تحميل رواية «لخبطة مشاعر» PDF
بقلم اسماء محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
البقاء لله يا آنسة. أهلك في ذمة الله. وقفت مصدومة وهي مش مصدقة إللي بيحصل. حاسة إنها بتحلم، وإن كل إللي بيحصل مجرد هلاوس وهتفوق تلاقي عيلتها موجودة وكل واحد في أوضته. الدكتور فضل مراقب صمتها بتعجب. معملتش أي رد فعل من الصدمة. وقفت من غير ما تقول كلمة. صعبت عليه منظرها، يغني عن أي سؤال. قرب منها: آنسة، يا آنسة. بصت له بتوهان: نعم، حضرتك بتناديني؟ أنا دكتور أدهم. مش مركزة تماماً، بس ابتسمت: وأنا خلود. حس بوجعها وصدمتها من صوتها، وإنها لسه في مرحلة الصدمة. سكت مش عارف يقول إيه؟ ولا يواسيها بإيه؟ حس...
رواية لخبطة مشاعر الفصل الأول 1 - بقلم اسماء محمد
البقاء لله يا آنسة. أهلك في ذمة الله.
وقفت مصدومة وهي مش مصدقة إللي بيحصل. حاسة إنها بتحلم، وإن كل إللي بيحصل مجرد هلاوس وهتفوق تلاقي عيلتها موجودة وكل واحد في أوضته.
الدكتور فضل مراقب صمتها بتعجب.
معملتش أي رد فعل من الصدمة. وقفت من غير ما تقول كلمة.
صعبت عليه منظرها، يغني عن أي سؤال. قرب منها: آنسة، يا آنسة.
بصت له بتوهان: نعم، حضرتك بتناديني؟
أنا دكتور أدهم.
مش مركزة تماماً، بس ابتسمت: وأنا خلود.
حس بوجعها وصدمتها من صوتها، وإنها لسه في مرحلة الصدمة. سكت مش عارف يقول إيه؟ ولا يواسيها بإيه؟ حس أد إيه إنه صغير قدام بنت خسرت أهلها كلهم في يوم واحد واتيتّمت، وهو عمال خناقات متكررة مع والده وأحياناً بيتخانق مع والدته. حس أد إيه إن الدنيا صغيرة، وإن ممكن الحياة تحطه في نفس موقف خلود ويتحرم من عيلته.
اتكسف من نفسه إنه ساب البيت وقرر يبات في المستشفى كام يوم بسبب خناقات والده المتكررة معاه.
قرب منها: انتي كويسة؟
بصت له نظرات زاّيغة ومش عارفة تعمل إيه؟ حرفياً دماغها مشلولة، مش بتفكر. دماغها عبارة عن فراغ، وبالتالي هي حاسة إن عينيها زاغت، وإنها مش مركزة في حاجة.
خلود: أنا ظالمة. حاسة إني ظلمتهم، حاسة إني السبب. لا، أنا السبب. أيوة، أيوة.
فضلت تردد إنها السبب. وواحدة بدأت تصرخ وتفوق من الصدمة وتعمل رد فعل، بس مكنش متوقع إنها تقع من طولها فجأة كده.
وبدون أي كلام، نادى على الممرضة. إللي جريت بمجرد ما سمعت صوته. وهو شالها على أقرب أوضة كشف وحطها على سرير وبدأ يفحصها. وهي بتردد في حالة لا وعي: أنا السبب. يا ريتني مت قبل ما أكون سبب موتهم. أنا السبب.
بسرعة أداها حقنة مهدئة وأمر الممرضة تعلق لها محاليل. وبعدين بص لها: خدي بالك كويس منها يا سهير، وعينك عليها لأنها بمجرد ما هتصحي هتنهار. ودي مرحلة بعد الصدمة. عينك عليها كويس، وأنا كل شوية هاجي أطل عليها. مفهوم؟
سهير: أمرك يا دكتور.
تركهم وخرج بغضب وحزن شديد من نفسه. دخل مكتبه ورمى نفسه على الكنبة الكبيرة وبدأ يستعيد ذكرياته الحلوة مع باباه أيامهم سوا. بس شاف إن هي أوقات قليلة خطفها الزمن، لكن الخناق والخصام كتير. وأسهل حاجة يعملها يسيب البيت وييجي المستشفى يفضي همه في الشغل. لحد أمتى؟ لحد أمتى هيفضل الحال كدا؟ لحد ما يتفاجئ بنفسه بيخطفه الزمن بيتحط في موقف زي ده؟
حس بضعفه وغبائه وإنه لازم يصلح الغلط ده قبل فوات الأوان. وحس إن محنة خلود دي اتحطت قدامه عشان يراجع نفسه. ياااه على الدنيا.
لقى نفسه بدأ يفكر في خلود وشاف أد إيه مسكينة. بس يا ترى عملت إيه؟ شايفة إنه سبب موت عيلتها. أبوها وأمها وأخوها. إيه هو السبب إللي يخليها تنهار فجأة كده؟ خسرت أهم ركن في حياتها وبقت يتيمة حرفياً. بقت يتيمة. يا ترى هتعمل إيه؟ وفين باقي عيلتها؟ ليه محدش ظهر لحد دلوقتي؟
صحت خلود وهي بتطارد في كوابيسها وبتنهج. صرخت باسم عيلتها وهي بتبكي وحست إن حياتها انهارت ودنيتها كمان انتهت. هتكمل إزاي من غيرهم؟ كانت فاكرة إنها لازم تحطهم قدام الأمر الواقع. تسوى إيه الدنيا دلوقتي قصاد نظرة واحدة منهم.
دخلت الممرضة على صوتها، لقتها بتعيط جامد وفي حالة انهيار تام. صعبت عليها وراحت قعدت جنبها: البقاء لله. بس آنتي ليه منهارة؟ دا قضاء الله. المفروض تكوني قوية عشان تواجهي الدنيا دي.
هي بتتكلم وخلود بتعيط وفي دنيا تانية.
سهير: على فكرة أنا عارفة إنها صعبة والله. وإحساس بالعجز إنك تحسي إن أمان الدنيا كله اتحرمتي منه للأبد. بس هتفوت أيام وتعدي السنين وجرحك لازم يلتئم. لأنك لو ضعفتي الغابة وحوشها هتنهشك ومش هينقذك منها إلا رب العباد وقوتك. لازم تقوي نفسك. انهاري، لازم تنهاري. بس آخر اليوم بعيد عن عيون الناس. انهاري وفضي مخزون ضعفك عشان تخرجي الصبح تاني يوم مخزون قوة.
وقاطعتها خلود: الكلام سهل، بس الإحساس والفعل أصعب بكتير. كتير قوي.
صرخت: ااااه! محدش حاسس بالنار إللي جوايا. محدش حاسس إني في اللحظة دي بتمنى الموت. أنا حرفياً كرهت الدنيا من بعدهم. يارب يطلع كل إللي أنا فيه دا كابوس أو تذكير عشان ألحق نفسي من أي ضرر يصيبهم.
بصت لسهير: طلة واحدة في عيونهم. طلة واحدة بالدنيا كلها. أبويا الأمان والصدر إللي برمي حمولي عليه وخوفي وبشكيله عشان يجيب لي حقي. وأمي مصدر إلهامي وقوتي وأستاذتي إللي بتعلم منها. وأخويا الفرحة إللي بتنور بيتنا والشقاوة إللي مديّة روح لحياتنا. كل ده... كل ده مكنتش مقدراه وحاسة بيه. كنت مخنوقة من كل ده. كنت... كنت مغفلة. هعمل إيه أنا دلوقتي من غيرهم؟
صرخت بانهيار: هعمل إيه؟
إنهارت تاني. وفجأة بصت للفراغ قدامها. ومكنش قدامها غير حل وحيد وبس عشان ترتاح من التعاسة. الفراغ إللي هتعيش فيه من بعدهم. أيوة، لازم ترتاح من تأنيب الضمير.
وبصت للمقص بتوهان. بس قبل ما تعمل كدا حصلت حاجة منعتها من الوصول له.
رواية لخبطة مشاعر الفصل الثاني 2 - بقلم اسماء محمد
صرخت بإنها ر: هعمل إيه؟
إنهارت تاني. وفجأة بصت للفراغ قدامها. ومكنش قدامها غير حل وحيد وبس عشان ترتاح من التعاسة والفراغ اللي هتعيش فيه من بعدهم. أيوه، لازم ترتاح من تأنيب الضمير.
وبصت للمقص بتوهان. بس قبل ما تعمل كدا، حصلت حاجة منعتها من الوصول له.
سهير كلمت دكتور أدهم بسرعة عشان يلحقها قبل ما تعمل أي حاجة. محتاجة حد يساعدها إنها تسيطر عليها.
مسكت المقص وهي بتفكر في حياتها اللي فاتت وعيلتها. بتفتكر باباها ودعمه ليها وتفانيه في إسعادها هي وأخوها. كانوا عيلة حلوة قوي.
مامتها اللي ومكنتش يتهنالها بال إلا لما تطمن عليها، وتغطيها لو اتعرّت بليل، وتحميها لو خافت من شيء، وتشجعها لمستقبلها.
أخوها اللي كان أمانها وعزوتها وفخرها. إن أخوها غير كل الإخوات. ياه، كل دا راح فجأة. ويمكن السبب هي. أيوه، هي.
هما رفضوا كتير قرارها، بس هي كانت دلوعتهم وصممت على القرار وهي شايفة إنه أفضل قرار وفرصة في حياتها. إزاي؟ شافت قرارها صح. وقصاد رفض عيلتها فكرت إن لما تحطهم قدام الأمر الواقع، الأيام كفيلة تشفع لها عندهم.
بس كانت غلطانة. يا ريتها سمعت الكلام. ومعندتش. يا ريت.
بصت تاني للمقص بشرود. وسهير بتحاول تمنعها. وهي صعبانة عليها جدا. خافت تأذي نفسها.
بصت خلود للمقص ورفعت راسها للسما. وشيء إلهي منعها. أيوه، مينفعش تصلح غلط بغلط أكبر. لا، مش هو دا الصح. يعني عشان يئست هكفّر؟ بدل ما أندم وأحاول أصلح غلطي؟ يمكن يسامحوني ويرتاحوا في موتتهم؟
هدّت تماما وهي بتحاول توصل لسلامة قلبها من الألم اللي سيطر عليها.
دخل دكتور أدهم بسرعة. وهو كان متوقع أسوأ الاحتمالات. لكنه اتفاجأ إنها رمت المقص وابتسمت بحزن شديد. وبتحاول تتقبل اللي بيحصل. بس مش قادرة تمنع دموعها.
قعدت على الأرض وانهارت من العياط.
مكنش عارف بالظبط يعمل إيه في اللحظة دي. أو يتكلم إزاي. طول عمره بيواجه مرضى الصدمة. بتعمل فيهم أكتر من كدا. خصوصا لو مات حد عزيز عليهم. بس مش عارف ليه دي بالذات حاسس ناحيتها بحزن وخايف عليها جدا.
قرب منها وبص لسهير: روحي أنتي يا سهير. شوفي وراكي إيه.
سهير: بس يا دكتور، إنت مكملتش نوم.
تنهد: لا، بس روحي. بعرف أتعامل مع قلة النوم. روحي شوفي شغلك وأنا هقعد معاها شوية.
سهير: طيب، عن إذنكم. وربنا يصبرك يا حبيبتي. شدي حيلك.
خرجت سهير. وفضلت خلود تبكي بإنها ر.
قعد أدهم قصادها يتأمل ملامحها. ودي كانت أول مرة يعمل كدا مع حد. حس إنه سرح زيادة. فاق لنفسه وبلع ريقه وحاول ينفض أي فكرة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
سكتت خلود بعد ما خلاص مبقتش قادرة تبكي أكتر من كدا. ورجعت للصمت تاني.
استناها لما خلصت انهيار وبصلها: إنتي بتحبي عيلتك أوي كدا؟
بصت له خلود بصمت.
طال: ممكن أعرف أنتي ليه محملة نفسك ذنب موتهم؟
طال صمتها ودموعها نازلة في صمت. وهي قاعدة على الأرض وأدهم قصادها. ومش عارف ياخد منها حق ولا باطل. وكل ما يسألها سؤال تقابله بالصمت ودموع صامتة.
لحد ما سألها: طيب فين عيلتك عشان تصريح الدفن؟
وقفت مرة واحدة: أنا هعمل الإجراءات.
وقف أدهم وبصلها: أنا خلصت كل الإجراءات ومستنيكي عشان تقوليلي فين عيلتك ومين هيدفن؟ يعني ممكن تكلمي حد من قرايبك عشان متكونيش لوحدك؟
بصت له: مش عندي حد. هما كانوا عيلتي. أبويا وأمي وأخويا. أمي طول عمرها تقولي إننا مقطوعين من شجرة. وإحنا بقالنا كتير في القاهرة. لما أخويا جتله فرصة شغل هنا نقلنا كلنا من بني سويف للقاهرة. ويا ريتنا ما جينا. يا ريت.
صرخت بضعف: يا ريت مكنش دا كله حصل. مكنتش قابلت كل التغيرات دي في حياتي. يمكن كنت فضلت زي ما أنا. حتة مدرسة وخلاص بشهادتي. يا ريت مكنتش جينا. كان زمان الحال غير الحال.
أدهم: احمدي ربنا على كل حال.
بصت له بحزن ورددت: الحمد لله.
أدهم: طيب هتدفنيهم فين؟
هنا بصت له بحزن: مش عارفة. صدقني مش عارفة.
حس بالشفقة ناحيتها. ومرة واحدة: تمام. ومتقلقيش. كل حاجة هتتحل. وأهلك هيتدفنوا ويتستروا الليلة.
طلع موبايله وطلب رقم الغفير: أيوه يا عم عزت. أنا أدهم صبري. أيوه. عاوزك تفتح المقابر. هتستقبل تلت أموات عندكم. معلش أنا عارف إن الوقت متأخر بس إكرام الميت دفنه. جهز المقابر ومتشغلش بالك إنت بأي حاجة. يلا سلام.
قفل وبصلها: متقلقيش. بس خليكي قوية عشان تعرفي تواجهي حياتك اللي جاية. جاهزة؟
بصت له بصة امتنان وشكر: شكرا لحضرتك.
ابتسم أدهم: شكر على واجب. الناس لبعضها. اتفقنا هتبقي قوية؟
هزت راسها تحاول تمنع دموعها: حاضر.
أدهم طلع مفتاح من جيبه: دا مفتاح أوضة العيادة. آخر الطرقة يمين. خديه باتي فيه لحد الصبح. وأنا همشي أروح عشان الإجراءات الخروج والدفن. وادعيلهم بس حاولي تنامي كويس عشان تصمدي في الأيام الجاية. هتبقي صعبة.
