تحميل رواية «لقاء في غرفة العمليات» PDF
بقلم سلمى جاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في أحد مستشفيات مدينة الإسكندرية، وخصوصًا في قسم الجراحة، دخل شخص تظهر على ملامحه علامات التعب الشديد، واضعًا يده على بطنه التي تنزف بغزارة، واليد الأخرى تمسك بسلاح مخفي في جيبه. الممرضة: خير يا أستاذ، أقدر أساعدك بحاجة؟ الشخص المجهول بتعب: عايز دكتور يوقف نزيف بطني. الممرضة بسرعة بعد ما لاحظت هدومه المليانة دم: ادخل بسرعة الأوضة اللي على اليمين، هتلاقي الدكتورة سارة، هتكشفلك على الجرح. دخل الشخص المجهول الأوضة اللي قالت عليها الممرضة، واتكلم بغضب وسلاحه في إيده: الشخص: أنا عايز حد يوقفلي النزيف...
رواية لقاء في غرفة العمليات الفصل الأول 1 - بقلم سلمى جاد
في أحد مستشفيات مدينة الإسكندرية، وخصوصًا في قسم الجراحة، دخل شخص تظهر على ملامحه علامات التعب الشديد، واضعًا يده على بطنه التي تنزف بغزارة، واليد الأخرى تمسك بسلاح مخفي في جيبه.
الممرضة: خير يا أستاذ، أقدر أساعدك بحاجة؟
الشخص المجهول بتعب: عايز دكتور يوقف نزيف بطني.
الممرضة بسرعة بعد ما لاحظت هدومه المليانة دم: ادخل بسرعة الأوضة اللي على اليمين، هتلاقي الدكتورة سارة، هتكشفلك على الجرح.
دخل الشخص المجهول الأوضة اللي قالت عليها الممرضة، واتكلم بغضب وسلاحه في إيده:
الشخص: أنا عايز حد يوقفلي النزيف ده!
وقفت بنت جميلة، لابسة فستان وعليه بالطو أبيض، وملامحها باين عليها الجدية، وقالت:
سارة: إيه الهمجية دي! إزاي تدخل من غير ما تخبط؟
وأول ما لاحظت السلاح، اتكلمت بشجاعة وقوة:
ما تفتكرش إني هخاف من اللي في إيدك.
وبعدين كملت: أنا هساعدك عشان ده واجبي، فياريت تنزل السلاح وتقعد على السرير.
لبست الجوانتي، وقعدت قصاده، وبدأت تشوف جرحه. لاحظت إن الجرح متلوث وشكله غريب.
سارة باستغراب: مين مخيطلك الجرح ده؟ واضح إنه مش دكتور حتى.
لكن قبل ما تكمل، لمحت شيء صلب تحت الجرح، وكأنه جهاز مزروع.
وقبل ما تعلق، اتفاجئت بشخص بيقتحم الأوضة، وبيقرب منهم بخطوات سريعة.
سارة بصت للي دخل باستغراب، ولقت شاب وسيم، طويل، وجسمه رياضي ضخم.
لفت نظرها هدومه السودة القاتمة. ورغم وسامته، كان باين على ملامحه الغضب والجدية.
سارة بضيق: إنت مين؟ وإزاي تدخل الأوضة بالطريقة دي؟ مش عارف إنها أوضة كشف؟!
الشاب بعدما طلع الكارنيه وعينه على الراجل اللي على السرير:
أنا حيدر العطار، ظابط في القوات الخاصة. والراجل اللي بتعالجيه ده إرهابي، ومزروع في بطنه قنبلة قادرة تنسف المستشفى من على وش الأرض.
سارة وقفت بصدمة، وبحركة تلقائية وقفت ورا حيدر علشان تحتمي فيه.
حيدر قرب من الراجل اللي فقد وعيه من النزيف، وبعدين فجأة طلع آلة حادة من جيبه، وقرب من الشخص اللي على السرير.
سارة باستغراب: إنت بتعمل إيه؟!
حيدر بجديّة: هفتح بطنه علشان أخرج القنبلة وأوقفها.
سارة بصدمة: أفندم؟! حضرتك بتقول إيه؟ ده ممكن يموت!
حيدر بغضب وأنفاسه عالية: اللي زي ده ما يستحقش يعيش. اللي بيقتل أبرياء باسم الجهاد، يستحق يحس بالألم مش العلاج.
سارة بتحدي: والله يا حضرة الظابط، أنا دكتورة، وشغلي إني أنقذ حياة الناس، ومش بيفرق معايا مجرم ولا بريء.
وفجأة، حيدر رجع يخرج الآلة الحادة من جيبه، وقرب من المجرم اللي فقد وعيه:
حيدر: أنا هفتح بطنه وأخرج القنبلة، ومحدش هيقدر يمنعني.
جريت عليه، ووقفت قدام السرير. وبرغم خوفها منه وإحساسها بالضعف، خصوصًا لما وقفت قصاده وبان فرق الطول الكبير بينهم، وما فصلش بينهم غير سنتيمترات قليلة، قالت بشجاعة مزيفة:
سارة: أنا اللي همنعك.
بصلها باستخفاف بعينيه اللي زي عيون الصقر، وقبل ما يتكلم، قطعه صوت مدير المستشفى:
مدير المستشفى: يا حيدر باشا، اللي بتحاول تعمله ده ضد القانون. وزي ما الدكتورة سارة قالت، شغلنا نعالج الناس مش نحاسبهم.
بص حيدر وسارة لبعض، وسارة لفت نظرها اسم "حيدر" المميز، اللي تقريبًا عمرها ما سمعته قبل كده. أما حيدر، فبصلها كأنه أول مرة ياخد باله من شكلها.
ملامحها الهادية اللي بتجمع بين البراءة والتمرد، طولها المتوسط، لكنه شايفها قصيرة جدًا، مش واصلة حتى لبداية صدره. وأخيرًا، حجابها المحتشم اللي زاد جمالها.
فاق حيدر من تفكيره على صوت مدير المستشفى:
المدير: مفيش غير حل واحد. المريض لازم يدخل العمليات علشان نخرج القنبلة، وفي نفس الوقت نحافظ على حياته.
حيدر هز راسه: تمام، أنا موافق.
المدير: محتاجين حد من دكاترة الجراحة يتطوع ويدخل مع حيدر باشا.
سارة رفعت إيدها بتوتر: أأ.. أنا هتطوع.
بعد خمس دقايق، تم تجهيز حيدر وتعقيمه، وكذلك سارة.
وفي غرفة العمليات، اللي كانت في مبنى صغير بعيد نسبيًا عن المستشفى ومخصص للعمليات الخطيرة، وده عشان يكون خالي من الناس.
بدأت سارة تفتح الجرح بسرعة ومهارة، وحيدر متابعها، لحد ما ظهرت القنبلة.
في اللحظة دي، رفعت عينها بخوف لعينيه، اللي طمنها بعنيه.
مسكت القنبلة بإيديها المرتعشة، لكن فجأة حسّت بإيد حيدر على إيديها، وساعدها تخرجها بحذر. وفعلاً قدروا يخرجوها من جسم المجرم.
حيدر بأنفاس عالية من تحت الماسك: فاضل سبع دقايق وتنفجر.
سارة بخوف: طيب يلا بسرعة، اقطع السلك اللي بيوقف العداد!
حيدر بسخرية: أكيد مش مستني جلالتك تعرفيني المعلومة الفظيعة دي. الموضوع مش بالسّهولة دي يعني!
وبعدين كمل بغضب: لولا إن حضرتك عَطلتيني، ومخلتنيش أفتح بطنه، مكانش الوضع هيبقى كده.
سارة بغضب مماثل: آه يعني أنا السبب! أهو ده حالكم أنتو الظباط، ما عندكوش قلب ولا إحساس!
