تحميل رواية «ليل أكيدوس» PDF
بقلم روان خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في بيت صغير وجميل يستيقظ ذلك الفتى مفزوعا من رؤيته لإحدى الكوابيس التي تتردد بكثرة على ذهنه من وقت بلوغه ال 21 عامًا. "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. إيه ياربي الحلم ده؟ طول يوم نفس الحلم.. لا حول ولا قوة إلا بالله." اعتدل في جلسته ثم قام متجهًا للنافذة، وقام بفتح الزجاج المحيط بتلك النافذة والذي يحجب عنه الهواء النقي. فتح النافذة يستنشق بعض الهواء النقي من نسيم هواء الفجر حتى يزول ذلك الشعور السيء، الاختناق الممزوج بالبكاء الصامت. بينما هو واق...
رواية ليل أكيدوس الفصل الأول 1 - بقلم روان خالد
في بيت صغير وجميل يستيقظ ذلك الفتى مفزوعا من رؤيته لإحدى الكوابيس التي تتردد بكثرة على ذهنه من وقت بلوغه الـ 21 عامًا.
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. إيه ياربي الحلم ده؟ طول يوم نفس الحلم.. لا حول ولا قوة إلا بالله."
اعتدل في جلسته ثم قام متجهًا للنافذة، وقام بفتح الزجاج المحيط بتلك النافذة والذي يحجب عنه الهواء النقي.
فتح النافذة يستنشق بعض الهواء النقي من نسيم هواء الفجر حتى يزول ذلك الشعور السيء، الاختناق الممزوج بالبكاء الصامت.
بينما هو واقف أمام شرفته وتداعبه نسمات الهواء الخفيفة، إذ بأحد يطرق الباب، وكان ذلك الأحد والدته.
"أقدر أدخل يا عثمان؟"
فتح لها عثمان الباب، وعندما نظرت لوجهه لاحظت تغير ملامح ابنها والإرهاق الشديد الذي في عينيه.
"مالك يا عثمان؟ وإيه اللي مصحيك لغاية دلوقتي؟"
نظر عثمان للأرض ثم أعاد النظر إليها والعبرة تقتله.
"مفيش حاجة."
نظرت له بحنان ورفق وقالت له:
"راودك نفس الحلم، أليس كذلك؟"
لم ينطق، ولكن تكلمت عيناه. ربتت والدته على كتفه قائلة:
"لا تقلق، لعله إرهاق فقط."
نظر لها ومسحة الحزن في عينيه وقال لها:
"وما ذلك الإرهاق الذي يجعل مني قاتل يا أماه؟ إنها المرة الخمسون على التوالي التي أحلم فيها بأني أؤذي رجلاً وأمسك برأسه وأمشي بها بين الناس بكل فخر."
قالت له والدته بثقة:
"ولما لا يكون هذا الرجل ظالماً شديد البطل وأنت أنقذت من حوله بقتله؟"
مسح على وجهه قائلاً:
"ومن أنا حتى أنهي حياة إنسان يا أمي؟"
اتجهت للشرفة وهي تنظر للسماء قائلة:
"ومن قال إنه إنسان؟ إنه شيطان لعين."
رد مستغرباً من كلامها قائلاً:
"وكيف عرفتي أنه شيطان يا أمي؟"
نظرت له بارتباط قائلة:
"مجرد تخمين لا أكثر يا ولدي."
تنهد قائلاً:
"أتمنى أن تكوني على حق ويكون شيطان، ولكن يا أمي…"
ردت الأم باهتمام قائلة:
"ولكن ماذا؟"
قال وعيناه مليئة بعلامات استفهام كثيرة:
"هناك أمر يستوقفني، لماذا يتحدث بنفس اللغة التي لا يتحدث بها غيرنا فقط؟"
ارتبكت والدته وبدا عليها أنها تخفي شيئاً، ولكنها حاولت تغيير الموضوع قائلة:
"كبر دماغك.. ألا صحيح.. إيه رأيك في الأكل النهاردة؟"
تعجب عثمان من ارتباكها وتغييرها لمسار الحديث، وأعاد السؤال مرة أخرى:
"لماذا يتحدث نفس اللغة التي نتحدث بها الآن والتي لا يعرفها أحد سوانا؟"
ردت بارتباك قائلة:
"ربما عقلك الباطن.. والآن هيا للنوم، لقد تأخر الوقت وعليك أن تفيق باكراً للجامعة."
وخرجت قبل أن يردف بسؤال آخر.
كان عثمان لا يدري لماذا تتهرب والدته كل مرة عندما يسألها نفس السؤال.
اتجه لسريره وأراح ظهره، ممدًا يده خلف رأسه يفكر في كل تلك الأحداث التي لا يستطيع فهمها، وعن الرمز الذي على كتفه من الخلف، وعن لغة والدته التي لا يتكلم بها أحد غيرهما، وعن هيئتها المختلفة وقوة الحاسة السادسة عندها. أسئلة كثيرة يريد لها أجوبة، ولكن لا يوجد من يجيبه. ظل يفكر حتى غلبه النعاس وغط في النوم.
على النقيض الآخر، كانت فهيرة والدة عثمان تتحدث مع زوجها أحمد في غرفتها.
قالت بحزم:
"الولد كبر يا أحمد، ووطنه محتاجه. كل الأحلام دي ما هي إلا رسالة عشان يرجع لوطنه، يرجع لأكيدوس ويكمل مهمتي اللي مقدرتش أكملها."
رد أحمد بغضب شديد:
"أكيدوس مش وطنه يا فُهيرة.. أرض البشر هي أرضه، وأنا م عنديش استعداد أضحي بابني عشان حتة أرض محدش يعرف لها طريق غيري."
ردت بغضب قائلة:
"يبقى أنا اللي هرجع أرضي يا أحمد، ومش هسيب شعبي يتعذب أكتر من كده."
فتح أحمد عينيه بصدمة قائلاً:
"طب وأنا؟ إيه؟ هتسيبيني؟"
نزلت الدموع من عيني فهيرة قائلة:
"أنا سبت شعبي وأرضي وجيت معاك، وأنت وعدتني إن لو خلفنا ولد هيرجع ويحرر أرضي من سفران."
رد أحمد بيأس قائلاً لها:
"ابنك ضعيف يا فُهيرة، ضعيف وجبان ومش هيقدر على سفران وحرسه، وأنا وعدتك فعلاً بس لو كان ابني مستعد، لكنه مش حمل أكيدوس وسفران ولا حمل حتى نملة من نمل أكيدوس."
انفعلت فهيرة وردت بعصبية شديدة قائلة:
"ابني مش ضعيف، ابني جواه قوة كامنة لو خرجت كفيلة إنها تدمر أرض أكيدوس باللي فيها، هو بس محتاج يكتشف نفسه مش أكتر، لأن عثمان مش ضعيف."