تنهدت: أنا عاوزة أجي معاك. عاوزة أودعهم لآخر مرة. ينفع؟
حس بضعفها وترجيها له: كان على عيني. بس بلاش. الوقت أتأخر. خلينا ننجز. وعشان متنهاريش تاني. دا هيبقي غلط عليكي.
سكتت واخدت المفتاح وراحت لأوضته من سكات وهي بتبكي بصمت.
أما هو فبص لأثرها بحزن وبيدعي ربنا يعدي الأيام الجاية على خير.
اتصال مفاجئ خرجه من أفكاره وصدمة له..... ياترى إيه اللي حصل؟ وإيه اللي هيحصل لخلود؟ وإيه المستقبل اللي مستنيها؟
رواية لخبطة مشاعر الفصل الثالث 3 - بقلم اسماء محمد
سكتت واخدت المفتاح وراحت لأوضته من سكات وهي بتبكي بصمت.
أما هو، فبص لأثرها بحزن وبيدعي ربنا يعدي الأيام الجاية على خير.
اتصال مفاجئ خرجه من أفكاره وصدمة له. فتح المكالمة وكان والده. عرف ساعتها إن عم عزت بلغه باللي حصل. اتنهد لإنه دلوقتي هيواجه أسئلة والده وهو عاوز يخلص الموضوع اللي كلف نفسه بيه.
"إزيك يا بابا؟"
(صبري): "يا أهلا. ممكن أعرف إيه الحكاية يا دكتور؟"
أدهم: "حكاية إيه يا بابا؟"
الأب: "حكاية فتح المقبرة. دلوقتي في الوقت ده، في إيه يا أدهم؟"
اتنهد أدهم: "بص يا بابا، أنا هختصرلك الموضوع ببساطة. إن فيه عيلة اتوفت وهما مالهمش مقابر ولا ليهم مأوى. وطبعًا إكرام الميت دفنه. ومش هينفع ندور على مقابر صدقة في الوقت ده. هما عيلة مكونة من ٣ أفراد، الأب والأم والابن، وماتوا في حادثة."
حس الأب بالفخر لتصرف ابنه وإنه بدأ يكون مسؤول. اطمن إن ابنه هيصلح كل حاجة ويفتخر بيه.
(صبري): "طمنتني. أصل الغفيرة كلمني وقال لي على طلبك، فاستغربت وخفت يكون فيه حاجة. إنت عارف بحب أطمن."
قاطعه أدهم: "لما أرجع يا بابا، أوعدك إن لينا كلام مع بعض وكل حاجة هتتغير بإذن الله. أنا اتعلمت النهاردة حاجة أهم من كنوز الدنيا كلها."
ابتسم الأب بفخر: "وأنا مستنيك. كمل مهمتك."
أدهم معرفش يبتسم، وخصوصًا لما افتكر خلود ومأساتها.
الأب لاحظ إن أدهم لسه على الخط وساكت. حس إنه عاوز يقول حاجة فبادر:
(صبري): "عاوز تقول إيه ومتردد يا دكتور؟ قول."
أدهم باستغراب: "حضرتك عرفت منين إني عاوز حاجة؟"
ابتسم الأب: "أنا أبوك. ومش هقولك غير الكلمتين دول: قول عاوز إيه؟"
أدهم: "بصراحة يا بابا، فيه موضوع كدا..."
وحكاله كل حاجة عن خلود وانهيارها وإن دي عيلتها. فهم صبري سبب تغيير ابنه وعرف إيه تفكيره في اللحظة دي. ورغم إنه حزين على مأساة البنت واللي هي فيه، بس فرحان إن الموقف ده اتحط فيه عشان يتعلم. ولو مكنش فاق بسبب موقف زي ده، يبقى إنسان تافه ملوش لازمة في الحياة ومبياخدش دروس من مواقف الحياة المختلفة.
(صبري): "ربنا يصبرها. هي فين دلوقتي؟"
أدهم بحزن: "أديتها مفتاح عيادتي تبات فيه لحد ما أرجع. كانت مصممة تيجي معايا، بس اللي شفته من انهيارها مينفعش أعرضها لانهيار تاني وهي بتودعهم، وخصوصًا إنها شايفة إنها السبب في موتهم."
اتنهد صبري: "اسمع يا أدهم، أنا جايلك. انتظرني. وهبعت والدتك ليها، تكون جنبها وتواسيها."
أدهم بفرحة حقيقية: "بجد يا بابا؟ كتر خيركم. صدقني هيشكل فرق في نفسيتها قوي لما تحس إننا حواليها وبندعمه، وإنها مبقتش لوحدها."
(صبري): "تمام يا دكتور. في رعاية الله."
قفل تليفونه وحس بارتياح رهيب. وبعد ما كان خايف من توبيخ والده، فرح إن عيلته دعمته وواقفة جنبه وجنب البنت دي. حابب يساعدها وميسيبهاش لوحدها. مش بس كدا، لا دا كمان هيخلي عيلته كلها حواليها.
***
قفلت باب العيادة عليها. ومجرد ما بقت لوحدها، انهارت من العياط وحست بفراغ رهيب في قلبها. حست قد إيه هي خسرت كتير، وإن عيلتها دي كانت أكبر نعمة في حياتها. صورتهم جت في بالها وكأنهم قدامها. بكت وهي بتقرب من باباها تلمسه وهي بتبكي، لكنه خيال. وبمجرد ما قربت اختفى. وهكذا، لكنها حاسة بيهم حواليها. خايفة قوي. الحياة من غيرهم أوحش ما تكون.
ضمت نفسها بانهيار: "أنا السبب. أنا السبب. أنا قاتلة. أنا اللي قتلتكم بعنادي ودلعى الزيادة. كان هيجرى إيه لو سمعت الكلام ومعندتش ليه؟ ليه؟ هعيش مع مين دلوقتي؟ سيبتوني بقيت وحيدة ليه؟ مش معايا. سامحوني، سامحوني يا أغلى الناس. أنا وحشة جدا ومش كويسة."
مرة واحدة قامت وقررت تشوفهم للمرة الأخيرة. وفتحت الباب وقابلت ممرضة.
"لو سمحتي، أنا عاوزة أشوف عيلتي قبل ما تدفنوهم."
لكن الممرضة مكنتش عارفة هي بتتكلم عن مين. بس بصتلها وشافت وشها النهار وآثار الدموع اللي مغطية ملامحها وانتفاخ جفونها.
"أنا مش عارفة آنتي بتتكلمي عن مين. لكن بما إنك بتقولي ميتين، يبقى غرفة التلاجة اللي بتتحفظ فيها جثث الميتين اللي في الدور اللي تحت. اسألي هيدلوك."
جريت على تحت بتحاول تدور على حد يدلها على الأوضة. ووصلت مع ممرضة دلتها على الأوضة. دخلتها برجل قدام ورجل ورا وهي خايفة جدا ودموعها مبتنشفش. بس اتفاجئت إنهم مش في الأوضة.
"أمال راحوا فين؟"
الممرضة: "يظهر إنهم اتحركوا عشان الدفن."
بكت خلود وقد تيقنت إن الطبيب أخذهم قبل أن تودعهم وتراهم لآخر مرة. ووقعت مغمى عليها.
***
بعد مرور ٤ أيام.
كانت في أوضتها في البيت قاعدة على السرير وحاضنة صورة عيلتها وبتبكي.
"سبتوني ليه؟ سبتوني لوحدي ليه؟ مفكرتوش هعمل إيه من غيركم؟ هروح فين وأجي منين؟ ليا مين دلوقتي؟"
تليفونها رن. قررت تتجاهله زي ما بتعمل من يوم الخبر ده. من يوم الخبر وهي في دنيا تانية قافلة على نفسها مش بترد على حد. حتى العزاء مكنتش دارية بحاجة. الجيران قاموا معاها بالواجب وحلوا محلها.
التليفون سكت. وهي فضلت مسهمة وبتسرح وتايهة بين ذكرياتها معاهم. أخدتها ذكرياتها لأيام صباها وأيام فرحها وحزنها وكل لحظات حياتها اللي فاتت، وكل واحد فيهم ليه دوره الأساسي في حياتها. وكانت حاسة بريحة الدفا والعيلة الجميلة لحد اليوم المشؤوم ده.
"ماما!"
(رحمة): "بالراحة يا خلود، على مهلك. مالك فيه إيه؟"
خلود قربت منها وطبعت قبلة على خدها بحب: "اديني الأمان الأول وبعدين أتكلم."
ضحكت رحمة: "اديكي الأمان يا خلبوصة. شكلك عاملة عاملة وعايزة ني أغطي عليها كالعادة."
خلود بمرح: "أخس عليكي يا رحوم. أنا بتاع كده برضه؟"
ضحكت رحمة: "دا أنتي أبو كده. ارغي، نيلتي إيه؟"
خلود بحزن مصطنع: "الله يسامحك."
طبعت رحمة قبلة على خدودها المكرمشة باصطناع: "دخيله قلبي."
ابتسمت خلود. وكملت رحمة: "بس برضه ميمنعش إن شكل وراكي مصيبة. ارغي."
ضحكت خلود. تظاهرت بالجدية: "والله يا رحوم، هي حاجة كده. أنا عاوزة أعملها بس مترددة أقولكم ترفضوا."
رحمة تظاهرت بالتفكير: "فزورة دي؟ فيه إيه يا بت؟ أقولكم ترفضوا الجمع كمان؟ يعني شكلك متأكدة إن أبوكي كمان هيرفض، وإلا مكنتيش جمعتي."
اقتربت خلود: "ومهمتك يا رحوم تفضلي وراه تقنعيه."
رحمة ضحكت: "مش لما أعرف هو إيه الأول؟ وأشوف هقتنع ولا لأ؟"
خلود بتردد: "أنا اتعرض عليا مسرحية."
ضحكت رحمة بقوة واستغربت خلود ردة فعلها. بس فكرت ممكن تكون من الصدمة.
"هو إيه اللي بيضحك؟ أنا مش فاهمة."
رحمة: "يعني هي دي كل الحكاية؟ دي مش محتاجة رأينا. طالما تبع المدرسة اللي بتشتغلي فيها وهتشرفي عليها، إيه المانع؟ هنرفض ليه؟ أما أنتي هبلة بصحيح."
خلود بتردد: "لا يا ماما، أنا مش هشرف عليها وهي مش تبع المدرسة."
سابت رحمة اللي في إيديها وبصت لها بشك: "إحنا رجعنا الموضوع تاني يا خلود؟ مش عرضتي الموضوع ده على أبوكي من كام سنة وإنتي في المدرسة؟ ومرة وإنتي في الكلية؟ ورفض رفض قاطع. قال لك عنديش بنات يدخلوا المجال ده ويجيبوا العار ويبوظوا سمعة العيلة؟"
خلود بحزن: "وهو إيه يا ماما اللي هيلوث سمعة العيلة؟ التمثيل عمره ما كان كده. أنتو فاهمينه غلط."
رحمة: "إحنا مش فاهمين غلط. دا خراب بيوت. ومش هتفهمي أكتر منا، وبلاش تفسري أكتر من كده، لأن ممكن تسمعي رد مش هيعجبك."
خلود بمعارضة: "يا ماما."
قاطعتها رحمة: "من غير ما تعارضيني. متنسيش أصلنا، وإنا صعيدة. اقفلي الموضوع وركزي في شغلك. مالها مدرسة؟ شغلانة شريفة وليها هدف، مش زي الكلام الفارغ ده."
خلود واتملت الدموع في عينيها: "ومين قال إن التمثيل كلام فاضي وملوش هدف؟ كل حاجة في الدنيا بتقدم هدف."
قاطعتها رحمة بصرامة: "أنا قولت لعندي. ولو خايفة على نفسك، متقوليش حاجة لأبوكي وبلاش تثيري غضبه وتجيبي آخره. إحنا نعرف عنك على رأي المثل: أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة."
خلود: "يا ماما."
قاطعتها رحمة: "روحي شوفي وراكي إيه؟"
فاقت خلود على صوت التليفون تاني. لقت نفسها حاضنة صورة العيلة جامد ودموعها مغرقة وشها. التليفون مش بيبطل زن. اتحركت من مكانها وجابته. وبصت. كانت سلمى. فكرت ومتردش وتقفل التليفون، بس رجعت غيرت رأيها وردت بصوت مبحوح من أثر العياط: "أيوة يا سلمى."
سلمى: "أخيرًا رديتي؟ عاملة إيه النهاردة؟"
خلود: "هكون عاملة إيه؟ أنا زي ما أنا. أنا لسة عند نقطة الصفر، النقطة اللي سابوني عندها."
سلمى بحزن: "ربنا يصبرك يا حبيبتي. بقولك إيه؟ هتفضلي كده كتير؟"
خلود باستغراب: "كده اللي هو إزاي؟"
سلمى: "يعني الحزن في القلب وعمرك ما هتنسيهم في كل لحظة في حياتك. بس بلاش انهيار وقعد لوحدك. غلط عليكي وعلى جسمك يا بنتي."
كانت هترد بس قطعتها: "أنا هلبس وجايةالك. يا نخرج يا أفضل معاكي."
وقبل ما ترد أو تعترض، قفلت. رجعت خلود وقعدت مكانها تعيط وتفتكر وتبكي على لحظاتها وتندب نفسها. هي فعلا محتاجة حد جنبها يواسيها. لو فضلت كده هتطق. ممكن تتجنن وتعمل في نفسها حاجة من الحزن وإحساس بالذنب. يمكن أول مرة في المستشفى رجعت بعقلها. في لحظة محدش عارف يمكن الشيطان يلعب في عقلها ويكبرها في عقلها. بس هل هي لدرجة دي يائسة من رحمة ربنا؟ عشان كل لحظة تفكر تخلص من حياتها. أد كده هي يائسة؟
نطقتها وقامت بتستعيذ من الشيطان وقررت إنها هتفوق لنفسها وترجع حياتها العادية. تشتغل وتدفن نفسها وتحاول تكون الشخصية اللي باباها كان بيتمناها ويفتخر بيها. أيوه العياط دلوقتي مش هيرجعهم. لازم تهتم بحياتها وتعمل كل اللي كانوا عايزينها تعمله. مبدئيًا كده لازم تتقرب أكتر من ربنا وتوطد علاقتها بيه أكتر، وهو هيسد ثغرات الشيطان عنها. وهتتفانى مع نفسها. مش بس الفروض اللي بتصليها مش كفاية. لازم تقرب أكتر. أيوه القرآن والصيام وتطهير النفس من كل رجس.