حيدر بصدمة: إحنا؟! ولا إنتو الدكاترة اللي بتتعاملوا مع أجسام الناس كأنها لعب بتشرحوا فيها؟ ده أنا مكملتش دقيقتين في العملية وبطني قلبت من المنظر!
سارة بتحدي: إحنا بنحاول نعالجهم، الدور والباقي على اللي...
وقبل ما تكمل، ارتفع صوت عداد القنبلة، علامة على إن فاضل أقل من خمس دقايق.
رجعت الأجواء تتوتر، والوقت بيعدي، وحيدر بيحاول يعرف أنهي سلك يقطعه.
فاضل دقيقة على الانفجار.
حيدر بيأس ووشه مبلول عرق، بص لسارة وقال:
شكل مفيش أمل. دي أول مرة أتعامل مع النوع ده...
بعدين بص لها: اخرجي انتي من هنا، وابعدي عن المبنى.
ساره احساس جواها بيقولها خليكي معاه أياً كانت العواقب.
سارة برفض وإصرار: لا، مش هخرج. أنا وانت دخلنا مع بعض، وهنخرج مع بعض.
حيدر بحدة: قولتلك، أنا مش ضامن أوقف القنبلة. أخرجي... أنا لو مُت فيه غيري كتير، لكن إنتي جراحة، وشاطرة كمان، ولازم تعيشي.
سارة بعناد: لا، مش هخرج. ولسه فيه أمل، إن شاء الله هتلحق!
فعلاً حيدر حاول تاني، وبإصرار غريب. مش عشان ينقذ نفسه، هو عمره ما كان بيخاف على حياته، لكن المرة دي، كان هدفه ينقذ سارة.
غمض عيونه، وفي نفس اللحظة قطع سلك من أسلاك القنبلة، على أمل يكون هو الصح...
فجأة، العداد وقف، والقنبلة اتعطلت.
سارة فتحت عينيها بخوف وترقُّب، ثم فرحة، لما شافت القنبلة اتعطلت.
بصت لحيدر، اللي شال الماسك وبياخد أنفاسه اللي اتحبست وقالت بابتسامة:
سارة بفرحة: أنا مش مصدقة... إحنا ما موتناش! دي معجزة!
حيدر ابتسم من فرحتها وحس بضربات قلبه السريعه لما شاف عيونها اللي بتلمع خصوصاً مع لونهم البني.
ساره: أنا هنضف الجرح وأقفله وانت أخرج ارتاح انت بذلت مجهود جبار.
حيدر رد: لا أنا هستناكي لحد ما تخلصي.
ساره ابتسمت: تمام زي ما تحب.
حيدر بهزار: تحبي أساعدك في الخياطة أنا بعرف أخيط كويس ع فكرة.
ساره بسخرية: بتخيط قمصان طبعًا مش أجسام بني آدمين.
حيدر: يا ستي ما كلها خياطه الاتنين بتضربي الابرة من ناحية وتخرجيها من الناحية التانية.
ساره فتحت عينها بصدمه من تشبيهه لكنه كمل بصدق: بس بجد بقا .. انتو الدكاترة الجنود الحقيقة مش إحنا.
ابتسمت وهي بتقطع أخر خيط وقالت: مكانش ده كلامك من شوية.
حيدر: كنت بهزر عشان أهديكي شوية من التوتر .. يلا نخرج.
ساره بابتسامة: يلا.
خرج حيدر وسارة من غرفة العمليات، ولَقوا المستشفى كلها مستنياهم وبيسقفولهم. الناس كلها كانت بتتكلم عنهم، وعن شجاعتهم، وقد إيه شكلهم حلو مع بعض.
وكمان الشرطة كانت حضرت المكان علشان تقبض على الإرهابي.
قرب حيدر من سارة، اللي كانت واقفة مع زملائها من الدكاترة، وحمحم بتوتر:
حيدر: احم... دكتورة سارة...
سارة لفت باستغراب: نعم، يا حضرة الظابط؟
كان حيدر لسه هيتكلم، لكن قطعه صوت موبايله... كانت مكالمة شغل، ولازم يروح فورًا.
حيدر بضيق: أنا لازم أمشي دلوقتي.
سارة حاولت تداري ضيقها: مع السلامة يا حضرة الظابط.
حيدر كان لسه هيكمل كلامه، لكن المرة دي، ممرضة نادت على سارة علشان ترجع الشغل.
سارة باعتذار: أنا كمان لازم أمشي حالًا.
هز حيدر راسه بتفهم، ومشي. وكل واحد فيهم رجع لشغله... ولحياته العادية.
بعد مرور أسبوع.
رجعت سارة لروتينها العادي، بين شغلها في المستشفى، وصحابها، وأهلها.
كانت الساعة ٨ بليل، ودخلت أوضتها في سكن المستشفى بعد يوم طويل في العمليات.
سارة بإرهاق: آه ياني... مش شايفة قدامي. هاخد شاور وأنام أخيرًا...
جهزت بيچامة لونها أسود، لكن قبل ما تدخل الحمام، سمعت صوت موبايلها بيرن.
ردت وكانت صاحبتها ندى:
ندى: ألو! أيوه يا سارة، عاملة إيه؟
سارة: الحمد لله، يا ندى... تعبانة شوية، لسه مخلصة شغل.
ندى: ها، هتيجي التجمع بتاعنا النهارده زي ما اتفقنا؟
سارة: معلش يا ندى، والله مش هقدر أجي، تعبانة... يادوب أستحمى وأنام.
ندى: مفيش الكلام ده! لازم تيجي. إحنا أصلًا ما بقيناش بنتقابل مع صحابنا، وانتي دايمًا في المستشفى ومش بتشوفي حد. قومي جهّزي نفسك، وهعدي عليكي.
سارة بتفكير: بسس...
ندى: مفيش "بس"!
سارة تنهدت: خلاص... هاجي، اديني نص ساعة أجهز، وتعالي خُديني.
ندى: قشطة.
رجّعت سارة البيچامة مكانها، ووقفت محتارة قدام الدولاب، لحد ما استقرت على فستان أزرق بنقشة بسيطة، وحجاب أبيض، وساعة فضي، وكوتشي أبيض، واكتفت بإسوارة وسلسلة فيها فراشات بلون الفستان.
بعد نص ساعة، كانت أخدت شاور وجهزت، ونزلت بعد ما ندى كلمتها وقالت إنها تحت المستشفى.
في مطعم راقٍ بيطل على بحر الإسكندرية.
كانت قاعدة وسط صحابها، شبه الملاك بفستانها الأزرق بلون البحر، وحجابها الأبيض اللي منوّر وشها من غير أي ميكاب، وابتسامتها الجميلة اللي تقدر تجذب أي حد.
وأثناء ما كانت بتشرب عصير المانجو المفضل ليها، واحد من صحابها وقف فجأة، وواضح إنه بيكلم حد في الموبايل.
الشاب: أيوه يا ابني، إحنا في الترابيزة اللي في آخر المطعم. أهو، أنا اللي بشاورلك، تعالى.
لفّت سارة بشكل تلقائي تشوف مين، لكن فجأة فتحت عينيها بدهشة وذهول.
الشاب: أقدملكم يا جماعة... حيدر العطار، ظابط في القوات الخاصة، وابن خالتي وصاحبي.
سارة بصدمة: حيدر؟! ...
رواية لقاء في غرفة العمليات الفصل الثاني 2 - بقلم سلمى جاد
أيوه يا ابني، إحنا على الترابيزة اللي في آخر المطعم. أهو، أنا اللي بشاورلك... تعالى.
لفّت بشكل تلقائي تشوف مين، لكن فجأة فتحت عينيها بدهشة وذهول.
الشاب: أقدملكم يا جماعة... حيدر العطار، ظابط في القوات الخاصة، وابن خالتي وصاحبي.
