، وهمست له وهي تقترب من أذنه:
— كان نفسي تبقى كتب كتابك عليّ النهاردة بدل الحقيرة دي…
ابتسم سليم، ابتسامة باردة كلها خبث:
— ما تنسيش يا سارة… أنا بتجوز بنت الواطي دا علشان أوجعه… وعلشان أحرق قلبه.
اتجه بخطاه الثقيلة نحو الباب وهو يقول ببرود:
— جه الوقت إني أروح أتمم على الانتقام…
في قصر الجبّار، كانت نيرمين قد وصلت للصالون وهي تتنفس بغضب:
— الهانم رافضة تجهّز، وبتقول مستحيل توافق على الجوازة!
ظهر الغضب واضحًا على وجه حازم، فهب واقفًا مستعدًا للصعود إليها بنفسه، لكن ثريا أوقفته بوضع يدها على ذراعه، وابتسامة خبيثة على وجهها:
— استنى… عندي خطة.
وبعد لحظات، كان حازم يدخل غرفة نور، ملامحه حزينة، وعيناه فيهما شيء لم تره من قبل… الندم.
اقترب منها ببطء، وصوته يخرج ضعيفًا كأنه يستجدي الرحمة:
— نور… يمكن عمري ما كنت الأب اللي تستحقيه… بس صدقيني، كنت بحبك.
كنت بتابعك من بعيد، وأمّك اللي كانت دايمًا رافضة أقربلك.
ومن يوم ما عرفت إن أيامي معدودة… ما بقيش عندي وقت.
نظرت له نور بعينين دامعتين. وبرغم كل شيء… هو والدها، قطعة من دمها.
همست بصوت مرتجف:
— كذّاب… لو كنت بتحبني فعلًا، ما كنتش تبيعني لسليم!
أنت عارف إنه بيتجوزني علشان ينتقم… وبتعمل كده علشان تنقذ بناتك التانيين؟
اقترب منها أكثر، وصوته صار أكثر دفئًا وصدقًا:
— لا يا نور… انتي فاهمة غلط.
أنا مختارتكيش علشان أنقذ إخواتك… أنا اخترتك علشان انتي الأقوى فيهم.
نيرمين اتدلّعت طول عمرها، ما تقدرش تتحمّل ضغطة.
ولينا… انتي عارفة وضعها الصحي.
بس انتي… قلبك قوي.
أنا واثق إنك قادرة تحمي العيلة… قادرة تنقذينا كلنا.
ثم أكمل، وهو يضع يده على صدره، وألم واضح على وجهه:
— أنا ما أجبركش… القرار قرارك.
قلتلك كل اللي في قلبي… والباقي بيدك.
فجأة، فقد توازنه، ومال بجسده وهو يمسك قلبه، مما دفع نور للركض ناحيته صارخة:
— بابااااا!
وفي لحظة دخلت ثريا بسرعة، وصوتها يرتجف من القلق:
— حبيبي! الدكتور قال لازم تبتعد عن أي ضغط!
لكن حازم تمسّك بكلماته، وصوته مكسور:
— نور مش هتتجوز إلا برضاها… ولو رفضت… جهزي نيرمين!
صرخت ثريا بحدّة:
— نعـــم؟!
وما إن انتهت الكلمة حتى صرخ حازم بألم شديد، ممسكًا صدره وكاد أن يسقط.
صرخت نور، وهي تهرع إليه بفزع:
— خلاص! أنا موافقة… أهم حاجة تكون بخير… أرجوك ما تسيبني!
ابتسم والدها، بوجه شاحب وألم يخفي وراءه ارتياحًا:
— كنت عارف… قلبك كبير… وعمره ما هيقبل دمار إخواتك.
نظرت ثريا إلى المشهد، وشفتيها ترتجفان من الداخل، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة ماكرة… لقد نجحت خطتها كما أرادت تمامًا.
بعد مدة وصلت عائلة الأسيوطي إلى بيت "الجبار".
كان الدخول مهيبًا، تتقدّمهم سيارات فاخرة بزجاجٍ أسود يعكس هيبة لا تُقاوم، ومن خلفها خرج سليم بخطى ثابتة كأن الأرض لا تهتز تحت قدميه، تتبعه والدته وسمية بنظراتها المتعجرفة، وإلى جانبهم المأذون الذي بدا كتمثالٍ شاحب وسط هذا الجو المشحون.
دخلوا إلى القصر بكل غطرسة وكأنهم ملوك جاءوا لفرض سيطرتهم، لا كعائلة تزف ابنها.
ثريا وقفت عند رأس السلم تستقبلهم بابتسامة مصطنعة لا تخفي قلقها، بينما ظهر التوتر واضحًا في عيني حازم وهو يخطو نحوهم.
قال سليم بصوت عميق، حاد كالسيف، يخترق الصمت ويهز جدران القصر:
"فين بنتك يا حازم؟ نخلّص بسرعة."
جملة قصيرة، لكنها كفيلة أن تزرع الرعب في قلب كل من سمعها، وبالفعل، ارتبكت ملامح حازم وهو ينظر نحو الخادمة قائلاً بصوت متوتر:
"اناديلي نور حالًا!"
وبينما عمّ الصمت أرجاء المكان، علت أصوات خطوات خفيفة من أعلى الدرج، ثم ظهرت نور.
كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، لا زخارف فيه ولا بهرجة، لكن فيه من الهيبة ما يفوق كل الزينة. طرحة شفّافة تغطي وجهها، تخفي دمعة معلّقة بين الرموش، وتكتم ارتجافة قلبها المكسور.
نزلت السلالم ببطء، كل خطوة كأنها تدوس على كرامتها، لكن في عينيها لمعة تحدٍ خفي، خافتة… لكنها موجودة.
المأذون فتح دفتره، والأنظار كلها على العروس المكسورة والعريس المتجمد، لتبدأ إجراءات كتب الكتاب سريعًا، بلا فرح ولا زغاريد، فقط أصوات تواقيع… وكأنهم يوثقون بداية معركة لا زفافًا.
نهض سليم، وكل حركة منه كانت كأنها أمر عسكري، ونظر إلى نور التي ما زالت تغطي وجهها بالطرحة، بصوتٍ بارد يخلو من أي مشاعر:
— يلا… نروّح.
لم ينتظر ردّها، بل استدار مغادرًا بخطوات واثقة، كأنّ النصر قد كُتب له للتو.
لحقت به نور بصمت، رأسها منحني لكن خطواتها لم تكن ضعيفة… كانت خطوات من تعرف أنها تسير نحو مصير أسود، لكنها لن تنكسر بسهولة.
خلفهم، وقفت ثريا وحازم عند مدخل القصر، يتظاهران بالدموع.
ثريا تمسح عينيها بمنديلٍ حريري، وتهمس وهي تنظر إلى سليم ونور يبتعدان:
— يا رب يسعدهم… ويبعد عنهم الشر.
لكن ابتسامتها الخبيثة التي لم تستطع إخفاءها، قالت كل شيء.
أما حازم، فوقف صامتًا… داخله يموج بين تأنيب الضمير وارتياح غريب… وكأنّه ارتكب جريمة، لكنه يبررها بأنها كانت "من أجل العيلة".
ركبت نور السيارة بجانب سليم بصمت، يده تغلق الباب بقسوة، وكأنّه يسجنها، لا يفتح لها حياة جديدة.
انطلقت السيارة الفخمة وسط نظرات المارة، لكن داخلها، كان الجو مشحونًا، صامتًا… كأنّ الهواء نفسه يختنق.
وصل سليم إلى القصر، وفتح الباب بصوت حاد، ليترجل من سيارته وسط جو مشحون بالتوتر. نظر إلى تلك المسكينة الجالسة أمامه على المقعد، ليصرخ بها بعصبية:
— يلا انزلي!
قفزت نور من مكانها، قلبها يكاد يقفز من صدرها، ثم نزَلت بخوف عميق من صوته القاسي. قبل أن تلمس قدمها الأرض، كان قد جذبها من كتفها بقوة، وسمعت صرخة ألم تخرج منها دون إرادة. واصل سحبها نحو القصر، بينما الألم يعصر قلبها، ودموعها تتأرجح على أطراف جفونها.
دخلوا القصر معًا، خطوات سريعة نحو الطابق العلوي. سليم دفعها نحو الغرفة ثم أغلق الباب وراءه بعنف. وقف أمامها، ملامحه صارمة وعينيه مشتعلة بغضب وحقد. اقترب منها بشكل مباغت، صوته عميق وخشن، يخرج وكأنه عاصفة هوجاء، تتناثر فيها كلمات السم:
— اسمعيني كويس... إياك تفكري في يوم تكوني زوجتي. أنتي هنا أقل من الخدامة، حتى تزوجت بيك فقط لأكسر أبوك، ورح خليكي تشوفي النجوم في السما. فاهمة؟!
نور كانت ترتعش، جففها الخوف، ولم تستطع أن ترد. مجرد كلماتها كانت تزن الأرض عليها، فصمتت، عيناها معلقة بالأرض، تتمنى أن يبتلعها الفضاء.
لكن سليم لم يرحمها. اقترب منها أكثر، وأرسل صفعة مفاجئة على وجهها، جعلت شفتها ترتعش تحت الطرحة. ثم صرخ بها، صوته يقطع الصمت كالسكين:
— لما أكلمك، تجاوبي! فاهمة؟!
ارتعشت نور كأوراق الشجر في عاصفة، ولم تستطع إلا أن تهز رأسها بسرعة، وقد تجنب وجهها أن يلتقي بعينيه المشتعلتين:
— حااااضر.
لكنه لم يكتفِ بذلك، بل نظر إليها نظرة حادة، وكأنما يريد سحق ما تبقى من كرامتها. ثم نطق بكلماتٍ غاضبة:
— شيلي الطرحة. أو... لتكوني قبيحة.
أصوات قلبها تتسارع في صدرها، كأنها تضغط عليها وتمنعها من التنفس، ولكنها كانت تعلم أن الجواب لن يكون إلا واحدًا… فقد أغلقت كل الأبواب حولها.
ليقترب منها بحركة مفاجئة يشد الطرحة لينصدم و......
رواية ليس لها ذنب الفصل الثالث 3 - بقلم ميلي ميس
شد عليها الطرحة بعنف وسليم اتسمر مكانه. كان واقف قدام حرية كاملة رغم دموعها اللي ورمت عينيها وخليتهم زي البحر الموج فيه عالي، لونهم أزرق غامق بيغلي بالحزن. شعرها الأحمر كان سايب على كتفها زي لهب، وشفايفها الوردية بتتهز من الرعب، وبشرتها بيضا وباينة فيها كل وجعها.
فضل سليم باصص لها، سرح فيها، كأنه أول مرة يشوفها. قرب منها بهدوء غريب، وهي رجعت لورا، خطوة بعد التانية، لحد ما ضهرها خبط في الحيط. عنيه كانت سودة، مليانة حاجة مش مفهومة، بس أكيد مش طيبة.
قرب من وشها، من شفايفها، وهي نفسها اتقطع.
بووووم!
صفعة قوية فاجأته، من كفها الصغير اللي رغم رعشته ضربته بكل ما فيها.
سليم حط إيده على خده، بص لها بنظرة كلها نار.
شدها من شعرها وصرخ:
"إنتِ جبتي أجلك!"
وبدأ يضرب فيها، صفعة ورا التانية، وهي بتعيط وبتصرخ، بتحاول تغطي وشها بإيديها، وتنهار بصوت بيرجع القلب:
"أنا آسفة! والنبي سامحني! متعملش فيا كده!"
"أرجوك كفاية!"
"أنا مش مستحملة، حرام عليك!"
لكن من غير فائدة. شدها سليم بكل عنف، رماها على السرير كأنها قطعة قماش مرمية، وبدون تردد مزّق الفستان اللي كان مغطيها، وهي بتصرخ بكل ضعفها:
"أرجوك... بعد ربنا، سيبني... ما تعملش فيا كده..."
قرب منها، وهمس في ودنها بكلمة خلت قلبها يقع من مكانه:
"المرة دي هسيبك... بس أوعى تنسي... أنا لما أحب آخد حقي، هاخده... بكيفي، وبمزاجي، غصب عنك وعن اللي خلفوكي."
رجع يبعد عنها، لكن قبل ما يسيبها، بص لها نظرة كلها قسوة وكأنها أقل من خدامة عنده، وكمل بصوت ملوش قلب:
"افتحي ودانك واسمعي كويس... من النهاردة، إنتِ مش أكتر من خدامة في بيتي. تطبخي، تنضفي، وتخدمي، وتنامي هنا... على الأرض زي الكلاب. ولما أندهلك، تجيلي فاهمة؟"
نور كانت مرمية على السرير، دموعها نازلة بدون صوت، جسمها بيرتعش مش بس من الخوف، من الإهانة، من كسر النفس، من إحساسها إنها لأول مرة في حياتها مش إنسانة، مجرد جسد مكسور، مسلوب، لا صوت له ولا حق.
صرخ فيها بصوت خلى الحيطان ترتج:
"لما أكلمك... تردّي! تفهمي!"
جسمها انتفض من الصوت، عينيها توسّعت، وكأن روحها هربت للحظة من جواها، وسرعان ما هزّت راسها بسرعة، وقالت بصوت بيتهز من الرعب:
"فاهمة... فاهمة، والله العظيم فاهمة..."
نبرة صوتها كانت ضعيفة، شبه الهمس، لكنها كانت بتتوسّل، بتطلب الرحمة حتى من الهواء اللي حواليها. كانت بتتكلم وهي مش شايفة قدامها، دموعها مغرقاها، وملابسها ممزقة، ونفسها متقطع، وإيديها بتترعش كأنهم مش قادرين يشيلوا ضعفها.
سليم كان واقف فوقها، صدره بيعلو وينزل من الغضب، عينيه سودة، كأن الرحمة عمرها ما سكنت فيها. بص لها من فوق لتحت كأنها وصمة، وقال بجليد:
"لو نسيتي نفسك تاني... هتندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه."
سكت ثانية، ثم استدار، ومشي من الأوضة وهو بيقفل الباب وراه بعنف، صوت الباب كان كأنه صفعة تانية، بس المرة دي على روحها مش وشها.
نور فضلت مرمية في مكانها، مش قادرة تتحرك. بتحاول تجمع بقايا نفسها من الأرض، بس حتى نفسها مكسور، كأن الضرب ما كانش بس على جسمها، ده كان على كرامتها، على قلبها، على إنسانيتها كلها.
نهضت نور بصعوبة، كل خطوة كانت بتوجعها، بس الألم الحقيقي كان جواها. دخلت الحمام ووقفت تحت المية، سايبة الميّة تنزل على جسمها وكأنها بتحاول تغسل الذل، تغسل خوفها، تغسل كل حاجة سليم كسرها فيها.
كانت بتعض على شفايفها علشان ما تصرخش، بتحاول تكتم صوت الوجع اللي كان بيعلو جواها.
خرجت بعد وقت، لابسة إسدال بسيط، وشعرها مبلول ونازل على كتفها، ووشها شاحب كأن الحياة انسحبت منه. طلعت من شنطتها سجادة الصلاة وفرشتها، وقامت تصلي. ركعت، سجدت، وكامت تدعوا: ربي متسيبنيش ودموعها بتنزل بدون صوت، لحد ما غفت وهي ساجدة، وجسمها من التعب نام على السجادة زي ملاك منكسر بيحاول يلاقي أمانه في سجدة.
في اللحظة دي، كان سليم داخل أوضة سارة.
أول ما عيونها وقعت عليه، جريت له وحضنته بدلع مستفز:
سارة (بهمس متغنّج):
"كنت خايفة العروسة الجديدة تسرقك مني... قلبي مش مستحمل الخوف عليك."
سليم، وهو بيضمها بنظرة فيها نار طالعة من رماد، همس لها وهو ماسك شعرها:
"ما تنسيش لحظة... هي مجرد ورقة، وأنا كتبتها بدم انتقامي. قلبي ليكي، وجسدي ليها... بس روحي مدفونة جوّاي، وما تطلعش إلا وإنتي جنبي."
ضحكت سارة، وغرقت في حضنه، وسليم سايب نفسه لنفسه، كأنه بينسى مين فعلاً بيتوجع دلوقتي.
بعد شوية، دخل سليم أوضته. كانت الضلمة سايبة نور خفيفة على الأرض.
عيونه وقعت عليها... كانت نايمة على سجادة الصلاة، بإسدالها، ووشها لسه فيه آثار دموع، وإيديها محتضنة جسمها كأنها بتحمي نفسها حتى وهي نايمة.
وقف سليم، سكت، وساب عينه تاكل ملامحها.
كانت شبه الملاك، ساكنة، بريئة، وضعها يكسر الحجر.
وقف سليم، لثواني، ساكت، مش قادر يشيل عينه عنها.
لنفسه، بصوت منخفض، وكأنه بيشد قلبه قبل عقله:
"إيه اللي جرالك يا سليم؟ من إمتى بتقف قدام واحدة بالشكل ده؟ دي مش ملاك... دي بنت الراجل اللي قتل روحي قبل ما يقتل أبويا. لا تغرك البراءة... جواها نفس الدم، نفس الخيانة."
شد الباب بإيده، لكن قلبه كان بيتسحب ناحيتها.
كأن في حاجة جواه بدأت تتكسر.
بس بسرعة، لملم بقاياه، وقال لنفسه:
"أنا ما بضعفش... أنا اللي بكسر."
دخل سليم إلى الفراش ورمى جسده المتعب فوقه بلا أي اكتراث، تاركاً المسكينة "نور" ترتجف من البرد على الأرض الباردة. كانت ليلتها طويلة وقاسية، لا غطاء يحميها، ولا وسادة تخفف من وجع قلبها وجسدها. عيناها كانت نصف مغلقتين، وجسدها ينتفض من شدة البرد، لكن التعب كان أقوى من أي شعور آخر، فاستسلمت لنوم ثقيل حزين.