قال أحمد بسخرية وهو يبتسم:
"قوة كامنة آه.. ولما هو كدا مكنش بيروح المدرسة ليه؟ مش عشان كان خايف من العيال؟ ولا كنتي في غيبوبة؟ مراحش ثانوي وخدها في البيت ليه؟ مش عشان خايف من الناس؟ وهو دخل كلية وبردو لسا بيخاف يواجه الناس.. هي كلمة واحدة يا فهيرة، عثمان مش هيروح أرضكم."
نظرت له بابتسامة قائلة:
"البوابة اللي هتختار صاحبها، والسيف بيختار حامله، ولو طلع إحساسي صح واختاروه عثمان، ساعتها لا أنا ولا أنت هنقدر نمنعه يا أحمد."
رد أحمد ساخراً:
"ده لو اختاره يا هانم…."
ثم زفر بضيق وقال:
"أنا طالع أشم شوية هوا عشان الدنيا هنا خانقة."
أدار ظهره واتجه للباب، وقالت فهيرة في سرها:
"سترى يا أحمد."
********************
كان عثمان نائماً حتى أيقظه صوت همهمات تقول:
"ها قد آن الأوان يا فارس."
استيقظ عثمان مفزوعاً يدور بعينيه في كل أرجاء غرفته عن مصدر الصوت، ولكن لم يجد أحد.
فقط نافذة غرفته مفتوحة وصوت الهواء وكأنه يحمل كلمات بعيدة لا يستطيع سماعها بوضوح.
اقترب من النافذة حتى يسمع بوضوح، وبينما هو ينصت، إذ بورقة تقذف بوجهه. أخذها وفتحها، وجد بها نفس الرمز الموجود على كتفه من الخلف. وعندما بدأ يقرأ، سمع صوت يقول:
"تستعد أكيدوس لاستقبالك يا مولاي."
بدأ يقرأ ما يوجد بالورقة والتي كانت تحوي تلك الكلمات.
***********************
"ها قد عاد صاحب الأرض وولى العهد
همي يا بوابة ليل بفتح البوابة لأكيدوس
امتلأ الفؤاد شوقاً لفارسنا وهرمت أكيدوس من أجل تلك اللحظة."
************************
ووجد جملة تقول:
"أكيدوووس افتحي لي معابرك فها أنا آت."
وقتها اهتزت الأرض من حوله، وأُغلق باب الغرفة من الخارج بإحكام، وصوت والدته تقول:
"إياك والمجيء قبل الأوان."
اهتزت الأرض من تحته، وارتعش سقف غرفته من شدة الاهتزاز، وإذ فجأة تفتح طاقة من النور يرى من خلالها عالماً آخر وأناساً آخرين. أحس أنه في حلم، فدائماً ما يراوده مثل هذه الأحلام.
أدخل يده من خلال البوابة ووجد أنه يلامس الهواء. اقترب أكثر، فهمت البوابة بابتلاعه. وفي لمح البصر اختفى عثمان واختفت معه البوابة، وعادت الغرفة كما كانت.
فتحت والدته الباب وابتسمت عندما لم تجده، وقالت في نفسها:
"ها قد عدت إلى وطنك يا سمو الأمير فارس."
رد عليها صوت مألوف لها:
"لا تقلقي مولاتي، سأكون دائماً معه."
ابتسمت برقة والتفت لترى حارسها الخاص الذي لم تره منذ 25 عامًا.
"كيف حالك يا غفران، وكيف حال شعبي من بعدك؟"
نظر غفران للأرض ثم رفع رأسه للسماء قائلاً:
"سأكتفي بأن أقول لسنا بخير، ولعل النصر قريب. وأعتذر عن قلة كلامي، ولكن ليس هناك وقت على أن أتبع الأمير فارس."
كاد أن يرحل قبل أن يأتي صوت أعاد له ذكريات كثيرة.
دخل أحمد مسرعاً:
"أين عثمان يا فهيرة؟"
ولم يكمل كلامه حتى لاحظ وجود غفران. نظر له بحنين وقال:
"غفران؟!"
ابتسم غفران قائلاً:
"ألا تريد معانقة صديقك بعد كل هذا الغياب؟"
نزلت دموع أحمد وهو يحتضنه بحرارة ويكرر اسمه قائلاً:
"صديقي.. غفران.. غفران! لقد اشتقت إليك يا صاحبي."
بادله غفران الشعور وابتعد عنه قائلاً:
"لا تقلق، سأحميه كما حميتك في الماضي يا صديقي. ولدك أمانة وسأردها إليك، وإن كان هذا سيكلفني حياتي."
أحمد بدموع:
"لم أكن أريده أن يعيش ما عشته، ولكن يبدو أن الأقدار دائماً أقوى مننا."
نظر له غفران نظرة بثّت له الطمأنينة، ثم ربت على كتفه قائلاً:
"سأعيده لك، وهذا عهد مني."
وسرعان ما اختفى غفران. نظر أحمد لفهيرة نظرات كلها حزن وقال:
"أنا السبب."
ربتت على كتفه قائلة:
"إنه ابني وأنا أعرفه أكثر من نفسي، سيعود منتصراً."
أحمد بحزن:
"أتمنى ذلك."
في أرض أكيدوس، سقط عثمان على أرض ترابية وكأنه في صحراء. ظل يبحث في المكان بعينيه عن شخص ما يساعده، لكنه لم يجد أحد. ولم يكن لديه حل آخر غير أن يتجول في المكان لعله يجد أحد.
وقبل أن يخطو خطوته الأولى، نزل كيان بسرعة البرق إلى الأرض ووقف أمامه. كان ذلك الكيان يمتلك جسد أنثى رياضية ممشوقة القوام. لم يكن يظهر من وجهها غير عينيها الخضراوتين كحبات الزيتون. ترتدي بنطالاً من الجلد يمسك بجسدها وبادي كالذي يوجد في أرض البشر، يعلوه وشاح تلفه حول نفسها وتغطي به وجهها.
وقفت أمامه وهي تصوب نحوه السهام:
"من أنت أيها الغريب؟ وما الذي أتى بك لهنا؟"
رواية ليل أكيدوس الفصل الثاني 2 - بقلم روان خالد
وجهت نحوه السهم و قالت بصرامة:
- من أنت؟ وكيف وصلت للحدود الشمالية؟
جلس أرضًا وامتلا قلبه بالخوف من ذلك السهم الذي بينه وبين رأسه ما يقارب حبة رمل، وقال لها وهو ينظر لعيونها التي تعبر عن قوتها وصرامتها:
- عثمان اسمي هو عثمان، وصدقيني لا أدري كيف وصلت إلى هنا.
نظرت له وهي تتفحص شكله وملابسه الغريبة، ثم أردفت قائلة:
- كيف لا تدري كيف وصلت إلى هنا؟ أتُمزحني أم تراني حمقاء؟
ثم قالت له وقد ملأ الغضب عيناها:
- انطق أيها الفتى وإلا تركت ذلك السهم يخترق خلايا جسدك.