سارة اتصدمت من وجود حيدر. معقولة الصدفة مُصرة تجمعهم للمرة التانية؟! لقاؤهم الأول كان شبه الحلم، زي الأفلام والمسلسلات اللي ما بتحصلش في الواقع. لكن دلوقتي هي شايفاه قدامها بهيبته الطاغية وحضوره الملفت.
كان لابس جاكيت جلد أسود، وتحت منه تيشيرت رصاصي، مع بنطلون جينز نفس لون الجاكيت.
وفي إيده ساعة سمارت باللون الأسود، مع نظارة رافعها على راسه.
أما بالنسبة لحيدر اللي وزع عيونه علي اللي قاعدين بابتسامة وتحيه لكن اتصنم مكانه لما وقعت عيونه علي ساره وحس بضربات قلبه اللي ارتفعت فجأه لما دقق في ملامحها واستغرب من الصدفه اللي جمعتهم في مكان وظروف مختلفه.
حيدر بدون وعي وعيونه علي سارة: سارة!
واحد من اللي قاعدين باستغراب: ايه ده هو حضرة الظابط يعرف سارة؟
سارة بتوتر وبتحاول تتلاشي نظرات حيدر: أأ أيوة اتقابلنا مره في موقف غريب جدا.
وحكتلهم اللي حصل أول يوم اتقابلوا وازاي دخلوا غرفة العمليات مع بعض عشان يخرجوا القنب*لة من بطن الإرها*بي وباقي الحكايه.
واحده من صحبها بانبهار: واااو ده ولا في الروايات معقول فيه كده.
ندى صاحبة ساره بخبث: إنه القدر يا سادة مصر إنكوا تتجمعوا تاني ويطلع حيدر باشا ابن خالد صاحبنا.
في الوقت ده، حيدر شد كرسي وقعد في المكان الفاضي الوحيد على الترابيزة، واللي بالصدفة كان قصاد كرسي سارة مباشرة.
حيدر (بابتسامة خفيفة، موجه كلامه لسارة): عاملة إيه يا دكتورة؟ ما توقعتش إننا نتقابل تاني.
(والكلام ده مش حقيقي، لأنه كان جواه إحساس غريب إنه هيقابلها تاني، وإن حكايتهم لسه ليها باقي...)
سارة (فركت إيديها بخجل): الحمد لله، بخير.
حيدر ابتسم من خجلها الواضح، ولفت نظره فستانها الأزرق الرقيق، وحجابها اللي منوّر وشها، وحسّ إنه شايف نسخة جديدة منها.
أيوه، هو قابلها قبل كده، لكن وقتها كانت لابسة وش الجدية والتحدي بالاسكراب الطبي وملابس العمليات... لكن دلوقتي شايف النسخة الأنثوية منها.
عدّى الوقت بسرعة، وخلص التجمع أسرع مما كان حيدر متوقع.
كان نفسه الوقت ما يعديش، ويطول أكتر، أو حتى يختفوا كل اللي في المكان وما يتبقاش غيره هو وهي... وبس.
خالد (مال على حيدر واتكلم بخبث): ما تقوم تطلب رقمها يا قلبي، بدل ما إنت مش قاعد على بعضك كده وبتفرك في الكرسي؟
حيدر (بضيق): إنت عارف إني مش بتاع الكلام ده... ولا دي مبادئي.
خالد: يا عم، هو أنا قلتلك تعمل حاجة لا سمح الله؟ إنت مش هتبطّل بقى جملة (ولأن الحلال أفضل سأنتظر) اللي حافظها أكتر من اسمك؟! ده إنت هتاخد رقمها بس، مش أكتر. تقدر تقولي بعد ما نمشي هتقابلها تاني إزاي؟
حيدر: لو فيه نصيب، هقابلها تاني... أنا واثق من كده.
خالد بسخرية: آه... إنشاء الله في الأحلام!
وبرغم الاختلاف الكبير في شخصيات حيدر وخالد وطريقة تفكيرهم، إلا إنهم أقرب أصدقاء لبعض من ساعة ما اتولدوا، بسبب صلة القرابة.
الكل استعد عشان يمشي، وحيدر كان متابع سارة بعينيه...
العينين اللي قالت كلام كتير... كان نفسه هو اللي يقوله.
بعد مرور شهر.
في أحد مستشفيات عروس البحر المتوسط، وفي منتصف الليل،
كانت سارة واقفة في غرفة الاستراحة، بتشرب قهوتها باستمتاع وبتتأمل القمر اللي كان بدر، ونسمات الهوا بتداعب وشّها بلطف.
بتستنى الوقت ده طول اليوم عشان تفصل من ضغط المستشفى، وترجع تستمد طاقتها من تاني.
مسكت موبايلها، ووصلته بالآيربودز، وشغلت أغنية بتوصف حال قلبها:
"جيتني فجأة كده، من غير ميعاد
ولقيت الطبطبة، راحة لقلبي وعناد
جيت ومشيت، وسبت فيّا حكايات
لسه صورتك فـ بالي، ولسه بدوّر عليك."
لكن اللحظة الهادية دي ما طولتش، فجأة دخلت ممرضة وهي بتنهج وبتناديها:
– دكتورة سارة! في حالة خطيرة وصلت الطوارئ، مصاب بعدة طلق*ات مركزه في منطقة الصدر، الحالة حرجة جدًا، وبيجهزوه دلوقتي لدخوله غرفة العمليات.
سارة حطت الكوباية بسرعة، ووشّها اتبدل من الهدوء للتركيز، وراحت جري على غرفة العمليات.
لكن أول ما دخلت، وعيونها وقعت على المصاب، اتجمدت في مكانها.
كان هو… حيدر.
الصدمة خلت قلبها يضرب بسرعة، ودماغها لفّت في لحظة، بس حاولت تسيطر على أعصابها وتكتم مشاعرها، خصوصًا قدام باقي الفريق.
لبست الجوانتي والماسك، ومسكت أدواتها، وبدأت في العملية بكل حِرَفية وتركيز.
طول العملية كانت بتحارب بين خوفها عليه، وبين مسؤوليتها كطبيبة.
نجحت العملية، بس حالته فضلت حرجة، وحرارته كانت عالية، وفضل تحت الملاحظة.
في اليوم التالي – داخل غرفة العناية.
كان حيدر نايم على سريره، مغطي بأجهزة المراقبة، ومضمد بالضمادات.
أول ما فتح عينه، لمحها… سارة.
كانت قاعدة على كرسي قصاد السرير، نايمة وهي ساندة راسها على إيدها، باين عليها الإرهاق والسهر.
فضل يتأملها، وكل ملامحه كانت فيها راحة ودهشة.
ولما حسّ إنها بدأت تتحرك، نده بهدوء:
– سارة...
فتحت عينيها بسرعة، وفوقتها شافته صاحي.
ابتسمت ليه بهدوء، وسألت:
– عامل ايه دلوقتي حاسس بأي وجع؟
– لا الحمدلله.
في الوقت ده دخلت ممرضه عشان تعطيله العلاج اللي جيه معاده.
الممرضه: واضح إنك غالي عالدكتورة أوي يا حضرة الظابط دي سهرت طول الليل بتحاول تنزل حرارتك لإنها كانت مرتفعه جدا ومنزلتش غير لما الصبح طلع.
بص لسارة بنظرة ممتنة: شكرا يا سارة مش بس علي انقاذك لحياتي لكن كمان علي اهتمامك بيا.
سارة بصت له، وحاولت تخفي مشاعرها كعادتها، وقالت بنبرة هادية: كنت بعمل شغلي... زي ما أي دكتور بيهتم بمريضه.
بس عيونها ما قدرتش تخدع عيونه، ولا قلبه قدر يتجاهل نظرتها.
بعد خروجه من المستشفى بعدة أيام.
بدأ حيدر يتحسن، وخرج من المستشفى بعد ما حالته استقرت.