وفي وسط أفكارها رن جرس الباب. سألت باستغراب: "هي سلمى بايتة ورا الباب؟ هي لحقت توصل؟ إلا لو كانت بتكلمني وهي في الطريق."
مشت تفتح الباب وهي مستغربة. بس لما فتحت الباب اتفاجئت بآخر حد توقعت تشوفه. وبصتله بصدمة: "إنت؟!"
رواية لخبطة مشاعر الفصل الرابع 4 - بقلم اسماء محمد
وقفت خلود مصدومة وهي تنظر إلى الشخص الواقف على الباب. جاء في بالها ذكرى الأيام التي فاتت، وحست بالقهر لأن بسبب ما حصل وبسبب الزن، خسرت أهم ركن في حياتها.
نظرت إليه كثيرًا وهي تشعر بالغضب من نفسها لأنها لم تسمع كلام عائلتها، الذين كان كل همهم سمعتها وخوفهم على ابنتهم من هذا العالم. فبقدر ما هو مبهج وجميل ومغري ويبرق من الخارج، بقدر ما هو مخيف جدًا لأنه يعرض حياتنا للعلن، ولا نعرف كيف تكون لنا خصوصية. حياتنا تكون في حذر أن تلمح الأضواء أي شيء تخرج عليه إشاعة.
أكيد هم لديهم حق، لكنها كانت... كانت متعلقة، مبهورة بالأضواء هذه. ربما أضواء القاهرة زغللت عينيها.
بصلها بهدوء:
"هنفضل واقفين كدا كتير يا آنسة خلود؟"
بصتله تاني:
"عاوز إيه؟"
بهجت:
"عاوزك!"
بصتله خلود بإستغراب:
"أفندم! إنت جاي تقل أدبك، وترمي بلاك على بنت عايشة وحدانية ومفكرة إن معدش ليها ضهر يحميها؟"
قاطعها بهجت وهو بيحاول يسكتها:
"إيه الموشح الطويل ده؟ أنا عرفت اللي حصل وجاي أعزيك."
بنبرة كلها سخرية بصتله:
"لا وإنت بتاع واجب آوي، كتر خيرك يا أخويا. واجبك وصل، يلا طرقنا مع السلامة."
وقبل ما تقفل الباب، وقفها:
"أنا عندي كلمتين ليكي، يا ريت تهدي كدا تسمعيني."
بصتله بغضب:
"الكلام انفض بينا يا أستاذ بهجت. كان يوم هباب يوم ما سمعت كلامك وعملت المسرحية."
بهجت بغضب:
"لا يا حلوة، الكلام ما اتفضش وإسمعي بقا بالكارثة اللي اتسببتي فيها."
بصت له بتوتر. يا ترى يقصد إيه؟
بهجت:
"مش هتخليني أدخل نتكلم جوه؟"
توترت وحست برعشة في جسمها لما أدركت الحقيقة بعد جملته دي. بكلمته دي بينبهها إنها بقت لوحدها. يا ترى هتاخدها الدنيا على فين تاني؟
بهجت:
"بتفكري في إيه؟ هو إنتي بتفكري هتدخليني ولا لأ؟"
خلود بغضب:
"ومين قال إني هدخلك أصلاً. ما هو أكيد حضرتك لاحظت إني بقيت لوحدي بطولي وعارف الناس لسانها مبيرحممش. ارحمني إنت وهوّنيني ووفر أي كلام خليهولك. واسمع لما أقولك بقا بلا رغي كتير، أنا شلت فكرة التمثيل ومسحتها من راسي كأن لم يكن."
بهجت فاجئها ودخل من غير استئذان، بل واللي فاجئها أكتر إنه بكل وقاحة قفل الباب وراه:
"اعقلي بس كدا وتعالي نتكلم. أنا لا هخطفك ولا هفكر أتحرش بيكي، أنا أكبر من كدا بكتير."
قربت منه وضربته بالقلم على جرأته، بل على الفترة اللي فاتت اللي فضل يلف عليها عشان ينفذ الفكرة ويمثل المسرحية معاه. يا ترى كان عقلها فين وهي بتعصي أمر عيلتها كدا؟
بهجت وقف بغضب وبصلها ولجرأتها واتكلم بغضب:
"إنتي إزاي اتجرتي وعملتي حاجة زي دي؟ إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ هو عشان ساكتلك من ساعتها هتسوقي فيها؟"
خلود بحجة:
"وطي صوتك. إنت مفكر إيه؟ إني ضعيفة؟ لا. امشِ اطلع بره وما أشوفش وشك أبدًا."
سكت وايده على وشه مكان ما ضربته. قرب منها وهي بعدت بخوف، وكل ما يقرب تبعد بخوف:
"إنت بتعمل إيه؟ فيه إيه؟ لو اتحركت أكتر من كدا هصوت وألم عليك الناس."
ضحك بسخرية:
"أنا هبصلك إنتي؟ بصي على نفسك بس. دا إنتي حتى مفيش فيكي حاجة تشد. دا لولا إن نفسي حلوة مكنش حد أصلاً عبرك. أنا قلت عندها موهبة وأنا بقول أكسب فيكي ثواب."
فاجئته تاني وضربته بقوة. ما قدرتش تسمعه أكتر من كدا وهو بيعيب فيها ويهينها في أنوثتها.
بصلها بغضب:
"لا، إنتي زودتيها آوي بقي."
يوجع يضربها، بس اتصدتله، وده شيء عجبه إن هي مركزة ورد فعل سريع. وبسرعة لف دراعها ولواه على ضهرها وهي اتألمت جامد:
"إنت عايز مني إيه؟"
قرب منها وهمس:
"إنتي بسبب أهلك سبتي بقيت المسرحية ومكملتيهاش، وده سبب خسائر مهولة. ودا كله بسببك."
خلود بغضب وهي بتتألم من دراعها اللي ماسكه ورا ضهرها بقوة:
"قلتلك أنا مش هكمل. اعتبره زي ما تعتبره واعمل اللي يريحك."
شد دراعها أكتر، وده خلاها تصرخ بألم:
"أبعد عني بقا! عاوز مني إيه تاني؟"
بهجت:
"يا ترجعي الشغل يا ترديلي فلوسي. يا حلوة، متنسيش إنك موقعة على عقد ملزمة بيه."
نزل عليها الكلام زي الصاعقة. نسيت موضوع العقد نهائي ونسيت الشرط الجزائي لانسحابها. وقعت عليها مشكلة جديدة.
بصلها وهي مصدومة:
"أيوة كدا ركزي وشوفي مصلحتك فين؟ هسيبك تفكري يومين زي ما بيقولوا. يومين تزعلي على أهلك وشوفي هتختاري إيه. أظن هتختاري الأسهل، وده اللي أتمناه."
سحب دراعها أكتر، وهي فضلت تتألم ودموعها نزلت تاني. وهو سابها ومشى.
وفي نفس اللحظة دخلت سلمى. شافتها وهي منهارة في الأرض وبتعيط. جريت عليها بخوف وخدتها في حضنها. وخلود مش بتردد غير:
"مني لله! أنا السبب، أنا اللي جبته لنفسي وشكلي هعاني بسبب القرار المتهور ده."
سلمي بخوف:
"فهميني بس فيه إيه؟"
فضلت وقت بتحاول تسيطر على نفسها، وبدأت تحكيلها بين ودموعها كل حاجة حصلت والقرار اللي كان السبب في خسارة عيلتها في الحادثة المشؤومة.
خدتها سلمى في حضنها بشفقة على حياتها وإيه اللي هيود عليها في المستقبل.
سلمى مرة واحدة:
"ما تتجوزي يا خلود. القرار ده هيحل نص مشاكلك."
بصت خلود لسلمى بصدمة.
عند أدهم، كان لسة داخل أوضته وكان راجع من المستشفى تعبان وعاوز ينام ويريح جسمه شوية بعد اليوم الشاق ده. يدوب دخل خد شاور وهو بيحاول يركز ويوزن أفكاره ويدفن نفسه في الشغل ويرجع أدهم بتاع زمان.
ومرة واحدة لقي تفكيره بيروح لخلود، البنت اللي الصدفة جمعتهم في المستشفى لما الممرضة نادتله إن فيه عيلة عملت حادثة وكانوا شبه ميتين. وبعدها يتفاجئ بخلود بتجري زي المجنونة وانهيارها وخوفها وتأنيب نفسها. أكيد في حاجة كبيرة حصلت بينهم مخلياها شايلة ذنب موتهم.
ورغم إنه عارف إنه ملوش دعوة، بس حاسس إحساس غريب. إحساس دايماً بيحاول يترجمه إنه شفقان عليها وبس. أيوة، مفيش غير كدا. إيه اللي هيحصل غير كدا أصلاً؟ للشفقة على حالتها وإنها فتحت عنيه عشان يرجع يهتم بعيلته، وخوفه إن كل إنسان معرض لأي خسارة في أي لحظة.
بس كل شوية لما تيجي سيرتها في باله، يحس برجفة بنبضات قلبه وبيحس الحنين ناحيتها. مش مجرد شفقة بقي، مش عارف الشعور ده ولا عارف يفسره.
خرج من الحمام دخل أوضة اللبس ولبس بسرعة وخرج لقي والدته قاعدة في الأوضة مستنياه. استغرب بس ابتسم وقرب وباس جبينها:
"خير يا ست الكل."
(نظيرة):
"كنت مستنياك."
أدهم:
"خير؟"
نظيرة:
"أبوك واخوك سبقونا للفرح. مش هتوصل؟"
بصلها وتنح:
"فرح؟ فرح مين ده؟"
نظيرة:
"إيه يا واد؟ دا أنا قايلالك فوق الخمس مرات النهاردة بنت طنطك فاتن ومعالي وكيل وزارة البيئة."
أدهم:
"أسف يا ماما، كان عندي عمليات كتير النهاردة وتعبان ومصدع ونسيت وسط الأحداث. طيب ما أخدتيش السواق معاكي ليه؟"
نظيرة:
"بقي آخد السواق وأنا أدهومي دليلي؟"
أدهم بتريقة:
"وادهمك إيش ضمنك إنه ميبعش وينام لإنه هيموت وينام؟"
نظيرة:
"أهرب بالنوم وأسيبني كدا آكل في نفسي؟ أندم إني ما رحتش مع صبري وفارس. أنا غلطانة وقلت أدهم بقاله فترة وسط المرضى والأمراض هيحتاج يفصل شوية. استناه وتيجي سوى."
قاطعها:
"بس بس، هتعمليلي فيلم. يلا اجهزي وأنا خمس دقايق وأكون جاهز."
زوجات تمشي. قرب بهدوء وهمس بحاجة في ودنها.
في قصر كبير، يعلن الخادم للشاب إنه جده عاوزه في المكتب ضروري.
بيدخل شاب في أول شبابه، يتسم بالحيوية والجدية والنشاط.
باس إيد جده وهو يقول:
"صباح الخير يا جدي. حضرتك طلبتني؟"
هارون:
"كنت فين إمبارح بتتهرب مني يا ريان؟"
ريان:
"جدي الله يخليك، لو عاوز تتكلم عن الموضوع ده أرجوك اعفيني منه. أنا حاسس إننا بندور على إبرة في كومة قش مش هنعرف نوصل لحاجة."
الجد بصرامة:
"مش إنت اللي تقول فكك ولا لأ. أنا عايز شغل، عايز كلمة تكون قدها. هتقدر ولا أعتمد على غيرك؟ وأظن غيرك يتمنى."
كان طبعاً عارف هو قصده مين (تيمور)، ولكنه كظم غيظه:
"حاضر يا جدي. حاضر. حاجة تاني؟"
الجد:
"ندى."
ريان:
"مالها دي كمان؟ فيه حاجة؟"
الجد:
"كتب كتابك عليها بكرة بعد الجمعة."
بصله بصدمة.
رواية لخبطة مشاعر الفصل الخامس 5 - بقلم اسماء محمد
خدتها سلمي في حضنها بشفقة على حياتها وإللي هيود عليها في المستقبل.
سلمى مرة واحدة: ما تتجوزي يا خلود، القرار دا هيحل نص مشاكلك.
بصت خلود لسلمى بصدمة: آنتي بتقولي إيه يا سلمى؟ أتجوز؟
سلمى بحزن: يا خلود آنتي بقيتي لوحدك وفين في مدينة كبيرة ملهاش أول من آخر، الوحوش كتير ما هيصدقوا يلاقوا واحدة زيك عايشة لوحدها ملهاش ضهر ولا حد يسأل عليها لو جرالها حاجة، البنت من غير ضهر بتضيع.
خلود بصتلها بحزن وهي بتفكر في كلامها، بس في نفس الوقت هي مش عايزة كدا؟ هي عايزة تكتفي بنفسها وتعيش على ذكريات إللي فاتوها، لسه هتتجوز وتبني حياة دا شئ صعب، فيه حاجة جواها اتكسرت صعب صعب آوي إنها تصلح إللي اتكسر، فيها إيه لو كانت فضلت البنت الكيوت العفوية إللي اتربت في الريف وسط عادات وتقاليد وصعايدة ومجتمع مغلق، ابهرتها الأضواء آوي؟ انبهرت بالإنفتاح والحرية؟
سلمى كانت بتراقب تعابير وشها وردود فعلها بحزن وهي عارفة إن صعب تقنعها بحاجة زي دي خاصة وهي شايفة حالتها كدا، مش دي أبدا خلود إللي عرفتها، مش دي إللي اختارتها تكون صحبتها من وسط آلاف في الكلية، اتغيرت والزمن أتغير وتقلباته كسرتها وكسرت الأمال إللي كانت بتبنيها السنين إللي فاتت، بس لازم تقنعها ولازم تفضل جنبها لازم يبقالها سند.
سلمى: خلود!
خلود: صعب يا سلمي، الكلام سهل لكن الفعل صعب، قلبي معادش يصلح لحاجة يدوب بس الم ذيول خيبتي واعيش أكفر عن الذنب إللي عملته بقية حياتي.
سلمى: يعني آنتي عجبك إللي حصل من شوية؟ عجبك الإهانة والتهديدات من واحد...
قاطعتها خلود بحزن: أنا إللي حطيت نفسي في الموقف ده والمفروض إني امحى أي حاجة كانت سبب في قهرة إللي فارقوني.
سلمى: يعني هتعملي إيه؟ دا يا الدفع يا الحبس يا إما يشغلك بإحتكار بحجة ديون علي.