رد وهو يبتلع ريقه ويبتعد عنها زحفًا للوراء:
- صدقيني لا أدري، لا أدري كيف أتيت إلى هنا، لقد كنت في غرفتي منذ قليل وفجأة فُتحت بوابة غريبة وأصبحت أمامك الآن.
نظرت له باشمئزاز لضعفه وعدم ثباته أمامها، كيف لرجل أن يرتعب هكذا من أنثى؟ أي نوع من الرجال هذا؟
ثم أردفت له قائلة:
- قم وحادثني مثل الرجال يا هذا، يالك من خصم ضعيف.
وقف وقد بدا عليه الغضب والعصبية، عدّل ملابسه وقام بنثر التراب من شعره، ثم نظر لها قائلاً:
- ومن قال لكِ أنني ضعيف؟ أتختلقين الأكاذيب أم أنك تحكمين على الناس من البرهة الأولى؟
ضحكت بسخرية وقالت:
- ألا ترى ركبتيك اللتان أصابهما الشلل، أو وجهك الشاحب وخوفك من مجرد سهم؟ أنت حتى لا تملك الشجاعة لتدافع عن نفسك.
ثم قامت بتوجيه السهم نحوه قائلة:
- أما الآن فاستعد للقاء الموت أيها الفتى الغريب.
جلس هو مستسلمًا للموت، فما بيده حيلة، هي فتاة وهو رجل، وتلك مواجهة غير عادلة.
صوبت نحوه وكانت على وشك إفلات السهم من يدها، حتى ظهر غفران من البوابة وقام بدفع يدها، فأصاب السهم جذع شجرة.
نظرت هي بغضب وقالت:
- كيف تجرؤ أيها... من؟ غفران؟
غفران وهو يضع يده على قلبه:
- حمدًا لله أني وصلت بالوقت المناسب.
أردفت هي بعصبية شديدة:
- أي وقت مناسب هذا؟ لقد أخطأت الهدف بسببك وذلك الغريب حي يرزق أمام عيني.
رد هو بجدية وهو ينظر لعيونها الخضراوين الغاضبة:
- ليس بغريب، إنه ابن الملكة فهيرة.
وقعت سهامها منها، وكاد فمها يصل للأرض من شدة الصدمة وهي تقول:
- ك.ك.ك... كيف؟!
غفران وهو يتجه ناحية عثمان:
- إنه الأمير فارس.
وقام بقطع ملابسه العلوية وأداره مشيرًا على ظهره:
- رمز الملوك أمام عينيْك إن كنتِ لا تصدقين.
وضعت يدها على وجهها، وكادت تفقد عقلها من شدة الصدمة، كيف لذلك الفتى أن يدافع عن أرض كاملة وهو لا يقوى على الدفاع عن نفسه؟ فقد وقف مستسلمًا للموت ولم يبدِ أي رد فعل للدفاع عن نفسه.
- كيف له أن يكون فارس؟ إنه لا يقوى على مواجهتي حتى يواجه سفران وجنوده.
رد عثمان بحكمة وهدوء شديد:
- لم أقوِ لأنكِ فتاة. علمتني أمي أنه إذا كان خصمي أنثى فلابد من الانسحاب، لأن حينها ستكون المواجهة غير عادلة، وكذلك ليس من شيم الرجال مبارزة النساء. خلقنا الله لنحميكم يا سيدتي لا لنؤذيكم.
ربت غفران على كتفه، وبعينيه نظرات فخر تجاه فارس:
- أحسنت يا بني، سلمت يد أمك.
ثم نظر لها قائلاً:
- انحني للأمير وقدمي التحية واعتذار قبل التحية.
نظرت له بغضب قائلة:
- ماذا ولكن...
قاطعها قائلاً:
- انحني والآن وبدون نقاش.
انحنت ليل لتحيه قائلة:
- أقدم لك كامل اعتذاري وأسفي لك يا سمو الأمير، كما أنني أطلب منك السماح.
أماء لها عثمان رأسه قائلاً بابتسامة خفيفة:
- لا بأس يا ليل، اسمكِ ليل أليس كذلك؟
ردت هي بكل غرور قائلة:
- اسمي هو ليل وأنا حارسة الشمال، وأنت محظوظ لمقابلتي.
ابتسم عثمان بلطف قائلاً لها:
- تشرفت بمعرفتكِ يا ليل.
ثم نظر لغفران قائلاً:
- كيف عرفت اسم والدتي وكيف عرفتني؟ وما هي قصة الأمير فارس؟ وأين أنا ومن أنت ومن أنا وماذا يحدث؟!
ضحك غفران وحاوطه بذراعه وهو يشير بذراعه الأخرى:
- أهلاً بك في أرضك، أرض أكيدوس. لقد انتظرناك كثيرًا يا فارس.
نظر له عثمان قائلاً:
- أنا عثمان ولست فارس.
ضحك غفران وربت على كتفه قائلاً:
- ستعرف كل شيء وحدك قريبًا، سترافقك ليل، أما أنا فعلي الذهاب لأن لدي مهام كثيرة.
نظرت له ليل بغضب:
- ماذا؟! لا، أنا لن أرافق أحدًا، لا تورطني يا غفران.
ضحك لها غفران ثم غمز لها قائلاً:
- ها قد بدأت قصتك يا ليل.
واختفى من أمامها بلمح البصر.
قالت في نفسها:
- فعلتها يا غفران... آهٍ منك، كيف لي أن أتحمل ذلك الفتى.
قاطع تفكيرها المتذمر صوت عثمان وهو يسعل:
- احم، لقد قال لي أنك ستخبرينني بكل شيء، فهل قلتِ لي من فضلك ما الذي يحدث؟
نظرت له ليل وعلى وجهها علامات الغضب:
- انصت أيها الفتى، اتبعني وألزم الصمت، فأنا لا أحب الثرثرة وكثرة الأسئلة، يالك من أحمق.
عقد حاجبيه مندهشًا منها، كيف تحدثه بتلك الطريقة وكانت تطلب منه العفو والسماح منذ قليل؟ أهي مجنونة أم لديها انفصام بالشخصية؟
- ألديك انفصام بالشخصية؟
اقتربت منه بسرعة البرق:
- ماذا قلت للتو يا فتى؟
عثمان وهو يحاول أن لا يقترف المشاكل منذ البداية:
- لا، لم أقل شيئًا، لم أقل شيئًا.
تراجعت وهي تناظره بضيق و كره، وأشارت له أن يتبعها.
سارت ليل ويتبعها فارس في صحراء لا يوجد بها أثر للحياة، وبعد ساعات من المشي بدأت تظهر ملامح مدينة من بعيد.
أردف عثمان قائلاً:
- هل تلك مدينة حقًا أم أنها مجرد سراب؟
ردت بعدم اهتمام قائلة:
- نعم، إنها مدينة أكاليل، وهي المدينة التي بها السوق العظمى لنا، حيث يأتي التجار من كل مكان في العالم حتى يعرفوا بضائعهم النفيسة الغالية، فلا مكان للبضائع الرخيصة هنا، جميعها نفيسة وغالية.