بس قلبه ما قدرش ينسى سارة، وقرر يرجع يشكرها بنفسه.
دخل من باب المستشفى، وسأل أول ممرضة شافها:
– دكتورة سارة هنا؟
– أيوه، في أوضة الكشف رقم ١١٠، بتكشف على حالة دلوقتي.
اتجه حيدر ناحيتها، وكان الوقت متأخر، الجو هادي والممرات شبه فاضية.
وصل عند الباب، وخبط مرتين بلطف...
ماحدش رد.
لكن فجأة، سمع صوت صر*خة مكتومة من جوه.
وقف في مكانه لحظة، قلبه دق بسرعة، حس إن فيه حاجة مش طبيعية.
مد إيده على مقبض الباب، وفتح بهدوء... لكن المشهد اللي شافه خلّى الدم يغلي في عروقه.
شاب، تقريبًا في سنه، كان بيحاول يعتد*ي على سارة، وكان ماسكها بعن*ف وقلع عنها حجابها، وهي بتقاومه بكل قوتها، دموعها ماليه وشها، وصوتها بيرتعش وهي بتصرخ وتقول له "ابعد عني!"
حيدر ما شافش قدامه، نسى جرحه اللي لسه ملمش، واندفع ناحيته بكل قوته.
شد الشاب من فوقها، وانهال عليه ضرب، عيونه فيها نا*ر، وصوته بيزعق:
– إزاي تلمسها! إزاي تمد إيدك عليها!
الممرضين والدكاترة جم عالصوت ، وحاولوا يبعدوه بالعافية، وهو لسه بيضرب فيه رغم احساسه إنه جرحه فتح وبدأ ينزف لكنه مهتمش بأي حاجه غير إنه يطمن عليها.
ولما قرب من سارة، كانت الممرضات حواليها بيحاولوا يهدوها، جسمها بيرتعش، دموعها مغرقه وشها، حجابها مبهدل.
قرب منها، صوته هادي لكنه مليان قلق:
– متخافيش... إنتي كويسة؟
ماقدرتش ترد.
نظرت له بنظرة مكسورة، عيونها حمراء جدا ومليانه دموع هزت راسها بنفي … وفجأة، أغمى عليها بين إيديه.
قلبه اتقبض، شالها بحذر وهو بيصرخ:
– سارة!!! سارة، ردي عليّ.
وصوته اتملّى في المكان، كأنه بينده على نص قلبه اللي بيضيع منه....
رواية لقاء في غرفة العمليات الفصل الثالث 3 - بقلم سلمى جاد
وصل عند الباب وخبط مرتين بلطف.
ماحدش رد، لكن فجأة سمع صوت صرخة مكتومة من جوه.
وقف في مكانه لحظة، قلبه دق بسرعة، حس إن فيه حاجة مش طبيعية.
مد إيده على مقبض الباب، وفتح بهدوء، لكن المشهد اللي شافه خلى الدم يغلي في عروقه.
شاب، تقريبًا في سنه، كان بيحاول يعتدي على سارة، وكان ماسكها بعنف وقلع عنها حجابها، وهي بتقاومه بكل قوتها، دموعها ماليه وشها، وصوتها بيرتعش وهي بتصرخ وتقول له "ابعد عني!".
حيدر ما شافش قدامه، نسى جرحه اللي لسه ملمش، واندفع ناحيته بكل قوته.
شد الشاب من فوقها، وانهال عليه ضرب، عيونه فيها نار، وصوته بيزعق:
– إزاي تلمسها! إزاي تمد إيدك عليها!
الممرضين والدكاترة جم عالصوت، وحاولوا يبعدوه بالعافية، وهو لسه بيضرب فيه رغم احساسه إنه جرحه فتح وبينزف لكنه مهتمش بأي حاجه غير إنه يطمن عليها.
ولما قرب من سارة، كانت الممرضات حواليها بيحاولوا يهدوها، جسمها بيرتعش، دموعها مغرقه وشها، حجابها مبهدل.
قرب منها، صوته هادي لكنه مليان قلق:
– متخافيش... إنتي كويسة.
ماقدرتش ترد.
نظرت له بنظرة مكسورة، عيونها حمراء جدا ومليانه دموع هزت راسها بنفي.
وفجأة، أغمى عليها بين إيديه.
قلبه اتقبض، شالها بحذر وهو بيصرخ:
– سارة!!! سارة، ردي عليا!
وصوته اتملى في المكان، كأنه بينده على نص قلبه اللي بيضيع منه.
بعد مرور ساعة... في إحدى غرف المستشفى.
سارة فتحت عينيها ببطء، وحست كأن في وشها ضباب تقيل. سقف أبيض، لمبة نيون بتنور بنبض هادي، والريحة حواليها كانت خليط ما بين كلور ومطهرات طبية.
فضلت شوية تبص حواليها، عقلها مش مستوعب هي فين، ولا وصلت هنا إزاي. حاولت تقعد، بس راسها كانت تقيلة، ونبض قلبها بيعلى.
قالت بهمس مرتبك:
"إيه اللي حصل؟ أنا... فين؟"
وفجأة، الذكريات بدأت ترجع، مشهد ورا التاني، كأن حد بيقلب في شريط قديم بسرعة.
كانت في المستشفى، بتراجع حالة مريض المفروض عمليته بعد يومين. دخلت أوضته كالعادة، بس من أول لحظة، حسّت بحاجة مش مريحة.
الشاب كان في أوائل التلاتينات، باين عليه هادي في الشكل، لكن عينيه كانت بتقول غير كده. نظراته كانت تقيلة، مش مريحة، وكلامه فيه تلميحات مش لائقة. حاولت تسلك، وتخلص كشفها وتمشي.
قربت منه علشان تبص على الجرح، رفعت الكمامة، وبدأت تراجع الضمادة.
وفجأة، لقت إيده بتلمس إيدها، وبعدين كتفها.
اتصنمت من الصدمة، وكأن جسمها اتشل، مش بيستجيب تماماً.
مد إيده وشدها ناحيته، ولما صرخت، صوتها طلع مخنوق.
حاولت تبعده، لكنه كان أسرع، وبكل وقاحة تجاوز حدوده بشكل مستفز، لما شد حجابها، وهي بتحاول تبعده بكل قوتها.
وفي عز لحظة الرعب...
الباب اتفتح وشافت نور نجاتها، لكن من الصدمة ودموعها اللي ماليه عنيها، مكانتش عارفه تميز مين اللي دخل.
كان واقف زي ما يكون جاي من معركة.
ومن غير كلام، شد الشاب ورماه بعيد.
سارة وقعت على الأرض، وإيدها بترتعش، وهي بتحاول تلملم نفسها وتخبي خصلات شعرها البنيّة اللي بانِت.
فاقت من شرودها على صوت خافت حواليها.
لفت وشها ببطء، لقت حيدر قاعد على كرسي قدامها، ساكت، بس عينيه كلها كلام.
خدت لحظة، وبعدين قالت بصوت واطي:
"انت اللي ضربته؟"
هز راسه بمعنى "أيوه"، وهو لسه ساكت.
سكتت، وبصت له تاني، والدمعة كانت على طرف عينها.
بس المرّة دي مش دمعة خوف.
كانت دمعة نجاة.
سارة بتحاول تسيطر على رعشة خفيفة في إيديها. قلبها بدأ يهدى، وأنفاسها تنتظم شوية بشوية.
حيدر، وهو لسه قاعد قدامها، بص لها بهدوء وقال بصوت واطي فيه حنية:
"كل حاجة خلصت... متخافيش، إنتي دلوقتي في أمان."
نبرته كانت ثابتة، وعيونه صادقة، وده كفاية يطمنها.
غمضت عينيها لحظة، تنفست بعمق، وحست لأول مرة إن الأرض رجعت تقف تحت رجليها.
لكن الطمأنينة ماطولتش.
