تحميل رواية «ليلتي» PDF
بقلم ولاء مدحت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كان البيت زحمة وصوت الضحك عالي، بس هي كانت قاعدة ساكتة في الركن، كأنها دخيلة في وسط الناس دي. "ليل" لبست فستانها الأبيض الواسع، شعرها نازل على ضهرها بنعومة، ووشها هادي… بس عنيها لا. كانوا قاعدين يحتفلوا بخطوبة بنت عمها "سُمية"، وكان المفروض الليلة دي تبقى عادية، بس من أول ما سمعت اسمه، قلبها ضرب بسرعة غريبة. زين رجع. قالوا إنه وصل من السفر، وجاي يحضر الخطوبة. اتعدى 4 سنين من آخر مرة شافته فيها، كان وقتها سايب البلد ومشي من غير وداع، ولا حتى كلمة. صوت الباب الخارجي اتفتح، ودخل هو. نفس الهدوء… نفس...
رواية ليلتي الفصل الأول 1 - بقلم ولاء مدحت
كان البيت زحمة وصوت الضحك عالي، بس هي كانت قاعدة ساكتة في الركن، كأنها دخيلة في وسط الناس دي.
"ليل" لبست فستانها الأبيض الواسع، شعرها نازل على ضهرها بنعومة، ووشها هادي… بس عنيها لا.
كانوا قاعدين يحتفلوا بخطوبة بنت عمها "سُمية"، وكان المفروض الليلة دي تبقى عادية، بس من أول ما سمعت اسمه، قلبها ضرب بسرعة غريبة.
زين رجع.
قالوا إنه وصل من السفر، وجاي يحضر الخطوبة.
اتعدى 4 سنين من آخر مرة شافته فيها، كان وقتها سايب البلد ومشي من غير وداع، ولا حتى كلمة.
صوت الباب الخارجي اتفتح، ودخل هو.
نفس الهدوء… نفس الشموخ اللي بيخوفها ويشدّها في نفس الوقت.
دخل بثقته المعتادة، لابس جلابية رمادي، وشنب مرسوم على وشه كإنه حدوتة صعيدي قديمة، لكن ملامحه بقت أهدى، أنضج، وأبرد.
عينها وقعت عليه… واتسمرت.
وهو؟
ولا كأنه شافها.
سلّم على الكل، وباس راس عمه، وقعد.
لكنها شافت… شافت نظرته وهي جات عليها بالغلط.
ثانية واحدة بس… كأن الزمن وقف، وهي رجعت تبقى "البنت الصغيرة" اللي كانت بتجري وراه وتناديه "زينووو".
بس دلوقتي هي كبرت، وبقت ليل… اللي محدش يعرف جواها إيه.
صوت "سهى" جه وقطع شرودها:
ـ "إنتي قاعدة لوحدك ليه؟ قومي شوفي زين، ده لسه جاي، وحضنه ناقصك انتي!"
ضحكت سهى بخبث، لكن جواها كانت نار.
ليل بصت لها بلطف مصطنع:
ـ "خليه ياخد نفسه… شكله تعبان من السفر."
سهى ما ضيعتش لحظة، وراحت قعدت جمب زين.
قريب جدًا.
وبدأت الحكاية.
ليل كانت بتبص من بعيد، وسكوتها كان بيصرخ.
كل مرة تلاقي "سهى" بتضحك له، أو تمد إيدها تقطّعله فاكهة، كانت بتشد طرف الفستان بإيديها وتضغط على صوابعها.
هو لسه ساكت…بس عينه؟
كل ما تلمحها، ترجع تشوفها عليها.
مش دايمًا، بس كفاية لمحة.
قلبها بيقول إنه شافها، وحس بيها، وافتكر.
بس ليه ساكت؟
هو كمان بيتحدى؟
ولا بيحاول يبني جدار ما يتعداش تاني؟
ليل ما قدرتش تكمل قعادتها، وقامت تمشي في الجنينة.
الليل كان دافي، والهوا بيعدي على شعرها كأنه بيطبطب.
وسمعت صوته لأول مرة من 4 سنين.
ـ "لسه بتحبي تمشي وأنتي حافية، يا ليل؟"
اتجمدت مكانها…
لفت، شافته واقف وراها، وملامحه نفس ملامح زمان، بس صوته… صوته وجّعها.