رد عثمان بحزن:
- لا مكان للبضائع الرخيصة، أي لا مكان للفقراء والمساكين في تلك السوق.
تنهدت قائلة:
- لا مكان للفقراء في أي شيء في أكيدوس، ليس في تلك السوق فقط. منذ أن تركتنا الملكة فهيرة والبلاد تدمرت، قتل سفران زعماء المناضلة وقتل رجال القرى، نهب أموالنا، دمر بلادنا وخطف النساء وجعلهم جوارٍ عنده. لقد شاع الفساد وتدمرت البلاد وغزا الظلم أكيدوس، أصبحت مقرًا للفساد والظلم والمهانة بعد أن كانت أرض الملوك، أرض العزة والسلام، أرض البساتين والجمال. ذبلت أكيدوس وانطفأ شعبها، ماتت أكيدوس وأنت أملنا الوحيد لتحييها.
رد عثمان بحزن:
- إنه لأمر مؤسف وموجع، ولكن كيف لي أن أحرر تلك البلاد وحدي؟
أردفت بحزن قائلة:
- لا أدري... حقًا لا أدري كيف ستنقذنا وأنت لا تقوى على حمل نفسك حتى.
وقف عثمان ونظر لتلك الأرض، ثم أعاد النظر لليل قائلاً:
- ربما ترين أنني ضعيف، ولكن أعدك يا ليل أنني لن أعود لعالمي حتى أحرر أكيدوس، حتى إن كلفني ذلك حياتي.
نظرت له ليل وابتسمت قائلة:
- يبدو لي أني تسرعت بالحكم عليك.
ضحك عثمان قائلاً:
- قلت لكِ أنكِ تحكمين على البشر من البرهة الأولى. أتدري، كانت أمي دائمًا تقول إن بداخلي قوة كبيرة، ولكنني لا أستطيع تحريرها إلا إذا تحكمت في غضبي ومشاعري وأخرجت الخوف من المستقبل من قلبي.
توقفت ليل واتجهت نحوه، واضعة يدها على قلبه وأغمضت عينيها... وإذا بها فجأة...
رواية ليل أكيدوس الفصل الثالث 3 - بقلم روان خالد
توقفت 《 ليل 》 واتجهت نحوه واضعة يدها على قلبه.
أغمضت عيناها تستشعر كم القوة التى بداخله.
فجأة فتحت عيناها وابتعدت عنه خطوتين من كم القوة الموجودة بداخل ذلك الفتى البسيط.
"يا إلهي! ولكن كيف هذا؟!"
اردف 《 عثمان 》 قائلا باستغراب: "ماذا هناك؟"
وقفت ليل وربعت يداها قائلة: "لديك حقا قوة هائلة بداخلك، ولكنها بلا نفع بالنسبة لك."
زفر 《 عثمان 》 ثم طالع للجهة الأخرى قائلا: "أقسم بالله ما فيه حاجة عديمة النفع غيرك يا شيخة، دة إيه دة، دة إنتى بومة."
عقدت 《 ليل 》 حاجبيها قائلة: "عذراً، لا أفهم ما تقول. حدثني بلغتي حتى أفهمك."
ابتسم لها بـ (بسماجة) قائلا: "لا شيء، فقط أثرثر، فأنا ثرثار كما تقولين دائماً."
ضحكت 《 ليل 》 ثم تابعا السير حتى لاحظت ذلك الفتى ذا الوجه المنقلب والذي ينظر بعيداً عنها.
ثم اردفت قائلة: "عليك فقط ألا تخاف من المستقبل، فهو ليس بأيدينا، وغير ذلك لا أحد يعلم ما سيحدث له بالغد، كله بيد الله يا فارس. وأيضاً عليك أن تؤمن بنفسك وتثق بها، فأنت لست ضعيفاً يا فارس، بداخلك قوة هائلة ولن تحررها إلا إذا آمنت بنفسك ووهبتها الثقة الكافية، ولكن..."
اردف عثمان قائلا: "ولكن ماذا؟!"
قالت 《 ليل 》 وهي تطالعه: "إن حررتها يا فارس، عدني ألا تستخدمها إلا في الخير، وألا تلهيك تلك القوى عن أكيدوس."
اردف 《 عثمان 》 باهتمام قائلا: "أعدك أني لن أستخدمها إلا لتحرير أكيدوس وحماية شعبها. لا تقلقي يا ليل، فاكيدوس من اليوم موطني وواجبي نحوها هو حمايتها وتحريرها من أيدي الظالمين."
ابتسمت وهي تطالعه بفخر قائلة: "إذاً، هنيئاً لك بتلك القوى، وهنيئاً لك بأخلاقك الحميدة يا فارس. وكما قلت لك يا فارس، أنت عظيم من الداخل. أما الآن، فلنذهب للسوق لشراء بعض الملابس غير تلك، حتى لا يلاحظ أحداً أنك غريب."
نظر للأرض بحرج وقال: "ولكنني لا أملك المال حتى أشتري غيرها."
ضربته هي بكتفه قائلة: "لا تكترث لذلك الأمر، فنحن شريكان الآن."
قال هو بضيق: "ولكن يا 《 ليل 》..."
قاطعته هي قائلة: "قلت لك لا تكترث يا 《 فارس 》. وإن كنت غاضباً من ذلك الأمر، فيمكنك اعتبارهم ديناً عليك، ما رأيك؟"
ابتسم بخجل قائلا: "حسناً، ذلك أفضل نوعاً ما، وأعدك أنني سأردها لكِ قريباً."
ابتسمت هي قائلة: "حسناً، هلا تحركنا؟ أم سنظل هنا نتبادل أطراف الحديث ونبيت بالشارع؟"
ضحك 《 فارس 》 قائلا: "حسناً، هيا بنا يا ليل أكيدوس."
ابتسمت هي ونكزته في جنبه قائلة: "هيي يا فتى، لقد أحببت ذلك الاسم."
أشار باصبعه لرأسه قائلا: "عيب عليكِ، دماغ شغالة مش بتنام."
تنهدت هي قائلة: "هلا كلمتني بلغتي؟ كف عن الحديث بتلك اللغة، فأنا لا أفهمها."
حك رأسه بأصابعه وضحك قائلا: "أعتذر لك، حسناً، لن أتحدث معك غير بلغتك."
ابتسمت له ثم أشارت له أن يتبعها.
ظلا يسيران حتى وصلا لداخل السوق العظمى.
توقفت 《 ليل 》 ثم اردفت قائلة: "قبل أن نذهب لأي مكان، أنت فارس ولست عثمان، إياك أن تقل لأحدٍ أنك عثمان ابن فهيرة. شئ آخر، أنت تاجر وأتيت من أرض أسرار لكسب بعض الرزق. إياك يا فارس أن تقول لأحد أنك من عالم آخر وأنك أمير تلك الأرض، فنحن لا نريد أن نلفت لك الأنظار الآن، حسناً؟"
أماء 《 عثمان 》 برأسه للأمام بموافقة: "حسناً."