الباب اندفع فجأة، لأن حيدر من الأساس ماكانش قافله عليه هو وسارة.
قال رسول الله ﷺ:
"لا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما."
دخل مدير المستشفى، ووشه مليان توتر، وراه نايب المدير، ومعاهم راجل واضح من لبسه وساعته وشكله إنه من الناس اللي ليهم وزن، أو على الأقل فاكرين نفسهم كده.
عين الراجل ده أول ما وقعت على حيدر، لمعت بالغل، وبص له من فوق لتحت كأن بيعايره وبيشوف مين اتجرأ وضرب ابنه.
الراجل الغني واللي اسمه "المنشاوي" بنبرة مليانة تهديد:
"واضح إنك مش فاهم تبعات اللي عملته... وصدقني، مش هعديها بالساهل."
سارة كانت لسه مرعوبة، وحسّت إنها على وشك تنهار تاني.
لكن حيدر، بهدوء مريب، قام من على الكرسي، ووقف بطوله وهيبته، وعيونه ثابتة في عين المنشاوي.
قال بنبرة قوية وواثقة:
"أنا المقدم حيدر العطار، قوات خاصة.
ولو مش مصدق، ممكن تتواصل مع القيادات."
سكت لحظة، وبعدين كمل بهدوء أشد:
"أنا كنت بحمي دكتورة اتعرضت لمحاولة اعتداء أثناء ممارسة عملها."
الدنيا وقفت والراجل الغني وشه اتبدل في لحظة من الهجوم للدفاع. لما سمع رتبة حيدر وكمان اسم عيلته اللي يعتبر من أشهر عائلات اسكندرية بسبب رتبهم العالية في الشرطة.
اتكلم بتوتر واضح:
"أنا... أنا مكانش قصدي... أنا كنت فاكر إن—"
حيدر قاطعه بنبرة حادة:
"إنت كنت فاكر إيه؟ إنك تلطخ سمعة حد من غير ما تفهم؟ ابنك حاول يعتدي عليها، وفي شهود، وفي كاميرات."
سارة بصت لحيدر بدهشة وامتنان، ومشاعِرها مش قادرة تترتب.
المدير قال بحرج:
"إحنا... آسفين جداً يا دكتوره سارة، واضح إننا اتسرعنا في الحكم. وهنحقق في اللي حصل فوراً."
وبدون كلمة زيادة، كلهم خرجوا من الأوضة.
وسارة فضلت ساكتة لحظات بصت لحيدر، وبعينها لمعة امتنان وراحة:
"أنا... مش عارفة أقولك إيه.
لو ماكنتش موجود في اللحظة دي...
أنا أصلاً كنت هبقى فين دلوقتي؟
كنت جاي تشكرني علشان أنقذتك في العملية، بس الحقيقة...
أنا اللي لازم أشكرك... إنت أنقذتني من حاجة... ماكنتش هعرف أخرج منها لوحدي."
حيدر بص لها بابتسامة خفيفة وقال بهدوء:
"وجه الدين، يا دكتورة..."
قالها وهو بيبص لها بنفس النظرة اللي كانت على وشها يوم ما أنقذته. كأنه بيقول: أنا بردّلك الجميل بنفس الطريقة.
في أوضة تانية في نفس المستشفى، كان الصوت عالي والجو مشحون.
المنشاوي كان واقف ووشه متلون بين الغضب والصدمة، وبصوته اللي اتعود يسيطر بيه قال:
"إنت مجنون؟!
إزاي تعمل كده؟!
إزاي تمد إيدك على دكتورة جوه المستشفى؟
دي مش أي واحدة، دي كانت في شغلها، وكان ممكن تودينا في داهية!"
حسن، اللي كان قاعد على الكرسي ببرود غريب، رفع عينه وقال بنبرة عنيدة:
"ماهو مفيش حاجة حصلت... وكانت ممكن تعدي.
بس إنت سيبتني لوحدي!
أول مرة محتاجك توقف جنبي، لقيتك بتعتذر!"
المنشاوي اتنفض وقال:
"أعتذر؟ أيوه، أعتذر!
لإنك ورطتني قدام واحد مش أي حد...
ده مقدم في القوات الخاصة، فاهم يعني إيه مقدم؟
يعني الكلمة منه تخلّي الدنيا كلها تتحرك.
غير كده... ده من عيلة العطار...
عيلة وراها بلد، وناسها معروفين من زمان.
وأنا... أنا ماكنتش أعرف!"
حسن بصله بغل وقال:
"يعني علشان ظابط... سكت؟
ولأن وراه ناس... ماجبتليش حقي؟
إنت عمرك ما سبتني كده قبل كده...
كل مرة كنت بتقفلي الدنيا وتجبلي حقي بالعافية...
إيه اللي اتغير؟!"
المنشاوي صرخ:
"اللي اتغير إنك كبرت وبقيت بتعمل مصايب ما تتغطيش!
دي مش خناقة في نادي ولا واحدة بتشتكيك ع الفاضي.
دي قضية شرف، ودي فضيحة.
ولو كاميرات المستشفى كانت شغالة، كنت دلوقتي في الحبس!"
حسن قام فجأة، وكأنه انفجر من جواه.
عناد وغِل في عينيه، ووشه اتشد بقسوة.
"أنا مش هعديها..."
قالها وهو بيشد الباب، وبنبرة غليظة مليانة حقد:
"اللي حصل مش هينتهي هنا، لا سارة ولا حيدر خدوا حسابهم... وخصوصاً حيدر."
طلع من الأوضة، سايب أبوه واقف مصدوم.
مش عارف هل يخاف على سمعة ابنه.
ولا على اللي ممكن يعمله لما يفقد عقله.
نفس اليوم – الساعة قرّبت ١٢ بليل.
كانت سارة قاعدة على السرير، لابسة بيچامة خفيفة، وعينيها بتجري ورا أي نقطة في السقف، مش قادرة تنام.
رغم هدوء الأوضة، بس جواها كان مليان دوشة.
رن الموبايل.
"ندي صاحبتها بتتصل..."
سارة خدت نفس وردّت بصوت تعبان شوية:
سارة:
"ألو..."
ندي بسرعة:
"سارة! صوتك عامل زي اللي لسه كان بيعيط... مالك؟ لسه تعبانة؟"
سارة حاولت تضحك بخفة:
"لا يا شيخة... ده صوت النوم."
ندي باهتمام حقيقي:
"أنا حافظة صوتك كويس... في حاجة؟"
سارة سكتت ثواني، وبعدين قالت بصوت واطي:
"أنا محتاجة أحكيلك حاجة... حصلت لي النهارده."
ندى سكتت، مستعدة تسمع، وسارة حكتلها باختصار عن اللي حصل في أوضة المريض، عن الخوف، وعن تدخل حيدر، وعن صدمتها اللي لسه ما راحتش.
ندي، بصوت فيه حنية وقوة:
"يا بنتي، ده انتي بطلة!
والله لو كنت مكانك، كنت خبطت دماغه بالترولي وجريت!"
ضحكت، وبعدين قالت:
"بس بجد..."
الحمد لله إنك كويسة وإن حيدر كان موجود في الوقت المناسب.
سارة وهي بتتنهد:
آه... بجد توقيت دخوله كان غريب... يعني إزاي في كل لحظة مهمة يظهر؟
ندي غمزت بصوتها وقالت بمناكفة:
ما هو شكله مش بس ظابط... ده كمان ظابط قدر!
إنتي عارفة؟ أنا بدأت أشك إن في حاجة بينكوا.
سارة بسرعة:
يلهوووي عليكي! بقولك لسه خارجة من صدمة، تقوليلي قدر ومصير؟
ندي ضحكت وقالت:
خلاص خلاص،
بس عايزاكي تفضلي فاكرة إن كل حاجة بتحصل لحكمة،
وإنتي قوية وهتعدي ده.