مع بزوغ أول خيوط الفجر، اخترق صوت طرقات متتالية على الباب سكون الغرفة.
سوزي، الخادمة: "سليم بيه، الفطار جاهز، والعيلة كلها مستنياك تحت!"
سليم، وهو يتقلب في الفراش بنعاس: "حاضر... نازل دلوقتي."
نهض بتكاسل من السرير، وفجأة وقعت عيناه على "نور"، النائمة على الأرض كأنها خرقة بالية. وجهها كان شاحب، لكن خدودها محمرة من البرد، وشفايفها زرقاء. وقف للحظة ينظر إليها بلا رحمة، ثم قرر إيقاظها بطريقته المعتادة.
أمسك كوبا من الماء البارد وسكبه فجأة على وجهها.
نور، بفزع وهي تصرخ: "آآه! حاضر! أنا صاحيـــة!"
لكن صرختها قطعت بصوت سليم القاسي، الذي علا كالسياط في المكان:
سليم، بحدة وجمود: "من النهاردة، الساعة ستة تكوني صاحية وتحت مع الخدم! مش عايز أشوفك نايمة تاني! فاهمة؟"
سكت لثوانٍ، ثم أكمل بنبرة أكثر قسوة:
"أهلي رايحين لأختي... وانتي؟ انتي هتنضفي القصر كله لوحدك! ولا واحد من الخدم هيساعدك، دورهم النهاردة في المطبخ بس. لو رجعت ولاقيت نقطة تراب، هخليكي تتمني الموت كل لحظة!"
وقفت نور ودموعها على وشك السقوط، لكنّها أخفتها وهي تهمس:
"حاضر."
خطت نحو الحمّام بخطوات متعبة، وكأنّ كل نفس يخرج منها يحمل معه قطعة من روحها. غسلت وجهها بمياه باردة كأنها دموع الجبال، ثم أسرعت للمطبخ، حيث بدأت يومها في عالم لا يعرف الرحمة.
أما سليم، فنزل إلى الطابق السفلي، حيث كانت عائلته مجتمعة حول مائدة الفطور. فور دخوله، اقترب من والدته وقبّل يدها باحترام، ثم جلس في مكانه المعتاد.
على الطاولة، كانت الأم تجلس بكبرياء، تراقب ابنها بنظرات فخر. بجانبها، جلست "مرت عمه" التي لم تكن تخفي نظرات الحقد تجاه نور، تتظاهر بالابتسامة، بينما قلبها يفيض خبثًا. وعلى الطرف الآخر من الطاولة، كانت "يارة" – تلك الفتاة التي تحب سليم بجنون، لكنها تكره نور أكثر من أي شيء في حياتها.
كان الحديث بين النساء يدور حول الزيارة المرتقبة لأخت سليم، لكن خلف الكلمات، كان السم يتسرّب في كل جملة.
مرت عمه، بابتسامة مصطنعة: "سليم، شكلك مرتاح بعد الجوازة، بس يعني... مراتك ما بتبانش معانا خالص؟ يمكن مش بتعرف تتعامل؟"
يارة، بتلميحة خبيثة: "ولا يمكن مش عايزة تزعجنا بحضورها؟ أصل مش كل الناس تعرف تتعامل مع أهل البيوت الكبيرة..."
ضحك سليم ضحكة قصيرة، ثم قال ببرود:
"هي تحت، بتتعلّم... ومع الوقت، هتفهم حدودها كويس."
نظرت الأم إلى سليم نظرة فاحصة، لم تقل شيئًا، لكنّ في عينيها كان هناك شيء خفي، شيء لم يُفصح عنه بعد.
أما في الأعلى، كانت نور تمسح الأرضية بيدين مرتجفتين، ودموعها تسقط بصمت... تحاول أن تنهي يومها الطويل، وهي تتساءل في داخلها:
"هو أنا ليه هنا؟ وليه ربنا كتبلي الطريق ده؟"
العيلة كلها كانت راحت تزور ليلى بنتهم الكبيرة.
سليم، كالعادة، استغل الفرصة ومشي على شركته، مش عايز يشوف وش نور، ولا حتى يفتكر إنه متجوزها.
أما نور، فكانت لوحدها في القصر الكبير… ماسكة المكنسة في إيد، ودمعتها في التانية.
كانت بتكنس الأرض، تمسح الزجاج، تنظف الركن اللي ماحدش بيدخله أصلاً، والدموع نازلة من غير صوت.
وفي وسط الشغل والتعب، قالت لنفسها وهي بتتنفّس بصعوبة:
"يا رب… يا رب إزاي هنضف القصر ده كله لوحدي؟ ده مش بيت، ده ملعب كورة خمس نجوم!"
بصّت حوالين القصر، ومسحت العرق من جبينها، وقالت بتذمّر وهي بتكلم نفسها:
"هو الأغنيا مالهم؟ بيحبوا البذخ ليه كده؟ يعني قصر فيه يمكن خمسين أوضة… وفي الآخر ساكنين في طابق واحد!"
والباقي إيه؟ عاملين مساكن للعفاريت ولا حاضنة للأشباح!
ضحكت ضحكة يائسة وهي بتكنس:
أنا متأكدة إن فيه جن بيتفرج عليا دلوقتي من ورا الستارة وبيقول: يا عيني عليكي يا نور، وقعتي في عيلة تجنن!
وبين ضحكة مخنوقة ودمعة، فضلت تكمل شغل وهي جسمها خلاص بيستسلم.
وبعد كام ساعة، دخلت الدادة فاطمة، ست كبيرة كده، طيبة من وشها، قلبها واسع كأنها أم الكل.
كانت شايلة في إيدها ساندويتش سخن، ومعاه عصير، جايباه مخصوص لنور اللي ما حطتش لقمة في بقها من الصبح.
وأول ما دخلت، سمعت صوت المكنسة، وقلة النفس.
راحت ماشية على الصوت لحد ما شافت نور واقفة بتنضف أوضة من الأجنحة، ووشها كان أحمر كأن النار طالعة منه.
نفسها مقطوع، وجسمها بيرتجف من التعب.
الدادة فاطمة (بقلق):
يا بنتي... انتي كويسة؟ وشك عامل زي الطماطم المشوية!
نور بصت لها، بعين مكسورة، ولسانها مش قادر يلفظ كلمة.
كل اللي طلع منها كان همسة:
أنا...
وفجأة، من غير أي مقدمات،
إيدها سيبت المكنسة.
جسمها تهاوى و....
رواية ليس لها ذنب الفصل الرابع 4 - بقلم ميلي ميس
الدادة فاطمة وقد اعترى صوتها هلع شديد، أمسكت بالهاتف وصرخت فيه:
"الحقني يا سليم بيه! نور... نور يا بيه! أغمي عليها ومش راضية تفيق! حاولت فيها بكل الطرق، لا بترد ولا بتتحرك!"
سليم حس بنغزة في قلبه، نغزة غريبة ما فهمش سببها، كأن حد ضغط عليه من جوه، كأن قلبه سمع الكلام قبل ودنه. وقف مكانه ثواني، مش قادر يحدد إذا اللي بيحصل ده خوف... ولا حاجة تانية! لكن في اللحظة دي، معرفش يفكر، معرفش يتردد... كل اللي قدر يعمله إنه يخرج جاري من المكتب، وعيونه ما بقتش شايفة غير صورة واحدة... نور.
سليم دخل القصر وهو بيجري، خطواته سريعة كأنه بيجري يسبق الزمن نفسه. قلبه بيدق بسرعة، وصوته عالي بينادي:
"يا دادة فاطمة! فينها؟"
ردت عليه من فوق بصوت باين فيه الارتباك:
"هنا يا بيه! في الصالون... تعال بسرعة!"
من غير تفكير، طلع سلالم القصر اتنين اتنين، وهو مش شايف قدامه من القلق. أول ما وصل، لقى نور على الكنبة، ملامحها متغيرة، التعب مرسوم على وشها بشكل ما شافهوش قبل كده. كانت عينيها مغمضة، خدودها باهتة، وأنفاسها تقيلة... المشهد كله وجعه.
قرب منها بخطوات مترددة، وحس بحاجة غريبة بتخبط جوه صدره...
هو مش بيحبها، دي الحقيقة اللي بيكررها لنفسه كل يوم. دي مراته غصب عنه، جواز انتقام مش أكتر، وكل لحظة كانت معاها، كان فاكر إنها وسيلة يعذبها بيها.
بس دلوقتي... دلوقتي وهو شايفها بالضعف ده، وهو شايف جسمها الضعيف مرمي كده قدامه، حاجة فيه اتكسرت.
"هي تعبانة كده من إمتى؟" قالها بصوت غليظ لكنه مهزوز، وهو بيبص للدادة.
الدادة فاطمة مسحت دموعها وقالت:
"من وقت ما نزلت تنظف البيت كله يا بيه ثم وقعت فجأة وما ردتش عليا... خفت عليها قوي."
سليم سكت، لكن نظرته كانت كأنها حرب جواه. هو اللي أمرها تنزل وتنضف، هو اللي كان عايز يذلها، بس أبدا ما تخيلش إنها توصل للدرجة دي. مشهدها وهي سايبة نفسها كده، أضعف من إنها ترد عليه، عمل جواه شرخ صغير... بس واضح.
قرب منها، وركع على ركبته قدامها، حط إيده على جبينها، كانت سخنة جداً، حرارتها نار. حس بكتمة في صدره... مش عشان الندم، لأ... عشان الخوف. خوف حقيقي.
نور، اللي هو المفروض يكرهها... فجأة بقت أهم من كل خططه.
من غير ما يتردد، مد سليم إيده بسرعة وطلع موبايله، وضغط على الاسم اللي كان في باله من أول لحظة: "د. ليلى".
ضغط على الاتصال، وصوته كان متوتر وهو بيستنى إنها ترد.
"ألو؟ ليلى؟"
ردت بصوت ناعم لكن مستغرب:
"سليم؟ ياااه، من زمان! خير؟ في حاجة؟"
قال بسرعة، وصوته مزيج بين قلق وأمر:
"محتاجة تيجي دلوقتي حالا… واحدة تعبانة عندي، حرارتها عالية جداً، ومش بتفوق."
"واحدة؟" ردت ليلى باستغراب، وبنبرة فيها فضول خفي.
"مين؟ أختك؟ حد من أهلك؟"
سكت لحظة، ثم قالها بسرعة كأنه بيهرب من الكلمة:
"مراتي."
جملة قصيرة… لكن وقعت في ودنها زي القنبلة.
"مراتك؟" صوتها ارتفع بصدمة.
"إنت اتجوزت؟ من إمتى؟ وإزاي… وأنا ما سمعتش؟"
سليم لف وشه ناحية نور، اللي كانت لسه على الكنبة، عرق خفيف على جبينها، نفسها متقطع، وشكلها بيكسر قلبه وهو مش فاهم ليه.
"هفهمك كل حاجة بعدين… دلوقتي بس تعالي بسرعة، حالتها مش مطمئنة."
ليلى سكتت شوية، وبعدها قالت بلهجة جادة:
"تمام… وأنا جاية حالا."
قفل المكالمة، وبص لنور تاني… ملامحها هادية بس متعبة، كأنها بتحارب في حلم طويل ومش قادرة تصحى.
سليم لأول مرة من وقت جوازهم… حس إنه خايف يخسرها.
بعد شوية، صوت جرس القصر قطع السكون اللي كان مالي المكان… ليلى وصلت.
الدادة فاطمة كانت واقفة مستنياها، وبمجرد ما فتحت ليلى الباب، قالت بسرعة وقلق باين في عينيها:
"حضرتك الدكتورة؟ تعالى ورايا بسرعة، البنت فوق مش بتفوق."
ليلى اتبعتها بخطوات سريعة، والقلق بدأ يتسلل لقلبها من غير ما تعرف السبب. أول ما دخلت الأوضة، وبصت على السرير… وقفت مكانها مصدومة، ووشها اتغير في لحظة.
"نور؟!"
سليم لف ناحيتها، ودهشته بانّت على وشه:
"إنتي تعرفيها؟"
لكن قبل ما حد يرد، ليلى كانت اتحولت للدكتورة اللي جواها. نسيت كل حاجة وبدأت بسرعة تفحص نور، قاست حرارتها، حطت كمادات، وطلعت من شنطتها مضادات خفيفة.
"حرارتها نازلة شوية الحمد لله، بس جسمها محتاج راحة… النوم دلوقتي أفضل حاجة ليها."
سليم كان واقف جنبها، ساكت، لكن عينيه بتقول ألف كلمة. وبعد ما اتأكد إن نور بقت أهدى، شالها بين إيديه بحنية غريبة عليه، كأنها مش بس مراته… كأنها بقت حاجة أغلى.
دخل بيها أوضته، حطها على السرير بهدوء، وغطاها كويس. وقف يبصلها ثواني، وبعدين رجع بسرعة عند ليلى، والفضول بيأكله.
"قوليلي بقى… أنتي تعرفيها منين؟"
ليلى تنهدت، ونبرة الحزن لمعت في صوتها:
"كانت طالبة عندي في الجامعة… وكانت من أنبغ وأشطر البنات. بنت جدعة ومجتهدة، بس الظروف كسرتها."
سليم كان بيستمع بتركيز، كل كلمة بتنزل على قلبه زي الحجر.
"كانت جاية بمنحة، لكن لما والدتها تعبت، اضطرت تشتغل وتدرس في نفس الوقت. وبعد فترة… ماتت أمها. ومن يومها اختفت، مبقتش تيجي الجامعة، ولا حد عرف عنها حاجة."
سليم حس قلبه بيضرب بسرعة، عقله مش قادر يربط الكلام كان واقف متخشّب، عينيه ثابتة على الأرض وكأنها بتبتلع عقله.
"نعم؟ بتقولي إيه يا ليلى؟ البنت دي بتكون بنت حازم" حازم الجبار الراجل اللي دمر حياتي، سرق كل حاجة مني"
صوته عالي، وكل حرف فيه بيترن في المكان زي الرعد.
نبرة صوته كانت مش مصدّقة، وكأنه بينكر الحقيقة اللي لسه سمعها.
ليلى اتجمدت مكانها، مش مصدقة الكلام.
"مستحيل! مستحيل تكون بنته! أنا… أنا زرت بيت نور، لما أمها كانت مريضة. البيت كان بسيط جداً، يمكن يقع في أي لحظة. وأمها؟ ست غلبانة، كانت بتشتغل خدامة في البيوت علشان تاكل لقمتها بالحلال!"
نبرة صوتها فيها حزن وغضب في نفس الوقت.
"يعني إزاي دي تبقى بنت حازم؟ الراجل اللي كان من أغنى أغنياء البلد، وعايش في قصور؟ إزاي؟"
سليم رجع خطوة لورا، كأن الأرض تاهت من تحته.
في عقله كان فيه دوشة، صور متقطعة، وذكريات مش مفهومة.
(بصوت داخلي، بيكلم نفسه):
"أنا اتجوزت مين؟
مين اللي دخلت بيتي وأنا شايفها عدوتي؟
أنا كنت فاكر إن الانتقام جاي في وقته… بس دلوقتي؟ أنا مش عارف حتى أنا بانتقم من مين!"
سكت لحظة، وبص في الفراغ:
"لو كانت بنت حازم فعلاً… ليه كانت عايشة كدا؟
ولو مش بنته… يبقى إيه الحقيقة؟"
سليم كان واقف قدام الشباك، إيده في جيبه، وعيونه بتسرح في الشارع تحت… بس عقله مش هنا.
الكلام اللي سمعه من ليلى عن نور… عامل فيه زلزال.
قلبه بيخبط… ووش نور قدامه.
وفجأة، ليلى قالتها… بصوت حنين، لكنه مليان وجع:
(وهي بتقرب منه):
"سليم… انت دايمًا بتقولي إني أختك، وفعلاً أنا كده.
بس بما إني أختك… فاسمعني كويس."
سليم لف ليها ببصّة شبه غايبة، بس ما قالش حاجة.
(بحزم دافي):
"أنا عارفة نور أكتر مما تتصور… دي أجمل روح شفتها في حياتي.
يا سليم، البنت دي… مش شبه أي حد.
فيها نقاوة مش بتتشاف، فيها وجع مش بتشتكي منه، وفيها صبر يخلي الجبل يحن."
سليم حس قلبه بيضرب جامد، بس لسه لسانه مربوط.
بيحاول يفهم، يربط، يصدق… بس الغضب القديم جواه لسه بيُدي له وش تاني.
(بنبرة أهدى، وأقرب):
"أنا ما بعرفش إذا كانت فعلاً بنت الراجل الح*قير ده اللي كسرك زمان…
بس حتى لو كانت…
ما ينفعش تحكم عليها بذنوب أبوها.
إنت بتنتقم من مين بالظبط؟
منها؟
ولا من نفسك اللي لسه بتنزف؟"
سليم اتحرك خطوة لورا، كأنه اتصدم من السؤال.
كأن ليلى لمست الجرح اللي محدش قرب له.
(بهدوء):
"سليم… ما تعذبهاش.
لو شفت فيها ذرة طيبة، ذرة إنسانية، ارحمها.
مش عشانها بس… عشانك إنت كمان."
سكتت لحظة، وبعدين ابتسمت ابتسامة حزينة، ومشيت ناحيت الباب.
(قبل ما تفتح الباب):
" فكر في كلامي كويس … أنا رايحة، عندي شغل، بس ما حبيتش أمشي وأنا شايفة الظلم في عينيك و ساكتة."
فتحت الباب، وقالت بهدوء:
"سلام، يا سليم."
وسابت الباب يتقفل وراها برقة، بس الصوت كان في ودانه زي صفعة.
سليم وقف لوحده، والسكوت عامل دوشة…
فيه ألف صوت بيزعق جواه، وكلهم بيقولوا نفس السؤال:
"إنت بتنتقم من مين؟"
سليم دخل الأوضة بخطوات هادية، النور كان خافت، بس كفاية يشوف ملامحها وهي نايمة.