《 ليل 》 وهي تكرر كلامها: "والآن، من أنت؟"
رد 《 فارس 》 قائلا: "أنا فارس."
أكملت 《 ليل 》 قائلة: "ومن أين أتيت؟"
رد 《 فارس 》 بضجر: "من أرض أسرار يا ليل، وأتيت لكسب بعض الرزق. إنها ليست بالمسئلة الصعبة."
قالت 《 ليل 》 وهي تتنهد: "حسناً، والآن هيا بنا، سآخذك لمكان آمن تحتمي به، وأنا سأذهب لشراء الملابس."
عقد 《 فارس 》 حاجبيه باستغراب قائلا: "وهل هناك مكان آمن في أكيدوس؟!"
أشارت له بأن يتبعها قائلة: "اتبعني فحسب يا فارس، ويكفيك أسئلة، أصابني الصداع يا فتى."
ضحك 《 فارس 》 وهو يحك رأسه قائلا: "حسناً، كما تريدين أيتها القائدة."
ابتسمت له وأكملت السير.
ظلا يسيران حتى ابتعدا عن السوق. كانت ليل تخرج من زقاق وتدخل بآخر، وتخرج من شارع وتدخل بآخر، حتى وصلت لمكان خالٍ من الناس. لا يوجد أمامهم غير شلال من المياه، وخلفهم فراغ وهدوء ساحق.
تنهدت 《 ليل 》 قائلة: "ها قد وصلنا."
طالع 《 فارس 》 المكان باستغراب ثم قال: "حقاً؟ ذلك هو المكان الآمن؟ إنه مكان مخيف، لا يوجد أحد هنا، وذلك يعني أنني إن قتلت لن يعلم أحد عني."
ضحكت هي ثم ناظرته بابتسامة قائلة: "مرحباً بك في سر أكيدوس."
عقد حاجبيه قائلا: "سر ماذا؟!"
ردت بجدية قائلة: "سر أكيدوس."
قال هو بضحكة سخيفة: "هل كانت تحب أحداً من دون علم أهلها أم ماذا؟ هقهقهقهق."
طالعت السماء وهي تترجى الله أن يلهمها الصبر. ثم أعادت النظر له قائلة: "ما هذا الهراء الذي تقوله بحقك؟! تلك هي قلب أكيدوس، وأسميها بسر أكيدوس لأنه لا يعلم مكانها أحد غيري."
أجاب ضاحكا: "حسناً، وأين شرايينها؟ هقهقهقهق."
مسحت على وجهها بضيق قائلة: "كف عن قول النكات السخيفة. اتبعني وألزم الصمت يا فتى، يالك من ثرثار وأبله."
أماء لها 《 فارس 》 برأسه بموافقة قائلا: "أحم.. أنا آسف، سأفعل ما تريدين."
ثم همس قائلا: "دي المفروض تدخل موسوعة جينس فالخلق الضيق بجد، إيه دا، دي ضد أي حاجة فالدنيا."
قالت هي بعصبية: "هل ستظل تثرثر أم ستأتي لهنا حتى ننجز ما أتينا لأجله؟"
ركض ناحيتها وهو يقول: "ها أنا آت."
طالعته وهي تقول: "كنت تقول إنه لا شيء هنا وأنه مجرد شلال، أليس كذلك؟"
أشار فارس للشلال وهو يقول: "وماذا ترين أنتِ؟"
ابتسمت بتحدي قائلة: "انظر أنت وسترى ما أراه أنا."
وجهت ليل يدها تجاه الشلال وهي تقول: "أنا ليل أكيدوس، أنا قلب تلك الأرض وحاملة سرها. أنا سيدتك، فافتح لي."
ثم مرت يديها من خلاله. وبمجرد ما أدخلت يدها وأخرجتها، فُتح الشلال من المنتصف كالستائر. فنصفه اتجه لليمين والنصف الآخر اتجه لليسار، وظهرت بالداخل مدينة جميلة مليئة بالزرع الأخضر والزهور الوردية. مكان وكأنه جنة وليس أرض.
نظرت له ثم قالت: "هذا هو سر أكيدوس يا فارس، والآن هيا ادخل."
عبر فارس ذلك الشلال، وبمجرد ما دخلا، غُلق الشلال مرة أخرى.
ناظر فارس ذلك الأمر بتعجب شديد.
ثم اردف قائلا: "يا إلهي، ما تلك الأرض! إنها جميلة جداً يا ليل."
ابتسمت 《 ليل 》 قائلة: "إنها قلب أكيدوس يا فارس، حيث ولدت أنا، وهي أيضاً سبب من أسباب عدم قتل سفران لي."
نظر لها 《 فارس 》 بتعجب ثم قال: "لما هي السبب في عدم قتله لكِ؟"
تنهدت قائلة: "ستعرف كل شيء بالوقت المناسب. أما الآن، هيا اتبعني."
أماء فارس رأسه للأمام بحسناً، وظلا يسيران حتى وجدا بيتاً جميلاً تنبعث منه رائحة البخور الرائعة وشكله مريح للأعصاب، ولا يوجد غيره في تلك الأرض.
قاطع 《 فارس 》 ذلك الهدوء قائلا: "يبدو لي كمنزل سيدة عجوز."
ابتسمت 《 ليل 》 قائلة: "أحسنت، وهو كذلك. إنه للجدة أركيلة، حفظها الله."
بينما هما يتبادلان أطراف الحديث، ومع اندهاش فارس بذلك المظهر الخلاب وتلك الزهور الجميلة، إذ بكلب يخرج من مكان صغير بجوار ذلك المنزل ويركض تجاه فارس.
الذي اختبأ خلف ليل بسرعة وهو يقول: "ابعديه عني يا ليل، أرجوك.. أرجوك ابعديه عني، فأنا أرتاع من الكلاب."
انفجرت 《 ليل 》 ضاحكة وهي تقول: "يا إلهي، أتخاف من جرو صغير؟ إذاً كيف ستحرر أرضاً كاملة يا فتى؟!"
《 فارس 》 وهو يتشبث بها: "خوفي من الكلاب شيء وتحرير الأرض شيء آخر، لكل إنسان نقطة ضعف، وتلك الكائنات نقطة ضعفي."
اردفت 《 ليل 》 وهي تحاول التوقف عن الضحك: "ما بك يا فتى؟ اخرج من خلفي، إنه مجرد جرو صغير."
صرخ 《 فارس 》 وهو يقول: "انظري كيف ينبح ويطالعني! ابعديه عني يا ليل، ابعديه، أتوسل إليكِ، ابعديييه! يا إلهي، إنه يقترب، إنه يقترب! ابتعد، ابتعد أيها الجرو يا أميييييييي!"
اقتربت 《 ليل 》 من الجرو الصغير وأمسكت به وهي تضحك على فارس: "حسناً، يكفي نباح يا تيركس. إنه أنا ليل، وذلك صديق. لا تقلق يا تي تي."