سارة بابتسامة حقيقية لأول مرة:
تسلميلي يا ندي... بجد وجودك في حياتي نعمة.
ندي بخفة دم:
نعمة إيه يا بت؟ دي لسه ما خلصتش!
بالمناسبة...
أنا كنت ناوية أفاجئك، بس قولت بلاش مفاجآت أكتر النهارده.
خطوبتي بعد يومين.
سارة بدهشة:
إيييه؟ بجد؟ أوعي يكون اللي في بالي؟
ندي ضحكت وقالت:
هو، بغباوته... حسن!
سارة ضحكت وقالت:
ده انتي وهو كنتوا دايمًا زي القط والفار!
ندي بمناكفة:
القط والفار؟ طيب لعلمك بقى... أحلى حب هو اللي بيبدأ بخناقة!
ده انتي حتى مجربة مع حضرة النقيب!
سارة فتحت عينيها بخجل وقالت:
برضو انتي مش هتبطلي رخامتك دي؟
ندي بتحاول تكتم ضحكها:
بقى أنا رخمه؟ الحق عليا نفسي نكون نسايب، انتي ناسية ان حضرة الظابط يبقي ابن خالة حسن.
سارة فتحت عينها باستيعاب، كانت ناسية موضوع القرابة بين حسن وحيدر تمامًا، يعني معنى كده حيدر أكيد هيكون موجود في الخطوبة؟
لكن قطع تفكيرها صوت ندي وهي بتتكلم بجدية:
المهم، الفستان اللي هتحضري بيه خطوبتي لازم تجهزيه من دلوقتي،
عشان كل اللي في الخطوبة هيكونوا لابسين أزرق... يعني لونك المفضل! ملكيش حجة، أهو!
وكمان جهزي نفسك... سكين كير بقى وحركات!
مش كل حاجة شغل ومطهرات!
بقيت حاسة إني مصاحبة إزازة ديتول!
سارة، وهي بتضحك:
والله في دي بالذات، عندك حق!
ضحكوا الاتنين، والمكالمة خلصت،
وسارة أخيرًا نامت، وعندها سبب تبتسم عشانه.
بعد يومين ــ قاعة الفرح ــ الساعة ٨ مساءً
المكان منور بأضواء ناعمة، موسيقى هادية بتدي للمكان طابع راقي، والناس بدأت تتجمع حوالين ندي وخطيبها، اللي واقفين على الـ"استيدچ" بيستقبلوا الضيوف بابتسامة.
باب القاعة اتفتح بهدوء، وسارة دخلت.
كانت لابسة فستان أزرق سماوي ناعم، تصميمه بسيط لكن فخم، من غير أي بهرجة، بس شكله كان يشد العين غصب عنها.
مع طرحة بنفس اللون، بس بدرجة أفتح شوية، ملفوفة برقة بدون ما رقابتها أو خصلات شعرها تبان ونازلة على ضهرها بنعومة، ومن غير نقطة ميكب.
وشها كان منور بطبيعته، وعينيها فيها لمعة خفيفة من التوتر.
حوالين رقبتها، سلسلة فضي بسيطة فيها دلاية على شكل وردة صغيرة، وفي إيدها أنسيال رقيق.
مشيتها كانت هادية، مترددة شوية، وبتبص حواليها تدور على ندي وباقي صحابها.
لكن لحظة دخولها... حصل اللي ماكانش محسوب.
حيدر... كان واقف في الجنب، لابس بدلة كحلي أنيقة، كلاسيكية، قميص أبيض، كرافتة رفيعة، وساعة جلد بني على إيده.
وشعره الفحمي مترتب بعناية، باستثناء بعض الخصلات الناعمة اللي اتمردت ونزلت علي جبهته، وأعطته مظهر الباد بوي بدون قصد.
كان بيضحك مع أصحابه، كلام عادي...
بس فجأة... سكت.
كل حاجة حواليه وقفت، كل الأصوات بقت بعيدة.
واللي في الصورة... بس هي.. "سارة".
في فستانها السماوي، وهي بتدخل بخطوات هادية كأنها داخلة من عالم تاني.
الهدوء اللي حواليها، الوقار، البساطة...
خلوه ينسى الناس، وينسى حتى هو كان بيقول إيه.
عينه فضلت عليها، متسمر، مش قادر يشيح بنظره، رغم إنه من جواه عارف إنه مأمور بغض بصره عنها زي ما اتعود طول حياته مع أي بنت، لكن معاها هي بتنهد كل حصونه.
سارة، في اللحظة دي، خدت بالها.
وهي بتقرب من ندي، شافت عينيه متعلقة بيها.
نظرة سكون... مش مفهومة، مش مزعجة، بس مربكة.
خفضت راسها بخجل، وكملت كلامها مع ندى وكأنها مش شايفة حاجة، بس قلبها كان بيخبط.
وفي الخلفية، حيدر فضل واقف، لابس نفس النظرة...
نظرة اللي شاف ملاك... من غير ما يكون مستعد.
في نفس القاعة، بعيد عن العيون، وفي ركن مظلم، كان واقف شخص ملثم، ماسك مسدس في إيده، ومستني اللحظة اللي هيضرب فيها ضربته.
عنيه كانت مولعة نار، ومركزة على شخص واحد بس...
وماكانش فيه غير جملة واحدة بتتردد على لسانه، بصوت واطي، بس مليان غل:
"هنتقم منك عاللي عملته يا حيدر باشا، وهتدفع التمن غالي... غالي أووي."
رواية لقاء في غرفة العمليات الفصل الرابع 4 - بقلم سلمى جاد
بدأت أجواء الخطوبة تسخن، أغاني شعبية ومهرجانات، والكل فرحان.
سارة واقفة مع صحابها حوالين ندى، وبيّرقصوا معاها.
فجأة، الأغنية اللي كانت شغالة وقفت، واشتغلت أغنية صعيدي مشهورة.
سارة اتفاجئت بأصحاب حيدر وهم بيشدّوه ناحية الستيج، ومعاهم عصاية خشب علشان يرقص صعيدي على الأغنية.
في الأول كان رافض، لكن مع إصرارهم وافق.
انطلقت أول نغمة من الأغنية...
"الصعيدي دايمًا ريس!" لمحمود الليثي.
وهنا، حيدر مشي خطوات هادية شبه دائرية على الستيج...
ماسك العصاية الخشب بإيده، بيهزّها بخفة وثبات.
كل حركة ليه كانت محسوبة، لفّ بالعصاية، ولفّت معاه قلوب الناس.
الأرض اتدقّت تحت رجله مرتين، لما رتم الأغنية بدأ يعلي مع كوبليه:
"الصعيدي دايمًا ريس... عشان متربي كويس"
"مستشار، محامي، ودكتور، طيار، وظابط، ومهندس"
بدأ يحرك العصاية بسرعة ومهارة، كل عضلة في جسمه عارفة بتعمل إيه كويس، ورغم كده محافظ على هيبته الطاغية.
وجهه هادي، وابتسامته واثقة، وكل حركة بالعصاية فيها فخر وشياكة.
الناس بتزغرد حواليه، وصاحبه واقف بيضحك من قلبه، وسارة بتبص له بدهشة، وكأنها أول مرة تشوف حيدر بالشكل ده... مزيج بين القوة والأصل.
بعد الأغنية ما خلصت.
نزل حيدر من على الستيج وهدير التصفيق لسه بيرن في القاعة.
أنفاسه كانت لسه سريعة من المجهود، وقميصه الأبيض ملتصق بجسده من العرق، وعلى كتفه جاكيت البدلة، نظرات البنات عليه.
بيتهامسوا بإعجاب كل واحدة بترسم في خيالها إنه من نصيبها.
وفي إيده إزازة ميه بيشرب منها وهو بيضحك من قلبه مع أصحابه.