اتنهدت خلود: وأنا بختار الحبس، أنا لازم اتعاقب، أيوة يا سلمي آنتي مش مصدقاني؟ قرار واحد وعند قصاد مين أهلي وناسي، قرار واحد بس راحوا مني اتحرمت منهم، عارفة يعني معادوش موجودين؟ مبقوش ادام عيني.
وقفت ودموعها غرقت وشها: بصي كدا حواليكي، ريحتهم في كل مكان، نفسهم في كل شبر في الشقة، لمسة أيديهم على كل حاجة هنا، قوللي بقا هقدر أنسى هقدر أعيش وهما هنا (بتشاور على قلبها) وبيواجهوني في كل لحظة؟ أنا مذنبة وشاركت في قتلهم بأي طريقة تحبي تقوليها.
سلمي بغضب: بس مش دي الحقيقة، فوقي بقا، دي إسمها اعمار، هو أنا إللي هعرفك القدر يا ملتزمة؟ هو أنا إللي أعرفك إن فيه حاجة إسمها اعمار وعمرهم مكتوب نهايته لحد كدا. فوقي بقا وبطلي تلومي نفسك تحملي نفسك ذنب فوق طاقتها هيتعبك العمر كله.
خلود ببكاء: لا يا سلمى آنتي برضه متعرفيش، آه فعلا كل واحد بييجي عمره ويمشي بس كل موتة ليها سبب حتي لو كان عمرهم بس أنا السبب.
سلمى: فوقي لنفسك حرام عليكي، الحياة مش كدا، الحياة ناس بتتولد وناس بتموت، ناس بتفرح وناس بتكتب على نفسها التعاسة، خلود ارجوكي بطلي تجلدي نفسك آكتر من كدا.
اتنهدت خلود: مش عارفة يا سلمى، أنا ضايعة، ضايعة من بعد ما شفتهم إدامي وأنا في المسرحية، شفتهم وشفت في عنيهم نظرة عمري ما هنساها، نظرة الكسرة وخيبة الأمل، نظرة عمري ما شفتها في عنيهم قبل كدا، علطول بشوف في عنيهم الفرحة والفخر بولادهم، أنا واخويا كنا عالمهم إللي اتفننوا وعاشوا حياتهم يجملوا العالم ده، ذنبه إيه أخويا يخرج من الدنيا قبل ما يدخلها، شفت في عنيهم نظرات ومكنتش أدها لأني حطتهم ادام امر واقع وكمان عاندت ومشيت ورا طموح أهبل مش عارفة، بس آنتي عارفة أنا من وأنا صغيرة وأنا كان نفسي ابقي ممثلة (ضحكت بسخرية) والفكرة كبرت في مسرح المدرسة، أهلي فكروها نشاط ومكانوش يعرفوا إن الشهايد إللي أخدتها كانت بتكبر الحلم جوايا، أخدت جوايز كتير على المسرحيات بتاع المدرسة.
مش عارفة مش عارفة أقول إيه ولا إيه؟ أنا شايفة إن أقل عقاب أستحقه إني اتسجن، يعمل بقا إللي يعمله أنا بفضل اتسجن، عايزة أكفر عن ذنب ولو آن دا ذنب كبير، ااااه يارب.
سلمى بعد ما كانت متأملة إنها تخرجها من الحالة إللي وصلتلها لقت نفسها مش قادرة ومش اد مهمة زي دي، حست بالعجز وهي شايفة صاحبتها الوحيدة بتموت نفسها بالبطئ واحساس الذنب مسيطر عليها، ربنا يكون في عونها إللي جاي في حياتها أكيد صعب بس ربنا احن على عباده منهم هما شخصيا.
سلمى: ادخلي ارتاحي وأنا هجيلك بعدين بس ارجوكي بطلي تفكري كتير، خشي اتشطفي وارمي حمولك على الله وانسي ولو لدقايق أي حاجة، ارتاحي شوية وأنا هتصرف، عمري ما هسيبك كدا.
وصلتها اوضتها وسابتها ترتاح ومشيت، بس في دماغها حاجة هتنفذها، لازم خلود تتخطى الأزمة دي وبسرعة قبل ما تتسبب في انتكاسة وتضيع وساعتها صاحبتها مش هتعرف ترجعلها تاني.
أدهم قاعد في القاعة مع عيلته وهو في دنيا تانية، حاسس بالقلق من غير سبب، حاسس إنه مش عارف يتأقلم مع إن الفرح الجو بيرفكت بس قلبه مش معاه خالص وحاسس إنه مش طبيعي وهو كل شوية يبص في ساعته.
بيحاول يبتسم وهو شايف فارس أخوه منطلق وبيتعرف على دي وبيهرج مع دي ومامته بتضحك وتهزر مع صحباتها وعيلتها وباباه بيهني ويبارك وهو قاعد زي الألف ما بيتحرك.
قلقان متوتر مش عارف ليه، مع إن وجوده في أي فرح دا شئ متعود عليه بس أول مرة يبقى مش مدي لقعدته اهتمام.
فين أدهم بتاع زمان إللي قال إنه هيرجع ويسيطر عليه؟ فين أدهم إللي كان في المناسبات وغير المناسبات مقطع السمكة وديلها زي ما بيقولوا؟ حاسس إنه فقد شغف زمان لأن فيه حد تاني مسيطر على أفكاره وقلقان عليه بل ومتوتر أصلا.
من ساعة الدفنة والعزى بتاع أهلها وهو ما شافهاش، قررت تمشي، مشيت مشافهاش، بس كله قلق يا ترى إيه اللي حصل؟ عاملة إيه؟ لسه منهارة؟ لسه محملة نفسها ذنب موتهم؟ لسه تعبانة؟
مش عارف ليه بيفكر فيها، بس ابتسم وهو بيفتكر شكلها حتى وهي منهارة كانت جميلة، إيه ده؟ إيه الأفكار دي؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
حاول يلهي نفسه عن أي حاجة بتليفونه.
قطع انسجامه صوت أنثوي رقيق: دكتور أدهم.
بص أدهم، كانت بنوتة جميلة، لمح مامته كانت بتبتسم، عرف إن هي اللي بعتاها، وهو بيعمل نفسه مش فاضي بس البنت سبقته وقعدت.
ابتسم بعملية: أهلاً.
: إيه دا؟ إنت مش عارفني ولا إيه يا دكتور؟
أدهم بابتسامة: ودا يصح يا آنسة إزاي بقا؟ أخت العروسة طبعاً بنت طنط فاتن.
ابتسمت: الله ينور عليك فاكرني أهو، بس شكلك مش عارف اسمي.
بصلها بحرج: سوري يعني دماغي مش دفتر عشان أحفظ كل الأسماء اللي بتقابلني.
: أنا مريم.
أدهم بعملية: أهلاً يا آنسة مريم.
مسكت وبصت للتليفون بتاعه يحاول يهرب وهو شايف نفسه محاصر من عينيها. سألته: هو إنت ليه مش زي فارس؟
استغرب وسألها: مش زيه في إيه مش فاهم؟
مريم: يعني مش شايف عامل زي النحلة إزاي بيتعرف على دي وبيرقص مع دي ويعني عامل جو.
تنهد وبصلها: فارس رجل أعمال يعني وأخد على الجو، إنما أنا دكتور حياتي كلها وسط العيانين والمستشفى، فأكيد يعني مش هبقى واخد على كدا زي فارس، أظن فهمتني.
مريم: يعني كل الدكاترة متنشنين كدا؟
أكيد لا.
قاطعها أدهم: بس كل واحد غير التاني يا آنسة.
ابتسمت مريم برقة: من الناحية دي عندك حق، وإنت مختلف عنهم كلهم وزي القمر.
وبصلها بذهول وهو شايف في عينيها الإعجاب الشديد. قاطعها: عن إذنك عندي تليفون عاوز أعمله ضروري.
لاحظت تهربه بس ابتسمت: أوكي مفيش مشكلة طبعاً، أنا هستناك عشان نرقص مع بعض.
بصلها تاني: لا أنا مليش في الرقص، كملوا حفلتكم متهتميش بيا يعني، الليلة ليلة أختك فأظن آنتي كوني معاها.
سابها وخرج وهو بيحاول يتشاهد من المواقف اللي دايماً بيتعرض لها على مختلف الأوقات والحوارات. إزاي شايف الحياة مقلوبة كدا؟ عموما هو أسلم حل الكافتيريا اللي هناك دي، راح وقعد وطلب قهوة وبعت رسالة لمامته لما يخلصوا يقولوا له، وبيحاول يكون طبيعي ويبطل يفكر في أي حاجة. يدوب لسه علاقته بعيلته متظبطة بقالهاش كتير، لازم يحاول يحافظ على علاقاته دي لأنها أهم شيء بالنسباله، بس من دون ما يدخل نفسه عالم هو مش عاوزه. وتقريباً هو فهم دماغ أمه وإصرارها يكون معاها وتعمدها تستناه.
تنهد ورغم إنه حاول إنه يكون طبيعي وفكر إن القهوة هتعدل مزاجه بس كان غلطان لأن ملقاش هروب لأفكاره غير عندها ورجع يفكر فيها تاني واتفاجئ بضربات قلبه كل ما يجي اسمها في باله وشكلها في خياله، حس فجأة وبدون مقدمات إنه عاوزها وعاوز....... عاوز يشوفها، إيه التفكير المجنون ده؟
يا ترى هيعمل إيه؟
جوه عند مامته اتغاظت مريم جدا لما اتأخر وهي عارفة إنه بيحاول يهرب. قعدت جنب مامته بغيظ: شفتي يا طنط؟ شفتي أهو اتهرب وعمل التليفون حجته.
حاولت نظيرة تبتسم: يا قلبي اهدي عليه، هو بس تعبان ومجهد، متنسيش إن شغله ده صعب ومتعب.
مريم: بس يا طنط دا مش أدهم بتاع زمان لما كان هو اللي بيحاول يتقرب مني وإحنا صغيرين، دلوقتي حتى مش فاكر اسمي وبيتحجج عشان يخرج، بصراحة أنا بستعجب إزاي فارس وادهم أخوات وآل اتنين عكس بعض خالص.
ضحكت نظيرة وبتحاول تلطف الجو: يا قلبي فارس رجل أعمال وحياته بين صفقات حفلات سواء مجاملة أو حفلات عمل، بالنسبة له الحاجات دي عادي وفري عكس أدهم اللي حياته منحصرة في المستشفى والمرض.
مريم بغيظ: هو قال لي كدا برضو.
نظيرة: بصي يا مريم يا حبيبتي، أدهم مختلف في الطبع كمان عن فارس كتير، بس مع الوقت بيلين متقلقيش، أنا عاوزاكي يبقي عندك صبر لأن أدهم عنده تصورات لشريكة حياته صعبة شوية، فكوني صبورة ومع الوقت هتحلى.
حست مريم بالخجل وبصت لنظيرة: قصدك إيه يا طنط؟ قصدك...
نظيرة ضحكت عليها: كل دا وإنتي مفهمتيش؟ دا أنا حجزاكي من وإنتي نونو.
حست بالخجل وابتسمت: يعني...
نظيرة بضحك: يعني إيه يا مريم؟ طبعاً هو أنا هلقي أجمل ولا أحسن منك؟ أنتي مش شايفة نفسك ولا إيه يا ست البنات؟
حضنتها مريم بحب وهي حاسة بفرحة لأنها بتفكر إنها فرصة تكون داخل العيلة دي ومع العنادي ده اللي اسمه دكتور أدهم.
جات مامت مريم عليهم وهي شايفاهم بيضحكوا وزي الفل.
تن: خير؟
نظيرة وهي بتبص لمريم بابتسامة: خير يا قلبي، مفيش يعني بقول إن فريدة اتجوزت وباقي عروستنا اللي هتنورنا قريب.
فاتن بفرحة: صحيح يا نظيرة؟ فارس قرر...
قاطعتها مريم: لا يا ماما طنط قصدها الدكتور.
فاتن:..... ودي تيجي يعني الصغير قبل الكبير؟
نظيرة: حكم القوي، منشف دماغه من ساعة موت مراته وهو مقضيها كدا، ربنا يصلح الحال.
فاتن: على قولك.
في قصر عيلة أبو زهرة.
يجلس الجد أبو زهرة الكبير مع أكبر أحفاده الدكتور ريان.
ريان كان مخنوق من قرارات جده الأخيرة.
هارون: اسمع يا ريان إني بقيت رجل في الدنيا ورجل في الآخرة، ياريت يا ابني تريحني.
قرب ريان منه بحب: يخليك لينا يا جدي، إني بس مش عارف إنت ليه مصمم بعد السنين دي كلها تدور على حد هو من نفسه مشي ومسألش ولا حتى فكر إن له بنت يسأل عليها.
هارون بحزن: لا يا ريان، اللي حصل أكبر من ماجد ومننا كلنا، النصيب يا بني. بس إني نفسي أشوفه يا ريان، نفسي يا ابني قبل ما أموت أطل في وشه وأعرفه إني سامحته وإنه يقدر يرجع ويرجع حياته اللي فاتت ويعمل اللي هو عاوزه بس ميبعدش عننا تاني، العمر مبقاش فيه اد اللي راح يا ابني.
انت مش عارف إن مش بس هو فاتنا ومشي وبس، لا ده فرق روحين عن بعض.
سكت ريان شوية وبعدين سأل جده: تفتكر يا جدي هو لسه فاكرنا وبيفكر في عيلته اللي سابها زي ما إنت بتفكر فيه وبتفكر في رجوعه؟
هارون: مية في المية بيفكر، ابني وأنا أعرفه أكتر حاجة.
ريان: وتفتكر يعني لو عثرنا فيه هيرجع؟ تفتكر الأمور هتمشي زي ما إحنا عايزين؟ ومايا تفتكر رد فعلها قد إيه؟
هارون بحزن: أهي مايا اللي الواحد مش عارف هيعمل معاها إيه؟ مش عارف أجبهالها إزاي إن أبوها...
قاطعه ريان: ما بلاش يا جدي ونكمل حياتنا زي ما مشيت معانا قبل كدا، يعني ليه نفتح على نفسنا أبواب ممكن ومنبقاش قدها.
هارون بغضب: إيه الكلام ده يا ريان؟ إنت واعي لسانك بيقول إيه؟ يعني إنت تقدر تعيش من غير أبوك لحظة واحدة؟ قول لي؟ تقدر تستغنى عن أبوك ولا حتى أمك؟
تنهد ريان: أكيد لا يا جدي ولا يوم واحد ولا دقيقة حتى من غيرهم، ربنا يخليهم ليا.