ـ "أنت لاحظت؟ رغم إنك ما سلمتش حتى."
قالها بهدوء:
ـ "أنا سلمت… بس مش على الكل."
ـ "آه… واضح."
سكتوا.
الهوا ما بقاش دافي… بقى تقيل.
وكل كلمة بينطقوها، بتشد جرح قديم من مكانه.
قالت له:
ـ "كبرنا، بس لسه سايبني واقفة لوحدي… زي آخر مرة."
بص لها، بعين مش مفهومة وقال:
ـ "وإنتي لسه زي ما أنتي… بتحبي تسكتي وتسيبي اللي في قلبك للوقت الغلط."
ولما حاول يكمل، سمعوا صوت سهى بتنادي من بعيد:
ـ "زين؟ تعالى هنا، عايزاك ثواني."
بص ليل لها، بعين فيها كل الغيرة اللي الدنيا مش شايفاها…
وهو؟
لف وراح.
وسابها واقفة تاني…بس المرة دي مش زي زمان.
المرة دي قلبها واجعها أكتر من أي مرة قبل كده.
رواية ليلتي الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء مدحت
كانت واقفة مكانها، والهوا بيحرّك طرف فستانها، بس قلبها هو اللي كان بيتحرّك أكتر.
كلامه بيرن في ودانها.
“بلاش تسكتي المرة دي… الدنيا مش دايمًا بتدي فرصة تانية.”
كأن الكلام ده مش بس جاي من زين… كأن الكون كله بيقول لها نفس الجملة.
رجعت البيت قبل العيلة ما تلم، دخلت أوضتها، وقعدت على السرير تبص للسقف.
"إزاي لسه بيأثر فيّ كده؟ ليه كل حاجة بتفكرني بيه؟"
كانت بتحاول تقنع نفسها إنها خلاص، بقت قوية، أكبر، أنضج… بس الحقيقة؟ قلبها لسه طفل بيتشبث بأول حب.
---
الليلة خلصت، وتاني يوم… كان في عشا كبير في بيت عمها.
كل العيلة، وكل الضيوف، وزين وسهى… كانوا أول الناس يوصلوا.
لبست ليل فستان كريمي ناعم، بسيط بس شيك، شعرها سايب على كتفها، وعنيها فيها لمعة… مش عشان تبهره، بس عشان تفتكر هي مين.
دخلت الحوش، والناس كلها لفت، في ناس قامت تسلم، وفي ناس وشوشت لبعض، وفي وسط الكل… عينه كانت مستنياها.
سهى لمحته هو بيتأملها، وقالت له:
"أنا قلتلك إن ليل دي من زمان وهي بتحب تسيب أثر، حتى وهي ساكتة."
ضحك زين بخفة:
"هي عمرها ما كانت ساكتة… كانت دايمًا بتتكلم بعنيها."
---
أكرم قرب من ليل وقال:
"هتيجي تقعدي جمبي؟ ولا برضه لسه بتخافي من زين؟"
ردت وهي بتبصله بنظرة هادية:
"أنا ما بخافش من حد، أكرم… بس بحب أختار أنا فين ومع مين."
ضحك، وقال:
"يعني لسه في أمل؟"
ردت وهي بتحوّل نظرها لزين:
"الأمل؟ ساعات بيكون لعنة أكتر من كونه نعمة."
---
زين قام، وراح ناحيتها، وقال لها بصوت واطي:
"لو مش عاوزاني أكلمك تاني، قوليها… بس بلاش تسكتي."
سكتت.
وهو سأل تاني:
"بتهربي ليه كل مرة ببقى قرّيب؟"
ردت بهدوء:
"أنا مش بهرب… أنا بس ما بقيتش أعرفك."
شد أنفاسه وقال:
"وأنا نفسي أرجع أبقى اللي عرفتيه… بس عايز فرصة."
ابتسمت بس فيها وجع:
"بس إنت دلوقتي مش لوحدك… عندك حياة، مراتك، بيتك."
قال:
"بس قلبي… لسه واقف مكانه، مستناكي."
---
اللحظة دي، كان في صوت عالي جه من وراهم… سهى.
"آه، لقيتكوا! كنت بدوّر عليك، زين… تعالى شوف حد كلمك على موبايلك."
بصت ليل لسهى، ولزين… وقالت وهي بتضحك بس في عينيها نار:
"الحب اللي بيتخبى، دايمًا بيكون خسران."
