تحميل رواية «لم يبقى انا الا الوداع» PDF
بقلم منى احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
من رحم المعاناة وُلد الرجال. وليت المعاناة خصت الرجال وحدهم ولكنها شملت النساء معهم فوقعوا جميعًا بين تروسها، فالكل وُلد من رحمها وعانى بشقاء. وبقلب القاهرة عاش شُهدي الرجل المكافح البسيط برفقة زوجته وابنة عمه حنة التي سقط صريع هواها منذ الصغر، وسعى شُهدي للوفاء بعهد حبه وتحامل على نفسه وهو بالسابعة عشر من عمره وشارك البناءون عملهم يدًا بيد فجرًا ومساءً يراجع حسابات إحدى ورش دباغة الجلود، لقد حفر شُهدي الصخر بأنامله حتى وصل لمبتغاه وحقق حلمه وتزوج جنة فكانت نعم الزوجة والرفيقة والصديقة، وتحملت م...
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل الأول 1 - بقلم منى احمد
من رحم المعاناة وُلد الرجال.وليت المعاناة خصت الرجال وحدهم ولكنها شملت النساء معهم فوقعوا جميعًا بين تروسها، فالكل وُلد من رحمها وعانى بشقاء.وبقلب القاهرة عاش شُهدي الرجل المكافح البسيط برفقة زوجته وابنة عمه حنة التي سقط صريع هواها منذ الصغر، وسعى شُهدي للوفاء بعهد حبه وتحامل على نفسه وهو بالسابعة عشر من عمره وشارك البناءون عملهم يدًا بيد فجرًا ومساءً يراجع حسابات إحدى ورش دباغة الجلود، لقد حفر شُهدي الصخر بأنامله حتى وصل لمبتغاه وحقق حلمه وتزوج جنة فكانت نعم الزوجة والرفيقة والصديقة، وتحملت معه شظف الحياة ولم تشتكِ يومًا ولم تسأم من ضنكها بل اصطبرت وصبرت وأزرته، ولأنهما حُرما من نعمة الأخوة قررا إنشاء عائلة كبيرة فحملت جنة عامًا بعد عام حتى رزقت بخمس صبايا وفتى كانوا قرة عينها وعين شُهدي الذي أقسم يوم ميلاد ابنته رنا ألا يدخر شيئًا في وسعه إلا وفعله ليوفر لهم حياة آمنة بعيدة البعد كله عن الفقر والعوز.وحملتهم الحياة على أكفها سنوات ليدرك شُهدي وجنة أن الحياة لا تعطي الإنسان كل شيء وإن هي أعطته شيئًا حرمته من آخر، فنعم هي أهدتهم العائلة الكبيرة ولكن شكلت كل فرد فيها ليكون مُختلفًا عن الآخر، فكانت عفاف الابنة الكبرى رُغم جمالها إلا أنها ولدت بلا طموح وكان أكبر أحلامها الزواج، في حين كانت منار على نقيضها منذ ولدت وكلما صقلتها الأيام تمسكت بحلمها بأن تكون مهندسة مرموقة ذات شأن، أما أحمد فلم يستطع تحديد هويته فتارة يسعى للعلم وتارة للهو، ولكن أشد ما أحزن شُهدي وسبب الألم لجنة توأمها نهلة وهالة اللاتي خيبَا أملها وأصابها بالمرض حسرة على فلذات كبدها التي أفسدتها الحياة وزرعت بداخلهم خصالًا لم ترها بأحد منهم مسبقًا، لتأت رنا صغيرتهم الرقيقة التي عافرت حتى ولدت وحبت بين خطى منار فتولت رعايتها منذ اليوم الأول لميلادها فكانت أشبه بالأم لها من الشقيقة.ظن شُهدي أن الحياة اكتفت ولكنها خيبت ظنه لتكشف له ما خبأته بجعبتها، وذات ليلة وبعد شجارٍ حاد بين زوجته وابنتيها هالة ونهلة سقطت جنة أرضًا ونقلت إلى المشفى ليخبرهم الطبيب أنها تعاني فشلًا حادًا بعمل الكليتين وأنها بحاجة إلى استزراع واحدة بديلة وإلا باتت حياتها بخطر، وكما اعتاد شُهدي سعى بحثًا عن متبرع ولكنه عاد خالي الوفاض كسير الخاطر حاملًا حزنه بين جنبات صدره لتوقفه ابنته منار وأخبرته عن رغبتها في التبرع لوالدتها إنقاذًا لحياتها، فوقف شُهدي أمامها يبكي للمرة الأولى ضعفه وقلة حيلته بين ذراعيها واحتضنته منار وهونت عليه مصابه وأخبرته بأن الله لن يتخلى عنهم أبدًا ليُفاجأ بعفاف تخبره عن رغبتها في التبرع هي الأخرى فرافقهم إلى المشفى بوجه بشوش ليصدمه طبيبها بأن الله استرد أمانته.كان وقع الخبر عليه صاعقًا فظل أسابيع لا يعِي أنها رحلت وبات يُشبه الآلة يصحو فجرًا ويغادر مسكنه ويعود بعد منتصف الليل ويرتمي فوق فراشه لا يدري بشيء ولم يدرك أنه أهمل فلذة كبده حتى جرت الأسابيع أشهر وتفاقم الوضع حينها وقفت عفاف ومنار أمامه وطلبا منه العودة إليهم فلن تستطع أيًا منهم تحمل فقده هو الآخر، فبدت كلمات بناته تدور كجرس الإنذار دوت وعلت حتى أيقظت عقله من غفلته وأعادت إليه وعيه ورشده فعكف شُهدي على رعاية أبنائه وتولى من جديد مهامه وأصبح لهم الأب والأم، وحققت عفاف حلمها وتزوجت بالثامنة عشر من عمرها وسافرت إلى الخارج برفقة زوجها، وها هو يُأزر ابنته منار بأهم منعطفات حياتها...(1) وجهان للحب.
توارت عن أعين زميلاتها وانتحت بإحدى الزوايا البعيدة ووقفت تتطلع إلى الطريق تارة وإلى ساعتها تارة أخرى، بعد مرور دقائق أخرى زفرت منار بوجه متجهم وخطت بطريق عودتها إلى المنزل وهي تعاتبه سرًا على حنث وعده لها، وقبيل منزلها ببضعة شوارع سمعت رنين هاتفها فَاختطفت نظرة سريعة لمعرفة هوية المتصل، تجمدت خطواتها لرؤيتها اسمه وتلفتت حولها فرأته على بعد خطوات حينها أشار أمجد بنظراته الصامتة للهاتف فخفضت بصرها نحوه وَقرأت رسالته بشيءٍ من الحرج لإحساسها بنظرات المارة تخبرها أنهم يعلمون سرها، ابتعد أمجد بشكل كاف عن محيط منزلهم وبأحد الشوارع الجانبية وقف وتطلع لملامحها التي خضبتها حمرة الخجل وأردف:- حقك عليا يا منار أنا عارف أني اتأخرت عليكِ كتير بس صدقيني كان غصب عني أصل آخر محاضرة الدكتور فاجئنا وعمل لنا امتحان ويادوب خلصته وجيت لك جري.
زفرت منار وعيناها تلاحق ملامح وجهه المحببة إلى نفسها وأردفت بتفهم:- ولا يهمك يا أمجد المهم أنك بخير، ها طمني عملت إيه في الامتحان؟
اتسعت ابتسامته وَشمخ برأسه مُردفًا بغرور:- عيب عليكِ لما تسأليني سؤال زي دا يا حبيبتي دا أنا أمجد المُشير والأجر على الله.
شاركته الابتسامة بحرج وأردفت:- ربنا يوفقك دايمًا يا أمجد.
راقب أمجد ملامحها الرقيقة وهدوئها المميز الذي أسرت به نفسه فتمنى لو تترك له فرصة الحديث مع والدها فهو يعرفه منذ سنوات وحتمًا لن يرفض طلبه بل سيُأزره، فوالدها دومًا يحث أبنائه على تحصيل العلم والمثابرة والاجتهاد وحين يوضح له ظروف دراسته ومعيشته ويخبره بحقيقة مشاعره ورغبته في الزواج بها سيوافق، نعم عليه المحاولة ليضمن وجودها الدائم معه فقد سئم لقاءات المراهقة المختلسة بينهما، زفر أمجد أمنيته مع أنفاسه الحارة التي أشعلتها منار بقربها منه دون أن تلحظ فمد يده بغفلة منها والتقط يدها فانتفض جسدها وارتجف بفعل الحرارة التي انتشرت داخله فأحست وكأنها تقف فوق جمرٍ ملتهب، بدت تائهة مشتتة تُصارع مئات المشاعر بعضها يهمس لها أن تدع أمر نفسها للحب لتعيش اللحظة معه وتتمتع بها فهي لن تعوض، والبعض أنذرها أنها لحظة عابرة سينتهي أثرها وستبقى نتيجتها أمرًا واقعًا ستحياه بمفردها، فهل تساوي لحظة الحب تلك أن تعيش فيما بعد مُنكسة الرأس خائنة لعهد والدها، فجأة لاحت أمامها عين والدها ولمحت بعمقهما خيبة أمله فيها فأغمضت عينيها هربًا وزفرت بتريث وشكرت نواقيس الخطر التي قرعت لتُعيدها لرُشدها، خفضت منار رأسها لتُخفي اضطرابها وجذبت يدها منه ولكنه منعها وتشبث بها ومد أنامل يده الحرة ولمس ذقنها ورفع وجهها نحوه في اللحظة نفسها التي رفع يدها نحو شفتيه وقبل راحتها ببطء وعينه تترقبها باهتمام، تجمدت لوهلة فما أن مست شفتيه يدها حتى سرت برودة قاسية بجسدها زادت رعشتها فجذبت يدها منه باضطراب فظنها أمجد تبادله مشاعره فابتسم ومال بوجهه نحوها وأردف بخشونة طفيفة:- وحشتيني يا منار ووحشني وجودك معايا فكل وقت.
أفاقت من غفلتها حين لفحت أنفاسه وجنتها فاتسعت عيناها لرؤيتها مدى قرب وجهه منها وانتفضت من أمامه كمن لدغها عقرب وتراجعت بضع خطوات إلى الخلف ووضعت مسافة فاصلة بينهم وأدارت رأسها بقلق يمينًا ويسارًا تنشد طمأنة قلبها المذعور خزيًا بعدم وجود أعين تترقبها، بينما حدق أمجد بملامحها على نحوٍ غريب عاقدًا لحاجبيه فقد أشعلت بفعلتها التي أكدت رفضها اقترابه منها فتيل غضبه، لم تنتبه منار في أول الأمر لحالته فهي شحذت حواسها لمراقبة الجوار فَاصطدمت بِنظراته الغاضبة وازدردت لعابها وأردفت بصوت مضطرب بعدما توقعت سبب تبدله:- أمجد أنا عارفة إنك مضايق مني بس أنا سبق واتفقت معاك إننا نحترم الحب اللي زرعه ربنا جوانا ونحافظ عليه علشان ربنا يبارك لنا في حياتنا سوا و...
لاحظت تبدل غضبه لبرود رمقها به من أعلاها وأسفلها وحين أزاح بصره عنها زفرت بأسف على إهماله حديثها وأضافت:- أظن معدش في أي لزمه لِوقوفنا هنا ويلا بينا نمشي قبل ما حد ياخد باله مننا ويظن فينا السوء.
جاءت كلمتها الأخيرة كالقشة التي قصمت ظهر البعير، فَأحس أنه لم يعد يتحمل برود مشاعرها نحوه وتنصلهَا منه وعدم تجاوبها معه، فمد أصابعه وقبض على ساعدها وضغطه بقسوة رغبة منه في إيلامها وزام رافضًا موقفها المهين الذي أجج غضبه نحوها فأدناهَا منه وأردف بغضب مكتوم:- أنا عايز أعرف أنتِ ليه مُصرة تقفلينِي منك؟
رأى أمجد خوفها واضحًا كالشمس بعينيها وَأحس بنشوة أرضت غروره لِتأثيره بها وزاده ضعفها ورجيفها تسلطًا فتمادى مُردفًا:- ما تردي عليا وجاوبيني لما أنتِ مش حابة قربي منك ومش قابلة مشاعري كنتِ بتقوليلي ليه إنك بتحبيني، إيه كنتِ عايزة تجربي إحساس الحب وخلاص ومش مهم البني آدم اللي بيحبك مش قلبه ولا مشاعره اللي بتجرحِي فيها ببرودك ورفضك ليها.
أحست بكلماته تجلدها فهزت رأسها تنفي قوله وأشارت إلى صدرها ورددت بحزن:- أنا يا أمجد معقول أنت شايفني كده؟!
تعالت وتيرة أنفاسه وازدادت عصبيته لِمحاولتها استعطافه بِنظراتها الحزينة فأردف:- أيوه أنتِ ولعلمك أنا مش بتجنى عليكِ عارفة ليه؟ علشان أنتِ أتغيرتي وخلتيني أحس بالعجز ومبقتش عارف اتعامل معاكِ أزاي علشان ترضي عني، لدرجة أنك خلتيني أندم إني اعترفت لك بحبي علشان أحنا فالأول كنا نطلع نسهر فوق السطوح ونقعد بالساعات مع بعض ومكنتيش بِترفضي قربي منك وهزاري معاكِ، لكن بعد ما عرفتي إني بحبك بقيت بشحتك علشان تطلعي تقعدي معايا أو أشوفك ولما تحني عليا وتنزلي من برجك العاجي وتيجي كنتِ تفضلي تتلفتِ حوالين نفسك وأنتِ مرعوبة أحسن حد يشوفك وبتهربي مني قبل حتى ما أسألك عاملة إيه؟ وقتها التمست لك العذر وقلت خليها براحتها بردوا الوضع جديد عليها ومن حقها تقلق على نفسها، وفكرت فحل تاني علشان متقوليش إني أهملتك وَقلت لك خلينا نتكلم في الموبايل ونطمن على بعض وأسمع صوتك احتججتِ بأخواتك اللي بيضيقوكِ وبيحاولوا يسمعوا أنتِ بتتكلمي مع مين، طلبت منك تطلعي البلكونة بعد ما الكل ينام ولو خمس دقايق اترعبتِ وَحسستيني كَأني طلبت منك تقابليني في شقتي وقلتِ لا الجيران هَيشوفونَا وِيتكلموا علينا، وآخر ما فاض بيا قلت لك خلينا نتقابل بعيد عن البيت وأهو أديكِ واقفة تتلفتِ ومش عايزة حتى تبصِي لي.
ترك يدها ورماها بنظرة اشعرتها بالذنب فَزاده عليها بقوله:- ممكن تقوليلي لما أنتِ رافضة قربي منك أنا هوصلك مشاعري وحبي ليكِ أزاي؟ إيه عايزاني أوصله بالتخاطر!
ألقى كلمته الأخيرة بتهكم وأشاح بوجهه عنها لِيمنعها من رؤيته واستطرد قوله بِعتاب:- واضح أني كنت بوهم نفسي إنك بتحبيني وكان لازم أفهم كده لما قلت لك خليني اجي اطلب إيدك علشان متبقيش خايفة ورفضتِ وقُلتِ لي مينفعش علشان بابا مديون بسبب جواز أختك عفاف وسفرها ومصاريف المدارس والدروس وأنك مش عايزة تزودي الحِمل عليه.
راقبته منار بحزن ولم تدر كيف تخبره بِتشتتها فرُغم محبتها له إلا أنها لا تستطيع مجاراته فيما يريد والسماح له بما لا يحق لهما دون رباط شرعي يرضاه الله فيكفيها ذنب لقائهم السري وخيانتها ثقة والدها بها، غصة توسطت حلقها بتذكرها والدها وكفاحه ونكرانه لذاته من أجلهم لهذا عليها الثبات فهي لن تتحمل أبدًا أن تراه مُنكس الرأس بخزي بسببها، تفرست ظهره بنظراتها ففهمت من تصلبه مبلغ استيائه منها وودت لو يعطها الفرصة لتخبره بمكنون صدرها وتصارحه بِمخاوفها وَهاجسها من فتور مشاعره وَتنصله منها إن تمادت معه وبادلته عبارات الغزل ودت لو يطمئنها ولكن كيف وهي تلزم الصمت، حثها عقلها على مصارحته لاتخاذ خطوتها الأولى نحوه فاستدارت ووقفت أمامه ونظرت إليه باستحياء وهمست باعتذارها ولكنه أعرض عنها بقوله الفاتر:- وأنا مش قبل أسفك وخلينا نمشي بدل ما حد يعدي ويشوفنا ويفتكر إننا بنعمل حاجة كده ولا كده لا سمح الله.
تقدمها أمجد ولم يلتفت نحوها ولو لمرة وتبعته برأس مُنكس وملامح حزينة وعيون اختنقت بدموعها، دموع خافت أن تترك اثرًا يراه والدها فتزيده حِمله ثقلًا.وقبيل منزلها رفعت منار رأسها تتبين مكانه منها فلم تجده فعلمت أنه تركها بمفردها وأكملت خطواتها إلى منزلهم باغتمام وصعدت إلى مسكنها ووقفت أمام بابه تجبر ملامحها على الابتسام لتُفاجأ بِشقيقتها رنا تفتح لها الباب وتشير إليها بإصبعها أن تلزم الصمت وهزت رأسها باتجاه إحدى الغرف وهمست:- متعمليش صوت وِأدخلي بسرعة غيري هدومك قبل ما بابا يرجع من مشواره أو واحدة من الحلوين تشوفك وتفتن إنك رجعتِ متأخرة.
ربتت منار رأسها وسألتها بصوت خافت وهي تميل نحوها:- مشوار إيه هو مش المفروض بابا فالشغل؟
هزت رنا رأسها بالنفي وأجابتها بهدوء:- بابا النهاردة رجع بدري وقعد شوية وبعد كده قال إنه رايح مشوار، بعد ما نزل أحمد دخل اوضته قال هذاكر والحلوين قفلوا عليهم اوضتهم وِسابوني لوحدي، فضلت قاعدة اذاكر حبة وَأتفرج على التليفزيون حبه لحد ما أخدت بالي إنك أتأخرتِ فروحت وقفت في الشباك وأنا قلقانة لحد منهم يعرف وأنتِ عارفة لسانهم عامل أزاي.
أومأت منار وسارت على أطراف أصابعها لغرفتها وولجتها وأغلقت بابها خلفها واستندت إليه حينها نزعت ابتسامتها المزيفة وارتمت فوق فراشها ودفنت وجهها في وسادتها وأجهشت في البكاء.بينما وقف أمجد بشرفة غرفته يُفرغ غضبه بتدخينه وعينه تختلس النظر نحو شرفة منار أنتظرها أمجد أن تظهر وتعتذر منه ولكنها لم تفعل فازداد غضبه عليها لعدم تقديرها إياه وسعيها للحديث معه لتزيل سوء الفهم ذاك، فأردف بسخط:- براحتك يا منار اعملي اللي أنتِ عايزاه بس متبقيش تعيطي لما أعاملك بِاللي تستحقيه.
أنهى قوله وأغلق شرفته وغادر غرفته، وأمام غرفة والديه وقف ينظر إلى محتواها بحزن وأردف:- كنت دايمًا بحلم أني لما اربيها على إيدي وأعودها على طبعي وتفهمني من نظرة هتديني الحب اللي كنت بحسه بينكم، بس الظاهر إن الحلم حاجة والواقع حاجة تانية ومنار بنت عم شُهدي حاجة تالتة بعيدة عن الحب اللي خلى ماما عايشة تحت رجل بابا وبِتسعى أنها ترضيه لدرجة أنها متحملتش وفاته وماتت بعده بأسبوع.
أطرق أمجد رأسه بأسف وغير وجهته إلى غرفته وبداخله تعاظم ضيقه منها واندس بِفراشه وأغمض عينه مستسلمًا للنوم.بينما دفنت منار حزنها كما تعودت وَانهمكت باستذكار دروسها حتى رفعت وجهها بعيدًا بعدما ألمها ظهرها ولم تدر كم مر عليها من وقت وهي بغرفتها وتعجبت عدم تذكر أحد لها للآن فوقفت وتأوهت لثوان وغادرت غرفتها فوقع بصرها على شقيقتيها التوأم نهلة وهالة تتهامسان سرًا فَزمت شفتيها وَرمقتهم بأسف على عدم استجابتهم لنصحها لهما، أحست هالة أن هناك من ينظر إليها فنظرت نحوها بضيق وسرعان ما أشاحت وجهها وعادت إلى همسها مع توأمتها استاءت منار لابتعادهم عنها ومعاملتهم الفاترة لها ولِرنا، وحين يئست منهم أدارت ظهرها واتجهت نحو غرفة شقيقتها وفتحت بابها ببطء ووقفت تتطلع إليه فلاحظت شروده رُغم تمسكه بكتابه، اقتربت منار منه بشكل متأن وجذبت من بين يده كتابه فجأة فانتفض أحمد ووقف يرمقها بخوف وأصابعه تشبث بجزءٍ من كتابه، حدقت منار بأصابعه بشك ورفعت حاجبها عاليًا بتحد فَازدرد أحمد لعابه وتركه، حينها اكتشفت إخفاءه كتابًا هزليًا بين صفحات كتابه المدرسي فَابعدت عيناها عنه وَحدقت بوجهه بغضب وأردفت:- تاني يا أحمد تاني أنت إيه يا أخي مش عايز تحرم وتبطل اللي بتعمله دا، يا أخي حرام عليك بابا مبقاش حمل مصاريف زيادة لو سيادتك سقطت زي السنة اللي فاتت، ولا أنت مش حاسس بالديون اللي عليه واللي مبينمش الليل من تفكيره أزاي هَيسدها، أنا مش عارفة أعمل معاك إيه علشان تتعدل وتبطل تقرَا الكتب دي وغيرها فوقت الدراسة واللي على العكس تمامًا لما تكون فالأجازة مش بتقرب منها ولا حتى بِتفكر إنك تبص لها.
حاول أحمد أن يسترضيها ولكنها رفضت قائلة:- متحاولش أنا المرة دي هقول لبابا وهَخليه يتصرف معاك بطريقته علشان تتعظ وتبطل تضيع وقتك وتذاكر.
قبض أحمد على يدها وتشبث بها وأردف بصوت مهتز:- ورحمة ماما عندك يا منار متقوليش لبابا المرة دي وأنا أوعدك إني هذاكر ومش هضيع الوقت تاني بس بلاش تقوليله علشان خاطري.
ترقرقت الدموع بعينيها وتنفست بقوة لتكبحها وأشاحت بوجهها عنه قائلة:- يبقى تذاكر علشان مستقبلك صدقني السنة اللي بتعدي منك دلوقتي وأنت فاكر إنها عادي بكرة تتمنى أنها ترجع تاني وأنك كنت تبذل كل مابوسعك علشان ميضعش منك هدر، ويا ريت تدوس على نفسك شوية وتذاكر لأنك ذكي وبتفهم بسرعة فاستغل دا لمصلحتك وآه في حاجة كمان.
ترقبها قولها بقلق فَتابعت بجدية:- يا ريت بعد كده متحلفنيش بماما الله يرحمها ولو عايز تحلف يبقى أحلف بالله والأفضل أنك متحلفش علشان لو حصلت حاجة منعتك تلتزم بِيمينك متبقاش ارتكبت اِثم.
أومأ بحرج ونكس رأسه فَربتت منار كتفه وتركته وغادرت فجأة فَاصطدم بصرها بشقيقتها هالة وهي تسرع بالابتعاد عن الباب فَزمت شفتيها وَرمقتها بحدة وهي تقترب منها وقبضت على ساعدها وأبعدتها عن غرفة شقيقها وأردفت بغلظة:- هو أنتِ مش هتبطلي العادة السيئة اللي فيكِ دي، يا بنتي افهمي اللي بتعمليه دا حرام ولو مش مصدقة كلامي روحي دوري على النت اللي بتقعدي بالساعات عليه بتلعبي واقرئي عن التجسس والنميمة وشوفي عقابهم عند ربنا إيه؟
تذمرت هالة لِحديثها المتكرر عن الحلال والحرام وأشاحت بوجهها بفتور فزفرت منار لِعنادها وتمردها الخاطئ وسألتها بضيق:- ممكن أعرف سيادتك أنتِ وأختك معملتوش الأكل ليه؟ هو مش المفروض إن شغل البيت عليكم النهاردة.
امتعضت ملامح هالة وجذبت يدها منها وأجابتها بتذمر:- مكنش ليا مزاج أعمل حاجة ومكنتش فاضية وبعدين ما أنتِ خلصتِ مذاكرة يبقى مفيهاش حاجة لو روحتِ عملتِ الأكل.
زمت منار شفتيها وأردفت:- أظن يا هالة أننا اتفقنا قبل ما أبدأ دروسي على الجدول اللي هيمشي بيه البيت وأنا أمبارح عملت الغدا ورتبت البيت مكانكم بِحجة إن عندكم امتحان، علشان كده أنا مش هعمل أَي حاجة النهاردة ولا همد إِيدي لأنه دورك، ولو فاكرة إن لما تطنشي إني هعمل بدالكم تبقي بتحلمِي وأبقي وريني هتتصرفي أزاي أنتِ وأختك لما يقرصكم الجوع؟
أشاحت هالة بوجهها ونظرت إلى توأمها وقلدتها ساخرة فأخفت نهلة ضحكتها مما أثار استياء منار فَبادلت نظراتها بينهما بأسف وأردفت:- وماله يا هالة أنتِ ونهلة اتريقوا عليا حلو واعملوا اللي أنتم عايزينه براحتكم بس يا ريت بقى يا حلوة منك ليها تشوفوا هتقولوا لبابا إيه لما يسأل معملتوش أكل النهارده ليه عن إذنكم.
أنهت منار قولها وولجت غرفتها وأغلقت بابها خلفها فَتبادلت نهلة وهالة النظرات الساخطة لرفض منار تقديم يد المساعدة وما أن أدركت هالة أنه لم يعد أمامها أي خيار ضربت الأرض بقدمها وأردفت:- طب وبعدين يا نهلة أحنا هنعمل إيه وواضح إن أختك داخله معانا فدور عند وإلا مكنتش دخلت اوضتها ولا همها إن بابا ممكن يجي فأي وقت وِميلاقيش أكل.
زمت نهلة شفتيها ودفعتها لِتتقدمها نحو المطبخ وهي تُجيبها بضيق:- ولا قبلين هندخل أنا وأنتِ المطبخ وهنعمل أي حاجة على السريع قبل ما بابا يوصل، وإلا بابا لو رجع وملقاش أكل هيزعق فينا زي عادته وطبعًا أسها ما عليه يحرمنا من المصروف، فمن سكات كده مدي إيدك وِساعديني علشان نخلص بسرعة.
عكفت الفتيات على إعداد الطعام بينما تسللت رنا إلى غرفة شقيقتها فابتسمت منار وفتحت ذراعيها فاندست رنا بينهما بمحبة فقبلت منار رأسها وسألتها مازحة:- ألا يا رنوش أنتِ ليه محسساني أنك عميل سري مستخبى فالبيت هنا.
جلست رنا فوق ساقيها وأمعنت النظر بملامحها ومدت يدها ومسحت دمعتها العالقة بين رموشها وأردفت:- أنتِ بتقولي فيها ما أنا فعلًا عايزة أبقى عميل سري.
تطلعت منار نحوها بدهشة فابتسمت رنا وأخبرتها بلهجة حالمة:- أنا قررت أقدم ورقي تبع الشرطة بعد ما أخلص الثانوية العامة، وهتعب على نفسي لحد ما أبقى أشطر ظابط بنت ومع أول ترقية هقدم طلب علشان اتعين فجهاز المخابرات.
ازدادت دهشة منار من حديثها عن هدفها وهي بهذا السن المُبكر وأمعنت النظر إليها فرأت بملامحها الكثير من ملامح والدتها فابتسمت وأحاطت وجهها بكفيها وأردفت:- لو على الشرطة فأمرها سهل وأكيد بطموحك هتقدري تحققي اللي أنتِ عايزاه، لكن المخابرات حاجة تانية يا رنوش دا جهاز حيوي وسري والغلطة فيه بفورة وعلشان تثبتِ جدارة إنك تستحقي تشتغلي فيه لازم تتعبي على نفسك.
أحست منار بسلبية حديثها وإحباطها عزيمة شقيقتها من تبدل ملامحها فَوبخت نفسها وسارعت إلى تصحيح خطئهَا بقولها:- وبعدين هو في بنوتة قمر ورقيقة زيك ينفع تبقى عميل سري وتضرب وتصارع ويطلع لها عضلات.
اعتدلت رنا بثقة وأردفت بجدية تسبق سنوات عمرها التسع:- بكرة لما تشوفيني من أخطر العملاء اللي شغالين فالجهاز هتعرفي إن الحلم مش كبير عليا ولا حاجة، وعلى فكرة أنا من وقت ما حطيت هدف للي عايزة أحققه وأنا بدرب نفسي وبجيب فيديوهات وبتفرج عليها علشان يبقى عندي حصيلة معلومات كبيرة وبعدين لو على الرقة فعندك منى توفيق رقيقة وجميلة واشتغلت مع أدهم صبري.
ضحكت منار على حديثها وضمتها إليها وربتت رأسها قائلة:- تصدقي إن معاكِ حق عمومًا يا ستي أنا آسفة إني شككت فِقدراتك وبسحب كلامي ومش كده وبس لا أنا هَدعمك وهَشجعك لحد ما توصلي لهدفك.
قبلتها رنا بسعادة وأردفت:- أنا بحبك أوي يا منار علشان أنتِ عمرك ما عاملتيني بقسوة ولا رفضتي تلعبي معايا فأي وقت، حتى فِوقت تعبك بتهتمي بيا مش زي نهلة وهالة معندهمش غير بعض ورافضين وجودي ومش بيرضوا يتكلموا معايا ودايمًا سيبني لوحدي، أما أحمد فكل مرة أطلب منه إنه يقعد معايا يتحجج إنه بيذاكر.
أوقفت رنا استرسالها البائس وترقرقت عيناها بالدموع أسفًا على حالها فزفرت منار سخطها من تصرفات شقيقتيها وَاحتوتها بين ذراعيها مُردفة لتُبعد عنها شبح الحزن المخيم عليهما:- إيه يا أخطر عميل بذمتك عمرك شوفتي عميل سري بيعيط من أول قلم؟
ابتسمت رنا رغم حزنها فهي تواجه الكثير من المضايقات منهما وكثيرًا ما أرادت البوح بمعاناتها ولكنها تتراجع مُذكرة نفسها بتهديدهم لها وتلزم الصمت، لاحظت منار شرود رنا عنها فربتت ظهرها وأردفت:- اطمني يا رنوش أنا عمري ما هسيبك مهما كنت مشغولة ولا تعبانة، ولازم تتأكدي إن أنتِ بالذات ليكِ الأولوية فقلبي ووقتي. عرض أقل
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل الثاني 2 - بقلم منى احمد
أول الطريق.
ناقم عليها منذ تسلل إليه صوت ضحكاتها ووقف يستمع لحديثها بوجه متجهم. زاد غضبه اهتمامها المبالغ برنا، وأحس بالغيرة تشتعل بداخله. فمن المفترض أن تبكي منار ندمًا على ما اقترفته بحقه بدلًا من تبادلها الحديث مع شقيقتها والضحك معها.