《 فارس 》 وهو يصرخ: "ابعديه يا ليل، أرجوك."
《 ليل 》 وهي تُقّبل تيركس: "إنه ولد جيد ومطيع. لا داعي للخوف يا فارس."
《 فارس 》 وهو يبتعد عنها: "حسناً، حسناً، جيد ومطيع لنفسه، ليس لي. فقط ابعديه عني."
أنزلت 《 ليل 》 الجرو وأمرته أن يرحل: "حسناً تيركس، اذهب لبيتك الآن، يكفي لعب."
ذهب الجرو من أمامهم. وقالت 《 ليل 》 وهي تضحك: "حسناً، ها قد ذهب الجرو. يمكنك أن تفتح عيناك أيها البطل محرر الأرض."
《 فارس 》 وهو يبتعد عنها ويطالع يميناً ويساراً: "حقاً رحل؟!"
أماءت 《 ليل 》 رأسها وهي تقول: "نعم، لقد رحل."
أمسك بقلبه وتنهد قائلا: "حمداً لله، لقد كدت أن أموت فزعاً."
《 ليل 》 بصراخ: "فارس، إنه الجرو، احترس."
انتفض 《 فارس 》 وهو يطالع المكان: "أين؟ أين؟ أين؟"
انفجرت 《 ليل 》 في الضحك قائلة: "يا إلهي، كم هذا ممتع! إن شكلك وأنت خائف مضحك جداً يا فتى."
عقد 《 فارس 》 حاجبيه قائلا: "هذا ليس ممتعاً يا ليل."
《 ليل 》 وهي تضحك: "حسناً، حسناً، أنا أعتذر. أعدك أنني لن أفعل ذلك مرة أخرى."
تنهد 《 فارس 》 قائلا: "حسناً، اعتذارك مقبول."
اقتربت ليل من الباب وقامت بالدق عليه مرة، فلم يجب أحد. فقامت بالدق مرة أخرى، فلم يجب أحد. وعندما دقت فالمرة الثالثة، فتحت لهم سيدة يبدو عليها الكبر الشديد. ولكن وبرغم كبرها وغزو التجاعيد لوجهها، كانت جميلة الملامح، قصيرة القامة قليلاً، ويزين رأسها ذلك الشعر الأبيض الذي منها وقاراً على وقارها.
طالعت تلك العجوز ليل ثم قالت: "أهلاً بحسناء أكيدوس وحارسة الشمال."
كشفت 《 ليل 》 الوشاح عن وجهها قائلة: "كيف حالك يا خالة؟"
كانت 《 أركيلة 》 ستجيب على سؤال ليل حتى لمحت ذلك الشاب الذي بجوارها. اقتربت أركيلة منه وهي تتفحص شكله وملامحه المألوفة لها وقالت بلهفة: "فارس؟"
"هذا أنت حقاً؟"
"هذا فارس يا ليل؟!"
"أنت فارس ابن فهيرة، أليس كذلك؟!"
قال 《 فارس 》 بقلق: "أحم… لا، أنا لست ابن…"
قاطعته 《 ليل 》 ضاحكة: "لا بأس يا فارس، إنها ليست غريبة، إنها تكون…"
رواية ليل أكيدوس الفصل الرابع 4 - بقلم روان خالد
ابتسمت ليل قائلة: "لا تقلق يا فارس، إنها جدتك الكبرى".
اتسعت عينا فارس من الصدمة، وقال بصوت متقطع: "م.م.من؟ جدتي أنا؟!"
اقتربت منه أركيلة وعيناها تفيضان من الدموع، وقالت: "نعم يا بني، أنا.. أنا جدتك يا عزيزي".
ثم أردفت وهي تتفحص وجهه بيديها: "أشعر وكأنني أمام فهيرة، لديك نفس عينيها يا بني، ذلك اللون البني الذي يتلألأ في الشمس كالاحجار الكريمة، وتلك الأنف المسنونة كالسيف، وشعرك المصفف البني. لديك الكثير من صفات أمك، وقد جمعهم الله مع هيئة والدك، ذلك الجسد الرشيق ونبرة الصوت الجميلة. أشعر وكأن روحهما أمامي الآن."
ثم ضمته إليها بشدة وهي تقول بدموع: "لقد اشتقت إليك وإليهم يا بني، أنرت قلب جدتك ومنزلها يا حبيبي".
ثم ابتعدت عنه وهي ترجع للخلف ببطء وهي تشير لهم: "تعالوا، تعالوا، هموا بالدخول. يا إلهي، إن قلبي لا يسع كل تلك الفرحة. فارس أكيدوس وليله أمامي، إني لا أصدق."
تنهدت ليل بتعب وهي تجلس على الأريكة ذات النسيج الناعم الذي أراح ظهرها بعد كل تلك المسافة التي قطعوها.
"عليكِ أن تصدقي يا جدة، فقد اقترب ميعاد سفران. ها قد عاد صاحب الأرض ليحررها." ثم نظرت لفارس قائلة: "أليس كذلك يا مولاي؟!"
نظر لها فارس باستغراب، فهي تمدحه على غير العادة. ثم أردف قائلاً: "بكل تأكيد، لقد وعدتك أنني لن أرحل من تلك الأرض قبل أن أحررها وآتيك برأس ذلك الظالم."
طالعته أركيلة وقد رُسمت على وجهها ابتسامة جميلة، وانهمرت الدموع من عينيها. ثم أردفت بهدوء وهي تلمس خده بحنان قائلة: "لقد انتظرتك كثيراً يا قلب جدتك، وها قد أتيت لتحرير أكيدوس وتحريري من الوحدة. فقد أمضيت عمري كله بعد ما تركتنا أمك مختبئة هنا، أطالع الأسقف وأنتقل بعيني من حائط لآخر. لقد أمضيت عمري كله وحيدة مختبئة من سفران يا بني."
طالع فارس الأرض بحزن، ثم أعاد النظر لجدته قائلاً: "ولما تختبئين منه يا جدة؟ ولما أنفقتِ عمرك على الوحدة؟!"
تنهدت الجدة وطالعته بحزن قائلة: "إنها قصة طويلة سأرويها لك، ولكن ليس الآن. دعنا أولاً نتناول بعض الفطير اللذيذ مع كوب من الحليب بالزعفران، وبعدها أروي لك كل ما تريده. ما رأيك؟"
ابتسم فارس قائلاً: "حسناً يا جدتي، كما تريدين يا عزيزة قلبي."