نور كانت غرقانة في النوم، ملامحها هادية لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، يمكن بسبب الدوا اللي أخدته.
قعد على الكرسي اللي جنب السرير، وساب نفسه يتأمل فيها…
الوش ده… اللي مش بيبان عليه غير التعب، والقهر…
بس جواه حاجة تانية، حاجة مش مفهومة.
سليم بص لها وسأل نفسه بصوت واطي جداً:
"إنتي مين يا نور؟
يا ترى إنتي فعلاً الشخص اللي أستحق أفرغ فيه انتقامي؟
ولا..."
وبينما هو بيغرق في دوامة تفكيره، نور بدأت تفتح عينيها على مهل.
شافت وشه أول ما صحت، فانتفضت بخضة، قلبها كان هيوقف.
نور (بخوف واضح وصوت متلخبط):
أنا... أنا آسفة، مش عارفة إزاي وصلت للسرير... والله ما كان قصدي... أنا كنت تحت، بعدين... بعدين الدنيا لفت بيا...
وبدأت تتلخبط في كلامها أكتر، وهي خايفة يزعقها أو يضربها.
وبحركة لا إرادية، شدت الغطا أكتر عليها كأنها بتحتمي بيه.
نور (بحرج وهي بتحاول تضحك ضحكة باهتة):
وبعدين يعني... السرير ده قاسي أوي، كأنه معمول من صوان...
تحسه فرشة عليه حجارة مش سفنج!
سليم بص لها... وساب ضحكة خفيفة تخرج منه لأول مرة من زمان.
ضحكة مش بصوت عالي، بس كانت صادقة.
نور وهي شايفاه بيضحك، قلبها اتلخبط أكتر...
وقالت في سرها وهي بتبص له بذهول:
يالله... ده بيعرف يضحك!
كنت فاكراه روبوت مبرمج على الزعيق والضرب...
بس في اللحظة دي، رغم كل حاجة، الجو اتغير.
بقى فيه لحظة هدوء... لحظة نادرة بين اتنين مش فاهمين هما فين من بعض،
بس كل واحد فيهم بدأ يشوف التاني بشكل مختلف.
سليم قطع لحظة الهدوء اللي كانت بينهم، صوته كان هادي بس في نبرة فيها لهب بيغلي:
نور... أنا هسألك سؤال، وعايز إجابة صريحة...
نور رفعت راسها بتوتر، عنيها مليانة تساؤل وخوف...
بس أول مرة تسمع صوت اسمها خارج من شفايفه...
ولسبب غريب، حسّت بحاجة غريبة جواها... دفء مش مفهوم... خوف مش طبيعي.
هزت راسها بهدوء:
اسأل...
سليم بص في عنيها، وصوته كان حاد كالسيف:
إنتو... كذبتوا عليا؟
إنتي مش بنت حازم... صح؟
نور اتفاجئت، وعنيها وسعت:
لأ... بنته.
سليم شدّ إيده في قبضة عنيفة، عروق إيده برزت.
كأن حاجة جواه اتكسرت، حلم الانتقام اللي كان بيغذيه سنين... اتشقلب.
كان بيتمنى... بيترجى إنها تطلع مش بنته، بس الحقيقة طلعت أسوأ.
ضحك ضحكة قصيرة، كلها مرارة وسخرية:
بنت حازم؟
وإزاي يعني؟
وإنتي كنتي عايشة في بيت... قصدي كوخ؟
ده بيت يدوب بيستحمل نفسه، ده حتى البلاط فيه بيترج لما الواحد يمشي!
نور حست بالإهانة، كلامه دخل فيها زي السهام، بس كتمت.
شدّت نفسها، وحاولت ترد... بس بصوت كله كسر وضعف:
آه... بنته.
بس مش من اللي كان بيحبهم، مش من مفصلاته يعني.
أنا... مش بنته من مراته ثريا.
أنا بنته من... من الخدامة.
سليم اتصدم، حرفيًّا وشه اتجمد، عينيه فضلت مركزة عليها كأنه مش قادر يصدق اللي بيسمعه.
بس هي كملت، الصوت كان باين فيه الوجع أكتر من أي حاجة:
أمي كانت بتشتغل عندهم...
و حازم اتجوز بيها بالسر عن مرتو و لما امي حملت مني رفض تخلفني فتركه و هو سابنا نعيش لوحدنا...
ما سألش، ما صرفش، ما اهتمش.
وأنا كبرت وأنا شايلة اسم ما بيحمينيش، بالعكس... بيطحنني.
ولما أمي ماتت، فجأة افتكرني...
قرر يجيبني بيته، مش عشان حب أو ندم.
لأ... علشان يثبت إنه أب عظيم!
سليم كان بيتنفس بسرعة، دماغه مش مستوعب.
الانتقام اللي كان شايفه قدامه اتحوّل لضباب، والضحية اللي كان فاكرها جزء من الجريمة طلعت... مجرد ورقة منسية.
نور كملت والدموع في عنيها بتلمع.
بس كانت بتحاول تثبت، رغم إنها كانت عايزة تنهار:
ولما جه يختار بنت من بناته للجوازة دي...
أكيد ما اختارش بنات ثريا العزيزة.
اختارني أنا...
أنا اللي لا ليّا ضهر، ولا لقب.
أنا اللي... محدش هيسأل فيا.
سليم حسّ بنار بتاكل قلبه.
مش عارف يقول إيه.
هو مشفق؟
ولا ضايع؟
ولا ندمان؟
ولا لسه شايل جواه غلّ مش قادر يفكّه؟
سكت للحظة، ووشه اتحوّل لصراع حيّ.
فيه ألف سؤال...
بس ولا إجابة.
رواية ليس لها ذنب الفصل الخامس 5 - بقلم ميلي ميس
كان سليم في صراع داخلي لا يرحم.
صوت في داخله كان يهمس بإصرار:
"البنت مالهاش ذنب... مش هي اللي دمرت حياتك، هي ضحية زيه زيك... شافت الويل. كفاية."
لكنه ما إن يبدأ في الميل لهذا الصوت، حتى يرتفع صوت آخر، غاضب، جارح، كأنه يصيح في وجهه:
"ضحية! دي بنت المجرم! بنت اللي خلى كل حاجة فيك تموت. دمها من دمه، وتستاهل تدفع الثمن!"
أغلق عينيه بقوة، كأنه يحاول يخنق الصمت اللي بين الصراعين. لكن لا فائدة. كل ما يتذكر دموعها، صوتها المرتعش وهي بتعتذر من غير ما تكون غلطانة... بيحس بشيء يتكسر جواه. شيء مش مفهوم، ولا مقبول.
قام من كرسيه بعصبية، وبدأ يتمشى في غرفته الكبيرة كأن الجدران بتضيق عليه:
"لو سبتها، هيكون ضعف... ولو آذيتها أكتر، أنا اللي مش هنام بالليل."
ضرب الحائط بيده فجأة، وقال بصوت خافت لكن مسموم:
"أنا مش هرحمها... مش هرحمها... بس ليه قلبي بيرتجف كده؟"
تقدم نحو النافذة، وشاف نور قاعدة في الجنينة، وحيدة، ضامة نفسها من البرد رغم إن الشمس طالعة. ملامحها مش بنت عدوه... كانت هادئة، مكسورة، بس فيها نوع غريب من الكرامة.
ووقتها، عاد الصراع.
"هي متألمة كفاية... خلص بقى."
"لا! لسه ما دفعتش التمن الحقيقي!"
سليم ابتلع أنفاسه ببطء...
وتمتم لنفسه:
"أنا اللي محتاج أقرر... الرحمة؟ ولا الانتقام؟"
لكنه ما كانش عارف، إن القرار اللي هياخده في اللحظة دي... هيغير كل شيء.
ليفتح درج المكتب... طلع صورة قديمة، فيها أخته بتضحك...
ضحكة بريئة... ضحكة راحت.
قرب الصورة من وشه وقال:
ـ "هو ما قتلهاش بس... قتلني معاها."
سكت شوية... عينيه راحت ناحية الشباك.
وشافها.
نور... قاعدة زي طفلة ضايعة،
إيديها حضن نفسها، كأنها بتستجدي حضن حقيقي.
لكن القلب اللي كان هيترق، افتكر الدم...
افتكر الصراخ...
افتكر القبر.
ـ "ذنبها إنها اتولدت بنته... وده كفاية."
قام... ومسك المفتاح.
ـ "الرحمة انتهت من يوم ما ماتت أختي."
خرج من الأوضة...
خطواته بتدق ف البلاط كأنها إعلان حرب.
وفي الجنينة... نور رفعت راسها.
شافت سليم جاي...
بس ملامحه مش راجل...
ده كان قاضي... وحكمه جاهز.
وقف قدامها... ضله غطاها بالكامل،
رفعت راسها ببطء... ولقيته واقف بعينين زي النار.
ـ "فاكرة نفسك هربتي؟"
صوته كان حاد، كأنه سكين بيدوّر على مكان يطعن فيه.
ـ "فاكرة إنك كده بقيتي ملاك؟ قاعدة ساكتة، بتبصي ف الأرض، عاملة فيها بريئة؟"
نور ما ردتش...
بس عنيها اتسعت، مش خوف... يمكن صدمة، يمكن محاولة تفهم.
ـ "لا... ما تتكلميش! ما تفتحيش بقك!"
سليم مد إيده ناحية صدره وضربها بقبضة إيده:
ـ "هنا... هنا في وجع مالوش آخر، وسببه أبوكي!
اللي انتي شايلة اسمه... اللي اتخلقتي من دمه!"
قرب منها خطوة، صوته انخفض بس بقى أخطر:
ـ "ضنيتي إني ممكن أنسى؟
ضنيتي إن شوية دموع، أو صوتك الواطي، أو رعشة إيدك، هيرجعوا أختي؟"
نور همست بصوت شبه ميت:
ـ "ليس ذنبي ..."
قطعها بعصبية:
ـ "كفاية!! متلعبيش دور الضحية...
انتي مش ضحية... انتي غلطة!
غلطة لازم أدفعك تمنها!"
عينه بتلمع...
ماكانش فيها دموع، لكن كان فيها حاجة تانية...
نار.
مد راسه ناحيتها، قالها بصوت كأنه بيرن جواها:
ـ "مش معنى إني سبتك تاكلي، أو تنامي، أو تعيشي...
إني نسيت.
أنا بس كنت بستناك تظني إنك اتحسنتي...
بس الحقيقة...
انتي لسه في بدايات العذاب."
لف ضهره، ووقف لحظة...
وبص فوق كتفه، قالها بنبرة خالية من الرحمة:
ـ "متنسيش... كل يوم ليه تمن، وانتي لسه ما دفعتيش ربع الحساب."
ومشي.
وسابها...
مش مكسورة،
لأ...
لكن خايفة من اللي جاي.
وقفت ثواني مكانها بعد ما سليم مشي،
كأن الهوا اتسحب من المكان، وكأن الأرض تهزت تحت رجليها.
بس شدت على نفسها، بلعت الوجع، ومسحت دمعة خافت تطلع.
اتوضت بكلمة واحدة بس في قلبها:
"توكلت على الله."
خطواتها كانت هادية... بس جواها عاصفة.
راحت على المطبخ.
المطبخ كان دافي، ريحة اليانسون والمخبوزات ماليين الجو،
والدادة فاطمة واقفة جنب الفرن، لابسة مريلتها القديمة اللي متقطعة من جنب،
ونسرين بنتها كانت بتقشر بطاطس وهي بتغني بصوت واطي.
أول ما شافوها... وقفوا فجأة.
الدادة فاطمة مسحت إيدها فمريلتها، وقربت منها بسرعة:
ـ "يا بنتي... كيف صرتي دلوقتي؟ ..."
نور حاولت تبتسم، بس التعب كان واضح في عينيها:
ـ "الحمد لله يا خالة... أحسن كتير."
نسرين قربت وهي ماسكة منديل، حطته في إيد نور:
ـ "الحمد لله على سلامتك يا هانم..."
نور بصتلها، وابتسامة خفيفة خرجت من بين شفايفها:
ـ "نور... ناديني نور بس. مفيش لا هانم ولا حاجة بينا."
نسرين اتفاجئت، بس ضحكت بخفة:
ـ "حاضر يا نور... بس أنا متعودة أقول كده!"
الدادة فاطمة مدت إيدها وسحبت نور تقعد على الكرسي الخشبي:
ـ "اقعدي يا بنتي... خديلك نفس. هنا مفيش أوامر ولا نظرات قاسية...
هنا في شوية دفء يمكن يهونوا عليك."
نور أخدت نفس عميق، وشافت بخار الشاي طالع من الكوباية اللي حطتها قدامها نسرين.
وفي اللحظة دي... حسّت إنها لسه على قيد الحياة.
بس جوه عقلها...
كان صوت سليم بيرن تاني:
"كل يوم ليه تمن... وانتي لسه ما دفعتيش ربع الحساب."
شدت نفسها فجأة...
والدنيا بدأت تلف جوا عينيها،
ما بقتش شايفة المطبخ ولا سامعة صوت نسرين.
اتسحبت جوه ذكرى...
زمان... في بيتهم الصغير.
كانت قاعدة على الأرض، والكراسات حواليها، والمذاكرة خنقاها.
وهي بتتنهد وتقول:
ـ "ماماااا... زهقت! دماغي مش عايزة تشتغل خلاص!"
ووقتها... كانت أمها، بطلتها الحقيقية، جاية من المطبخ بكوباية شاي، وحطته قدامها بلطف.
مسحت على شعرها وقالت بابتسامة دافية:
ـ "انتي نوري... اللي منوّر حياتي،
وانتي اللي عمرك ما كنتي ضعيفة...
بنتي القوية مش بتستسلم، ولا التعب بيغلبها.
انتي هتنجحي يا نور... عشان انتي اتخلقتي تنوري الطريق حتى في عز الضلمة."
الذكرى دي غرست نفسها جوا قلبها،
زي نبضة حياة وسط رماد الألم.
رجعت فجأة لوقتها الحالي،
ولقت الدموع بتلمع في عينيها، بس مسحتها بسرعة قبل ما حد يشوف.
وبهمسة ما بين شفايفها... قالتها، بقوة كانت مدفونة من زمان:
"كفاية بقى...
مش هستسلم...
ولا هكسرك فيا يا سليم يا أسيوطي."
رفعت الكوباية، وشربت أول رشفة شاي...
بس المرارة اللي في قلبها كانت أقوى من أي حاجة.
دق... دق... دق.
صوت الباب خبط فجأة، والدادة فاطمة كانت قاعدة في المطبخ بتجهز العشا.
رفعت راسها باستغراب وقالت لنسرين:
ـ "مين اللي ييجي في الوقت ده؟ مش العيلة كلها مسافرة عند بنتهم ليلى؟ وسليم بيه في الشركة."
قامت بحذر وفتحت الباب...
وقفت شوية، عينيها وسعت،
قدامها كان فيه راجل ضخم، طوله فارع، ولابس بدلة سودا فخمة.
قال بصوت تقيل وجاد:
ـ "أنا عايز مدام نور... ضروري."
الدادة بصت له بقلق:
ـ "حضرتك مين؟"
ـ "أنا كنت شغال مع والدها... الموضوع مهم جدًا. لازم تشوفني فورًا."
نادت بصوت عالي:
ـ "نور! يا نور يا بنتي... فيه حد بيطلبك."
نور طلعت بخطوات مترددة...
ولما عينيها وقعت على الراجل، قلبها وقع.
عرفته فورًا... شافته قبل كده في بيت أبوها...
كان من أقرب رجاله...
وشه ما بيتنسيش.
قال بنبرة صارمة:
ـ "مدام نور... والد حضرتك...
اتعرض لـ سكتة قلبية.
هو في المستشفى دلوقتي... وبيسأل عليكي.
قاللي بالحرف... لازم يشوفك. ضروري."
نور اتجمدت في مكانها...
كل حاجة حواليها اختفت...
صوت الراجل بيتكرر في ودانها زي الصدى:
"سكتة قلبية... لازم يشوفك... ضروري..."
الدادة فاطمة قربت منها:
ـ "بنتي... إنتي كويسة؟"
بس نور ما ردتش... كانت حاسة الدنيا بتلف بيها...
إزاي فجأة كده؟
بعد كل اللي حصل؟
وهو دلوقتي... عايز يشوفها؟ ليه؟
إيه اللي خلاه يفتكرها بعد ما رماها؟
نور خدت نفس عميق، وعينيها كانت مليانة صدمة وتردد، بس صوتها خرج ثابت:
ـ "أنا رايحة... لازم أشوفه."
الدادة فاطمة قربت منها بسرعة، وعينيها فيها قلق واضح:
ـ "يا بنتي... إنتي ناسية نفسك ولا إيه؟ سليم بيه لو عرف إنك خرجتي من غير إذنه، ده يوديكي في داهية! ده ممكن يعمل مصيبة!"
نور بصت لها، وفي عينيها وجع... بس كمان كان فيه قرار.
ـ "أنا مش خايفة...
لو ما رحتش دلوقتي، هافضل أندم طول عمري.
ويمكن... يمكن يكون دي آخر مرة أشوفه."
نسرين كانت واقفة ساكتة، بس عنيها بتراقب الموقف، وشها متوتر.
الراجل الضخم اللي واقف عند الباب لسه مستني، وصوته رجع هادي لكنه حاسم:
ـ "العربية مستنياكي تحت، يا مدام.
المستشفى مش بعيد.
نور عدت جنب الدادة، لمّت طرحتها بسرعة، وهي بتقول بهدوء:
"لو سليم بيه عرف… يبقى يعرف.
أنا مش ههرب…"
وخرجت من الباب…
ورجلها كانت بترتعش، بس كانت ماشية…
في طريق يمكن يغيّر كل حاجة.