هارون: أديك قulتها يا ابن محمد، يا ابن ابني، ليه بقي مترضهاش على نفسك وحفيدتي مايا راضيهالها تعيش من غير أب؟
سكت شوية وهو بيفكر بحزن: ولا حفيدتي التانية اللي من غير أم، أكيد من غير أم؟ بس يا ترى قال لها عننا إيه؟ وشكلها إيه؟
ريان: شكلها إيه إزاي؟ هي مش توأم مايا؟ أكيد نسخة زي مايا، إنت مبتشوفش أفلام يا جدي؟
رمي السؤال ده قصده يهزر ويلطف الجو شوية بس جده بص له: لا يا ريان، صحيح مايا وهمس توأم بس مش شبه بعض لما اتولدوا الدكتور قال توأم غير مماثل.
ريان ابتسم: صدق يا جدي، بقا عندي فضول أعرف شكل همس دي إيه؟ إنت حمستني أدور عليها.
الجد: بس...
ريان: بس إيه؟
الجد: بعد جوازك متنساش.
ريان: أمرك يا جدي، بس على فكرة أنا مش بحب ندى ومش عايزها.
الجد: يا حبيبي دي بنت عمتك يعني لحمك وأنا واثق إنك هتحبها، مش لازم دلوقتي بس واثق إن في يوم من الأيام هتيجي تشكرني إني جوزتها لك، دي كانت وصية فاطمة الله يرحمها من سنين وأني كنت ساكت لما البنت تكبر شوية وجه أوان ننفذ الوصية، وصية الميت واجبة وإنت عارف إني مش صعب ألاقي لها عريس بس لولا تيمور بتاع بنات...
وقاطعه ريان: وصلتني رسالتك يا جدي، ربنا يخليك لينا، أنا واثق من قراراتك ومن تربيتك ليا، وإنت مثلي الأعلى.
حضنه الجد: وأني عرفت أربي بصحيح.
هرج معاه: أوعى تفكر إن محمد شارك في تربيتك، ده طول عمره مسافر هو وأحلام وسيبك إنت وأخوك في رقبتي، بس صراحة تيمور عياره فلت بس تربيتي ومتربي على الغالي، هو اتدلع شوية بس راجل برضه وأنا فخور بيه زيك بالظبط.
ابتسم ريان وباس إيد جده: ربنا يخليك لينا وميحرمناش منك أبدا.
قاطعهم دخول مايا بتصبح عليهم، بس هارون بص لها وخاف لتكون سمعت حاجة وهو بيتكلم عن أبوها وتوأمتها وهو عارف قد إيه هي بتكره أبوها ومعرفش يشيل الكره ده منها أبدا.
.....
صحيت خلود على أذان الفجر، قامت واتوضت وصلت فرضها وهي بتدعي ربنا يقويها على اللي جاي ويصبر قلبها على فراق اللي سابوها.
قررت تشغل نفسها وتروق الشقة، بس في عز ما كانت مشغولة وقعت في إيديها حاجة ولما فتحتها وقفت مشلولة من الصدمة.
يا ترى إيه اللي شافته خلود وصدمها كدا؟ ومين همس اللي بيتكلم عنها هارون؟ وإيه اللي لسه مستخبي؟ ومستقبل أدهم وخلود إيه؟
رواية لخبطة مشاعر الفصل السادس 6 - بقلم اسماء محمد
قررت خلود تبدأ حياة جديدة وتحاول تعوض إللي فاتها. هي عارفة إنها كانت سبب في موت أهلها، بس هتحاول تعمل إللي يريحهم وإللي كانوا بيتمنوا إنها تمشي عليه.
***
صحيت على أذان الفجر، اتنهدت وهي بتقاوم النوم وقامت اتوضت ووقفت بين أيادي الله بتصلي فرضها.
وفضلت تدعي وتناجي ربها يسامحها ويساعدها تعمل الصح وتريح أهلها في موتتهم ويجمعها بيهم على خير.
فضلت شوية ساكتة وهي بتفتكر كل لحظات حياتها معاهم، سواء في القاهرة أو في قريتهم في بني سويف. وحشتها الأيام دي آوي، وحشتها لمتهم وسهرهم كعيلة يحكوا ويضحكوا ولا هاممهم حاجة. لحد ما جم القاهرة فرقتهم المدينة وكل واحد مشغول عن التاني، بس على الأقل كانوا محاوطينها وكانت بتدفي بوجودهم.
مسحت دموعها بتحاول تتماسك وتكون أفضل من كدا بكتير.
النهار طلع وهي كانت لسة على السجادة في حالة سكون ودماغها بتجيب كل الذكريات القديمة والجديدة الحلوة والوحشة.
قررت ترجع لحياتها العادية وبتطلب من ربنا يعينها على الأيام الجاية وتشوف هتعمل إيه في مشكلتها.
وقت الشقة وجهزت فطار وفطرت وحمدت ربها.
دخلت تلبس وقررت تلبس من لبس مامتها. فتحت الدولاب وطلعت دريس مامتها المفضل وفضلت تحضن فيه وهي بتبتسم.
قبل ما تمشي لمحت حاجة وقعت على الأرض. مسكتها، كانت ورقة قديمة مطوية كذا طوية. استغربت وجودها.
فتحتها، كانت جواب بخط باباها. فتحته واتصدمت من الكلام اللي فيه.
"خلود دنيتي وحياتي، بنتي عمري، بنتي الكبيرة. أنا اترددت كتير أكتبلك الكلام ده، بس عندي إحساس إني مش هشوفك تاني أو لمجرد إن الحقيقة تتكشف وتدعي عليا زي ما أختك بتدعي عليا. أيوه زي ما سمعتي كدا، أختك. أختك التوأم. أنا اترددت كتير إني أقولك الحقيقة، بس كان لازم أقولك. بس أرجوكي تلتمسيلي العذر حتى لو كنت غلطان في حقك وحق أختك. أنتي عندك عيلة كبيرة، عيلة أبو زهرة، عيلتي أبويا وأمي وأخواتي وولادهم. وتوأمتك مايا عايشة معاكي. سامحيني إني في يوم فرقتك عنها، سامحيني لو كنت قصرت في حقك. أنا هسيبلك عنوانهم في الورقة. روحي واسألي على عيلتك لو جرالي حاجة وخليهم يسامحوا رحمة. مش هقدر أكتبلك أكتر من كدا. أنا بس حسيت إن نهايتي بتقرب وخفت الدنيا تلطش بيكي من بعدي. خدي رحمة واخوكي لو جرالي حاجة وروحيلهم، عمرهم ما هيفرطوا فيكي، أنا عارفهم كويس. وخللي أبويا وأمي وأخواتي يسامحوني."
كانت حقيقة مرة وصدمة كبيرة. خلود مش حاسة باللي هي فيه. يعني هي ليها عيلة؟ طب ليه؟ ليه بعيد عنهم كل السنين دي؟ إيه اللي حصل؟ مش مستوعبة إن ليها عيلة. طب مين الغلطان؟ باباها اللي خفى عنها حقيقة كبيرة زي دي وفضل يقول إن مالهمش حد؟ ولا عيلتها دي اللي مسألتش عنها؟ مش عارفة تشوف هل باباها اتظلم ولا هو اللي ظلمها؟
قعدت مكانها وهي بتحاول تفتكر كل حياتها اللي فاتت هي وباباها ومامتها واخوها من غير قريب واحد في حياتهم. ملهمش حد، منغلقين على نفسهم. طب ليه محدش سأل عليهم السنين دي كلها؟
بقت محتارة مش عارفة إيه هي الحقيقة وحست إن ممكن السنين اللي فاتت كدبة كبيرة كانت عايشة فيها. بس هي برضة استنتجت إن كان فيه حاجة كبيرة خلتهم يبعدوا. بس من جواها فرحت، أيوه فرحت إن طلع ليها حد وإنها مش هتبقى لوحدها تخبط في الدنيا. وطلع ليها أخت توأم. عند هنا وقفت تفكر: يا ترى شبهها؟ يا ترى فيه نسخة منها عايشة في مكان تاني؟
فجأة ضحكت زي المجنونة وهي بتقول لنفسها: "معقول؟ أنا عايزة أعرف عاملة إزاي؟ طول عمري أشوف الحاجات دي في الأفلام والمسلسلات الأجنبي وقليل في العربي، بس مش معقولة. أنا حاسة إني عايشة جوة فيلم هندي."
ضحكت بس رجعت كشرت تاني وهي بتفتكر: "يا ترى إيه الحكاية؟" هي حاسة بلغم كبير بيغلف الحكاية كلها. بس مش مهم، المهم إن دلوقتي بس بقى عندها عيلة هتحبها.
هنا وقفت تاني: "يا ترى مستنينها؟ يا ترى عارفين مكانها؟ دوروا عليها؟"
سكتت وهي بتفكر: "طيب هتتأكد إزاي؟ وهتعرف منين؟ بس الأول لازم تعرف مين هي عيلتها دي."
وفجأة ضربت في دماغها فكرة. قامت وجابت تليفونها وعملت سيرش على عيلة أبو زهرة اللي هو لقبها أصلاً. وفكرت: "هي ليه ما عملتش كدا من زمان؟" وصدقت إن مالهاش عيلة يمكن لأنها كانت مكتفية بعيلتها وحاسة فيهم بأمان الكون، فمش محتاجة تعرف.
كانت متوترة وهي منتظرة نتائج البحث، ويا ترى الكلام ده حقيقي ولا؟
***
سلمى كانت في بيتها وصحيت هي كمان. اتوضت وصلت وفضلت على السجادة مدة طويلة بتفكر في حاجة كدا، بس خايفة من الخطوة دي. بتفكر في عيوب الخطوة نفسها، يعني ممكن تكون بتأذي صاحبتها. الخطوة دي بس هي نفسها قوي إنها تساعدها وتخرجها من محنتها بأي شكل. هي صاحبتها آه، بس بنت مش هتعرف تساعدها. واللي ملوش ضهر بيتعب في الزمن ده، وخصوصاً بعد اللي حكتهولها خلود. لازم خلود تبعد عن اللي اسمه ناجي وابتزازه، لأن مش بس ناجي اللي هتواجهه، دي لسة اللستة طويلة والدنيا اللي بقت شبه الغابة ومش مفهومة.
خلود دي مكسبها الوحيد من الدنيا، وكانت هي اللي بتقويها ودايماً في ضهرها. لازم تعمل المستحيل عشان صاحبة عمرها. لازم خلود تشوف النور متفضلش في الضلمة.
فضلت تدعي من قلبها وبتفكر في فكرة، بس خايفة منها لأنها ممكن بسببها تشهر بصاحبتها وبدل ما تحميها لا تأذيها. أيوه النت ده مش بييجي منه غير الخراب. مش هيفيدها. وبعدين صاحبتها ألف مين يتمناها، دا مفيش في جمالها اتنين ولا روحها. هي بس اللي ظروف حطتها في المكان اللي هي فيه دلوقتي. بخطوتها دي بدل ما تبعد أنظار الشر والطامعين عنها، هتلفتهم ليها. بس دي الفرصة الوحيدة اللي لو صابت صاحبتها هتبقى في أمان وهتحارب أي ديب يفكر يقرب منها. هي أكتر واحدة عارفة خلود.
رفعت أيديها وبتأثر: "يارب يارب لو اللي بفكر فيه خير وإنت أعلم بالنوايا، وإن خلود تهمني ومتمناش الأذى ليها وكل اللي يهمني أرجع أشوف الضحكة بتنور وشها تاني. من نعمك عليا إن خلود بقت صحبتي وجزء مني. يارب متكتبش علينا الفراق ولا أشوف فيها أذى. يارب."
ونوت أن تنفذ الفكرة بحسن النية. لا تعرف لماذا اختارت ذلك الموضوع، وهل الزواج حقاً بمثابة خطوة جادة وحماية؟ من وجهة نظرها رأت ذلك. من بعد الأهل يأتي الزوج الصالح. نعم. تمنت فقط أن يعمي الله أعين الذئاب الأشرار عنها وعن صديقتها.
فتحت الفيس بوك ودخلت جروب زواج وراسلت الأدمين بحسن نية إن ينشر طلب زواج وأعطته مواصفات خلود. وترددت كثيراً إن ترسل صورتها، ولكنها فضلت أن تبقى بلا صورة حتى يروا النتائج ويختاروا.
وعاهدت نفسها ألا تأتي بسيرة لخلود عن هذا الموضوع حتى تختار لها الشخص المناسب. وقتها ستصارحها، مؤكد ذلك الصواب.
انتهت من ذلك وقامت بعد أن سمعت نداء والدتها وتناولت الإفطار.
الأم (هبة): "هتروحي المدرسة ولا الشركة؟ قررتي إيه؟"
اتنهدت سلمة: "أنا شايفة إن المدرسة مش جايبة همها. بقول إن أشتغل في شركة كمترجمة أفضل وأكيد المرتب هيكون أفضل وأريح بابا شوية من المصاريف وندى."
هبة بضيق: "ما تسيبي ندى؟ ندى عندها عيلة، بس مش عارفة أبوكي متمسك بيها ليه؟"
اتنهدت سلمى: "بنته يا ماما. بنته وأختي، والمفروض أنها بنت."
هبة: "مش بنتي يا سلمى، ومتنسيش إن أبوكي هو اللي اتجوز أمها على."
سلمى: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يا هبة يا حبيبتي صلي على النبي كدا في قلبك. هي طنط فاطمة ربنا افتكرها من سنين، يبقى ليه تاخدي حد بذنب حد؟ وبعدين بابا عمل شرع الله وكان عادل معاكي أنتي بالذات. وطنط فاطمة كانت مظلومة معاه. ماما قولي اللي ليكي واللي عليكي عشان ربنا يبارك لنا."
هبة بضيق: "أنتي دايماً كدا بتدافعي عنهم. وهو أنا مش أمك؟ مش بتدافعي عني زيهم ليه؟"
وقفت سلمى وقربت من هبة وباست أيديها: "أنتي أولى منهم كلهم. بس يماما لو الماضي بيضايقك حاولي تنسيه. بس اللي مش عايزاكي تنسيه إن ندى مهما كانت أختي الصغيرة وأنا بحبها. لأنها اتربت معايا. صحيح هي عيلة أمها أكبر عيلة في البلد، بس بابا اختارها تعيش معانا وبعيد عنهم. يعني ملناش صلة بيهم. بنزورهم في المناسبات."