عن غير وعي، وسط ضحكه، عيونه بدأت تدور تدور... تدور على حد معين.
ماخدش وقت طويل، شافها.. سارة.
واقفة في ركن هادي في القاعة، سابحة في منظر البحر من الشباك، بعيدة عن الصخب والزغاريد والمزيكا.
ابتسم، بس قبل ما يحوّل نظره، قلبه انقبض فجأة.
إحساس غريب، فطري، زي تنبيه داخلي بيصرخ فيه: في حاجة غلط.
بخبرته كضابط، عيونه بدأت تمسح المكان من جديد، بتدور على مصدر الخطر.. ولقاه.
في زاوية مظلمة في القاعة، شاف الملثم، اللي كان واقف بهدوء مريب...
وفي إيده سلاح.
لكن الصدمة الأكبر، إنه كان مصوّب السلاح ناحيته هو.
تجمّد حيدر لثانية، لكن عيونه لمحت حاجة تانية...
الملثم بيبتسم. ابتسامة خبيثة، باردة.
وببطء، حرّك السلاح ناحية تانية...
ناحية سارة.
ضوء أحمر خفيف ظهر على فستانها من الليزر، مركز، ثابت...
حيدر ما فكرش، ما حسبهاش...
في لحظة، كان وصل عندها، وقف قدامها، بيحجبها بجسمه، ولسه أنفاسه متسارعة.
سارة بصّت له باستغراب، همست:
"في إيه يا...؟"
لكنها ماكملتش.
دوّى صوت طلقة.
المزيكا وقفت.
القاعة كلها اتجمّدت.
الكل بص حواليه يدور على مصدر الصوت...
ضربة نار.
بس فيه واحدة بس عرفت الحقيقة فورًا.
سارة.
حسّت بجسم حيدر وهو بينتفض قدامها...
عنينهم اتقابلت، وشافت الصدمة والألم في نظرته.
نزلت عيونها...
شافت قميصه الأبيض، والد*م بدأ ينتشر عليه.
قبل ما يقع، همس باسمها:
"سارة..."
الناس لسه بتتسائل، بتدور، مش فاهمين الطلقة جت في مين.
بس صرخة واحدة قطعت الصمت .. صرخة سارة ملأت القاعه: "حيدرررررررر!"
***
أمام غرفة العمليات.
صوت العجل بيدوس في أرض المستشفى، والإضاءة الباردة في الممر ماكنتش مريحة.
نُقل حيدر على نقالة وسط جري الأطباء والممرضين، وسارة ماشية وراهم، عنيها مش قادرة تزوغ من الدم اللي على قميصه الأبيض.
وصلوا لباب العمليات...
قال الدكتور بحدة:
"ممنوع حد يدخل!"
سارة اتجمّدت مكانها.
هي جرّاحة، آه، لكنها في اللحظة دي ماكنتش دكتورة... كانت مجرد بنت قلبها بيتقطّع على إنسان بتحبه، ومش قادرة تعترف بده حتى لنفسها.
قعدت على الكرسي جنب الباب، ووشّها مدفون في كفوفها، وصوت شهقاتها مخنوق.
ندى كانت قاعدة جنبها، بتحاول تهديها وهي بتخفي دموعها بصعوبة.
حسن كان واقف قدام باب العمليات، عنيه مثبتة عليه كأنه مستني يفتحه بإيده.
الساعة عدّت ١٢ بالليل، وماحدش خرج.
الممر بدأ يفضى، بس هم لسه قاعدين... مستنيين خبر واحد.
موبايل سارة رن...
كان "والدها".
ردّت بصوت واطي مهزوز:
"بابا، أنا... أنا في المستشفى. حصل حادثة... حد اتصاب في الفرح، وماقدرتش أسيبه."
كان قلبها مش طايق يقول اسمه.
وأخيرًا...
اتفتح باب العمليات.
خرج الدكتور، وعلى وشه تعب وإرهاق، لكن نبرة صوته كان فيها طمأنينة:
"عدّى مرحلة الخطر... الطلقة كانت على بعد سنتي ونص من القلب. لو كانت أقرب شوية، كان الوضع اختلف."
الكل تنفّس بارتياح.
سارة نزلت على الأرض وهي بتعيط، ماقدرتش تمسك نفسها.
ولما وصل والدها، حضنها، وهي بتبكي في حضنه زي طفلة، هو اللي باقيلها في الدنيا بعد وفاة والدتها.
نقلوا حيدر لغرفته، وقال الدكتور بهدوء:
مش هيفوق دلوقتي... الأفضل تروحوا ترتاحوا، وجودكم هنا مش هيفرق دلوقتي.
والد سارة أخدها وراحوا، بعد ما كانت على مشارف إنها تفقد الوعي من التعب.
لكن خالة حيدر، اللي كانت لسه وصلة بعد ما أُغمى عليها في القاعة لما شافته غرقان في دمه، قالت بحزم وهي بتحضن ابنها حسن:
"لا يا دكتور، أنا مش ماشية... دي أول ليلة ليه بعد اللي حصل، مش هسيبه."
وحسن وافقها:
"وأنا كمان... هافضل معاه."
***
اليوم التالي – غرفة حيدر.
الضوء كان خافت في الغرفة، وجهاز المونيتور بيصدر صوت منتظم.
خالته قاعدة على كرسي جنب السرير، وإيدها ماسكة مسبحة صغيرة بتعد بيها في صمت، بينما حسن واقف عند الشباك بيبص برا بقلق.
وفجأة، صوت واطي خرج من حيدر.
همسات غير مفهومة، كأنه بيحلم...
"سارة..."
اسمها خرج بنغمة شبه تنهيدة، مشحونة بإحساس.
خالته رفعت راسها بسرعة.
"هو قال إيه؟"
حسن لفّ ناحيته وبصله باستغراب.
"قال اسم؟"
حيدر، وهو مش في وعيه، ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا.
ابتسامة فيها خبث ناعم، كأن في حلم حلو شافه، أو ذكرى لسه بتدفيه.
كررها تاني، أو يمكن كانت مجرد نفس:
"...سارة."
خالته بصت لحسن، وقالت بخبث أمومي: "واضح إن الولد ده مش كان في غيبوبة أوي... ده قلبه صاحي أكتر من عقله."
ضحك حسن بهدوء، وهو بيقرب من السرير.
"لو نطق اسمها تاني، نبعت نكتب الكتاب على طول."
وبعد ساعات قليلة، فتح حيدر عينه.
غمضها وفتحها تاني، كأنه بيجاهد بين الوعي والغيبوبة.
شوية بشوية، بدأ يستوعب المكان، والجهاز، وأنفاسه.
"أنا... فين؟"
حسن قرب بسرعة، وقال بارتياح: "في أمان يا بطل... المستشفى. عدّت مرحلة الخطر."
خالته قربت، ولمست جبينه بحنان:
"الحمد لله، يا قلب خالتك... كنت هتموتنا عليك."
ابتسم حيدر بخفة وهو بيحاول يتحرك، لكنه تألم، فسكت، وقال: "سارة..."
وقف للحظة كأن بينده على اسمه جوا عقله.
بس قبل ما حد يرد، الباب اتفتح.
ودخلت سارة ومعاها والدها.
الغرفة سكتت للحظة.
سارة كانت لابسة لبس بسيط محتشم، وحجابها مربوط بنعومة، ووشّها باين عليه التوتر والارتباك، بس في نفس الوقت فيه راحة لما شافت عينيه مفتوحة.
خالته بصّت لها من فوق لتحت، بنظرة فيها إعجاب واضح.
ولمّا سارة سلمت عليها بأدب، خالته لمست إيدها وقالت:
"إنتي سارة؟"
سارة استغربت، لكن ردت بابتسامة خفيفة:
"أيوه."
خالته بصّت لحيدر، وبعدين لسارة تاني، وهزت راسها بفهم، وقالت بخبث:
"كنت في باله حتى وهو مش واعي... ما قالش غير اسمك."