الدادة فاطمة كانت واقفة قدام الموبايل… صوابعها بتترعش وهي بتتصل. أول ما سليم رد، كان صوته جامد:
"أيوه؟"
الدادة بلعت ريقها وقالت بسرعة:
"سليم بيه… معلش، بس لازم أقولك…"
سليم بحدة:
"في إيه؟ اتكلمي!"
الدادة صوتها مهزوز:
"مدام نور خرجت… جالها واحد من شوية وقال إن والدها تعبان واتنقل المستشفى، وعامل سكتة قلبية… وهي أصرت تروح تشوفه… وقالتلي: "أنا لازم أروح، وخرجت."
سليم سكت ثواني… بس كان صوته بيتحوّل، زي النار اللي بتغلي في حنجرته:
"إيه؟ خرجت؟
وإنتي ازاي تسيبيها تخرج من غير ما ترجعلي؟"
الدادة حاولت تهدي الموقف وهي مرعوبة:
"يا بيه، حاولت أمنعها… والله العظيم! بس كانت مصممة، وقالت إنها مش خايفة، وإنك مهما عملت مش هتقدر تمنعها من تودّع أبوها لو جراله حاجة…"
سليم قفل الخط فجأة… وإيده كانت بتترعش وهو بيشد جاكيته من على الكنبة.
عينه لمعت بغضب، بس جواه كان في حاجة بتتكسّر… حاجة مش فاهمها.
"روحتيله يا نور؟
رغم كل حاجة…
روحتيله؟"
في المستشفى
نور كانت واقفة قدام بوابة المستشفى، قلبها بيخبط بسرعة، والمكان حواليها بارد رغم الحر، بس جواها كان في بركان مشاعر ما بين خوف وقلق وحيرة.
دخلت وسألت السكرتير اللي كان قاعد على الكرسي عند المدخل:
"لو سمحت… المريض حازم الجبّار فين أوضته؟"
السكرتير رفع عينه من ورق الجرنان، وبصّ لها باستغراب شوية:
"أه… حازم الجبّار؟ آه، في الدور الخامس… أوضة ٥١١. المصعد ع الشمال."
هزت راسها بشكر، وقالت بهمس:
"شكراً…"
ركبت الأسانسير، وطلعت. كل ثانية كانت بتمرّ كأنها ساعة… قلبها بيشدها لقدام، بس عقلها بيقولها ترجعي. أبوها اللي زمان كان جبل، دلوقتي مرمي على سرير!
وصلت عند الباب… خدت نفس عميق، وفتحت.
بمجرد ما دخلت، شافتها "ثريا"، زوجة أبوها، اللي أول ما عينها وقعت على نور، وشها اتقلب:
"أيوه بقى… جهتي!
أكيد كنتي مستنية اللحظة دي…
شايفة حالنا؟
كله بسبب جوزك! بسبب سليم الأسيوطي…"
نور وقفت متجمّدة، لسه مش قادرة ترد، و"ثريا" مكملة وهي بتلوّح بإيدها بغضب:
"سليم دمرنا! أبوكي اتضرب في شغله… كل الناس بعدت عنه، شركته وقعت، حتى البيت خدوه مننا! ما بقاش عندنا ولا مليم!"
نور حاولت تتمالك نفسها، صوتها كان هادي بس نظرتها كانت بتقطع:
"أنا مليش ذنب في اللي حصل…"
بس قبل ما تكمل، سمعوا صوت ضعيف جداً جاي من السرير، كان حازم بيتكلم، صوته متكسّر ومتعب:
"ثريا… كفاية.
سيبيني مع نور…
لوحدنا…"
ثريا لفّت بعصبية، وبصّت لنور بقرف، وسابتهم وخرجت وهي بتقفل الباب وراها بصوت مزعج.
نور قربت بخطوات هادية من سرير أبوها، عينها بتترعش من الدموع، وبتتأمل ملامحه اللي غيرها والمرض… الجلد بقى باهت، وعينيه غايصة، وصدره بيطلع وينزل بصعوبة.
قعدت على الكرسي جنب السرير، ومسكته من إيده، كانت باردة كأنها ورقة شتا.
سكت شوية… وبعدين بدأ يتكلم بصوت متقطع، مكسور، كأنه بيستعطفها ومش قادر يطلب منها:
"نور…
عارف…
عارف إني ما كنتش أب حقيقي ليكي…
ما كنتش قد المسؤولية… بس…"
دمعة نزلت على خده وهو بيكمل بصعوبة:
"إنتي… طيبة زي أمك…
أمك اللي ما عرفتش أحتفظ بيها…
بس إنتي…
مش هتسيبي العيلة تنهار… مش إنتي…"
نور كانت ماسكة نفسها بالعافية، قلبها بيتكسر وهي شايفاه بيتهز قدامها، بتقول جواها: "إزاي الدنيا قلبته كده؟"
"شش… انت محتاج ترتاح…"
هزّ راسه وهو بيقاوم التعب، وقال بسرعة قبل ما نفسه يقطعه:
"لا… اسمعيني…
أخواتك…
ما لهمش ذنب…
ولا اختك لينا…
المرض بيكلها يوم بعد يوم…
ومعنديش غيرك، نور…
أنتي الوحيدة اللي تقدر تعملي حاجة."
نور قفلت عينيها ودموعها نزلت، حاولت تمسحها بسرعة بس حازم شد على إيدها رغم ضعفه:
"حاولي…
حاولي مع سليم…
هو جوزك…
راجل، قلبه مهما كان حجر، له مفتاح…
إنتي مفتاحه يا نور…
حاولي توقعيه…
خليه يحبك…
خليه يرجع الشركة…
مش علشاني… علشان إخواتك…"
نور اتصدمت من الكلام، بصت له بعيون متسعة:
"بابا! إنت بتطلب مني أستخدم نفسي وسيلة؟"
ردّ وهو بيشهق بصعوبة:
"أنا بطلب منك تنقذي اللي فاضل مننا…
بطلب منك تلعبي لعبته…
بس لمصلحتنا…
هو بدأ الحرب…
وإنتي لازم تكسبيه بسلاحه."
نور سكتت، وفضلت تبص في عينيه اللي فيها رجاء يقطع القلب، حسّت إنها واقفة على مفترق طرق… وقرارها مش هيأثر بس عليها، ده هيغيّر مصير عيلة كاملة.
و فجأة يتفتح الباب بقوة و.......
رواية ليس لها ذنب الفصل السادس 6 - بقلم ميلي ميس
صوت الباب وهو بيتفتح بعنف قطع اللحظة زي سكينة فـ ضلمة.
سليم دخل زي الإعصار، عنيه مشتعلة، وصوته عالي:
"مين سمحلك تخرجي من البيت؟!"
نور وقفت مفزوعة، بس حاولت تتماسك:
"دا بابا… تعبان… جيت أطمن عليه بس."
سليم ضحك ضحكة كلها سخرية، وعيونه بتلمع بشر:
"جيتي تطمني؟ ولا جايين تحطوا خطط ورا ضهري عشان توقعوني؟"
حازم، رغم ضعفه، حاول يرفع نفسه وبيقول بصوت مخنوق وتعبان:
"كفاية يا سليم… عيلتي مالهاش ذنب… إرجع عن اللي ناوي تعمله… حرام!"
سليم عينه لمعت، ووشه اتقلب حقد:
"عيلتك…؟ وانا… عيلتي؟!"
"فاكر زمان… لما كنت فوق الكل… لما سرقتوا كل حاجة من أبوي…؟"
"شوف بقى… سبحان الله… الأيام بتلف…"
"ابن الراجل اللي خدعتوه، النهاردة هو اللي واقف فوق راسك…"
"وشايفك بتنهار زي ما بويا انهار زمان."
وقبل ما يكمل جملته، فجأة… الأجهزة بدأت تصفر، والنبض اختفى!
"بـــابــــــااااااااا!!!"
الأطباء دخلوا بسرعة، والدنيا اتقلبت، وسليم حاول يسحب نور من دراعها:
"يلا، اطلعي برا!"
نور (وهي بتحاول تفلت):
"لأ! مش هتحرك من هنا لحد ما أطمن عليه!"
سليم (بصوت عالي):
"قلت يــلاااا!!!"
نور (بصراخ أقوى، وعنيها مليانة نار):
"قلت مش هاتحرك!"
"مش هاتحرك!!!"
"فاهم؟! مش هسيبه! حتى لو آخر يوم في عمري!"
سليم كان الغضب باين في عينه، قرب من نور بسرعة، مسكها من دراعها بعنف وابتدى يجرها وراه وهو بيزعق:
"قلتلك ما تخرجيش من البيت! إنتي نسيتي إنك تحت أمري؟!"
نور حاولت تفلت منه، صوتها عالي ودموعها بتنزل من غير ما تحس:
"سيبني! مش همشي معاك! مش همشي وقلبي سايب بابا كده!"
سليم زاد في شدته:
"ما تعلييش صوتك عليّ يا بنت حازم! انتي نسيتي انك مراتي؟!"
وفي اللحظة دي… الباب اتفتح بسرعة، وطلع الدكتور بعجلة، صوته عالي ووشه عليه علامات ارتباك:
"النبض رجع للمريض!… عايز يشوفك حالا، يا أستاذة نور!"
نور سحبت إيدها من سليم بكل قوتها، كأنها بتفك قيود من نار، وجريت على أوضة أبوها، قلبها بيدق بسرعة وخوفها سابقها.
دخلت الأوضة، لقت حازم على السرير، جسمه ضعيف جدًا، بس عنيه مفتوحة وشايلة حزن الدنيا كلها، أول ما شافها دمعة نزلت من عينه.
دخلت نور الأوضة، قلبها بيدق بعنف، لقته لسه عايش، بالكاد عيونه مفتوحة، وجهه شاحب، بس نظرته لسه فيها نفس العجرفة القديمة… نفس السيطرة اللي عمرها ما راحت.
بص لها بنظرة فيها أمر، مش حنان، ولا شوق… وقال بصوت متكسر، بس واضح:
"نور… لازم تنقذي إخواتك… من سليم…"
"إنتي الوحيدة اللي تقدري تتصدي له…"
نور وقفت لحظة، عينها بتترجم كلماته، مشاعرها كلها متشابكة… بس فجأة، فهمت.
"حتى وإنت بتموت… شايفني أداة؟"
"مش بنتك؟ مش بني آدمة؟"
حازم حاول يفتح بقه، يمكن يرد، يمكن يبرر، بس ماقدرش… كأنه فجأة حس إن اللعبة خلصت.
"عمرك ما فكرت فيا، لا كأب، ولا حتى كحامي."
اتنهد حازم نفس طويل… عينيه لفت ببطء، كأنه بيهرب من الحقيقة اللي قدامه…
مفيش كلمة اعتذار، مفيش ندم… بس سكون بارد.
وبهدوء مفاجئ…
جسمه تراخى، نفسه اتقطع، وعيونه اتقفلت…
"بابا… لأ، استنى…"
"بابااااا!!!"
صوتها طلع صرخة مكسورة، فيها خوف وكسرة وحزن سنين…
لكن ماكانش فيه فايدة.
رأسه مالت على جنب، عينيه اتقفلت، ونفسه سكت…
وغاب عن الدنيا.
دخل الطبيب في اللحظة دي، بص عليهم، وبنظرة كلها أسى وحزن، قال:
"البقية في حياتك يا آنسة نور…"
نور ما ردتش… كانت واقفة مكانها، عينيها مغرقين دموع، بس عقلها مش قادر يصدق…
الصمت اللي بقى حوالين جثته كان أصدق من أي كلمة.
كانت واقفة قدام جثة أبوها، الدموع نازلة من غير صوت، صدمة، ألم، وجواها حاجة بتتكسر ومش عارفة تتصلح.
وفجأة…
الباب اتفتح بعنف، وسليم دخل.
خطواته تقيلة، وصوته عالي:
"خلاص؟ خلص مات؟"
"نرجع بقى على بيتنا."
نور بصت له، عينيها حمرا، مش من البكاء بس، من الغضب… من القهر… من كل لحظة وجع عدت.
"أبويا مات…"
"مات وإنت السبب…"
"وأنا مش هرجع معاك!"
سليم اتفاجئ من لهجتها، قرب منها بخطوتين:
" بتتكلمي كده لمين يا نور؟"
"نسيتي إنك مراتي؟"
"نسيتي إنك عايشة تحت سقفي وتحت أمري؟"
نور رفعت راسها، وقالت وهي بتمسح دموعها:
"آه… أنا مراتك…"
"بس مش طول العمر هفضل عبدة عندك…"
"أنا خسرت كل حاجة…"
"فمافيش حاجة أخاف أخسرها تاني."
سليم (بصوته العالي ونبرته المتغطرسة، وهو بيقرب منها ووشه مليان سخرية):
"شكلك نسيتي نفسك…"
"بقيتي بتخربشي؟"
"اسمعيني كويس يا نور…"
"دلوقتي هتمشي معايا على البيت زي البنت الشاطرة…"
"أصلا مافيش حاجة تاني تعمليها هنا…"
"هياخدوه يدفنوه…"
"وانسي العزا، لإن بيت الجبار بقى بتاعي…"
"يعني مش هيحصل عزا في الشارع، مشهد مهين لي وللي شافك."
"خمس دقايق… تكوني تحت."
"وإلا… ماتلوميش غير نفسك."
(نور وقفت مكانها، عينيها ثابتة عليه، بس قلبها بيغلي من جوه… قبل ما ترد، دخل صوت مبحوح، بيقطع الصمت زي سكينة):
"هيـاخدوا بابا… يدفنوه دلوقتي…"
(سكتت لحظة، وبصت لنور بعين مكسورة)
"نور… إزاي قدرتي تعيشي في البيت ده طول المدة دي؟"
"ده مكان يخنق… يوجع الروح."
(نور رفعت عينيها بصمت، بتدور على إجابة، بس نظرة نرمين كانت حزينة ومليانة وجع، وكأنها بتحاول تفهم اللي حصل لأول مرة):
(بتكمل بصوت متهدج):
"لما أخدوا مننا البيت رحنا لبيت أمك، بابا ماكانش عنده مكان يروحله غيره…"
"رحنا هناك لأننا ماكانش لينا حتة ننام فيها…"
"ولا كان معانا فلوس حتى نأكل بيها…"
"وياسين… ياسين اتسجن، قالوا إنه سرق من الشركة!"
"بابا حاول يطلعه بس… الدنيا كلها قفلت في وشه."
"وأمي…"
(بصت بعيد، ودموعها نزلت بهدوء)
"ماعرفش راحت فين… شكلها عقلهـا تعب، ماقدرتش تتحمل."
"ولينا… من ساعة ما سمعت بموت بابا، وهي هنا في المستشفى…"
"الدكتور قال إن قلبها تعبان… الرطوبة في ذلك البيت زودت حالتها…"
"وقال لازم تغير صمام القلب قريب…"
"نور… أنا آسفة، والله آسفة…"
"عارفة إني ماكنتش أخت كويسة ليكي…"
"كنت بغير، كنت فاكرة إنك حتاخدي بابا مني…"
(نور سابت نفسها وبكت، وبكل وجع الدنيا حضنت نرمين، وكأنها بتحاول تشيل عنها كل السنين اللي فاتت):
"ما تفكريش فده دلوقتي…"
"أنا هنا…"
"وهحل كل حاجة، والله ماهسيبكم."
لتنزل من المستشفى بعد ما ودعت أبوها نظرة أخيرة، عينيها كانت ناشفة من كتر البكا، وشها باهت وروحها كأنها اتسرقت. نزلت بخطوات هادية وميتة، لقت سليم واقف ساند ضهره على عربيته، سايب الدنيا كلها ووشه فيه برود قاتل. بدون ما تبص له حتى، فتحت باب العربية وركبت.
سليم (في نفسه، مستغرب):
"إيه اللي حصل للبنت دي؟… كانت نار… دلوقتي بقت رماد!"
(ركب جنبها، وساق من غير كلمة… الطريق كله كان ساكت، إلا من صوت الموت اللي كان مالي العربية.
أول ما وصلوا القصر، الليل كان نازل زي الكفن.
نور (بصوت هادي، مفيهوش أي إحساس):
ـ ممكن... نحكي؟
سليم (بص لها من طرف عينه):
ـ تمام.
دخلوا القصر، أول ما شافتها الدادة، جريت عليها ودموعها في عينيها، حضنتها بقوة:
الدادة:
ـ البقية في حياتك يا بنتي... يا حبيبتي.
نور (ببرود موجوع):
ـ تسلمي يا دادة.
عدت نور ماشية ورا سليم، وكأنها ماشية ورا مصيرها. دخلوا أوضته، سليم قاعد على الكنبة، حاطط رجل على رجل، وبينفخ نفس طويل، كأنه مستعد لسماع حاجة مش هتعجبه.
سليم (بصوت هادي، بس فيه سخرية):
ـ سامعاكي...
نور (وقفت قدامه، عنيها ثابتة فيه، وصوتها بدأ يخرج أقوى):
ـ عايزاك ترجع البيت لأخواتي...
عايزاهم يلاقوا مكان يناموا فيه...
ويعرفوا يكلوا زي الناس.
سليم (ضحك ضحكة قصيرة فيها استهزاء):
ـ وليه أعمل كده؟
إيه المقابل يعني؟
الناس ما بتديش ببلاش.
نور (باندفاع حارق، صوتها كان بيترجف):
ـ عشان يكون عندك ضمير!
فيه بنت صغيرة... في أول عمرها... محتاجة عملية قلب!
لو اتأخرت هتموت!
سليم (نبرته اتغيرت، بقت غامقة وسامة، والشر بينط من كل كلمة):
ـ ضمير؟
أبوكي كان عنده ضمير لما سرقنا؟
لما خلانا نبيع كل حاجة؟
لما أختي ماتت قدامي... ومكانش عندي تمن عمليتها؟
أبوكي دفن ضميرنا وهو عايش...
بس أنا...
أنا هكون أكرم منه.