سكتت شوية لقت أمها ودموعها لمعت فمسحتهم لها بحب: "بصي ياماما تخيلي كدا إن أنا مكان ندى وبقيت يتيمة الأم. ربنا يديكي الصحة. تفتكري طنط فاطمة من معاشرتك ليها كانت ممكن تعمل كدا وتفرق بيني وبين ندى؟"
وقفت هبة تحاول تفتكر فاطمة وأخلاقها وأنها كانت راضية بقليلها رغم إنها من عيلة كبيرة. وكون إنها قبلت تعيش في بيت فقير مع راجل وضرة، وأنها تعيش كدا. لا، فاطمة كانت زي الملاك. بس هي بتحب رامز قوي ومقبلتش أي واحدة تشاركها فيه، حتى لو كانت زي فاطمة. أياً كان هي، رغم موت فاطمة. مش قادرة تنسى، لا مش هتعرف تنسى.
اتنهدت سلمى لأنها عارفة مامتها قد إيه طيبة، بس جواها محطات في حياتها بتخليها تتحول. هي مش مرات أب شريرة، بس دايماً بتتجنب ندى ومش بتعاملها زي ما بتعامل سلمى. لكن يكفي إنها مش بتأذيها زي مراتات الأب التانيين.
سلمى: "مفيش فايدة يا هبة. يلا عشان متأخرش. النهاردة لازم أروح بدري عشان المقابلة. ادعيلي أتقبل."
حاولت هبة تبتسم ودعت لها. وكان سلمى خايفة من المقابلة في شركة بالحجم ده. وطبعاً هي عرفت إن الشركة محتاجة مترجمين وأعلنوا في الجريدة، وهي مكدبتش خبر وكانت قالت لخلود، لكن خلود أصرت على المدرسة. فهي لسة مش عارفة الدنيا هتوديهم على فين؟
***
أدهم في المستشفى هربان من أسئلة مامته اللي متأكد إنها بتدبر له جوازه، خصوصاً لما عرف إنها اللي بعتت البنوتة بتاعت امبارح دي، حتى نسي اسمها.
ضحك بسخرية من نفسه إنه فعلاً بينسى كدا. بس هو اعترف إنه بينسى اللي مش حابب يفتكره. إنما فيه أسماء بتعلق في الذاكرة من أول لحظة مش بتخرج زيها كدا. مش عارف ليه حاسس إنه عايز يشوفها، عايز يعرف حياتها ماشية إزاي؟ عملت إيه؟ يعني قررت إيه؟ وجواه فضول رهيب يعرف هي ليه محملة نفسها ذنب موت أهلها؟
هي جميلة ورقيقة جدا. إيه اللي بيقوله ده؟ وهو كان شاف إنها رقيقة إمتى؟ يعني هيفهمها إزاي وهي كانت منهارة ومتبهدلة؟ بس اللي عجبه إنها محجبة وملتزمة في لبسها رغم انهيارها الدائم بعد الحادثة اللي لاحظ إنها كانت مهتمة إن حجابها يفضل ساتره.
لقى نفسه بيبتسم وفكرة إنه يشوفها دخلت دماغه. حتى لو من بعيد يشوف حتى حياتها ماشية إزاي؟
ضرب جرس للممرضة ودخلت عنده واحدة من طاقم الممرضين اللي تحت إشرافه. بسرعة: "أؤمر يا دكتور؟"
اتنهد: "فيه حالات بره؟"
الممرضة سلا: "حالياً الدكتور عبد العظيم دي مناوبته ومفيش حالات كتير دلوقتي. ولو فيها هبلغ حضرتك."
اتنهد: "فين سهير؟"
سلا: "سهير مناوبتها بليل يا دكتور. أنا مكانها الصبح وهي بليل، وعلى حسب ظروف التانية بنبدل."
أدهم: "معلش معلش يا سلا. دماغي مش مظبطة. طيب هقولك على حاجة هتعرفي تنفذيها؟ لو معرفتيش، يبقى استني سهير بليل تنفذها."
سلا في نفسها إنها تاخد مكانة سهير عند الدكتور أدهم. لأنها شايفة إنه بيعاملها معاملة خاصة وأي حاجة عايزها بيطلبها منها. فكرت إن بينهم حاجة كدا ولا كدا. وحتى لو كدا إيه المانع لو أنا كمان أقرب وينوبني من الحب جانب. ويمكن أنا أعجبه أكتر. وبتخلي عن سهير. شافت نفسها في الفكرة دي وبتفكر تظهر جمالها وتخلي الدكتور يقع فيها. ضحكت من تفكيرها.
أدهم: "رحتي فين؟"
يلا: "أنا تحت أمرك في اللي تطلبه."
قربت وهي بتحاول تمشي إغراء، بس هو مش أخد باله من لهجتها أو من مياعتها.
أدهم: "عايز ملف حادثة كانت هنا من كام يوم ينفع؟ هتعرفي؟"
سلا بدلع: "أمرك يا دكتور. قولي بس باسم مين وأنا أجيبه."
أدهم اتأفف: "سهير كانت هتعرف تطلعه بسهولة لأنها كانت معايا وقت الحادثة. عايز أوصل للبنت بأي طريقة."
سلا: "حادثة من كام يوم؟"
أدهم: "كانت حادثة جماعية، يعني أب وأم وشاب. هتعرفي ولا استني سهير؟"
اتأففت من ذكر سهير، بس ردت: "أكيد متقلقش. هعرف. بس ممكن أسأل اشمعنى؟ حضرتك طول عمرك علاقتك بمريض بتنتهي بمجرد خروجه."
أدهم: "هتسألي كتير. هقوم أجيبه بنفسي."
اتنهدت: "لا وعلي إيه حاضر."
وسابته ومشيت وهي بتفكر هتعمل إيه؟ وبتفكر بنت مين اللي عايز يوصلها من مجرد ملف؟ ملف أموات؟ لازم تفكر وتخطط وتوصل لهدفه.
***
نزلت مايا بخطوات واثقة وقربت من جدها باست أيده وقعدت جنبه. شاورت لريان: "صباح الخير!"
ريان: "صباح النور."
مايا بتنقل نظراتها بين ريان وجدها: "هي إيه حكايات الاجتماعات المغلقة بينكم اليومين دول؟"
ريان بتوتر: "أبدا شغل."
مايا أخدت شريحة خيار حطتها في بقها وهي بتبص لريان بشك وبصت نفس البصة لجدها: "شغل؟ أوكي. بس أنا شاكة فيكم. حاسة فيه حاجة مش طبيعية. أنتو ناويين على إيه؟"
هارون: "مفيش يا مايا، زي ما قالك شغل. المهم أنتي إيه مصحيكي بدري النهاردة؟"
مايا: "عندي تصوير كام مشهد بدري ولحقت الفطار معاكم. حرام؟ حرام أفطر مع جدي حبيبي وابن عمي الدكتور الأمور ده؟"
هارون: "لا يا قلبي خير ما عملتي."
مايا: "مش هتقولي لي برضه الودودة دي وراها إيه الفترة دي؟"
ريان بسرعة: "جدك يا ستي مدبسني."
مايا باستغراب: "مدبسك في إيه؟"
توتر هارون واعتقد إن ريان ممكن يقع بلسانه. حاول يلطف الجو ويغمز لحفيده: "أنا هدبسك في إيه يا واد إنت؟ هو أنا قولتلك حاجة؟"
ريان وهو يتجاهل غمزات جده: "شوفي يا مايا جدك هيجوزني واحدة مش عاوزها ومش بحبه."
مايا بصت له بإهتمام: "ليه يا جدي؟"
بصت لريان: "متتجوزش طالما مش عايزها. جدك أكيد مش هيجبرك، مش كدا يا جدو؟"
هارون بثقة: "لا يا مايا في الجوازة دي والموضوع ده أنا فعلاً بجبره."
مايا بضيق: "جدو إحنا كبار ومن حقنا نختار. إحنا بنحبك وبقدرك جداً. بس سيبنا نختار حياتنا وريان ريحه وسيبه يعمل اللي هو عاوزه."
هارون بغضب: "جالك إيه يا بنت ماجد؟ أنا شايف مصلحتكم ولا أنتي شايفة حاجة تانية. صحيح الأصل غالب هتجيبيها منين، ما أبوكي عملها قبل كدا." ما أدركش اللي قاله إلا بعد فوات الأوان والكلمة طلعت خلاص. جه يقطعها بس طلعت. ومايا لما سمعت كدا هبت واقفة بغضب: "قولت مليون مرة الراجل ده متجيبوش سيرته قدامي. ليه مصرين تخنقوني؟"
هارون مد أيده يواسيها ويعتذر، بس سابت أيده بهدوء ودموعها لمعت: "عن إذنكم عندي شغل."
وسابتهم وجريت على برا. ريان لسه هيلحقها جده وقفه: "صحيح أنا رميت الكلمة غصب عني، بس سيبها. لازم من هنا ورايح تصالحها مع نفسها عشان لما ماجد وتوأمتها يرجعوا."
ريان: "بس يا جدي."
هارون بغضب: "وإنت مش متفقين على الموضوع؟ وقلتلك وفهمتك. رايح تقولها غصب ومش حابب أروح أجوزها تيمور يا ريان، أظن إنه هيرحب. حفيدي وأنا عارفه زيك بالظبط، بس هو لعبي، لكن بينفذ من غير كلمة عشان عارف إني عاوزلكم المصلحة."
ريان قرب منه وباس أيده: "جدي حقك عليا، كنت بحاول أتوهها."
هارون: "وهي كدا تاهت. مايا أذكى مني ومنك. وبعد اللي حصل هتفهم السيرة جات لي لما قريب يدخل ماجد ويبقى قدام عينيها."
سكت شوية وبعدين: "اللي حصل حصل. مش هنقدر نغيره. المهم إننا نحاول نغيره."
بص لريان: "جهز نفسك على بليل هنوصل على بيت جوز عمتك رامز عشان تطلب ندى."
ريان بص ادامه وسرح.
***
مايا خرجت منهارة. وقفت قدام عربيتها ومقدرتش تمسك نفسها وانهارت من العياط وهي بتفتكر طفولتها وحياتها اللي عاشتها بدون أب وكلام مامتها عنه إنه أناني وسرق سعادتها وطفولتها وسرق توأمتها. سرق أغلى حاجات في حياتها وعمر الأيام ما هتداويها لأن عمرها ما هترجع بالزمن وتعيش اللي معشتوش.
حست بنار الكراهية جواها مش قادرة عليها. مسحت دموعها بالعافية واتوعدت إنها لو شافته قدامها في يوم مش هتتردد تنهيه من حياتها. وهي حست فعلاً بجدها وتصرفاته بتقول إنه ممكن يحاول يرجعه بعد ما طرده زمان. هي بس لو هتقبل بحاجة هي توأمتها لأنها اتحرمت زيها. وعلى عكسها الله أعلم بحالها. بس مش عارفة هي هتحبها زي ما كانت على مدار السنين بتتمنى أشوفها ولا هتكرهها لأنها اتربت معاه وأكيد اتطبعت بطباعه؟
ركبت عربيتها ومشيت وهي بتفكر ممكن تعمل إيه؟
خلود هي كمان نفسها تعرف توأمتها هتقابلها إزاي؟ هي دلوقتي عرفت شكلها من الإعلام. يا ترى هتحس بيها؟ طول عمرها بتسمع إن التوأم دول بيحسوا ببعض. وبس يا ترى عيلتها هتقبلها وسطهم؟ يتقبلوا فكرة وجودها بعد كل السنين دي؟
قاطعها رنين التليفون: "تعالي عايزك حالا ولو مجتيش هنفذ أبشع حاجة هددتك بيها ويمكن أكبر. هبعتلك العنوان."
وقفل قبل ما يسمع ردها.
رواية لخبطة مشاعر الفصل السابع 7 - بقلم اسماء محمد
كان أدهم يحدق في الملف أمامه بصدمة شديدة، وهو يحاول استيعاب أن هذا هو اسم عائلة خلود. ردد والصدمة تمنعه: "أبو زهرة؟"
كيف يكون هذا لقب عائلتها، وهي أخبرته أنها ليس لها أحد غير أهلها وأنها أصبحت يتيمة بعدهم. شكل الموضوع فيه شيء، وهناك حلقة مفقودة. لكنه يحتاج لرؤية خلود، يحتاج للتحدث معها. يريد حجة ليذهب إليها، وهي بالتأكيد تعيش وحدها. وبما أنها بنت بسيطة، فمن المؤكد أنها تعيش في منطقة شعبية، ومن الصعب أن يذهب إليها هكذا وبدون سبب.
وكانت صدمته أكبر عندما رأى اسم عائلتها، وكيف لم ينتبه للأمر من البداية. بالتأكيد رأى شهادات الوفاة، لكن كيف لم ينتبه للاسم واللقب؟
فكر، ربما تشابه أسماء. طالما قالت إنها وحيدة، فمن المؤكد أنها لن تكذب. ربما اللقب تشابه. يعني، أي شخص سيقول له: "أنا اسمي أدهم صبري الشرقاوي"، سيكون من عائلته. هناك لخبطة.
كان حابب يعرف، هل هي لخبطة حقيقية، أم أن خلود لها علاقة بعائلة أبو زهرة التي في التجمع؟
تنهد، ثم جاءت له فكرة ليتأكد. أخرج هاتفه وطلب أخاه فارس. كان فارس في اجتماع، فكنسل عدة مرات وأرسل له رسالة بأنه مشغول. فأرسل أدهم بعد ما يخلص يكلمه.
وقام بسرعة وكتب العنوان في ورقة، وقرر الذهاب إلى خلود. هو يحتاج حقًا لأي حجة لرؤيتها، وربما يفهم منها حقيقة هذا اللبس.
نادى سلا، التي كانت تقترب منه بدلع وأناقة: "خير يا دكتور؟"
أدهم: "أنا خارج، ولو فيه حاجة كلميني على تليفون المستشفى."
سلا بإحباط: "على فين يا دكتور؟"
أدهم بسرعة: "محتاج أقابل خلود ضروري، لازم أشوفها. بس اتعاملي لحد ما أرجع. هحاول ما أتأخرش، سلام."
سلا بإحباط: "سلام."
وبصت لأثره بغيظ: "وتطلع مين ست خلود دي كمان؟ يعني بحاول أتقرب، تظهر لي خلود؟ يظهر سهير مش مالية عينه. بص على مريضة كانت عنده، دا إيه الحظ الهباب ده؟ شكلي محتاجة أكثف جهودي عشان يشوفني أحسن. بالطريقة دي عمره ما هيشوفني أبداً، وهيطرمني من إيده."
وصل أدهم على باب العمارة وسأل البواب عن شقة خلود. والبواب استغرب أن أحدًا يسأل عنها، وهو يرى في الفترة الأخيرة الرجال خارجة وداخلة تسأل عليها.
وضرب كفًا بكف، وفكر: "من بعد موت أهلها، بقى الحبل على السايب. ومشت على حل شعرها تمام."