زاد سخطه عليها وولج غرفته بعدما استقر رأيه على معاقبتها. وجلس يفكر بما يمكنه أن يؤلمها ليثأر لنفسه. بعد دقيقة لمعت عينه بتشف، فهو يعلم نقطة ضعفها التي ستجعلها لا تكرر خطأها بحقه مجددًا. وابتسم بمكر وأردف:
"هنشوف يا منار هتبقي عاملة إزاي وقتها؟"
انتشله صوت رنين هاتفه من ضجيج أفكاره، فأجاب بضيق في بادئ الأمر. وسرعان ما تبدلت لهجته من الفتور إلى الاهتمام لإدراكه هوية صاحبة الصوت. ووقف يستمع لكلماتها المرتبكة بشيء من السعادة ليُردف موضحًا:
"إزاي بس الكلام ده؟ عمومًا أنا حتى لو مش فاضي، فأنا أفضي لك نفسي مخصوص."
أنصت إليها برضى، فهو لم يتوقع أن تهاتفه وتطلب رؤيته بل وتؤكد ضرورة لقائهم اليوم. فابتسم مُردفًا:
"تمام، بعد نص ساعة لو يناسبك هتلاقيني منتظرك في الكافيه اللي جنب الكلية."
أنهى حديثه معها ووقف يحدق بهاتفه لا يصدق تلك الفرصة التي أتت إليه دون سعي. وسارع وبدل بنطاله ووقف يغدق على جسده بعطره المحبب إلى نفسه. وتطلع إلى هيئته الأخيرة التي نالت استحسانه وغادر وهو يطلق صفيرًا عاليًا.
وبعد نحو الساعة جلس أمام ليان بالمقهى وراقب نظراتها الخجولة نحوه. فأدرك أنها تبحث عن مدخل لتخبره بحاجتها، فقرر انتظارها لتبدأ حديثها لتؤكد ظنه. حين حمحمت قائلة:
"بصراحة يا أمجد أنا محرجة منك ومش عارفة أبدأ كلامي معاك إزاي، خاصة أني عرفت من بعض الزملاء أنك اخترت الفريق اللي هيعمل معاك المشروع اللي دكتور ورداني كلفك بيه."
أدرك غايتها، فالجميع ينشد الانضمام لفريقه. ولكن أن تطلب منه ليان الانضمام فهي فرصة ثمينة لن تأت كثيرًا وعليه اغتنامها بطريقة صحيحة. والأهم ألا يشعرها باهتمامه كي لا تتكبر لاحقًا. لذا أجابها بلا مبالاة:
"أنا فعلًا اخترت الفريق، بس مش عارف إيه ده دخل الفريق بطلبك إنك تشوفيني؟"
ازدردت ليان لعابها وفركت كفيها تستجمع شجاعتها لتخبره بما تريد. ورفعت عينيها ونظرت نحوه مجددًا وأردفت:
"بصراحة أنا حابة أنضم لفريقك يا أمجد، وعلشان أكون واضحة أكتر أنا مش حابة فريق الشريف لأني بقلق منه ومن أسلوبه اللي بيتعامل بيه مع زميلاته و..."
أومأ أمجد بتفهم قائلًا:
"متكمليش، أنا فهمت. عمومًا يا آنسة ليان أنا برحب بيكِ في الفريق لأنك مكسب حقيقي."
انفرجت أساريرها وزفرت بارتياح وأردفت:
"حقيقي أنا مش عارفة أشكرك إزاي على موافقتك دي، ياه يا أمجد أنت متعرفش أنا فرحانة قد إيه علشان شلت عني حمل تقيل وهم كبير، ده أنا لو فضلت أحكي لك قد إيه كنت خايفة ترفض مش هتصدقني."
راقبها أمجد ولم يفت منه ملاحظة نظراتها المرتبكة نحوه. فمسح عن وجهه ابتسامته قائلًا:
"اسمحِ لي الأول أشيل اللقب وأقولك ليان. ثانيًا اعتذارك مني علشان كلمتيني وخوفك لتكوني بتطفلي أو ظنك أني أرفض طلبك مالوش أي أساس من الصحة، ده غير إنه بيخص حقك لإنك مكسب لأي فريق واختيارك لفريقي ده شرف ليا. ثالثًا بما إننا هنبقى فريق واحد فيا ريت بلاش تتعاملي معايا بالشوكة والسكينة واعتبريني صديق أو أخ لكِ، ده طبعًا بعد إذنك. ولو يا ستي لقيتني مش قد ثقتك وقتها أتعاملي معايا بالطريقة اللي تحبيها. ها، قولتِ إيه؟ هنتعامل رسمي ولا أخوات؟"
خضب الحرج وجهها بحمرة طفيفة. فخفضت رأسها وأجابته:
"خلينا أصحاب أحسن، ولا أنت شايف إيه؟"
أخفى ابتهاجه لاختيارها واعتدل بجلسته مُردفًا:
"وهو في أفضل من الصداقة والأصحاب؟ وعلشان أثبت لك أننا أصحاب وإن قلبنا على قلب بعض هقولك على شوية حاجات تاخدي بالك منها هتضيف لك وهتنفعك والأهم أنها هتميزك عن الباقي، خصوصًا إن أنا لسه موزعتش المهام."
ابتسمت بحرج وسألته عن مقصده. فبادلها الابتسامة قائلًا:
"أولًا أنا حابب تخليني أرشح لك الناس اللي هتتعاملي معاها في الفريق علشان تقدري تطلعي شغل يبين مجهودك، زي مثلًا المنظور اللي هترسميه لازم يبقى احترافي وغير تقليدي، علشان كده لازم تاخدي فكرة عن التصاميم من المراجع الأجنبية. وقبل ما تعترضي، ده مش تحايل ولا غش لأن الدكاترة نفسهم طلبوا إننا ناخد فكرة من المراجع بس إحنا اللي بنكسل لأن في بعض المراجع بتعدي الألف صفحة."
وبعد نحو الساعة قضاها أمجد بتوضيح ما عليها إنجازه. أصر على مرافقها إلى منزلها، فوافقته وسارت بجواره إلى منزلها. وأمام بنايتها تطلعت نحوه وأردفت وهي تُشير إلى أعلى:
"بما إنك وصلتني، فاتفضل اطلع معايا أعرفك على بابا وبالمرة تشرب قهوة من إيدي."
بوغت أمجد وحدق بها بعيون متسعة. فانفجرت ليان ضاحكة وعقبت على ردة فعله بقولها:
"آسفة، بس ملامحك وأنت مصدوم فكرتني بفيلم هاتولي راجل. عمومًا اطمن، لما تطلع تشرب القهوة هتلاقي بابا منتظرك لأنه عارف إني نزلت أقابلك. وقبل ما نمشي من الكافيه كلمته وقلت له إنك هتوصلني، فطلب مني أعزمك على القهوة."
بادلها الابتسام ورافقها لأعلى، فاستقبله والدها بابتسامة هادئة. فسارعت ليان واحتضنته وقبلت وجنته مُردفة:
"أحب أعرفك يا أمجد على صديقي الصدوق بابا الدكتور ضياء علام."
أدارت ليان وجهها المشرق نحو أمجد وأردفت بارتباك حين لاحظت نظراته إليها:
"ودا زميلي أمجد المُشير اللي حكيت لك عنه يا بابا."
رحب ضياء بأمجد ورافقه إلى الداخل وطلب من ابنته أن تعد القهوة. وحين ابتعدت التفت ضياء وتفحص أمجد بنظراته وأردف حين رأى مبلغ حرجه:
"على فكرة أنا أعرفك من أول سنة ليك بالكلية، واللي أتكلم عنك هو الدكتور غريب مدني. وبصراحة من اللي قاله عنك أنا كنت حابب أتعرف على الشاب اللي حارب الظروف علشان يحقق حلمه. ولما ليان قالت لي على المشروع وإنها خايفة رشحتك ليها وقلت لها تتواصل معاك. وإحقاقًا للحق أنت طلعت عند ظني بيك ومخيبتش نظرتي فيك لما طلبت أنك توصلها، علشان كده صممت إني أتعرف عليك."
تطلع أمجد نحوه بدهشة فرأى نظر فخر به فأردف:
"بصراحة يا دكتور، أنا مصدق نفسي وحاسس إني بحلم، يعني أصل إن الدكتور ضياء علام بنفسه يقول فيا أنا الكلام ده، فدا شرف ليا وكلام حضرتك وسام فوق صدري."
انتقل ضياء إلى المقعد القريب منه وربت كتفه قائلًا:
"الشرف ليا أنا يا أمجد، لأنك بني آدم خلوق وطموح يا ابني. اللي زيك لما بيلاقي الظروف ساءت معاه بيرفض يعافر وبيعلّق فشله فأي حاجة بتحصل له على شماعة ظروفه. علشان كده أنا من اللحظة دي هعتبرك ابني وبيتي مفتوح لك في أي وقت."
اقتربت ليان وعلى وجهها ابتسامة حالمة ووضعت القهوة فوق الطاولة. واتجهت نحو مقعد والدها وجلست فوق مسنده وأحاطت كتف والدها بساعدها وأشرفت بعينها على مكان أمجد وحدقت بملامحه بوله وشردت للحظات. فأعادها اعتدال والدها إلى الواقع فابتعد عنه وجلست بمقابل أمجد وغمزت إليه قائلة:
"عارف يا بابا لما عزمت على أمجد يطلع معايا البيت يشرب القـ..."
أوقفها أمجد بحرج بقوله:
"ليان خلاص بقى، مش لازم تحكي حاجة للدكتور و..."
منعه ضياء بطلبه منها إكمال حديثها. فقصت على سمعه الموقف فابتسم مُردفًا:
"أهو كلامك بيأكد إن ثقتي فيه فمحلها، لأنه إنسان محترم واللي زيه بقى عملة نادرة فالزمن ده."
خفض أمجد وجهه حرجًا ومد يده والتقط فنجان قهوته واحتساه ببطء. بينما انخرطت ليان بحديثها وحين لاحظت صمته أشركته في الحديث. فتحولت جلسة التعارف إلى جلسة ودية تمنت ليان ألا تنتهي أبدًا.
وبطريقه إلى منزله تأكد أمجد أنه وضع قدمه على أول طريق نجاحه. وعلاقته برجل بمركز ومكانة ضياء علام ستفتح له الأبواب المغلقة. رسم عقله صورة لليان بنظراتها الحالمة وصوتها الرقيق واهتمامها الواضح بتوطيد علاقتها به.
فجأة عنفه قلبه وذكره بمنار التي تمنى الارتباط بها وأحبها على مدار سنوات. فزم شفتيه وأردف بحنق:
"طب بذمتك بقى ليان برقتها واهتمامها بيا وثقتها بنفسها ولا منار اللي بتفضل تبص حواليها وبتحسسني إننا بنسرق؟"
لزم أمجد الصمت وولج مسكنه قائلًا:
"عمومًا هو مفيش أي وجه للمقارنة ما بينهم."
تجهم وجهه واتجه إلى غرفته مُتعكر المزاج حانق من نفسه لتذكره رفضها. فزفر قائلًا:
"تبقى تخلي كسوفها ورفضها ينفعها لما أضيع منها و..."
تنبه عقله لما لجنوح أفكاره فنبهه بقوله:
"بس أنت لازم تخلي بالك إن منار مهما زعلتك بترجع تصالحك ودايمًا فالجد بتسمع كلامك وتنفذ لك اللي أنت عايزه. ولما تبقى في بيتك عمرها ما هتعارضك عكس شخصية ليان اللي عايشة حياتها بالطول والعرض وبتفكر بدماغ والدها. وما أظنش أنك هتقدر تفرض سيطرتك عليها لأنها هتجادلك فكل قرار تاخده. علشان كده أنا عايزك تفكر كويس وبلاش تتسرع وتخسر منار."
جلس أمجد فوق فراشه يُفكر فأدرك أن عليه المحافظة على بقاء منار بحياته. فهي كوالدته ستسعى لإرضائه ولراحته ولن تقف عائقًا أمام تحقيق طموحه. ولكن عليه معاقبتها ليثأر لكرامته وليعلمها درسًا لتطيعه فيما بعد. فزفر بارتياح وتمدد فوق فراشه وأردف:
"وماله يا أمجد، عاقبها وشوف هتعمل إيه وعلى أساسه أتصرف."
---
حاولت منار إلهاء نفسها بمذاكرتها حتى لا تستسلم لحزنها مجددًا. فيكفيها بكاؤها طيلة أسبوع لاختفائه كليًا عنها. زفرت لتطرد غصتها وحدقت بكتابها وأجبرت عقلها على استيعاب ما تقرأ. بعد نحو الساعة أقرت منار أنها لا تعي أي معلومة. لينتشلها من تيهها صوت طرقات أجفلتها فدفنت وجهها بكتابها باضطراب. الذي ازداد حين حياها والدها فتركت كتابها بتوتر وسألته:
"محتاج حاجة أعملها لك يا بابا؟"
ابتسم شُهدي وأجابها وهو يدنو منها:
"لا يا نور عيني تسلمي لي، أنا قلت اطمن عليكِ وأشوفك لو كنتِ محتاجة لحاجة أعملهالك علشان عارف إن عندك امتحان بكرة ومعتكفة من امبارح على مذكرتك."
أحست منار بالذنب لإهدار الوقت وتحركت نحوه واندست بين ذراعيه وأردفت:
"أنا خلصت وحليت أربع امتحانات وحليت كل المسائل اللي المستر بعتها أون لاين. فإيه رأيك لو تسبقني على البلكونة على ما أروح أعملنا كوبيتين شاي بالنعناع نعدل بيهم دماغنا."
قبل شُهدي رأسها وأردف:
"وماله يا حبيبتي، وأهو تريحي لك شوية."
شبت منار على أطراف أصابع قدميها وقبلت وجنته. فَربت شُهدي وجنتها وردد بعض الأدعية ورافقها للخارج. فأسرعت منار تعد الشاي ولحقت به وجلست بجواره قائلة:
"عارف يا بابا أنا ساعات بحس حالي مرعوبة من كتر ما بسمع اللي حواليا بيقولوا إن الثانوي صعب وإن كتير بيبذل مجهود بس مش بيوصل للي هو عايزه و..."
أوقفها والدها عن إكمال حديثها قائلًا:
"لا يا منار اوعي يا بنتي تستسلمي لأي كلام محبط ولا تفكري فيه. ولو حصل وحد قاله قصادك سد ودانك عنه وطلعيه برا دماغك وتوكلي على الله واعملي اللي عليكِ. وصدقيني يا بنتي ربنا مش هيضيع تعبك."
أومأت منار وأردفت بتمن:
"نفسي أغمض عيني وأفتحها ألاقيني خلصت ثانوي ودخلت هندسة، لا وكمان لقيت شغل."
ابتسم شُهدي لطيبتها وأردفت:
"كله بالصبر يا بنتي بيجي. وحتى لو ربنا ما أردش ودخلتي حاجة غير هندسة متزعليش وارضي بقضاء الله وحبي الكلية اللي هتدخليها وخليها حلمك الجديد."
تجهم وجه منار وتساءلت هل يمكن ألا تحقق حلمها كما يقول والدها. هزت رأسها بالنفي فهي حلمت منذ الصغر أن تصبح مهندسة وذات شأن. تابعها والدها بشفقة ومد يده والتقط يدها وأردف:
"أنا مش بقولك الكلام ده علشان تزعلي وتضايقي وتشيلي الهم. أنا بس خايف عليكِ من خيبة الأمل ومش عايزك تشوفي الموضوع على أنه نهاية العالم. لا يا بنتي أنا عايزك تعودي نفسك أنك تتأقلمي على أي مكان تلاقي نفسك فيه وتحبيه وتبذلي مجهود أكبر علشان تنجحي فيه. يا منار مش المكان اللي بيعمل للبني آدم قيمة بالعكس الإنسان هو اللي بيعمل قيمة لكل حاجة، فهماني."
أومأت بابتسامة خجولة وأردفت:
"فاهمة، بس يمكن أضايقت علشان طول عمري شايفة نفسي مهندسة فمش متخيلة أبقى حاجة تانية. بس عمومًا كلام حضرتك صح وهحطه في اعتباري."
وقفت شُهدي ورمقها بحنو وأردف:
"ربنا يكملك بعقلك يا بنتي."
وقفت منار بعد مغادرة والدها تحدق بالمارة. وبين الحين والآخر تختلس النظر نحو شرفته وودت لو يظهر لتراه. فهي اشتاقت إلى حديثه معها وفراقه لها عقاب قاس. أحرقت الدموع عينيها ففركت عينيها حين تنبهت لصوته يحادث أحدهم ويقول:
"يا ليان طاهر قال إنه سلمك قياسات الموقع وأنتِ المفروض تحولِيها بالمعادلات وتطبقيها مع نسب التصميم على الورق، فَإزاي النسب طلعت غلط؟"
أشعل ذكره اسم فتاة غيرها غيرتها. وتابعته وهو يصغي السمع ليعقب قائلًا:
"على فكرة الدكتور لو عرف بالكلام ده ممكن يفتكر إننا مش كفْ بالتكليف فيسحب المشروع مننا ويسلمه لفريق تاني، ودا أنا لا يمكن أسمح إنه يحصل أبدًا."
توارت منار كي لا ينتبه لوجودها وتابعت حركاته وسمعته يقول:
"يبقى ما فيش غير أني أروح الموقع بنفسي وأخد القياسات أقارنها باللي سلمهالك طاهر. ولو طلعت مظبوطه هكمل الشغل بدالك من غير ما حد يعرف. أما لو طلعت القياسات مختلفة يبقى طاهر بعت لك بيانات غلط علشان يوقعك. وفالحالة دي هبلغ الدكتور وهو يتصرف معاه بمعرفته."
استدار أمجد بعفوية فلمح منار تتوارى. فاعتدل وأظهر نفسه ليخبرها بأنه رآها. وحدق بها مليًا وشرد بملامحها ولم يدرك إنهائه اتصاله مع ليان. واقترب من الحد الفاصل بينهما وكاد يتحدث إليها ولكنه تراجع بوجه متجهم. وأولاها ظهره حينها نادته منار بصوت مُعذب:
"هتسيبني وتدخل يا أمجد من غير ما تتكلم معايا؟ إيه هو أسبوع خصام مكنش كفاية وعايز تزود عن كده؟"
زفر بقوة واستدار ليواجهها. ورمقها لبعض الوقت فلاحظ شحوب بشرتها وعيونها الغائرة. ولكنه تغاضى عن ملاحظته وأجابها ببرود:
"أنا عملت اللي أنتِ عايزاه يا منار وبعدت وحطيت مسافة بيني وبينك، فَزعلانة ليه دلوقتي؟"
انهمرت دموعها بلوعة لبروده معها واقتربت من الحاجز بدورها وقالت:
"بس أنا مش عايزك تبعد ولا حتى طلبت منك إنك تبعد و..."
قاطعها أمجد بحدة مُتناسيًا مكان تواجدهم:
"وأنا تعبت وزهقت من كوني الطرف اللي بيحاول يقرب ويدي والآخر يترفض. علشان كده قررت أبعد وأسيبلك الحرية تتصرفي بحياتك زي ما أنتِ عايزة وبدون أي ضغط مني لأني مش هقبل على نفسي ولا على كرامتي إني أشحت الحب منك."
تجمدت لوهلة وأحست بعقلها عاجز عن الفهم فسألته بخوف:
"أنت أنت قصدك إيه؟ أوعى تكون عايز...!"
لم تستطع إكمال الكلمة ولا التلفظ بها وانهمرت دموعها. فزم أمجد شفتيه وأردف بعصبية:
"منار أنتِ عايزة إيه دلوقتي ممكن أعرف؟"
أجابته بلهفة ودون تفكير:
"مش عايزك تبعد ولا تسيبني وتفضل تحبني زي ما كنت."
ازدادت ملامح وجهه قساوة ورمقها بغموض لثوان. وهم بالحديث إليها ولكنه توقف حين ارتفع رنين هاتفه. فأشاح بعينه عنها وحدق بشاشته وزفر بضيق وضغط إنهاء الاتصال وأردف:
"لو عايزة تحافظي عليا يا منار فَالحل كله بأيدك أنتِ لوحدك، وأظن أنتِ عارفة أنا عايز إيه!"
تغضنت جبهتها واستولى عليها القلق. فسألته بريبة وهي تبعد عينيها عنه:
"حل إيه اللي بإيدي؟"
رمقها بضيق لإبعادها عينيها عنه. فأردف بحدة:
"أولًا لما أكون واقف وبتكلم معاكِ متبعديش عينك عني لأني بعتبرها إهانة منك ليا وعدم احترام. ثانيًا لو عايزاني فحياتك يبقى توافقي على أي حاجة أقولك تعمليها بدون ما تجادليني ولا تناقشِي معايا. وحطي فدماغك يا منار إني لا ندل ولا جبان ولا هتخلى عنك زي ما عقلك بيصور لك ويوهمك أنك لما تخليني أمسك إيدك هشوفك بنت مش كويسة."
زادتها كلماته حيرة وتجسد قلقها فوق ملامحها. فرفع أمجد حاجبه وأردف:
"مسمعتش رأيك يا منار، عايزاني ولا مش عايزاني."
أحسته منار يسحب من أسفل قدميها بساط توازنها ويضعها وسط صراعها مجددًا ويخيرها بين بقاءه أو رحيله. رجف قلبها وارتعب من فكرة رحيله خاصة بعد سماعها حديثه مع زميلته. راقب أمجد شرودها واستدار عنها حين طال صمتها وأحس أنها لا تريده. فانتبهت وصاحت توقفه:
"أمجد متسبنيش، أنت عارف أني بحبك ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك."
لمعت عينه لنيله مُراده وزفر ليتمالك انفعاله واستدار نحوها بنفس عبوسه قائلًا بجدية:
"تمام يا منار."
انتظرته منار بتوتر أن يُكمل حديثه وعينيها تترقبه. وحين طال صمته سألته باستجداء:
"أمجد أنت مش عايز تقول حاجة تانية؟"
هز رأسه بالنفي. فَزمت شفتيها بحنق وقالت:
"طيب أنا هدخل أذاكر علشان عندي امتحان بكرة."
زاد ضيقها بقوله:
"طيب ربنا يوفقك، عن إذنك."
تركها وغادر. ووقفت منار تحدق بأثره بدهشة. لتنتبه لرنين هاتفها فأجابت بضيق دون النظر إلى صاحب الرقم. فأتاها صوته يقول:
"ادخلي ذاكري يا هانم واعملي حسابك إنك لو نقصتِ ربع درجة هعاقبك."
أنهى أمجد الاتصال دون أن يترك لها الفرصة لتعقب بشيء. ووقفت لثوان تبتسم ببلاهة قبل أن تسرع إلى الداخل بقلب ينبض بسعادة. ولم تنتبه منار في خضم سعادتها بتلك التي أسرعت إلى غرفتها المشتركة مع شقيقتها واندست بجوارها قائلة:
"عندي ليكِ خبر بمليون جنيه يا نهلة، خبر هيخلينا نعمل أي حاجة احنا عايزينها من غير ما منار تقف لنا زي عسكري المرور."
بعدما قصت هالة ما سمعته تطلعت نهلة نحوها وأردفت:
"بس أنا خايفة يا هالة، اللي عايزة تعمليه هيسبب مشكلة كبيرة بين بابا ومنار وكمان معانا."
عقدت هالة حاجبيها وسألتها باستغراب:
"واحنا مالنا؟ وهو الموضوع يخصنا احنا؟ كل اللي هنعمله نستنى الفرصة ونقول لبابا."
هزت نهلة رأسها وأردفت بقلق:
"لا يا هالة الموضوع هيخصنا ولو بابا عاقب منار احنا كمان هنتعاقب معاها. دا غير أنه هيشك فينا وهيخاف لتكون واحدة فينا بتعمل زيها من ورا ضهره وهيراقبنا وممكن يحبسنا معاها. ولا أنتِ فاكرة إنه لما يعرف هيخليها تخرج عادي؟ بصي بلاش أحسن وخلينا نتكلم معاها و..."
قاطعتها هالة بحدة بقولها:
"حيلك حيلك، هي مين اللي نتكلم معاها الشيخة منار اللي دايمًا تقول حلال وحرام. وبعدين هو من امتى بتقولي على حاجة بنتفق عليها، لا ومش عايزة تشاركيني فيها؟"
تجهم وجه نهلة وتطلعت لعين شقيقتها وأجابت:
"من بعد اللي عملناه فالمدرسة يا هالة، ولا أنتِ مش حاسة بالذنب بعد اللي حصل لمها بسببنا؟"
زفرت هالة بحنق ولوحت بيدها بتذمر وأردفت:
"مها زي منار هما اللي غلطوا مش احنا وكل واحدة فيهم تتحمل نتيجة غلطها."
ازداد إحساس نهلة بالذنب وانهمرت دموعها وأردفت:
"لا يا نهلة بلاش تكابري في الغلط، احنا كمان غلطنا لما كشفنا سر مها أنها بتقابل ولد وخلينا المديرة هزئتها والكلام وصل لوالدها وعرفنا أنه ضربها ودخلت المستشفى ولحد دلوقتي مبتجيش المدرسة. ولعلمك ميس رجاء لما اتكلمت عن الستر واللي بيفضح الستر في الطابور كانت تقصدنا. ورغم غلطنا محبتش تفضحنا زي ما عملنا، ومن وقتها مش عارفة أنام وبحلم بكوابيس وخايفة من ربنا وحاسة إنه هيعاقبني علشان كده أنا مش هعمل حاجة تاني وهبطل."
تبرمت هالة لحديث شقيقتها وزفرت بضيق وأردفت وهي تتطلع إليها بغيظ:
"أفهم من كلامك إنك مش عايزة تبقي معايا وناوية تسمعي لكلام ميس رجاء."
صمتت هالة لثوان ورفعت حاجبها بتحد وأضافت:
"تمام يا نهلة براحتك، بس خليكِ فاكرة إنك أنتِ اللي بتخلفي بوعدك معايا وبتبعدي عني وبعد كده لما أتغير فمعاملتي معاكِ متبقيش تزعلي."
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل الثالث 3 - بقلم منى احمد
مع مرور الأيام، انهمكت منار في مذاكرتها واشتد تمسكها بحلمها لتسير على درب أمجد، خاصة بعد اختلاف الوضع معها. فمنذ وافقت على شروطه، وهو يهاتفها ليلاً، ولكنه على خلاف عادته لا يطيل حديثه، ويمضي معظمه بحثها لها على المذاكرة.
ولِدهشتها، لم يطلب منها ولو لمرة مقابلتها، فَأزعجها الأمر. ويومًا بعد يوم، ازدادت ريبتها وظنونها، وَنهشتها الغيرة كلما أتى على ذكر ليان. فقررت المجازفة وهاتفته على غير عادتها وسألته مباشرة قائلة:
"أمجد، أنا عايزة أعرف أنت ليه مبقتش تطلب تشوفني زي الأول؟"
بوغت بسؤالها، ومع محاصرتها له، لم يستطع التهرب، فطلب منها مقابلته أعلى سطح البناية. استجابت منار لطلبه وتسللت لأعلى بعدما طمأنت نفسها بنوم الجميع. خطت منار بحذر، ففاجأها أمجد بجذبه إياها، واضعًا كفه فوق شفتيها، ودفعها نحو إحدى الزوايا البعيدة عن العين. ووقف يحدق بملامحها التي اشتاق إليها كثيرًا، ولاحق تسارع أنفاسها التي نافست أنفاسه سرعة.
بينما حاولت منار تهدئة روعها وهربت بعينيها منه، وازدردت لعابها. فابعد أمجد يده عن ثغرها، ومس ذقنها ورفع وجهها ونظر بعينها وأردف:
"عايزة تعرفي ليه بطلت أقولك نتقابل؟"
أومأت منار بحرج ونظرت باتجاه أخر هربًا من نظراته. فأمرها بالنظر إليه وهو يضع يدها فوق قلبه وأضاف:
"أول سبب حاولت اقنع نفسي بيه أني مشغول بمشاريع الكلية والمذاكرة علشان الامتحانات اللي قربت. لكن لو عايزة الحق، فَأهم سبب هو أني حطيت نفسي مكانك وفكرت بدماغك، فساعتها فهمت ليه مينفعش أكون معاكِ لوحدي؟ أولًا علشان لو حد شافك معايا هيتكلم والكلام هيوصل لعم شُهدي، وطبعًا وقتها هَيعاند ويرفض ارتباطنا. ثانيًا خوفي من نفسي عليكِ لأضعف لما أشوفك زي ما أنا حاسس دلوقتي بضعفي، وأنتِ واقفة قصادي وحاسس بأنفاسك وبقلبك اللي هَيجري من جواكِ من الخوف. عرفتي بقى ليه بطلت أشوفك؟"
أحست منار أنها غرقت حد الثمالة بعشقه، وودت لو تقفز من فرط سعادتها لِتفهمه سبب ترددها وخوفها. ولكن سرعان ما تلاشت فرحتها بتذكرها ليان، فعقدت حاجبيها وسألته بغيرة:
"هي مين ليان دي يا أمجد؟"
كان يعلم بأنها ستسأله عنها لا محالة، لهذا رتب أفكاره وإجاباته، فأجابها مُبتسمًا:
"ليان تبقى زميلتي فالكلية. من فترة طلب مني دكتور عوض مني إني أضمها لفريقي، فاستغربت. ولما عرفت أنها بنت دكتور كبير وله مكانة ونفوذ، وقتها افتكرت إنها استغلت مركز والدها. لكن بعد كده فهمت أنها كانت مع فريق زميل تاني معروف إن أسلوب تعامله مع البنات مش كويس، وإنه تقريبًا تطاول عليها، فطلبت تتنقل، ودكتور عوض هو اللي قالها عليا."
تفهمت موقفه وأوصته بالحذر في التعامل معها. فابتسم لِبرائتها وأدرك من حُمرة وجنتها أنها تعاتب نفسها لريبتها به. وأحس بالنشوة حين احنت رأسها واعتذرت لظنها السيئ به. فاقترب منها حد الالتصاق، وقبل أن يميل بوجهه نحوها، فوجئ بوالدها يتطلع إليهم بعيون مُتسعة من هول الصدمة، وران ببصره إليها وحدق بها بحسرة.
فانتفضت منار وشحب وجهها، فَأسوأ كوابيسها تجسد نصب عينيها. لينتشلها من صدمتها قول شقيقتها هالة:
"شوفت يا بابا، أهي الهانم اللي حضرتك فاكرها نايمة طلعت بِتغفلك وبتقابل الأستاذ من ورا ضهرك فوق السطوح ومش عاملة حساب لسمعتك ولا سمعتنا."
ودت منار لو تنشق الأرض وتبتلعها، وانهمرت دموعها بعجز. ولم تتحمل رؤية انكساره بسببها، وفرت من أمامه. في حين واصلت هالة بخ سمومها. فلوح أمجد بإصبعه أمام وجهها وحذرها قائلًا:
"ممكن تخرسي، مش خلاص ولعتيها. اتفضلي بقى انزلي وسيبيني اصطفل مع عمي لحالنا."
وقفت هالة ترمقه بحقد واستدارت نحو والدها وأردفت:
"بابا، حضرتك سامع كلامه و..."