سكت لحظة، وقرب منها وهو بيكتم غضبه:
ـ هرجع البيت لأخواتك...
وهطلّع أخوكي من السجن...
ويشغل هو وأختك فالشركة...
و أختك الصغيرة... هخليها تعمل العملية...
بس بشرط.
نور (عنيها اتسعت، وصوتها كان فيه خوف وتوتر):
ـ شرط إيه؟
سليم (قام واقف فجأة، ووشه كله جدية وصرامة):
ـ تبقي ملكي الليلة.
تصيري مرتي شرعي.
تبقي لي...
جسدًا... وروحًا...
و.....
رواية ليس لها ذنب الفصل السابع 7 - بقلم ميلي ميس
س لها ذنب
الفصل السابع
سليم (ببرود وقسوة&; وهو بيبص لها بنظرة كلها تحكم):
ـ قولتي إيه الشرط بسيط&;
تكوني ليا الليلة&; في فراشي.
نور اتجمدت في مكانها&; قلبها دق بسرعة&; ووشها اتسحب منه الدم&; كأنها اتكهربت من الصدمة:
ـ إنت&; إنت بجد واحد سافل !
سليم ضحك بسخرية&; وقرب منها خطوة بخطوة&; صوته كان هادي بس مرعب:
ـ سافل&;
ده اللي عندي يا نور&;
يا إما تكوني مراتي بجد&;
يا إما أخواتك يفضلوا في الشارع&; وأختك الصغيرة تموت من غير عملية.
نور بدموع محبوسة&; بتحاول تتماسك:
ـ إنت بتساومني على شرفي&;!
سليم (ببرود بارد&; وكأنه بيقلب في أوراق قديمة):
ـ لأ&; أنا باخد حقي&;
إنتي نسيتي إنك مراتي &;
وأنا&; خلاص&; عاوز حقي ...
لو عايزة تساعدي عيلتك&; يبقى الليلة&; تبقي مراتي بجد&;
ولا تنسي&; أنا مش أبوكي&;
أنا لسه عندي قلب&; بس بيشتغل على حسب اللي حواليا.
نور سكتت&; دموعها نزلت بصمت&; مش عارفة ترد&; مش عارفة تصرخ&;
كل اللي جواها كان بيتهز&;
بين كرامتها&; وأهلها
نور وهي بتحاول تمسح دموعها بصوت واطي ومكسور:
ـ تمام... أنا... أنا موافقة.
سليم ابتسم&; ابتسامة كلها خبث وانتصار&; وغمز بعينه:
ـ شاطرة&; كده تعجبيني.
قرب منها بخطوات تقيلة&; فيها تهديد أكتر من رغبة&; ونور بدأت تتراجع&; خطوة ورا التانية&; لحد ما ضهرها خبط في طرف السرير.
حست بقلبها بيخبط&; مش من الخوف&; من الانكسار.
سليم قرب أكتر&; ووشه بقى قريب منها قوي&; وقال بصوت واطي بس فيه غل واضح:
ـ فاكرة نفسك هتلعبي معايا&; لأ&; الليلة دي أنا اللي بلعب وانت&; الكارت في إيدي.
نور كانت بتحاول تلم نفسها&; تبين قوية&; بس جسمها كان بيرتعش&; عينيها بتلمع بدموع القهر وهي بتهمس:
ـ إنت... مش بني آدم.
هو ضحك&; ضحكة جامدة مافيهاش ذرة رحمة&; وبإيده جذب طرف فستانها بعنف&; كأنه بينتقم مش بيقرب.
وفي اللحظة دي&; كل حاجة في نور ماتت.
عيونها اتزحزحت ناحية السقف&; بقت زي جسد من غير روح&; كأنها انفصلت عن الواقع&; وسابت المكان لجسدها يتلقى القهر بصمت.
في الصباح&;
نور فتحت عنيها بصعوبة&; ضوء الشمس اللي متسر&;ب من الشباك خبط في وش&;ها&; بس الإضاءة مش اللي وج&;عتها&;
الوجع الحقيقي كان جوه قلبها&; وجوا جسمها كمان.
بص&;ت حواليها بسرعة&;
مكانه فمشي فتنهدت بارتياح
سليم مشي للشركة
عينيها غرقت دموع في لحظة&; وبدأت ترجع بذاكرتها لليلة اللي فاتت&;
كأنها كانت كابوس طويل&; ولسه ماصحيتش منه.
حاولت تقوم من السرير&; بس جسمها كان مرهق&; متكسر&; كأن كل خلية فيه بتصرخ.
سندت إيديها على الحيط&; تمشي خطوة&; والتانية بتوجع أكتر من اللي قبلها.
بس كانت عايزة توصل للحم&;ام&; يمكن المي&;ة تطف&;ي نار اللي جواها.
دخلت الحم&;ام&; وفتحت المي&;ة على الآخر&;
وقفت تحتها سايبة شعرها يبل&; وهدومها تتغر&;ق&;
مش قادرة تفرق بين المي&;ة وبين دموعها.
مد&;ت إيديها على رقبتها&; على دراعها&;
كانت بتمسح لمساته&; أثره&;
زي&; اللي عايزة تشيل وجوده كله من على جسمها.
تحس إنها بتمحي جريمة&; مش ذكرى.
نور بصوت مكسور&; وهي بتهمس لنفسها:
"ليه يا رب&;&; أنا عملت إيه عشان أستاهل كده&;
هو انتقامه يستاهل ينهيني&;
هو شايفني أنا&; ولا بس بيشوف شبح أبويا&;"
فضلت واقفة تحت المي&;ة&; دقيقة&; واتنين&; وثلاثة&;
بس ولا وجع الجسد&; ولا برد المي&;ة&; كان بيعدل وجع القلب.
نور ما كانتش بتغسل جسمها بس&;
كانت بتحاول تغسل كل حاجة جواها
في شركة الأسيوطي&;
كان سليم قاعد على كرسيه الجلدي الفخم&; رجله ما بطلتش تهتز&; وعيونه شاخصة ناحية الأرض&; بس دماغه مش هنا&;
كان بيصارع نفسه.
سليم (في سره&; بنبرة غليان):
"ليه حاسس بندم&;
ده اللي كنت عايزه&; من أول لحظة!
أكسرها&; أدمرها&;
أخليها تحس بنفس الوجع اللي أنا دوقته&;"
قبض إيده فجأة&; وصوته بدا داخلي&;ا حاد أكتر&; وعينيه لمعت بشر:
"دي كانت الخطة&;
وأنا نف&;ذتها بالحرف.
أخدت أغلى ما تملك&;
كسر&;تها من جوه.
والدلوقتي&; لازم أكمل&; ما ينفعش أرجع ورا."
قلبه اتقل عليه&; بس قبل ما يغرق أكتر في أفكاره السودا&; خبط الباب خبطة خفيفة.
سليم بصوت جامد:
"ادخل."
فتح الباب&; وطلع معتز&; صديق عمره&; وجوز أخته.
معتز وهو داخل بابتسامة كبيرة:
"ليك وحشة يا حبيب! فينك من زمان&;"
قام سليم بسرعة&; وراح حضنه بقوة:
سليم وهو بيضحك لأول مرة من يومين:
"عاش من شافك يا صاحبي! إمتى جيت&;"
معتز:
"لسه واصلين النهارده.
العيلة قررت ترجع&; وليلي هانم قالت نرجع معاهم&;
قلت أجي أشوفك&; وحشتني والله&;
هما راحوا على القصر&; وأنا جيت على هنا."
سليم وهو بيرجع يقعد وبيشاورله يقعد قدامه:
"نورت الشركة يا معتز&;
احكيلي&; عامل إيه&;"
معتز وهو بيقعد قدامه:
"أنا تمام&; بس إنت&;
وشك مش مريحني&; شكلك شايل الهم."
سليم سكت&; ابتسم ابتسامة باهتة&; وعيونه رجعت تسرح تاني&;
بس المرة دي&; كان فيه كلام كتير عايز يخرج&;
بس هل يقدر يحكي&; ولا هيكتم كعادته&;
في قصر الأسيوطي&;
كانت نور لسه طالعة من الحم&;ام&; شعرها مبلول وبينقط&; لبست طقم بسيط ومرتب&; وقررت تنزل تساعد الدادة فاطمة ونسرين في تحضير الغدا. نزلت السلم بخطوات هادية&; لكن التعب باين على ملامحها&; &; ده تعب القلب قبل الجسد.
وفجأة&; جرس الباب رن.
الدادة فاطمة بسرعة: "أنا هفتح&;"
راحت على الباب&; فتحته&; وإذ بـ زمرد والعيلة واقفين قدامها.
الدادة بابتسامة صافية: "أهلا بعودتكم&; نورتوا البيت يا حبايبي."
زمرد وهي داخلة بشياكة: "تسلمي يا فاطمة&; وحشتينا كتير."
سمية قربت من سارة وهمست بنبرة سم&;: "بدي بس أفهم ليش بتعطي وش لهالخدامة&;"
سارة بصتلها بضيق&; لكن ما ردتش.
ليلي كانت شايلة بنت صغيرة عندها حوالي أربع سنين&; وماسكة بإيدها ولد في نفس العمر: "توحشتك يا دادة&; عاملة إيه&; وإزيها نسرين&;"
الدادة بفرحة: "الحمد لله يا بنتي&; نورتوا البيت."
دخلوا الصالة&; نسرين سل&;مت عليهم&; والعيال جريوا يلعبوا&; والضحك ملأ المكان.
نور وقفت بتوتر&; قربت وقالت بصوت هادي: "أهلا بعودتكم&; الحمد لله على السلامة."
لكن أول ما سارة شافت العلامات على رقبة نور&; الدم غلى في عروقها&; ووشها ولع غضب. قربت منها بخطوات سريعة وقالت بغل&; وسخرية:
"انتي مفكرة نفسك صاحبة البيت ولا إيه&; بتستقبلينا كده&; فوقي يا بنتي&; انتي مجرد خدامة&; سليم اتجوزك عشان ينتقم منك مش أكتر&; فاهمة&; خدامة! وإوعى تفكري إنك بقيتي مراته بجد!"
نور سكتت&; ما ردتش&; بس نظراتها كانت مكسورة&; قلبها اتخنق&; راحت على المطبخ وهي بتكتم دموعها&; وسابت سارة تغلي لوحدها.
سارة بصوت عالي وهي بتتبعها: "شوفتوا الحقيرة&; ماشية ورافعه راسها! أنا هوريها! هروح أ..."
لكن فجأة&; صوت زمرد جه وقطع كلامها&; بنبرة فيها هيبة: "خلاص يا سارة! بكفي الحركات دي&; خلي عندك كرامة واحترمي نفسك."
سارة وقفت مكانها&; متفاجئة من لهجة زمرد&; بس ما قدرتش ترد.
في المطبخ&; كانت نور قاعدة على الكرسي الصغير جنب الرخامة&; ماسكة سكينة وبتقش&;ر في البطاطس&; والحزن لسه ساكن عيونها&; وكل تفكيرها في الكلام اللي سمعته من سارة فوق&;
السكينة كانت بتقطع&; بس قلبها اللي كان بينزف.
وفجأة&; دخلت ليلي&; بهدوء وخطوات خفيفة.
ليلي بابتسامة دافئة: "أنا ليلي&; أخت سليم. لسه ما اتعرفناش صح&;"
نور رفعت وشها&; وابتسمت ابتسامة خفيفة رغم التعب: "تشرفنا&;"
ليلي قربت منها وقعدت قدامها&; بصوت ناعم بس واصل للقلب: "بعرف إنو أخي قاسي معك&; بس صدقيني&; مفيش أطيب منه فالدنيا. هو مش شرير زي ما الناس تفكر&; بس الحياة ظلمته كتير&; ووجعت قلبه أكتر ما تتخيلي."
نور سكتت&; وكأن الكلام ضرب على وتر حساس جواها.
ليلي كملت وهي حاطة إيدها على إيد نور: "أنا مش بقولك عشان تدافعي عنه&; ولا تصبري على القسوة&; بس يمكن&; يمكن ربنا بعتك له عشان تشيلي السواد اللي مالي قلبه.
فك&;ري فـ كلامي كويس&; يمكن تكوني النور اللي ينقذه."
في غرفة سارة&;
كانت سارة بتمشي رايحة جاية&; ووشها مشوش&; شعرها مبعثر&; وعيونها فيها نار مش طبيعية. فجأة وقفت قد&;ام المراية&; وبص&;ت فيها كأنها شايفة عدو&;تها مش نفسها.
سارة بصوت متهدج: "مستحيل&; مستحيل يكون قربها!"
صرخت فجأة&; ورفعت فازة من على التسريحة&; وضربت بيها المراية بكل قوتها!
الزجاج تكس&;ر&; وتطايرت الشظايا حوالين الغرفة&; كأن الانفجار ده كان في قلبها مش بس في المراية.
دخلت سمية بسرعة&; وهي مفزوعة&; تمسك بنتها من دراعها بعنف: "شو عم تعملي يا مجنونة&; بدك تفضحينا&;! اسكتي! لحد يسمعنا!"
سارة بصوت بيترجف&; وعنيها بتدمع من الغيظ: "هو&; هو ما قربش منها&; مش هيك&; قوليلي إنه ما قرب منها!"
سمية باستغراب&; مش فاهمة ولا كلمة: "مين&; شو هالحكي&;"
سارة شهقت بدموع وصرخة: "سليم&; سليم حبيبي&; هو لي&;! لي&; وبس! مستحيل يلمس غيري&;
لو لم&;سها&; لو بس لم&;سها&; أنا&; أنا رح أقتلها!!"
سارة قامت من مكانها&; وصرخت وهي بتضحك ضحكة هستيرية&; دموعها نازلة وشفافها بترتعش: "رح أقتلها&; رح أقتلها بإيدي!"
سمية بص&;ت على بنتها بخوف حقيقي&; شد&;تها تحاول تهديها&; لكن سارة كانت بعالم تاني&;
سمية بصوت واطي وهي مرعوبة: "خلاص&; خلاص البنت جنت&; رسمي."
في مكان آخر...
في حي فقير&; وسط زقاق ضيق مليان صدى أصوات الجيران وحبال الغسيل&; كان فيه غرفة صغيرة جد&;ا&; أقرب لقبو منعزل عن الحياة. الجدران متشققة والبرد قارس&; لكن رغم دا كله&; كانت نيرمين قاعدة على فرشة مفروشة على الأرض&; محتضنة تليفونها .
ضغطت على زر الاتصال&; وانتظرت&; مفيش رد.
نيرمين بهمسة مشوبة بالقلق:
"فينك يا أمي&;"
عادت الاتصال مرة واتنين&; لكن رد&; الهاتف كان قاسي:
> "رصيدك لا يسمح بإجراء المكالمة."
نيرمين بتنهيدة و تذمر:
"هذا لي كان ناقصني&;"
قامت بسرعة&; لبست وقررت تروح تشوف أختها لينا في المستشفى&; يمكن تطمن قلبها بشي.
لكن أول ما فتحت باب الغرفة&; وقفت مصدومة&; قد&;امها كان ياسين!
نيرمين بفرحة ما قدرت تكتمها&; جرت عليه واحتضنته: "ياسين! أخويا! كيف خرجت&;!"
ياسين وهو ماسك إيدها بحنان&; وعنيه فيها دمعة فرح: "سليم الأسيوطي&; سحب الشكوى. المحامي تبعه كلمني وقال إنو سليم رح يدفع تكاليف عملية لينا&;
بس بشرط نشتغل عنده بشركته&; وياخد من أجورنا بالتقسيط&; وكمان&; راح نسكن بشقة جديدة&; عطاني عنوانها."
نيرمين بفرحة :
"المهم لينا تتحسن&;
أكيد نور هي اللي تدخلت&; لحقت عليه وقنعته يساعدنا&; بطريقتها."
ياسين فكر شوي&; وسألها بقلق: "بس&; أمال أمي&; وينها&;"
نيرمين تنهدت&; وبص&;ت على الأرض: "من يوم مات بابا&; اختفت.
تركتلي رسالة بتقول إنها رايحة بلدها تحل أمور&; وراجعة&;
بس من يومها ما اتصلت&; ولا رد&;ت على مكالماتي."
ياسين شال الهم&; حس إن الغصة رجعت له&; بس قرر يخب&;ي خوفه.
شد إيد نيرمين: "يلا&; نروح نطمن على لينا."
ومشوا سوا&; قلبهم مليان أمل&; وقلق.
في قصر الأسيوطي...
دخل سليم ومعاه معتز للفيلا&; وكانت زمرد قاعدة على طاولة الإفطار جنب ليلي&; الجو كله هدوء صباحي مريح&; بس فيه نبضات توتر بتتحرك في الخفاء.
سليم بابتسامة دافئة&; سل&;م على أمه&; وبوس راسها&; وبعدين راح حضن ليلي:
ليلي بخفة وعتاب ناعم:
"توحشتك يا خويا... هيك تخل&;ي أختك وتغيب&;"
سليم وهو بيطبطب على شعرها:
"تعرفي الشغل يا حبيبتي... ما بيرحم."
معتز&; واقف جنبهم&; اتنحنح معتز بمرح
"احم احم... هي مرتي على فكرة."
سليم بابتسامة ماكرة وعنيه معل&;قة على ليلي:
"مرتك&; حلوة مرتك..."
معتز عض شفته بقهر&; بس كتم ضيقه عشان الموقف ما يسمحش.
لحظات&; ودخلت سمية بنظراتها المتوترة كالعادة&; وراحت جلست وهي تحاول تبان طبيعية.
زمرد&; رفعت عيونها من الصحون وسألت بنبرة سلطوية ناعمة:
"أوم&;ال فين بنتك يا سمية&; ناديلها... الغدا صار جاهز."
سمية وهي بتعدل طرحتها:
"هي جاية اهو..."
وسمعت صوت الكعب بينزل على السلالم.