لكنه تفاجأ البواب بلكمة قوية من أدهم، الذي تفاجأ برد فعله نفسه على شيء كهذا. وهو فعلًا سيعرفها، أم أنه يعرف أخلاقها منين؟ ولا عشان مجرد لابسة حجاب يبقى كده بقت راهبة؟ يعرفها هو منين؟ وإيه اللهفة اللي في كلامه دي؟
أتضايق من نفسه لأنه فعل ما قلبه أمره به، وفعل كمن يندفع عليها. أتضايق من نفسه.
والبواب شتمه وقال له يبطل يجي هنا عشان ميشبهش العمارة. كل شوية حد يجي يسأل عليها. وأكد أن الناس في العمارة بدأوا يشككوا في أخلاقها.
ودا ضايق أدهم جدا، وظل مخنوقًا من نفسه ومن الكلام الذي سمعه عن خلود. وبدأ يسأل: هل الكلام ده حقيقي؟ ومن يسأل عليها؟ ويا ترى إيه علاقتها بيهم؟
قاطعه صوت التليفون، وكان أخوه فارس يسأله عن سبب الاتصال الضروري. بقي محتار، هل يطلب منه معرفة أصل اللغز بتاع عيلة خلود، أم ينسى ويحاول يشيلها من دماغه؟ وكفى ما عرفه عنها.
مشي وهو متضايق جدًا، لكنه كلم فارس: "عايز منك خدمة."
فارس: "الدكتورة بذات نفسه يلجأ لي؟"
أدهم بضيق: "فارس، بالله عليك، مش طالبة هزار. هتعرف ولا فضها؟"
فارس: "مالك يا أدهم؟"
أدهم استغرب نفسه أنه متضايق عليها، لكنه حاول يكون طبيعي: "عايزك تعرفلي مين خلود ماجد أبو زهرة. عايزك تعرفلي أصل اسم أبو زهرة في لقب العيلة، وليها صلة بعيلة أبو زهرة ولا لا؟"
فارس: "مش عيلة أبو زهرة دي عيلة هارون أبو زهرة، أصحاب شركات المقاولات المشهورة في البلد؟"
أدهم: "آيوة، بس صادفت اسم عندها نفس اللقب. حابب أتأكد، ليها علاقة بيهم ولا مجرد تشابه أسماء؟ أصلها بتقول إنها ملهاش عيلة."
فارس بهزار: "شكلها مزة، هي تخصك؟ حلوة يا دكتورة؟"
أدهم بعصبية: "فارس، والله هزعلك. هتقدر تعرفلي الموضوع ولا هتقضيها هزار وكلام فارغ؟"
فارس ضحك: "خلاص خلاص، هدي خلقك. هعرف. اديني 24 ساعة، هعرف لك من مصادري، بس حاول تسيطر على مشاعرك؟ مكشوفة غيرتك قوي."
ضحك، وأدهم اتغاظ وقفل في وشه السكة. ومشي وهو مش طايق نفسه، وهو مش عارف السبب، أو عارف بس بيحاول ينكر ده، خصوصًا بعد اللي عرفه. وهو غضبان من نفسه إنه مفضوح المشاعر كده، وده ضايقه لأنه لحد قريب ما كانش كده. واشمعنى دي بالذات؟ مش عارف.
ضرب صدره مكان قلبه بغضب، وهو هيموت ويعيط من الغيظ. ولازم يعرف سر كلام البواب، وليه قال كده؟ وهل هي كده ولا لا؟ وإيه علاقتها بالشباب؟
نزلت خلود وهي مهمومة بعد مكالمة ناجي المشؤومة بالنسبة لها، لكنها مضطرة تواجه مصيرها.
حست بقلبها يخفق بشدة، وكأن فيه حد هيحب يشوفه قريب منها، عشان كده قلبها كان بيدق جامد. بصت للبواب وصبحّت عليه، بس هو مردش وهو بيبصلها.
استغربت وقربت منه: "مالك يا عم متولي؟"
متولي بغضب: "ما هو اسمعي بقى يا أبلة. إحنا عندنا ولاية ونخاف عليهم من الفتنة. مش معنى إن اللي بيشكموكي ماتوا إن إنتي تعملي ما بدالك. إن مكنتيش خايفة على سمعتك، خافي على سمعة العمارة من الشبهة. إحنا عمارة محترمة وفي منطقة شعبية، بس محترمة. مش وش الحاجات دي. راعي حرمة المكان."
بصت له باستغراب لكلامه، وحست بتلميحات سخيفة. قلبها وجعها وبصت له: "إيه الكلام ده يا عم متولي؟ وبتقولي أنا كده؟ هو حصل إيه لكل ده؟"
متولي: "بصي يا بنت الحلال، أنا حذرتك وعملت اللي عليا. وقد أعذر من أنذر. لو مبطلتيش كده، مش هتسالمي من سِنة الناس، وخصوصًا أهل العمارة اللي لو فاض بيهم هيطردوكي برا العمارة، لا برا المنطقة خالص. يلا، رجعة، ويمكن بفضيحة كمان."
شهقت خلود بصدمة: "هو أنا عملت إيه لكل ده؟ إنت اللي بتقول كده يا عم متولي؟ شفت مني إيه وحش؟"
متولي بضيق: "والرجالة اللي داخلة خارجة تسأل عليكي دي تسميها إيه؟ إمبارح واحد يجي يسأل عليكي ويطلع لك، وواحد تاني بيجي يسأل عليكي. إني بنصحك عشان العيش والملح، وعشان أهلك الله يرحمهم. لو مش عشان سمعتك، اعملي اعتبار لناسك اللي لسه دمهم منشفش."
قاطعته خلود بحدة: "مين سأل عليا النهاردة؟ وخلاك تقول كلام ملوش لازمة عني وكأنك متعرفنيش؟"
متولي: "كنت فاكر إني أعرفك، بس بعد موت أهلك."
قاطعته: "إن بعض الظن إثم يا عم متولي. قبل ما تشك فيا وفي أخلاقي، كنت سألته عايز إيه؟ أنا مش كده وإنت عارفني. يمكن فيه حاجة، بلاش الأفكار الغلط دي؟"
متولي: "يا بنتي، أنا خايف عليكي. إنتي في منطقة شعبية، والسنة الناس مش بترحم. حتى لو مش كده، هيقولوا أكتر من كده. المفروض حاسبي على تصرفاتك، واعرفي إنك بقيتي وحيدة. حاولي تتعاملي على الأساس ده."
خلود بهدوء: "متشكره للنصيحة. المهم، عرفت مين اللي سأل النهاردة؟"
متولي: "لأ، بس كان بيقول إنه دكتور وبيسأل عليكي."
قلبها دق بسرعة، ولا حتى ابتسامة على محياها. سأل عليها. هي مش عارفة ليه كانت بتفكر فيه، ونفسها تشوفه. بصت لعم متولي ومشيت من غير كلمة. مؤكد إنه هو السبب إنها مشفتش الدكتور الشهم ده، ومؤكد قاله كلمتين ملهمش لازمة.
قلبها دق ومبسوطة، يكفي إنه جه سأل عليها، حتى لو مقبلتوش، بس حست بطيفه، وده كان شيء كويس بالنسبة لها، وهتبدأ يومها بتفاؤل بناءً عليه.
راحت الموقف، ركبت الميكروباص ونزلت عند مكتب ناجي. كشرت وهي بتحاول تمسك نفسها ومتنفعلش، لأنها فعلاً مبقتش طايقة الإنسان ده. على قد ما كانت متحمسة بكلامه ونفسها لو تشتغل معاه من الصبح، بس بعد اللي حصل، كل حاجة اتقلبت.
فارس قاعد في مكتبه، كلم كذا حد، وكلفه يجيله معلومات عن خلود دي، وبالمرة يطمن أخوه وقع صح ولا لأ. ضحك بحزن، وفجأة افتكر مراته الميتة، ودمعته خانته. أخرج صورتها وهو يتأملها بحب، وقلبه بيدق بوجع على فراقها. هو صحيح مقضيها، بس قلبه معاها. خدته معاها وهي ماشية.
وصله إشعار على تليفونه، مسح دموعه بسرعة وفتح. لقي صاحبه منشن له منشور من جروب خطوبة وجواز. استغرب، يعني إيه فيه يشد؟ يخلي صاحبه يمنشن له. شاف بوست نازل من غير اسم، بس مواصفات بنوتة من غير صورة أو اسم. والتفاصيل خاص. حس بقلبه بيدق، وكأن دي إشارة لمح صورة مراته على المكتب. وبص للبوست وكأنه بيفكر.
فجأة مسك الإطار وقلب الصورة على المكتب. وشيء جواه خلاه يدخل للأدمن ويطلب تفاصيل، وانتظر رد.
في اللحظة دي، دخلت السكرتيرة: "خير يا دلال؟ فيه حاجة؟"
دلال: "فيه واحدة عايزة تقابل حضرتك، بتقول بخصوص المترجمين اللي كنا محتاجينهم للشركة."
فارس باستغراب: "بس دي مش مهمتي، وإنتي عارفة كده كويس."
دلال: "عارفة يا فندم، بس دي مصرة تقابل حضرتك."
رفع حاجبه باستغراب: "دخليها، وروحي شوفي شغلك."
دلال: "أوكي يا فندم."
وقفت: "استني."
دلال: "أمرني يا فارس بيه."
فارس: "ألغي اجتماع الساعة 3، أجليه لبكرة."
دلال: "متنفعش يا فندم، دي تالت مرة نأجل الميعاد دي مع الوفد الياباني. كده هنخسر كتير لو فضلنا نأجل كده."
فارس: "معلش يا دلال، حاولي تأجليه لأقرب ميعاد، واعتذري منهم بأدب. معلش، النهاردة مش هقدر أفضل لـ 3، أصل..."
دلال: "هحاول، بس موعديش حضرتك. إنت عارف إنهم صارمين ومش بيحبوا التهاون."
فارس: "طيب، لو رفضوا، ابقي اطلبي من صبري بيه، واحضريه معاهم، وشوفي النقط المهمة معاهم، ونتناقش فيها بعدين."
دلال: "أمرك يا فارس بيه. ربنا يستر."
فارس ضحك: "معلش، عارف إني طاحنك معايا. معلش."
دلال: "لأ أبداً، حضرتك ولا يهمك. إحنا عشرة من زمان، وأنا بعتبرك زي أخويا."
غمز لها: "أخويا؟"
دلال بتهرب: "البنت واقفة برا."
فارس: "آه صحيح. ماشي يا دلال."
طلعت دلال ودخلت البنت اللي كانت سلمى طبعًا. خبطت ودخلت بتوتر: "السلام عليكم."
بصلها باستغراب، وجابها من فوق لتحت: "اتفضلي."
قعدت بتوتر شديد، ادامه ومش عارفة تتكلم، وبقت عاملة زي الخرساء، وبتتهته في الكلام، وده خلى فارس يقول لها: "إيه القطة بلعت لسانك؟ مش عارفة تتكلمي؟"
من توترها كانت هتنفجر في العياط، وحست بالإحراج الشديد: "حضرتك، أنا كنت جاية بخصوص المترجمين اللي محتاجاهم الشركة."
بصلها وضحك، وده وترها: "هو ده اللي متوترة مش عارفة تقوليه؟ أمّال مترجمة إزاي بقى؟ ولا إنتي مفكرة إن الترجمة كتابة، يعني هتتكلمي معانا بالكتابة؟"
بلعت ريقها: "قصد حضرتك إيه؟"
فارس: "يا آنسة، الترجمة مش مجرد إنك تعرفي لغة. بما إنك هنا في شركتنا، يعني عارفة مين إحنا وحجم الشركة إيه؟ فبالتالي لازم يكون عندك لباقة الكلام، صح؟ أنا ولا إيه؟"
سلمى: "معلش، اعذرني يا فندم، بس اتوترت جداً لأني عارفة حضرتك شخصية مهمة، ولحد دلوقتي مش مصدقة نفسي إني قاعدة قدامك وش لوش وبكلم حضرتك. متخيلة إني لو قولت لصاحبتي إني قابلتك، هيقولوا إني بخرف أو بحلم."
ضحك قوي، وسلمى سرحت مرة واحدة في ابتسامته دي. شافته قد إيه مرح، بس اتوترت لما لقتُه بيبصلها. حاول مش يحرجها وقال: "ممكن السي في بتاعتك؟"
سلمى: "أنا خريجة تربية إنجليزي، وواخدة كورسات ديلف ودالف وفونتيك فرنساوي كمان، وواخدة كورسات تقوية لغة."
قاطعها: "ممكن تسكتي شوية."
سكتت بتوتر، وهو بيقلب في الورق بإعجاب: "طيب، إنتي تمام أهو. أستاذ أمجد المسؤول عن الاتش آر، مرحتلوش ليه؟"
سلمى بضيق: "رفضني يا فندم."
فارس باستغراب: "ليه؟ إيه السبب؟ إحنا محتاجين مترجمين فعلًا."
بصت له: "لأني لا بسة حجاب."
فعلاً أخد فارس باله: "وفعلًا دي مش شروط المترجمة."
بصت له بإحباط، ولمعت دموعها. ومرة واحدة بصت له ووقفت.
رواية لخبطة مشاعر الفصل الثامن 8 - بقلم اسماء محمد
سكتت بتوتر وهو بيقلب في الورق بإعجاب:
طيب آنتي تمام أهو أستاذ أمجد المسؤول عن الاتش أر مرحتلوش ليه؟
سلمى بضيق:
رفضني يا فندم.
فارس بإستغراب:
ليه إيه السبب؟ إحنا محتاجين مترجمين فعلًا.
بصتله:
لإني لا بسة حجاب.
فعلاً أخد فارس باله:
ودي مش شروط المترجمة.
بصتله بإحباط ولمعت دموعها ومرة واحدة بصتله ووقفت:
أنا آسفة إني عطلت حضرتك بعد إذنك.
كانت بتحاول تمسك دموعها لأنها عرفت إنها كده هتلف كتير ومش هتلاقي أي وظيفة تقبلها زي ما هي. كل اللي بيدور بيدور على الشكل مش الشغل. كل اللي بيدور بيدور على الجسم العريان والشعر المتسرسب، يعني مينفعش اللي صايمين جسمهم وعرضهم. لا لازم اللي بيعملوا عرض الخلق هما اللي يعجبوا. زمن العجايب بصحيح. قررت إن هي مش هتلف كتير، هي ترجع المدرسة بكرامتها أحسن. أهي وظيفة حكومية بقي يكفي إنها قابلة. منظرها ده.
فارس بحزن:
يا آنسة سلمى. مفيش داعي للإعتذار يا بيه.