ابتسمت الجدة وذهبت لإعداد الطعام، بينما تركت ذلك الشاب الذي ظل مبهوراً من جمال تلك الفتاة. أهي حورية؟ أم فراشة؟ لا، بل هي أجمل. كيف هي بكل ذلك الجمال؟ تلك العينان الخضراوتان كالزرع الأخضر، وتلك البشرة البيضاء. يا إلهي، كأنني أنظر إلى حليب صافٍ. وما ذلك؟ أشعر هذا أم سماء ليلٍ ملصعة بالنجوم؟ كم أنتِ جميلة يا ليل، ولكن لماذا تخبئين وجهكِ وهي بذلك الجمال؟
وبينما كان شارداً بها، مالت هي رأسها للخلف مستندة على تلك الأريكة ذات النسيج الناعم، وأغلقت عيناها بتعب تستعيد طاقتها التي نفدت من المشي والركض والشرح لفارس. ظلا على ذلك الحال حتى قطع شروده وراحتها صوت الباب الذي طُرق مرة واحدة.
نظر فارس لها بقلق، ثم أردف بصوت خافت قائلاً: "هل تنتظرين أحداً؟!"
طالعت هي الباب وأمسكت بسهامها قائلة: "لا، فلا أحد يعلم بذلك المكان غيري أنا وجدتك."
اقتربت من الباب بضع خطوات، ثم أردفت بهمس لفارس قائلة: "افتح الباب واختبئ خلفه حتى لا يصيبك سهمي."
نظر لها وهو عاقد حاجبيه، ثم أردف باستنكار قائلاً: "ولما اختبئ؟ يمكنني القتال."
ضغطت على أسنانها بعصبية قائلة: "افعل ما قلت لك، والزم الصمت. لا وقت للنقاش."
ابتلع ريقه قائلاً: "حسناً، حسناً، لا داعي لتلك العصبية."
ذهب فارس وقام بفتح الباب بسرعة، وما كاد أن يختبئ حتى وجد ذلك السهم الذي مر بجانبه وكاد أن يخدش وجهه. انتظرا بضع ثوانٍ منتظرين صوت صراخ أحدهم، ولكن لا شيء حدث.
نظر فارس لها باستغراب، ثم أردف بهمس قائلاً: "لم أسمع صوت صراخ أو ما شابه. يبدو أن السهم لم يصبه."
أردفت ليل بعصبية قائلة: "سهامي لا تخيب أبداً، يبدو وأن هناك خطب ما."
وبينما يتحدثان، إذ بصوت غفران بضحك قائلاً: "ها هو سهمك يا ليل.. في كل مرةٍ أوشك على الموت بسببك."
وضعت يداها على قلبها وقالت بقلق: "غفران؟!"
ضحك وهو يغمز بعينه: "إنه أنا بشحمي ولحمي.. كم مرةٍ أقول لكِ ألا تتسرعي في إطلاق تلك السهام، إنها ليست لعبة يا ليل."
ركضت ليل وعانقته بشدة قائلة: "أوه غفران، لقد كدت أن أقتلك."
ابتسم وهو يمسح على رأسها بحنان: "لا بأس يا صغيرتي، أنا بخير."
ابتعدت قليلاً وما زالت يداها ممسكة به، ثم أردفت بدموع قائلة: "لا أصدق أن ذلك السهم كان سيصيبك يا غفران، أنا اعتذر، أنا حقاً اعتذر."
ضمها إليه غفران، ثم مسح على شعرها قائلاً: "لا بأس يا صغيرة، أقسم لكِ أنني بخير، لا داعي للقلق يا ليلي."
ابتعدت وقامت بمسح دموعها قائلة: "الحمد لله أنك بخير، لم أكن لأسامح نفسي إن أصابك شيء يا غفران."
ربت غفران على رأسها قائلاً: "الحمد لله."
ثم توجه بنظره لذلك الفتى الذي أصبح وجهه كحبة طماطم طازجة.
"ما حال أميرنا إذا؟"
ذهب فارس وجلس على الأريكة قائلاً: "بخير، شكراً لسؤالك."
ضحك غفران، ثم أردف له بهمس: "وشك بقى زي الطماطم ده، غير شعرك اللي بيطلع شياط."
نظر له فارس وكاد فمه أن يصل للأرض من الصدمة، ثم أردف قائلاً: "أنت، أنت، أنت بتتكلم عربي.. قصدي مصري؟!"
ضحك غفران بشدة، ثم ضربه بكتفه قائلاً: "وحد يعرف أحمد وميطبعش بطباعه." ثم غمز له قائلاً: "متخافش ليل لو اتجوزت بدري كنت جبت قدها، هي بس بتتعامل بعفوية لأن أنا المربيها بعد ما ماتت أمها."
عقد فارس حاجبيه، ثم أردف بإنكار قائلاً: "وأنا هغير عليها لي؟ أنا بس استغربت إنها حضنتك وأنت مش من محارمها."
حاوط غفران فارس بيده وضرب رأسه قائلاً: "يا ولا! مش غيران؟ ده الشياط واصلني هنا.. بس أقولك حقك، البت جامدة برضو."
رد فارس بغضب قائلاً: "نعم؟!"
ضحك غفران بشدة عليه، ثم أردف قائلاً: "يبني باين على وشك متكدبش بقى.. ده أنا عمو، يلا."
أردف فارس باستغراب قائلاً: "والله ما بحبها بجد، أنا جاي أحرر أكيدوس مش جاي أعمل قصة حب. وبعدين عمو إيه ده، أنت شكلك أصغر مني."
ضحك غفران قائلاً: "أصغر مني؟! أنت عارف إن عندي كام سنة يا فارس؟"
أردف فارس بجدية قائلاً: "كام؟"
اقترب غفران من أذنه، ثم أردف قائلاً: "2800 سنة يا حبيبي."
رد فارس بصوت عالٍ قائلاً: "إيه؟ 2800 سنة؟!"
أومأ غفران رأسه بنعم قائلاً: "أيوا 2800 سنة، وقربت أقفل 2900 كمان."
قال فارس بتعجب: "أنتم أعماركم هنا بتعدي الـ 1000؟"
أجابه غفران وهو يحك رأسه: "لا، أنا غيرهم.. أنا مش بشر يا فارس، أنا نص بشر.. يعني ليل مثلاً عندها 19 سنة. أركيلة عندها 62، زيهم زيكم عادي جداً."
طالعه فارس بتعجب قائلاً: "أيوا بس اللي أعمارهم كبيرة أوي كده هم الجن."
ضربه غفران على ظهره قائلاً: "وهو كذلك يا فتى، أنا سيدي نص بشر ونص جن، يعني تقدر تقول هجين."
قال فارس باستفهام: "طيب وحصل إزاي ده؟"
أجابه غفران وهو يتنهد: "لا، ده موضوع كبير أوي ومش وقته، ومش ده اللي أنا جايله دلوقتي."
قالت ليل بعدم فهم: "ماذا تقولان؟ أنا لا أفهم شيئاً. ما تلك اللغة بحقكم؟"
أشار لها غفران بأن تجلس قائلاً: "لا تكترثي، إنه حديث رجال."
احمر وجهها خجلاً قائلة: "احم.. حسناً، حسناً، آسفة لتدخلي."
ضحك غفران قائلاً: "لا بأس يا فتاة."