سارة نازلة&; متعد&;لة&; متألقة كعادتها&; وعيونها ما بتدورش غير على سليم.
قربت منه&; وهمست في ودنه بصوت ناعم فيه غل&; واضح: "توحشتك&;"
بعدين فجأة رفعت صوتها وهي تبص على الكل: "كيفك يا ابن عمي&;"
كانت حركة محسوبة&; تمويه لللي حصل.
وفي اللحظة دي&; كانت نور خارجة من المطبخ&; شايلة صينية الأكل بكل ر&;قة.
عينها وقعت على سارة وسليم&; لمحت الهمسة&; لمحت المراوغة&; وسكتت.
حط&;ت الأكل قدامهم بهدوء&; وما قالتش ولا كلمة و راحت بس نظراتها كانت بتحكي كتير.
سارة وهي بتحط المعلقة وبتبص لنور بنظرات كلها غل وحقد:
"انتي... من سمحلك تروحي&;!"
صوتها كان عالي كفاية يلفت انتباه الكل.
"لازم توقفي هنا... تخدمينا لحد ما نخلص أكل. مش لما تحطي الأكل تروحي كأنك ضيفة عندنا!"
نور بص&;ت لسارة لحظة&; وبعدين نزلت عينيها في الأرض&; ما رد&;تش&; بس في عينيها كان فيه وجع وغصة.
ليلي حاولت تلطف الجو:
"سارة&; ما فيش داعي للكلام ده&; خلي البنت تريح شوي..."
سارة بسخرية:
"تريح&; هي مش جت خدامة هنا&; ولا نسينا يا ليلي&;"
ليلي اتضايقت وقالت بهدوء:
"بس يا سارة! عيب... كفاية اللي فيها."
سليم كان ساكت&; بيشرب من الكوباية&; بس نظراته كانت معلقة على نور&; يشوف رد فعلها&; وشف فيها دمعة بتترجف على رمشها و.......
بقلمي ميلي ميس
حبايبي &;&;
أتمنى الفصل يكون عجبكم&; مستنية رأيكم بكل شغف 😍
وشكر&;ا من قلبي لكل اللي دعالي بالشفا&; محبتكم عندي بالدنيا 💕
وبالمناسبة... حبيت أشارككم مشهد صغير بيحصللي كل شوية 😩👇
أنا: "ماما&; حاسة بدوخة... كل حاجة حوالي&;ا بتلف"
ماما: "عشان التليفون يا بنتي!"
أنا: "طب ووجع الراس والمعدة كمان من التليفون&;"
ماما: "أيوه&; سيبي التليفون وهتتحسني!"
أنا: "حد يقنعها بالله عليكم إن التليفون مظلوم!"
😂😂
&;ليس لها ذنب"
رواية ليس لها ذنب الفصل الثامن 8 - بقلم ميلي ميس
نور انسحبت من الصالة وهي مكسوفة ودموعها محبوسة في عينيها.
سليم بص لسارة بنظرة حادة وقال بنبرة فيها تهديد:
سليم: سارة، ممكن تاكلي في صمت؟
سارة خضت وبصت في الطبق من غير ما ترد، وبدأت تاكل ببطء.
مرت الأيام من غير أحداث تذكر.
نور كانت بتتجاهل سليم تمامًا، وبتنفذ كل أوامره حتى لو كانت مستفزة أو مهينة.
كانت بترد بهدوء، وبتسمع الكلام من غير ما تناقشه، وده كان بيجننه.
كان كل ما يحاول يستفزها بكلمة أو أمر، ترد عليه بمنتهى البرود:
نور (بهدوء): حاضر.
أو
نور (من غير ما تبص له): تمام يا سليم.
الهدوء ده كان بيخنقه.
هو كان عايز يشوف منها رد فعل، صريخ، دموع، اعتراض.
لكنها ما كانتش بتديهش حتى الفرصة إنه "يبهدلها".
في أحد الأيام، في المساء... سمع صوت جرس الباب.
زمرد (وهي قاعدة): نسرين، افتحي الباب يا حبيبتي.
نسرين (بهدوء): حاضر يا هانم.
نسرين راحت تفتح، ولما فتحت الباب، اتفاجئت بمازن واقف قدامها، بيبص لها من فوق لتحت بنظرة تقيلة.
نسرين (بنبرة فيها ضيق): أهلًا يا أستاذ مازن.
وتنحت على جنب علشان يقدر يدخل.
أول ما سمية شافته، قامت بسرعة من مكانها، وراحت تحضنه بقوة.
سمية (بعين مدمعة): الحمد لله على سلامتك يا ابني... كده تسيب أمك تتوحشك بالشكل ده؟
مازن (وهو بيحضنها): معلش يا أمي... غصب عني.
وبعدها سلم على زمرد.
مازن (بابتسامة): إزيك يا مرات عمي؟
زمرد (بابتسامة هادية): الحمد لله يا ابني... نورت البيت.
في أوضة الضيوف، سارة كانت قاعدة على الكنبة، بتتفرج على فيلم قديم في التليفزيون. فجأة سمعت صوت خطوات تقيلة جاية من بعيد، رفعت راسها بسرعة، ولقت مازن واقف عند باب الأوضة.
سارة (بفرحة): أخوياااا!
قامت تجري عليه، ووقعت في حضنه.
مازن (وهو بيضحك وفتح دراعه): تعالي في حضن أخوكي يا شيطانة... وحشتيني موت!
سارة حضنته جامد وهي بتضحك ودموعها نازلة: كنت هتجنن عليك يا مازن... اختفيت فجأة، فينك يا مجرم؟
مازن (بطبطب عليها): كان لازم أبعد شوية... بس خلاص، رجعت ومش ناوي أسيبك تاني.
في اللحظة دي، الباب اتفتح وسليم دخل الأوضة، واقف عند الباب وساكت.
مازن لمح سليم، وابتسم له: سليم... ابن عمي، عامل إيه؟
سليم (بنبرة هادية بس باينة فيها برود): أهلًا... تمام.
مازن قرب منه، ومد إيده علشان يسلم عليه.
مازن: واحشني والله... ولا حتى تليفون تطمني.
سليم (وهو بيصافحه): كنت مشغول... كله تمام الحمد لله.
حصلت بينهم لحظة سكون، ونظرة سريعة كده، فيها شوية توتر كأن كل واحد بيقرا التاني... بس نسرين قطعت اللحظة اللي كانت متوترة وقالت من بعيد بنبرة عالية:
– العشا جاهز يا جماعة!
سليم وقف وقال بهدوء وهو بيبص للكل:
– تمام... يلا اسبقوني، أنا هغيّر هدومي وأتبعكم.
سارة قالت بسرعة وهي بتحاول تبان طبيعية:
– وأنا كمان جاية... قصدي هدخل أوضتي آخد دوا، دماغي مصدعة شوية.
سليم خرج، وسارة وراه، وسابوا مازن واقف لوحده في الصالة. بص حواليه، خد نفس عميق ونزل على السلم بخطوات هادية خطواته تقيلة بس واثقة، عينه بتدور في المكان كأنه بيقرا تفاصيله... وراح ناحية المطبخ.
الباب كان نص مفتوح، ودخل من غير صوت.
عينه وقعت فورًا على نور... كانت واقفة وظهرها ليه، منحنية شوية وهي بتحط اللمسة الأخيرة على صينية محشي سخنة، شعرها مربوط بطريقة بسيطة، بس فيها أنوثة تخطف العين.
مازن وقف مكانه، سكت، وعينه مش قادرة تبص بعيد عنها.
الهدوء، ملامحها، حركة إيديها... فيه حاجة فيها سحرته.
نور حسّت بحركة، رفعت راسها بسرعة، وأول ما شافت ملامحه، اتفزعت.
نور (وهي حاطة إيدها على قلبها):
وقفتلي قلبي! حضرتك خضتني والله!
مازن (بابتسامة فيها لطف زايد شوية، ونبرة هادية):
آسف، ما كنتش أقصد...
جيت بس آخد كوباية ماية.
نور (بسرعة وهي بتحاول تتفادى نظرته):
الماية في البراد... خد براحتك.
وبدون ما تزود كلام، مسكت الصينية بسرعة، وخرجت من المطبخ، خطواتها شبه جري، كأنها عايزة تخلّص من الجو ده.
مازن بص وراها، لحد ما اختفت، وفضل واقف مكانه، بيبتسم. بس الابتسامة دي ما كانتش بريئة. كانت شبه ابتسامة صيّاد شاف فريسة وعجبته.
مازن (بصوت واطي وهو بيتمتم لنفسه):
شكل البيت هنا...
هيعجبني أوي...
ووجودي هيطول المرة دي.
اتجه ناحية البراد ياخد كوباية الماية، بس عينه كانت لسه معلقة على اتجاه خروج نور.
كأنه بيخطط... أو بيتخيّل.
فوق أمام جناح سليم.
كانت سارة واقفة عند باب أوضته.
سارة (بصوت ناعم وهي بتقرب منه، وتحط إيديها حوالين رقبته):
حبيبي... هو إنت من يوم ما رجعت من عند ليلى وانت مش طايق تكلمني!
ما وحشتكش؟
سليم (نزع إيديها من عليه ببرود وجفاف):
مش وقتو يا سارة... بلاش دلوقتي.
سارة (عيونها دمعت بسرعة، صوتها مهزوز):
سليم... أنا بحبك...
سليم (نظرة جامدة ونبرة قاطعة):
شش، قلتلك مش وقتو.
وبعدين... لما أكون فـ مزاج أجيلك... هاجي.
وسابها واقفة، وفتح باب الأوضة، دخل، وقفل الباب في وشها من غير ما يبص ورا.
سارة وقفت شوية، عينيها معلّقة بالباب، والدموع بتنزل بهدوء، وبصوت مخنوق قالت:
سارة (بهمس):
بس أنا دايمًا في مزاجك... دايمًا.
تحت عند السفرة.
جلس مازن على الكرسي، مدّ إيده ياخد قطعة خبز، وبص حوالين السفرة الفاضية، بس بسرعة ملّ ورمى الخبز على الطبق.
مازن (بتأفف):
هو احنا غير أنا وانتي اللي هنا؟
ليه لسه ما قعدوش؟ مش المفروض ما ناكلش غير لما الكل يبقى موجود؟
ده الواحد ميت من الجوع يا ستي!
سمية (بتنهيدة متحملة):
قوانين مدام زمرد يا ابني...
قال يعني الاتيكيت والتربية، نعمل إيه بقى.
مازن (وهو بيشد حاجبه باستغراب):
طب البنت اللي كانت في المطبخ دي...
مين الخدامة الجديدة دي؟
سمية (باحتقار واضح):
خدامة؟
دي مرات سليم!
مازن (اتسمر مكانه):
نعم؟
سمية (بابتسامة جانبية فيها سخرية):
آه...
هي بنت حازم الجبار...
وسليم اتجوزها عشان ينتقم.
وهي دلوقتي شغالة هنا، بتطبخ، بتنضف... خدامة بكل معنى الكلمة.
مازن (نبرة صدمة خفيفة، لكن في عينه لمعة فضول):
ده حتى وشها مش وش خدامة...
بنت حازم؟
يعني اللعب بقى كبير أوي.
سمية (وهي بتمضغ الكلام):
آه يا حبيبي، دي قصة تقيلة...
بس الأتقل لسه جاي.
مازن (وهو بيرجع ضهره وبيبتسم):
واضح إني جيت في وقت ممتع...
والمسرحية لسه فـ أولها.
بعدما الجميع خلص أكل.
نور كانت بتنضف الصفرة، سايبة الكل في الصالون.
دخلت المطبخ تلم الأطباق، وهي لابسة عباية بسيطة وشعرها ملموم بعفوية، مفيهاش ولا نقطة ميكب، بس وشها منور كعادته.
دخل مازن فجأة، وقف على باب المطبخ وهو بيتفرج عليها من بعيد.
ابتسم من غير ما يحس، وقال:
مازن: "مش معقول الجمال ده كله، وانتي بتشتغلي كأنك خدامة!"
نور اتفزعت وهي بتلف عليه:
نور: "يا ساتر! حضرتك شغلتك بس خوفتني!"
مازن (بضحكة خفيفة): "آسف... بس بجد، إنتي بتعملي كل حاجة هنا؟"
نور (بهدوء): "اللي يتقال لي بعمله، مش أكتر."
في اللحظة دي دخل سليم، وقف شايف المشهد، ونظراته ولعت نار.
سليم (ببرود وهو بيبص لمازن): "واضح إنك بتحب تدخل المطبخ كتير اليومين دول."
مازن (وهو بيبتسم بسخرية): "والله المطبخ بقى ليه طابع خاص... خصوصًا لما فيه ناس زي نور."
سليم شد نفَسه، وصوته بقى حاد:
سليم: "نور، خلصي اللي في إيدك وتعالي أوضتي فورًا."
نور (بصوت هادي): "حاضر."
خرجت من المطبخ، وسابت وراها الجو مكهرب.
دخلت نور الأوضة بخطوات هادية، بس قلبها بيخبط.
واقف سليم عند الشباك، ضهره ليها، ساكت... بس نَفَسه متقلّب، كأن فيه بركان جواه.
نور (بصوت واطي):
"حضرتك طلبتني."
سليم (بيلف بسرعة، عينه فيها لهب):
"كنتي مبسوطة و إنتي بتضحكي معاه؟"
نور (اتلخبطت):
"أنا؟ لا... والله ما كنت بضحك، هو اللي كلمني فجأة!"
سليم (قرب منها خطوتين، صوته عالي فجأة):
"يعني لما أي حد يوقفك في المطبخ وتلاقيه بيقولك كلمتين حلوين، تبتسمي كده؟"
نور (اتراجعت خطوة، بصوت بيرتعش):
"أنا مبتسمتش ...كنت برد عليه بأدب."
سليم (بسخرية):
"بأدب؟ ده حتى مازن اتشد ليكي!
فاكرة نفسك إيه؟ ملاك؟
ولا لسة فاكرة إنك بنت حازم اللي كان الناس كلها بتتمنى رضاهم؟"
نور (دمعة وقعت من غير ما تحس):
"أنا مليش ذنب في اللي حصل... ولا اخترت إني أعيش هنا كده...
بس انت بتعاقبني كل يوم... وكأنك مبسوط تعذبني."
سليم (نظراته وقفت عند دمعتها، قلبه اتحرك لحظة... بس وشهم مبينش):
"اللي زيك لازم يعرف حجمه...
أنتي هنا مش مرات سليم... أنتي مجرد دين أنا لازم أخلصه."
نور (بصت له بعيونها اللي بدأت تتملي دمع):
"طب خليني أشتغل... أنضف... أطبخ... بس متوجعنيش بكلامك..."
سليم (نزل صوته فجأة، وبص لها بنظرة فيها صراع):
"كل مرة بشوفك... بتلخبطيلي كل حاجة...
مش المفروض أحس أي حاجة تجاهك...
بس وجودك... بيوجعني."
نور (بهمس):
"وانا وجودي هنا بيوجعني برضو..."
و فجأة ظن سابق انذار يهجم على شفايفها و....
كانت بتترعش.
"أنا آسفة."
"مش عايز أسمع حاجة."
"بس اسمعني."
"مش عايز."
"أنا بحبك."
"الكلام ده مش هينفع."
"ليه؟"
"اسمعي، أنا مش هقدر أكمل معاكي."
"ليه بس؟"
"مش هقدر."
"قولي السبب."
"مش عايز أقول."
"طب ليه بتعمل فيا كده؟"
"أنا مش بعمل فيكي حاجة."
"ده اللي شايفاه."
"طيب، أنا لازم أمشي."
"استنى."
"مش هقدر."
"بس أنا..."
"آسف."
"أنا مش فاهمة."
"مش مهم."
"طب ممكن أعرف بس ليه؟"
"مش عايز أتكلم."
"طيب."
"هبقى أكلمك بعدين."
"ماشي."
"مع السلامة."
"مع السلامة."
"أنا لسه واقفة مكاني."
"مش عارفة أعمل إيه."
"قلبي بيوجعني."
"حاسة إني بموت."
"ليه يا رب؟"
"ليه بتعمل فيا كده؟"
"أنا عملت إيه عشان كده؟"
"أنا ماليش ذنب."
"أنا ماليش أي ذنب."
"ليه بيحصل فيا كده؟"
"يارب ساعدني."
"أنا تعبانة."
"مش قادرة أتحمل."
"يارب."
"لو سمحت."
"ارجعلي."
"أنا محتاجاك."
"متسبنيش."
"أنا بحبك."
"أنا بحبك أوي."
"ارجع."
"أنا تعبانة."
"مش قادرة."
"يارب."
"يارب."
"يارب."
رواية ليس لها ذنب الفصل التاسع 9 - بقلم ميلي ميس
فجأة، من غير سابق إنذار، هجم سليم على شفايف نور بعنف. حضنها بقسوة كأن جواه نار طالعة ومالهاش حل.
نور كانت مصدومة، حاولت تدفعه، تقاوم، بس هو ما بعدش غير لما حس إنها بتتقطع ومش قادرة تاخد نفسها.
نور بعينين مدمعة وصوت بيرتعش من الغضب والبكاء:
"إنت عن جد مريض! مريض وحقير كمان!"
سليم عنيف، ماسك أعصابه بالعافية. فجأة مسك إيدها بقوة، ولوّحها ورا ضهرها لدرجة إنها صرخت من الألم.
بص في عينيها، صوته طالع زي فحيح الأفعى:
"لو شفتك مرة تانية واقفة مع مازن... والله العظيم هكسرلك رجليكي!"
"ومن النهاردة، ما تنزليش تحت تاني! خليكي هنا... عندي أنا."
سكت لحظة، وابتسم ابتسامة خبيثة تقطع القلب:
"عايزك تخدميني في الأوضة، وبس."
خرج من الأوضة وهو قافل الباب ورا ضهره بكل برود، سايبها واقفة هناك مصدومة، دموعها بتنزل من غير صوت، وإيدها لسه بتوجعها.