وسابته، ومشت.
وسابت وراها قلبين محتارين… واحد ندمان، والتاني موجوع.
رواية ليلتي الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء مدحت
رجعت ليل البيت وهي في عينيها نفس اللمعة… لمعة وجع مغلف بكبرياء.
كانت سهى ابتدت تحس إن وجود ليل مش عابر زي ما افتكرت، وإن زين مش "محصّن" زي ما كانت متخيلة.
ومن أول ما رجعت ليل، عيون زين مشافِتش غيرها، حتى وهو ساكت.
في عز اللمة، في تالت يوم من رجوع ليل، كان في قعدة بنات جوه الأوضة الكبيرة… سهى موجودة، ولطيفة كعادتها، بتضحك وتوزع مجاملات زي ما بتوزع عطور.
دخلت ليل، بهدوء زي العادة، وقعدت على طرف الكنبة، بتسمع ومش بتتكلم.
واحدة من البنات سألتها:
ـ "بقالك كتير بعيد عن البلد، ازاي شايفة الناس دلوقتي؟"
ابتسمت وقالت:
ـ "في حاجات ما بتتغيرش… وفي حاجات بتتغير للأسوأ."
سهى علقت بسرعة وهي بترتّب طرحتها:
ـ "أكيد الغربة بتغيّر نظرتك، الواحد لما بيبعد بيفقد الإحساس الحقيقي بالناس."
ليل بصتلها وقالت بهدوء مميت:
ـ "واللي بيقرب زيادة… ممكن يفقد إحساسه بنفسه."
ضحكت البنات، لكن سهى فهمت المعنى، وعينيها اتشدت.
قالت ليل وهي بتعدل جلستها:
ـ "أنا مش بفتّش في الماضي… بس الوِشوش بتفضح كل حاجة ساكتة."
ردت سهى بابتسامة مصطنعة:
ـ "بس ساعات الوشوش بتغلط… لأن مش كل ساكت بيخبّي."
في نفس اليوم، بعد ما الكل مشي، كانت ليل واقفة في البلكونة، وسمعت صوت خطوات حد بيقرب.
كان زين.
قال بصوت واطي:
ـ "أنا حاسس إني كل ما أقرب، بتبعدي أكتر."
قالت من غير ما تبصله:
ـ "أصل اللي اتلسع من حبك، بيخاف يدوّب تاني."
قرب أكتر:
ـ "أنا ما نسيتكيش، ولا في يوم بطّلت أحبك."
قالت وهي بتكتم رجفة جواها:
ـ "بس انت بطّلت تختارني."
سكت، وسابها… لأنها أول مرة ترمي كلمة أصعب من أي سكوت.
في الآخر… سهى بقت سهرانة، بتقلب في تليفونه وهو نايم.
وكل صورة لليل… كانت سكينة جديدة.
وفي اليوم اللي بعده… ليل لقت على تليفونها رسالة من رقم غريب:
"مش كل اللي بيبتسم لك بيحبك… وفيه ناس ممكن تكسرك وهي بتضحك."
رواية ليلتي الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء مدحت
في اليوم اللي بعد الرسالة الغريبة، ليل كانت سايبة الموبايل على السرير. بتقلب في لبسها، وبتحاول تختار فستان للفرح اللي هيتعمل لابن خالة زين.
المناسبة عائلية، بس كبيرة. وسهى المسؤولة عن التنظيم من أولها لآخرها.
ليل لمحت صورتها في المراية. وقفت.
قربت منها، وبصت في عينيها.
اللي كانت بتشوفه زمان، مش هو اللي شايفاه دلوقتي.
قالت لنفسها بصوت واطي:
"أنا مش هرجع بنت صغيرة. بس أنا كبرت كفاية إني أعرف أختار أكون إيه قدام الكل."
لبست فستان بسيط، لونه بيج، بس فيه لمعة خفيفة. وكانت شعرها سايب بنعومة. وهدوءها كان أكتر حاجة ملفتة فيها.
في الفرح، الدنيا كانت زحمة. ضحك ومزيكا وسلامات.
ليل دخلت، عيون ناس كتير وقفت عليها.
لكن عيون سهى ما كانتش بتشوف غيرها.
قربت منها، وقالت بابتسامة لزجة:
"حلو الفستان. شكلك رجعتي بتحبي البساطة."
ردت ليل من غير ما تبص فيها:
"أنا عمري ما حبيت الزيادة. لا في اللبس، ولا في الكلام."
ضحكت سهى:
"يعني بتقولي عليّا بتكلم كتير؟"
ردت ليل وهي بتشرب من العصير:
"أنا ما قلتش. بس اللي بيحس الكلمة عليه، هو اللي بيرد."
الفرح بدأ يتملّى أكتر.
وزين كان لابس بدلة سودة، ووشه مرسوم عليه ملامح التوتر. وعيونه بتزوّغ من الكل، تدور عليها.
أول ما شافها، وقف.
اللحظة اللي عينهم اتقابلت فيها، كانت زي شرارة نار. بس هو اتقدم ناحيتها. وسهى جريت تمسك إيده، وقالت بصوت عالي عشان الناس تسمع:
"زين، تعالَ نتصوّر قدام الكوشة."
هو ما ردش. وبصلها بخفة، وقال:
"روحي الأول. أنا جايلك."
وسابها. ومشي ناحيتها.
وصل ليل، ووقف قدامها، وقال بصوت واطي:
"كأنك أول مرة تظهرى في حياتي. وكأن الناس كلها حواليّا مش شايفها غيرك."
قالت من غير ما تبتسم:
"وأنا؟ شايفني إيه؟"
ردّ:
"شايفك الندم اللي جوّه قلبي. والفرصة اللي ضيّعتها بإيدي."
لكن اللحظة اتقطعت، لما واحدة من البنات جت تقوله:
"مراتك بتدور عليك، شكلها زعلت."
بص ليل في عنيها وقال:
"أوقات بنخسر اللي حوالينا. لما بنسيب اللي جوا قلوبنا."
ومشيت ليل، وما ردتش. بس دموعها كانت ماسكة في رمش عنيها، رافضة تقع.
في آخر الفرح، سهى قربت منها وهم بيتمشوا على أطراف المكان وقالت:
"أوعى تفتكري إنك هتكسبي حاجة. أنا مرات زين."
ليل بصتلها وقالت:
"أنا مش دخلة معاك حرب. بس لو هتحربي، خبي غيرتك، عشان باينة أكتر من حنانك."
رواية ليلتي الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء مدحت
ليل كانت قاعدة في الكافيه الصغير اللي تحت الفندق.
فنجان قهوة سودا قدامها، ونظرة تسرح بعيد عن كل الضحك حواليها.
الهدوء اللي كانت فيه… كان سايب مكانه فـ قلبها عاصفة.
سمعت صوت بيقول:
ـ "ممكن أقعد؟"
رفعت عينيها…
شاب في أواخر التلاتينات، ملامحه مهذبة، لابس كاجوال أنيق، وكان فيه حاجة في حضوره بتشد النظر.
قال بابتسامة خفيفة:
ـ "أنا شادي… صاحب القاعة اللي اتعمل فيها الفرح من يومين. شوفتك هناك… وحسيت إني محتاج أتعرف."
ليل اتفاجئت، بس ابتسامته كانت محترمة… وعيونه ما فيهاش تجاوز.
قالت بهدوء:
ـ "ليل."
قعد… وبدأوا يتكلموا، بهدوء.
هو كان بيسأل بأسلوب ناضج، مش بيحاول يقتحم، بس بيقرب بخطوات محسوبة.
سألها عن شغلها، عن حبها للهدوء، عن حاجات بسيطة… لكن كان بيخليها تضحك لأول مرة من زمان.
***
في نفس اللحظة، زين كان في عربيتُه، معدي صدفة من جنب الفندق.
لمحها قاعدة في الكافيه… بتضحك.
وقف… ما عرفش يتحرك.
قلبه اتقبض، ومخه بدأ يرمي أسئلة:
ـ "مين ده؟ ليه ضحكتله؟ إزاي مرتاحة كده؟ هي نسياني؟ ولا… بتحاول تنساني؟"
***
ليل شافت زين واقف بره… بس ما قامتش.
كملت كلامها… بس قلبها كان بيخبط، مش بسبب شادي، لكن بسبب نظرة زين اللي شافتها في المراية وراها.
***
بعد شوية، شادي قام، وقال:
ـ "أنا مبسوط إني شُفتك… لو حبيتي تشربي قهوتك هنا تاني، قوليلي بس، وهنخلّي المكان كله ليكي."
ضحكت ليل وقالت:
ـ "كده كتير."
قال وهو بيحط كارت على الطاولة:
ـ "الكتير… قليل عليكي."
ومشي.
***
ليل خدت الكارت… حطّته في شنطتها من غير ما تبص.
لكن أول ما خرجت من الكافيه… لقت زين واقف، مستنيها.
قال بحدة خفية:
ـ "بقى هو ده الجو اللي يناسبك؟ كافيه… وضحك… وكلام مع ناس غرب؟"
قالت وهي ماشية:
ـ "الجو ده حرية… وأنا دلوقتي عندي الحرية أختار، بعد ما بقيت مجرد متفرّجة على حياة مش بتاعتي."
قال بغلّ:
ـ "بس أنا لسه موجود."
ردّت من غير ما تبص:
ـ "آه… موجود، بس مش ليا."
رواية ليلتي الفصل السادس 6 - بقلم ولاء مدحت
من كام يوم، وزين متوتر.
مش طبيعي… حتى مراته لاحظت.
"مالك يا زين؟ من يوم ما الفرح خلص، وأنت مش طبيعي."
رد وهو بيحاول يلبس وجه بارد:
"شغل."
لكن الحقيقة؟ الشغل مكانش له علاقة.
الوجه اللي مش قادر ينساه… ضحكة ليل اللي ما كانتش ليه.
---
ليل في الوقت ده كانت في معرض تصوير صغير، وصديقة لها عرفتها على صاحبة المكان.
شادي كان هناك… تاني مرة يظهر.
قال وهو بيشاور على لوحة فوتوغرافية:
"أنا مصور قبل ما أبقى صاحب قاعة… ممكن أخلّيكي موضوع الصورة الجاية؟"
ضحكت وقالت:
"أنا ما بعرفش أتصور."
قال بنظرة هادية:
"مش محتاجة تعرفي… محتاجة تكوني على حقيقتك، وده كفاية."
---
وبين الحكي والضحك… دخل زين فجأة المعرض.
كان جاي ياخد أخته الصغيرة… لكنه شاف ليل واقفة وسط الناس، وشادي واقف جمبها… بيبصلها كأنها حاجة نادرة.
عينه لمحت الكاميرا اللي في إيد شادي…
ولمح إيده وهي بتتعدل على ضهر ليل بهدوء وهو بيشرح زاوية التصوير.
الغليان جواه وصل لقمته.
قرب منهم وقال بصوت واطي بس حاد:
"واضح إنكِ بقيتي تحبي الأضواء."
لفت ليل ببطء، وشادي اتنحى.
قالت ببرود:
"لا… أنا بس بطلت أهرب منها."
بص لشادي وقال بنبرة زين الصعيدي اللي اتربّى على الغيرة:
"المعرض خلص؟"
شادي قال بأدب:
"لسه… بس لو وجودي مضايقك، أنا ممكن أخرج."
قال زين وهو بيقرب من ليل أكتر:
"اللي مضايقني… إنكِ نسيتي مكانك."
قالت ليل، ودي كانت أول مرة تعلي صوتها:
"أنا ما نسيتش حاجة… أنت اللي نسيت إني كنت موجودة قبل ما تكون متجوز، وقبل ما تسيب قلبي ورا ضهرك."
---
بعدها، مشت.
وشادي فضل واقف يراقب المشهد…
لكن في عينيه كانت فيه بداية تحدّي.
هو حاسس إن في حاجة كبيرة بين الاتنين، بس كمان… مش ناوي يبعد.
رواية ليلتي الفصل السابع 7 - بقلم ولاء مدحت
الليل كان ساكن، وكأن الدنيا كلها خدت نفس عميق.
ليل قاعدة على البلكونة، بتشرب نعناع، وصاحبتها "هدى" جنبها… من الناس القليلة اللي تعرف الحكاية من أولها.
قالت هدى وهي بتبص فيها:
ـ "مش عارفة أقولك إيه… بس واضح إنك مش مرتاحة."
سكتت ليل شوية، وبعدين قالت:
ـ "هو ليه بيرجع كده؟ يرجع يوجعني، وبعدين يسكت؟ يبصلي بعنيه اللي بتتكلّم أكتر من لسانه، وبعدين يروح لها؟"
هدى قالت بحنية:
ـ "علشان لسه بيحبك يا ليل… بس واضح إنه ضايع… ضايع بينك وبين وجعه، وبين اللي اختارها يمكن غصب عنه."
ليل بصّت لها، ودموعها وقفت على طرف عينيها:
ـ "أنا مش عايزاه يرجع… أنا بس عايزة أبطل أوجع."
هدى قربت منها، وقالت:
ـ "وشادي؟"
سكتت ليل… لفّت وشها بعيد، وبعدين قالت:
ـ "مش عارفة. فيه راحة وأنا بكلمه، وفيه حاجة جديدة، نظيفة، مش باين فيها خداع ولا أسرار. بس أنا… قلبي زي حد خرج من عملية جراحية ولسه مش عارف يتحرك."
قالت هدى وهي بتبتسم:
ـ "بس يمكن شادي هو العلاج… مش علشان يداويك، لأ… علشان يعلّمك إنك لسه تستحقي تبدأي من أول سطر."
ليل سكتت، وبصّت للسماء… وقالت بهمس:
ـ "أنا محتاجة أعرف أنا مين بعيد عن زين… من غير وجعه، ومن غير ذكرياته… من غير حتى اسمه."
هدى حطت إيدها على إيدها وقالت:
ـ "وهو ده أول طريق الخلاص يا ليل… لما تبقي أنتي بس، من غير حد يشبهك أو يربطك."
بعد يومين من خطوبة سُمية، كانت ليل بتحاول تكمّل يومها عادي… راحت تشتري كتاب من مكتبة قريبة، بتحب المكان ده لأنه هادي، وريحته شبه ذكرياتها لما كانت بتقعد تكتب في كشكول أزرق وهي صغيرة.
وهي خارجة من المكتبة، لمحت حد بيبص لها من بعيد… حد واقف جنب عربيته، وبيضحك لها ببساطة.
شادي.
شاب وسيم، ملامحه فيها نوع من الراحة، مش بيجذبك بقوة، لكن لما تبصي له، تحسي إنك عايزة تفضّلي تبصي.
قرب منها وقال:
ـ "كنتِ داخلة المكتبة؟ بتقري؟"
ضحكت ليل، لأول مرة ضحكة شبه تلقائية من أيام:
ـ "أيوه، بس مش دايمًا بكمّل الكتب…"
رد عليها:
ـ "أنا كمان، يمكن لو قرينا سوا نكملهم."
ضحكت أكتر، وبصّت له بفضول.
قال لها:
ـ "تحبي تشربي قهوة؟ أنا عازمك، بس بوعدك إنها هتبقى مرة ومش هتدوخي بعدها."
ردّت بابتسامة خفيفة:
ـ "أنا مش بضحك بسهولة… إوعى تتحمس."
قال:
ـ "ولا أنا، بس شكلك محتاجة تفتكري إن الضحك مش خيانة للي فات."
قعدوا في كافيه صغير، الجو كان بسيط، والمكان شبه صوت شادي… ما فيهوش محاولة إثبات أي حاجة.
سألها عن كتابها المفضل، عن لونها المفضل، عن حلم طفولتها… وكان بيسمع، مش بيحكم، مش بيقاطع.
سألها فجأة:
ـ "ليه حاسس إنك بتحبي تمشي وإنتي شايلة قلبك في جيب فستانك؟"
سكتت.
بصّت له، وقالت:
ـ "لأني لو فضل في مكانه، هيتكسر."
المشهد بينتهي بنظرة طويلة من شادي… واحدة فيها احترام، واحتواء، من غير محاولة امتلاك.
وليل؟ ابتدت تحس إن في "هوا" مختلف بيعدّي… مش زوبعة زي زين، لكن نسمة… يمكن تطفّي الحريق اللي جواها.
رواية ليلتي الفصل الثامن 8 - بقلم ولاء مدحت
ليل كانت قاعدة على الرصيف قدام بيت جدها، بتشرب شاي بالنعناع وهي سرحانة في الجو، بتحاول تصدّع صوت قلبها اللي مش بيسكت.
جالها صوت أكرم من بعيد:
ـ "لسه بتحبي السهر؟"
بصّت له، ومبتسمتش… بس ما قدرتش تنكر إنها ارتاحت إنه جا.