أنا عارفة طريق الباب واسفة مرة تانية للعطلة بس هقول حاجة قبل ما أمشي. الدنيا على قد طولها قصيرة، بلاش نعمل حساب ليها لأن الآخرة أطول. واظن فهمت رسالتي. بعد إذنك.
كانت بتحاول تمسك دموعها لأنها عرفت إنها كده هتلف كتير ومش هتلاقي أي وظيفة تقبلها زي ما هي. كل اللي بيدور بيدور على الشكل مش الشغل. كل اللي بيدور بيدور على الجسم العريان والشعر المتسرسب، يعني مينفعش اللي صايمين جسمهم وعرضهم. لا لازم اللي بيعملوا عرض الخلق هما اللي يعجبوا. زمن العجايب بصحيح. قررت إن هي مش هتلف كتير، هي ترجع المدرسة بكرامتها أحسن. أهي وظيفة حكومية بقي يكفي إنها قابلة. منظرها ده.
فارس بحزن:
يا آنسة سلمى. مفيش داعي للإعتذار يا بيه.
أنا عارفة طريق الباب واسفة مرة تانية للعطلة بس هقول حاجة قبل ما أمشي. الدنيا على قد طولها قصيرة، بلاش نعمل حساب ليها لأن الآخرة أطول. واظن فهمت رسالتي. بعد إذنك.
خرج من ورا مكتبه بسرعة عشان يلحقها:
يا آنسة إستني. آنتي ليه مش مديني فرصة أتكلم؟
سلمى:
هتقول إيه؟ أنا بوفر عليك الكلام وبعفيك من أي اعتذار. خلاص يا بيه أنا فهمت إن أنا وأمثالي ملناش مكان وسطكم ولا لينا لقمة عيش. خليكوا إنتو في حياتكم تتهنوا بيها.
صرخ فيها بفروغ صبر:
آنتي إيه؟ بالعة راديو؟ بقولك اسمعيني وإنتي لوكلوك. إيه ادي لغيرك فرصة. عايز أتكلم. يا ساتر.
لمعت دمعتها من صريخها فبتر كلماته وسكت:
أنا آسف.
سلمى:
شفت إنك عاوز تعتذر؟ عن إذنكم.
مسك دراعها يوقفها بس بصتله بشر فسابه بسرعة وظهرت ابتسامة على محياه:
طيب ممكن تهدي وتفهمي من غير ما تتسرعي؟ هيجرى إيه لو سمعتيني؟
راحت سلمى وقعدت مستنياه يتكلم.
فارس قعد قصادها وابتسم:
بصي أنا طبعًا بقولك إن فيه شروط والشكل يأتي في تاني مستوى بعد مستوياتك اللغوية ودا أولويات. وطبعًا لحجم الشركة والأجانب اللي بنتعامل معاهم المترجمين بيكونوا وجهة للشركة قصاد أي حد. ودا في الغالب لأن معظم اللي بيدخلوا مجال زي ده بيكونوا من دون حجاب أو تدين وقليل نوعياتك.
أسرعت:
ومالها نوعيتي؟ بنعمل حاجة حرام؟ حرام تكون واحدة محترمة تدرس لغات الأجانب؟ ولا فيه شرع بيحرم ده؟
نفخ بضيق:
ممكن تسمعي من غير ما تقاطعيني؟
سيبيني أكمل للأخر، مين قال إن اللي لابسين حجاب أو واسع بس اللي محترمين؟ الاحترام مش باللبس أو أو. الاحترام دي مبادئ وتربية أو أو. تمام؟ بعدين أنا كل قصدي دي شروط أغلبية. فعادي دي شروط الشركات الكبيرة.
سلمى بضيق:
يعني دلوقتي هتشغلني ولا لأ؟
سكت شوية وبعدين قام وقف وطلع لبره وهي متابعاه بإستغراب من تصرفه.
سلمى:
قوللي إنت رايح فين؟
ضحك فارس وهو بيبصلها وهما قدام مكتب السكرتيرة دلال:
يا بنتي احترمي شوية إني مدير الشركة. آنتي حاسساني إني حبيبك ولا حاجة. ضيعتي برستيجى. حرام عليكي.
متعرفش ليه فجأة قلبها دق وابتسمت لتصوره ده بس نفضت بسرعة وعنفت نفسها ولحقته ومعاها السكرتيرة دلال على مكتب المخصوص للمترجمين.
وقف فارس بهيبته قدامهم وهما تلقائي وقفوا بإحترام كأنهم طلبة بيقفوا تحية للمدير وهو داخل الفصل.
فجأة ضحكت للتشبيه وظهرت غمازتها ودا خلاه يسرح فيها.
وهي مش عارفة ليه كانت زي المتخدرة بنظراته وسحر عيونه وأي منطق مش موجود.
طولت نظراتهم أوي.
أحمحمت السكرتيرة فإنتبه فارس وسلمى.
شتمت نفسها ولمعت دموعها للضعف ده وخافت قوي على نفسها. خافت تفتن نفسها وتقع ضحية فخ النفس. استعاذت بالله من الشيطان الرجيم.
فارس:
دي الأنسة سلمى زميلتكم الجديدة.
بصولها بإنتباه. مين دي اللي مديرهم مهتم إنه يوصلها بنفسه لمكتبها الجديد؟ لا وكمان يقف ويتكلم معاهم. عمره ما عملها مع حد.
نظرات مختلطة ما كانتش عارفة تحددها. هي يا ترى خير ولا شر؟ طيبة ولا حسد؟ هي دلوقتي خطأ برجليها في عالم جديد وغريب عليها. بتسمع عنه من بعيد زي الأحلام والأفلام بس عمرها ما جربته. كانت خايفة وحاسة الرهبة من العالم ده. حاسة إنها مكنتش قد خطوة زي دي. يا ترى خلود معاها حق؟ لما قالتلها عالم مبهج وأنواره بتبرق بتغرك. خافت بس هتدخل على بركة الله وليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
بعد الضهر راح ريان ومعاه جده هارون أبو زهرة عند رامز أرمل بنته عشان يطلب أيد ندى حفيدته لحفيده الكبير ريان عشان تبقي معاه وتكمل حياتها في حماهم زي ما كانت عايزة بنته فاطمة.
أول ما دخل كان التعامل غير معاملة خاصة من هبة والدة سلمى وهي بترحب وبتطلع أطباق أشكال وألوان وهي بتمد أحبال المحبة من غير سبب محدد.
ندى أول ما عرفت إن جدها هنا جريت عليه ورمت نفسها في حضنه وبكل حب:
جدو حبيبي وحشني جدا.
ضحك هارون بحب:
حبيبة جدك آنتي كمان وحشاني. عاملة إيه يا حبيبة جدك؟
ندى بحب:
جميلة جدا يا جدو. إنت مش واخد بالك ولا إيه؟
ضحك هارون:
طبعًا أميرة الأميرات يا حبيبتي. عاملة إيه في المدرسة؟
ندى:
إنت شاكك في قدراتي؟
هارون بثقة:
عمري. بتطمن بس.
سندي:
اطمن طب إن شاء الله. عشان أكون دكتورة زي أبيه ريان.
هنا ريان ابتسم:
إن شاء الله.
هارون:
ندى!
ندى بتوجس:
خير يا جدو؟
هارون:
آنتي عارفة إحنا جاين النهاردة ليه؟
ندى:
عشان تشوفني، عشان وحشتك.
هارون:
آنتي بتوحشيني علطول.
حضنها:
آنتي ذكرى عزيزة أوي من أمك الله يرحمها.
هارون:
إني جاي أخدك معايا يا ندى تعيشي معانا علطول.
كل ده ورامز قاعد ساكت لحد ما يشوف هارون مقرر إيه وبناء عليه يتكلموا.
هارون:
عاوزة تعيشي معانا يا ندى؟
ندى:
طبعًا يا جدو.
هارون:
بس إيه؟
ندى سابت حضنه وراحت لباباها:
بس بابا، أنا بحبه يا جدو. لو يجي معانا القصر أنا موافقة.
هارون نفسه تقل ومش قادر يخطي عقدته من رامز.
هارون لريان:
أتكلم يا ريان.
رامز فهم معاناة حماه السابق وطبعًا هو كمان عنده عقدة من معاملته السابقة.
ريان:
إحنا النهاردة جايين عشان نطلب أيد ندى ليا.
صمت تام في المكان.
في عربية ناجي.
نفخت خلود بضيق:
إنت ممكن تعرفني إنت عاوز تعمل إيه؟ أنا قولتلك موافقة. قوللي بقا إحنا رايحين فين؟
ناجي:
خلود!
خلود:
أفندم.
ناجي:
فيه مخرج معروف شاف أدائك في المشاهد الأولية من المسرحية قبل الهبل بتاعك وبوظتيها وعاوز يشوفك وتعملي كام مشهد في مسلسل متعاقد عليه.
خلود:
أستاذ ناجي أنا كنت محتاجة بس إني أعمل بشرط العقد. شوف بقا مش عشان وافقت هتحتكرني وتحركني على مزاجك كإني لعبة شطرنج؟
ناجي:
أنا مش عارف الهبل اللي في دماغك ده؟ هو إنتي مش شايفة إمكانياتك؟ فين حلمك؟ فين حماسك؟
بصت قدامها بشرود ودموعها لمعت:
راحت مع اللي راح.
ناجي:
هبلة، آنتي مش شايفة روحك مش شايفة إمكانياتك مش شايفة حماسك ده وموهبتك هيعملوا معاكي إيه؟ دول يأكلوكي الشهد وهيوروكِ عز أبعد من أحلامك.
خلود بحزن:
مش عايزة حاجة. أنا زهدت في كل حاجة. محتاجة أرجع بالزمن لورا وأمحي كل ذكرى وجع سببتهالهم.
تنهدت وهي بتفكر في حياتها اللي فاتت وجمال ذكرياتها والحقيقة اللي ظهرت في حياتها فجأة. عمتا بقي عندها أمل جديد بس مش قادرة تنسى إنها كانت سبب سواء مباشر أو غير مباشر في الحادثة اللي خلتهم اختفوا من حياتها للأبد.
ناجي:
إحنا وصلنا.
بصت حواليها:
إحنا فين؟
ناجي وهو بيركن العربية:
في موقع تصوير في استديو الأهرام.
فتحت عينيها بتبص حواليها ورجع لها انبهارها القديم فجأة بأنها كانت بتحلم تدخل أشهر استوديوهات التصوير.
دخلت وهي متحمسة وده لمحه ناجي وفرح جدا إنه عرف يلعب على أوتار حساسة يعني برضه ليها مداخل وهيفضل يلعب عليها لو في يوم نخت ورجعت لهبلها إنها السبب في إن عيلتها سابتها. كل دي أعمار وبعدين بقت فرصة إنها بقت حرة وهيشكلها زي ما هو عاوز. ولازم يقوي دوافعه ويقرب أكتر عشان خاطر يكون له تأثير قوي عليها.
ناجي:
أستاذ حلمي!
حلمي:
أهلاً يا ناجي.
ناجي:
خلود اللي حضرتك وصتني عليها.
حلمي افتكر:
أيوه صح. أهلاً وسهلاً.
خلود:
أهلاً بحضرتك. حضرتك غني عن التعريف، أنا من أشد المعجبين أعمال حضرتك.
بصت لناجي:
هو إنت ليه ومقولتليش إننا هنقابل أكبر مخرج؟
بصت تاني لحلمي:
دا كان حلم يا فندم إني أقف قدام حضرتك.
حلمي:
دا شرف ليا. حبك ده. وأنا طبعًا أشيد بأدائك. بيفكرني بتلميذة ليا من 27 سنة كانت في مكانك وبقت دلوقتي نجمة نجوم الوسط.
خلود:
شرف كبير يا فندم إني هنا.
حلمي:
صراحة ميرسي يا ناجي إنك اهتميت. أنا كنت محتاج وجوه جديدة للمسلسل اللي بيتم تصويره وحاليًا كان فيه بروفات وكنت زهقان جدا. ولا بنت من دول لايق عليها الدور. نشوف بقى بس أنا متأكد إنك هتبدعي خصوصًا لما شفت أدائك آخر مرة.
توترت خلود وبقت في حيرة للي هي داخلة عليه وبقت حاسة إنها مش قد القرار ده بس هي مضطرة وفي نفس الوقت محتاجة وقت أطول عشان تلاقي عيلتها وتشوف هيقبلوها ولا لا. وفي نفس الوقت خايفة. خايفة من الشهرة دي والأضواء رغم إن أكبر جزء جواها متحمس جدا جدا وكأنه حماس وراثي.
وقفت بعد وقت تعمل بروفا قدام المخرج ومجموعة من الممثلين وكاست الإخراج.
بس فجأة مجرد ما اندمجت في الورق والكلام ونسيت أي حاجة وبقت أسيرة لشغفها وحبها للتمثيل وسابت نفسها وانفعالاتها وعواطفها مع الورق.
ودا أبهر المخرج أوي وحاسس إن موهبتها فطرية زي ما تكون بالوراثة وفطرتها على كدا. ورغم صعوبة تعيينها لدور كبير معوقات كتير بسبب حجابها وإصرارها إنها مش هتتنازل.
ودا خلى موقفها في غاية الصعوبة. يا ترى المخرج هينوي إيه؟ هو مصر إن الدور لازم صاحبته تكون مستعدة تتخلى عن الحجاب لأن الدور محتاج شوية تنازلات. وخلود قالت إنها هتعمل أي حاجة بس التنازلات دي مستحيل حتى لو قررت تعتزل من قبل ما تبتدي. ودا يفوق الموهبة عندها.
ودا خلى المخرج يقول: أوعدك إن خلال فترة قصيرة هتبقي حاجة تانية مش هتصدقيها بموهبتك الفطرية دي. بس عشان ده يحصل لازم تقدمي تنازلات أولها الحجاب. بالنسبة للبس تتدبر، لكن الحجاب أهم لأن ده هيحجم أدوارك مش هيبقى فيه تنوع. لازم تقدمي تنازلات عشان توصلي.
ودا كان سبب حيرة خلود وبصت لحلمها اللي رجع يشرق جواها بس ومبادئها حياتها اللي اتربت عليها دي الأهم لأنها عن اقتناع. وبقت في حيرة ما بين حلمها وقناعاتها.
رواية لخبطة مشاعر الفصل التاسع 9 - بقلم اسماء محمد
ودا كان سبب حيرة خلود وبصت لحلمها إللي رجع يشرق جواها بس ومبادئها حياتها إللي اتربيت عليها دي الاهم لأنها عن اقتناع وبقت في حيرة ما بين حلمها وقناعاتها