سليم وهو نازل على السلالم، وركب عربيته بسرعة.
مسك دركسيون العربية بقوة، كأنه بيحاول يفرّغ اللي جواه، وبص في المراية.
همس لنفسه بقلق واضح:
"أنا إيه اللي بيحصل لي؟ ليه اتضايقت كده لما شفتها مع مازن؟ ليه حسيت نار في صدري؟"
وصل سليم للبار، كان الليل تقيل وجوه مليان أفكار مش مفهومة. دخل جوه، عيونه بتدور على معتز. أول ما شافه، مشي ناحيته بخطوات واثقة لكن قلبه مش مستقر.
قعد على الكرسي المقابل ليه، من غير سلام ولا مقدمات.
سليم بنبرة جادة:
"خير... إيه سبب إنك طلبت تقابلني؟"
معتز بابتسامة غامضة، وهو بيشرب رشفة من الكاس اللي قدامه:
"الفار اتحرك."
سليم رفع حاجبه بخفة وهو بيبتسم بسخرية:
"يبقى نرمي له شوية سكر."
طلب لنفسه كاس، وبدأ يشرب ببطء، كأنه بيحاول يسكت صوت داخله.
معتز لمّح التوتر في عيون صاحبه، وسأله بنبرة هادية:
"هو إنت مالك؟ شكلك متضايق."
سليم بسرعة، وبدون ما يبص له:
"أنا؟ لأ خالص... مفيش حاجة."
معتز ضحك بخفة وهز راسه:
"يلا يا صاحبي، أنا حافظك أكتر من أي حد... وشك بيقول غير كده. احكيلي، الموضوع أكيد ليه علاقة بـ... نور؟"
وفجأة، سليم عيونه اتغيرت، قلبه اتقلب، ونبرته بقت نارية.
سليم بصوت هادي بس مليان تهديد:
"انطق اسمها تاني... وهتلاقي نفسك قدام تلات أسئلة."
معتز ضحك من قلبه، وهو بيهز دماغه:
"يا راجل... شكلك وقعت وقعة تقيلة يا نمر."
سليم بان عليه الغضب، ضرب الكاس على البار وقال:
"مااااعتززز!"
معتز فضّل هادي، وبصله بعينين فيها صدق:
"بص بقى... فيق من قصص الانتقام القديمة اللي بتضحك بيها على نفسك. إنت مش بتنتقم منها، إنت بتعاقب نفسك. أنا عارفك من جوه، انت اتشدّيت ليها أول ما شفتها..."
سليم ساب الكاس على الطاولة، وسرح.
الدوشة حوالينه في البار بدأت تختفي، وكأن الزمن رجع لورا.
نور كانت واقفة قدامه، هادية، صامته، وطرحتها مغطيه ملامحها.
مدّ إيده... وشال الطرحة بقوة.
وفي اللحظة دي...
الدنيا سكتت، الزمن وقف.
عنـيها... كانت أكتر حاجة لفتت نظره. فيها خوف، وضعف، بس برضه فيها كبرياء مش طبيعي.
وشها... بريء بشكل بيغضب، كأنها ما تخصش العالم ده.
شفافها كانت بتتحرك خفيف، كأنها هتتكلم، بس سكتت.
سليم حس بحاجة غريبة جواه... حاجة ما حصلتش قبل كده.
كأن قلبه، اللي كان متجمد من سنين، اتزحزح شوية.
قال لنفسه ساعتها: "إيه اللي بيحصل لي؟ أنا مش كده... مش بنبهر بسهولة..."
بس الحقيقة...
هو اتشد... غصب عنه.
اتشد لنور، بشكل ما فهموش ولا حتى اعترف بيه لنفسه.
رجع لنفسه، ومسح الإبتسامة اللي طلعت على غفلة، ووشه رجع قاسي زي الأول.
رجع للبار، رجع لصوت معتز.
معتز بخبث، وهو بيكمل الضغط عليه:
"ومع الوقت... الإعجاب ده كبر، وبقى حاجة تانية... بقى حب."
سليم شد نفسه، وقال بإصرار:
"مفيش حاجة اسمها حب... كله كدب ووهم."
معتز وهو بيبصله بعينين كلها وجع وأخوة:
"لو وهم... ليه كل ما تشوفها بتتوتر؟ ليه كل كلمة منها بتقلبك؟ بطل تظلمها وتظلم نفسك، إنت مش طفل... جواك مشاعر حقيقية، بتخاف تعترف بيها حتى لنفسك."
سليم اتنهد، وصوته نزل:
"حتى لو صح... مش هيفرق. البنت بتكرهني."
معتز بسخرية ممزوجة بحزن:
"والفضل يرجع لمين؟ ليك طبعا، حضرتك اشتغلت على ده بكل طاقتك... بس زي ما زرعت الكره، تقدر تزرع الحب. بس المرة دي... ازرعه بصدق."
سليم سكت... جواه صراع، بين اللي حاسه، وبين اللي بيحاول يهرب منه.
رجع سليم القصر متأخر... تعب ودماغه مشوشة من كلام معتز ومن الشرب اللي حاول ينسّيه مشاعره، بس ما عرفش.
دخل أوضته... وكانت المفاجأة.
نور؟ نايمة على الأرض، زي كل ليلة، ملفوفة في نفسها كأنها بتحمي روحها من قسوة العالم... ومنه هو.
وقف يتأملها شوية، ملامحها هادية، بريئة بطريقة بتوجع.
قال في نفسه:
"لو ماكنتيش بنت حازم... كانت علاقتنا هتكون عاملة إزاي؟ كنت هقسى كده برضه؟ ولا كنت هحبك؟"
قرب منها بهدوء، وحس بحاجة بتوجعه جواه.
شالها من على الأرض، وغطاها كويس على السرير، وبعدين... ولأول مرة من فترة، نام جمبها.
هو ماكنش ناوي، بس تعبان... تعبان من كل حاجة.
الصبح
نور فتحت عينيها وهي حاسة بحاجة غريبة.
إيه ده؟
دي في السرير؟
بصت جنبها... وسليم نايم، حاطط دراعه حواليها كأنه بيحميها!
قلبها وقع من مكانه.
نور في نفسها:
"يا نهار اسود! أنا جيت هنا إزاي؟ ده لو فاق ممكن يخلص عليّا!"
بدأت تتحرك بالراحة، تحاول تفك نفسها من تحت دراعه من غير ما تصحيه.
لكن...
سليم فتح عينه.
نور بلعت ريقها وقالت بسرعة وهي بتحاول تبرر:
"بص بقى، لو قلتلك إني ماكنتش قصدي، وإنّي كنت نايمة على الأرض كالعادة وبقوم أمشي وأنا نايمة، وجيت هنا بالغلط، مش هتصدقني... صح؟"
سليم، بنبرة باردة وهو بيبعد عنها وبيقوم من السرير:
"أنا اللي شلتك... الجو كان برد."
نور بصت له بشك وقالت وهي بتقرب تحط إيدها على جبينه:
"هو انت تعبان؟ عندك حرارة؟ ولا ده تأثير السكر؟"
سليم بص لها من غير اهتمام، ودخل الحمام سايبها واقفة مش فاهمة أي حاجة.
خرج بعدها، لقى الأوضة مترتبة.
نور، وهي بتحاول تبان قوية:
"لو مش محتاجني في حاجة، أنا نازلة لتحت أكمل شغلي."
سليم، بنبرة حادة فجأة:
"نسيتي أنا قلتلك إيه امبارح؟ النزول لتحت ممنوع."
نور في نفسها وهي بتكتم غيظها:
"مش هو اللي أمرني أشتغل وأنضف وأطبخ؟ هو فين المنطق؟"
وقبل ما تكمل تفكيرها، سمعته بيقول:
"يلا... جهّزي نفسك. هتنزلي تفطري معانا."
نور، مصدومة بصوت عالي:
"إيه؟ بجد انت مريض! شكلك خبطت دماغك في حاجة!"
قربت منه، ومدّت إيدها على جبينه:
"مافيش سخونة... بس أكيد اتخبطت في حاجة!"
سليم، بنبرة صارمة وهو بيقفل الزرار الأخير في قميصه:
"قلت يلا، مش هكرر كلامي."
نور، بعند طفولي وهي بتقف قدامه:
"يلا إيه؟ أكيد مش هقعد على نفس الطاولة معاك ومع اللي جابوك!"
سليم، وهو واقف قدامها وعيونه فيها نار غريبة:
"يا إما تجهزي نفسك وتنزلي... يا إما نفضل هنا، وساعتها..."
قرب منها بنظرة كلها خبث وقال بصوت واطي:
"هفطّر نفسي على حاجة أحلى بكتير من الفطار!"
نور اتوترت جدًا، قلبها ضرب، حسّت الدم بيجري في عروقها بسرعه، وقالت بسرعة وهي بتبعد عنه:
"خلاص خلاص! هجهز نفسي وانزل! مش لازم تهدد يعني!"
سليم وقف مكانه، وبص لها من فوق لتحت، وقال وهو رايح ناحية الباب:
"البسي حاجة على راسك."
نور، وهي بتكتم غيظها، فتحت بقها علشان ترد:
"بس أنا—"
سليم لفّ لها بسرعة وبحدة:
"قلت من غير نقاش يا نور!"
سكتت على مضض، ومشيت ناحية الدولاب وهي بتجزّ على أسنانها، وبتقول في نفسها:
"هو فاكر نفسه مين؟!"
لبست شال خفيف على شعرها، وطلعت ماشية وراه وهي بتعدّ في عقلها خطوات السلم، كأنها بتحسب الوقت اللي هتخلص فيه من الموقف ده.
في قاعة الطعام سفرة طويلة متزيّنة بالأكل والمشروبات – زمرد قاعدة على رأس الطاولة، سارة قدامها بنظرات متحفزة – الخدم واقفين بهدوء – الجو كله مترقّب.
وفجأة...
خطوات رجالية تقيلة بتدوّي على السلالم الرخام...
سليم نازل... بشياكة وهيبة، وماشي جنبه نور بخطوات مترددة، عينها في الأرض، حاطة شال على راسها زي ما أمرها.
سارة ضيّقت عينيها وبصّت باستغراب ممزوج بالغضب، وقالت بغل واضح: "هو في إيه؟! سليم، دي الخدامة... ليه نازلة معاك؟! وليه أصلاً ما نزلتش بدري تعمل شغلها؟!"
نور رفعت عينيها بسرعة كأنها اتلسعت، لكنها سكتت، وسابت الكلام لللي واقف جمبها...
سليم وقف في منتصف القاعة، وصوته جه حاد، قاطع، مالوش مزاح: "سارة... لأخر مرة، ما تتدخليش في اللي مالكيش فيه."
زمرد بتوتر حاولت تدخل: "ابني... سارة ما كانتش تقصد بس..."
سليم قطع كلامها بنبرة أقوى: "ثانياً، نور مش خدامة... نور مراتي."
صمت قاتل ضرب القاعة... الخدم بصوا لبعض، زمرد اتجمدت مكانها، وسارة اتسعت عينيها وهي مش مصدقة.
سليم بص لهم واحد واحد، وبصوته اللي بيقطّع زي السيف: "وثالثاً... من النهارده، احترامها من احترامي. اللي يجرحها... يبقى بيجرحني أنا."
نور حست بقشعريرة جت في جسمها... قلبها دق بسرعة، ومش عارفة ده خوف ولا حاجة تانية...
سارة حاولت ترد، بس سليم رفع إيده بمنتهى الحزم: "مش عايز أسمع صوت..."
"يلا كلوا قبل ما الأكل يبرد."
وسليم راح قعد على رأس السفرة وسحب الكرسي اللي جمبه بهدوء وبص لنور:
"اقعدي."
نور اتلخبطت، قلبها بيدق، وكل العيون عليها... بس قاعدة.
زمرد بصوت عالي ومليان غضب مكتوم، قامت من مكانها بدون ما تلمس الأكل:
"سليم... لما تخلص أكلك، أنا عايزة أتكلم معاك في كلمتين لوحدنا."
وسابت السفرة ومشت بخطوات تقيلة، والتوتر باين في كل حركة.
سارة قامت وراها وهي بتكاد تشتعل.
أما سمية، بصت لمازن اللي قاعد بياكل كأنهم مش في عز معركة، ملامحه مستمتعة كأن اللي حاصل ده مسرحية، فسحبت نفسها من على الكرسي ووقفت، وقالت في نفسها:
"مافيش فايدة... الولد ده مايتصلحش."
وسابت الأكل اللي كانت مستنياه طول الصبح، وراحت وراهم.
القاعة سكتت فجأة، ما بقاش فيها غير سليم، نور اللي كانت بتاكل بحذر، ومازن اللي مكمل أكل بشهية.
مازن رفع عينه وبص لنور بنظرة كلها خبث وقال:
"أكلكم النهاردة وحش قوي... عكس عشا إمبارح، ساعتها فهمت إنك مش إنتي اللي طبختي."
وبص لإيديها وقال بنبرة متلذذة:
"إيديكي ناعمة زيادة عن اللزوم... يدين مش بتاعة مطبخ."
نور بخجل وضيق:
"شكرًا..."
سليم كان بيراقب النظرات، والنار ولعت جواه... صوته طلع غاضب، ونبرته قطعت الجو:
"مازن! احترم نفسك... ما تخلينيش أغلط فيك!"
مازن رفع حواجبه وقال بنبرة باردة وابتسامة مستفزة:
"ليه؟ قلت حاجة غلط؟"
سليم زعق فجأة، ونور اتخضت:
"نور! يلا... اطلعي على أوضتك حالًا!"
نور وقفت بسرعة، وعيونها على الأرض، مش عارفة تبص لمين، وسابت المكان وطلعت بهدوء مرتبك.
سليم فضل واقف مكانه، عينه نار، وصدره يعلو وينزل من كتر الغضب، وقال بصوت منخفض بس بيقطر تهديد:
"هو إيه هدفك بالضبط، يا مازن؟"
مازن اتكى براحة على الكرسي، ومسح بقية الأكل من شفايفه، وقال بنبرة باردة وفيها تحدي واضح:
"ولا حاجة... يا ابن عمي."
وساب الشوكة على الطبق، وقام، وسيب سليم واقف وسط الصالة... قلبه بيغلي، ودماغه بتموج بالأفكار.
مازن وهو بيقفل الباب ورا ظهره، بص لنفسه في مراية المدخل، وابتسامة باردة على وشه، وقال في نفسه بنبرة كلها خبث:
"ما فضلش كتير... وكل حاجة هتقع. وقتها يا سليم بيه، هتشوف أسطورتك وهي بتتهد حتة حتة... وساعتها كل حاجة هتبقى في إيدي، حتى مراتك!"
سكت لحظة، ونظره اتعلق في الفراغ، كأن الزمن رجعه سنين ورا... قلبه دق بسرعة، ووشه اتبدل لما الصورة جات في باله.
لارا، بنت جميلة وطيبة، كانت واقفة قدامه، عينيها مليانة دموع، صوتها بيترعش وهي بتقول:
"مازن... أنا آسفة... بس أنا مش بحبك... أنا بحب سليم، ومش قادرة أعيش من غيره."
هو كان واقف مش مصدق، بيبص لها كأن قلبه اتكسر، لكن قبل ما يقدر يرد، لارا فجأة رفعت شفرة، وبحركة واحدة... قطعت شريان إيدها!
صرخة خرجت من فمه وهو بيجري عليها:
"لاراااا!!!"
رجع مازن للواقع، اتنفس بصعوبة، كأنه لسه شايف الدم بين إيديه، وحس بحاجة بتضغط على صدره...
غمض عينه، وبهمس قال:
"من يومها... ولا بنت قدرت تخليني أفكر في حاجة غير الغضب... لحد ما شفتك إنتي يا نور..."
فتح عينه، وكان بيبص للقصر من بعيد، بنظرة فيها ألف معنى:
"فيكي حاجة غريبة... حاجة أول مرة أحسها من سنين... وسليم مش هيسيبك طويلا، بس أنا مش هسيبك ليه."
ومشي في ظلمة الليل، وهو بيضحك ضحكة خفيفة لكنها كانت مرعبة... وكأن في حاجة كبيرة جاي.
رواية ليس لها ذنب الفصل العاشر 10 - بقلم ميلي ميس
في مكان بعيد، مهجور، جدرانه متآكلة، والهدوء فيه مخيف.
كانت ثريا قاعدة في حضنه، بتتدلع زي قطة متوحشة.
ابتسامتها مرسومة على شفايفها وهي بتلعب في طرف جاكيت جلده.
وبصوت كله أنوثة وفضول:
"هااا... الخطة؟
هتنفذها إمتى بقى؟ أنا قلبي مش صابر."
هو لف سيجارة ببطء، عيناه سودة كأن فيها نار.
وسحب نفس عميق وقال بنبرة غامضة:
"لما يحين الوقت...
هتعرفي، وكل حاجة هتمشي زي ما أنا خططت بالظبط."
ضحكت ضحكة خفيفة، قربت منه أكتر، وشها بقى قريب جدًا.
وهمست وهي بتحرك صباعها على صدره:
"تعرف؟
أكتر حاجة عجبتني في الخطة...
إني قتلت حازم بإيدي...
خلاص، ارتحت منه.
وبقيت دلوقتي حرة...
حرة أكون معاك...
من غير كدب، ولا تأليف قصص.
ولا عيشة زيف ووجع."
هو بص لها بابتسامة شيطانية، مسك دقنها برقة مصطنعة.
وقال بصوت هادي بس مرعب:
"وكل دا كان أول خطوة بس...
الخطوات الجاية؟
هتخلي الدنيا كلها تركع تحت رجلينا."
ثريا بصتله وهي بتحاول تخفي قلقها، بس عينيها فضحتها.