أصاب شُهدي النفور منها، فهي لم تكف عن الحديث منذ اقتحمت غرفته وأيقظته وأخبرته بما تُخفيه منار عنه، وزلزلت كيانه بإطلاعه على مكانها. فتبعها وهو يبتهل إلى الله أن تكون كلماتها مجرد ظنون فارغة. ولكنه الآن وبعد صدمته، لم يعد يطيق سماعها، فطلب منها مغادرة المكان بغضب. فوقفت هالة تحدق به بدهشة وأسرعت إلى الأسفل حين رمقها أمجد بنظرة تحذيرية أخيرة.
وتابعها حتى اختفت وزفر بقوة. وتطلع نحو شُهدي بحرج، فهو لم يضع في حسبانه أن تكون المواجهة بينهما هكذا، وخشى أن يتعنت معه ويثأر لكرامته ويرفض طلبه. فَزم شفتيه وأردف:
"أنا عارف إن حضرتك شايفني أسوأ بني آدم عرفته وناكر للجميل، وفاكرني بتسلى بمنار."
رفع شُهدي عينه ونظر إلى وجهه، وود لو يصفعه لخيانته الأمانة. ولكنه تراجع وأردف بما في نفسه:
"للأسف، أنا مش شايف غير الخذلان وخيبة الأمل. فِبنتي اللي وثقت فيها وأديتها الحرية، والآخر ضربتني في ضهري وغدرت بيا."
هز أمجد رأسه بالنفي وسارع بقوله:
"لا يا عم شُهدي، منار معملتش حاجة تخزيك. ولو على طلوعها هنا، فأنا اللي طلبت منها تطلع علشان أقدر أقنعها توافق تخليني أقابلك وأطلب أيدها منك."
اتسعت عينا شُهدي وحدق به بدهشة وسأله بريبة:
"وهو أنت كنت عايز تطلب أيدها وهي اللي رفضت! طب ليه؟"
خفض أمجد رأسه وأجابه بحرج:
"علشان مش عايزة تزود الحِمل عليك. يا عمي، منار بتحبك ودايمًا تقول نفسي أساعد بابا وأشيل الحِمل معاه. ولما كنت أقولها خليني أتكلم معاه، تقولي أنا عارفة إن بابا مش هيرفض، بس هو هيضغط على نفسه بزيادة، ودا أنا مش هقدر أقبله."
رُغم قوله، إلا أن شُهدي لم يشعر إلا بالخزي. فأدار بصره حوله وأشار بيده قائلًا:
"عمومًا، زي ما أنت شايف، لا دا المكان ولا الوقت المناسب للكلام. ولو أنت فعلًا عند قولك وطلبك، فأنا هستناك بكرة بعد صلاة المغرب، عن إذنك."
أومأ أمجد، ولكنه سرعان ما أحس بالخوف من ردة فعله نحوها، فاعترض طريقه قائلًا:
"عمي، أرجوك بلاش تعنف منار. وصدقني، اللي حضرتك شوفته كان لحظة طيش، لا أنا ولا هي عملنا حسابها. وأقسم لك إن منار عمرها ما سمحت لي ألمس أيدها علشان بتخاف من ربنا، وحرصها على دينها وخوفها على حضرتك من أنها تخذلك."
لم يعقب شُهدي على حديثه واستدار عنه واتجه لأسفل، وتبعه أمجد بقلق شابه الضيق وهو يلعن هالة لافسادها كل ترتيبه.
وبالأسفل، أوصدت منار غرفتها ورفضت الاستجابة لطلب رنا ونهلة الدخول إليها، وارتمت فوق فراشها تبكي. حتى انتبهت لصوت والدها يأمرها باللحاق به لغرفته. فَاعتدلت وكفكفت دموعها. فَوقع بصرها على صورتها في المرآة، فأشاحت بوجهها وهي تقول:
"بقيتي فنظر نفسك أسوأ واحدة يا منار، بعد ما كسرتِ نفس بابا."
وقفت منار أمام والدها برأس منكسر وعيون باكية، بينما راقبها شُهدى بأسى للحظات. فلم يتحمل رؤية انكسارها، فأشاح بوجهه عنها وأردف:
"ليه عملتِ كده يا منار؟"
ارتفع صوت نحيبها، فَزاده غضبًا، فاستدار إليها وأضاف:
"اوعي تفتكري أني هَصدق عياطك وأنسى اللي شوفته فوق وأقول عيلة وغلطت والمسامح كريم. أنتِ يا محترمة، ضربتيني فِمقتل، وأنا لا هسامحك ولا هنسى، علشان أنتِ استغليتي ثقتي بيكِ وخدعتيني بتمثيلك وافتكرتِ أني مش هعرف بعلاقتك مع البيه."
حاولت منار أن تخبره بحقيقة الأمر، ولكنه رفض قائلًا:
"مهما حاولتِ تقولي مش هقدر أنسى القلم اللي اخدته منك، لأنه علم جوايا. فيا ريت من هنا ورايح تحافظي على مكانك بعيد عني، ومتحاوليش تتكلمي معايا إلا للضرورة وبس. ولو ينفع تخلي حد من أخواتك يتكلم بدل منك يبقى أحسن. وعلشان تبقي عارفة إن البيه اللي تعرفيه كتر خيره قال لي إنه عايز يرتبط بيكِ، ما هو بعد اللي حصل، أنا مجبر أوافق علشان أداري على أي حاجة حصلت بينك وبينه و..."
شهقت منار لِجوره عليها بكلماته، فارتمت أسفل قدميه وهتفت بتوسل:
"والله ما حصل بينا أي حاجة، وأمجد عمره ما حاول يتجاوز حده معايا. صدقني، أنا..."
صرخ شُهدي بها ومنعها من الحديث، ومد يده وقبض على خصلاتها ورج رأسها بقوة قائلًا:
"اخرسي، أنا مش قادر أسمع صوتك ولا متحمل أشوف وشك. وبدل ما أنتِ قاعدة تتبجحي قصادي إنه محاولش يلمسك، روحي استغفري وتوبي عن الذنوب اللي مغطياكِ بكلامك معاه. ولا يا أستاذة، ياللي بتروحي دروس الفقه والدين، متعرفيش إن كلامك معاه من البداية حرام."
دفعها عنه، فارتطم رأسها بالطاولة، ولكنها لم تهتم بألمها وتطلعت نحوه باكية. وأمام نظراته المحتقنة بغضبه، نكست رأسها، فسمعته يضيف بحسرة:
"أنتِ لا عملتي حساب لِربنا، ولا عملتي حساب لِسمعتي وشيبتي. وكنتِ لازقة فِحضنه على الملأ، ومفكرتيش إن لو حد شافك من الجيران، كان زمان سيرتك على كل لسان."
حاولت منار استجداء عفوه، ولكنه تشبث برفضه وحكم عليها بِملازمة غرفتها وبِعدم مغادرتها المنزل حتى لِدروسها. ظل شُهدي بغرفته يسير بلا هوادة، حتى تذكر أمر هالة، فاتجه إلى غرفتها وولجها. فهبت الفتاتان بخوف. وحين أحكم شُهدي غلق الباب ونزع حزام بنطاله، أصابهم الفزع، فانهال عليهم ضربًا حتى أفرغ شحنة غضبه. ووقف يتطلع إليهم باشمئزاز ونفور وأردف:
"من النهارده، لو عرفت إن واحدة فيكم نقلت حرف ولا قالت كلمة عن حد، مش هكتفي بضربها. لا أنا هحلق لها شعرها وهكسرها لحد ما تعجز عن الحركة وهقطع لسانها، طالما مش عايزين تحترموا نفسكم وتبطلوا نقل كلام وفتنة. واعملوا حسابكم، أنا خلاص قاعد لكم وِهَربيكم من أول وجديد، ويا تتعلموا الأدب يا هدفنكم وأخلص منكم قبل ما تفضحوني بين الناس."
لم يغمض لِشُهدي جفن طوال الليل. فكيف ينام وكرامته استباحت على يد ابنته وربيبه الذي ظنه سيصون معروفه معه؟ ألم أحتشى بقلبه، ودمعة ألهبت عينه زفرة حارة غادرت حلقة صاحبها. تأوه مكتوم والتفاتة نحو صورة جمعت بينه وبين زوجته الراحلة. فخفض بصره بخزي وأردف:
"معرفتش أصون الأمانة يا حنة، واتكسرت. بنتك اللي كنت حاطط عليها أمل كبير غدرت بيا."
ترك فراشه ووقف أمام الصورة واستطرد:
"أكيد أنتِ حاسة بيا وبوجيعتي لحظة ما شوفتها وهي... مش قادر أنطقها يا حنة، ولا عارف أنسى صورتها وهي بالمنظر دا. أنا كان عندي أموت ولا أشوف واحدة من بناتي بتدوس عليا بالشكل دا."
لم يدرك شُهدي أن دموعه انفرطت وسالت فوق وجنتيه وهو يردد بأسى:
"قولي لي أعمل إيه يا حنة؟ أنا شيطاني بيوسوس لي أنها مرمغت شرفي فالطين، ومصور لي عنها حاجات بشعة لدرجة أني حابس نفسي هنا علشان مروحش أقتلها وأخلص من عارها."
أغمض عينه مُستغفرًا وغادر غرفته واجه إلى المرحاض ليتوضأ بعدما أحس بنيران الظنون تنهشه. وأسرع إلى غرفته يناجي ربه لعله يطفأ عنه فتنة ظنه ذاك.
وفي اليوم التالي، تجنب شُهدي الحديث إلى بناته ولزم غرفته حتى أخبرته رنا بسؤال أمجد عنه. فتطلع لساعة يده وغادر دون أن ينبث بكلمة. واتجه نحوه وأشار إليه بجمود أن يحلق به. وجلس مكرهًا أمامه واستمع لطلبه المهتز لِيد ابنته. فوافقه دون جدال وأخبره بجمود أن يرتب أمره لِيعقد قرانه عليها فور انتهاء اختباراتها. وقبيل مغادرته، طالبه بالالتزام بعدم رؤيته لابنته حتى موعد عقد القران. فوافقه أمجد ووعده كبادرة مِنه لِاستعادته ثقته به مجددًا.
واستمر الحال أسابيع طويلة، فاتر وصامت بين منار ووالدها الذي لم يتقبل أيًا من محاولاتها بِطلب الصفح. بل وشمل أبنائه جميعًا بمعاملته الصارمة، فباتوا يخشون غضبه عليهم وسعوا لإرضائه بتغيرهم في بادئ الأمر تجنبًا لعقاب الضرب الذي انتهجه معهم. ليتحول تغيرهم هربًا من العقاب إلى التغير حبًا بِصلاح النفس وسعيًا لكسب الاحترام، بدءً بجدية أحمد الذي استعاض بشرح مُعلمين بعض مواقع السوشيال ميديا عن الدروس الخصوصية توفيرًا للمال وشارك شقيقاته واجباتهم المنزلية. وتقرب من رنا التي وعلى العكس منهم انعزلت ولزمت الصمت وأصبحت كلما لمحت والدها تهرع إلى فراشها وتنكمش بخوف. في حين أصلحت نهلة ذات البين بينها وبين منار ولازمتها معظم الوقت وَواظبت على صلاتها وشغلت أوقات فراغها بتعلم أمور دينها الغافلة عنها. بينما تابعت هالة ما يدور بتمرد ورفضت محاولة نهلة لفت انتباهها لما تفعله من خطأ وأصرت على موقفها العدائي الغير مبرر منهم.
كل هذا ومنار تدور بفلك ندمها يأكلها الذنب. فباتت تصلي وتستغفر ليل نهار، ولكنها باتت على يقين أنها لم تُكفر عن ذنبها بحق والدها بعد، وأن عقاب الله لها لم يحن موعده.
وبعالمه، وبعدما اطمئن أمجد أنها أصبحت له، أرسل إليها يخبرها أنه سَيلزم وعده لوالدها ويكف عن الحديث معها حتى موعد عقد قرانهم. وعليها تحمل فراقه ومساعدته لِيثبت جدارته بها، وحثها على التحمل والجلد حتى تحين له الفرصة ويصلح ما فسد بينها وبين والدها ويستعيدا ثقته.
وعلى الجانب الآخر، سعى لِترسيخ أقدامه بمنزل ليان. فعمل على توطيد أواصر الصداقة بينه وبين والدها، فشاركه ألعابه المُفضلة وسمح له في الكثير من الأحيان بالفوز عليه، حتى بات أمجد بمثابة الابن لِضياء. وتردد صدى علاقته به بدائرة أصدقائه وأساتذته والمحيطين به، فتبدلت معاملتهم له تقربًا لِضياء. أما ليان، فانتهج أمجد معها نهج الأخ الأكبر وشاركها بعض اهتماماتها دون مبالغة ليدفع الظنة عن نفسه ويدرأ عنه شبهة. وأسدى لها الكثير من النصائح التي ساعدتها على الصعيد الشخصي والاكاديمي. وبمرور الوقت الذي حرم منار منه، أغدق به على ليان، فازداد تعلقها به وتمنت لو تتخذ علاقتها به منحنى آخر. وباتت ليان لا تطيق مشاعرها التي تخطت الحب، وأطلعت والدها بمشاعرها. فَنصحها بالتريث حتى تتأكد من مشاعره نحوها ولا تتأذى.
وبأحد الأيام، فاض بها الكيل وأعمتها غيرتها حين رأته يتحدث إلى إحداهن. فأسرعت نحوه بوجه غائم ووقفت على مقربة منه وانتظرت حتى غادرت الفتاة. فالتفت إليها مُبتسمًا، ولكنها لم تبادله وعبست بوجهه. فسألها بحيرة:
"مالك يا ليان، مكشرة كده ومش بتردي عليا؟"
ودت لو تصيح ليان بأعلى صوتٍ لها وتخبر الجميع أنه حبيبها، وعلى من تود الموت الاقتراب منه. ولكنها تمالكت اندفاعها ولجمت رغبتها ورفعت حاجبها سخطًا لِسؤاله وأجابته بهجوم غير مبرر:
"وأرد عليك ليه؟ ما كفاية الحلوة اللي كانت عجباك وقفتها معاك ودلعها عليك. وعلشان سيادتك كنت بتاكلها بعينك وأنت بتبص لها، مكنتش واخد بالك أني شيفاك، فقلت تستهبل عليا وتقولي مالك ومكشرة علشان أقف أنا كمان، وأهو يبقى بجملة اللمة حواليك علشان تبقى أنت الشاب الكول الجان اللي البنات بترمي نفسها عليك."
أغضبته كلماتها وأهانته نظراتها الساخرة منه، فعقد حاجبيه وأخبرها بصرامة:
"واضح يا آنسة ليان، أني غلطت لما اتعاملت معاكِ كصديق واتساهلت فالكلام لدرجة أنك افتكرتِ أني ممكن أقبل على كرامتي الأهانة، أو أنك تقللي مني وتتهميني فأخلاقي أني بلم البنات حواليا."
بهتت ملامحها ولم تدر كيف تفوهت بتلك الاتهامات الخاطئة؟ وأدركت من نظراته الغاضبة وكلماته أنها أخطأت بحقه وتجاوزت بِما لا يقبل. فحاولت الاعتذار منه، ولكنه انسحب ورفض الرد عليها وأغلق هاتفه حتى لا تتمكن من الوصول إليه. بل وامتنع عن الذهاب إلى الجامعة لعدة أيام وحجب نفسه عنها كُليًا. فظهر جليًا عليها تأثرها بِهجره لها بحزنها وبكائها والتزامها الصمت. فسألها والدها عما ألم بها؟ فقصت عليه، فعاتبها بهدوء رُغم رفضه لافتراها عليه، وطلب منها ترك الأمر له.
باليوم التالي، فوجئ أمجد بِضياء يقف أمام باب مسكنه. فاتسعت عينه بقلق. وحين لاحظ نظرات ضياء نحوه، ابتسم باضطراب ورحب به، وعينه تختلس النظر نحو مسكن شُهدي قبل أن يغلق الباب خلفه. وجلس أمامه بتوتر، فَسارع ضياء وأردف ما أن لاحظ ارتباكه:
"أنا عارف أنك واخد على خاطرك وزعلان بسبب اللي حصل، بس أنا كمان زعلان منك."
بدى أمجد شارد الزهن، فعقله يُفكر بظهور ضياء أمام بابه، وهو الأمر الذي عليه معالجته لاحقًا، فهو بغنى عن تلك الصدف التي من شأنها إفساد حياته. ولم يدرك بتيه أفكاره أن ضياء ظنه لا يتقبل زيارته، وبالتالي يرفض اعتذاره، إلا حين وقف قائلًا بتجهم:
"الظاهر إن بنتي زعلتك جامد لدرجة أنك محروج تقول لي إن اعتذاري مرفـ..."
هب أمجد ما أن وعى عقله الأمر وأردف بجدية:
"لا طبعًا يا دكتور، أنا بس للحظة حسيت إني مش فاهم أي حاجة، علشان كده معرفتش أرد على حضرتك أقول إيه."
تدارك ضياء الموقف وتفهمه وأشار إليه بالجلوس قائلًا:
"أنت عارف يا أمجد، أنا بحترمك قد إيه وبعزك. والحقيقة لولا إحساسي أنك زي ابني، أنا مكنتش فكرت أبدًا أني أجيلك لحد عندك علشان أراضيك واعتذر لك بنفسي."
جلس أمجد بارتباك، ولاحظ ضياء اضطرابه، فأرجح الأمر لحرجه لِبساطة مسكنه وإجهاده، فأردف:
"على فكرة، أنا فاهم أنك محرج مني علشان طبيت عليك من غير ميعاد، بس أنا قلت لك أني بعتبرك ابني، وأظن مافيش ابن يتكسف من والده."
أومأ أمجد بحرج ورسم ابتسامة واهية فوق شفتيه وأردف:
"يا دكتور، زيارتك ليا شرف، وبعدين حضرتك تيجي فأي وقت وبدون أسباب. ولو على اللي حصل، فأنا خلاص نسيت كل حاجة ومش زعلان."
استحسن ضياء إجابته ورجولة موقفه من ابنته، فأردف:
"بص يا أمجد، أنا مش هخبي عليك، أنا من يوم شوفتك وحاسس إن ربنا بعتك ليا نجدة."
حدق أمجد نحوه بحيرة، فاستطرد ضياء موضحًا:
"أنت عارف إن ليان بنتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا، واللي للأسف وقعت وسط عيلة اللي مكنش فيها طمعان فيا، طمع لما رصيدي زاد فالبنك لملايين. وفترة اكتشفت إن في صراع بين قرايبي على مين يتجوز ليان الوريثة الوحيدة للملايين."
استحوذ ضياء على حواس أمجد، الذي بدأ عقله يحلل كل حركة تأت من ضياء. ورُغم توقعه التالي، إلا أنه لم يشاء استباق الحدث. ونظر نحوه وسأله عن معزى حديثه، فزفر ضياء وأجابه بحرج:
"بصراحة، أنا مش عارف أقولك اللي عندي أزاي؟ ويمكن علشان دي المرة الأولى اللي بكون فيها فالموقف دا."
حاول أمجد أن يخفف عنه الأمر، فأردف:
"يا دكتور، احنا مافيش بينا أحراج، وحضرتك لسه قايل أني زي ابنك، فاتكلم براحتك وبدون حرج."
ابتسم ضياء برضى لموقفه منه وأردف:
"أهو كلامك وأخلاقك هما اللي سبب أختياري ليك، خصوصًا بعد ما لاحظت إعجاب ليان بيك واتأكدت إن في إعجاب متبادل من ناحيتك ليها."
ازدرد أمجد لعابه وخفض بصره مُتعمدًا، فأضاف ضياء بجدية:
"أمجد، من غير لف ودوران، أنا حابب أنك تطلب إيد بنتي ليان مني، علشان أنا عمري ما هلاقي شاب فأخلاقك وأمانتك استأمنه عليها قبل ما استأمنه على مالي. والطب التاني أني عايزك تتجوزها فأسرع وقت وتيجي تعيش معانا، علشان أمنع قرايبي اللي اتحدوا ومن أنهم يحطوا إيدهم على بنتي ومالي وأنا على وش الدنيا."
أجاد أمجد صدمته، حين رفع رأسه فجأة وحدق بوجه ضياء. وسرعان ما خفض عينه وأردف بتردد:
"بس يا دكتور، أنا أنا..."
بتر أمجد حديثه متعمدًا وهز رأسه بحيرة ووقف عن مكانه وأضاف:
"أنا منكرش أني اعجبت بليان وغصب عني مشاعري تجاوزت الاعجاب من غير ما أحس. وبعد موقفها الأخير مني، أنا عدت تفكير فمشاعري وفهمت إن حبي ليها حب محكوم عليه بالفشل بسبب ظروفي وفقري وحياتي اللي حضرتك شوفتها دلوقتي، واللي أكيد الكل هيظن فيا الطمع والجشع وأني أتقدمت لها علشان فلوسها. وهي نفسها لو عرفت إن حضرتك جيت لي هنا و..."
قاطعه ضياء بخوف ليوقف استرساله:
"تعرف إيه؟ لا ليان مستحيل تعرف بالكلام اللي دار بينا."
أومأ أمجد وعقب بقوله:
"يا دكتور، أنا عمري ما هقول حرف واحد ولو فيها موتي، وأوعدك وعد راجل حر إن ليان مش هتعرف إن حضرتك جيت لي واللي دار بينا هيفضل سر ليوم ما أموت."
وقف ضياء واختطفه بين ذراعيه واحتضنه مُرتبًا ظهره بمحبة قائلًا:
"يعني بعد كلامك دا، مش عايزني امسك فيك بأيدي واسناني واجوزك بنتي؟"
لمعت عينا أمجد قبل أن يغمضها وهو يخبره بموافقته. وأدرك أنه حظى بأكثر مما تمنى. حظى بمنار الطيعة لأمره، والتي تشبه إلى حد كبير والدته، وحتمًا ستتفانى وتبذل قصار جهدها من أجل إسعاده كما تفانت والدته لإسعاد والده. وليان صاحبة المال والنفوذ والسلطة التي سترفع شأنه وتضعه في مكانته ومكانه الذي يستحق.
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل الرابع 4 - بقلم منى احمد
لم تدر كيف مرت الشهور عليها وأنهت اختباراتها. حياتها منذ قاطعها والدها بدت قاحلة كالصحراء. زاد الأمر عليها بأسًا استغلال شقيقتها هالة عدم تواصل أمجد معها. زكت نار الفتنة بينها وبينه، وبثت سمومها على سمعها.
فتغلغلت الظنون إلى نفسها بأنه استطاب البعد عنها، وأن وعده لوالدها جاءه على طبق من ذهب ليلوذ بالفرار. فهو لم يحاول ولو لمرة واحدة السؤال عنها سرًا، ولا رؤيتها ولو عن طريق الصدفة. بل انقطع وكأنه يشارك والدها بعقابه لها.
وبينما هي تدور بتيه بهواجسها، طرق أحمد غرفتها ووقف يتطلع إليها بحزن وأردف:
"بابا بيقول لك ألبسي أي حاجة علشان أبيه أمجد هيجي بعد العشاء يكتب الكتاب."
اتسعت عينا منار لا تصدق أن يتم عقد قرانها هكذا وكأنهم يتسترون على عارها. فهبت عن فراشها واندفعت نحو غرفة والدها واقتحمتها دون إذن. فصرخ شهدي بوجهها وعنفها على فعلتها. ولكنها وقفت أمامه بملامح جامدة واستمعت إلى تقريظه دون أن تبدي أي ردة فعل. وحين انتهى من سبه إياها وأشاح بوجهه عنها، زفرت منار وأردفت بانهزام:
"أنا آسفة إني دخلت أوضة حضرتك بدون إذن. وآسفة على كل حاجة عملتها. وآسفة أني خيبت أملك وخذلتك وكسرتك وصغرت بيك. آسفة وقابلة تعمل فيا أي حاجة، إلا أنك تجوزني بالشكل المهين دا."
ألقت منار قولها واستدارت بجسد مرتعد لتغادر، ولكنه استوقفها هادرًا بصوته:
"استني عندك، ممكن أفهم إيه معنى الكلام اللي سمعته دا؟"
ازدردت منار لعابها وأجابته بخوف:
"أنا مش عايزة أتجوز أمجـ..."
لطم وجنتها بقسوة بترت كلمتها. فحاولت منار تمالك ألمها وثبتت أمامه وكررت رفضها مما أثار غضبه عليها. فانهال على وجهها صفعًا ودفعها بقوة فسقطت أرضًا.
بينما انتفضت رنا التي وقفت أمام باب غرفته بخوف لرؤيتها عنف والدها وتجمدت برهبة. ولم تشعر بتبولها من فرط خوفها إلا حين اندفعت منار واحتضنتها وهي تبكي الحال الذي آل إليه أمرهم بسبب فعلتها. وجذبتها بعيدًا. حينها انهارت رنا في البكاء وأخذ جسدها يرتج من مبلغ ذعرها. ووقف شهدي متسع العين يتابع ما حدث لابنته وارتمى فوق مقعده بجسد منهك يشعر بالأسف والحزن ونكس رأسه بعدما فلت منه زمام الأمر تمامًا.
بينما حاولت منار بمساعدة نهلة تهدئة رنا. وبعد معاناة ساعدتها على الاغتسال وبدلت لها ثوبها فسكن جسد رنا وبشق الأنفس غفت. فتطلعت نهلة إلى وجه شقيقتها المكدوم بندم وأردفت:
"حقك عليا يا منار. أنا السبب علشان كنت عارفة إن هالة بترقد لك. وكان المفروض أنبهك من الأول إنها سمعتك وأنتِ بتتكلمي مع أمجد علشان تاخدي بالك."
بادلتها منار النظرات بحزن لوهلة قبل أن تشيح بوجهها. فدمعت عين نهلة حزنًا من ذنبها. وفجأة لاحت أمام صورة شقيقتها عفاف. فمسحت دموعها وأردفت:
"طيب إيه رأيك لو كلمت عفاف وطلبت منها تنزل إجازة ونخليها تحاول تتفاهم مع بابا و..."
ربتت منار كتفها وأردفت بوهن:
"سيبي عفاف في حالها يا نهلة وكفاية اللي هي فيه. ومتنسيش إن ظروفها بقت متكعبلة بعد حماتها ما راحت قعدت معاهم وباعت شقتها هنا، فمش هيبقى الغربة وأولادها وحماتها ونقوم مزودين عليها الحمل باللي عملته. وبعدين أنا فعلًا أستحق أي حاجة حصلت علشان غلطت لما غمضت عيني عن الحلال وسمحت لشيطاني إنه يوجهني."
نكسرت منار رأسها وأضافت بانكسار:
"أنا بس اللي مش قادرة أتحمله ووجعني كسرة بابا بسببي وإنه أخدكم بذنبي وجمد قلبه عليكم. حتى رنا اللي كانت روحه فيها ودايمًا يقعد يتكلم معاها بطل يقرب منها، وهي بقت بتخاف منه لدرجة إنها لما بتسمع صوت زعيقه بتترعب ومبقتش بتقدر تتحكم في نفسها."
ازدادت شفقة نهلة وحزنها على شقيقتها. فهي تحمل نفسها الذنب كاملًا وتزيد بمعاقبة نفسها يومًا بعد يوم. والآن ترفض الزواج من حبيبها بعد معاناتها تلك. فأسرت إليها بما يجول بخاطرها:
"بس أنتِ كده بتحملي نفسك فوق طاقتها وممكن يجي عليكِ وقت توقعي من كتر ما بتضغطي على نفسك. فحاولي تخففي شوية الحمل عن نفسك وتبطلي تعاقبي حالك على كل حاجة وتحرمي نفسك من اللي بتحبيه علشان تكفري عن الذنب. يا منار أنتِ حتى كتب الكتاب عايزة تلغيه؟"
هزت منار رأسها وأجابتها بخزي:
"بس أنا مش بعاقب نفسي في موضوع كتب الكتاب يا نهلة. أنا رفضت لأني حسيت إني زي ما أكون عملت جريمة لا تغتفر وبستخبى بجوازي منها. وشوفت اليوم اللي المفروض يكون أسعد يوم في حياتي أتعبس يوم. يا نهلة بابا في لحظة حسسني إنه هيكتب كتابي في السر علشان يستر عاري. وأنا لو حصل واتجوزت أمجد بالطريقة دي عمري ما هعرف أرفع عيني في وشه. ودايمًا هحس إني صغيرة في نظره وإنه اتجوزني علشان يصلح غلطة مش أكتر. علشان كده أنا عندي استعداد أتعاقب بأني أتحرم من أمجد بس متجوزهوش بالطريقة دي يا نهلة."
أجهشت منار في البكاء بين ذراعي شقيقتها. ولم تر والدها الذي انسحب من أمام غرفتها. وهاتف أمجد الذي استجاب سريعًا لاتصاله وهو يتلفت حوله بحذر. وأنصت لحديث شهدي بوجه مقطب. وحين طال صمته أبلغه بموافقته مرغمًا. وألقى هاتفه أرضًا ولعن حظه. فهو اعتمد على حالة الخصام بين شهدي ومنار ليتمم عقد قرانه منها دون جلبة. والآن وبعد اتصاله بات عليه ترتيب احتفال لعقد القران وإشهاره. شد أمجد شعره وكاد يصرخ ويلعن شهدي ومفاجآته. وأطاح أمجد بالطاولة الصغيرة من أمامه بغضب. ولكنه سرعان ما تمالك نفسه وغادر غرفة نومه ليصطدم بليان التي أتت فور سماعها صوت جلبة. فاحتضنها أمجد وقبل وجنتها مردفًا:
"أهدي يا لولي محصلش حاجة. كل الحكاية أني مأخدتش بالي واتخبطت في الترابيزة فوقعت."
راقبت ليان ملامحه وأنفاسه المهتاجة وتهربه بعينه من النظر إليها. وحاولت سبر أغواره التي للمرة الأولى تدرك عمقها وغموضها. فبعد مواجهة أبناء عمومتها له ولوالدها وصدامهم الكارثي، علمت أن الأمر لن يمر مرور الكرام لمعرفتها بطبيعة زوجها الحساسة واعتزازه الشديد بكرامته ورفضه أي إهانة. والآن وبعد سماعها صوت سقوط الطاولة تأكدت من محاولته إخفائه استيائه وغضبه عنها وتأثره بكلماتهم السامة واتهامهم له بالجشع والطمع. ولكم تخشى الآن ردة فعله بأن يقرر إثبات حسن نواياه بابتعاده عنها ليحفظ كرامته من الإهانة. فأسرت إليه بمخاوفها قائلة:
"بصراحة أنا خوفت أحسن تسيبني بعد اللي حصل من قرايب بابا في حقك علشان تثبت لهم أنك مش طمعان فيا ولا في مال بابا زي ما اتهموك و..."
منعها أمجد من إضافة المزيد وأحاط وجهها بكفيه وأردف:
"ليان أنا يوم ما اتقدمت لك وطلبت إيدك للجواز كنت عارف إن أي حد هيعرف بطلبي هيقول على طول أني طمعان في فلوس والدك. وقرايب عمي زيهم زي غيرهم من الناس تفكيرهم السيء بغيرهم واحد. ولعلمك أنا بعد ما طلبت إيدك ووافقتي عمي فهمني نواياهم وبسبب كلامه وخوفه من اللي عرفه عنهم قررنا أننا نتجوز بسرعة ومن غير فرح. علشان محدش فيهم يحاول يأذيكِ أو يتطاول عليكِ وعلى عمي. ولعلمك أنا لسه عند اتفاقي آخر الشهر هاخدك ونسافر رحلة شهر عسل تعويضًا عن الفرح اللي اتحرمتِ منه."
تعلقت ليان بعنقه وقبلت شفتيه وابتعدت وعيناها تغرق بعينه وأردفت:
"أنا مش عارفة هحبك أكتر من كده إيه؟ تعرف أني لحد اللحظة دي مش مصدقة أني مرات أمجد المشير اللي ساب بنات الدنيا بحالها واختارني أنا وحبني."
حملها وعاد إلى غرفتهم وجلس فوق فراشه وأجلسها فوق ساقيه وضمها بين ذراعيه قائلًا:
"لو على الحلم فأنتِ كنتِ بالنسبة لي نجمة عالية في السما. كنت ببص لك وأقول معقول النجمة دي ممكن تقبل بواحد فقير وعايش لوحده زي..."
انتشلت ليان نفسها من بين ذراعيه ووضعت يدها فوق شفتيه وهتفت:
"أوعى تقول على نفسك فقير تاني لأنك أغنى مني بحبك ليا وبأخلاقك وبكل حاجة فيك. ولو على الفلوس فأنا وكل ما أملك رهن إشارتك وسيب اللي يقول يقول لأني واثقة فيك."
فاجأ أمجد شهدي بصباح اليوم التالي بوقوفه أمامه حاملًا علبة فاخرة وباقة من الزهور. وسلمه إياها وهو يحاول تفادي النظر إليه قائلًا:
"ممكن يا عمي تقبل مني الهدية دي لمنار. وبعد إذنك أنا سمحت لنفسي واتفقت مع محل الفراشة علشان يبعت العمال تعلق نور بطول العمارة من فوق لتحت وكمان في الشارع كله. وبالنيابة عنك عزمت جيرانا وقلت لهم إن كتب كتابي على منار بكرة بعد المغرب إن شاء الله. وبالنسبة للمأذون فأنا كلمته واتفقت معاه على كل حاجة. بس في حاجة واحدة باقية طالبها من حضرتك واتمنى متكسفنيش فيها."
سأله شهدي بحيرة عن طلبه فأجابه أمجد بحرج:
"طالب من حضرتك تتفق مع الشهود. لإن زي ما حضرتك عارف أنا مقطوع من شجرة وعيلة والدي مقاطعيني من سنين ومعنديش اللي يستحق يشهد على عقد جوازي من منار."
صاح شهدي فجأة مناديًا ابنه. فظهر أحمد بجواره وكأنه نبت من عدم. فاستدار نحوه وأعطاه العلبة قائلًا:
"ادخل العلبة دي لأختك وقول لها أنها هدية من خطيبها. وقول لأخواتك يشغلوا أغاني علشان كتب كتاب أختك بكرة."
هرول أحمد بسعادة. بينما التفت شهدي نحو أمجد وجذبه إلى الداخل مردفًا:
"ادخل يا ابني البيت بيتك."
ابتسم أمجد وتبع شهدي باستحياء ليصل إلى سمعه صوت صيحة عالية تبعها صوت أغاني صاخب وزغاريد بددت حزن المنزل. فلمعت عين شهدي بالدمع. حينها خفض أمجد رأسه وأردف:
"عمي أنا عايز أبدأ حياتي مع منار وأنت راضي عنها قبل ما تكون راضي عني. وصدقني أنا أول مرة المس منار كان في اليوم المشؤوم اللي حضرتك شوفتنا فيه. وحقيقي من وقتها وأنا ندمان ومستصغر نفسي إني حطيت حضرتك قبل منار في الموقف المشين دا. واللي بسببه مقدرتش أتحمل أقعد في الشقة وقلت أبعد لحد ما الأمور تهدى وعلشان أوفي بوعدي ليك. وأرجوك لو جواك لسه زعل مني ومنها انساه وأدينا الفرصة نثبت لك إن تربيتك مضعتش هدر."
زفر شهدي وأومأ بتفهم. فهو يعلم برحيله وظنه في بادئ الأمر تهرب من اتفاقه معه. ولكنه هاتفه وأخبره بانتقاله إلى مسكن آخر وأنه على وعده معه. فأردف:
"سيبها على الله يا ابني."
أحس أمجد من وجوم شهدي أنه لن يعفو عما رآه. فاستأذنه بحرج وغادر. بينما وقف شهدي يبادل نظره بين غرفته وغرفة ابنته التي ضجت بالصخب. فنكس رأسه واتجه صوب غرفته. ولم ير دموع منار التي سالت فوق وجنتيها وعودتها إلى غرفتها بخطى منكسرة.
وفي الموعد المحدد جلست منار تُحيطها رنا ونهلة من الجانبين. بينما وقفت هالة ترمقها بضيق بعدما رفضت مشاركتها الاحتفال. وبالخارج جلس الرجال يستمعون إلى خطبة المأذون باحترام. وحين وصل إلى قوله الأخير "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير" انهمرت دموعها وتمنت لو كانت والدتها بجوارها لتغمرها بحنانها الذي افتقدته كثيرًا. وانتشلتها وكزة نهلة من شرودها. فرأت قدمين تقفان أمامها. فظنتها لأمجد ورفضت رفع وجهه نحوه. وحين جُذبت لتقف أغمضت عينها وحاولت الابتعاد. إلا أنها تجمدت حين صافح أذنها صوت والدها بقوله:
"مبارك يا منار."
فتحت منار عينيها وحدقت بوجهه لثوان لا تصدق أنه يفتح لها ذراعيه. وأجهشت في البكاء وهي ترتمي بينهما وتشبثت به. فبدت وكأنها تحتمي به من الغرق ولسانها يرجوه السماح والعفو. وعلى مقربة منهم وقف أمجد يتابع ما يدور بوجه عابس وعيون قاتمة يشعر بنيران الغيرة تموج بداخله وتتقاذف كالحمم. وعقله يندد ويصرخ بأحقيته هو باحتوائها عن والدها. وكما اشتعلت غيرته هدأت بعدما أجبره عقله على الهدوء والتريث. فهو لا يريد إحداث شقاق آخر بينهم. وما أن أشاح بوجهه عنهم رأى أمامه شقيقتها البغيضة تنظر باتجاه منار بكراهية. ولوهلة تسلل إلى قلبه الخوف وأدرك أن تلك المراهقة التي لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها عدو لا يستهان به وعليه من الآن وصاعدًا الحذر منها. لينتبه لصوت شهدي يطلب من الاقتراب ومد يده نحوه بيد ابنته وأردف:
"بنتي من اللحظة اللي اتكتبت فيها على اسمك بقت أمانة في رقبتك. فحطها جوة عينيك وحافظ عليها واتقي الله فيها. ولو في يوم غلطت عاتبها بمحبة لما تهدى وطول بالك عليها."
أومأ أمجد وأجابه بتلقائية:
"من غير ما تقول يا عمي منار هي النفس اللي بتنفسه وعلشانها أنا مستعد أعمل أي حاجة. ويكفي أن أول ما حضرتك كلمتني علشان أعمل لها الحفلة أنا مترددتش ونفذت فوقتها على طول. عمومًا يا عمي أنا وعدك أني هحافظ عليها بحياتي وأني هبذل كل ما في وسعي علشان أسعدها."
أنهى أمجد قوله مغتالًا بما فعل والتفت إليها وعينه تتفرس بملامحها التي زادها الحزن جمالًا. وود لو كان بمفردها معها لأخبرها بكل طريقة ممكنة كم يعشقها ويتمناها. ولكنه سيهدأ حتى تحين فرصته ويقتنص منها ما يشبع به رغبته المشتعلة. نبهه عقله وذكره بخطوته التالية. فالتقط بيدها المرتعشة ورفعها نحو شفتيه وقبلها قائلًا بهمس:
"حقك على قلبي أني كنت السبب في عذابك طول الفترة اللي فاتت. حقك على قلبي أني سبتك لوحدك ومكنتش جنبك في أكتر وقت أنتِ كنتِ محتاجالي فيه. ويعلم ربنا أني كنت بتعذب زيك و يمكن أكتر لأني كنت ما بين نارين نار وعدي لعمي ونار حبي ليكِ وقلبي اللي هيتجنن علشان يطمن عليك. وأوعدك يا منار إن من اللحظة دي أني هحاول على قد ما أقدر أعوضك وأنسيكِ كل لحظة حزن عدت عليكِ وأنا مش معاكِ."
لم تصب كلماته مكانها المعتاد بقلبها. وللمرة الأولى تستمع إليه وتتصنع السعادة كي لا تلفت الانتباه إليها خاصة ووالدها يحدق بها بتوجس. وكيف لا تتصنعها فهي سعادة ناقصة. فكلماته تأخرت كثيرًا لتقال. وتساءلت أين كان وهي تبكي ليل نهار منهكة الروح ومستنزفة القوى تبحث عن ملاذ تُخبأ بداخله حزنها وسندًا تتكأ إليه لتشد أزرها. ولكنها كانت بمفردها تمامًا؟ أما هو فتعلل بالتزامه بوعده لوالدها واختفى تمامًا بل وانتقل إلى مكان آخر ولم يكلف نفسه عناء التوضيح وتركها لظنونها تنهشها بلا رحمة. والأصعب وأده لفرحتها بمهدها قبل أن تولد. فهي ظنته سعى من تلقاء نفسه لإعداد ذاك الحفل لعقد قرانهما ليخبرها بطريق غير مباشر أنه لن يترك أي فرصة ليظن أحد بها السوء أو يلوك سمعتها بلسانه. ولكنه صفعها بحقيقة أنه وافق أن يتم عقد قرانهم بسرية ولولا والدها لكان تم بكل خزي. تاهت منار بهواجسها تتقاذفها أمواج الحيرة والتشتت يمينًا ويسارًا. وضاعت منها كلمات أمجد التي أخذ يمطرها على سمعها. فظنها أمجد تشعر بالخجل. فأختلس النظر نحو والدها متصنعًا الحرج. حينها تفهم شهدي الموقف وأشار إلى أبنائه بالانصراف واتجه صوب غرفته. فَاسترعى انتباهه نظرات ابنته هالة الغامضة التي خصت بها شقيقتها. فعقد حاجبيه ورمقها بغضب. فهو لم ينس محاولتها لتسميم فكره وعليه معرفة السبب الذي دفعها لفعل ذلك. فاتجه نحوها ودفعها خلسة لداخل الغرفة وأوصد الباب خلفه. بينما تبادلت رنا ونهلة النظرات لِتدرك الأخيرة أن شقيقتها على وشك الإصابة بنوبة ذعرها. فابتسمت وأشارت إليها بدخول غرفتها. بينما اتجه أحمد للشرفة وجلس بداخلها.
وبغرفة هالة وقف والدها يتابع حركات يدها. فأدرك خوفها منه فطلب منها الجلوس برفقته وأردف:
"أنا عايزك تنسي أني والدك وتتكلمي معايا بصراحة وتطلعي اللي جواك علشان أنا مش عاجبني حالك ولا نظراتك لأخواتك. وبعدك عنهم حتى نهلة بعدتيها عنك وبقيتي تتعاملي معاها بجفاء. اتكلمي يا هالة وفهميني ليه بقيت شايف في عينك نظرة عداوة لأخواتك كأنك بتكرهيهم."
شبكت هالة كفيها وعيناها تحاول استشفاف نواياه. ولاحظت أسفه وحزنه فامتعضت ملامحها وأجابته بجمود:
"قبل ما أجاوبك ممكن حضرتك تقولي ليه ضربتني رغم أني جيت وقلت لك على اللي بتعمله منار من ورا ضهرك على السطوح؟ وليه من بعدها بتتعامل معانا بزعيق وإهانة وضرب وعقاب؟"
بادلها شهدي النظرات وفهم مرادها من السؤال فأردف بجدية:
"ضربتك علشان أنتِ فضحتِ أختك ومخوفتيش عليها مني وكنتِ قاصدة تبلغيني علشان تشوفيها وهي مكسورة. أنتِ عارفة يا هالة أنتِ عيبك إيه؟ عيبك أنك فاكرة إن اللي بتعمليه صح طالما أنتِ مبتعمليش نفس الغلط اللي غيرك عمله وبتدي لنفسك حق مش ليكِ ونسيتي إن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال: 'يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته'."
ازدردت هالة لعابها باضطراب وهمت بالدفاع عن نفسها. فأوقفها شهدي بقوله:
"أنتِ أخدتي بالك من اللي في الحديث يا هالة. أخدتي بالك إن ربنا عز وجل هيتتبع اللي بيكشف عورة غيره. ودي حاجة كبيرة معناها إن ربنا هيرفع ستره عنه وهيبقى عقابه كبير. فهل تحبي إن ربنا يرفع ستره من عليكِ ويبعت اللي يفضحك زي ما فضحتِ أختك وقبلها زميلتك مها!"
ألقى شهدي كلمته الأخيرة متعمدًا ونظر إلى ابنته التي شخصت بعينها بخوف وكادت تفر من جواره. ولكنه هز رأسه بالنفي وأضاف:
"مخافيش أنا لو كنت عايز أضربك كنت ضربتك من وقت ما عرفت اللي عملتيه في زميلتك."
ازدردت هالة لعابها وسألته بتردد:
"وهو حضرتك عرفت من مين؟"
زفر شهدي للخوف البادئ على ملامحها وأجابها:
"أختك نهلة جت وقالت لي على كل حاجة كنتوا بتعملوها وطلبت أروح معاها لبيت مها علشان تعتذر لها. ولما روحت البنت طلعت ذوق جدًا وقبلت اعتذار أختك وقعدت معاها تتكلم وأنا قعدت مع والدها واتكلمت معاه كتير وطلبت منه يسامحك أنتِ وأختك وساويت الموضوع معاه."
أوقف شهدي استرساله وعينه تتفحصها بحثًا عن بادرة ندم. ولكنها أغمضت عينها وتهربت منه. فزم شفتيه لعنادها المبالغ به في الخطأ وأردف:
"بصي يا هالة أنا مش حابب أفضل أتكلم وأنتِ ساكتة وبتبص لي وخلاص. علشان كده أنا هقول لك اللي عندي وهسيبك لنفسك وضميرك. وعايزك تقعدي مع حالك وتراجعي نفسك وشوفي هينفع تبني حياتك على نفس النهج اللي ماشية عليه بالظلم. علشان لو أنتِ اخترتي الطريق دا فلازم تعرفي إن هيجي عليكِ يوم وتخسري وهتدفعي تمن كل حاجة عملتيها باللي اترتب عليها من فساد لحياة غيرك. وعمومًا يا بنتي أنا مش عايز غير مصلحتك وعايز أفتخر بيكِ وأقول بنتي هالة أهي مش أتكسف وأقول يا خسارة. وآخر حاجة ليكِ عليا إني مش هَمد إيدي عليكِ تاني ولو فيوم محتاجة تتكلمي فيها معايا حتى لو كنتِ غلطتي فأنا هسمعك وهَنصحك لوجه الله."
راقبت هالة والدها وهو يغادر غرفتها. ولم تدر لِما أحست بالخوف يعتريها وأنهمرت دموعها. في حين استحوذ الخوف على رنا التي ظنت والدها سيقوم بضرب شقيقتها. فاندست بفراشها تغمض عينيها هربًا من سماعها لأي صوت. ولم تنتبه لولوج والدها الذي تسلل وجلس بجوارها إلا حين أحاطها بذراعيه. فجفلت وحدقت به بعيون متسعة وهمست بتلقائية:
"أنا معملتش حاجة والله و..."
رأى شهدي الدموع في عينها متجمدة. فانفطر قلبه عليها وجذبها إلى صدره وأردف بحنو:
"أنا اللي عملت وحقك عليا يا رنا على الخوف اللي زرعته جواك بقسوتي واهمالي. سامحيني يا بنتي أني سبتك كده من غير ما أفهمك إن مالكيش ذنب في اللي حصل."
أجهشت رنا في البكاء وأخفت وجهها بصدر والدها وأردفت:
"أنا شوفتك وأنت بتضربهم. ولما جيت أتكلم معاك زعقت فيا ومرضتش تدخلني أوضتك. فَعرفت أني لو عملت حاجة أنا كمان هتضربني زيهم. واللي أكد لي ده إن حضرتك بطلت تيجي تسمع لي القرآن وبطلت تتكلم معايا."
قبل شهدي رأسها وأبعدها قليلًا عنه وكفكف دموعها مردفًا:
"من النهاردة هرجع زي ما كنت صاحبك اللي بتحكي له وهسمع لك وهلعب معاكِ. المهم إنك متقفليش على نفسك ولا تخافي مني يا رنا."
حدقت به بريبة حتى أكد لها بنظراته أنه يعي ما قال. فابتسمت للمرة الأولى منذ أشهر وأومأت واحتضنته قائلة:
"يعني حضرتك كده سامحت منار ومش هتزعق تاني وهتكلمنا زي الأول ومافيش ضرب بالحزام."
ربت شهدي ظهرها وعينها تلمع بالدموع وأومأ. فَابتسمت نهلة وتركت مكانها وانضمت إليهم واندست هي الأخرى بين ذراعي والدها. فَأبتعد شهدي ورمقهما سويًا ثم دغدغهم. لِتنطلق ضحكات سعادتهم معلنة انتهاء جفائه معهم.
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل الخامس 5 - بقلم منى احمد
ظلت منار بجواره بملامح هادئة تخفي ألمها وحزنها بداخلها بمهارة. تركت يدها بين أصابعه وعقلها يتساءل إلى متى ستظل ملتزمة الصمت معه.
في حين حاول أمجد إيجاد اللحظة المناسبة ليسألها عن دراستها، ووجد أن عليه الإسراع قبل أن تظهر نتيجتها وتضعه أمام الأمر الواقع. فضغط كفها ومرر إصبعه فوق باطنه ببطء. فنظرت نحوه بقلق. فابتسم لردة فعلها وزادها عليها بتقبيله إياها ببطء.
فجذبت منار يدها منه وحذرته بنظراتها. فمال نحو أذنها وأخبرها بصوتٍ أجش:
- مراتي وحقي أعمل اللي أكتر من كده ومحدش يقدر يسألني بعمل إيه؟
طالت نظرتها نحوه لا تصدق جرأة حديثه. وراودتها الرغبة بمحو ابتسامة الثقة التي ارتسمت بعينه. فَأردفت:
- مراتك ومحدش يقدر يقول حاجة. لكن أنا لسه فِبيت والدي وطول ما أنا فِبيته فالولاية له لحد ما يسلمني ليك فالفرح. ووقتها يبقى من حقك تعمل اللي أكتر من كده. إنما قبل كده لا يا أمجد. ومش علشان بابا هَيعترض لا علشان أنا اللي هَعترض وهَرفض. أصغر من بابا مهما قلت أنه حقك.
تلاشت ابتسامته وعقد حاجبيه وهتف بحدة:
- قصدك إيه بالكلام دا يا منار؟
جائتها الفرصة لتبادله الابتسام. فَابتسمت بتهكم وأردفت:
- أنا مقصدش حاجة من كلامي إلا أني حبيت الفت نظرك لِوعدك لِبابا. ولا نسيت كلامك عن الصبر والتحمل علشان نقدر نرجع ثقة بابا لينا. عمومًا متزعلش من كلامي. أنا عارفة وفاهمة أنه حقك. بس كنت عايزاك تهدى مش أكتر علشان محدش يطب علينا ويحرجنا.
زادته كلماتها ريبة. فزفر بقوة وابتعد قليلًا عنها وأردف:
- تمام يا منار. طالما شايفة كده فأنا هعمل اللي أنتِ عايزاه.
ربتت ساقه وأردفت بسخرية مُبطنة:
- اللي عايزاه أنك تبقى راضي ومش زعلان علشان متمشيش من هنا وتغيب لك أسبوع ولا شهر زي ما عملت سابق.
رمقها بغيظ ووقف سريعًا. فَرفعت وجهها نحوه وسألته ببرود:
- إيه خلاص ماشي بسرعة كده؟
رماها بنظرة نارية وأجابها بحدة:
- أيوة هَروح يا منار علشان مصدع وتعبان واليوم كان مرهق.
وقفت وأومأت قائلة:
- تمام. أبقى طمني عليك لما توصل.
كاد يصفعها لبرودة مشاعرها التي عادت لِتسيطر عليها. فَمالت نحوه وأردفت:
- هدي نفسك وأفرح. هو مش المفروض أنك تفرح علشان النهاردة حققت اللي كان نفسك فيه وارتبطنا. فَسيبك من العصبية والزعل وقولي ناوي تخرجني بكرة ولا هتبقى مشغول.
أجابها وهو يتجه صوب الباب:
- على حسب ظروفي. عمومًا هبقى أتصل بيكِ.
أوقفته قبل أن يغلق الباب خلفه قائلة باستخفاف:
- طب لما ترن عليا من رقمك الجديد اللي مش معايا. أبقى ابعت رسالة الأول علشان أعرف أنه رقمك. علشان أنا فعلت خاصية عدم الرد على الأرقام الغريبة.
اختفى من أمامها دون إجابة. حينها نزعت قناع برودها وَزفرت بأسف. فهو لم يشعر ولو لوهلة بحزنها واحتياجها ليضمد انكسارها منه. فَاستدارت إلى غرفتها وولجتها. وقفت أمام المرآة ونزعت ثوبها عنها وكأنه صنع من الشوك. وألقت به بزاوية الغرفة باهمال وارتدت منامتها واندست بفراشها وسحبت غطائه فوق رأسها واستسلمت للبكاء.
وكم توقعت غاب عنها بضعة أيام. هاتفها خلالها مراتٍ قليلة. وكان الفتور سيد الموقف بينهما. حتى ظهرت نتيجتها التي جأت كالغيث بعد طول جفاف. ووقفت أمام والدها تبكي وتقول:
- أنا مش مصدقة أني نجحت. أنا حاسة إن ربنا هيعاقبني على اللي عملته و...
منعها والدها من قول المزيد مُردفًا:
- استغفري ربنا يا بنتي. علشان ربنا مبيضيعش تعب حد. وأنتِ ذاكرتي وتعبتي وعملتِ اللي عليكِ. ولو قصدك على اللي فات فهو فات وأنتِ توبتي عنه. ودلوقتي يلا قومي كلمي أمجد وفرحيه وبطلي عياط بقى.
حافظت منار على ابتسامتها كي لا يسائلها والدها عن سبب فتورها وعزوفها عن الحديث معه. والتقطت هاتفها لِتمنعها شقيقتها بقولها:
- أبيه أمجد برا يا منار وعايز يشوفك.
غادرت مسرعة على الرغم من استيائها منه ووقفت أمامه بلهفة. وكما تمنت سرًا احتضنها وهو يهنأها بنجاحها. فَتشبثت منار به وسمحت لِقلبها بِتجاوز حزنه والتمتع باللحظة معه.
أوقفها أمجد أمامه ووتيرة أنفاسهما تعلو وتلاقت أبصارهم لثوان. فَمال نحو جبهتها وقبلها وأسند جبهته إلى خاصتها وأردف بصوت أجش من فرط مشاعره:
- أول ما عرفت النتيجة مقدرتش أصبر وجيت لك جري. وقلت لازم نحتفل بالمناسبة دي أنا وأنتِ فالمكان اللي تشاوري عليه.
أبعدت وجهها عنه وعيناها تسبح بعمق عينه. فَرآت مشاعره تتاقفز لِتُخبرها بما يريد فعله معها. فَخفضتها بحرج وأردفت:
- أنا يكفيني مجيتك يا أمجد وفرحتك بنجاحي. صدقني دا عندي أحسن من أي أحتفال.
خفض ساعديه وأحاط بهم خصرها وأدناها منه وهمس:
- يعني أفهم من كلامك ونظرة عيونك اللي دوبتني دي أنك سامحتيني وِمبقتيش زعلانة مني وهَترجعي منار حبيبتي من تاني.
حدقت به بدهشة وتساءلت كيف علم بما أخفته عن الجميع. فَابتسم وغمز بِعينه لِيخبرها بِمعرفته أفكارها قائلًا:
- يا منار أنا بحبك من سنين وِعارفك وِعارف طبعك كويس. صحيح لما مشيت من هنا يوم كتب الكتاب كنت زعلان منك. لكن لما هديت فهمت ليه اتكلمتِي معايا كده. وقلت بلاش أعاتبك وأصبر لما النتيجة تظهر علشان اعتذر بطريقة تليق بمراتي حبيبتي. وقبل ما دماغك تروح لِبعيد وتقولي ما أنت عاقبني وغبت عني. فاسمحي لي أقولك أني طول الوقت دا كنت فِالشغل وطبقت أيام كتير ورا بعض علشان أقدر أحقق لك أي طلب تطلبيه النهاردة.
نظرت له بدهشة وسألته:
- وأنت اشتغلت من أمته يا أمجد وأنت يا دوب لسه مخلص امتحانات؟
أبعد ذراعيه عنها ورفعهما وأشار إلى صدره وأردف:
- وهو جوزك حاجة قليلة يا منار. يا حبيبتي أنا الحمد لله اشتغلت في مؤسسة كبيرة من قبل ما اخلص امتحانات.
رافق أمجد قوله بِأشار إلى رأسها مُستطردًا:
- أومال بدماغك وتفكيرك كده هكون يعني بصرف منين ولا اشتريت لك فستان كتب الكتاب منين يا ذكية إلا لو كنت بشتغل.
قفز منار بسعادة واحتضنته قائلة:
- أنا مبسوطة يا أمجد علشان أشتغلت. طب تصدق فرحتي بِشغلك غلبت فرحتي بِنجاحي. ياه يا أمجد لو أغمض عيني والقيني أنا كمان خلصت هندسة زيك واشتغلت.
أصابه قولها بالتوتر وأبعدها عنه وأشار بِرأسه إلى غرفة والدها. فَخفضت عينها بوجنة مشتعلة. فمال نحوها وأردف:
- ما تيجي نطلع فوق نتكلم براحتنا بدل ما أنا واقف اتلفت حواليا زي ما كنتِ بتعملي زمان؟
ازداد وجهها احمرارًا وأخبرته أنها ستسأل والدها. فأذن لها بعدما أوصاها أن ترعى الله بخلوتها معه. فَأومأت بحرج ورافقته إلى الأعلى وجلست بجواره وأحست للمرة الأولى أنها لا تخشى عين مراقب. فَأدركت أن لا شيء يتساوى والحلال. لينتشلها صوت أمجد الجاد بسؤاله:
- إلا قوليلي يا منار أنتِ لسه ناوية على هندسة؟
لوهلة أحست بالحيرة. فهو يعلم رغبتها منذ نعومة أظافرها. فَلِما يسألها وكأنها ستغير رغبتها بين ليلة وضحاها. وعقبت على قوله بما يؤكد أفكارها:
- غريبة أنك بتسأل وأنت عارف إن الهندسة حلمي!
حاول أمجد أن يخفي توتره وأردف:
- أنا عارف بس أفتكرت علشان الظروف والوضع هَتغيري رأيك وتدخلي حاجة تانيـ..
اعتدلت منار بجلستها وقد سيطر عليها الوجوم وقاطعته قائلة:
- وإيه اللي غير الوضع ولا الظروف يا أمجد علشان أدخل حاجة تانية غير هندسة؟
واجهها بعبوس طفيف وأردف:
- هو أنا ليه حاسس بنبرة هجوم فِصوتك كأني بقولك بلاش هندسة. على فكرة أنا بتناقش معاكِ عادي ومش قصدي حاجة يعني.
تطلعت نحوه بحيرة تتساءل عن سبب النقاش. وحلمها أمر مفروغ منه لا جدال فيه. فَهي سعت ووفقها الله وحانت اللحظة لها. فَلِما لا؟ أعادت منار تركيزها عليه وسألته بهدوء:
- طيب ممكن تفهمني قصدك علشان مفهمش غلط؟ لأني بصراحة مستغربة كلامك.
زفر بقوة وخلل شعره بأصابعه وأردف:
- بصي يا منار أنا اللي خلاني أتكلم هي الظروف اللي دايمًا كنتِ بتحكي لي عنها. زي ديون عمي شُهدي اللي لحد دلوقتي بيسدد فيها ومصاريف الدروس والدراسة والبيت. وعلشان أنا كنت فِالكلية فَعارف اللي فيها فَقلت لِنفسي ألفت انتباهك إنها كلية مجهدة نفسيًا وبدنيًا ومحتاجة مصاريف كتير. ومقصدتش أني أحبطك ولا أثبط عزيمتك زي ما حسيت فِكلامك.
بدل أمجد لهجته إلى أخرى أكتر نعومة وأستطرد قائلًا:
- وبعدين أفرضي إن عندي أسباب غير اللي قلتها وطلبت منك متدخليش هندسة بالذات علشان بغير عليكِ وهَغير أكتر من الشباب اللي فيها اللي مش بيسيبوا بنت حلوة فِحالها. ولا مثلًا قلت لك بلاش من باب تقليل عدد سنين الدراسة علشان نتجوز بسرعة. وأني كده كده مش عايزك تشتغلي ولا تتبهدلي وطمعان تبقي ليا لوحدي وتبقي فبيتك ملكة معززة مكرمة. كنتِ وقتها هتقولي إيه؟
رمقته للحظات لا تدري لِما شعرت بالخوف يتسلل إليها بسبب نظراته وكلماته التي تبدلت كُليًا عن الماضي؟ فهو حفزها على مدار سنوات لِتنجح وتلتحق به وتكون المهندسة منار زوجة المهندس أمجد. والآن وبعد أن باتت على أعتاب حلمها يُثنيها عنه. زفرت منار بخيبة وأطرقت تفكر وتتساءل أعليها الإنصات له والتفكر بِحديثه ونسيان الأمر برمته أم تتشبث وتعافر حتى تنال ما تصبو إليه. ازداد صراعها خاصة حين لاحت أمامها صورة والدها الذي غزى الشيب رأسه واحنى ظهره وزاده الدين عمرًا فوق عمره ليظنه الأخرين كهلًا تخطى الستين وهو على مشارف الخمسين.
وبغرفتها اكتفت هالة من تمردها الذي عزلها عن الجميع. فاتجهت بخطى مضطربة صوب غرفة والدها وطرقت بابه بقلب يرجف خوفًا. وحين أذن لها بالدخول وقفت أمامه تشعر بالخجل لعنادها ولخسارتها كل هذا الوقت بعيدًا عن حنانه وحبه الذي أغدق به على الجميع ورفضته طواعية. ولاحظها شُهدي فقرر اتخاذ خطوته الأولى نحوها ليدفعه بها نحو الطريق القويم وفتح ذراعيه ليستقبلها بينهما. فأسرعت وتشبثت بفرصتها ولاذت بين أمان ذراعيه وسكنت وهمست بانكسار:
- سامحني يا بابا...
ضمها شُهدي بمحبة رابتًا ظهرها بحنو واعطاها وقتها حتى فرغت من بكائها وأردف:
- أنا مسامحك من يوم ما اتكلمت معاكِ يا هالة. والأهم من أني اسامحك أنك أنتِ تكوني مسامحة نفسك علشان تقدري تجهادي نفسك.
أجلسها شُهدي جواره وكفكف دموعها وأضاف:
- أنا بحمد ربنا إنه استجاب لِدعايا وهداكِ يا بنتي. لأني مكنتش أحب أشوفك خسرانة دنيتك ودينك. وصدقيني ندمك على الغلط اللي عملتيه فِحد ذاته توبة وربنا بِيقبل التوبة وبِيغفر الذنوب. بس المهم إن متجرعيش للغلط تاني. وعلشان أكون صريح أنتِ لازم تأهلي نفسك إن الشيطان مش هَيسيبك فِحالك وهَيحاول يرجعك ويغويكِ. وعليكِ أنك تثبتي وتقاوميه بِصلاتك ورجعوك لِحفظ القرآن والدعاء.
زفرت هالة بحزن وسألته:
- يعني ربنا فعلًا هَيسامحني وهَيقبل توبتي؟
أومأ شُهدي وأكد لها بالكثير من آيات الذكر الحكيم. وأخبرها بأنها ما زالت بمقتبل العمر والحياة أمامها. وعليها الفوز بكل فرصة تقربها إلى الله وتجنبها الشيطان. وأن تسعى وتتغير وسترى بعينها نتيجة صلاحها التي ستنعكس على حياتها في كل شيء. ضمته هالة ووعدته بمجاهدة نفسها وغادرته إلى غرفتها. واقتربت على استحياء من توأمها ووقف أمامها بحرج. فَنظرت نهلة إليها ووقفت بمواجهتها واحتضنتها قائلة:
- وحشتيني يا نصي الحلو.
أجابتها هالة بدموع:
- وأنتِ كمان وحشتيني يا نهلة ووحشني نرجع زي ما كنا توأم فِكل حاجة.
ربتت نهلة ظهر شقيقتها وأردفت:
- وهَنفضل توأم فِكل حاجة بس مع الأختلاف أننا هَنحفظ القرآن سوا وهَنذاكر سوا ونلعب ونهزر ونضحك ونتكلم مع أخواتنا سوا. ونعمل فيهم المقالب بتاعتنا ونحيرهم زي زمان مين فينا نهلة ومين فينا هالة إيه رأيك؟
ابتسمت هالة وأومأت بِموافقتها. في اللحظة نفسها التي ولجت رنا. ولكنها توقفت حين رأتهم سويًا. فظنتهما سيبتعدان عنها كالسابق. إلا أنها نفضت هاجسها حين جذبتها هالة نحوها وأردفت:
- وحشتني لمضتك يا شبر ونص أنتِ.
تصنعت رنا العبوس وعقبت عليها وهي تصعد فوق فراش نهلة:
- الشبر ونص طولت وبكرة هَطول بجد وهَتبقي أنتِ اللي شبر وربع مش حتى نص.
هاجمتها هالة مدغدغدة إياها. بينما أسرعت نهلة والتقطت وسادتها وأنهالت عليهما ضربًا بلطف. فتحول الأمر بلحظات إلى حرب وسادات ولهو. واترفعت أصوات ضحكات سعادتهم.
بينما بالأعلى حاولت منار رؤية الأمر بزاوية أخرى وقررت التفكير بوجهة نظر أمجد لتتأكد من صواب رأيه. فَوالدها حتى اللحظة لم يسدد دينه. وبسبب ما حدث منها أهمل عمله وترك إحدى وظيفتيه لِيبقى برفقتهم لِوقت أطول. وتذكرت حديث والدها عن تبديل حلمها لِتدرك أنها كانت رسالة مبطنة منه. ولكنها لم تفهمها إلا الآن بعد أن أنار لها أمجد الطريق. فَرفعت عيناها ونظرت إلى ملامح وجهه العابسة ورأت أن عليها إصلاح الأمر وسألته:
- مقولتليش يا أمجد هتخرجني فين؟
نظر إليها ورأى ابتسامتها فأجابها بهدوء حذر:
- لو فدماغك مكان معين أنا تحت أمرك. ولو مافيش يبقى أمري لله أوديكِ جنينة الحيوانات وخلاص.
عقبت على قوله بمزاح بعدما استجاب لِمحاولة الصلح:
- لا يا عم جنينة إيه بص أنا عايزة أروح مكان على النيل ويبقى رومانسي وتجيب لي ورد. أيوه أنا عايزة ورد يا ابراهيم.
تبادلا الضحكات وتنهدت بارتياح وأردفت بجدية بعدما تمسكت بِكفيه:
- تعرف إن أنت معاك حق وتقريبًا كده أنا مكنتش شايفة الإشارات أو يمكن شوفتها وطنشت. بس بعد كلامك معايا اقتنعت.
سألها أمجد بريبة:
- اقتنعتِ بإيه؟
أجابته بوجه خضبه الخجل:
- اقتنعت أأقل سنين الدراسة علشان أبقى ملكة فِبيت حبيبي. ولا أنت غيرت رأيك؟
اتسعت ابتسامة أمجد وسحب كفيه منها وأحاط وجهها بهما وأردف:
- يعني مش هتقدمي هندسة وهتشوفي حاجة سهلة ممكن تخلصيها واحنا متجوزين.
أومأت بحرج فَصاح أمجد بصوتٍ عال:
- أنا بحبك يا منار بحبك بحبك بحبـــك...
مدت يدها ووضعتها فوق شفتيه لِتمنعه من الصياح وهي تخبره بأن يكف. فَأبعد يدها ونظر إليها للحظات وجذبها لِتقف وسحبها خلفه نحو الأسفل. فَسألته بقلق عما حدث ولكنه لزم الصمت حتى أصبح أمام مسكنها وفاجئها بِإخراجه مفتاح مسكنه وفتح بابه وولج بها إلى الداخل وأغلق الباب ووقف يلاحق ملامحها ملتهمًا بنظراته شفتيه وبإنفاس متهدجة ضمها بقوة بين ذراعيه. استكانت منار بقلب يرجف ونظرت نحوه بحيرة حين أبعدها عنه. وقبل أن تعي اقتحم شفتيها وقبلها فَسكن كل شيء حولها وتاهت منار بقبلته التي داعبت مشاعرها البكر. ولم تدر كم لبثت بين ذراعيه يمطرها بقبلاته إلا حين دفعها بلطف تجاه إحدى الغرف. فاستيقظت حواسها وأبعدت عنه وولاته ظهرها تلملم مشاعرها المبعثرة التي أثارها بداخلها. ولكنه لم يمهلها الوقت لِتفكر بالأمر وأدارها إليه ومرر إصبعه ببطء فوق شفتيها واحتواها بين ذراعيه ومال صوب أذنها هامسًا:
- مقدرتش أمنع نفسي أعمل إيه. مشاعري غلبتني واحتياجي ليكِ هو اللي خلاني أنسى نفسي معاكِ. أعذريني يا منار أنا بشر وأنتِ مراتي حلالي وبين أيديا.
تنفست بقوة لتحتوي تشتتها وأجابته:
- عارفة يا أمجد بس.
أسكتها بقبلة آخرى وهو يهمس بحبه لها وبعد نحو الدقيقة أبعد وجهها وأردف:
- متقوليش بس تاني ومتخافيش. أنا عارف اللي دامغك بتفكر فأيه واطمني مش هعمل أي حاجة تحرجك قصاد عمي. بس الأمر ميمنعش أني أعيش اللحظة زي ما حلمت بيها معاكِ.
أومأت بتفهم وابتسمت بحرج وأردفت:
- طيب مش يلا بينا قبل ما حد يلاحظ إننا مش فوق و...
فجأة انتبهت منار لمكان وقوفهما. فأوقفت استرسالها وجالت بعينها تتفحص محتويات شقته وعادت ببصرها إليه وسألته بحيرة:
- أمجد هو مش أنت قلت أنك بعت الشقة؟
زجر أمجد نفسه لِنسيانه الأمر ولكنه سارع بتصحيحه قائلًا:
- بصراحة أنا قلت كده لِعمي علشان يهدى شوية من ناحيتي ويبطل خوف عليكِ مني.
تعجبت منار فَوالدها لم يعقب على أمر سكنه من قبل. ولكنه الآن كلف نفسه ثمن مسكن آخر. فأعربت عن مخاوفها قائلة:
- بس أنت كده أرهقت نفسك بمصاريف زيادة أنت أولى بيها فالوقت الحالي يا أمجد. وبعدين بابا مكنش فنيته يطلب منك تبعد ولا تمشي؟
أجابها أمجد عن سؤالها الذي قرأه بعيونها:
- مافيش أرهاق. أنا أصلًا متكلفتش مصاريف وقاعد بشقة تبع المؤسسة. المهم أنا هطلع الأول أراقب الجو على ما تدخلي الحمام ترتبي نفسك وتخرجي من غير ما حد يلاحظ. ويا ريت يعني لو يفضل موضوع الشقة سر بينا ومحدش يعرف بيه ممكن.
رافقها أمجد إلى داخل منزلها وجلس بجوارها يشاكسها. حتى أزف موعد مغادرته فوقف قائلًا:
- هعدي عليكِ بدري علشان نقضي اليوم من أوله مع بعض. علشان الفترة الجاية طالع مأمورية تبع المؤسسة واحتمال أغيب أسبوعين أو تلاتة. فأدعي لي زي أي زوجة مصرية أصيلة إن ربنا يوفقني فالمأمورية. علشان لو تمت زي ما أنا عايز هَتنقل نقلة تانية خالص.
وفي صباح اليوم التالي أيقظ أمجد ليان بقبلاته. ففتحت عيناها وابتسمت له قائلة:
- صباح الخير يا حبيبي.
قبل أنفها وأردف وهو يجذبها لتجلس بين ذراعيه:
- حبيبي عايزك لما تفوقي تجهزي نفسك. علشان هنسافر بالليل زي ما وعدتك. أنا خلاص رتبت كل حاجة وهخدك فرحلة هنسيكِ بيها الدنيا كلها.
صفقت ليان بيدها كالأطفال واحتضنته قائلة:
- بجد يا أمجد هنسافر سوا خلاص.
أومأ مبتسمًا وأردف:
- أيوه بجد يا قلب أمجد. المهم أنا هقوم دلوقتي أخلص شوية مشاوير وهتصل بيكِ علشان نروح نتعشى سوا وبعدها نطلع على المطار.
قبلته بسعادة قائلة:
- هو أنا قلت لك أني بموت فيك.
جذبها نحوها ومددها بجواره ومال فوقها قائلًا:
- لو على القول فسيبيني أنا أقولها بالفعل يا قلب أمجد.
بعد ساعات جال أمجد برفقة منار أماكن عديدة. حتى شعر كلاهما بالتعب. فأشار إلى أحد المطاعم وأردف:
- إيه رأيك لو ندخل نشرب حاجة ونرتاح من اللف شوية.
أومأت وهي تتكأ إلى ساعده ورحبت قائلة:
- أنا موافقة نقعد فأي مكان المهم نرتاح. أحسن أنا تعبت بجد يا أمجد.
جلس بجوارها بإحدى الزوايا البعيدة بعدما تفحص المطعم بعينه وأردف:
- ها قوليلي مبسوطة يا حبيبتي ولا تحبي أعيد لك البرنامج من أوله.
وضعت منار رأسها فوق كتفه واحتضنت كفه قائلة:
- أنا مش مبسوطة وبس. أنا هطير من السعادة يا أمجد. حقيقي اليوم حلوة جدًا واللي محليه أني معاك وماشية إيدي فأيدك من غير ما أخاف.
وضع أمجد يده فوق يدها وربتها قائلًا:
- ليكِ عليا لما أرجع من المأمورية أخدك ونسافر اسكندرية نقضي اليوم كله هناك ونرجع آخر النهار. إيه رأيك؟
أبعدت رأسها عن كتفه وسألته بلهفة:
- بجد يا أمجد هتخدني إسكندرية؟
أومأ مبتسمًا لسعادتها وأردف:
- ولو كان ينفع كنت حجزت لنا يومين هناك. بس ملحوقة نعوضها فشهر العسل يا قلبي.
احمر وجهها واعتدلت قائلة:
- يا خبر. أنا نسيت أننا وسط الناس و...
قاطعها أمجد بهزة طفيفة من رأسه قائلًا:
- متفكريش فأي حد وركزي جوزك حبيبك وبس. ودلوقتي قوليلي تحبي تاكلي إيه؟
مضى الوقت بهما سريعًا ورافقها إلى منزلها وغادر إلى وجهته وعينه تلمع ببريق النشوة والنصر. بعدما استطاع الفوز بكلاهما. وسافر أمجد إلى الخارج بعدما أمن ضياء الرحلة بكامل.
قالوا من يأمن عجلة الحياة حين تدور فهو ساذج. ومن يظن أنه يملك من أمره شيء فهو غر.
ففي القاهرة جلست منار بجوار والدها يحاورها عن سبب رفضها الالتحاق بكلية الهندسة. ولم تدر منار كيف تخبره دون إحراجه وجرحه. وأطرقت برأسها أمامه. فزفر شُهدي وابتعد عنها قائلًا:
- بصي يا منار دماغك قالت لك أغير الكلية علشان الفلوس. فحطي فدماغك إن طول ما أنتِ فِبيتي فأنتِ وأخواتك ملزومين مني. ولو فاكرة إنك لما توطي راسك أني كده مش هعرف السبب تبقي غلطانة. واعملي حسابك لو مكتبتيش الرغبة الأولى هندسة أنا هقاطعك و...
هبت منار على قدميها وتشبثت بساعده وصرخت بخوف:
- لا يا بابا بالله عليك أوعى تقولها. ولو على الكلية. فأنا هعمل اللي أنت عايزه وهكتب الرغبة الأولى هندسة. بس أرجوك بلاش تقاطعني دا أنا ما صدقت أننا نرجع زي الأول.
زم شُهدي شفتيه وأشاح بوجهه عنها ونظر إلى ابنته رنا التي جلست تتابع حوارهم وأردف:
- ما تقولي حاجة لأختك يا رنا. ولا أنتِ هتفضلي قاعدة تتفرجي علينا وخلاص.
ابتسمت رنا حين غمز إليها والدها بعينه وأردفت:
- وهو في قول بعد قولك يا بابا. عمومًا منار بنتنا عاقلة ومستحيل تفكر أنها تضيع حلمها وتزعلك.
وخصت رنا شقيقتها بنظراتها وأضافت:
- مش كده يا منار؟
ابتسمت منار وأجابتها ضاحكة:
- طبعًا يا ماما رنا. وهو بنتكم منار تقدر تقول لا.
وهكذا تم لمنار ما تمنت والتحقت بركب كلية الهندسة بغفلة من أمجد الذي تاه عنه أن لكل حصانٍ كبوة ولكل فارس غفوة.
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل السادس 6 - بقلم منى احمد
لم يستطع أمجد تغيير مجرى القدر الذي رسم طريق منار، فتقبل الأمر الواقع رُغمًا عنه، وأضمر بنفسه غضبه لمخالفتها رغبته، ولكنه عاد وتنفس الصعداء حين علم أنها التحقت بجامعة عين شمس.
وهكذا لم يقو أمجد على فعل شيء أمام سطوة الحياة التي انسلت أيامها من بين أيدي الزمن، وفرطت كما انفرطت حبات العقد، ورفعت من قدر منار التي اجتهدت، وبذلت كل ما في وسعها لتثبت جدارتها بكليتها، ونالت استحسان الجميع.
وحين سألتها شقيقتها ذات يوم عن سبب امتناعها من ذكر صلتها بأمجد أمام زملائها، ابتسمت بهدوء وأردفت:
- علشان أنا عاوزة أثبت نفسي يا هالة، ومش حابة أبدا أي حد يفتكر إني بقول اسمه وصلتي بيه علشان أخد حاجة مش ليا. صحيح لما بسمع عن نجاحه لما بتيجي سيرته بكون فخورة أني مراته، لكن أنا نفسي أكون أنا منار بمجهودي مش بمجهود غيري.
ولم تدر منار أن ما فعلته أراح كثيرًا أمجد ورفع عن كاهله عبأ ثقيلا خوفه من معرفتها بزواجه بليان أو معرفة أحد من معارفه بزواجها بها، لذا دأب على تشجيعها لتواصل تقدمها ظنا منه في بادئ الأمر أنها لن تصل إلى أكثر من النجاح. ولكن تفاجأ بتردد اسمها ببعض الأواسط مما زرع بداخله حنقا وضيقا تحول فيما بعد إلى غيرة وبغض كلما ذاع صيتها على الرغم من نجاحه وارتقائه إلى مكانه تخطت طموحه بكثير، فبدأ بعرقلة مسيرتها، وكلما زكاها أحد لتولٍ أمر ما، أحبط مخططه ودفع بآخر بديل عنها.
وبمنزلها جلست ليان بعيدًا عن والدها تختلس النظر نحوه بين الحين والآخر، فترك والدها الذي لاحظ اضطرابها جريدته، وترقب حركتها. وحين همت بالنظر إليه قبض عليها. فزمت ليان شفتيها بضيق، فسارع والدها بترك مقعده وجاورها قائلا:
- ملاحظك من فترة ومرضتش أدخل واسأل وقلت أسيبك براحتك تيجي فالوقت اللي أنت عاوزاه، وتحكي. بس الظاهر كده إن صاحبتي نسيت أني موجود علشانها ومحرجة تتكلم.
اعتدلت ليان ونظرت إلى والدها، وأشارت إلى ملامحها وأردفت:
- بابا هو أنا فيا حاجة وحشة فملامحي أو أخلاقي وتصرفاتي؟ طب بلاش هل فيا عيب أنا مش واخدة بالي منه وبكابر.
عقد ضياء حاجبيه وسألها بدهشة:
- إيه الكلام الفارغ دا يا ليان؟ وحشة إيه وأخلاقك إيه اللي بتشككي فيها وعيوب إيه؟ بصي يا بنتي واضح كده إن في حاجة أنتِ مخبياها وطالما اْتكلمتِ يبقى أحكي علشان أفكر معاكِ ونشوف حل.
خفضت ليان عينيها لتخفي دموعها عنه وهزت رأسها بالإيجاب. فمد ضياء يده ورفع وجهها، وهاله رؤية دموعها، فضمها بخوف بين ذراعيه يتمنى لو بإمكانه إخفائها عن العالم ليحافظ عليها ويحميها، وانفطر قلبه عليها، فتلك هي المرة الأولى التي تنهار ابنته منتحبة وكأنها في مصابٍ بليغ.
وبعد نحو الدقيقة ابتعدت ليان عنه ومسحت دموعها بعشوائية وأردفت:
- أنا مكنتش عايزة أنههار بالشكل دا لأن حضرتك عودتي أواجه وأخد حقي بقوة، بس لأول مرة أحس أني ضعيفة لدرجة مخيفة ومش من دلوقتي عندي الإحساس دا، لا أنا حسيت كده من بعد ما رجعنا من رحلة شهر العسل.
ازداد تجهم ضياء وعقب على قولها:
- بس الرحلة دي كانت من حوالي تلت سنين يا ليان. معقول يا بنتي حسيتي بكده وفضلتِ كاتمة جواكِ؟ طب ليه وعلشان مين؟
اِحتشى قلبها بألم لم تتحمله ولكنه كتمت تأوها وأجابته:
- علشان أمجد يا بابا علشان بحبه ومش قادرة أتخيل حياتي من غيره. فمبقتش قادرة أرجع ليان القوية بتاعت زمان، أنا مبقتش عارفة أنا مين ولا عايشة ليه وبقيت بسمع عقلي وهو بيقول إني ضيعت أحلى سنين من عمري علشان أرضي أمجد وأني رميت طموحي وأحلامي ورا ضهري علشان أشتريه. أنا مكنتش عارفة إن الحب ممكن يذل صاحبه لدرجة أنه يقبل يكون تابع علشان يسمع كلمة حلوة؟ وبقيت بفكر ليه لازم اقتل روحي وأدوس على كرامتي علشان يرضى عني؟ لدرجة أنها وصلت معايا أني بقيت أسأل هو ربنا خلقني بنت علشان أعيش في ضل راجل وخلاص ويبقى دوري بس أني أسعده فِالسرير وأسمع كلامه وأطيعه وأقيد له صوابعي العشرة شمع؟ أنا أنا تايهة يا بابا وحاسة إن عقلي هيشت مني.
اتسعت عين ضياء، وَكأن صاعقة ضربته، وأطاحت به. فراقبها بذهول ولِوهلة تساءل أحقًا تلك ليان ابنته التي كانت مفعمة بالحيوية والحياة، الزهرة الندية التي أبهجت حياته؟ لا، حتمًا هناك خطأ حدث بغفلة منه، فهو يرى شبحًا منهكًا يحاول الصمود! صرخ بجزع وهاجمته الوساوس أن يكون لأمجد دخلًا، وأنه رماها بيده إلى الجحيم عوضًا عن حمايتها. هل يعقل أن يكون ما رآه منه مجرد زيف وخداع يخفيه بقناع يضمر أسفله الشر له وَلِابنته؟
تاه ضياء كما تاهت ابنته، وأحس بعقله تجمد أمام نحيبها ونظراتها المشتتة لينتبه لِصرختها الملتاعة تقول:
- حتى حلمي أني أكون أم معرفتش أحققه. حاولت بس كل محاولاتي إني أخلف من أمجد فشلت. روحت لدكاترة، وعملت تحاليل وأشعة، وأخدت أدوية ووصفات. أنا عملت كل حاجة ممكن تتخيلها علشان يكون لي ابن وفشلت، واللي هيجنني إن أمجد ولا مرة اشتكى، ولا حتى قال كلمة واحدة تجرحني. بس المشكلة أني بشوف السؤال فعينه، وهو ساكت وبيبص لي. بحس فكل لمسة منه ليا إنه بيلمسني غصب عنه. أنا حتى بقيت بشوف تصرفاته اللي الناس بتحكي وتتحاكى عنها، وتشهد إنه بيموت فيا وفي التراب اللي بمشي عليه مجرد رياء، وللأسف الخوف والظنون محوطاني من كل ناحية ومش حاسة بالأمان.
أعادها ضياء إلى ذراعيه وضمها لِيطمئن نفسه أنها بخير، وأجلسها محتضنا إياها بخوف، وحاول تمالك نفسه لِيخفي عليها حزنه لرؤيته لها بِحالتها تلك، ولكنه لم يستطع، فَطبيعة الحساسة التي ورثتها عنه ليان تتأثر كثيرًا وتتأذى. نعم هو ضياء علام رجل المال والأعمال القاسي بمجال عمله، مختلف تمامًا كوالد وزوج بلين طبعه وإحساسه الذي لم يتخط حتى اللحظة وفاة حبيبته، فبات من يعرفه معرفة لصيقة لا يصدق أنهما الرجل نفسه.
زفر ضياء، وأطرق لدقائق يُفكر بكلمات ابنته وسريعًا ما توصل إلى حاجتها إلى طبيب نفسي يسمع منها، ويرشدها بطريقة سليمة لِتستطيع تجاوز محنتها، فمن الواضح أنها عرضت نفسها لِضغوط عديدة أنهكتها، وجعلتها فريسة للانهيار. واشتدت قسماته جمودًا وعقله يتساءل عن أين أمجد من ابنته، وكيف يتركها بتلك الحالة دون أن يشعر بها؟ فهو سلمه إياها، وأوصاه عليها لِيرعاها لا لِيتركها جسد بلا روح. فَهمس معتذرًا:
- الظاهر يا بنتي أني افتكرت إنك طالما اتجوزتي وبقيتِ مسؤولة من راجل أن دوري فحياتك قل! بس واضح أني كنت غلطان علشان كان المفروض أن دوري يبقى أكبر ومرميش كل المسؤولية على أمجد وأغمض عيني عنك وأكتفي باللي بشوفه وخلاص.
أجابته ليان بوهن:
- لا يا بابا حضرتك مغلطتش ولا أمجد هو كمان غلط. الظاهر إن المشكلة فيا وإن الغلط غلطي.
أبعدها ضياء عنه وحدق بملامحها الشاحبة بانزعاج كونها نفت عنه وعن زوجها الأمر وتريد تحمله بمفردها وأردف:
- عمر ما في بني آدم بيغلط لِوحده يا ليان علشان الغلط دايمًا بيحتاج لِطرفين. ولو أخدت بكلامك فأكيد في أسباب دفعتك للغلط.
التقط ضياء بضعة أنفاس وأخرجها بقوة واستطرد قائلًا:
- سيبك دلوقتي من مين اللي غلط وخلينا نفكر سوا بصوت عالي علشان نعرف أساس المشكلة فين؟ وسبب الحالة اللي وصلتِ ليها بدأ منين؟ بس الأول خليني أجاوبك على سؤالك اللي قولتيه فلحظة ضعف. يا بنتي ربنا عز وجل خلقنا علشان نعبده ونطيعه ونعمل الصالح تقربًا له، والراجل والست عند ربنا زي بعض. اللي يفرق بينهم هو العمل الصالح وبس، وميزان الثواب والعقاب والجزاء على الذنب واحد. وبالنسبة لاختلفنا راجل وست فالاختلافات مش للمذلة علشان سيدنا النبي قال "النساء شقائق الراجل"، والراجل والست زيهم زي كفتين الميزان علشان حياتهم تستقيم، لازم يكملوا بعض لأن أي بيت قائم على المودة والسكن والرحمة، مش على الندية وحقي فين ونظام ناخد ومنديش.
هزت ليان رأسها بالنفي وأردفت:
- بس الميزان اللي حضرتك بِتتكلم عنه اختل ودايمًا في كفة مايلة عن التانية. والدليل على كلامي المشاكل اللي بنقرأ ونسمع عنها في السوشيال ميديا كل يوم. أنا حتى كنت بَفكر أشارك اللي عيشاه وحساه وأكتب عنـ...
لم يتمالك ضياء نفسه حين أتت ابنته على ذكر ما ترغب في فعله فصاح بحدة قائلًا:
- وبتسألي ليه الميزان اختل؟ ما هو اختل لما الدنيا خربت، وفسدت لما الأدوار اختلطت، وانعكست. وبالأصح من وقت ما الست لبست توب الراجل والراجل خنع، وقعد فالبيت يدور على الراحة. الميزان اختل بتفكير الجيل اللي بِينادي بالمساواة والحرية، وهو مش فاهم يعني إيه. الميزان اختل لما أتلعب فِالعقول وانحصر دور الست إنها مجرد أداة لمتعة الراجل ووسيلة تسلية، وطمسوا إن الست هي سبب صلاح كل بيت، وأنها الوتد، وإن ربنا أكرمها، وكرمها وحفظ كرامتها ورفع قدرها. الميزان اختل لما نسينا القدوة الحسنة اللي بحق زي السيدة عائشة اللي كانت من أعلام التفسير والفقه ورجال الدين قالوا إن ربع الأحكام الشرعية منقولة عنها، وأنها اشتغلت فعهد سيدنا أبو بكر رضي الله عنه فالفتوى، ولما نسينا أن السيدة أم سلمة والسيدة ميمونة بنت الحارث زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام من حفظه الأحاديث وروايته، وبقينا نشوف القدوة فممثلة، ولا مغنية ولا مقدمة برامج بتسمم عقول أجيال. الميزان اختل لما الست بوجه عام أفشت أسرار بيتها على الملأ، وانتهكت ستر جوزها ونفسها والأخطر أنها رمت ودنها وعقلها لأفكار غيرها، وطبقت كلامهم على بيتها فخرب. ولو عاوزة تتأكدي افتحي عينك وشوفي كام واحدة فضحت نفسها، ورضت على حالها إن حياتها تبقى مشاع ومطمع وبعدها حياتها اْتهدت. فأنتِ لو هَتقبلي على نفسك تبقي زيهم، وتخلي حياتك مطمع لكل نفس مريضة أنا مش همنعك بس ساعتها أعرفِ أنك هَتخسريني كصديق.
أجبر ضياء نفسه على الصمت ليهدأ وترك مكانه وابتعد عنها ليتمالك نفسه، بينما نكست ليان رأسها وعقلها يردد كلمات والدها التي هاجمها بها بضراوة لتنتبه لصوته يقول:
- آسف يا ليان حقك عليا أني انفعلت أصلي مقدرتش أتقبل أسمعك بتقولي إنك عايزة ترمي نفسك فالنار وتخدي مشورة البنات على النت واسكت. عمومًا لو أنتِ من جواكِ عايزة فعلًا المشورة يبقى يا تلجأي لِراجل دين يا لِدكتور نفسي تتكلمي معاه مش تقولي اكتب مشكلتي على النت. المهم خلاصة كلامي يا بنتي علشان مطولش عليكِ الحالة اللي أنتِ فيها علاجها بجانب طلب المشورة من الناس الصح هي أنك ترجعي تقربي من ربنا تاني لأن واضح إن الدنيا نستك نفسك ودينك. وبالنسبة لموضوع الخلفة فأنتِ قلتِ إن أمجد متكلمش معاكِ فحاجة يبقى لازم تعرفي إن كل اللي فدماغك دي هواجس أساسها الشيطان اللي سلمتِ له عقلك علشان يلعب فيه ويسممه.
راقبت ليان مغادرة والدها واحتضنت جسدها بساعديها بعدما أحست أن حديث والدها كشف عورة عيوبها أمامها، فهو لم يقل إلا الحق وأوضح أن سبب هواجسها وشكوكها ابتعادها عن مسارها. وتساءلت لِما ومتى زلت قدماها وتوقفت عن صلاتها منذ يوم أو شهر أم...؟ حاول عقلها أن يشتت تلك الفكرة التي لاحت بقوة أمامه أنها توقفت عن عاداتها اليومية من صلاة وأذكار منذ عادت من تلك الرحلة. هبت ليان على قدميها وجالت بعينها في المكان وأردفت:
- لسه في وقت وأكيد ربنا حطني فمواجهة مع بابا علشان أفوق لنفسي.
أسرعت ليان إلى المرحاض واغترفت الماء تتوضأ وتغتسل واتجهت إلى غرفتها وارتدت ثوب صلاتها وافترشت سجادتها ووقفت ترتجف وتبكي ولسانها يستغفر ويطلب العفو من الله.
عادت منار إلى منزلها وهي بحالة هياج ووقف بوسط غرفتها تحدق بأوراق التصميم التي سهرت ليالٍ لتُنهيه وجذبت بغضب ومزقته وهي تبكي، ولمحتها رنا فصاحت بصوتٍ عال ونادت شقيقاتها، لِيهبو لنجدتها ووقفوا يحدقون بمنار التي مزقت الأوراق على بكرة أبيها وانهارت أرضًا تبكي وسط أشلائها، واقتربوا منها بعدما تأكدوا من غلقهم لباب الغرفة وربتت نهلة كتفها بينما بدأت رنا بلملمة قصاصات الورق، في حين أردفت هالة:
- ممكن تهدي وتفهمينا ليه قطعتي الورق اللي ليكِ أسبوع سهرانة عليه؟
رفعت منار عينيها ونظرت إليها بحزن وأردفت:
- وليه مقطعوش وهو مالوش أي قيمة؟ أنا مجهودي وتعبي كله راح على الأرض وحتى سهري مكنش كفايه علشان تصميم المشروع يتقبل.
عادت منار للبكاء بينما توقفت رنا على لملمة الأوراق وجلست بجوارهم أرضًا وقالت:
- طب أزاي إن كان التصميم عجب الدكتور بتاعك وقالك إن الفكرة جديدة وأكيد هتعجب اللجنة يبقى أزاي متقبلش؟
هزت منار رأسها بتيه وأردفت:
- معرفتش يا رنا. أنا بعد ما سلمته مافيش عشر دقايق لقيت الدكتور طالع بيقولي أنا آسف التصميم أترفض. ولما سألت عن السبب محدش رد عليا واللي قهرني أنهم وافقوا على تصميم أقل ما يقال عنه أنه فاشل.
عقبت رنا عليها بتلقائية:
- فاشل بس واضح إن عنده واسطة.
نظرت منار نحوها وأنفاسها تتسارع بغضب وأردفت:
- أنا مش فاهمة ليه كل حاجة لازم تمشي بالواسطة. يعني السنة اللي فاتت رفضوا اتدرب مع المجموعة بعد ما نزل اسمي وقلت الواسطة. وأول السنة كنت مرشحة لتبادل طلابي واتسحب الترشيح بدون سبب. ودلوقتي تصميمي اترفضت. يبقى دي مش واسطة يا رنا دا حد قاصد أنه يهمشني ويسرق فرصي. وأنا لازم أعرف مين اللي ورا الموضوع دا ومش هسكت حتى لو كان فيها رفدي من الجامعة كلها.
حاولت نهلة وهالة تهدئة غضبها ليوقفهم صوت والدهم الذي اقتحم الغرفة بقوله:
- وأنا معاكِ يا منار.
هبت الفتيات ووقفوا أمامه بحرج وحاولت رنا إخفاء الأوراق ولكنه اتجه نحوها وسحب من يدها البعض وحدق بالتصميم وأردف:
- قطعتيه ليه يا بنتي؟ كنتِ خليه علشان تقدمي بيه الشكوى كده لو حاولتِ تثبتي حقك هتتسألي عنه هتردي تقولي قطعته فلحظة غضب.
أطرق شُهدى برأسه وهو يهزها يمينًا ويسارًا فزفرت منار بضيق لتسرعها، بينما ربتت هالة ظهرها برفق، لتقفز رنا أمامهم وتقول:
- لقيتها أنتِ تكلمي أبيه أمجد وتقوليله على كل اللي حصل معاكِ من أول مرة، وهو أكيد له ناس ومعارف يقدروا يعرفوا إن كان في حد قاصد يسرق فرصك، ووقتها هتعرفي تثبتي حقك لو في فرصة تانية جت لك واتسرقت.
صفع شُهدى رأس ابنته بخفة وابتسم لها وأردف:
- أهي المفتش كرومبو قالت لك على الحل. يلا بقى لمي ورق تصميمك وروحي اغسلي وشك وصلي وأطلعي مع أخواتك حضروا الأكل وبعدها كلمي أمجد على مهلك.
وافقته منار وانحنت تجمع باقي الأوراق بشرود تتساءل هل كانت على خطأ يوم أخفت ما يجمعها بأمجد من البداية؟ وهل كان سيتغير وضعها عما هي عليه الآن؟ هزت منار رأسها بالنفي وأردفت:
- الظاهر أني كان المفروض أعمل كده وأتعامل زي ما بيتعاملوا. وواضح إن أمجد كان معاه حق لما قال إنهم مختلفين عني وبتوع ألاعيب.
وفي المساء جلست منار فوق فراشها تتحدث إليه وتسأله عن يومه فكانت معظم إجاباته مختصرة مقطبة فعقدت حاجبيها وسألته:
- مالك يا أمجد صوتك مش عاجبني وحساك متغير؟
زفر أمجد بحنق وعينه تتابع مكان ليان التي لم تعره أي اهتمام منذ عودته للمنزل وأجاب سؤالها بعدما أعادته مرة أخرى بقوله:
- شوية مشاكل فالشغل يا منار. المهم أنتِ كنت عايزة حاجة مني علشان أنا مضطر أقفل لأني لسه مروحتش والورق اللي فأيدي محتاج مني التركيز.
أجابته مُسرعة بصوت متخاذل:
- لا يا أمجد أنا كنت بطمن عليك عمومًا لما تخلص أبقى كلمني عن إذنـ...
لم يتمهل حتى تُكمل كلمتها وأنهى الاتصال وسارع إلى مكان ليان فرآها تجاور والدها تحتضن أحد كتبه فاقترب منها وجلس بجوارها وأحاط كتفها بساعده ومال صوب أذنها هامسًا:
- على فكرة أنا زعلان منك علشان حرمتيني من صوتك النهاردة ولما رجعت مهتمتيش بيا زي كل يوم ودلوقتي قاعدة تقري ومطنشاني.
أغلقت ليان الكتاب بحرج والتفتت إليه قائلة:
- معلش أصلي النهاردة قضيت اليوم فالصلاة ومحستش بالوقت. عمومًا بعد كده هاخد بالي وهتصل بيك. المهم تحب أحضر لك العشا ولا هتنام خفيف زي كل يوم.
أبعد أمجد جسده عنها وسحب ذراعه ووقف قائلًا:
- لا هنام خفيف يا ليان خليكِ أنتِ يا حبيبتي كملي قراءة.
ألقى أمجد قوله وعلى شفتيه ابتسامة هادئة والتفت صوب ضياء واستأذنه واتجه إلى غرفته لينزع تلك الابتسامة البغيضة عنه ويكشف عن وجه غاضب شابه وجه الشيطان ونزع حُلته بقوة كادت تمزقها وارتمى فوق فراشه وهو يفكر بِاتصال منار الذي أدرك سببه فحتمًا تُريد منه مساعدتها بعدما أخبره أحدهم عن حالة الغضب التي أصابتها بعد رفض التصميم.
وبينما منار شاردة تكافح لمنع دموعها فتحت منار مخزن الصور بهاتفها وأخذت تحدق بصورها التي جمعتها بأمجد برحلتهم الأخيرة إلى الإسكندرية فهو اعتاد السفر بها كل عام لتقضي برفقته يومًا كاملًا هناك، لتقع أمام عينيها صورة عن تصميمها فهبت واقفة وهي تحدق بالصورة وأردفت:
- الحمد والشكر ليك يا رب. أهو بالصورة دي أنا هقدر أثبت حقي من غير مساعدة أو واسطة.
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل السابع 7 - بقلم منى احمد
صباح اليوم التالي أسرعت منار إلى الشركة المسؤولة عن المسابقة وطلبت مقابلة مع مديرها.
وبعد نحو الساعة وافق أخيرًا على رؤيتها.
فجلست أمامه تشعر بالحرج ويدها تقبض على نسخة من تصميمها.
وحين سألها عن سبب زيارتها، رفعت عينها وحدقت بوجهه قائلة:
- أنا كنت جاية أعرف السبب اللي أترفض على أساسه التصميم اللي قدمته للجنة الشركة؟
عقد سامر حاجبيه وتطلع إليها بدهشة وأردف:
- أنهي تصميم فيهم لأن المهندس أيمن جاب أربع تصاميم علشان أفاضل بينهم ومأظنش أني قريت اسمك على واحد فيهم.
وقفت منار وقدمت له تصميمها وأردفت:
- أزاي اسمي مش موجود وأنا مشاركة فالمسابقة، ولو حضرتك مش مصدقني دي نسخة عن التصميم اللي قدمته امبارح للجنة، واللي أترفض بدون إبداء أي أسباب ولما سألت محدش جاوبني.
التقط سامر النموذج ووضعه أمامه فوق سطح مكتبه وعينه تجول فوق تفاصيله.
ورفع عينه عنه ونظر إليها وأردف:
- أنتِ متأكدة إن النموذج دا أنتِ اللي عملاه وأتقدم للجنة واترفض.
أومأت منار بثبات وأكدت بقولها:
- حضرتك ممكن تبعت للبشمهندس أيمن وتجيبه وهو يواجهني، ولو طلعت كذابة أنا موافقة تتخذوا ضدي أي إجراء.
سارع سامر وهاتف أيمن وطلب مجيئه إلى مكتبه على الفور.
وقف أمام منار وحجبها عن النظر.
وحين ولج أيمن، رحب سامر به وأردف:
- بشمهندس أيمن أنا كنت عايز أعرف وجهة نظرك فرفض التصاميم؟
أجابه أيمن بثقة:
- ما أنا يا أفندم قدمت تقرير عن كل تصميم بنقاط القوة والضعف اللي فيه، هو حضرتك مقرتش التقارير.
ابتعد سامر وكشف عن وجود منار.
فشخص أيمن إليها بذعر والتفت إلى سامر وحدق بوجهه بخوف.
فرفع سامر حاجبه وأردف:
- ممكن أفهم فين تصميم المهندسة منار شُهدي يا بشمهندس.
شحب وجه أيمن ولم يدر بما يجيب سؤاله، فهو تخلص من التصميم فوراً قبل وصوله إلى الشركة كما أخبره أمجد ولم يأت على ذكره لأنه أدرك منذ وقع بصره عليه أنه التصميم الفائز.
ازدرد أيمن لعابه وخفض بصره قائلًا:
- التصميم للأسف وقع عليه القهوة واضطريت أقول إنه أترفض.
هز سامر رأسه وردد قوله ساخرًا وأردف:
- بقى القهوة وقعت عليه، عمومًا الآنسة قدمت لي نسخة بديلة عن اللي وقع عليها القهوة وبصراحة أنا أول ما شوفته قررت أني أعتمده فالمشروع.
ودلوقتي اتفضل حضرتك وأبعت لي المستشار القانوني علشان نوقع عقد للبشمهندسة علشان تضمن حقها معانا.
أومأ أيمن وأسرع بمغادرة الغرفة وهاتف أمجد وأبلغه بما حدث.
ليهب الأخير عن مكانه وهو يحدق بهاتفه بغضب وصرخ بصوتٍ هادر قائلًا:
- وأنت كنت فين لما منار وصلت للشركة وقابلت سامر كنت نايم على ودنك؟
اغتاظ أيمن لتطاول أمجد الغير مبرر وأنهى الاتصال واتجه إلى غرفة المستشار وأبلغه بطلب سامر وعاد إلى مكتبه محاولًا تمالك غضبه.
بينما وقفت منار تحدق بوجه سامر لا تصدق أنه يريد التعاقد معها.
وحين ولج المستشار انتفضت قائلة:
- معلش أنا ممكن أعمل اتصال ضروري؟
أومأ سامر مرحبًا وتابعها تحدق بهاتفها وعينيها تلمع بغبطة.
واستمع إلى صوتها والسعادة تكاد تقفز مع كل حرف تقوله:
- حبيبي مش هتصدق أنا تصميمي أتقبل ودلوقتي موجودة فمقر الشركة وعايزيني أوقع على عقد أنهم هيستخدموا التصميم بتاعي.
صمتت تنصت لمحدثها بلهفة لتتسع ابتسامتها قائلة:
- تمام عايزاك بقى تدعيلي وأنت بتصلي سلام يا حبيبي.
التفتت منار وحين لاحظت نظرات سامر إليها احمر وجهها وأردفت:
- آسفة بس أصل أنا مقدرتش مبلغش بابا لأنه كان مضايق بسبب اللي حصل معايا امبارح.
وقعت منار العقد وهرولت إلى منزلها تقفز فرحًا مع شقيقاتها.
ليخبرها شقيقها باتصال أمجد بها.
فالتقطت الهاتف منه وأجابت وعلى وجهها ابتسامة:
- اسكت يا أمجد أنا لو أحكي لك قد أنا فرحانة مش هتصدق أصلي النهاردة مضيت عقد مع شركة كبيرة و...
بترت منار كلمتها حين أتاها صوته الحاد يقول:
- وهترجعي تفسخي العقد يا منار لأن أنا سبق وقلت لك أني مش عايزك تشتغلي.
وبعدين بدل ما كنتِ روحتي شركة المهندس سامر واشتكيتِ وعملتِ الفيلم دا علشان يقبلوا التصميم اللي أترفض كان الأولى أنك تنزلي معايا نشتري العفش ونرتب لفرحنا ولا أنتِ خلاص نسيتِ أننا مفروض كنا أتجوزنا من كام شهر وحضرتك اللي أجلتي.
خبت سعادة منار وتجهم وجهها وبداخلها نمت بذور الشك وروتها الحيرة.
فكيف لزوجها بمعرفة ما حدث وهو لم يعطها الفرصة لتخبره بالأمس.
انتبهت منار لعيون شقيقاتها المتابعة لها فابتسمت بحرج واتجهت صوب غرفتها وأغلقت بابها خلفها وأردفت:
- أمجد أنت عرفت أزاي أني روحت شركة البشمهندس سامر وإن أصلًا التصميم أترفض وأنا متكلمتش معاك.
لعن أمجد لسانه الذي زلف رُغمًا عنه وحاول أن يشتت انتباهها ولكنها رفضت وأصرت على سؤالها قائلة:
- جاوبني يا أمجد عرفت منين إن التصميم أترفض؟
صاح بها غاضبًا:
- هو تحقيق يا منار ما خلاص عرفت زي ما عرفت المهم الكلام اللي قلته العقد تفسخيه وتشيلي من دماغك موضوع الشغل نهائي وتبدأي ترتبي لفرحنا وأنا هاجي النهاردة وهتكلم مع عمي واتفق معاه على كل حاجة.
أنهى أمجد اتصاله دون أن يترك لها حق الرد.
وقفت منار تحدق بهاتفها بتيه واتجهت بشرود نحو فراشها وجلست تُفكر بتغير أمجد الغريب.
فغضبه غير المبرر منها لا داعي له أبدًا فكان من الممكن أن يطلب منها ما يريده دون الحاجة إلى رفع صوته.
في حين غادر أمجد المؤسسة وعاد إلى منزله فاستقبلته ليان بابتسامة هادئة وأردفت:
- رجعت بدري النهارده يعني إيه مافيش صفقات جديدة ولا عقود هتتراجع؟
أشاح أمجد بوجهه عنها واتجه إلى غرفة نومه فتبعته ليان واعترضت طريقه قائلة:
- مالك يا أمجد شكلك متعصب زي ما تكون متخانق.
ألقى أمجد بجسده فوق فراشه ورماها بنظرة نارية وأردف:
- متعصب علشان المفروض لما أرجع من شغلي ألاقي مراتي مستنياني مش ألاقيها مطنشاني وتكلمني كأني بشحت منها.
فلو مضايق أوي أني متعصب فحقك عليا ولو وجودي مضايقك أنا ممكن امشي عادي المهم راحتك ما هو البيت بيتك وأنا ماليش الحق أتكلم أو أعترض.
عاد أمجد وهب عن فراشه فمنعته ليان من مغادرة الغرفة وهي تتوسل قائلة:
- أمجد أرجوك أنا مش قصدي أي حاجة واللي حصل مني أمبارح بابا عاتبني فيه.
ولو كنت بسألك فأنا استغربت لأني ليا فترة بطلب منك ترجع بدري وكنت تقولي عقود وصفقات.
زفر أمجد وأشاح بوجهه عنها وأردف:
- أنتِ بتزودي الغلط بغلط يا ليان وبدل ما تعتذري بتقولي إنك متراجعتيش إلا لما عمي كلمك يعني محستيش أنك غلطانة من نفسك.
عمومًا أنا عند كلامي لو مش عايزاني أنا ممكن أمشـ...
التفت حوله ووضعت يدها فوق شفتيه لتمنعه من قولها وانهمرت دموعها قائلة:
- أنا آسفة يا أمجد بس أوعى تسيبني أنت عارف أنا بحبك قد إيه ومقدرش استغنى عنك.
جذبها نحوه وكفكف دموعها وأردف:
- يا ليان أنا كمان بحبك ويمكن أكتر منك بس سبق وقلت لك لو زعلانة مني فأي حاجة تعالي اتكلمتي معايا واشتكي لي مني وبلاش تستكتِ.
يا حبيبتي أنا ملاحظ من فترة أنك ساكتة وكل ما أبص لك تخبي عينك عني حاولت أجرك فالكلام بس أنتِ رافضة.
وبصراحة بعد اللي عملتيه معايا امبارح وأسلوبك دلوقتي فالكلام جرحني وحسيت أنك بتقللي مني ومش عايزني.
عمومًا حقك عليا ويا ستي لو في حاجة صدرت مني ومزعلاكِ قوليلي وأنا أصالحك واعتذر لك كمان ولو حابة أخدك وأطلع قصاد عمي أبوس راسك فأنا مستعد.
زادتها كلماته ندمًا فتشبثت به وأردفت:
- لا يا أمجد أنا اللي غلطت ومفروض اعتذر لك مش أزود زعلك مني.
ربت أمجد ظهرها وحملها ومددها فوق فراشه وتسطح بجوارها وجذبها واضعًا رأسها فوق صدره وأردف:
- أنا عارف إن موضوع الحمل اللي أتأخر مأثر عليكِ ومضايقك علشان كده أنا قررت أخد أجازة وأسافر معاكِ تكشفي فالمكان اللي تشاوري عليه وتشوفي علاج غير اللي جربتيه هنا.
المهم أنك تهدي وتبطلي تقفلي على نفسك وتحرميني منك.
داعبت وجهه بإصبعها وأردفت:
- مافيش داعي نسافر أنا خلاص اقتنعت إن كل حاجة مكتوبة وربنا لو رايد لي أكون أم أكيد هبقى أم من غير ما أسافر.
سألها أمجد بحيرة عن سبب اقتناعها فأجابته بحرج:
- بصراحة أنا كنت مقصرة مع ربنا بس الحمد لله رجعت انتظمت فالصلاة والتزمت بالأذكار ومن امبارح وأنا حاسة بالراحة.
مد أمجد يده ورفع وجهها نحوه وأردف:
- يعني مش هتتعصبي كل شهر وترمي الاختبارات وتخاصميني كأني السبب.
هزت رأسها بالنفي فابتسم قائلًا:
- حيث كده يبقى تصالحيني على اللي حصل منك وتعتذري لي كمان.
احمر وجهها حرجًا وأردفت:
- وبعدين يا أمجد عايزني أصلحك الضهر طب ما تخليها بالليل ونسهر سوا سهرة حلوة من بتوع زمان.
اسكتها أمجد بوضعه إصبعه فوق شفتيها وقوله:
- أنتِ تصالحيني دلوقتي وأنا أسهرك بالليل بعد ما أرجع من مشواري اتفقنا.
أومأت وهي تجذب رأسه نحوهها وهي تهمس له بمشاعرها نحوه.
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل الثامن 8 - بقلم منى احمد
عزمت على تنفيذ قرارها. لابد أن ستصل لإجابة سؤالها رُغم أنف الجميع.
واتجهت صوب مكتب أيمن وولجته دون إذن وجلست أمامه.
فنظر إليها بضيق وأشاح ببصره عنها قائلًا:
هو مش في باب يا آنسة تخبطي عليه الأول قبل ما تدخلي؟ ولا البشمهندسة متعرفش حاجة عن الذوق؟
ابتسمت ببرود ووضعت ساقًا فوق الأخرى وأجابته باستفزاز:
عادي يا بشمهندس. ما أنا وأنت تقريبًا فحكم زمايل العمل. وما أظنش أْن زميلك كل ما يدخلوا المكتب يخبطوا. عمومًا ليك عليا المرة الجاية أخبط. المهم قولي القهوة اللي وقعت على التصميم كانت بوش ولا من غير وش.
اعتدل أيمن بمقعده ورمقها بضيق وزفر بقوة لمحاولتها استفزازه الواضحة وأردف:
كانت بوش وسادة يا بشمهندسة.
ضحكت منار هازئة وصفعته بقولها:
ليها حق تقع أصل مينفعش تبقى بِوش وأنت موجود.
هب أيمن عن مكانه وصاح بغضب:
جرى إيه يا بشمهندسة أنتِ جاية مكتبي تشتميني ولا إيه؟
وقفت منار أمامه ووضعت كفيها فوق سطح مكتبه وأردفت بجدية:
لا أنا جاية أعرف منك اسم اللي زقك عليا علشان ترفض التصميم؟ ولعلمك أنا مش همشي من هنا إلا لما تقولي. وصدقني أنت لو متكلمتش أنا هطلع على مكتب البشمهندس سامر. وساعتها هتلاقيه بيطلبك وهيعرف منك بطريقته.
ازداد تجهم وجهه إزاء إصرارها الغريب لِمعرفة اسمه وتهديدها له. وبادله النظرات لِبضع ثوان تأكد خلالها إنها لن تتراجع عن معرفة إجابة سؤالها مهما أراد.
فزفر بحنق وأردف:
لو مصممة تعرفي يبقى توعديني إن الكلام اللي هَقوله هَيفضل سر بينا. وأنك مهما حصل مش هتجيبي سيرة للمهندس سامر ولا هتدخليه ما بينا.
أومأت منار ووعدته ولاحقت وجهه بعيون وجلة وأحست بقلبها يرجف خوفًا. وَحين اخبرها هويته تراخت ساقاها فدعمت جسدها بتمسكها بحافتي مكتبه وتمالكت نفسها فلا مجال لها لِتنهار أمامه أو تتخاذل.
فامعنت نظرت إليه واقرت بألم:
وأنا عندي وعدني ليك إن محدش هيعرف منى أي حاجة. بس وأرجوك بلاش تحاول تبلغه وتقوله أني عرفت. علشان ساعتها أنا مش هسكت إلا لما تترفد من هنا. اتفقنا.
غادرت منار مكتبه بقلب منفطر وعادت إلى مكتبها المؤقت الذي فاجئها سامر به وجلست بتيه تشعر بتوقف عقلها.
حاولت منار عدم التفكير في الأمر ولكنها لم تفلح فقررت المغادرة.
وأثناء سيرها لمحها سامر فترك ما بيده ونادها ولكنها لم تنتبه لصوته إلا حين اعترض طريقها.
وحين تقابلت أعينهم أجفل من نظرات الحزن الواضحة بعينيها وأردف:
مالك يا منار؟ هو في حد هنا ضايقك ولا حاجة؟
هزت منار رأسها بالنفي وهتفت بصوت محشرج:
ما فيش. أنا بس مصدعة شوية فقلت أمشي.
أشار إليها سامر بمرافقته ولم تدر منار لِما استجابت لِدعوته وتبعت خطواته. وجلست بجواره بسيارته واسندت رأسها إلى النافذة بجوارها وتاهت مرة أخرى بدائرة أفطارها.
بعد قليل صف سامر سيارته أمام أحد المقاهي فانتبهت وتطلعت حولها بحيرة وعادت بعينها إليه وسألته:
أنا إيه اللي جابني هنا؟
منعها سامر من المغادرة وأصر على دعوتها لِتحتسي برفقته القهوة فَأطاعته بضيق وجلست أمامه بوجه متجهم.
فأشار إلى عبوسها وأردف:
على فكرة أنتِ لو فضلتِ مكشرة كتير هَتعجزي بدري. دا غير إن الناس اللي قاعدين حوالينا ممكن يطلبوا لي الشرطة ويقولوا أني خطفك.
رسمت منار ابتسامة واهية فوق شفتيها فسارع سامر قائلًا:
بصي هو أنا آسف بس بلاش تبتسمي وخليكِ مكشرة أحسن. علشان التكشيرة طلعت أرحم.
حينها ابتسمت منار بحرج وأردفت:
مش أوي كده يا بشمهندس. عمومًا أنا بشكرك على الدعوة وبعتذر علشان فمود مش متظبط. وأرجو إن حضرتك متخدش عني فكرة غلط يعني أكمني وافقت أجي معاك. أصل أنا أول مرة أخرج مع حد غريب. وبصراحة بابا لو شافني ولا أمجد مش هيعدوا الموقف على خير أبدًا.
بهتت ملامحه لكلماتها الصادمة فهو لم يأت إلى عقله أبدًا أن يفكر بها بتلك الصورة. فهو منذ رآها تجلس أمامه بمكتبه وأحس أنها سلبته جزء من عقله وقلبه لصالحها. ولم يأت على خاطره قط أن يفكر بها بتلك الطريقة أبدًا. ليس لإعجابه بها ولكن لأنه شخص تعود طوال حياته ألا يرمي أحدًا بظنون باطلة. وزاده سوءًا ذكرها اسم أمجد بحديثها فأردف بغيرة طفيفة:
على فكرة أنا عمري فحياتي ما حكمت على أي شخص من مقابلة ولا تصرف. عمومًا لما تتعاملي معايا هتعرفيني بشكل أوضح. أما بالنسبة لوالدك فأنا مستعد أكلمه وأوضح له سبب مقابلتنا علشان أرفع عنك الحرج.
حمحمت منار بحرج فهي للحظة لا تعلم كيف تفوهت بتلك الكلمات فاعتذرت قائلة:
أنا بعتذر لحضرتك. واضح إن حالتي المزاجية مأثرة عليا ومخلياني أقول كلام بايخ. ياريت حضرتك متزعلش مني.
لم يشأ سامر أن يضيف عبأ أخر عليها فملامحها تخبره بأنها تمر بظروف سيئة فابتسم لها محاولًا التغاضي لتهون الأمر على نفسها وأردف:
ولا يهمك. المهم إني كنت حابب تصميمي لنا نموذج جديد لملامحق سكنية تكون بسيطة وتكلفة الإنشاء فالمعقول.
أومأت وعلى ثغرها ابتسامة وأردفت:
إن شاء الله. بس حضرتك هتحتاجه على أمته علشان أشوف وقتي والدراسة وكده.
أخبرها سامر بالتأني وترك لها مهلة مفتوحة دون قيود وأردف:
أنا أسف لسؤالي بس واضح إنك مرتبطة بوالدك بدرجة كبيرة على كده. عندك أخوات غير أمجد.
احمر وجهها وأجابته بارتباك:
لا أمجد مش أخويا. دي خطيبي ومكتوب كتابنا وهنتجوز بعد ما أخلص الكلية. إنما أخويا فاسمه أحمد وعندي أربع أخوات بنات.
تلاشت ابتسامته وحاول أن يخفي خيبة أمله فهو لم يتوقع أن تكون مرتبطة فعقب بقوله:
آه أنا بعتذر أصلي افتكرتك مش مرتبطة علشان مشفتش الدبلة فأيدك. فقلت إن أمجد يبقى أخوكِ. عمومًا مبروك يا بشمهندسة.
رفعت منار يدها أمام وجهها وحدقت بإصبعها المُلتهب وأردفت:
الله يبارك فحضرتك. ولو على الدبلة فهي للأسف عملت لي حساسية واضطريت أقلعها علشان العلاج.
أومأ سامر وأشاح بوجهه عنها لِيخفي حزنه. فهو سمح لنفسه أن يحلم بها والآن بات حُلمه محرمًا فهي لآخر وعليه احترامه. زفر ليتمالك أمره والتفت إليها وأردف:
وأمجد على كده زميلك فِالكلية ولا فِكلية تانية؟
هزت منار رأسها بالنفي وأجابته بعبوس:
لا أمجد متخرج من هندسة القاهرة من زمان وِبيشتغل في مؤسسة علم الدين.
عقد سامر حاجبيه وهو يفكر بصاحب الاسم وهز رأسه بالنفي. فَأمجد الذي يعرفه متزوج من ليان علام. ولا يمكن أن يكون هو الشخص نفسه الذي تتحدث عنه. فكاد يسألها ولكنه تراجع كي لا يساء فهمه.
اختلست منار النظر نحوه وأحست ردة فعله أنه يخفي أمرًا ما عنها. فجأة ارتجفت وأحست بنغزة باردة تصفع قلبها ولم تدر لِما أدارت وجهها وحدقت بعينه ورسمت على شفتيها ابتسامة بلهاء وهي تخبره:
تعرف يا بشمهندس أنا كان ممكن من أول يوم ليا فالكلية أقول إني مرات أمجد المُشير علشان أسهل أموري زي باقي زمايلي ما عملوا. لكن أنا محبتش أعمل كده وقلت إني لازم أثبت لنفسي وللكل أني مش محتاجة واسطة. بس الحاجة الغريبة إن من أول سنة وأنا بقابل اضطهاد غريب زي ما يكون كان في حد بيحاول أنه يوقف خطواتي ومش عايزني أثبت وجودي فالكلية. وللأسف اتعرضت لظلم كتير وفكل مرة كنت بحبط فيها كنت بفكر استغل صلتي بأمجد. لكن كنت برجع تاني وأقول أكيد ربنا مش هيضيع تعبي وفعلًا ربنا عوضني. لما قلت أني مش هتكلم عن صلتي بأمجد لكن هدافع عن حقي. فجيت وقابلت حضرتك والحمد لله ربنا كافئني والحقيقة ظهرت والتصميم اللي شاركت بيه فالمسابقة فاز.
لم ينتبه سامر لحديثها فقد تبلد عقله أمام ذكرها اسمه زوجها كاملًا وأخذ يحدق بملامحها لا يصدق أن تكون منار زوجة ثانية لأمجد.
لاحظت منار صدمته وكادت تسأله ولكنها تراجعت وأحست أنها أكتفت من المفاجأت وقررت الانصراف ونظرت إلى ساعة يدها ووقفت بحرج وأردفت:
أنا آسفة يا بشمهندس بس الوقت عدى وأنا مش حابة أتأخر. فأسمح لي أمشي.
أومأ بتفهم وسار بجوارها بقلب منكسر إلى الخارج وأشار لسيارته لمرافقتها إلى منزلها ولكنها رفضت بإصرار وغادرته بوجوم وجلست داخل إحدى السيارات تفكر بأمر تعبيرات وجهه الغريبة وردة فعله حين أتت على ذكر أمجد. وازداد وجومها وزفرت قائلة:
أنا لازم أفهم في إيه بالظبط بيدور من حواليا وِعرفاه؟
طلبت منار من السائق تغيير وجهته إلى أخرى بديلة. وبداخلها تعاظم توترها فَتلك زيارتها الأولى لمقر عمل أمجد الذي حذرها مرارًا من الاقتراب منه تحت أي ظرف. والآن هي لا تعلم كيف ستكون ردة فعله حين يراها أمامه ولكن مهما كانت استجابته عليها مواجهته ووضع حد لشكوكها.
صف السائق سيارته أمام بوابة المؤسسة الخارجية فَغادرتها منار باضطراب ووقفت للحظات يحثها عقلها على التراجع ولكنها التقطت أنفاسها بقوة وخطت إلى الداخل فَأوقفها أحد رجال الأمن فابتسمت بحرج وأردفت:
بعد أذنك كنت عايزة أقابل البشمهندس أمجد المُشير.
تفرس بها الحارس بجدية وسألها باحترام وعلى شفتيه ابتسامة ترحيب:
لو مافيش أي مواعيد سابقة يبقى حضرتك ممكن تدخلي للسكرتيرة بأول دور وهي هتقولك على التفاصيل.
أومأت منار بابتسامة مماثلة لخاصته وتبعت ارشاداته حتى توقفت أمام مكتب السكرتيرة وقرأت اسمها المدون باللوحة فوق سطح مكتبها وطلبت منها رؤيته. فَبادلتها سميرة الابتسامة باحترام وأردفت:
البشمهندس النهاردة عنده اجتماع وللأسف الجدول مزحوم جدًا ومش هيقدر يقابل أي حد بدون ميعاد سابق. فلو ممكن تسيبي بياناتك وأول ما المهندس جدوله يسمح بالمقابلة هنتصل ونبلغك بالميعاد.
بهتت ملامح منار وتساءلت عن أي اجتماع وجدول تتحدث وقد أخبرها أنه يعمل بمكتب يضم ضمن مئات المهندسين. فنظرت إلى وجه سميرة وعقبت بحرج:
أنا آسفة بس الظاهر إن حضرتك فهمتيني غلط. أنا أقصد المهندس أمجد المُشير هو بيشتغل هنا في المكتب الهندسي بس الظاهر اختطلـ...
قاطعتها سميرة بعبوس طفيف قائلة:
حضرتك المؤسسة مفيهاش إلا المهندس أمجد المُشير مدير المؤسسة ونسيب دكتور علام.
نزل القول على سمع منار وكأن سميرة أخبرتها نكتة هزلية فكادت تنفجر ضاحكة ولكن أمام جدية ملامح سميرة ازدردت لعابها وسألتها بصوت متلعثم وهي تدعو الله أن يخيب ظنونها:
هـ ـو البـ ـشـ ـمهـ ـندس متـ ـجوز بنت الدكتور علام؟
أكدت سميرة قولها بهزة طفيفة من رأسها وهي تشيح بوجهها عنها وتلتقط سماعة الهاتف تقول:
عم شعبان أعمل فنجان قهوة مظبوط للبشمهندس ووديه اوضة الاجتماعات قبل ما يبدأ اجتماعه.
ثم التقطت سماعة هاتف آخر بجوارها وضغطت بضع أزرار وأردفت:
أيوة يا بشمهندس الفريق على وصول وأنا بلغتهم إن حضرتك مش هتناقش معاهم أي بنود سبق وراجعتها معاهم زي ما أمرت وطلبت لك القهوة.
استمعت منار لصوت سميرة وكأنه يأتي من بعيد وغادرت المكتب بخطى ثقيلة تشعر وكأن أحدهم أنهال على رأسها وضربها بقوة فهي لم تعد تعرف من هي ولا ماذا تفعل هنا. وأثناء سيرها الشارد كادت تصطدم بساعي المكتب فاعتذرت منه بتيه واستكملت خطواتها ولكنها وقفت والتفتت نحوه فَرأته يقف أمام إحدى الغرف وَيلجها. وَكإنسان آلي حسمت منار قرارها وخطت باتجاه الغرفة نفسها وَولجتها وتقدمت بضع خطوات لمنتصفها وتجمدت خطاها حين لمحت رأسه يختفي بين الكثير من الأوراق وسمعته يأمر الساعي بِترك القهوة والانصراف.
بعد نحو الدقيقة رفع أمجد رأسه فَوقع بصره عليها فَشخص بها لا يصدق أنها خالفت أمره وجاءت. فَهب على قدميه مُزدردًا لعابه وطالع ملامحها اليابسة بصدمة وقبل أن ينبث أيًا منهم بكلمة اقتحمت ليان الغرفة وهي تناديه بصوتٍ مفعم بالسعادة ورأتها منار تتجاوزها وتحتضنه وتمطره بقبلاتها فكادت تمنعها من لمسه بصرخة مدوية احتبست بحلقها حين أجهزت ليان عليها بقولها:
مش هتصدق يا أمجد أنا لسه جاية من عند الدكتورة واول ما بشرتني بِالخبر جيت لك جري علشان نفرح سوا. حبيبي أخيرًا حلمنا اتحقق وهيبقى عندنا بيبي.
ودت منار لو تنشق الأرض وتبتلعها لتُرحم من مذلة الانكسار فنصب عينها زوجها وامرأة أخرى تقبله وتزف إليه نبأ حملها. ابتسمت بحزن لتتفاجأ بتحول ابتسامتها إلى ضحكة تعالت شيئًا فَشيء حتى دمعت عينيها وبات الأمر يهدد بحدوث كارثة.
التفتت ليان إلى الخلف حين جذب صوت ضحكتها انتباهها فحدقت بملامحها الغريبة وفحصتها بعينها بريبة وابتعدت عن أمجد الذي ازداد جموده ورجيف قلبه لرؤيته منار على وشك الأنهيار أمامه. لتنتشله من اضطرابه بِسؤالها الحائر المملوء بالغيرة وهي تتفحصه بملامح مقطبة:
مين دي يا أمجد؟
وقع سؤال ليان على سمع منار كالصفعة التي محت أثر ضحكتها من وجهها وتطلعت نحوه هي الآخرى بترقب تنتظر إجابته على أحر من الجمر. وتمنت بداخلها لو كان يملك قدرًا يسيرًا من الشجاعة ما يخوله لِيجيب سؤالها ولكن أكد ظنها بصمته فرمقته باحتقار وشمخت برأسها واقتربت منها ومدت يدها إليها وصافحتها قائلة:
المهندسة منار شُهدي. كنت فمقابلة مع البشمهندس بس للأسف عرض الشغل اللي قدمه مش مناسب وكنت لسه هبلغه برفضي وقت ما دخلتِ. وبعتذر على ضحكي أصل كان معايا مكالمة ومقدرتش أمنع نفسي من الضحك. عمومًا بكرر اعتذاري ولو تسمحي لي أقولك مبارك على البيبي. عن إذنك.
غادرتهم بثبات وما أن أغلقت باب الغرفة خلفها حتى أطلقت لساقيها الريح وأخذت تعدو وكأنها تهرب من حيوانٍ ضاري يريد الفتك بها. ولم تدر كم مضى عليها وهي تهرول فالطريق ولكنها انهارت فجأة وتوقفت حين نضبت قدرتها على التنفس وتلاشت قوتها وكادت تسقط أرضًا ولكنها تشبثت بالحاجز الفاصل بينها وبين النيل. فمالت بجذعها تحدق بصفحة الماء بعيون غائمة وأنفاس متلاحقة تتساءل لِما؟
بعد مرور بضعة ساعات خطت إلى داخل مسكنها يملائها الخواء ووقفت تحدق بعين والدها الذي هب عن مقعده. يشعر أن قلبه يوشك على التوقف وفحصها بنظراته بحثًا عن أي أثر لإعتداء او إصابة. فهي غائبة عن المنزل منذ ساعات وهاتفها مغلق. وكاد يسألها عن السبب إلا أنها أشاحت بعينيها بعيدًا هربًا منه لإحساسها بالخزي منه فيكف تواجهه وهي السبب وكامل المسؤولية يقع على كاهلها.
تجمدت لوهله حين اصطدمت عينيها بعينه فهزت رأسها يمينًا ويسارًا رفضًا لوجوده ورمقته بنفور وابتعدت واضعة بينهما مسافة فاصلة. فازداد غضبه لإحتقارها إياه وثار كبريائه فرفع حاجبه بتحد لِيخبرها بثقة مفرطة وعنجهية أنها لن تستطيع منعه عنها ولا التفوه بكلمة أمام والدها وزم شفتيه وخطى صوبها. ولم يدرك أمجد خطأ اقترابه منها إلا حين رفعت منار يدها وصدته عنها وحين أصر على اقترابه صرخت بقلب ملتاع وهرولت تحتمي بين ذراعي والدها بجسدٍ منتفض تتوسل إبعاده عنها.
تجمد أمجد وزاغت نظراته التي اكسبها صدمة مزيفة من فعلتها. فَرمقه شُهدي بنظراتٍ حادة وريبة وهو يشدد من احتضانه لها وسأله بصرامة:
أنت عملت فِبنتي إيه علشان توصل للحالة دي وترتعش بالمنظر دا؟
ازدرد أمجد لعابه ونفى فعله لشيء. حينها رفعت منار وجهها ونظرت لوالدها بقلبٍ منفطر وأردفت بانكسار:
لا عملت. وعملت اللي لا يمكن كنت أتخيل أنك تعمله. أنت خاين وغشاش ومعندكش ضمير وأنا من اللحظة دي مش عايزة أعرفك تاني.
صرخ بوجهها وقد استبد به غضبه:
جرى إيه يا منار؟ ما تحافظي على لسانك وتفوقي وتشوفي أنتِ بتتكلمي معايا أزاي؟
ابتعد منار عن دائرة أمانها ورمقته بكراهية وبادلته الصراخ قائلة:
أنا أكلمك بالطريقة اللي تعجبني وبأي أسلوب أشوفه مناسب لواحد سقط من نظري ومعدش له أي وجود فِحياتي. وأظن بعد التمثيلية اللي كنت بتخدعني بيها ما اتكشفت وخلصت وكلمة النهاية نزلت النهاردة. بلاش تبص لي وكأنك مصدوم ومش فاهم أنا بتكلم عن إيه؟
عقد شُهدي حاجبيه وسألها بحدة:
إيه يا منار؟ الأسلوب اللي بتتكلمي بيه دا يا بنتي وبعدين ما تفهميني تمثيلية إيه ونهاية إيه اللي بتتكلمي عنها؟ ما توضحي في إيه ولا أنتِ ناوية تسيبيني على عمايا؟
التفتت نحو والدها وأطرقت برأسها أمامه بأسف وأردفت:
أنا هقولك على كل حاجة يا بابا لإنه حقك وواجب عليا أحكي لك. بس الأول أنا ليا عندك طلب واحد أرجوك توافقني عليه. أنا عايزة حضرتك تديني فرصة واحدة واعتبرها المرة الأخيرة اللي هتسمح لي فيها أتكلم مع أمجد من الأساس. وبعدها هفهمك اللي حصل واللي عرفته وهسيب لك أنت وبس حق اتخاذ القرار بدون أي تدخل مني.
بادل شُهدي نظراته بين ملامح ابنته المحتقنة ووجه أمجد المضطرب. وللمرة الأولى يرى نظرة الانكسار تلك بعينيها فأدرك أن هناك أمرٌ ما خطير وقع بينهما. فهو لم يرها بتلك الحالة إلا مرات قلائل فنغزه قلبه. وكاد يرفض طلبها ولكنه استجاب وانصرف رُغمًا عنه لِعلمه أنها زوجة أمجد حتى اللحظة وأنه لا يستطيع منعها عنه ولا التدخل بينهما إلا إذا أرادت هي.
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل التاسع 9 - بقلم منى احمد
نظرت منار إليه، شبكت كفيها معًا، وشعرت بأنها تراه للمرة الأولى دون قناعه. ابتسمت بسخرية لغبائها، فقد سلمت له أمرها بالكامل وفكرت بعقله مرات ومرات، لتدرك الآن أنه لم يسع إلا لمصلحته. لذا، عليها أن تضع حدًا لكل عبثه.
"طلعت ممثل شاطر يا أمجد، وقدرت تخدع كل اللي حواليك بوش الشاب المكافح الطموح اللي بيسعى علشان يحقق ذاته ويبني نفسه بمجهوده. بصراحة أنا برفع القبعة علشان قدرت تحافظ على سرك ومحدش قدر يكشف خداعك. وعارف أنا لو كان حد جه قال إنك كذاب وخاين وأقسم إنك متجوز واحدة تانية ما كنتش هصدق، بس حظك يا أمجد إن أنا اللي شوفتك بعيني، زي ما يكون ربنا أراد إن يفوقني من غفلتي وتنكشف حقيقتك قصادي."
أثارت غضبه ببرود حديثها. اقترب منها وقبض على ساعدها.
"منار، الزمي أدبك معايا ومتنسيش إني جوزك يا هانم. وبعدين أنا عايز أعرف إيه اللي جابك المؤسسة من غير ما تستأذنيني؟ وإزاي أصلًا يا محترمة تسمحي لنفسك تخرجي مع راجل غريب؟ لعلمك أنا هحاسبك على كل غلطاتك دي، بس هأجل الحساب لحد ما تبقي في بيتـ..."
أنهت منار كلامها، سحبت ساعدها منه ودفعته عنها بقوة. وقفت تتطلع نحوه بصدمة لا تصدق تبجحه وجرأته. أشارت إليه بإصبعها.
"بيت مين يا أمجد اللي بتتكلم عنه؟ فوق، البيت دا خلاص معدش له وجود وعمر ما هيكون فيه بيت يجمعني بيك، ولا هيبقى في حساب من الأساس بينا بعد النهارده. علشان أنا ما عدتش عايزة أشوفك بعد اللي عرفته عنك، ولا حتى عايزة يكون لي أي صلة بيك. وبالنسبة لموضوع إنك جوزي والكلام الفاضي دا، فأنت هتطلقني، ودا آخر كلام ليك عندي."
أطاحت بطلباته الطلاق منه. كاد يصفعها لتجرؤه على طلب الطلاق منه، ولكنه تراجع. فهو لا يريد هدم كل سبلها كي لا يخسر. عاد إلى الاقتراب منها، يختلس النظر حوله.
"لو في حد فينا محتاج يفوق، فهو أنتِ يا منار. علشان أنا مش هطلقك مهما عملتي. ولعلمك، أنتِ لو نشفتي دماغك، أنا ساعتها هضطر أطلبك في بيت الطاعة علشان مش مستعد أخسرك."
لم تصدق إصراره المقيت بتمسكه بها وهو زوج لأخرى. ارتتمت فوق الأريكة بانهزام ونظرت نحوه بحسرة. قلبها أحبه وعاش يحلم طويلًا باللحظة التي ستكون له، ولكنه غدر بها وطعنها بخيانته. أمام نظراته المتحدية لها، أجابته بتأكيد.
"حتى لو طلبتني لبيت الطاعة، عمري ما هكون ليك ولا هشوفك راجل يملى عيني بعد ما بعتني بالرخيص. وصدقني، أنت لو عاندت فأنا كمان هعاند وهرفع عليك قضية خلع، ومش كده وبس. لا، أنا هروح لمراتك بنت الحسب والنسب اللي أكيد ضحكت عليها زي ما ضحكت عليا، وهكشفك على حقيقتك وهفضحك قصادها. وهقولها إن أمجد المشير الفارس المغوار مش أكتر من محتال لعب بيها وخدعها زي ما لعب بقلبي وبحياتي وكسرتني بدل المرة تلاتة. مرة لما هربت مني وأنا في أشد احتياجي لوجوده معايا. ومرة لما اتجوزت واحدة تانية وأنت معيشني في الوهم. ومرة لما روحت اتفقت مع المهندس أيمن وطلبت منه يرفض تصميمي علشان أمجد المشير بجلالة قدره ما ينفعش واحدة زي منار البنت الفقيرة اللي أبوها شغال بدل الشغلانة اتنين علشان يوفر لهم لقمة العيش، واللي له سنين مديون تنافسه وتبقى أحسن منه. مش دا السبب اللي عشانة روحت استخدمت أقذر الأساليب وكنت عايز تقتل طموحي وتسرق فرحتي في كل مرة أثبت نجاح فيها. للأسف يا أمجد، أنا اكتشفت متأخر جدًا إنك إنسان أناني ومغرور ومش بتحب إلا نفسك. وصدقني، مراتك صاحبة الأملاك لو عرفت كل دا عنك، ما أظنش إنها هتفضل باقية عليك، وأكيد هترحميك برا حياتها زي ما أنا هرميك."
ود لو يخرس لسانها عن الكلام، فهي تكشف عورة عيوبه رغم ضعفها. زفر وأمعن النظر إليها، فأخبرته عيناها أنها لن تهدأ حتى تنفذ وعدها. ولكن أكثر ما هاله كان انطفاء جذوة الحب الخاصة به التي كانت تلمع بعمق عينيها. أشاح بوجهه عنها وأردف باستسلام.
"تمام يا منار، أنا هعمل لك اللي أنتِ عايزاه. عن إذنك."
هم أمجد بالانصراف، ولكنه توقف حين ارتفع صوت شهدي الذي استمع إلى حديثهم.
"استنى عندك. وقبل ما تروح لحال سبيلك، ارمي على بنتي يمين الطلاق. علشان منار مش هتبات ليلة زيادة وهي على ذمتك. ولو على للمأذون، فأنا كلمته وزمانه على وصول. واطمن، بنتي هتبريك وهتتنازل عن أي حق ليها عندك. حتى شبكتك هسلمهالك هي وكل حاجة جبتها. الله الغني عن أي حاجة تيجي من طرفك. ولو على حق بنتي برقبتك، فربنا قادر وعادل. وبكرة يجبر خاطرها ويطيب كسرها وينسيها حتى اسمك."
جلست أمامه تحدق بعينه بثبات وقوة، ولم يرف لها جفن. تعلم أنه سيمضي بعيدًا عنها ويرحل، ولكنه سيخلف بقلبها جرحًا غائرًا تعلم أنه لن يندمل أبدًا. بلحظة، مر شريط حياتها برفقته أمامها، وأحست بيد باردة تنزع وجوده من داخل كل ذكرى جمعتهما معًا ذات يوم. فجأة، ساد المكان هدوءًا مريبًا. رفعت عينيها فأبصرت الشيخ يغلق دفتره ويغادر مستغفرًا، بينما تجمد أمجد بمكانه بوجوم. وقبل أن تشيح وجهها بعيدًا، تلاقت أعينهما. وبثوانٍ، وجدته يجثو أمامها ويتطلع بملامحها بحزن. ولم تدر كيف السبيل لتمنع دموعها من الانهمار أمامه، فتلك هي نهاية قصتهما ولحظة وداعهم الأخيرة. ومن مكانه تابعهم شهدي، فتسلل بعدما أدرك أن لا خوف على ابنته من الآن فصاعدًا. ظل الصمت يغلفهم لدقائق، قطعها أمجد بقوله.
"أنا لو لفيت الدنيا، مستحيل ألاقي قلب زي قلبك. للأسف بغبائي خسرتك ومعرفتش أحافظ عليكِ. منار، أنا عمري ما كذبت عليكِ لما قلت لك إني بحبك وهفضل أحبك لآخر نفس جوايا. أنا عارف إنك مش مصدقاني وفاكرة إني بمثل عليكِ، بس صدقيني، الراجل اللي قاعد تحت رجلك هو أمجد حبيبك اللي ما كانش يتخيل إن هيجي عليه اليوم وتضيعي منه."
تحشرج صوت أمجد وهو يخبرها كم أحبها. فكتمت منار أنفاسها لرؤيتها دموعه تسيل فوق وجنتيه. وودت الهرب، ولكنه التقط يدها قائلًا.
"أنا ضعفت، وشيطاني عماني وخلاني مش شايف إلا نفسي، وافتكرت إن طالما بتحبيني أبقى ضمنتك. ومش هنكر إني فعلًا حسيت بالغيرة منك، بس في نفس الوقت كنت خايف عليكِ. خوفت أحسن يكون في حد شبهي ويضايقك، علشان كده اتصرفت وبدأت أضيع منك أي فرصة تجيلك."
ترك أمجد يدها ووقف أمامها واستطرد قائلًا.
"أنا همشي زي ما أنتِ عايزة وهختفي، بس مش خوف منك ومن تهديدك إنك تفضحيني. لا، أنا همشي لأني مش قادر أشوف نفسي صغير في عينك أكتر من كده."
غادر. فأسرع والدها وضمها بقوة لتنهار منار بين ذراعيه تنتحب حبها المسلوب وجرحها الغائر. فمد شهدي يده ورفع وجهها نحوه وأردف.
"عارف إني مينفعش أتكلم وأنتِ بالحالة دي، لكن حقك عليا يجبرني أقولك إن اللي اتبنى بينكم على الغلط كان لازم يتهد. وأحمدي ربنا إن قصتك أنتِ وأمجد انتهت قبل ما خسارتكم تكون أكبر."
تعلم أنه على حق. فقد خانت ثقته، ولكنها رغم ذلك تشعر بألم فاق تحملها. فأغمضت عينيها وأسندت رأسها فوق صدر والدها. فرّبت شهدي ظهرها برفق مضيفًا.
"كل شيء في أوله صعب. ومن رحمة ربنا إنه أنعم علينا بالنسيان. وواحدة واحدة الأيام هتداوي جرحك وهتلاقي وجعك قل صحيح، بس هيسيب أثر. فأتمنى أن الأثر دا يخليكِ تاخدي بالك بعد كده علشان متقعيش بنفس الغلط وتعيدي نفس المأساة والمعاناة."
لم يستطع أمجد العودة إلى منزله. وقاد سيارته حتى صفها بأبعد نقطة فوق قمة المقطم. وأسند رأسه بانهزام فوق مقود سيارته، يفكر بخسارته الفادحة لمنار، والتي لن تعوضها أي فتاة أخرى، حتى ليان. فهو شكلها طويلًا على يده وزرع خصاله بداخلها وأطلعها على طباعه، حتى بدت في نهاية الأمر بالصورة التي تمناها دائمًا. والآن، ضاعت من يده ولا فرصة أمامه ليستعيدها مجددًا. فمن المؤكد أن والدها سيحيطها بدرع حمايته ليمنعه عنها. زفر أمجد ورفع رأسه وتطلع حوله، وتذكر نظرتها حين علمت بحمل زوجته. كم ود بتلك اللحظة أن ينفصل بها عن العالم، ويضع كفيه على كتفيها ويهزها بقوة لتمردها على أمره واقتحامها مكتبه دون إذن. ولكنه خشى أن تسأله ليان وتصر على معرفة صفتها بحياته. حينها، كان سيخسر. على الرغم من تأكده أن زواجه بليان لم يكن إلا رغبة مؤقتة فاز بها بالنفوذ الذي طالما رأى أنه حقه وناله بصفقته مع والدها، وأن ما جمعه بها هو الواجب الزوجي وليس الحب. إلا أنه لا يقدر على ضياعها منه أو خسارتها أبدًا.
فجأة، تبدلت مشاعره وغامت عينه وتفجر غضبه وحنقه عليها. فضرب مقود سيارته بقوة وصرخ بغضب.
"هرجعك وهدفعك تمن رفضك ليا غالي يا منار، علشان مش أمجد المشير اللي تتكلمي معاه ببجاحة وصوت عالي وتطلبي منه الطلاق. وأنتِ المفروض تبوسي إيدك وش وضهر أنه اختارك وحبك ودخلك حياته. والله ونسيت أصلك يا بنت شهدي ووقفتي قصادي تتهدديني. لا وعايزة تحطي راسك براسي وتتساوى معايا في النجاح. وماله يا منار، مش اتطلقتي وخرجتيني برا حياتك غصب عني؟ يبقى استحملي مني أي حاجة بقى."
عاد أمجد إلى منزله غاضبًا بعد شروق الشمس، يطبق عليه سخطه من كل صوب. وحين ولج غرفته، رأى ليان تجلس فوق فراشه بعيون دامعة. فزفر بضيق واتجه صوب خزانة ثيابه والتقط منها بنطالًا وأسرع إلى المرحاض بوجه مكفهر. وبعد قليل، غادر وقد تبدلت ملامحه كليًا، فبدا وكأن هناك من تلبسه. ونظر إلى ملامحها الحزينة واقترب منها وجلس بجوارها والتقط يدها ورفعها صوب شفتيه وقبلها، ومد الأخرى إلى ذقنها وأدار وجهها نحوه وأردف.
"عارف إنك زعلانة مني علشان كان المفروض آجي من بدري ونحتفل سوا بالبيبي اللي ربنا أكرمنا بيه. بس غصب عني يا ليان، أنا..."
تعمد أمجد بتر حديثه والابتعاد عنها ونكس رأسه وولاها ظهره. فتطلعت ليان نحوه بخوف. وحين رأت اهتزاز جسده، هرولت ووقفت أمامه وأحاطت وجهه بكفيها وسألته بقلق.
"مالك يا أمجد؟ إيه اللي حصل ووصلك للحالة دي؟ حبيبي، أرجوك بلاش تخوفني عليك. أنا أول مرة أشوفك زعلان للدرجة دي."
مد أمجد يده وأدناها منه وضمه بامتلاك قائلًا.
"بعد ما مشيتي، واحد صاحبي من منطقة سكني القديمة اتصل وبلغني إن في واحد زميلنا اتوفى. بصراحة أنا كنت فاكره عامل مقلب فيا، لكن لما اتأكدت من الخبر، مكنتش مصدق. فأخدت بعضي ومشيت ومردتش أتكلم معاكِ علشان مأكسرش فرحتك. بعد العزا، قعدت شوية مع والده ووالدته، وبسبب الحالة اللي شوفتهم عليها، مقدرتش أرجع على البيت وفضلت ألف في الشارع لحد ما حسيت إن نفسيتي هديت من الخنقة اللي كنت فيها. أنا عارف إن ملكيش ذنب أكسر فرحتك بابننا، بس صاحبي دا كان له معزة كبيرة عندي، ولحد اللحظة مش متخيل إني خسرته."
ربتت ليان وجنته ومسحت بأصابعها فوق شعره وأردفت.
"ادعي له يا أمجد، واعمل له صدقة جارية باسمه. دي أفضل حاجة تعملها لصاحبك علشان يعرف إنه ساب وراه الصاحب الصالح."
التقط أمجد يدها وقبلها وأومأ لها قائلًا.
"أنا مش عارف من غيرك يا ليان كان هيحصل إيه. حقيقي أنتِ ونعم الزوجة الصالحة اللي ربنا أكرمني بيها. المهم، أنا عارف إن دمي تقيل شوية، بس صدقيني هحاول أعوضك عن القلق والخوف اللي اتسببت لك فيهم. بس قصاد كده، عايزك في أي زيارة للدكتورة تخديني معاكِ علشان أشوف ابني وأسمع دقات قلبه وأطمن عليكِ من الدكتورة. وإن شاء الله لما الدكتورة تأكد لي إن ما فيش أي ضرر عليكِ من السفر، هاخدك ونسافر أي مكان أنسيكِ فيه أي حاجة عملتها بقصد أو بدون قصد وزعلتك مني."
عانقته بسعادة وقبلت وجنته واستكانت لبعض الوقت بين ذراعيه، ولكنها ابتعدت عنه فجأة ونظرت إليه وسألته بغيرة.
"إلا البنت اللي اسمها منار ورفضت تشتغل في المؤسسة، ملحظتش إن تصرفها كان غريب؟ يعني واحدة جاية علشان مقابلة شغل، المفروض إنها تكون ملتزمة أكتر من كده، ولا أنت إيه رأيك؟"
حاول أمجد تمالك أعصابه، فهو نسى تمامًا أمر رؤيتها لمنار. فمط شفتيه وأردف.
"مش عارف بصراحة. أساسًا أنا بعد ما سألتها عن كام حاجة حسيت إنها مش مظبوطة. حركتها مريبة ونظراتها مريحتنيش، ففكرت إني لو رفضت إنها تشتغل ممكن تستغل الرفض وتطلع تتكلم عن المؤسسة. علشان كده قدمت لها عرض تافه رفضته، وبصراحة أنا استغربت إنها كانت لسه موجودة في المكتب، ولولا إنها مشيت كنت هطردها."
زمت لينا شفتيها ولوحت بإصبعها أمام وجهه وأردفت.
"عمومًا، بعد كده لما تيجي واحدة تقدم على شغل، ارفض أو خلي أي حد تاني يعمل الانترفيو مكانك، علشان أنا بغير عليك ومش حابة إنك تتعامل مع أي واحدة."
قبض على إصبعها وقبله قائلًا.
"وأنا تحت أمرك يا حبيبتي. ولو تحبي، أنا ممكن أمشي أي موظفة في المؤسسة وأجيب مكانهم رجالة، علشان مراتي حبيبتي تبقى مطمنة."
وضعت ليان رأسها فوق صدره وأردفت.
"لا يا حبيبي، أنا بهزر معاك. أنا صحيح بغير عليك، لكن ثقتي فيك ملهاش حدود."
---
لم تدر منار إن كانت ستتجاوز محنتها أم لا؟ ولكن ما تدركه أنها تشعر بالألم يزداد يومًا بعد يوم. وكيف لا، وهي تراه الآن بكثرة وكأنه يتعمد أن تتقاطع سبلهما معًا؟ تمنت لو يبتعد ويعطي قلبها الفرصة ليبرأ جرحه، ولكن هيهات. فالأمر بات وكأنه يطاردها من مكان لمكان. تارة تراه بجامعتها، وتارة بعملها، حتى أيقنت أن وجوده بات لعنة تلازمها ولا تترك لها الفرصة لتنساه.
عادت منار منهكة القوى تبحث عن ملاذ لها. فولجت غرفتها واندست بين ثنايا غطاء فراشها وأخفت به وجهها وأطلقت لدموعها العنان. فاليوم رأته كما اعتادت، ولكنه كان بصحبة زوجته يعاملها بحنان لم تره منه من قبل، ويدللها ويلمسها وكأنها من بلور يخشى عليها من الكسر. ازدادت دموع حسرتها، فهو لم يترفق بقلبها ومزقه دون رحمة ولم يأبه به.
وأمام فراشها، وقفت رنا تحدق بجسدها المهتز بحزن. واستدارت عنها واتجهت صوب شقيقتها وزفرت بضيق قائلة.
"هو إحنا هنفضل ساكتين وسيبين منار في الحالة اللي هي فيها دي؟ أنا مش عارفة هي هتفضل تعيط وتتعذب لحد إمتى. دي بقت بتيجي كل يوم من الكلية وتدخل سريرها تستخبى تحت الغطا وتعيط."
ربتت هالة كتفها برفق وأردفت.
"الموضوع مش سهل عليها يا رنا، وأختك محتاجة لوقت علشان تنسى. وللأسف إحنا ما فيش في إيدنا أي حاجة نعملها غير إننا ندعي لها إن ربنا يهون عليها ويخفف عنها وجعها."
عقدت رنا ما بين حاجبيها وأردفت بحدة.
"يعني هي تتألم وتتوجع هنا وأمجد عايش حياته ولا على باله؟ عارفة أنا ساعات بفكر أروح أقول لمراته على اللي عمله في منار علشان يدوق الوجع زيها لما تسيبه."
تجهم وجه هالة وقبضت على كتف شقيقتها بحزم وأردفت.
"إياكِ يا رنا تفكري في حاجة زي كده. وأوعي تستسلمي للشيطان وتفتكري إنك لما تكشفيه ويطلق مراته إنك بكده رديتِ حق منار. لا يا رنا، أنتِ كده هتبقي وجعتي مراته، وبدل ما أختك بس اللي بتتعذب، هتبقى مراته كمان. وبعدين متنسيش إن منار قالت إنها حامل، يعني كلام زي دا ممكن يأثر فيها، ووقتها هيبقى ذنبها وذنب البيبي رقبتك."
احمر وجه رنا خجلًا وخفضت رأسها قائلة.
"أستغفر الله العظيم. أنا مش عارفة إزاي فكرت كده. ربنا يسامحني. بس أنا ما كانش في دماغي أي حاجة من دي وكنت فاكرة إن هو بس اللي هيتوجع."
هزت هالة رأسها بالنفي وأردفت.
"لا يا رنا، لو على أمجد فهو مش هيتوجع مهما عملنا، علشان هو مرتب نفسه لكل حاجة، وإلا ما كانش قدر يخدع منار ويخدعنا كلنا طول الوقت دا. ولو على مراته فهي ملهاش ذنب وحرام نأذيها. عمومًا، أنا زي ما قلت لك، ادعي لأختك، وإن شاء الله ربنا هيخفف عنها ويعوضها عنه بالأفضل."
أطرقت رنا برأسها أرضًا وحاولت أن تبعد عن عقلها أمر أمجد. وزفرت بخوف وعينها تختلس النظر إلى شقيقتها بعجز.
ولم تدرك هالة ورنا في تلك اللحظة أن القدر كان له ترتيبه الخاص للأطراف كلهم. فلا شيء يترك للصدفة ولا لعبث الأشخاص. فلِكلِ أمرٍ مهما استصغره المرء ثمنًا عليه سداده مهما طال أو قصر الزمن، خاصة حين يمس القوارير الذي أوصى النبي عليه الصلاة والسلام برعايتهن بقوله "استوصوا بالنساء خيرا".
وحاشى لله أن يظلم أحدًا أو يترك أمرًا مظلمة دون عاقبة. ومن يظن نفسه سينجو دون حساب، فعليه مراجعة نفسه. حتى وإن أمهله الله الوقت سنوات وسنوات، فإنه يُمهله الفرصة ولكنه لا يُهمل أبدًا.
بعد مرور شهر على طلاق أمجد لمنار وتعمده الظهور بكل مكان هي فيه، أرسل أحدهم وعقد صفقة عمل بينه وبين شركة سامر. وها هو بات على موعد جديد معها ليزكي نيران عذابها. فرؤيته شحوب وجهها وضعفها يزيده نشوة، وعليه زيادة معاناتها لِتدرك ما خسرته.
خطى أمجد في اليوم التالي بثقة نحو شركة سامر، يُمني نفسه بسداده ضربة أخرى إليها، بينما داخل مكتب سامر، جلست منار توضح أهم نقاط تصميمها الأخير. في حين أنصت إليها سامر، ولكنه صب كامل اهتمامه ونظراته عليها وتفحصها بعينه يتمنى لو تخبره سبب انطفائها المفاجئ. انتبه سامر بعد مرور دقيقة كاملة لسؤالها إياه عن رأيه بما أخبرته بشأن تصميمها، فازدرد لعابه بحرج وأردف.
"التصميم روعة، وبصراحة أنا بتمنى إنك تمضي عقد وتبقي من ضمن فريق الشركة الهندسي."
حدقت به منار بشيء من التيه في بادئ الأمر. وحين تفهمت عرضه، أدركت أنها بعملها بشركته ستكون عرضة بشكل أكبر لمصادفة أمجد، وهو الشيء الذي باتت تبغضه وتكرهه وتتمنى ألا يقع بصرها عليه مجددًا. فزفرت بأسف وهزت رأسها مردفة.
"أنا حقيقي مش عارفة أقول لحضرتك إيه؟ بس أصل أنا كنت جاية النهاردة علشان أقدم لك التصميم وأبلغك إني مش هقدر أعمل أي تصاميم تانية الفترة الجاية علشان محتاجة أركز في دراستي بشكل أكبر."
باغتته بقولها وبهتت ملامحه وهو ينظر إليها. وأدرك من تهربها من مواجهة نظراته بأن الأمر أكبر من احتياجها للتركيز. فزم شفتيه وترك مقعده وسألها بقلق.
"منار، هو أنا ينفع أسألك سؤال شخصي وتجاوبيني بصراحة؟"
ارتجفت من نظراته وتراجعت هربًا وهزت رأسها بالرفض. ولكنه لم يقبل رفضها واقترب منها قائلًا.
"مين السبب في الحالة اللي بقيتي فيها دي؟"
استدارت عنه ورفضت إجابته وهمت بمغادرة مكتبه. فسارع سامر واعترض طريقها مردفًا.
"أمجد السبب في الحالة دي، مش كده؟"
تصلبت ملامحها وهي تبادله النظر وزفرت بقوة قائلة.
"لو سمحت يا بشمهندس، سيبني أمشي ويا ريت بعد كده تخلي كلامنا في حدود الشغل وبس، عن إذنك."
تجاوزته لتغادر. وليتها لم تفعل، فما أن مست يدها مقبض الباب حتى دُفعت بغتة إلى الخلف وقد اختل توازنها. فسارع سامر بإسنادها في اللحظة نفسها التي ولج فيها أمجد. فوقف يبادل نظره بين ملامحها الباهتة وبين ساعد سامر الملامسة لخصرها. حينها تمنت منار لو تنشق الأرض وتبتلعها. في حين رفع سامر يده عنها معتذرًا، بينما ارتسم الجمود على ملامح أمجد الذي عقد ساعديه مردفًا.
"ممكن أفهم إيه اللي بيحصل في المكتب بينك وبينه يا الأستاذة؟"
أثار سؤاله غضبها. فرفعت وجهها ونظرت نحوه بكراهية، بينما تابع سامر ملامحها وتعجب لنظراتها النافرة وهم بإجابته ليمنعه صوت منار الحانق بقولها.
"اسمي البشمهندسة منار، مش الأستاذة، واللي بيحصل هنا ميخصكش يا بشمهندس. فيا ريت تلتزم بحدود اللي يخصك وبس."
صفعته بإجابتها واستدارت عنه بإهمال ونظرت إلى سامر الذي ازداد فضولًا ورغبة لمعرفة ما حدث بينهما. ليتفاجأ بها تخبره.
"أنا مضطرة أمشي يا بشمهندس. وبالنسبة لعرض الشغل، أوعدك إني هفكر فيه بجدية بعد ما استشير والدي وهرد عليك في أقرب وقت. وبعدين حضرتك لازم تكون واثق إن ما فيش حد عاقل يقدر يرفض عرض مميز زي اللي حضرتك قدمته."
مرت من جواره ورمقته باشمئزاز. لم يتحمل أمجد اهمالها إياه ولا تقبل إهانتها له. فمد يده وقبض على ساعدها متناسيًا وجود سامر. انتفضت منار لجرأته ونفضت يده بغضبٍ ودفعته عنها ولوحت بإصبعها أمام وجهه تنهره بقولها.
"ألزم حدك يا أمجد وأبعد عني. وصدقني لو اتكرر اللي عملته دا، أنا هقل منك جامد. وأظن أنك مش هتقبل إن منار شهدي تعلم عليك تاني."
ألقت كلمتها الأخيرة بتهكم واضح وغادرت مسرعة. وخلفت ورائها رجلًا كاد يفتك بها من شدة غضبه. وآخر حاول كبح سعادته كي لا يلحظه غريمه وحاول أن يشتت انتباه أمجد. ولكنه تفاجأ به يسرع بمغادرة مكتبه بوجه ينذر بحلول كارثة. لم يتمهل سامر أو يفكر بعقابه قراره، ولكنه لبى نداء قلبه وتبع حدس عقله وغادر متتبعًا خطوات أمجد. الذي عمى الانتقام قلبه وغيب عقله. وزفر بارتياح حين فشل أمجد في اللحاق بها. ولكن ما زاد سامر قلقًا واسترعى انتباهه رؤيته أيمن يطرق نافذة سيارة أمجد قبل انطلاقه وحديثه معه بوجه متجهم. فتوارى سامر عن النظر وأدرك سبب رفض أيمن لتصميم منار. لذا قرر ملاحقة أمجد ومواجهته.
رواية لم يبقى انا الا الوداع الفصل العاشر 10 - بقلم منى احمد
ولجت منار إلى منزلها بجسد منتفض ووجه شاحب. استندت إلى باب مسكنها مغمضة العين، لا تصدق رؤيتها لتلك الكراهية بعينه، بل وأحستها منه. جعلها ذلك حتى اللحظة تتساءل من منهما الضحية ومن الجلاد، كي ينظر إليها وكأنها هي من قامت بخيانته وليس العكس.
لم تنتبه منار في خضم خوفها للأعين التي حدقت بها بقلق. فتحت عينيها فجأة بعدما أحست بأن هناك من ينظر إليها، لتتفاجأ بشقيقتها عفاف تجلس وبجوارها أخوتها. كان أوان إخفاء ذعرها قد فات، حين هبوا على أقدامهم وسارعوا إليها، خاطفين إياها بين أذرعهم ليشكلوا حولها درعًا أذهب روعها عنها وجعل أنفاسها تهدأ ودموعها تتريث.
تلاقت عينا منار بعين عفاف لوهلة. أحست بعين والدتها تتفحصها، فارتمت بين ذراعيها تنشد اشتمام رائحتها فيها. أغمضت عينها وسردت بصوت ممزق ما حدث لها وما مرت به على سمعهم جميعًا.
بالخارج، وقف شهدي بأنفاس ثائرة ينصت إلى لوعة ابنته وهي تخبرهم بمكنون صدرها. أطرق لثوانٍ، استدار بعدها وغادر، وقد عزم على حماية ابنته مهما كلفه الأمر.
وقف شهدي أمام مؤسسة علام يحدق بالبناية بوجه متجهم. تقدم نحو رجل الأمن وأردف:
"لو سمحت أنا عايز أقابل المهندس أمجد المشير أو صاحب الشركة الدكتور علام."
ابتسم الرجل بمودة وأجابه:
"والله يا أستاذ للأسف المهندس أمجد مش موجود النهاردة والدكتور ملوش أي مواعيد. عمومًا، حضرتك ممكن تدخل مكتب السكرتارية وهما يحددوا لك ميعاد."
ازداد تجهم شهدي واتبع الإرشادات. استقبلته سميرة بابتسامة هادئة واستمعت إلى سؤاله وأجابته بهدوء:
"لو حضرتك عايز تقابل المهندس أمجد، فهو هيكون موجود على الساعة خمسة. بالنسبة للدكتور علام، فحضرتك ممكن تسيب كامل بياناتك وهنبعت للدكتور وهو اللي هيحدد الميعاد بنفسه وهنبلغك."
رفع شهدي عينه وتطلع إلى ساعة الحائط أمامه وزفر بضيق. ما زال الوقت مبكرًا على عودة أمجد، وليس بيده شيء يفعله غير الانتظار. فأومأ لها وجلس خارج مكتبها عازمًا على مقابلته.
ما أن أوقف أمجد سيارته أمام بوابة المؤسسة الرئيسية، حتى أوقف سامر هو الآخر سيارته بمواجهته وغادرها بوجه مكفهر واتجه صوبه. فزم أمجد شفتيه وأشار إليه برأسه ليتبعه.
وما كاد أمجد يخطو نحو مكتبه حتى لمح شهدي يجلس خارج مكتب السكرتارية. فعقد ما بين حاجبيه وكاد يتراجع لمعرفته سبب وجود شهدي، فمن المؤكد أنه جاء لمواجهته ومنعه من ملاحقة ابنته. ليقطع سامر عليه طريق العودة في اللحظة نفسها التي رآه شهدي فيها. فوقف بوجه عابس ينذر بالشر واتجه نحوه وواجهه قائلًا بحدة:
"تحب نتكلم هنا يا بشمهندس ونخلي اللي ما يشتري يتفرج، ولا نتكلم برا أحسن؟"
تلفت أمجد حوله بقلق وأشار لشهدي بمرافقته إلى الخارج ليمنعه من فضحه. وتاه عنه وجود سامر، الذي لم يشأ تفويت الفرصة بعدما نبأه حدسه أن ذلك الرجل على صلة وثيقة بمنار.
بالخارج، وقف شهدي بملامح قدت من حجر يرمقه بنفور. لعلمه أنه لن يردعه عن ابنته إلا الخوف، الخوف من خسارة ما جمعه. فزفر شهدي مستجمعًا قواه وبادره بقوله:
"بص يا ابني، أنا طول عمري بعاملك بما يرضي الله وكنت بعتبرك زي أحمد ابني. وفتحت لك بيتي وأمنتك على بناتي وكنت فاكرك هتصون العشرة والمعروف اللي بينا، لكن أنت لفيت من ورا ضهري وشاغلت بنتي ووقعتها في حبك. ورغم كده سامحتك وأديتك فرصة تانية تثبت لي فيها حسن نواياك ووافقت تخطب منار وتكتب كتابك عليها وقلت أنك أكيد راجل زي والدك الله يرحمه وهتحافظ عليها. لكن عرفت معاك إن القول حاجة والفعل حاجة تانية، علشان القول للي شبهك بتوع مصلحتهم، إنما الفعل للرجالة اللي أنت بعيد عنهم ولا تمت لهم بصلة."
زفر أمجد بحدة ورمقه شذرًا. فرفع شهدي حاجبه بتحدي واستطرد قائلًا:
"على فكرة أنا مش هخاف من نظرة الغضب دي ولا من المركز اللي وصلت له بالدحلبة والضحك على الدقون، ولا كمان يفرق معايا العنجهية الكدابة اللي محاوط بيها نفسك. أنا جايلك راجل لراجل يا ابن المشير وخلاصة قولي ليك أنك لو مشلتش منار من دماغك وسيبتها فحالها وبعدت عنها، أنا هخليك تخسر الهيلمان اللي أنت عايش فيه وهعمل اللي بناتي استحرموا أنهم يعملوه فيك، وهروح لحد بيتك وهفضحك قصاد حماك الدكتور ومراتك. ومش كده وبس، لا دا أنا هفضحك فكل مكان، حتى الجامعة وعلى النت، وهخلي أصغر عيل يبص لك باستحقار. فاتقي شر الحليم إذا غضب يا أمجد وأبعد عن طريقي بنتي علشان مترجعش تندم، وأحمد ربنا أني سيبتك تروح لحال سبيلك من غير ما أحاسبك على اللي عملته فبنتي ووجعك ليها وقهرتها وكسرة قلبها."
أنهى شهدي قوله واستدار مغادرًا. وتابعه أمجد بعيون قاتمة وهو يلعنه. واشاح بوجهه أخيرًا ليصدمه وقوف سامر على مقربة منه يحدجه باشمئزاز. وقبل أن ينبس بكلمة غادره مسرعًا بخطواته حتى لحق بشهدي وسار بجواره. فالتفت شهدي نحوه ونظر إليه بحيرة. فابتسم سامر ومد يده نحوه وصافحه قائلًا:
"سامر عثمان، مدير الشركة اللي بنت حضرتك بتشتغل فيها. كنت حابب أتكلم مع حضرتك فموضوع مهم، فإيه رأيك لو نقعد فأي كافيه ونشرب القهوة سوا؟"
"وما ربك بغافل عما تعملون."
ليته أدرك معناها وتدبره، ولكنه طغى وافترى. فما أن ولج أمجد مكتبه حتى التقط هاتفه وضغط بضعة أزرار. وحين أجابه الطرف الآخر بادره بقوله:
"عايزك تطرد شهدي أبو منار من المصنع وتبلغ المعلم شكران يستغنى عن خدماته، وتجمع كل الديانة اللي شهدي مديون لهم وتقولهم أني عايز أقابلهم ضروري."
أنهى أمجد محادثته وارتمى فوق مقعد مكتبه وأردف بكراهية:
"وماله، أما نشوف هتاكل أنت وعيالك منين يا عم شهدي. وأبقى وريني هتعمل إيه لما يقبضوا عليك بسبب إيصالات الأمانة اللي عليك."
وعلى الجانب الآخر، جلس حمدان يحدق بهاتفه يحاول استيعاب كلمات أمجد. فهو حين لجأ إليه عدة مرات لم يخطر بباله أنه سيطلب منه طرد شهدي نظير مساعدته له. فهب على قدميه وسار نحو بوابة المدبغة. فاستقبله شكران بالترحاب، ولكنه ما أن وقع بصره عليه حتى سأله باهتمام عما أصابه. فجذبه حمدان بعيدًا عن السمع وقص عليه كل شيء.
توالت الأيام ثقيلة على شهدي. حتى مر أسبوع وهو يبحث عن عمل من مكان لمكان، فبائت كل محاولاته بالفشل. فعاد يجر أذيال الخيبة إلى منزله. بينما اتسعت ابتسامة أمجد ومراقبه يصف له المشهد. فأمر بملازمة شهدي كظله وأنهى الاتصال وسمح لسكرتيرة مكتبه بإدخال الرجال واستقبلهم بكبر وجلس أمامهم متفاخرًا بنفسه. وبادرهم بعرضه فتبادلوا النظرات بحيرة. حتى قطع أحدهم الصمت بقوله:
"يعني حضرتك عايز تدفع كل ديون شهدي ونسلمك إيصالات الأمانة؟"
أومأ أمجد تأكيدًا. فزوى الرجل حاجبيه قائلًا:
"معلش يا بشمهندس، بس أنا عندي فضول أعرف أنت هتستفاد إيه لما تدفع فلوس معدومة؟"
لمعت عين أمجد بشماتة وأجابه بإيجاز:
"هستفاد كتير. المهم أنا مستني أسمع ردكم، موافقين تسلموني إيصالات الأمانة وتاخدوا فلوسكم ولا لأ؟"
فجأة وبدون مقدمات، ولج ضياء الغرفة وجال بعينه بين الحضور. حتى حط بصره على أمجد الذي هب على قدميه واتجه صوبه مرحبًا. فازاحه ضياء بإهمال وتجاوزه متخذًا مكانه على رأس الطاولة. فازدرد أمجد لعابه لتصرفه الغريب واستدار مواجهًا الحضور وأردف بتردد:
"زي ما قلت لكم، أنا هستنى ردكم ولو وافقتم هبعت لكم الفلـ..."
ابتلع أمجد باقي كلمته حين فاجأه ضياء بقوله:
"ومين قالك إن في حد من الرجالة ممكن يوافق على عرضك يا بشمهندس؟"
اضطربت ملامحه وزاغ بصره بين ملامح ضياء القاتمة ونظرات الأسف من ضيوفه. فردد بتلعثم:
"مـ ـش فـ ـافـ ـهـ ـم حـ حضرتك تقصد إيه؟"
ضغط ضياء زرًا جانبيًا والتفت نحو الباب. فاستدار أمجد بتوجس فصدمته رؤيته لشُهدي يلج إلى الداخل ويتبعه مراقبه. فتراجع بحيرة وأردف بحدة:
"أنت إيه اللي جابك هنا؟"
هز شهدي رأسه بأسف واتجه صوب ضياء وصافحه قائلًا:
"أنا مش عارف أشكر حضرتك إزاي على معروفك معايا أنا..."
منعه ضياء من إكمال قوله، رابتًا كتفه برفق ومردفًا:
"متقولش حاجة يا راجل يا طيب، وبعدين أنا معملتش أي حاجة. والفضل بعد ربنا يرجع للمعلم حمدان اللي ربنا بعته ليا نجدة من السما علشان يفتح عيني على حقيقة البني آدم دا."
شحب وجه أمجد ما أن أنهى ضياء قوله وأدرك أنه انكشف أمامه وخسر كل شيء ولم يعد له مكان. وتابع مغادرة الرجال واحدًا تلو الآخر بقلق، في اللحظة نفسها التي اتجه ضياء نحوه ووقف بمواجهته مردفًا:
"أنا مش عايز أعرف أنت ليه عملت كده. أنا بس عايز أعرف ليان بنتي ذنبها إيه علشان تخدعها وتغشها وتكسرها بالشكل دا. بنتي عملت لك إيه وحش علشان يكون جزائها الغدر."
أطرق ضياء رأسه بحزن. فاتجه شهدي نحوه وأردف:
"لا بنتي ولا بنتك كان ليهم ذنب، والذنب ذنب طمعه اللي خلاه يفتكر أنه يقدر ياخد كل حاجة من الدنيا. فقرر ياخد المال والجاه والنفوذ لما يتجوز بنتك وياخد القناعة والزوجة اللي تسهر على راحته لما يتجوز بنتي."
رفع ضياء رأسه ونظر إليه وأردف:
"أنا لحد دلوقتي مش قادر أواجه ليان بالحقيقة وسيبها عايشة معاه على عماها. ومش عارف لو عرفت أني أنا اللي بعتها للبني آدم الخسيس دا هتعمل إيه. أنا مرعوب يا حج شهدي وخايف عليها ليحصل لها حاجة، بنتي على قد ما تبان قوية وصريحة وبتوصل لهدفها، على قد ما هي حساسة وهشة وبتنكسر من أقل حاجة."
أحس شهدي بالعجز أمام ضياء، فقد هزمته دموعه وكربه. بينما لزم أمجد مكانه لا يدري لِما يقف هكذا دون حراك، وكأنه كائن بلا حول أو قوة. ليصدمه ضياء بقوله:
"للأسف أنا مش بأيدي أي حاجة أعملها فالوقت الحالي ومجبر أسكت ومتكلمش واتحمل وجود البني آدم دا علشان خاطر ليان اللي لو عرفت الحقيقة ممكن يجرى لها حاجة، خصوصًا بعد ما الدكتورة كلمتني وقالت إن حملها حرج وأي انفعال خطر عليها."
حاول أمجد الذي استمع إلى كلمات ضياء استمالته، ولكنه صد محاولته هادرًا به بغضب:
"أنت تخرس وإياك تفتكر إنك بتلوي دراعي بتعب بنتي ولا ماسك عليا ذلة ولا تقول ف نفسك أنك تقدر تبتزني. لا يا أمجد فوق وشوف أنت واقف قصاد مين، أنا ضياء علام وبكلمة مني أرميك ورا الشمس وأسجنك. ولازم تعرف إن اللي رحمك من انتقامي ومانعني عنك أني مخليك لحد ما ليان تشد حيلها وتولد. وبعدها هطردك فالشارع اللي جيت منه وهعرفها حقيقتك وحقارتك. ومن دلوقتي لحد ما ليان تولد أنت كل المطلوب منك أنك تبقى أراجوز فحياتها تفرحها وتسعدها وتكون خدام تحت رجلها وبس. وحط ف عقلك إن لو خيلك وزك فمرة وفكرت أنك تلمح لها بأي حاجة، ساعتها أنا همحيك من على وش الدنيا، فاهم."
اتسعت عينا أمجد وأحس بالذلة أمامه والضعف. فنظرات ضياء أكدت أنه قادر على تنفيذ تهديده وأنه لن يتردد بزجه في السجن إن أخطأ. فأومأ بخزي. ليجهز عليه ضياء مسددًا ضربة أخرى إلى كبريائه المزعوم بقوله:
"اعتبر نفسك فأجازة مفتوحة لحد ما ليان تولد. وكل اللي هتقوله قصادها إنك اتفقت مع تلاتة مهندسين هيمسكوا الشغل علشان تفضى ليها وتراعيها بنفسك. دا بالنسبة للشغل. أما منار بنت الحج شهدي، فأياك يا أمجد تحاول بس إنك ترفع عينك فيها مرة تانية ولا تقرب منها. منار خط أحمر محظور عليك تجاوزه، فاهم."
أطرق أمامه كعبد ذليل لا يقوى على الرفض. وحين أشار إليه بالانصراف، استجاب اتقاءًا للمزيد. ليوقفه ضياء قبل تجاوزه باب المكتب قائلًا:
"على فكرة أنا قلت لليان إن الدكتورة أمرت بانفصالك عنها خلال فترة حملها حفاظًا على حياة البيبي. فيا ريت أول ما توصل البيت تنقل حاجتك وتنام بعيد عن بنتي. وعلى فكرة أنا حطيت كاميرات مراقبة فكل شبر فالبيت، فيا ريت تخلي بالك من تصرفاتك لإنها متراقبة. ودلوقتي اتفضل، وجودك معدش له أي لزوم."
بعد ساعات، ولج شهدي إلى مسكنه فوجد زوج ابنته الكبرى يجلس بجوارها بوجه متجهم. فزم شفتيه واتجه إليه وصافحه وجلس بجواره وسأله عما به. فزفر عادل وأشار إلى غرفة ابنته قائلًا:
"عفاف منشفة دماغها يا عمي ومش عايزة تسمع كلامي وترجع معايا حتى بعد ما قلت لها إنها وحشت الولاد."
زفر عادل بيأس وهز رأسه باستسلام مردفًا:
"أنا تعبت يا عمي ومبقتش عارف أراضي عفاف ولا أراضي والدتي. علشان كل واحدة فيهم شايفة إن التانية هتسرقني منها. وكثير حاولت أوضح لهم أن كل واحدة ليها حب مختلف عن التانية جوايا. ديروا وشهم عني، خصوصًا والدتي اللي اتكلمت معاها ودخلت خالي فالموضوع علشان يقنعها تفضل معاه. بس رفضت. وياريتها رفضت وخلاص، لا دي كل ما تشوف وشي تدعي عليا وتقول: قلبي وربي غضبانين عليك يا عادل. فدلني يا عمي أعمل إيه معاهم هما الاتنين علشان أرتاح وأريحهم."
جال شهدي بعينه فوق ملامح عادل المجهدة ولاحظ عينه التي أحاط بها السواد. فمال نحو أذنه وأردف:
"عايز تسمع نصيحتي علشان ترتاح؟"
أومأ عادل بلهفة كالغريق الذي وجد قشته. فابتسم شهدي بمكر وأردف هامسًا:
"اخبط دماغ الاتنين فبعض وقول لهم أنك زهقت من الوضع وهتاخد الولاد وترجع لوحدك. وخد ولادك من الشقة وروح اقعد يومين فأي حتة استجم وغير جو وأقفل موبايلك. وسيب الوساوس والخوف يعلمهم الدرس طالما الاتنين بيعاندوا فبعض على حسابك."
اتسعت عينا عادل بصدمة ليومئ في النهاية وقد تبدلت ملامحه كليًا ووقف قائلًا:
"أنا هعمل بنصيحتك يا عمي وهاخد الولاد يومين، عن إذنك."
ومن مكانه، لمح شهدي ابنته الصغرى فأشار إليها وأردف:
"عايز وكالة روتانا تذيع إن أبيه عادل ناوي يرجع الكويت بالولاد لوحده، وأنه قرر يريح دماغه ويسيب عفاف ووالدته هنا. دا غير أنه ناوي يروح شرم يقضي يومين استجمام مع الولاد قبل ميعاد السفر. هتعرفي ولا أشوف وكالة غيرك؟"
تصنعت رنا الحزن لثوانٍ سرعان ما ابتسمت وأجابته بثقة:
"اعتبره حصل يا والدي، بس بشرط. لا هو مش شرط، هو تمن خدمات. لو أبيه عادل ناوي يروح شرم بجد، توافق أني أروح معاه."
مد شهدي يده وقرض أذنها قائلًا:
"بتساوميني يا رنا؟"
حاولت رنا تخفيف ضغطه على أذنها قائلة:
"مش بساومك يا والدي، بالعكس دا أنا هساعدك على اللي أنت عايز تعمله فعفاف وهساعدك فموضوع سامر كمان."
ضربها بخفة خلف رأسها وأشار إليها بالذهاب. فوقفت بعناد أمامه عاقدة لساعديها. فلم يجد شهدي غير الموافقة على طلبها فتهلل وجهها بالسعادة وقبلت وجنته قائلة:
"ربنا ميحرمكش مني أبدًا يا بابا."
وتم لشُهدي ما يريد. وزكت رنا نيران الغيرة يومًا تلو الآخر بقلب شقيقتها عفاف. التي حاولت التماسك ولكنها لم تستطع. فزوجها قرر هجرها. وما زاد الأمر سوءًا عليها هو عدم مبالاة أبنائها وكأنهم سعداء بقرار والدهم بإقصائها عنهم. بتلك اللحظة، ربتت منار كتفها وأردفت:
"بطلي تكابري وتعاندي فنفسك ومع جوزك وقومي روحي راضي طالما مظلمكيش."
رفعت عفاف وجهها إليها وأردفت:
"وأنا عمري ما قلت إن عادل بيظلمني، لكن وجود والدته وتدخلها فكل كبيرة وصغيرة خنقني يا منار. دي مش بتسيب حاجة إلا وتسأل وتدخل وعايزة تمشينا على مزاجها. وأنا تعبت أعيش حياتها هي على حساب حياتي."
تابعت منار حركات شقيقتها المضطربة وأردفت:
"عارفة يا عفاف أنتِ مشكلتك فين؟"
حدقت عفاف بها بتساؤل. فزفرت منار قائلة:
"مشكلتك أنك شايفة إنها عايزة تعيشك على مزاجها. علشان كده مش متقبلة أي حاجة منها. وهي شايفة أنك أخدتي ابنها منها خصوصًا لما سافر وسابها. علشان كده كل واحدة فيكم شايفة التانية عدوتها، على الرغم من إنك لو سألتي نفسك هتعملي إيه كمان كام سنة لما ولادك يكبروا وكل واحد يعيش حياته وتلاقي نفسك بعيد عنهم، هتعرفي أنها ست فجأة لقت نفسها لوحدها بعد ما ولادها كل واحد بعد عنها والحياة سرقتهم منها."
أطرقت عفاف تفكر بكلمات شقيقتها لتنتبه لقولها:
"حبيها يا عفاف واتقبلي وجودها واحتضنيها واتعاملي معاها على أنها ماما. وقتها هتلاقي حياتك بقت أسهل وأريح. وكل واحدة بتكمل التانية علشان الحياة تمشي. وازرعي جوا ولادك إزاي يبروا بيكم ببرك بوالدة عادل."
غادرت منار غرفتها فوجدت والدها ينظر إليها سعيدًا. فابتسمت بحرج وأردفت بهمس:
"عرفت تلعبها صح يا بابا. عمومًا اطمن، عفاف دقيقة وهتلاقيها راجعة تقعد مع حماتها وهتعرف تحتوي كل حاجة من تاني."
ربت شهدي كتفها وقبل جبهتها قائلًا:
"طيب وأنتِ يا قلب بابا مش ناوية تطمني قلبي عليكِ؟"
ازدردت منار لعابها لتخفي غصتها وابتسمت بزيف قائلة:
"ما أنا بحاول يا بابا. عمومًا كلها سنة وأخلص وتشوف منار تانية خالص."
جذبها شهدي لتجلس بجواره وأردف:
"أنا عارف أنك لسه موجوعة يا بنتي ومش عارفة تتأقلمي على الحياة من غيره، بس هو..."
وضعت منار يدها فوق شفتي والدها وأردفت:
"بابا أرجوك متجبش سيرته ولا تتكلم عنه تاني. حقيقي أنا مش متقبلة أسمع اسمه خصوصًا بعد ما عمو حمدان جالك وقالك على اللي عايز يعمله فيكِ. ولولا أنه وعمو شكران والناس اللي ليها فلوس عندك عندهم ضمير، كان زمانه أذاك."
انهمرت دموع منار ونكست رأسها بخزي وهتفت بلوعة:
"أنا لا يمكن كنت هسامح نفسي لو أمجد أذاك ولا مسك بسوء. وصدقني من لحظة ما عرفت أنه كان بيخدعني وبيمثل عليا الحب، وهو سقط من نظري. ويمكن من قبلها من يوم ما عرفت أنه السبب فضياع الفرص مني علشان كان خايف من نجاحي وظهوري."
كفكف شهدي دموعها وأردف:
"صدقيني يا بنتي، البني آدم دا ميستحقش دمعة واحدة تنزل من عينك عليه. وربنا رحيم بيكِ أنه كشفه قبل ما تتورطي أكتر معاه. ويا عالم لو كان اتجوزك كانت حياتك هتبقى شكلها إيه معاه."
أومأت منار قائلة:
"أنا بحمد ربنا ليل نهار وبصلي كل ليلة وبشكر ربنا أنه كشفه ورحمني من ابتلاءه."
أحاط شهدي وجه ابنته وأردف:
"طب وسامر يا منار؟"
هربت منار من ملاحقة عينه لها وأردفت:
"لسه بدري على أي خطوة يا بابا. والمهندس سامر أنا بحترمه، بس حاليًا هبقى بخدعه وبظلمه وبظلم نفسي لو قلت أني ممكن أقبل بيه. فأرجوك أديني وقتي أنسى ووجعي يخف قبل ما أفكر فموضوع الارتباط. وليك وعدي وكلمتي إني لو فأي وقت حسيت بأي مشاعر ناحيته أو ناحية أي حد تاني، هتكون أول واحد أتكلم معاه حتى قبل ما أتكلم مع نفسي."