قعد جمبها على السور الحجري، وقال:
ـ "أنا آسف على اللي قلته وقتها… بس مكنتش بكدب."
ردت بهدوء:
ـ "عارفة… علشان كده بعدت."
قال بعد لحظة صمت:
ـ "بس الظاهر إن البُعد ما ساعدكش تنسي."
بصّت له، وسألته بنبرة مكسورة:
ـ "هو كل واحد لازم يدخل حياتي، يقولي إنه بيحبني… وبعدين يختفي؟"
سكت… وبعدين قال:
ـ "مش دايمًا. أحيانًا بييجي حد… ويفضل."
***
في اللحظة دي، وصل شادي بعربيته، نزل بابتسامته المريحة… شايل معاها كتاب جديد كانت ليل طلباه، وبيقول:
ـ "لقيته! كنت وعدتك، صح؟"
أكرم قام، وقلبه اتعصر… وبص للشاب اللي واقف واثق وهادي، كأنه مش بيحاول… لكنه بيكسب.
ليل قامت بخجل خفيف:
ـ "شادي… ده أكرم."
شادي مدّ إيده وقال بودّ:
ـ "تشرفت. أنا وش ليل اتقابلنا صدفة… بس واضح إن الصدف ساعات بتكون أوضح من النية."
أكرم ساب إيده، وقال:
ـ "الصُدف ساعات بتضحك في الأول… وتوجع في الآخر."
ليل حسّت الجو اتقل، فحاولت تغيّره، لكن شادي سبقها وسأل:
ـ "هو… زين ده قريبك؟"
سكتت. وأكرم جاوب بدلها:
ـ "ابن عمها… بس الحكاية أعمق من كده."
شادي ما علّقش، بس عينه وقعت على التعب في وش ليل… وحس إن الطريق مش فاضي، لكنه مش ناوي يلف ويرجع.
ليل رجعت تمشي، ووِشها للهوى، وقلبها بقى فيه تلات خبطات:
زين… اللي سايبها معلقة بين الماضي والحاضر.
أكرم… اللي حبها، لكن خاف يقرب.
وشادي… اللي لسه جديد، بس كلامه بيدخل جوه بهدوء.
وفي نص الطريق… صوت جواها سألها:
ـ "هو إنتي لسه بتدوري على حب…ولا بتدوري على حد يطبطب عاللي الحب كسره؟"
***
زين كان واقف من الشباك، شايفها خارجة من باب بيت جدها، لبسها بسيط بس ملفت… شعرها سايب على ضهرها وبتضحك في التليفون، صوتها بيعدّي الجدران.
حاجبه اتعقد، وقلبه اتخبط.
دي مش ليل اللي كان يعرفها زمان… دي بقت ست… وبتشوف ناس غيره.
قفل الشباك بعصبية، ورجع قعد على طرف السرير.
صوت زوجته من المطبخ:
ـ "عاوز تشرب حاجة؟"
ـ "لأ."
ردّها جاف، وهو مش قادر يخرج صوت ضحكتها من دماغه.
***
في اليوم اللي بعده، كان قاعد على القهوة، وشافها داخلة مع شادي… ضاحكة، وبتميل شوية وهي بتتكلم، وشادي بيسمعها وكأنه حافظ كل كلمة.
زين مسك الكوباية بقوة، وعينيه مش سايبة لحظة من حركتها.
أصحابه حواليه بيكلموه… بس هو مش سامع.
"كانت بتضحك كده معايا زمان؟ ولا أنا اللي نسيت؟"
رجع بذاكرته ليوم كانت بتجري ناحيته وهي لسه في تانية ثانوي، بتقوله "استناني… خدت الدرجة النهائية في التعبير!"
ضحكتها كانت بريئة… إنما دلوقتي… فيها غموض.
***
رجع بيته لقى مراته بتقوله:
ـ "ابن عمك أكرم سأل عليك، شكله بييجي كتير الفترة دي…"
ـ "وسأل عليا ولا على ليل؟"
قالها بغير قصد، وبص في عينيها… سكتت، وخرجت من الأوضة.
***
الليل جه، وزين كان قاعد في عربيته قدام بيت جده… شافها طالعة تاني، لابسة فستان بسيط لونه نبيتي، وشادي بيفتحلها باب العربية.
وقتها حس بحاجة تخنقه… وهمس لنفسه:
ـ "أنا اللي سبتك… بس ليه وجعك مع حد تاني، بيوجعني أكتر من بعدك؟"
رواية ليلتي الفصل التاسع 9 - بقلم ولاء مدحت
المكان هادي، كافيه صغير على النيل، في الركن اللي بعيد عن الدوشة.
كانت ليل قاعدة قدام شادي. الجو صيفي لطيف، وفي ريحة قهوة ونسمة خفيفة ماشية بهدوء.
شادي كان لابس قميص أبيض مفتوح زرارين، وشكله مرتب على غير العادة.
"بقالنا كتير بنخرج كده… وأنا مشيت جنبك خطوة خطوة من أول ما رجعتي… بس دلوقتي، أنا عايز أقولك على حاجة."
ليل كانت ماسكة الكوباية، وإيدها اتحركت لا إراديًا… حسّت بتوتر، لكنها ما ردتش، اكتفت ببصّة ساكنة.
كمل شادي بصوت واطي:
"أنا معجب بيكي من زمان… وكنت بستنى اللحظة اللي أبقى فيها جنبك مش بس كصاحب…"
الوقت وقف.
قلب ليل ضرب جامد، مش فرحانة، بس مش قادرة تزعل… اللي جواها لسه مش جاهز، ولسانها مأفول.
"شادي… أنا…"
"مش مستني منك رد دلوقتي، أنا بس كان لازم أقول."
وفي اللحظة دي… زين كان واقف بعيد، من غير ما حد يحس بيه.
واقف سايب الدنيا حواليه، مش شايف غير نظرتها لشادي، وهدوءها، وإنها سكتت وما قالتش "لا".
رجع راسه لورا، اتنهد تنهيدة طويلة…
هو اللي خسرها؟ ولا هي اللي بتعاقبه؟
رجع عربيته، وسابهم… بس قلبه مرة تانية اتفتح على نار مش هتعرف تطفيها غير كلمة "ارجع".
ليل رجعت البيت وهي متلخبطة… دخلت أوضتها، قفلت الباب، مسكت الموبايل وبصّت على صورة قديمة ليها وهي واقفة جنب زين، كان لابس جلابية بيضا وضاحك لها…
الصورة كانت بتقول كتير أكتر من أي حاجة شادي قالها النهارده.
وهمست لنفسها:
"ليه دايمًا اللي بيمشوا، بيرجعوا لما نكون بنحاول ننسى."
في يوم مش معتاد، كان البيت مليان ناس.
خال ليل، عمّتها، قرايب، صحاب… الجو فيه لمسة احتفال.
بس مش فرح… كان أشبه "بعقد قران مؤجل"، أو كما قال أبوها:
"الخطوبة وبعدين لكل حادث حديث."
ليل كانت لابسة فستان بسيط، لون ناعم مش ملفت، شعرها مربوط ووشها مفيهوش ملامح فرح ولا رفض… كان باين عليها إنها "ماشية مع الموج".
شادي دخل ومعاه والدته، شكله متحمس، باين عليه إنه فرحان أكتر منها.
زين؟ كان واقف عند الباب، جاي بالصدفة، معزوم بحكم العيلة… بس ما كانش يعرف "الخطوة الكبيرة" اللي حصلت.
شاف الشبكة في إيد شادي، وشاف الضحكة المصطنعة على وش ليل، وكل حاجة حواليه بدأت تتكسر بصوت داخلي ملهوش آخر.
راح له أكرم وهمس:
"عرفت متأخر… بس بصراحة؟ هي لسه بتحبك."
زين بصله بنظرة كلها وجع وسكوت…
"وسايبة نفسها تتخطب ليه؟"
أكرم رد:
"عشان انت سبتها… لما كنت محتاجاك، اختارت ترجع لنفسها… دلوقتي هي مش شايفة فيك أمان."
ليل حسّت بوجود زين، قلبها اتخض، وعيونها راحت له لا إرادي.
لكنها كملت مع شادي، عشان الدنيا كلها بتزقها في الاتجاه ده.
وفي وسط الناس، زين خرج من البيت… ومرة دي، ما استناش.
ليل، بعد ما الكل مشي، دخلت أوضتها، قعدت قدام المراية، وقلعت الشبكة.
وبصوت هامس وهي بتبكي:
"أنا كنت بستناك تقول كلمة… مش تبص وتسكت."