وسألته بصوت فيه رجفة خفيفة:
"وأولاد حازم؟
إيه اللي ناوي تعمله فيهم؟"
هو لف وشه ليها ببطء، نظرة سامة في عينيه، وابتسامة باردة مرسومة على شفايفه:
"هو انتي... خايفة عليهم؟"
ثريا بلعت ريقها، حاولت تتمالك نفسها.
بس قلبها كان بيدق بسرعة:
"في الآخر... دول أولادي.
آه، يمكن أبوهم مش بحبه.
بس أنا عمري ما أتمنيت الشر ليهم.
أنا مش عايزاهم يتأذوا...
مش عايزاك تمس شعرة منهم، فاهم؟"
ضحك بخفة، ضحكة سخيفة تخوف.
قرب منها ومسح على خدها بإيده، وقال بنبرة متلونة بين التهديد والحنان:
"بس انتي اللي بدأت اللعبة، يا ثريا...
وانتي اللي دخلت ولادك في المعادلة...
أنا وعدتك بالحرية...
بس كل حاجة لها تمن."
ثريا بصتله بحدة، بس صوتها كان خافت:
"أنا دفعت التمن...
قتلت جوزي، وبعت سنين حياتي...
بس ولادي؟
دول خط أحمر، فاهم؟
لو لمست واحد فيهم...
أنا اللي هخلّي النهاية تيجي أسرع مما تتخيل."
هو ضحك ضحكة شريرة وسحب نفس تاني من سجارته، وقال ببرود:
"هنشوف يا حبيبتي...
هنشوف انتي فعلاً قد كلامك...
ولا بس بتلعبي دور الأم الطيبة."
في صباح جديد، ضوء الشمس بدأ يتسلل من بين ستاير الأوضة، يلامس وشوشهم بهدوء وحنان.
نور فتحت عينيها على مهل، ومع أول نفس خادته... حسّت بحاجة غريبة.
ولما حرّكت جسمها شوية، اتجمّدت في مكانها...
كانت نايمة في حضن سليم!
إيده ملفوفة حواليها وكأنهم في مشهد رومانسي من فيلم مش مصري أكيد!
نور في نفسها، وهي بتكتم غيظها:
"يا ربّي على الصبر... هو في إيه؟ أنا كل يوم لازم أصحى على مصيبة جديدة؟
هو أنا نيمت جنبه تاني إزاي؟ ولا هو اللي جه شالني ورماني جنبه؟
هو إيه اللي جراله؟ اتقلب ملاك فجأة؟
ده مش سليم اللي كان بيزعقلي عالفاضي والمليان وبيعاملني زي الشغالة!"
بصّت حواليها وهي بتفرك عينيها، وغمغمت:
"ولا يكون ساكنه جن عاشق ولا حاجة؟
والبيت دا شكله مش نضيف من أول يوم... مليان عفاريت وطاقات سودة!"
بصّت له بتركيز، لقت ملامحه هادية، نايم كأنه برنس من برانس الحواديت، مش نفس الإنسان اللي كانت بتتهرب من صوته!
حاولت تبعد نفسها بهدوء، بس حركة بسيطة خلت إيده تتمسك بيها أكتر، كأنها ملكه ومش ناوي يسيبها.
لكن فجأة...
حسّت بدوخة، وألم غريب في معدتها، قامت بسرعة وهي ماسكة بطنها، وراحت جري على الحمام.
صوت الاستفراغ كان واضح، وصحّى سليم اللي فتح عينه بنعاس وتقفيلة صوت:
"يا ساتر... إيه الدوشة دي؟ مش ممكن تنقصي الصوت شوية؟ ده أنا لسه بحلم إني على جزيرة!"
نور طلّعت من باب الحمام، وشها باين عليه التعب، كانت هترد عليه... بس فجأة...
لفت تاني، ورجعت جوا الحمام وهي بتستفرغ للمرة التانية.
سليم قعد على السرير، حكّ دماغه، وبص للباب:
"هي بتتقيأ... ولا أنا بحلم؟"
لفّ وشه للنحية التانية، وقال لنفسه:
"أكيد اتخضت عشان صحيت لقت نفسها في حضني... ما طبيعي تتعب!"
لكن بعد دقيقة، سمع صوتها بتستفرغ تاني، فقام بسرعة، قرب من باب الحمام، وخبط عليه بخفّة:
"نور... إنتي كويسة؟"
نور من جوه الحمام، بصوت ضعيف:
"سيبني في حالي... مش طايقة حتى صوتك!"
سليم تنفّس بعمق، ووشه اتشد بقلق، أول مرة يحس بحاجة بتتحرك في قلبه كده...
سليم وهو واقف عند باب الحمام، بدأ يفقد صبره، ضرب الباب براحته وقال بنبرة فيها نفاذ صبر:
"خلاص كفاية... أنا هتصل بالدكتورة حالًا."
نور من جوه الحمام، وهي بتحاول تتحامل على نفسها، ردت وهي بتغسل وشها:
"لاااا، مش مستاهلة، أكيد بس أكلت حاجة بايظة... خلاص استفرغتها وهبقى تمام."
سليم بصوت عالي:
"يعني إنتي شايفة إن الطبيعي الواحدة تصحى الصبح على صوت معدتها وهي بتقلب، وتقضيها استفراغ؟!"
نور خرجت من الحمام وهي ماسكة على بطنها، وبتتكلم بهدوء متعب:
"مش أول مرة يحصل كده... جسمي بيتعب بسرعة، وأنا أصلاً اليومين اللي فاتوا كنت بنام من غير ما آكل."
سليم بصّ لها بنظرة غريبة، ومشي ناحية التليفون:
"أنا مش طبيب، ومش هسيبك كده تتصرفي على مزاجك... هكلم الدكتورة تيجي حالًا."
نور، وهي بتشد الغطا من على السرير وبتقعد، قالت بضيق:
"أنت ليه مهتم أصلاً؟ مش ده نفس سليم اللي كان بيقولي أنام على الأرض من غير غطا؟!"
سليم وقف لحظة، وبصّ لها، وبعدين قال بجفاف:
"لإني... مش عايز يحصل لك حاجة قدامي، فاهمة؟"
نور اتفاجئت من لهجته، سكتت شوية، لكن ملامحها ما كانتش مقتنعة قوي، لسه جوّاها مليون سؤال.
وفي اللحظة دي...
سليم طلع من الأوضة وهو بيكلم في التليفون:
"أيوه يا ليلى محتاجك ضروري... لأ، مش أنا... مراتي."
نور اتسعت عينيها، أول مرة تسمع الكلمة دي منه كده...
"مراتي!"
وشها سخن، مش من التعب...
من الكلمة اللي خبطت على باب قلبها اللي كانت قافلاه بالمفتاح من زمان.
مرّ الوقت...
وصوت جرس القصر رن.
نسرين جريت تفتح الباب، ولقت الدكتورة ليلى واقفة قدامها.
نسرين بابتسامة سريعة:
"اتفضلي يا دكتورة، سليم بيه مستني حضرتك."
دخلت ليلى للقصر، وكانت زمرد وسمية قاعدين في الصالة، بيشربوا القهوة.
زمرد رفعت عينيها وقالت باستغراب:
"ليلى؟ خير يا بنتي؟"
كانت ليلى هترد، لكن سليم نزل من فوق الدرج وهو لابس تيشرت رمادي وباين عليه القلق:
"أنا اللي طلبتها."
زمرد قامت واقفة وقالت بقلق:
"ليه؟ حصل حاجة؟ حد تعبان؟"
سليم وهو بيبدأ يطلع مع ليلى السلم:
"نور تعبانة... شكلها مش بخير."
سمية بصوت واطي فيه شماتة:
"ف ستين داهية، تموت ونرتاح من قرفها بقى."
زمرد فضلت واقفة في مكانها، كلام سمية خلّى قلبها يتقلّب، لكنها ما علّقتش...
فضلت سكتة، وهي بتحاول تفهم سلوك ابنها اللي بقى غريب الفترة الأخيرة...
وخاصة بعد اللي حصل امبارح...
فلاش باك – ليلة أمس
زمرد دخلت أوضته وهي باين عليها الغضب:
"سليم! أنت بتحبها؟ بتحب بنت حازم؟!"
سليم لفّ وشه عنها، وهو بيحاول يهرب من السؤال:
"هو إيه السؤال ده دلوقتي؟"
زمرد بصوت عالي مليان عتاب:
"ما تتهربش! أنت نسيت ليه اتجوزتها أصلاً؟ نسيت إن ده كان انتقام؟!
دلوقتي بقيت تقعدها معانا عالسفرة وتعامّلها كأنها واحدة مننا؟!"
سليم أخد نفس عميق، وقال بهدوء غريب:
"أنا وانتي عارفين إن نور بريئة... إحنا ظلمناها، وأنا مش قادر أكمل التمثيلية دي.
أنا ندمان على كل لحظة قسيت فيها عليها."
زمرد بصوت مخنوق:
"حتى لو بريئة... هي بنت حازم! مستحيل تبقى مراتك في يوم!
ده خيانة لأبوك... لأختك اللي ماتت!"
سليم بصوت بدأ يرتفع:
"أنا عملت اللي لازم مع اللي تسببوا في موت بابا وأختي...
أما نور، فهي مالهاش ذنب.
وأيوه، أنا بحبها... ماكذبش عليك."
زمرد بصوت فيه تهديد:
"وسارة؟ بنت عمّك؟ اللي من سنين و انت بتلعب بيها؟"
سليم قالها وهو بينفجر:
"أنا ما أجبرتهاش على حاجة! كل اللي عملته كان بإرادتها...
أنا عمري ما وعدتها بشيء
أنا قلبي مش معاها... قلبي مع نور."
نهاية الفلاش باك
رجعت زمرد لواقعها، وعيونها تابعت سليم وهو بيختفي فوق مع الدكتورة...
وحاجة جواها اتكسرت، مش عارفة هي مشاعر غضب، خيبة، ولا خوف من اللي جاي.
فوق، الباب اتفتح بهدوء، ودخلت ليلى أوضة سليم.
نور أول ما شافتها، صوتها طلع بنبرة مليانة حنين واستغراب:
"أبله ليلى؟!"
ليلى ابتسمت وهي بتقرب منها:
"أيوه يا نور، أنا! كنت كشفت عليكي قبل كده هنا في القصر، بس ساعتها كنتي مش فوعيك... على فكرة، جوزك ده صديقي من أيام الطفولة."
سليم رفع حاجبه بسخرية وقال:
"خلصتوا الحكايات؟ ممكن بقى يا ليلى هانم نرجع للسبب الأساسي من الزيارة؟"
ليلى رمقته بنظرة هادية لكنها حاسمة:
"آه، طبعًا... بس لو تتفضل تطلع برا شوية."
سليم بضيق:
"برا؟ نعم؟ دي مراتي."
ليلى بنبرة جامدة:
"وأنا الدكتورة، وبقولك تتفضل لبرا عشان أقدر أكشف عليها براحتها."
سليم اتنرفز وخرج من الأوضة وهو بيكتم غضبه.
ليلى قربت من نور وبدأت تكشف عليها بهدوء، وبعدين سألتها وهي مركزة في وشها:
"نور...
إنتي عارفة نفسك مالك صح؟ أنتي طالبة طب وأشطر طالبة شفتها في حياتي. مستحيل تكوني مش حاسة.
نور بصت لها بعينين فيها خوف وهمست:
"كنت شاكة... بس مش متأكدة."
ليلى مسكت إيدها بلطف وقالت:
"نور، إنتي حامل."
نور اتسعت عينيها واتشد نفسُها بغريزة تلقائية، وقالت بصوت مهزوز:
"أرجوكي يا أبله ليلى... ما تقوليش لسليم."
ليلى استغربت:
"بس..."
نور قطعت كلامها بسرعة:
"أرجوكي... مش دلوقتي، لسه مش جاهزة، ومش عارفة حتى هو ممكن يفرح ولا يزعل."
ليلى بصت لها بتفكير، وبعدين قالت بهدوء:
"ماشي... مش هقول. بس لازم يعرف في أقرب وقت، ده من حقه. وكمان... كم شهر وبطنك هتبدأ تبان."
نور وهمست بصوت شبه مكسور:
"هقول له... بس لما أعرف هو مش هيأذيه."
في اللحظة دي دخل سليم، وشه متجهم وباين عليه القلق:
"ها؟ إيه فيها؟"
ليلى بسرعة، وبنبرة فيها توتر خفيف:
"مفيش حاجة تقلق، شكلها أكلت حاجة مش كويسة شوية. محتاجة ترتاح وتاكل كويس... وهتبقى تمام."
سليم:
"طيب، مفيش دواء توصفيله؟"
ليلى بتتهرب:
"لا لا، مش ضروري دلوقتي... مجرد راحة وشوية تغذية وهتكون زي الفل."
سليم شك في لهجتها، لكنه قال:
"تمام..."
ليلى بسرعة جمعت حاجتها وقالت:
"أنا ماشية، لو احتاجتوا حاجة كلموني."
وخرجت من الأوضة بسرعة، كأنها بتجري من حاجة!
ليلى نزلت على السلالم بسرعة، قلبها بيدق من التوتر، ولسه بتحاول تستوعب اللي حصل فوق في أوضة سليم. كانت عايزة تخلع بأي طريقة من القصر قبل ما تتورط أكتر.
لكن أول ما وصلت للصالة... الباب اتفتح.
ومازن دخل.
ليلى وقفت مكانها، ونظرتها كانت نار.
"هو! دا اللي كان ناقصني!"
قالتها وهي بتكتم غيظها، كأنها شافت شبح من الماضي مش شخص.
مازن ابتسم وقال وهو بيقرب منها:
"ليلى! إزايك!"
ليلى بغيض و بنبرة متسرعة، وكأنها بتقرا من ورقة:
"مازن! أنا كويسة الحمد لله... مبسوطة إني شفتك، هو إنت رجعت من السفر؟ حمد لله على السلامة، أتمنى تكون بخير... أنا الحمد لله، ماشي، يلا باي، عندي شغل ضروري!"
مازن حاول يرد، بس هي كانت خلصت الجمل كلها ورا بعض كأنها بتجري من حاجة...
مديت إيدها بسرعة على الباب، فتحته، وخرجت بدون ما تبص وراها.
مازن، بعد ما خرجت ليلى وهو واقف في النص، لف بعينيه حوالين المكان وقال بنبرة كلها سخرية:
"شكل المجانين زادوا قوي اليومين دول... وبقوا كمان دكاترة! يا خبراااا!"
ضحك بصوت خافت وهو بيهز راسه، ومشي ببطء ناحية باب القصر، وبدأ يصفّر بلحن مستفز كأن مفيش حاجة تهمه في الدنيا.
وهو ماشي، شاف نسرين، الشغالة، كانت واقفة بتنضف الركن اللي جنب السلم وبتحاول تركز في شغلها... بس وشها كان بيقول غير كده.
نسرين عضت شفايفها علشان ما تضحكش، بس مازن لاحظها، فابتسم ابتسامة واسعة كلها استفزاز وقال لها وهو بيغمزلها:
"إيه يا نسرين؟ شكلك بتفكري تعملي دكتوراه إنتي كمان! ولا لسه بدري؟"
نسرين بسرعة رجعت تركز في الشغل، ومسحت التراب بعصبية وهي بتقول في سرها:
"الله يوريك يا مازن... ربنا يسلّط عليك اللي أقوى منك."
مازن خرج من باب القصر وهو مكمل تصفيره، وراسه مليان أفكار مريبة...
شكل اللي جاي مش بسيط أبدا!
في أوضة سليم، كانت نور قاعدة على طرف السرير، عينيها معلقة بالأرض، وبتحاول تخبي التوتر اللي جواها.
إيدها كانت بتتحرك بتوتر فوق بطنها من غير ما تحس، وكأنها بتحاول تهدّي دقات قلبها.
سليم دخل الأوضة وقفل الباب وراه، وبصلها بتركيز وهو بيحاول يقرأ ملامحها:
"ليلى قالت إنك كويسة... بس أنا مش مقتنع. إنتي متأكدة إن مفيش حاجة؟"
نور رفعت عنيها له بسرعة، وقالت ببرود:
"أيوه... كل اللي في الموضوع إني أكلت حاجة بايظة، خلاص بقيت أحسن."
سكتت لحظة، وبعدين انفجرت فيه بغضب وهي بتقوم من على السرير:
"بس يعني على فكرة... إنت مالك! من إمتى فجأة بقت تهمّك صحتي؟ إيه المسرحية الجديدة دي؟ دور الملاك اللي بيخاف علي؟ إيه غايتك؟!"
سليم بص لها بحدة، وقال وهو بيحاول يمسك أعصابه:
"نور... بلاش تعصبيني!"
نور سخرت وهي بتتكلم بنبرة كلها وجع:
"ليه؟ هتضربني؟ زي كل مرة؟ ولا هتفتكرني كذبة جديدة من كذباتك؟"
سليم بصوت عالي وهو بيحاول يسيطر على غضبه:
"نووور!!"
سكت لحظة، وبعدين نزل صوته وهو بيقرب منها شوية:
"أنا آسف... عنجد آسف على كل حاجة عملتها فيكي. كنت أعمى، الانتقام خلاني ما أشوفش الحقيقة... بس دلوقتي بفوق، وبحاول أصلّح غلطتي."
نور نظرت له بعينين مليانين وجع وكره:
"لو فعلًا عايز تصلّح غلطك... طلقني. خليني أروح من هنا، ارتاح منك ومن عذابي."
سليم بص لها بعصبية ودموعه محبوسة في عينيه:
"مستحيل! مش هقدر أسيبك."
نور صرخت وهي بتبكي:
"ليه؟ عشان تكمل تقهرني؟ تكسرني أكتر؟ تنتقم تاني؟!"
ليصرخ سليم فجأة بصوت متقطع من شدة مشاعره:
"لأاا!!! لأني بحبك يا غبية!!! بحبك ومش قادر أتخيل حياتي من غيرك!"
و فجأة....