ثم طالع المكان وأردف للي ل قائلاً: "أين أركيلة؟ أليست هنا؟"
وإذ فجأة أتى صوتها الحنون: "بل هنا يا بني، شعرت أنك ستأتي ولذلك صنعت لك فطيرة التفاح التي تحبها."
اتجه تجاهها وقبل يداها قائلاً: "تسلم تلك الأيدي الجميلة يا جدتي، ولكن صدقيني، لا يوجد وقت. أتيت فقط حتى أطمئن على فارس وأرحل."
أردفت بعبوس قائلة: "حسناً، وماذا لديك؟ اجلس وكل طعامك وبعدها افعل ما شئت."
رد غفران وهو يتأهب للذهاب: "لا يوجد وقت، صدقيني. على الذهاب لفِهيرة حتى أروي لها ما حدث وأطمئنها على فارس، فحتمًا هي قلقة."
تلألأت عين فارس، ثم أردف بلهفة قائلاً: "هل لي أن أذهب معك؟ فقد اشتقت إليها."
ربت غفران على كتفه قائلاً: "الرجال لا يخلفون وعدهم، أليس كذلك؟!"
أومأ فارس رأسه للأمام قائلاً: "أجل، ولكن..."
نظر غفران بعين فارس، ثم نزل لمستوى طوله، فهو أطول من فارس بكثير.
"من دون ولكن، لقد وعدت أنك لا ترحل عن تلك الأرض قبل أن تحررها."
رجع فارس خطوتين للخلف، ثم أردف بحزن قائلاً: "أخبريها أنني اشتقت إليها وإلى أختي قدوس، ولا تنسَ أن تبعث سلامي لأبي، وأن تخبره أنني لن أعود حتى يحالفني النصر بإذن الله."
ربت على كتفه، ثم نظر للجدة قائلاً: "تريدين شيئاً يا جدتي؟"
رد فارس بتعجب: "بحقك أنت! من الذي يفترض عليه قول جدتك أكبر من أكبر أجدادها."
عقد غفران حاجبيه، ثم أردف له قائلاً: "هااي يا فتى، أنا لازلت شاب، 2800 عام، ذلك يعني 28 عاماً بالنسبة لأكيدوس، وكذلك أرض البشر."
أردف فارس باستغراب قائلاً: "ماذا؟"
اتجه غفران تجاه الباب قائلاً: "لا وقت لـ 'ماذا' أو غيرها، لقد تأخرت وعلي الذهاب. إلى اللقاء."
واختفى غفران من أمامهم بلمح البصر.
كانت الجدة تحمل الطعام، بينما كان فارس يحدق بلي ل التي كانت تجلس في الحديقة وتطالع السماء.
سعلت الجدة منبهة فارس، ثم أردفت قائلة: "جميلة، أليس كذلك؟"
نظر لها فارس وهو يحاول إخفاء نظرات إعجابه بها: "احم.. نعم، هي كذلك." ثم نظر ليدها التي تحمل الطعام قائلاً: "دعيني أحملها عنكِ للخارج يا جدة."
ابتسمت له قائلة: "سلمت يداك يا بني."
خرجا لتناول الطعام في الحديقة، ثم أردفت الجدة قائلة: "انظر إلى جمال الليل."
نظر فارس للي ل، ثم أردف قائلاً: "حسناً جدتي.. عرفت أنها جميلة."
ضحكت الجدة بخبث، ثم أردفت بصوت خافت قائلة: "ولكنني لم أعنِ ليل أكيدوس، كنت أعني جمال الليل، يعني المساء."
وضع فارس الطعام أرضاً وجلس قائلاً: "احم، إنه.. إنه.. إنه فقط اختلاط أسماء."
ضحكت الجدة، ثم أردفت بابتسامة قائلة: "لا داعي للتبرير يا بني، أنا أصدقك."
ثم نادت للي ل قائلة: "هيا يا ليل، تعالي، لقد جهز الطعام."
اتجهت ليل وأخذت الفطيرة، تذوقتها مع رشفة من الحليب بالزعفران قائلة: "يا إلهي، إنها شهية جداً. لا أحد يقوى على منافستك في صناعة الفطيرة يا أركيلة."
ابتسمت أركيلة وقالت لها: "بالهناء والشفاء يا ابنتي."
أردف فارس باهتمام قائلاً: "لم تقولي لي يا جدة ما سر اختفائك، وكيف عرفتِ أنتِ ولي ل بذلك المكان؟!"
أردفت الجدة بحزن قائلة: "سأروي لك ما حدث."
وبينما بدأت الجدة في قص ما حدث بأكيدوس قديماً، كان غفران يتنقل من بعد زمني لبعد آخر ومن بوابة لأخرى حتى يصل لعالم البشر، حتى وصل للمرحلة الأخيرة من الطريق. وجد أمامه بوابتين، وكان يود أن يتذكر أي واحدة منها هي بوابة فِهيرة، ولكن يبدو أن ذاكرته قد خانته تلك المرة.
حدث غفران نفسه في حيرة قائلاً: "لا أتذكر من أين أتيت المرة السابقة، أهي البوابة اليمنى أم البوابة اليسرى؟ يا إلهي، ليس وقت ذاكرتي هذا."
ظل على هذا الحال وبتلك الحيرة حتى اختار البوابة اليمنى بدون تفكير، فهو لا يتذكر من أي واحدة أتى. دخل منها غفران متأهباً للقاء فِهيرة حتى يقص لها ما يحدث في أكيدوس. وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة، وجد نفسه بغرفة غير غرفة الملكة، إنها لا تشبه غرفتها، ومن تلك الفتاة الجالسة هناك على سريرها.
على النقيض الآخر، وبينما هو كان غارقاً في حيرته وأين هو، لم تلحظ تلك الفتاة وجوده، فكانت مندمجة برواية لإحدى الكُتاب المشهورين. ثم أردفت بصوت يغلبه النعاس قائلة: "وتزوج آسر من عليا وعاشوا في ثبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات."
وضعت الرواية بجانبها، وقبل أن تخلع عينيها، نظرت لذلك الشاب الوسيم الذي أمامها قائلة: "هو أنا الرواية أثرت على دماغي ولا إيه؟ هو اللي أنا شايفاه ده بجد ولا حقيقة؟"
ثم أردفت بنعاس وهي تسحب الغطاء لناحيتها قائلة: "أنا شكلي كده هيست ولازم أنام."
ثم أعادت النظر إليه قبل أن تغلق النور قائلة: "ولا أنت حرامي؟! ولا عفريت من عفاريت الرواية؟ شكلك كده حرامي."
ثم أردفت وهي تتمدد على السرير: "بص لو حرامي فمتتعبش نفسك في التدوير، أنا أوضتي فاضية، خش عند أمي عندها دهب كتير اسرق اللي أنت عايزه بس سيبني أنام، ولما أصحى إن شاء الله نبقى نشوف الحوار ده، تمام؟ يلا خد النور في إيدك بقى الله يكرمك."
رفع حاجبه بتعجب من تلك الفتاة، ثم أردف بسخرية قائلاً: