تحميل رواية «للقدر اقوال اخري» PDF
بقلم فاطمة مصطفي وايمان جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
دَوَى صَوتُ مِزْمارِ تلكَ السيَّارةِ وهِيَ تَشُقُّ الطرِيقَ بِسُرعةٍ جُنونِيَّةٍ وخَلفَها الكَثيرُ مِنَ السيَّاراتِ الأُخْرى، تسِيرُ بِسُرعَةٍ مُقارِبَةٍ مِنْ سُرْعةِ الأُولى، وفي تلكَ السيَّارةِ تَجلِسُ فَتاةٌ هَادِئةُ المَلامِحِ، تمتلِكُ قَدْرًا كبيرًا مِنَ الجَمَالِ، وقد إزْدَانَ هذا الجَمالُ بمُستَحضراتِ التَجميلِ البَسيطَةِ الَّتي زادتها فِتنةً، وتلكَ الإِبْتسامَةُ الجَميلةُ الَّتي أخذت مَجرَاها على ثَغرِها وهِيَ تَنظُرُ لِزَوجِها القابِع بجانِبِها، ويَدَيها تَعبَثُ بفُستانِ زَفافِها الأبيض...
رواية للقدر اقوال اخري الفصل الأول 1 - بقلم فاطمة مصطفي وايمان جمال
دَوَى صَوتُ مِزْمارِ تلكَ السيَّارةِ وهِيَ تَشُقُّ الطرِيقَ بِسُرعةٍ جُنونِيَّةٍ وخَلفَها الكَثيرُ مِنَ السيَّاراتِ الأُخْرى، تسِيرُ بِسُرعَةٍ مُقارِبَةٍ مِنْ سُرْعةِ الأُولى، وفي تلكَ السيَّارةِ تَجلِسُ فَتاةٌ هَادِئةُ المَلامِحِ، تمتلِكُ قَدْرًا كبيرًا مِنَ الجَمَالِ، وقد إزْدَانَ هذا الجَمالُ بمُستَحضراتِ التَجميلِ البَسيطَةِ الَّتي زادتها فِتنةً، وتلكَ الإِبْتسامَةُ الجَميلةُ الَّتي أخذت مَجرَاها على ثَغرِها وهِيَ تَنظُرُ لِزَوجِها القابِع بجانِبِها، ويَدَيها تَعبَثُ بفُستانِ زَفافِها الأبيضِ الذي إنْتَقَتْهُ بعنايةٍ شَديدةٍ لزَفافها.
فَهِيَ سَتتزوجُ خطيبها ذاكَ الذي دامَتْ خُطبَتُه بها أكثر من خَمسِ شُهُورْ، ولكِن كانت كفيلةً بأن تقَع أسيرَةً لِحُبِّه بِعَينيهِ؛ الَّتي لطَالما أحبَّت النظر إليهَا، ولم تزِدْهَا نَظراتُهُ إليها إلَّا عِشْقًا لَهُ.
وَقَعت عيْناها على تِلكَ المَسافةِ الضَيِّقَةِ بين حاجِبيْهِ؛ لِتَرْفَع أنَامِلَها وهي تلمس ذِرَاعيْهِ قائِلةً بِابْتِسامَةً حَانِيةٍ:
= مالك ياوائل في حاجة مضايقاك....؟؟؟
إلتفت بِنظَرِهِ إليها؛ لِيُقابِلها وَجْهُهُ الذي إحتَلَّهُ التَجهُّمُ بالكامِلِ مُجيبًا إيَّاها بإقْتِضَابْ:
= لا مفيش يا رحمة.
إزْداد تعجُّبها مِن نبْرتِهِ لِتتسائلَ مُجدَّدًا مُحَاوِلَةً إرْضَاء ذلكَ الفُضُولِ الذي تصَاعَدَ بِدَاخِلِها:
= لا أكيد في حاجة شكلك متضايق طيب قولي يمكن انا ضايقتك من غير ما أقصد.
زَفَرَ وائِل بِحَنَقٍ وهو يلتفت إليها رامقًا إيَّاهَا بِنظْرَةٍ أخْرَستْها قبل أن يَهتِفَ بِغَضَبٍ مَكْتومٍ:
= قولتلك مفيش حاجة ملهوش لازمة الكلام الكتير.
إبتَعدتْ قَلِيلًا عْنهُ؛ لتزيد المسافةَ بينَهُم، وقد تحوَّلَتْ نَظَراتُهَا إلى أُخرَى قَلِقَةً؛ لتبتعد بنظَرِها عَنْهُ مُحَاوِلةً تَجْميعَ شَتاتَ نَفسِها، وهي تنظر إلى ذلكَ الظَّلامِ الدَامِسِ خارِجَ النَّافِذَةِ مُحاوِلَةً تَجاهُلَ نَظراتِهِ الَّتي أرْبَكَتْهَا، فإن كان هُوَ قَدْ تَجَاهَلَها فَلِمَا قَدْ تَهتمُّ هِيَ.
رَغْمَ تِلكَ الدَّهشَةِ الَّتي إحتلَّتْهَا من غَضَبِهِ الَّذي مَنَ الواضِحِ لا مُبرِّرَ له، وتحديدًا في هذِهِ اللَّيلَةِ الَّتي خطَّطا لها كثيرًا، زَفرتْ بِضيقٍ مُحَاوِلةً تَجاهُلَ ما بِداخِلِها، مُقنِعَةً نَفسَها بِأنَّه عِندَ وُصولِهِمْ، سَتُحاوِلُ أن تَعْرِفَ ما الَّذي حَدث لِكَي تُرضِي حِيرَتها قبل أن يَهدَأ غَضَبُه.
وصلت تلك السيَّارَةُ أسفل ذلكَ المبنى القديم مُتَعدِّدُ الأدوار، ليظهر الدَّور الثاني واضحًا بسَببِ تلكَ الأنوارِ المُعلَّقةِ بشُرفتِه، تُوضِّح أنَّها شُقَّةٌ تَخصُّ حدثًا مُميَّزًا وما هو إلَّا ذلكَ الزَّفافُ المُبجَّلُ.
تَرجَّل وائلٌ أولًا قبل أن يدورَ حولَ السيَّارة؛ لِيفتَحَ بابَها لزوجَتِهِ الَّتي تمسَّكتْ بِيدَيهِ الممدودةِ لها بتردُّدٍ وهي ترى ملامِحَ التشتُّتِ واضِحةً فوْق وَجهِه.
أخَذت تُحاول الصُعودَ بفُستانِ زَفافِها وهيَ تنظُر لزوجِها الَّذي يقِفُ أمام باب شقَّتِهم مُمسكًا بالمفتاح باليدِ اليُمنى ويديْه تعبثُ بهاتِفِهِ المَحمُولِ كأنَّهُ يَكتُبُ أو ما شابه.
وصلت إليه بعدما انتهى وقام بإغلاقِ هاتِفه ليلتَفِتَ إليْها قائلًا بِهدوءٍ أقلقَها:
= إتفضلي يا رحمة.
نظرت إليهِ برَهبةٍ قبلَ أن تتقدَّم للدَّاخل وقلبُها يزدادُ إنقباضًا عن ذي قبل، لِتلتفِتَ على صوته وهُو يقولُ بنفسِ الهُدوءِ:
= رحمة أنا عاوز أقولك حاجة.
نظرت لهُ بملامِحٍ مُبهمَةٍ كأنَّها صَنمْ، مُندهشةً من ذلكَ التَغيُّرِ الغريب، لتلين ملامحها قليلًا؛ تحثُّه على إكمالِ ما بدأهُ لتتابعه وهو يسعل قليلًا قبل أن يُرَدِف قائِلًا بما جمَّدها في مكانها:
= رحمة إنتِ طالق.
نظرت له قليلًا قبل أن تُضيِّقَ المَسافةَ بين حاجِبَيْها، كأنَّه قال شيئًا غير مألوف، وهي مُتجمِّدةٌ في مكانِها مازالت تحاول الإسْتيعاب.
حتَّى أخفقَ قلبُها بشدَّةٍ يفيقها مِنَ الحالَةِ الَّتي تلبَّستْها وهِيَ تقولُ بإبتِسامةٍ مهزُوزَةٍ وبداخِلها أملٌ طَفيفٌ في رغْبتِهِ في مُمَازحتِها:
= وائل إنتَ بتهزَّر صح.
زفَر وائلٌ بضيقٍ وهو يشعُرُ بالحسرَةِ على نتيجَةِ ما يفعلُهُ مَعَهَا الآن، ولكِنَّه مُضطرٌ ولا يلومُ نَفسَهُ على شيءٍ، هذا ليسَ ذَنْبهُ ولا ذَنْبهَا، هذا ذنبُ ذلكَ القلبِ اللعينِ الَّذي مازال يُذِلُّهُ، ولم يتوقف عن ذلكَ أبدًا.
ليهتِفَ بثباتٍ عكسَ ما بداخِلِهِ من حُزنٍ و حَسرَةٍ عَليْها:
= أنا مبهزرش إنتِ طالق يا رحمة.
وهنا و كأنَّها قد لُدِغَت من ثُعبانٍ لَدْغةً أعادتْها للواقِعِ الَّذي هرَبت منهُ بأملٍ كاذِبٍ لتنتَفِضَ فجأةً مُتقدمةً نحوهُ وهِيَ تهتِفُ بعدمِ تصديق:
= وائل إنت واعي للي إنت بتقوله.
أجابها بقسوةٍ قد تحلَّى بها مُحاولًا تجاهُلَ الشَّفقةِ الَّتي يشعرُ بِها نَحوَها:
= أيوا أنا واعي..و..واعي كويس للي بقوله.
و يبدو أنَّها أخيرًا أستوعَبَتْ ما قالهُ لتهتِفَ بهِ بحدَةٍ مُحاوِلةً إفاقَتَهُ ظنًّا مِنها أنَّه ليس بكامِلِ عقلِه:
= وائل إنت أكيد إتجننت إنت عارف نتيجة إلي إنت بتقوله ده إيه........
قطَعت حديثها و هي ترفعُ يديها لتلمِسَ وجْنتيْهِ ودُموعُ عَيْناها لم تَكُفَّ عنِ النُزُولِ مُردِفَةً بصوتٍ مُتقطِّع:
= وائل أنا رحمة حبيبتك معقول هتسيبني في ليلة زي دي.
أمسك يديْها نافِضًا إيَّاهُما بقسْوةٍ قدْ إحتلَّتهُ كلِّيًا وهو يقول:
= لا إنتي مش حبيبتي... حبيبتي واقفة تحت مستنياني عشان نهرب من الناس إلي فرقونا و نتجوَّز و نفضل مع بعض لكن إنتي عمرك ما كنتي و لا هتبقي حبيبتي.
ابتعدت عنه إلى الخلف قليلًا وهي تهتف بصدمة:
= قصدك بنت عمك اللي سابتك؟
أجابها وائل بجدية وهو يبعد عينيه عنها:
= ما سبتنيش، أبوها اللي مكنش راضي، بس دلوقتي هي هربت وجاتلي، وأنا مستحيل أسيبها.
نظرت إليه بعينين متسعتين؛ مِن كثرة الصدمة التي تشعر بها الآن قبل أن تهتف بشرود ودموعها تسيل كالشلّالات فوق وجهها:
= طيب وأنا؟ أنا هيبقى شكلي إيه قدام عيلتي وقدام الناس؟ هيقولوا عليّ إيه؟ هيبقى شكلي إيه قدامهم؟!
رفعت عينيها إليه، وقد غلّف الغضب صدمتها فور أن مرّت بذاكرتها أحاديثه السابقة، لتقترب منه مهاجمة إياه بضرباتها التي سددتها له فوق صدره هاتفة بغضب حارق:
= وإنتَ كنت بتضحك عليّ كل الوقت ده! كنت بتخدعني لما قولت بحبك يا رحمة! كل ده كنت بتستغفلني!
أمسك بيدها موقفًا إياها عن ما كانت تفعله قبل أن يهدر بها بغضب مماثل:
= كنت بحاول أنساها بيكِ بس مقدرتش، كنت بتخيلك هي كل أما أقعد معاكِ، بس كلمة بحبك عمرها ما كانت ليكِ ولا هتبقى.
لم تشعر بذاتها وهي ترفع يدها مُنزلة إياها فوق وجنتيه قبل أن تمسك بياقة قميصه تهزه بعنف وهي تهتف بغضب قد أعماها:
= يا وس*، إنتَ إنسان قذر، بتدمرني عشان واحدة وس** زيك! ودلوقتي أهلي هيقولوا عليّ إيه؟ أو هقولهم إيه؟
نفض وائل يدها دافعًا إياه بعيدًا عنه، ليختل توازنها مصطدمة بالأرض الصلبة، وأذنيها تستمع لكلماته القاسية:
= ميهمنيش، دي مشكلتك لوحدك، تقوليلهم، متقوليلهمش، حاجة مش مهمة بالنسبالي، سلام.
جلست متجمدة فوق الأرضية الصلبة؛ محاولة استيعاب ما قاله للتو حتى انتفضت على كلمته الأخيرة وهي تراه يتقدم نحو باب المنزل.
لتزحف على قدميها نحوه؛ حتى أمسكت بقدميه تترجاه بألا يتركها في كلماتها التي خرجت بتوسل:
= وائل، متزعلش مني إني ضربتك، وائل، حقك عليّ، بس أرجوك متسبنيش وتمشي، أرجوك، وحياة أغلى حاجة عندك متعملش فيّ كده، الناس هتقول عليّ إيه دلوقتي؟
أبعدها وائل عنه بقوة؛ لتسقط فوق ركبتيها وهي تنظر له بعيون مغشية بالدموع، ليتركها متجهًا إلى خارج المنزل بسرعة وهو يهرول للأسفل، وقد تناسى أمر أنهم في حي شعبي، وأنه يظل الأهل جالسون أسفل المنزل، هؤلاء الذين صُدموا بهرولة العريس خارجًا، لتبدأ ملامحهم بترجمة ما بعقلهم بادئين بالهمهمات على شرف فتاة قد قست عليهم الدنيا حتى في أجمل أيامها.
بينما في الأعلى
ظلّت رحمة جالسة في مكانها، ما زالت تحاول استيعاب مع حدث للتو، تمر بذاكراتها كلماته الأخيرة؛ لتكون كالخناجر التي تقطع قلبها بقسوة.
هذا اليوم الذي تتمناه أي فتاة قد دمره بتركه لها، قد جعل شرفها علكة على لسان الجميع، الآن لا تعرف كيف ستريهم وجهها، أو كيف ستعيش معهم بعد أن لوّثها ذلك المخادع بذهابه.
مرت ذكريات الخمس أشهر المنصرمين أمامها، وكأنهم فيلم سينمائي كانت هي البطلة المغفلة التي عشقت مَن لم يكن لها يومًا، عشقت مَن دمرها وتركها ليلة زفافها، عشقت مَن خدعها لأهوائه.
رفعت نظرها نحو الباب الذي أغلقه خلفه لتكون حبيسة هذه الجدران، لتصرخ بدون وعي باسمه، صرخت وصرخت حتى كادت أحبالها الصوتية بالانقطاع.
لتنزل رأسها بتذلل، وصوت نحيبها يزداد أكثر، ودموع القهر بدأت بالانتشار على فستان زفافها الذي أصبح أسود في أنظارها.
انتفضت في مكانها على تلك اللمسة التي أعادتها مِن ذكرياتها المؤلمة، لتهتف بتلقائية وهي تلتفت إلى صاحب اللمسة:
= وائل؟!
ولكن الصدمة كانت مِن نصيبها حين وجدت نفسها ما زالت بسيارة الزفاف مع تغيير بسيط، وهو صاحب تلك اللمسة التي جحظت عينيها فور رؤيته يجلس بجانبها بكامل هيبته ووسامته المعتادة.
لتخرج حروف اسمه مِن ثغرها بصدمة قد غلفتها:
= خالد!
رواية للقدر اقوال اخري الفصل الثاني 2 - بقلم فاطمة مصطفي وايمان جمال
رواية للقدر اقوال اخري الفصل الثالث 3 - بقلم فاطمة مصطفي وايمان جمال
في صباح جديد فتحت رحمة عينيها، لتقابل صورة خالد وابنه عمر الموجودة بإحدى جوانب الفراش، ذلك الرجل الرائع بكل المقاييس، رجل رائع وأب أروع.
ابتسمت لصورته بشجن قبل أن تعتدل وهي تنظر حولها لتجده ما زال نائمًا على تلك الأريكة التي لا تناسب جسده، وذلك واضح على ملامح وجهه المتجهمة، لتسرح في ملامحه الجذابة وتلك الرموش الطويلة التي تخفي بريق عينيه العسلية عنها، لتجول بعينيها على جسده الصلب الممشوق؛ فهو مثالي ووسيم جدًا، لا توجد مقارنة به وبذلك الأخرق وائل.
وفور أن ذكرت وائل ذهب تفكيرها إلى منحنى آخر، منحنى قد أدى إلى هلاك قلبها ألمًا فور أن أتت بعقلها فكرة تركه لها فور معرفته بماضيها وما حدث لها. أيعقل أن هذا الرائع من الممكن أن يظن بها ذلك الظن السيئ الذي ظنه الجميع بها؟ حينها تفضل الموت على أن تعيش إحساس الخذلان منه هو أيضًا.
نفضت تلك الأفكار من رأسها محاولة التركيز بشيء آخر، لتقف على قدميها متجهة نحو المرحاض؛ لتأخذ حمامًا باردًا؛ علها تزيل ما يرهق تفكيرها، لتنتهي بعد فترة قصيرة لتخرج من المرحاض مرتدية كامل ملابسها ثم اتجهت فورًا إلى الخارج دون أن تعطي فرصة لنفسها للنظر إليه.
بينما استيقظ خالد بعد عدة دقائق من خروجها على صوت ضجة بالخارج، ليعتدل في جلسته وبعض الآلام تصعف برقبته؛ بسبب نومته الرديئة على تلك الأريكة، ليتقدم ناحية المرحاض؛ للاستحمام والاستعداد لتلك الرحلة التي وعد بها ابنه.
وبعد فترة وجيزة انتهى فيها من ارتداء ملابسه متجهًا إلى الخارج، ليجد ابنه عمر جالسًا على مائدة الطعام يلهو بألعابه وبجانبه رحمة، تلك الفتاة التي إلى الآن لا يستطيع تفسير ذلك الشعور الذي يتنابه عند وجودها معه.
كانت جالسة تعقد شعرها للخلف وبعض الخصلات الصغيرة التي تمردت لتنزل فوق وجهها بطريقة محببة لنظره، تتابع عمر بابتسامة حنونة.
ليبتسم لها فور أن لاحظته متقدمًا نحو طاولة الطعام مردفًا بتحية الصباح:
= صباح الخير.
أجابه عمر بابتسامة طفولية:
= ثباح النور يا بابا.
بينما أجابته هي بابتسامة ودودة:
= صباح النور.
لتغزو ثغره ابتسامة حنونة قبل أن ينظر لطفله قائلًا:
= أنا شايفك مستعد يا عمر.
أجاب عمر بحماس:
= طبعًا يا بابا، إنتَ وعدتني إمبارح، وبعدين وعد الحر دين.
قهقه خالد على صغيره ذلك الذي يلقي بكلمات سابقة لعمره، ليلتفت نحو رحمة التي بدأت في إطعام عمر، ليتسائل بتعجب فور أن رآها ما زالت بثياب المنزل:
= وإنتِ ملبستيش ليه يا رحمة؟
ارتسمت الدهشة فوق ملامحها من قوله قبل أن ترفع نظرها إليه ترمقها بنظراتها المترددة، فهمها هو قبل أن يردف قائلًا:
= هو إنتِ مفكرة إن إحنا هنروح من غيرك؟ وبعدين أنا إمبارح قولت إني هاخدكم إنتم الاتنين؛ فيلّا اجهزي؛ علشان نلحق اليوم من أوله.
أومأت له رحمة بابتسامة بسيطة، ليدفعها عمر وهو يهتف بحماس:
= يلا يا رحمة بسرعة.
لتتحرك رحمة باتجاه غرفتها وهي تضحك على حماس ذلك الصغير عمر مردفة:
= حاضر حاضر.
بعد فترة انتهت فيها رحمة من الاستعداد ولف حجابها الوردي حول وجهها، ليزيدها إشراقًا وجمالًا بزيها الأبيض الذي زُين بتلك النقوش الوردية لتزيده جمالًا ببساطته، خرجت إليه بعد ذلك لتجد خالد يحمل صغيره ويجلس على إحدى الأرائك، لتتجه نحوهم متحدثة بهدوء:
= أنا جاهزة.
رفع نظره إليها وهو يبتسم لتتجمد ملامح وجهه وهو يراها بأبهى صور جمالها الذي يزداد يومًا بعد يوم وكل مرة يُفتتن بها قلبه عن المرة التي تسبقها، لم يستوعب إلى الآن ما قالته حتى فاق على نغزة من طفله في إحدى ذراعيه تحسه على الاستفاقة:
= بابا، إنتَ سامعني.
حمم خالد بحرج وهو يقف وما زال يحمل عمر، ثم تقدم وهو يحث رحمة على التقدم خلفه ويمر بجانبها ونظراتها المندهشة تتابعه، ثم خرج الثلاثة من المبنى السكني وعمر يمسك بيديه يد كل منهما، ليظهروا بشكل أسرة صغيرة متحابة، تقدم خالد لسيارته فاتحًا إياها لزوجته وطفله وانطلقوا متوجهين إلى مدينة الملاهي بناًء على رغبة صغيره.
وبعد ثلاث ساعات انهمك فيهم عمر بلهوه في الكثير من الألعاب ورحمة أيضًا التي نسيت عمرها ومكانتها عندما رأت الألعاب، جلسوا ثلاثتهم في أحد المطاعم؛ ليتناولوا فيه الغداء قبل أن يرن هاتف خالد معلنًا عن اتصال من مكتب الهندسة الذي يمتلكه، ليبتعد عنهم قليلًا مبتعدًا أيضًا عن عيني رحمة التي كانت تتابعه.
لتتنهد بارتياح سرعان ما انسحبت منها وهي تشعر بصعوبة دخول الهواء لرأتيها، حينما وقعت عينيها على آخر شخص قد تود رؤيته الآن، مسبب كوابيسها ومدمر أحلامها، الخطأ الوحيد الذي ارتكبته في حياتها.
لتشعر بدوار مفاجئ بداخل رأسها فور أن تلاقت عينيها بخاصته التي اتضحت بها الدهشة جيدًا وقد ازدادت أكثر فور أن عاد خالد إلى الطاولة، لتلمح نظرات المكر التي غزت دهشته قبل أن يشير إليها بعينيه إلى مكان الحمام الخاص بالسيدات رامقًا إياها بنظرة حادة جعلتها تمتثل لمطلبه مستأذنة منهم؛ لتتجه سريعًا نحو الحمام.
توترت نظراتها وهي تقف على الباب بعيدًا عن الأنظار، تنتظر ذلك الأخرق ولم يطل انتظارها طويلًا حينما وجدته يقترب منها حتى توقف أمامها وما زال يرمقها بتلك النظرات الماكرة، لتحدثه هي بحدة وقد بدأ الغضب يشتعل بداخلها من نظراته:
= عايز إيه؟
ابتسم لها وائل بسذاجة وهو يشير ناحية خالد بعينيه قائلًا:
= خالد مدكور مرة واحدة! وقَّعتِ أشهر مهندس في القاهرة إزاي؟
ألقت بنظرة خاطفة نحو خالد قبل أن تعود بنظرها إليه ترمقه باشمئزاز قائلة:
= ما هو الزبالة بيفكر كل الناس زيه، أنا موقعتش حد، ده يبقى جوزي يا وائل، عارف يعني إيه جوزي؟
صدر من وائل صوت دالًا على سخريته وهو يقول:
= ويا ترى جوزك عارف حبيب القلب القديم وائل؟
انتفض قلبها من محجره وبدأت انظارها بالتشتت قبل أن تقول بثقة زائفة وكلمات خرجت دون شعور منها:
= مفيش حبيب في حياتي غير خالد، أمَّا الباقي نكرة.
لتتابع بكبرياء وتنظر إليه باشمئزاز:
= يا وائل.
تجاهل الأخير سخريتها وهو يقترب منها قائلًا:
= طيب يا ترى عارف إنتِ هربتِ من بلدك ليه؟
بدأت الارتجافة تسير بداخلها مجددًا، لتتجاهلها وتقول بحدة:
= إنتَ عايز مني إيه تاني يا وائل؟
أجابها بابتسامة خبيثة:
= كل خير.
= في حاجة يا رحمة؟
أجفل الاثنين على صوت خالد الذي صدح متسائلًا بتعجب وهو يمسك بيده عمر بعد أن أصر للذهاب إليها؛ ليرى سبب تأخرها هكذا، ليقع قلبها خوفًا وهي تنقل أنظارها بينهم قبل أن تبتلع لعابها بتوتر وهي تجيبه بتعلثم:
= لا مفيش هو.. الأستاذ كان.. بيسأل على الطريق.
رمقها خالد بشك وهو ينظر إلى وائل بتدقيق، قاطعته هي حين أمسكت بذراعه وهي تقول بهدوء:
= طيب يلا بقى قبل ما عمر ينام مننا.
رغم اندهاشه من فعلتها إلا أنه أومأ لها بهدوء وهو يسير معها تحت أنظار وائل المصدوم، وخاصة حين التفتت إليه ترمقه بنظرات نافرة قبل أن يخرج ثلاثتهم من المطعم.
ليبتسم لها وائل بتشفي محدثًا نفسه بشر:
= ده اللعب هيبقى عالي أوي.
ساد الصمت والتوتر الجو بالسيارة التي يقودها خالد متجهم الوجه وبجانبه رحمة مشتتة الفكر وهي تحمل عمر النائم على صدرها، ليحمحم خالد قائلًا ونار الغيرة تكاد تفتك به من فكرة اقتراب ذلك الشخص منها:
= إنتِ كنتِ تعرفيه يا رحمة؟
غزا التوتر ملامحها وهي تجيبه بتعلثم:
= لا معرفهوش، ده كان مجرد واحد بيسأل عن الطريق وبس.
أجفلت على سؤاله السريع:
= وإيه اللي وداكِ عنده أصلًا؟
أردفت رحمة بتوتر وقلق من اكتشافه للأمر:
= كنت راحة الحمام وقابلته وأنا راجعة.
زفر خالد مرة أخرى بضيق وهو يقول:
= تمام، بس بعد كده متقفيش تتكلمي مع حد.
أومأت هي بطاعة وهي تتمتم سريعًا:
= حاضر.
وصلت السيارة أسفل المبنى حين أطفأ خالد محركها فالتفت إلى رحمة التي وجدت صعوبة في فتح الباب، ليقترب منها قائلًا:
= استني.
مد ذراعه ناحية باب السيارة ليرتفع جذعه قليلًا مقتربًا بشدة من رحمة تلك التي غابت عن الوعي عندما تغلغلت رائحة عطره النفاذ إليها، لينتهي خالد من عمله وهم بالعودة ليقابل عيني رحمة المتابعة له، لتلتقي عسليته مع خضراوتها في لقاء طويل وجد في العقل صعوبة في البقاء.
ليقترب بوجهه منها لا يدري بنفسه سوى بعينيه التي تنتقل بين عينيها وشفتيها المكتنزة الحمراء، وهو يعض على شفتيه باشتياق وتلك الأخرى الغائبة في بريق عينيها، اختلطت أنفاسهما في لحظة جنون متناسيين وجودهم في الطريق، ليفيق خالد على حركة صغير القابع أوسطهما؛ ليرجع مكانه مرة أخرى وهو يتنفس بسرعة وعيناه تتابع تلك الهاربة التي احتلت قلبه وكيانه في فترة صغيرة.
بينما أفاقت على نفسها وهي تحمد الله بداخلها على عدم اكتمال هذا اللقاء؛ فبالتأكيد لم تكن لتستطيع رفع عينيها والنظر إليه أبدًا، لتجفل على صوته حين هتف يدعوها للنزول وهو يترجل من سيارته، لتتبعه مغلقة الباب خلفها وهي تحاول إمساك الصغير، ليقترب منها حاملًا إياه عنها متجهًا إلى مدخل البناية، بينما هي كانت تتبعه في صمت.
بعد فترة ليست بقصيرة.
جلست على الفراش تعبث بأظافرها بتوتر بينما عينيها تتابعه وهو يتحرك أمامها بخفة، لتنتفض واقفة فور أن رأته يتجه نحو الأريكة؛ لينام عليها كليلة أمس.
اتجهت نحوه وبدون مقدمات جلست فوق الأريكة بأريحية رافعة نظرها إليه بابتسامة مرحة وهي تقول:
= معلش بقى الكنبة دي تلزمني.
رفع حاجبيه بتعجب وهو يتسائل بعدم فهم:
= يعني إيه؟
أجابته هي بنفس الابتسامة المرحة:
= الصراحة بقى أنا حاطة عيني على الكنبة دي، من ساعة ما دخلت الأوضة دي وكنت هنام عليها إمبارح لولا حضرتك قولتلي طموحي، واضطريت أنام على سريرك اللي مش مريح خالص ده ولكن انهاردة أنا قعدت عليها الأول يبقى بقت بتاعتي.
ضم يديه إلى صدره وهو يستشعر سبب ما تفعله الآن، ليحدثها بجدية لا تتناسب مع مرحها:
= قومي نامي على السرير يا رحمة ولو مش مريح بكرة هكلم المعرض اللي بتعامل معاه يجيبلك واحد تاني.
ذمت رحمة شفتيها بتذمر وهي تقول:
= وأنا مش عاوزة واحد تاني، أنا عاوزة الكنبة دي وإذا مكنتش هتديهاني بالذوق هاخدها بالعافية.
ويبدو أنها كانت مصرة حين ارتفعت بجذعها تجذب الوسادة التي كان يحملها تضعها فوق الأريكة، لتتمدد عليها مسندة رأسها إلى الوسادة وهي تحدثه بنفس الابتسامة وهي تغلق عينيها:
= تصبح على خير يا أبو عمر.
الغريب أن كل هذا لم يأخذ إلا ثوانٍ معدودة، يبدو حقًا أنها مصرة، زفر بتعب وهو يتجه بقلة حيلة نحو الفراش الذي تتدعي أنه غير مريح يستلقي فوقه، ليغط في نوم عميق فور أن وضع رأسه فوق الوسادة؛ ليريح نفسه من عناء اليوم.
بينما أغمضت هي عينيها تستدعي النوم برجاء بداخلها ألَّا يأتي بإحدى كوابيسه، ولكن يبدو أن له رأي آخر في هذا الأمر، وهي ترى أمامها إحدى ذكريات الماضي التي لا تنوي تركها أبدًا.
أخذت تلك الدموع تأخذ مجراها على وجه رحمة الجميل المشتت، وهي جالسة بمنتصف الطريق وتحتضن حقيبتها بضياع، لا تعلم لمن تلجأ، كأن عقلها شُل بعدما رفض أقرباؤها أن يتركوها بالمكوث لديهم ليلقوها خارجًا ناعتيها بالعار وأنها غير شريفة، وحتى حين لجأت لإحدى صديقاتها لم تصدقها، وأغلقت بابها في وجهها تاركة إياها في مواجهة الصعاب وحدها لا تعلم ماذا تفعل، والكل رفض تصديقها منتظرة أي أحد ينجيها من ذلك العذاب.
= رحمة.
رفعت رحمة رأسها على ذلك الصوت، لتقابل وجه صديقتها حسناء، تلك الفتاة التي تعرفت عليها في الجامعة، لتجثو حسناء أمامها قائلة:
= بتعملي إيه هنا يا رحمة؟
أجابتها رحمة بانكسار:
= مش عارفه أروح فين.
اقتربت منها صديقتها وهي تحاول تهدأتها:
= اهدي بس يا رحمة، تعالي نقعد في حتة قريبة وفهميني.
وبعد وقت قليل.
تحدثت حسناء بصدمة:
= إيه؟ بتقولي إيه؟
أطلقت رحمة شهقة قاسية وتكمل في بكائها المرير تشعر بانسحاب روحها وهي تحكي قصتها لصديقتها تلك المتوقعة منها عدم التصديق.
لتتفاجأ بها تقترب منها تحتضنها بأسف وشفقة قائلة:
= لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل فيه، يا رحمة، اهدي، اهدي كل حاجة هتتحل.
اتسعت عيني رحمة بذهول وهي تتسائل بعدم تصديق:
= إنتِ مصدقاني يا حسناء؟
ابتسمت لها صديقتها وهي تقول:
= إنتِ هبلة يا بت؟ ومش عايزاني أصدقك ليه؟
ازداد بكاء رحمة وهي تردف بانكسار وحزن:
= محدش مصدقني، محدش مصدقني يا حسناء.
ربتت حسناء فوق ظهرها بخفة محدثة إياها بهدوء:
= اهدي يا رحمة اهدي، قولتلك مش مهم حد يصدقك ما دام ربنا جنبك خلاص.
هدأت رحمة قليلًا وهي تقول:
= ونعم بالله.
تحدثت حسناء بمرح تحاول إخراجها من حالتها:
= أيوة كدا يا مؤمنة.. بصي إنتِ من النهاردة هتقعدي معايا، أنا والدي مسافر ومبيجيش غير فين وفين وإنتِ عارفة والدتي متوفية.
قاطعتها رحمة قائلة:
= ربنا يرحمها.
أيدتها حسناء وهي تتنهد بهدوء:
= يا رب، بس يا ستي تعالي اقعدي معايا، وأهو تسليني بدل وحدتي، ومتقلقيش أنا مش ساكنة هنا، أنا ساكنة في القاهرة، أنا كنت هنا بس علشان بزور واحدة من قرايبنا، ها موافقة؟
أومأت لها رحمة بابتسامة باهتة؛ فهي ليس أمامها سواها لتلجأ إليها.
وبعد مرور عام استطاعت فيهم رحمة تجاوز أزمتها بمساعدة حسناء، واستطاعت إيجاد عمل لها بإحدى المدارس الدولية، وبدأت رحمة بعد عام من تلك الليلة المشؤومة التعامل بشكل جيد بعدما كانت تتجنب جميع العاملين معها؛ خوفًا من أن يكون أحدهم كمثل من تربت بينهم وخذلوها.
وبعد مرور هذا العام أرسل والد حسناء مرسال يخبرها بحاجته إليها، لتضطر للذهاب مودعة صديقتها بقلب منفطر؛ لفراقها، لتبدأ حياة جديدة لرحمة قد ظنت أنها من ستحددها ولكن كان للقدر رأي آخر في هذا.
رواية للقدر اقوال اخري الفصل الرابع 4 - بقلم فاطمة مصطفي وايمان جمال
فتح خالد عينيه بكسل، ليلتفت برأسه قليلًا مقابلًا وجه رحمة الملائكي بشعرها الأسود الذي يغطي نصفه بانسيابة فوقه، أعطاها هالة من الجمال والفتنة.
لتغزو الابتسامة وجهه على تلك الفتاة التي يحمل لها الكثير من المشاعر ولا يستطيع البوح بها؛ خائفًا من ردة فعلها، لتتحول أنظاره للفراغ عائدًا بذاكرته إلى أول لقاء بينهم.
***
أغلق خالد باب سيارته وهو يحاول الإسراع؛ لرؤية ماذا فعل صغيره عندما أتته مكالمة هاتفية من مدرسته الخاصة تحثّه على القدوم وسريعًا، ليتوجه خالد ناحية باب غرفة المدير، ثم فتح بابها دون استئذان؛ فكل ما يهمه الآن صغيره فقط.
صُدم فور أن وقعت عيناه على منظر صغيره وهو يراه يبكي بشدة داخل أحضان إحدى معلماته، لينطق حروف اسمه بذهول.
= عمر...
رفع الصغير عينيه الباكية إلى أبيه مهرولًا إلى أحضانه وهو يصرخ باسمه وكأنه وجد ملاذه.
وبعد فترة وجيزة حاول فيها خالد بقدر الإمكان تهدئة صغيره قليلًا، لينجح في هذا قبل أن يلتفت على صوت المعلمة.
= أسفين لإزعاج حضرتك يا خالد بيه، بس زي ما أنتَ شايف مش راضي يسكت.
ضاقت المسافة بين حاجبيه وهو يتساءل.
= هو إيه اللي وصله للحالة دي؟
شبكت المديرة يديها فوق المكتب وهي تعتدل في جلستها قائلة.
= حضرتك عمر بقاله سنتين معانا، بس إحنا في بداية السنة دي عيِّنَّا مس جديدة للكلاس بتاعه واللي هي مس رحمة، ومفيش وقت وعمر اتعلق بيها جامد والمدرسة كلها تشهد عن علاقتهم ومدى حب عمر ليها، بس النهاردة هي تعبت شوية ومحضرتش، فهو سأل زميل ليه عليها وقاله إنها مشت ومن ساعتها وهو في الحالة دي.
زفر خالد بضيق وهو يعلم أيضًا مدى تعلق صغيره بمعلمته التي لا يعلم عنها شيئًا سوى أنها تُدعى رحمة؛ فعمر دائم التحدث عنها أمامه.
ليتساءل خالد بتعجب.
= طب ومس رحمة دي مشت فعلًا ولّا في إيه؟
وعند ذكر اسم رحمة انتفض الصغير مرة أخرى باكيًا وهو يشكو لوالده عنها، ليهدأ مرة أخرى عندما أخبره والده أنهم سيذهبان إليها.
رفع خالد نظره إلى المديرة التي أجابته على سؤاله السابق.
= لا هي ممشيتش، هي تعبانه شوية وهتيجي بكرة عادي.
رفع خالد يده وهو يحك أنفه بتفكير، لينظر مرة أخرى للمديرة وهو يقول.
= تمام، أنا عايز عنوان رحمة دي.
صف خالد سيارته أسفل مبنى سكني قديم نوعًا ما، لينظر لجدرانه المتهالكة بضيق، ثم التفت إلى صغيره الممسك بيديه بحماس واضح وهو يحثه على السير.
= يلا يا بابا بسرعة.
ابتسم على حماس صغيره ثم مال ليرفعه للأعلى وهو يتقدم للداخل، حتى وصل أمام شقة رحمة ثم بدأ برن جرس الباب، ليُفتح بعد دقائق قبل أن ينصدم من تلك الحورية التي لم تتجاوز الخامسة والعشرين التي ظهرت أمامه فجأة.
وقف هو مشدودًا بجمالها الفتاك، بعينيها الخضراء المستديرة وبشرتها البيضاء التي تحاكي الثلج في جمالها، وشفتيها المكتنزة باللون الوردي التي جعلته يبتلع ما في لعابه فور أن شعر برغبة ملحة في تجربتها، ليخفض بصره سريعًا فور أن عاد إلى واقعه على صوت صغيره الذي انتفض بسعادة وهو ينطلق نحوها معانقًا إياها بسعادة، لتستقبله هي معانقة إياه بشوق وحنان.
قبل أن تبتعد وهي ترفع نظرها إلى ذلك الواقف يحارب؛ حتى لا ينظر إليها، لتستقيم هي في وقفتها تتأمله بانبهار بطوله المتوسط وجسده الرياضي ذي العضلات البارزة، والذي يخفيها أسفل بدلته الفاخرة وملامح وجهه الوسيمة بتلك اللحية الخفيفة التي لم تزده إلا وسامة.
عضت على شفاها السفلى مخفضة نظرها سريعًا بخجل وهي تتنهد براحة على عدم رؤيته لتأملها الذي كاد يفضحها، لتتنحنح بصوت وهي تتساءل.
= هو حضرتك والده؟
أجابها وهو يرفع نظره إليها متجاهلًا أمر عقله بالعكس.
= أيوة أنا المهندس خالد مدكور.
مد يده إليها لتصافحه هي بابتسامة رقيقة قائلة.
= تشرفنا يا أستاذ خالد، أنا رحمة سالم مدرسة عمر.
تنهد خالد بهدوء وهو يلتفت نحو عمر قائلًا.
= أيوة عمر حكالي عنك كتير أوي؛ علشان كده جيبتهولك.
عقدت حاجبيها بعدم فهم ليردف هو قائلًا.
= انهاردة أنتِ غبتِ من المدرسة؛ فعمر زعل أوي وأصر إنه يجيلك، فيا ريت تخليه معاكِ لحد ما أخلص شغلي وهرجع أخده، ده لو مش هزعجك.
اتسعت ابتسامتها الرقيقة وهي تنظر نحو عمر بحنان، لتعود بنظرها إلى خالد مردفة بثقة.
= أكيد طبعًا، روح أنتَ شغلك ومتخافش، عمر في عنيّا.
بادلها خالد الابتسامة وهو يشكرها قبل أن ينحني على صغيره يقبله بحنان مودعًا إياه، ثم ذهب سريعًا وكأنه يهرب من تلك القوة التي تجذبه نحو هذه الفتاة التي لم يراها سوى الآن.
***
عاد إلى واقعه راسمًا ابتسامة حنونة فوق ثغره لتلك الذكرى الجميلة قبل أن يلتفت نحوها يطالعها بنظراته التي عبرت عما بداخله جيدًا، ولكن للأسف لا يستطيع التحدث.
ليتنهد بتعب وهو ينهض متجهًا نحو المرحاض؛ ليأخذ حمامه اليومي الذي يساعده على الاستيقاظ.
***
فتح خالد باب منزله وهو يتقدم للداخل بإرهاق واضح، ليتقدم مباشرة لغرفة النوم ظنًا منه أن رحمة تتواجد في المطبخ أو ما شابه، ليتمدد على الأريكة بعدما عاد باكرًا من عمله عندما شعر بإجهاد شديد؛ بسبب تلك الصفقة التي أخذت الكثير من وقته وسببتْ في ابتعاده عن طفله ورحمة لأكثر من شهرين.
زفر بتعب وهو يستعد لإغلاق عينيه، ولكن يبدو أن ليس مقدر لها الغلق حين التفت نحو باب المرحاض الذي فُتح للتو، لتطل من خلفه زوجته مرتدية مئزر الحمام بلونه الوردي الذي يصل إلى منتصف ركبتيها مظهرًا ساقيها البيضاء، وشعرها الأسود الغجري يتناثر على وجهها، أعطتها هالة مُهلكة قد أهلكته حتمًا.
وكانت الصدمة من نصيبها حين التفتت لتقابل عينيه؛ فلقد ظنت أنه سيأتي في ميعاده ولم تتوقع قدومه باكرًا أبدًا.
لترتبك ملامحها مخفضة نظرها سريعًا؛ فهذه أول مرة يراها بهذا الشكل طوال الشهرين المنصرمين.
أبعد أنظاره عنها لينظر إلى سقف الغرفة وهو يستمع لسؤالها عن حاله بعدما لاحظت حالته.
= مالك؟
أجابها وهو يرفع يده مدلكًا رقبته بتعب.
= مفيش، شوية إجهاد من الشغل.
قطعت رحمة المسافة بينهم في ثوانٍ معدودة بقلق شديد، لتجثو على ركبتيها حتى أصبحت رأسها أعلى رأسه التي تمسكها وهي تتفحصها بقلق.
= مالك؟ حاسس بإيه؟
اعتدل خالد جالسًا فوق الأريكة وهو يبتسم بخفة على ردة فعلها، ثم مسك يديها ليرفعها يحثها على الجلوس بجانبه قبل أن يتحدث بابتسامته الهادئة وهو يحاول تهدئتها.
= اهدي يا رحمة، قولتلك شوية إجهاد وإرهاق مش أكتر، أنا بس محتاج أنام شوية وهبقى كويس.
أمسكت بيديه مرة أخرى قائلة.
= طب أعملك حاجة تشربها أو حاجة تاكلها؟
هز رأسه نافيًا قبل أن يستمع لسؤالها الآخر.
= طب أعملك إيه؟
ضحك خالد بخفة وهو يلتفت إلى الجهة الأخرى يوليها ظهره، ثم تحدث بتعب.
= اعمليلي مساج أحسن.
أومأت له بنعم قبل أن تمسك بكتفه تدلكه بأناملها الرقيقة، ليغمض هو عينيه مستمتعًا بتلك الراحة التي غزته فور أن لامسته أناملها.
التفت إليها بابتسامته الرجولية بعدما انتهت، ليتحدث قائلًا.
= تسلم إيدك، شكرًا تعبتك معايا.
أمسكت رحمة بعنقه تدلكه بخفة ونظرات القلق ما زالت تتضح بحدقتيها التي تتفحصه بهم وهي تتساءل مجددًا.
= مفيش تعب ولا حاجة، قولي بس حاسس بحاجة تاني في رقبتك؟
ارتفعت حرارة جسده فجأة؛ ليبعد نظره عنها يخفي عينيه التي تضاربت بها المشاعر عنها، يخفي توتره الملحوظ من لمسة يدها التي لم تتركه بعد وستكون السبب في كشف أمره.
لم تفهم سبب سخونة جسده المفاجئ، لترفع عينيها تقابل عينيه السوداء من شدة ما يشعر به الآن بنظراتها القلقة التي تحولت إلى تعجب شديد من تلك الدوامة السوداء التي سحبتها رويدًا رويدًا، حتى غاب عقلها عن الواقع تائهًا في عسليته.
لترتفع يديه محيطة خصرها لتقربها إليه حتى فُصلت المسافة بينهم، شهقتْ بخفة لتصمت مجبرة حين اقترب برأسه منها ويده الحرة تحتل بشرة عنقها الغض، ليستولي على هاتين الوردتين اللتين سلبتا عقله من أول لقاء، مبتلعًا باقي شهقتها بداخله راميًا بكل شروطه عرض الحائط، ليكسر تلك الحدود الواهية التي صُنعت بينهم.
بينما أغمضت هي عينيها مستمتعة بذلك الشعور الذي احتلها فجأة؛ ليجعلها تشعر وكأنها تطير فوق سحابة وردية جالسة فوقها براحة وتلك الابتسامة السعيدة لا تفارق ثغرها.
لتشتد نسمات الرياح اللطيف مداعبة وجهها، لتتطاير خصلاتها بينهم بسعادة فور أن تحولت قبلته من هادئة فجأة إلى شغوفة خاصة بعدما شعر باستجابتها أسفله.
ليقربها منه أكثر ولمساته تزداد جرأة عن ذي قبل، حين بدأت يده الحرة تعبث برباط المئزر محاولًا فكه بينما يميل بها إلى الخلف؛ حتى تستلقي فوق الأريكة.
ولكن كالعادة أي شيء جميل عادةً لا يكتمل، أتت المقاطعة من جرس الباب الذي صدح فجأة مجبرًا إياه على الابتعاد، ليقف على قدميه يمسح فوق شعره بغضب لاعنًا ذلك الطارق بخفوت، ليجفل فجأة على صوت باب المرحاض الذي أغلق بقوة، ليبتسم بخفة على تلك الفتاة التي حتمًا ستصيبه بالجنون.
تنهد بهدوء حاول بثه لنفسه قبل أن يتجه نحو الباب وهو يزعم على رؤية الطارق.
بينما وقفت هي خلف الباب تعض على أظافرها بخجل قبل أن تتلمس شفتيها بأناملها، لتتجه سريعًا نحو المرآة قبل أن تطلق شهقة مصدومة فور أن وقعت عيناها على انتفاخها الواضح.
لتخفض نظرها بخجل وهي تتذكر ما دار بينهم قبل قليل، وذلك الشعور الذي لم تشعر به إلا معه، ربما حقًا تكون تجربة جديدة وقد أنعم الله بها عليها؛ حتى تكون عوضها عما حدث في الماضي؛ ولكن رغم ذلك يجب أن تحذر؛ حتى لا تقع بالفخ مرتين.
***
وحشتيني.
ابتسمت رحمة لتلك الرسالة التي وصلت لهاتفها والتي أرسلها خالد عبر إحدى التطبيقات المشهورة، لتنظر حولها بخجل كأنه أمامها؛ فذلك خالد أعاد إليها حياتها ولم تنسَ أيضًا مدى ضيقه البارحة عندما اكتشف أنّ الطارق لم يكن سوى مربية طفله التي استقبلها بجفاء قبل أن يخلد للنوم بعدها.
فتحت هاتفها مجددًا عندما وصلها إشعار بوصول رسالة، ظنت أنها من خالد ولكنها فوجئت أنها من رقم مجهول عنها.
«مدام رحمة، يا ترى خالد باشا عرف ولا لسة؟»
بدا عقلها بالعمل وهي تحاول فهم تلك الرسالة لترسل له.
- مين؟
أتاها الرد سريعًا كأنه ينتظرها.
- مش معقول مش عارفاني، أنا حبيب القلب.
شُلت يديها عن العمل وأخذت تنظر للهاتف بصدمة، أعاد مرة أخرى بعدما بدأت حياتها مع خالد بالتحسن؟ عاد ليحطم كل هذا، وأثناء تفكيرها بُعثت لها رسالة أخرى مضمونها.
- مش هنتكلم كتير، أنا عاوز أقابلك بكرة في مكاننا القديم، فكراه طبعًا... تيجي ولوحدك يا إما أجيلك أنا ونعرف خالد باشا ماضي المدام.
أغلقت هاتفها سريعًا ملقية إياه فوق الطاولة التي أمامها وهي تلتفت حولها بذعر؛ خوفًا من أن يلاحظ أحدٌ من الموجودين خوفها الذي ظهر جليًّا فوق ملامحها، لتتنهد براحة فور أن وجدت الجميع منغمسًا بأعماله.
وضعت يدها فوق وجهها تخفيه عن الأنظار وهي تستند فوق الطاولة تحاول تهدئة نفسها قليلًا، لتستجمع أفكارها المشتتة وهي تتذكر حديث ذلك الندل، ليعود الخوف يستولي عليها مجددًا وهي تتخيل معرفة خالد بهذا الماضي.
هل من الممكن أن يتركها؟
اتسعت حدقتاها بذعر وتباطأت وتيرة أنفاسها فور أن ضربت رأسها فكرة تركه لها.
لتهز رأسها سريعًا نافية هذا وهي تنهره ذاتها، تحاول بث الطمأنينينة بقلبها المتيم به وهي تذكر نفسها بما فعله معها، وكيف أنقذ شرفها حين كاد أن يصبح علكة جديدة على ألسنة أقاربه.
***
وقفت على باب شقتهم تعبث بأظافرها بتوتر شديد حاولت تهدئة نفسها قليلًا مخبرة ذاتها أنها ليست بمفردها؛ فطفله موجود، ثم أنّ هناك الكثير من السكان وما زالوا في بداية اليوم.
زفرت بهدوء حاولت التحلي به وهي تطرق الباب بخفة، لتنتظر لثوانٍ قبل أن يفتح الباب بهيئته الوسيمة وهو يرتدي بدلته الرسمية، لتحبس هي أنفاسها مخفضة رأسها إلى الأسفل؛ حتى تتجنب تأثيره الغريب عليها.
ولم يكن بأفضل حالٍ عنها حتى وجد حركتها هي الحل الوحيد، ليتحدث بهدوء محاولًا عدم النظر إليها.
= اتفضلي يا آنسة رحمة.
دلفت إلى الداخل بخطوات مهزوزة قد ازداد اهتزازها فور أن مرت بجانبه، لتتغلغل رائحة عطره بداخل أنفها جعلتها كالمغيبة وهي تجاهد؛ لكي تبتعد عنه، لتنجح بصعوبة وهي تتجه للداخل، ليستقبلها عمر بعناقه المرح كالعادة لتبادله عناقه مربتة فوق ظهره بحنان قبل أن تعتدل في وقفتها تلتفت إلي خالد الذي كان يتابعهم، ليحدثها بجدية حاول التحلي بها.
= أنا آسف على إزعاجك، بس عمر أصر إن إنتِ اللي تيجي تقعدي معاه انهاردة بعد ما عرف إنك في أجازة، وأنا مش هقدر أسيبه لوحده في البيت؛ لإني عندي شغل، فمعلش هنتعبك.
ابتسم رحمة بخفة وهي تلتفت نحو عمر تعبث بخصلاته بحنان قائلة.
= لا تعب ولا حاجة، ومتقلقش على عمر هو في عنيّا.
أومأ لها بخفة قبل أن يلتفت نحو عمر محدثًا إياه بصرامة.
= عمر بلاش تتشاقى وتتعب مس رحمة، مفهوم؟
أجابه عمر بجدية لا تناسب عمره.
= مفهوم يا بابا متقلقش.
ابتسم له بحنان قبل أن ينحني معانقًا إياه، ليتمسك عمر بقميصه مقربًا إياه إليه حين حاول خالد الابتعاد، ولسوء حظه قد قطع قميصه حين ابتعد خالد قسرًا.
لتبعد رحمة أنظارها عنه سريعًا، بينما تطلع خالد إلى قميصه الذي تفرقت جوانبه، ثم إلى عمر بنظرات غاضبة قبل أن يهتف بغضب.
= إيه اللي إنتَ عملته ده يا عمر؟
وضع عمر يده فوق فمه وهو يتطلع إلى والده بصدمة قبل أن يتحدث بأسف طفولي.
= والله ما كنت قاصد يا بابا، أنا آسف.
زفر خالد بغضب وهو يمسح على شعره محاولًا الهدوء؛ حتى لا يصفعه الآن، ليأتيه الهدوء على هيئة كلمات خافتة خرجت من ثغره.
= تقدر تروح تغيره بسرعة وتسيبه وأنا هخيطهولك.
صفق عمر بيده بحماس ليهتف وهو يتجه نحو الغرفة.
= فكرة حلوة، وأنا هروح أجيب الخيط بسرعة.
اختفى عمر خلف الباب وهو يبحث عن الإبرة والخيط، بينما زفر خالد بضجر وهو يلتفت إليها مردفًا بهدوء.
= معلش، أنا عارف إننا أزعجناكِ بس...
قاطعته رحمة سريعًا وهي تتحدث بخفوت.
= ولا إزعاج ولا حاجة، ثم إن ده طفل وبيغلط.
أومأ لها بخفة وهو يزفر بهدوء، بينما كادت هي تموت خجلًا من هذا الموقف الذي حدث للتو، فلو كانت أجبرته على إحضار عمر إليها وعدم إخباره على تواجدها بالقرب من منزلهم لكان الوضع أفضل، ولكن تقديرها لضرورة ذهابه للعمل سريعًا هو ما جعلها تقع في هذا الموقف المحرج.
توترت أنفاسها فور أن التفت إليها بعينيه ملاحظًا تلك الحمرة التي غزت وجهها، فجأة وقد أيقن سببها جيدًا، لتعود هي إلى الخلف بخطوات متخبطة كادت تسقط بسببها لولا يده التي حاوطت خصرها مانعة سقوطها الحتمي، مقربًا إياها منه.
لتحبس أنفاسها بداخلها فور أن تلاقت غاباتها بعسليته المهلكة، التي سلبتها من الواقع لتأخذها إلى عالم آخر لم تجرب دخوله إلى الآن.
ويبدو أنها ليست الوحيدة حين ساعدها على الاعتدال في وقفتها ولا تزال يده تحتجزها، وعينيه قد أسرتهم غاباتها؛ لتنتشله من الواقع، ليهيم في جمال تلك الأعين التي لم يرَ لها مثيل.
أجفل الاثنين على صوت شهقات مصدومة أتت من جهة الباب الذي تركه خالد مفتوحًا بعد دخولها؛ حتى لا يحرجها، لتتسع حدقتاهما بصدمة مبتعدين عن بعضهم فور أن لاحظوا هؤلاء الذين وقفوا يرمقونهم بنظرات منصدمة.
توترت نظراته وهو يتابع تلك الصدمة الواضحة فوق وجوههم، ليتحول توتره في لمح البصر إلى جدية وهو يقول.
= الناس بتخبط قبل ما تدخل.
تحدثت إحدى الفتيات وهي تتطلع إليهم بغضب.
= لا والله إحنا آسفين؛ لإننا قطعنا اللحظة الخاصة دي.
تساءل خالد بهدوء خطير بث القلق بداخلهم.
= قصدك إيه يا سمية؟
رغم ذلك التوتر الذي اتضح على ملامحها إلا أنها تحدثت بشراسة.
= قصدي المسخرة وقلة الأدب دي مينفعش تتعمل هنا قدام ابنك يا خالد بيه.
حاولت رحمة الحديث محاولة شرح الموضوع ولتتحدث بخفوت وهي توشك على البكاء من كثرة الاحراج.
= حضرتك فاهمة غلط هو...
قاطعتها سمية وهي تهتف بغضب حارق.
= إنتِ تخرسي خالص، وبعدين إنتِ مش مكسوفة من نفسك لما تيجي لبيت راجل غريب وتقعدوا لوحدكم، طيب اعملي حساب لحجابك ولّا إنتِ لابساه زينة؟
هدر خالد بنبرة أخرستها، بل جعلتها تتراجع للخلف من قوتها وهو يرمقها بتحذير.
= كلمة تانية وهنسى إنك أختي، فاهمة؟
شعرت سمية بيد تمسك بها لتلتفت، إلى زوجها الذي كان يجاورها، ليحثها بنظراته على الصمت في حين أكمل خالد قائلًا.
= رحمة تبقي خطيبتي وكنا هنكتب الكتاب بعد شهر.
جحظت عينيها بصدمة حقيقية وهي ترمقهم بنظرات مذهولة وعقلها لا يستوعب بعد ما تفوه به الآن، بينما تحدثت والدته التي كانت تتابع في صمت متسائلة بتفاجئ.
= إيه؟ خطيبتك إمتى وإزاي؟ ومن غير ما تقولي يا خالد؟
تنهد خالد بهدوء حاول بثه لنفسه وهو يردف قائلًا.
= كل حاجة جات بسرعة وكنت هتصل بيكم انهاردة؛ علشان أقولكم، بس باين إني مليش نصيب.
تحدث شقيقه سامي وهو يرمقهم بنظرات شك.
= طيب هو فيه واحد وخطيبته يقعدوا لوحدهم وبالمنظر اللي شفناكم بيه ده؟
رمقه خالد بنظرة أخرسته قبل أن يتحدث بنبرة قاطعة.
= دي حاجة متخصكمش.
كادت سمية أن تهتف بردٍّ لاذع لولا دخول عمر وهو يحمل إبرة وخيط متجهًا نحو رحمة التي ما زالت ترمق خالد بنظراتها المذهولة وهي جامدة في مكانها لا تتحرك، وكأنها أصبحت صنمًا، قد فقد الحياة مما حدث للتو، هل حقًّا ستخوض تلك التجربة من جديد؟ بالتاكيد هي في حلم، لا بل كابوس وستستيقظ الآن لتجد نفسها بمكانها الآمان، لطالما تمنت أن تكون حياتها كلها مجرد حلم ولكن للأسف كانت واقع قاسٍ وبشدة.
لتستيقظ من شرودها على لمسة عمر وهو يمد يده إليها بالإبرة وللخيط، لتلتقطهما منه بيد مهزوزة قبل أن يتركها منطلقًا نحو جدته التي استقبلته بين احضانها تعانقه بحنان، ليبتعد عنها وهو يخبرها بكم اشتياقه إليها، لتبادله حديثه قليلًا حتى تدخل عمه وهو يتسائل بتعجب.
= إنتَ كنت فين يا عمر؟
أجابه عمر ببرائته المعهودة.
= أنا كنت في الاوضة بدور على إبرة وخيط؛ علشان قميث بابا اتقطع بسببي وهو عنده شغل ضروري ومس رحمة هتخيطهوله.
عض سامي شفته السفلى بإحراج وهو يرفع نظره نحو شقيقه، ليحدثه بخفوت.
= أنا آسف على اللي قولته بس...
قاطعه خالد وهو يتحدث بحدة.
= خلاص يا دكتور مفيش داعي، وبعدين إنتوا إيه اللي جابكم؟ ده من ساعة ما سلمى مراتي ماتت وإنتوا مفكرتوش تتصلوا تسألوا حتى، لحد ما فكرت إنكم نسيتونا.
تنحنحت والدته بإحراج وهي تتحدث بأسف.
= أنا عارفة إنك زعلان مني وليك حق، بس إنتَ كمان لو كنت بتسأل كنت عرفت إني كنت تعبانة وفي المستشفي.
تناسى خالد ما كانوا يتحدثون به حينما اتجه نحوها يتفحصها بقلق متسائلًا.
= ماما إنتِ كويسة؟ إيه اللي حصل؟
أجابته هي بابتسامة حنونة.
= متقلقش عليّ يا حبيبي انا بقيت كويسة، ده بس الضغط علا عليّ شوية مش أكتر.
زفر خالد بضيق قبل أن يستمع إلى حديث سمية التي أطلقته بابتسامة.
= وبعدها أصرت تيجي تزورك.
تنحنحت بخفة لتجلي حلقها وهي تتحدث بخفوت خَجِل.
= معلش يا خالد اعذرني أنا بس اتفاجئت من اللي شفته و...
رمقها خالد بنظرة أخرستها، ليتدخل زوجها محمد محاولًا تهدئة الأوضاع وهو يتحدث بابتسامة.
= طيب بقولك إيه يا خالد؟ ما بدل ما تستنى شهر ونروح ونيجي وتبقى تعب لوالدتك، ما تكتب الكتاب يوم الخميس الجاي؟ وأهو نفرح بيك قريب.
التفت إليه يطالعه بتفكير لثوانٍ قبل أن يلتفت إلى رحمة التي لم تستطيع تحمل ما بيدها، لتسقطهم فوق الأرض فور أن استمعت لحديثه، لتنتقل بنظرها إلى خالد الذي لم تجد بعينيه سوى الجمود.
لينقله إليها فور أن نطق بتلك الكلمة التي ظنت أنها ستغير حياتها للأسوأ، ولكن اتضح العكس.
= موافق.
***
فتحت عينيها مبعدة يديها عن وجهها وملامحها كانت مثالًا حيًّا للتصميم على إنهاء الماضي وغلقه تمامًا وستفعل هذا؛ فهي لا تريد خسارته أبدًا؛ فلقد أنقذها بكلمته ولن تخاطر بتركه أو فقدانه.
أمسكت بهاتفها مجددًا تنقر فوقه لثوانٍ مرسلة إليه.
«وأنا موافقة اقابلك.»
أغلقت هاتفها مجددًا تلقيه فوق الطاولة وقد عزمت على إغلاق صفحة الماضي وإلى الأبد.
رواية للقدر اقوال اخري الفصل الخامس 5 - بقلم فاطمة مصطفي وايمان جمال
ترجلت من سيارة الأجرة بعدما أعطته بعض المال؛
ليذهب فور أن أغلقت الباب تاركًا إياها في تلك المنطقة المنعزلة ولا يوجد بها أي شخص.
سارت قليلًا والخوف قد تملكها؛
لتقبض على حقيبتها تستمد منها القوة الوهمية وهي تسير حيث وصف لها في مكالمته صباحًا
حتى وصلت إلى مكان به الكثير من العمارات تحت الإنشاء ولا يوجد بها عمّال.
ابتلعت ما بجوفها بصعوبة فور أن وقعت عيناها على بسمته الماكرة التي كان يتابعها بها
حتى توقفت أمامه؛
ليستقبلها بنبرته الساخرة قائلًا:
"يا أهلًا بمدام رحمة، وأنا أقول المكان نوّر ليه؟"
تأففت رحمة بضيق؛
فهي تريد التخلص من هذه المقابلة سريعًا؛
حتى تستطيع العودة قبل عودة خالد من عمله.
رفعت نظراتها ترمقه بغضب قبل أن تحدثت قائلة:
"إنتَ عاوز إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملته؟!"
زفر وائل بملل، ثم تحدث بلا مبالاة:
"بقولك إيه؟ أنا مش جايبك هنا علشان تعاتبيني، أنا جايبك؛
علشان محتاج منك خدمة، وبعدها مش هتشوفي وشي تاني."
التمعت عيناها بلهفة فور أن استمعت لجملته الأخيرة؛
لتتساءل بلهفة بها لمحة رجاء:
"عاوز إيه؟ وأنا مستعدة أنفذلك اللي إنتَ عاوزه بس تحل عني."
عادت الابتسامة الماكرة تغزو وجهه مجددًا وهو يتحدث بنبرة خبيثة:
"المحروس جوزك …"
تتعمد ترك جملته معلقة؛
ليتشتت تفكيرها في محاولة لفهم مقصده قبل أن يدب القلق في أوصالها وهي تتساءل:
"ماله؟"
أجابها بنفس النبرة، وتلك الابتسامة التي توترها ما زالت تعتلي شفتيه:
"هو داخل مناقصة مع ناس حبايبي، أنا بقى عاوزك تجيبيلي نسخة من ورق المناقصة اللي جوزك مجهزه وبس، شُفتِ بسيطة ازاي؟"
اتسعت حدقتيها بصدمة قد احتلت ملامحها فور أن وقع حديثه على أذنيها؛
ليكون كصاعقة ضربت عقلها تشله عن التفكير.
رفعت عيناها له فور أن استوعبت مدى حقارة هذا الشخص الذي أمامها
وملامح الغضب تعتلي وجهها بوضوح؛
لترمقه بنظرات استحقار وهي تهتف بغضب:
"إنت أقذر إنسان شفته في حياتي، إنت إيه؟ مش مكفيك اللي عملته فيّ زمان جاي دلوقتي وتخرب حياتي!
عاوزني أخون ثقة جوزي؟!"
زفر وائل بضجر بدأ يستولي عليه من حديثها المتكرر؛
ليتشدق بضيق:
"يوه، إنتِ مبتزهقيش؟ كل شوية اللي عملته اللي عملته؟! عملت إيه لزنك ده؟"
تطلعت إليه بصدمة دامت للحظات قبل أن تهتف بغضب حارق:
"عملت إيه؟! أقولك أنا عملت إيه، سبتني يوم فرحي ومشيت، ومهتمتش حتى لكلام الناس،
ولا لشرفي اللي بقى على كل لسان، أنا اضطريت أسيب البيت والمكان كله وأمشي،
إنتَ دفعتني تمن غلطة إنتَ ارتكبتها."
زفر عدة مرات محاولًا التحكم بأعصابه؛
حتى لا يخسر ذلك المال الذي سيأتيه من خلف تلك الحمقاء؛
ليهتف بسخرية من حديثها:
"بقولك إيه؟ إنتِ هتعمليهم عليّ؟!
أنا أساسًا كنت شاكك فيكِ؛ واحدة سابت خالها ورجعت تقعد في شقة أبوها بعد ما بقت على سن جواز، ليه؟ ها؟!
أنا أقولك ليه، علشان تلف على حل شعرها حلو، وأهو تعيش أيامها وتقضيها،
وأكيد وقّعتِ خالد مدكور وهددتيه بالفضيحة لو ما اتجوزكيش، وأهو تلمي قرشين ينفعوكِ،
ودلوقتي جاية تعملي عليّ دور الشريفة!"
لم تشعر بنفسها إلّا وهي ترفع يدها؛
لتسقطها فوق وجنته في صفعة مدوية دوى صداها في ذلك الفراغ المحيط بهم؛
لتقتص منه لشرفها الذي لوّثه بأفعاله قبل كلماته،
شعرت أنها اقتصت لكرامتها التي دعسها بحذائه؛
ليكسرها ظنًّا منه أنها ستخضع، ولكن هيهات؛
ستريه مَن تكون ولن ترحمه.
ارتفع صوتها تهتف بغضب ليدوي في الفراغ الذي يملأ المكان:
"اخرس يا حيوان، أنا أشرف منك ومِن الزبالة اللي تعرفهم،
وإذا كان على خالد أنا أفضّل إنه يعرف الحقيقة على إني أخونه بالطريقة القذرة اللي زيك دي."
رفع نظراته؛
ليطالعها بغضب شديد قد اعتلى قسمات وجهه؛
ليجعله كوحش كاسر يكاد يفتك بها بنظراته المرعبة وهو يتحسس وجنته أثر تلك الصفعة قائلًا:
"آه يا زبالة، بتمدي إيدك عليّ! والله لأندمك على اليوم اللي اتولدتِ فيه."
رفع يده ينوي انزالها فوق وجنتها؛
كَرَد على ما فعلته؛
لتعود هي اللي الخلف بذعر، وعيناها مثبتة فوق يده التي تكاد تصفعها.
وضعت يدها أمام وجهها سريعًا؛
تتفادى تلك الصفعة التي طال انتظارها
وأكثر ما أثار تعجبها هو صمت وائل؛
لترفع يدها عن وجهها ببطء قبل أن تشهق بفزع وهي تستمع إلى صراخ وائل الذي ارتفع يملأ المكان
فور أن تلقى تلك اللكمة التي أطاحت به أرضًا.
وقفت تنظر لذلك الذي يرمق ذلك المتألم بغضب حارق بصدمة قد اعتلت ملامحها بوضوح؛
ل تخرج حروف اسمه حروف شهادة تنطقها بروح تُسلب من جسدها الذي يُزف إلى الموت:
"خالد!"
لم يستمع إليها، بل كل نظره كان معلقًا على ذلك الحقير المرمي أرضًا يتأوه بألم،
وذكرى يده التي كادت أن تصفعها ما زالت تتردد في ذاكرته؛
لينحني فوقه يكيل له اللكمات وسط ذهول رحمة التي صُدمت من رؤيته الآن.
ابتعد عنه بعدما فقد الوعي من كثرة الضربات التي تلقاها؛
ليرمقَه بنظرات احتقار قبل أن يلتفت إلى تلك التي انتفضت فور رؤيتها لنظراته الشرسة؛
لتحاول الحديث فخانتها حروفها؛
لتهرب تاركة إياها في مواجهة هذا الأسد الغاضب.
أطبق على معصمها بقوة جعلتها تصرخ بألم، ولكنه لم يبالِ؛
ليسحبها خلفه، ثم فتح باب السيارة ليدفعها إلى الداخل،
بينما اتجه إلى مقعد السائق؛
ليعتليه بصمت دام طوال طريق عودتهم.
حاولت الكلام مرارًا، ولكن تعابير وجهه المتجهمة جعلتها تصمت مجبرة
لحين رؤية ردة فعله والتي استنتجتها من نظراته الغاضبة التي تقسم أن يطلقها عليها ستقتلها حتمًا.
وصلت السيارة أسفل البناء؛
ليترجل منها تبعته هي في صمت؛
ل تتم رحلة الصعود في صمت تام حتى وصلا إلى شقتهم؛
ليفتحها بمفتاحه، ثم دلف ليغلق الباب بعد دلوفها الصامت،
ليلقي بمفاتيحه فوق الطاولة؛
لتصدر صوتًا جعلها تنتفض في مكانها وهي تتراجع للخلف خطوات قليلة؛
حتى تتفادى نظراته الشرسة قبل أن تستمع لصوته الذي خرج كفحيح أفعى تبث سمها؛
ل تقتل أي ذرة شجاعة بداخلها:
"مين ده يا رحمة؟"
حاولت الكلام؛
لتبرر له، فخرجت حروفها خافتة متلعثمة:
"خالد ممكن …"
هدر بغضب جعلها تنتفض في مكانها بذعر:
"ردي عليّ، مين الحيوان ده؟ وتعرفيه منين؟"
أخفضت نظراتها عنه؛
تحاول استجماع شتات نفسها حتى لا تسقط تلك الدموع الحبيسة بداخلها بالتحرر؛
ليجبرها هو على التحرر، تسيل على وجنتيها مستنجدة برحمته حين قبض على معصمها بقوة وهو يجذبها نحوه؛
ل تكون قابلته قائلًا بغضب وغيرة عمياء:
"انطقي يا رحمة، متجننيش."
أجابته رحمة بألم في محاولة للتخلص من قبضته:
"ده يبقى طليقي."
خفّت قبضة يده فوق معصمها، ولكنه لم يتركها،
بينما اعتلت الصدمة قسمات وجهه في محاولة لاستيعاب ما هتفت به للتو،
ولم يأخذ الأمر منه ثواني حتى استوعب جيدًا هذا؛
ليغلف الهدوء ملامحه وهو يسحبها إلى غرفته؛
حتى لا يتجمع السكان بالخارج على صوتهم؛
ليدخل مغلقًا الباب خلفه، ثم دفعها؛
ل تجلس على الفراش، بينما سحب هو إحدى الكراسي؛
ليجلس قابلتها، ثم تحدث بجمود عكس ما بداخله من غيرة تكاد تفتك به:
"إنتِ اتجوزتيه إمتى؟ وليه سبتيه؟"
رفعت نظراتها عن معصمها الأحمر أثر قبضته القوية فوقه،
قد حاولت الانشغال به لكنها لم تستطع،
لتلتقي بعسليته التي سادها السواد القاتم؛
ل تعكس لها ما يشعر به الآن، تخبرها أن الكذب في هذه الحالة لن يكون في صالحها.
تنهدت بتعب؛
ل تخرج نبرتها خافتة مصحوبة بحزن يعكس ما بداخلها من ألم وهي تقص عليه ما حدث
منذ تلك الليلة حتى اليوم الذي التقت به،
بينما كان يستمع إليها بملامح مبهمة حاولت فهمها، ولكنها كانت مُهمّة صعبة عليها.
أنهت حديثها ليعم الصمت المكان،
أخفضت هي نظرها؛
ل تتفادى تلك النظرات المبهمة؛ فهي تعبت من المحاولة،
بينما تابعها هو بتلك النظرات وكلامها يدور بعقله للحظات مرت عليها كالدهر،
حتى تفاجأت به يقف على قدميه متجهًا إلى الخارج بصمت ومنه إلى خارج المنزل كليًّا
تاركًا إياها تعاني من فقدانه بعدما شعرت بحبه وحنانه أخيرًا.
جلست تضم ركبتيها إليها تحاوطهم بذراعيها وهي تنظر أمامها بشرود
أصبح يلازمها منذ تلك الليلة التي تركها بها وذهب دون حتى أن يلقي بأي كلمة عتاب،
ومنذ ذلك الوقت وهو يتجاهلها تمامًا، مهما حاولت الحديث كان يتركها؛
ل يتمدد فوق الأريكة مريحًا ذاته من عناء اليوم، متجاهلًا تذمرها على نومه عليها؛
ل يكون التجاهل سيد علاقتهما طوال الأسبوعين المنصرمين.
حمدت الله كثيرًا أن عمر كان عند جدته حينها؛
حتى لا يرى مظهر والده الذي كان مرعبًا حتى عليها.
حتى أن وائل لم يحاول الاتصال بها منذ ذلك اليوم، وهذا ما أقلقها؛
فربما يحيك شيئًا؛
ل ينتقم من خالد على ما فعله به، ولكنها لم تجرؤ على السؤال؛
حتى لا تزيد المسافات بينها وبين زوجها أكثر.
انتفضت بخفة فور أن فُتح باب الغرفة؛
ل يدلف إلى الداخل بملامحه المرهقة؛
ل يتجه فورًا إلى المرحاض؛
ل يأخذ حمّامه الدافئ الذي يساعده على الراحة كعادته طوال الأسبوعين الماضيين.
ل تقرر هذه المرة التحدث معه حتى وإن غضب عليها؛
فهي قد عزمت على إنهاء معاملته الجافة اليوم وبأي طريقة.
انتظرت فترة ليست بطويلة حتى خرج وهو يجفف شعره بالمنشفة،
بينما يرتدي ملابس النوم الذي ظن أنه سيحصل عليه فور خروجه،
ولكنه لم يدرِ عن تلك التي كانت له بالمرصاد.
ألقى المنشفة فوق الكرسي، ثم اتجه نحو الأريكة؛
ل يعتليها كعادته، ولكنه وجدها تجلس فوقها بأريحية وهي تنظر إليه بملامح هادئة
منتظرة طلبه منها بأن تبتعد عن مكان نومه بلهفة.
ولكنه خالف توقعاتها حين اتجه نحو الفراش بهدوء تام تاركًا إياها تنعم بالأريكة كما تشاء،
فلم يأخذ الأمر منها ثواني لتستوعب ابتعاده هذا،
فاندفعت نحوه تمسك بيده موقفة إياه قبل أن يعتلي الفراش.
ل يزفر بضجر وهو يلتفت إليها ينوي إبعادها،
ولكنه تفاجأ بها تتحدث بغضب طفولي لا يليق بحالتهم أبدًا:
"في إيه يا عم إنتَ؟ شايفني شجرة قدامك؟!
على فكرة أنا بني آدمة زيي زيك، لولا بس ربنا فتحها عليك وطولت شوية،
لكن أنا بردو إنسانة بتكلم زيك."
تطلع إليها بدهشة للحظات يحاول استيعاب كلماتها الخرقاء وهو يكبت ابتسامته بصعوبة
قبل أن يحاول إبعاد يدها المتمسكة به بقوة؛
ل يزفر بضجر وهو يقول:
"عاوزة إيه يا رحمة؟"
أخفضت نظرها إلى الأسفل بخجل محاولة إيجاد الكلمات المناسبة لهذا الموقف
حتى تحدثت أخيرًا بنبرة خافتة:
"أنا آسفة يا خالد، إنتَ ليك حق تزعل، بس أنا خبيت عليك؛
علشان كنت خايفة."
عقد حاجبيه بتعجب من حديثها وهو يتساءل:
"خايفة مِن إيه؟"
أجابته بحزن قد غَلَّف قلبها منذ زمن:
"خايفة متصدقنيش زي ما عيلتي مصدقتش، خايفة تسيبني زي ما همّ سابوني،
وقتها صدقني كنت هموت يا خالد.
وضع يده أسفل ذقنها؛ ليرفع رأسها إلى عينيه سالبًا أنفاسها تمامًا وهو يتحدث بهدوء معاتبًا إياها:
"بس أنا مش ظالم أو تفكيري قديم علشان أكون زيهم، همّ مفكروش يسمعوكِ؛ علشان همّ خلاص اقتنعوا بفكرة واحدة ومش عاوزين يعرفوا الحقيقة، أنا مش كدا يا رحمة، وأظن إنك قضيتِ معايا وقت كويس يعرفك شخصيتي كويس."
أومأت له بملامح حزينة وهي تخفض نظرها مجددًا قبل أن تتحدث بحزن:
"إنتَ معاك حق، وأنا كنت ناوية أقولك كل حاجة، وكنت هتقبّل ردة فعلك حتى لو كانت البعد، أحسن مِن إني أنفذ اللي كان طلبه مني."
ابتسم خالد بخفة وهو يرفع وجهها إليه مجددًا؛ ليحدثها بنبرة حنونة:
"وأنا كنت واثق فيكِ يا رحمة، ومتقلقيش أنا مش زعلان منك، كل اللي كان مضايقني إنك خبيتِ عليّ واحنا لازم نبني علاقتنا على الثقة، كان لازم تثقي فيّ وتصارحيني بكل حاجة، ممكن؟"
أومأت له بابتسامة واسعة قد غزت وجهها لتنيره مجددًا، ثم تحدثت قائلة:
"أوعدك إني مش هخبي عنك حاجة تاني …"
قطعت حديثها وهي تتذكر ذلك المدمر كما لقبته، تتساءل بقلق قد غلف سعادتها:
"بس وائل هنعمل معاه إيه؟ ده مش هيسكت بعد اللي إنتَ عملته فيه."
تنهد خالد بهدوء، ثم أجابها ببساطة:
"مش هيقدر يعمل حاجة؛ لإنه ببساطة بقى في السجن."
ضاقت المسافة بين حاجبيها لتتساءل بتعجب:
"سجن! ليه؟"
أجابها خالد بنفس النبرة:
"كلمت ناس حبايبي في الداخلية، وطلبت معلومات عنه، وطلع إنه ناصب على ناس كتير، ويعتبر أنا عملت خدمة للوطن، وسلمته للبوليس، ومش هياخد أقل مِن 15 سنة سجن."
شهقت بخفة واضعة يدها فوق ثغرها تحاول استيعاب ما قاله وهي مَن ظنت أن الله يعاقبها، اتضح أنه أنقذها مِن بلاء كادت أن ترمي نفسها به، كم كان الله رحيمًا بها حين أنقذها منه ومِن قذارته، لتحمد الله بداخلها كثيرًا تشكره على إنقاذه لها.
رفعت نظرها إلى خالد ترسم ابتسامة واسعة على ثغرها قبل أن تتحدث بسعادة:
"إنتَ مش عارف إنتَ ريحت قلبي ازاي، بجد شكرًا يا خالد."
اقترب منها قليلًا؛ ليفصل تلك المسافة بينهما مخفضًا وجهه؛ ليكون قابلتها وهو يتساءل بمكر:
"في واحدة بردو تشكر جوزها؟!"
اعتلى التوتر ملامحها، لتبعد نظراتها عنه وهي تشعر بحرارة وجنتيها التي كساها اللون الأحمر مِن شدة خجلها بقربه.
لتبتعد خطوة إلى الوراء وهي تحاول تجميع شتات نفسها قبل أن تتساءل محاولة تغيير الموضوع:
"هو إنتَ عرفت توصلّي ازاي؟"
ابتسم خالد بخفة؛ ليجيبها على سؤالها متقبلًا تغيرها هذا حتى لا يخجلها أكثر:
"رجعت مِن الشغل بدري وشفتك وإنتِ نازلة، فاستغربت؛ إنتِ مقولتليش إنك خارجة، فمشيت وراكِ لحد ما وصلتِ، وبعدين الباقي إنتِ عارفاه."
أومأت له بخفوت قبل أن يتحول بدهشة وهي تتابعه يتجه نحو الأريكة يعتليها؛ ليغمض عينيه واضعًا معصمه فوقهم ليستعد للنوم وهو يتحدث بتعب:
"جهزي نفسك؛ علشان هنروح مشوار مع بعض بكرا."
كادت أن تسأله عن هذا، ولكن انتظام أنفاسه الذي دلّ على وقوعه أسيرًا للنوم الذي انتشله مِن تعب اليوم هو مَن جعلها تتراجع؛ لتتركه يرتاح تاركة لمخيلتها العنان في تخمين ما سيحدث في الغد.
أخذت نفسًا عميقًا تحاول به تهدئة ضربات قلبها التي أخذت تدق بعنف عن المعتاد وهي تترجل مِن السيارة؛ لتقف في مقابل هذا المنزل الذي رفض استقبالها مِن قبل.
تنقلت بأنظارها بين هؤلاء الأشخاص الذين فور دخولها إلى هذا المكان، ولم تتركها أعينهم؛ منبهرين بهذا الغناء الذي بدا عليها وهي التي ذهبت تمسك بحقيبة نصف ممتلئة؛ لتبتلع ما بجوفها بتوتر شديد قد بدا على ملامحها البيضاء؛ لتظهر ما بداخلها بوضوح.
انتفضت بخفة فور أن شعرت بيده التي أمسكت بخاصتها؛ لتلتفت إليه بنظراتها الخائفة؛ ليطمئنها بنظراته الهادئة وابتسامته الحنونة وهو يجذبها خلفه إلى ذلك البيت الذي أصبحت تبغضه وبشدة، سارت معه كالمغيبة، وكيف لا وقد تملكتها الدهشة مِن نظرات الجميع إليها؛ فهي ليست نظرات بغض أو استحقار كنظراتهم لها حين ذهبت، بل نظرات غريبة لأول مرة تراها بأعينهم وهذا ما أثار دهشتها.
دلفت معه بخطوات بطيئة؛ لتتوقف حين توقف هو، يدق جرس الباب منتظرًا خارجه قليلًا، تشبثت به أكثر؛ محاولة بث الطمأنينة بداخلها لوجوده بجانبها، ولكن كل هذا قد ذهب إدراج الرياح فور أن فُتح الباب؛ ليطل منه آخر شخص قد تود مواجهته الآن.
زادت مِن ضغط يدها فوق يده فور أن التفت إليها هذا الرجل الذي يبدو أنه في نهاية عقده الخامس، يطالعها بصدمة قد اعتلت قسمات وجهه بوضوح؛ لتخفض نظرها محاولة كبت دموعها؛ تعد نفسها للاستماع إلى إهانته لها وعتابها عن القدوم إلى هنا بعد ما حدث، إلّا أنها تفاجأت به يجذبها مِن بين يدي خالد؛ ليعانقها بحنان واشتياق وهو يهتف بابتسامة واسعة:
"رحمة، وحشاني أوي يا بنتي."
تجمدت في مكانها، وقد شلّت الصدمة تفكيرها لتصبح كالدمية التي أصبح يحركها كما يشاء.
أهذا هو نفس الرجل الذي طردها مِن منزله دون أن يستمع لبكائها أو لتوسلاتها؟! أهذا هو نفس الرجل الذي غلّفت القسوة قلبه؛ ليرميها خارج منزله؟! يدعوها بمجلبة العار عليهم! لا، بالتأكيد ليس هو؛ فهذا الحنان الذي يعانقها به الآن بالتأكيد مزيف؛ لوجود زوجها معها … زوجها الذي لا تعرف لمَ أحضرها إلى هنا أو كيف عرف هذا المكان مِن الأساس.
كادت أن تبعده هي بنفسها، ولكنه أنقذ نفسه حين أبعدها، وما زالت الابتسامة تزين ثغره؛ ليتجه نحو الباب يفتحه على مصرعيه وهو يدعوهم للدخول متجهًا نحو الداخل؛ يزف خبر مجيئهم إلى عائلته، بينما أمسك خالد بيد رحمة وهو يجذبها خلفه، لكنها توقفت متخشبة في مكانها وقد أبت الدخول إلى هذا المنزل مجددًا.
وقد اتضح له هذا مِن نظراتها النافرة التي لاحظها بعينيها حين التفت إليها؛ ليقابل ذلك النفور بنظراته المشجعة وهو يحثها بنظراته على الوثوق به واتباعه، لتمتثل في النهاية إلى طلبه، تخطو داخل هذا المنزل بخطوات بطيئة مترددة بعد عامين مِن تركه.
جلس كلًّا منهم في غرفة الصالون التي أُعدت جيدًا؛ لاستقبالهم بعد ترحاب حار مِن عائلة هذا الرجل بتلك الغائبة عنهم، لتنقل هي أنظارها بينهم بدهشة شديدة وقد أصابها الفضول في معرفة سر هذا التغير الغريب؛ فآخر مرة قد تواجدت هنا تلقّت كميّة إهانات لم تحصل عليها يومًا؛ بسبب ظنهم السوء بها، والآن يعاملونها بتلك الطريقة التي لم ترها حتى وهي تعيش معهم في هذا المنزل! حقًا هناك سر في هذا الأمر ويجب أن تعرفه.
التفتت نحو خالها المدعو بـ«محمود» ثم تساءلت بجدية مقاطعة حديثهم المرح معهم والذي اندمج به خالد:
"في إيه يا خالي؟ مالك؟ طريقتك متغيرة ليه عن آخر مرة؟! مش عوايدك تدخلني بيتك بعد اللي حصل."
صمت محمود وهو يخفض نظره إلى الأسفل باحراج منها؛ فهي محقة في أي شيء تفعله معه بعد ما فعله معها.
بينما رمقها خالد بنظرات غاضبة؛ ينهرها عن تلك الطريقة التي تحدثت بها مع خالها، ولكنها لم تهتم بها بل صبّت كل تركيزها على محمود الذي تحدث بعد فترة صمت قصيرة مخرجًا نبرته خافتة بها ندم واضح:
"أنا ظلمتك يا رحمة، ظلمتك وافتريت عليكِ، وسيبتك في أكتر وقت كنتِ محتجاني فيه، بس ربنا رجعلك حقك وخدهولك مِن كل حد ظلمك."
تطلعت إليه بدهشة قد زادت أضعافًا بعد ذلك الحديث الذي تفوه به، ليكمل هو بنبرة حزينة قد غلفها الندم بعدما لاحظ نظرات التساؤل بعينيها:
"عم وائل عرف يوصله بعدما هرب مع بنته، بعدما فضل سنة يدور عليهم وفي الآخر لقاهم وراح أخد بنته، ورفع قضية خلع على وائل، فهو مسكتش وجه هنا الحارة وعملّها فضيحة، وقال قدام الناس كلها إنها هربت معاه في ليلة الفرح بس عمه وقتها مرضاش يديهاله بردو، وكسب قضية الخلع متعرفيش ازاي، ومِن ساعتها ومشفناش وش وائل ده خالص، بس كل الناس عرفت براءتك يا رحمة، ومِن وقتها وأنا بدور عليكِ لحد ما الباشمهندس الله يكرمه اتصل عليّ مِن يومين وقالّي إنكم جاينلي انهارده، متصدقيش فرحتي كانت عاملة ازاي لما عرفت إنك اتجوزتي، وإن ربنا انتقم مِن وائل ده."
يا إلهي كم أنّ الله رحيم بعباده، قد عوضها بصديقتها حين بحث عن السند في المحنة، ثم خالد حينما احتاجت لمَن ينقذ شرفها مِن أن يكون علكة على لسان الآخرين، والآن صدفة قد جعلت الجميع يعلم ببراءتها، حقًا إن الله كان كريمًا جدًّا معها.
«فالحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه.»
ارتسمت ابتسامة بسيطة فوق وجهها فور أن هتفت زوجته وابنتيه بالإعتذارات الكثيرة طامعين في كرمها حتى تسامحهم، بينما تحدث خالها باعتذار وهو يخفض نظره بخجل؛ لتلتفت إلى زوجها تأخذ منه المشورة في هذا القرار؛ ليقترب منها هامسًا لها بابتسامة بسيطة:
"المسامح كريم، خليكِ اسم على مُسمى يا رحمة."
أومأت له بخفة قبل أن تقف على قدميها؛ لتتجه نحو خالها تجلس بجانبه، ثمّ أمسكت بيده تقبّلها باحترام قبل أن ترفع نظرها إليه تحدثه بصدق:
"وأنا مقدرش أزعل منك يا خالو، ده إنتَ الخير والبركة بردو."
أدمعت عيناه بدموع الندم قبل أن يستقبلها بين أحضانه بحنان قد نافس حنان الأب في مقامه، وقد غلفته السعادة بمسامحتها، يشكر الله على وجود فتاة كرحمة بحياته.
بينما تنهدت هي بارتياح لكرم الله عليها، وحصولها على هذا الحنان الذي اشتاقت إليه كثيرًا؛ تاركة الماضي بكل جوارحه خلفها؛ بادئة صفحة بيضاء سيخططها مستقبلها بحروف ذهبية تلمع بسعادتها التي بدأت مِن هذا اليوم.
مرّ أسبوعان على تلك الأحداث، كانوا مِن أجمل أيام حياتها حقًا؛ كانت تقضي أوقاتًا جميلة مع خالد وعمر وعائلة خالد وسمية تلك الفتاة التي اتضح أنها ألطف ما يكون، وقد أخذت مِن المرح نصيبًا كبيرًا، إلّا أنّ عيبها الوحيد هو التسرع في أخذ القرارات وهذا ما يُغضب البعض.
في إحدى الأيام
عاد خالد مِن العمل مساءً بعد أن أنهى أعماله ليتفاجأ بالظلام الدامس الذي كان يغلف المنزل، هتف باسم رحمة أو عمر، ولكن لم يجيبه أحد، لينتابه القلق متجهًا سريعًا نحو مقبس الكهرباء؛ ليضيئه قبل أن يلتفت خلفه بفزع على صوت صراخ عمر ورحمة اللذان هتفوا بسعادة:
"كل سنة وإنتَ طيب."
تنهد خالد بارتياح فور رؤيتهم سالمين أمامه، لتنتابه الدهشة فور رؤيته لتلك الطاولة المزينة تعتليها كعكة بالكريمة كما يحبها هو، بينما وقف خلفه عمر ورحمة متابعين تقدمه نحوهما بابتسامة واسعة.
توقف أمامهما وهو ينظر إلى كل هذا بدهشة، ثم رفع نظره إليهما متسائلًا:
"إيه ده كله؟! أنا عيد ميلادي لسة بكرا."
ضحكت رحمة بخفة وهي تلتفت نحو عمر الذي طالعها بابتسامة قبل أن يجيب على سؤال والده:
"الساعة دلوقتي 12 يا بابا، واحنا حبينا نكون أول ناس تقولك كل سنة وإنتَ طيب، ثم إن بكرا في بارتي كبيرة وكل عيلتنا معزومين."
رمقهما بعدم تصديق وابتسامة سعيدة تغزو ثغره،
لتمسك رحمة بالسكين تمدها إليه وهي تحدثه بابتسامة:
= اتفضل، يلّا طفي الشمع وقطع التورتة.
تحدث عمر سريعًا بعدما أمسك خالد بالسكين:
= ومتنساش تتمنى أمنية.
أغمض خالد عيناه لثواني قبل أن يفتحهما مخرجًا أنفاسه، لكي يطفئ كل الشموع التي أشعلتهن رحمة فور إضاءتها للأنوار.
ليصفق له الاثنان قاضِين وقتًا ممتعًا معًا قبل أن يستأذن عمر متجهًا نحو غرفته، لينعم بنوم هادئ.
بينما اصطحب خالد زوجته إلى غرفتهم التي فور أن أغلقها خلفهم حتى حررت رحمة نفسها من قيد ذلك الروب الذي كانت ترتديه فوق ثياب نومها، لتزيحه عنها ملقية إياه فوق الفراش، وليتها لم تفعل.
فقد تجمد في مكانه فور أن وقعت عيناه على ذلك الفستان الأحمر الذي كانت ترتديه أسفل الروب، والذي يظهر أكثر ما يخفي، ليبتلع ما في جوفه بصعوبة محاولًا إشاحة نظره عنها.
ولكنها لم تكن ناوية على خير حينما نادته بصوتها الناعم تجبره على النظر إليها، فيتجه نحوها كالمسلوَب حتى توقف أمامها وقد أيقن أن الليلة لن تمر على خير، ولمَ لا؟!
فهو له كامل الحرية الآن، وهي من دعته بحديثها ونظراتها التي أظهرت بداخلهما عشقها له، لتسلبه من هذا الواقع هاربة به إلى الخيال الجميل.
خرجت حروف كلماته بمكر جعل من وجنتيها كتلتين مشتعلتين وهو يحاوط خصرها مقربًا إياها منه:
= واضح إنك ناوية تخاوي عمر الغلبان ده.
ابتسمت بخجل مخفضة نظرها وهي تحدثه بارتباك محاولة التخفيف من رهبة الموقف:
= خالد، هو إنتَ اتمنيت إيه؟
وضع يده أسفل ذقنها، ليرفع عيناها إليه سالبًا ما تبقى من أنفاسها، لتنظر إليه كالمغيبة وهي تستمع إلى رده:
= اتمنيتك يا رحمة، اتمنيت تفضلي معايا لآخر أيامي، وكل ما أكبر كل ما حبك يكبر معايا … بحبِك.
وكأن فراشات العشق قد طارت خصيصًا من قلبها، لترفرف بسعادة قد اكتسبتها من كلمته التي جعلتها ترفرف بسعادة بين تلك الفراشات، لتردف بكلمة كانت كفيلة لتوحي ما بداخلها من عشق:
= بحبَك.
استند بجبهته فوق جبهتها متنهدًا بارتياح فور أن استمع إلى تلك الأحرف التي خرجت كسيمفونية موسيقية جميلة اللحن، ليردف قائلًا بعشق قبل أن يسلبها إلى عالمه الخاص:
«كان الطريق إليك صعبًا، ولكنه لم يكن مستحيلًا، أنا ممنون للقدر الذي ألقى بكلمته الأخيرة؛ ليجمع قلبين قد طال فراقهما.»