سارة احمر وشّها، ووالدها بص لها باستغراب خفيف، لكن حيدر، وهو لسه تعبان، ابتسم نفس الابتسامة اللي كانت طالعة منه وهو بينطق اسمها ومن جواه كان بيقول:
"على الأقل كنت بفكر في حاجة حلوة وأنا بموت."
سارة كانت واقفة جنب السرير، بتحاول تبين إنها متماسكة، لكن عنيها كانت مش قادرة تخبي فرحتها بإنه فاق.
والدها تقدم خطوة، وبصّ لحيدر نظرة مليانة امتنان واحترام.
قال بهدوء ونبرة فيها تأثر: "أنا مش عارف أشكرك إزاي يا بني... إنت أنقذت حياة بنتي."
حيدر ابتسم وهو بيغمض عينه لحظة كأنه بيحاول يخفف من قيمة اللي عمله: "أنا عملت اللي أي حد مكاني كان هيعمله، يا عمي."
رد الأب بحزم: "لأ، مش أي حد. اللي عملته مش بس شجاعة... ده كان تضحية. وبعدين اتكلم بغضب: والحمدلله اللي عمل كده اتجاب قبل مايهرب وعرفنا هو مين ودلوقتي هو في السجن وهيتحكم عليه وانشاء الله يقضي عمره في السجن."
سارة رفعت راسها بسرعة، مبهوتة: "مين يا بابا؟!"
والدها قال بصوت هادي: "التحريات أثبتت إن الملثم كان حسن، اللي حاول يعتدي عليكي، وحيدر ضربه وكان عايز ينتقم... بس المرة دي، كان ناوي يخلص عليكي."
سارة شهقت بخضة، وإيدها غطت شفايفها.
أما حيدر فوشه شد، وعيونه بقت فيها نظرة حزن وغضب ممزوجين.
"كان لازم أعرف إن الموضوع ما خلصش."
قالها بصوت واطي، وكأنه بيكلم نفسه، "كان باين من نظرته." وبعدين اتكلم بحيرة: "بس حضرتك عرفت إنه اتمسك ازاي وانه هيتحكم عليه، انت تعرف حد في الشرطة؟"
سارة ابتسمت بفخر وقالت: "بابا كان عقيد سابق."
حيدر بصدمة: "معقول؟! وحضرتك طلعت على المعاش من امتي؟ شكلك لسه معداش الستين!"
حضرتك قدمت استقالتك أو قدمت معاش مبكر.
سارة سكتت بحزن وذكريات كتير جت على بالها من سؤال حيدر عن سبب استقالة أبوها، لكن أبوها اكتفى برد مختصر ونبرة صوته مليانة حزن: "ده موضوع يطول شرحه يا ابني، مش وقته دلوقتي، ارتاح انت."
وبعدها... مر شهر.
الدنيا هدأت وكل حاجة رجعت لطبيعتها... أو شبه طبيعتها.
سارة غرقت في شغلها في المستشفى، جداول العمليات، الحالات الطارئة، والمناوبات الكتير ما كانتش سايبالها فرصة تفكر.
حيدر هو كمان رجع شغله، تقارير، مهمات، وتدريبات... بس كل مرة بيقف قدام المراية ويفكر في الرصاصة اللي كانت ممكن تنهي كل حاجة. بيبص للندبة في صدره ويفتكرها.
حسن وندي كانوا بيجهزوا شقتهم، والفرح قرب.
والضحك رجع للبيوت.
حياة الكل بدأت تستقر، بس رغم الزحمة والانشغالات، في قلبين كانوا لسه بيدوروا على فرصة يتقابلوا فيها... من غير خوف، ومن غير دم.
ولكن ....
الحياة مش دايماً وردي ومش كلها حب وضحك وقلوب. المشاكل جاية لا محالة، زي الضيوف اللي ما بيستأذنوش قبل ما يخبطوا على بابك... تيجي فجأة وتغير كل حاجة.
في واحدة من مهمات حيدر، اتصور فيديو له وهو بيضرب واحد بعنف. الكاميرا كانت جايباه من زاوية خلت المشهد يبان قاسي جداً... من غير صوت، من غير سياق. بس الصورة كانت كفاية عشان تولع الدنيا.
الصحافة اشتغلت، والسوشيال ميديا ما رحمتش، والفيديو انتشر بسرعة الصاروخ. لحد ما وصل لمستشفى صغيرة في المدينة... ووصل لسارة.
واحدة من الممرضات كانت مشغلة الفيديو وهي بتقول: "مش ده حضرة الظابط حيدر العطار، اللي كان هنا قبل كده؟"
سارة استغربت، لأنها مش من النوع اللي بيتابع الأخبار ولا السوشيال ميديا، وما كانتش لسه تعرف حاجة...
بدأت تتفرج، لحظة بلحظة، وعينيها بتتملي دموع. مش دموع صدمة بس... لأ، كانت دموع ذكريات.
اللحظة دي فتحت في دماغها أبواب مقفولة من سنين. افتكرت نفسها وهي صغيرة... في أوضة ضلمة... والضرب بينزل عليها زي الرعد. وش الخاطف اللي كان بيعذبها رجع قدام عينيها... وفجأة، الوش اتبدل وبقى وش حيدر.
إيدها بدأت ترجف، وقلبها دق بعنف. هو؟ بعد ما كانت بدأت تحس بالأمان جنبه؟
بعد ما وشه بقى عندها رمز للنجاة؟
اتبدل كل شيء...
وبدأت تخاف منه... زي ما كانت بتخاف من اللي فات.
ما كانش فارق مع حيدر لا إشاعات، ولا صحافة، ولا فيديوهات متفبركة.
هو عارف هو عمل إيه... وعارف أكتر إيه ما عملوش.
كان عارف ان أكيد الفيديو هيوصلها، مش عارف هي هتاخد فكرة عنه عاملة ازاي وعشان كده
قرر بدون تفكير إنه هيروح المستشفى ويحكيلها كل حاجة.
دخل المستشفى بخطوات ثابتة، عينه بتدور عليها وسط الممرات.
ولما لقاها... كانت واقفة جنب الشباك، ضهرها ليه، وكتافها مرخيين كأنهم شايلين سنين.
"سارة..."
قالها بصوت هادي، لكن قلبه كان بيخبط في ضلوعه.
لفتت له ببطء، ولما عينها جات في عينه... كأن الدنيا كلها وقفت لحظة.
"أنا ما عملتش اللي في الفيديو... فيه حاجات ما ينفعش تتقال على الكاميرا. بس أنا... مش بالشكل اللي هم بيقولوه."
هي ما ردتش... عينيها بس كانت بتلمع، شفايفها بتترعش.
وفجأة، انهارت...
قعدت على أقرب كرسي، وحطت وشها في إيديها، وقالت بصوت مكسور:
"أنا اتخطفت وأنا صغيرة… ما حدش يعرف غير أمي الله يرحمها وأبويا."
رفعت عينيها ليه وهي بتحاول تستجمع أنفاسها:
"كانوا عصابة… بابا كان عقيد وقتها، ومسؤول عن قضيتهم. خطفوني علشان يضغطوا عليه… واتعرضت لضرب ما يتوصفش. كنت طفلة… بس عمري ما نسيت الوش اللي كان بيضربني، الوش اللي كنت بشوفه في كل كوابيسي."
سكتت لحظة... وبصت له بحدة وخوف:
"وشك يا حيدر… نفس الوش."
هو اتجمد مكانه.
مش قادر يتكلم... ولا قادر يبعد عينه عنها.
الوجع في كلامها كان صادق، وكان زي سكينة في قلبه.
لكن جواه صوت تاني بيصرخ:
"أنا مش هو."
من بعد المواجهة الأخيرة، سارة اختفت.
قدمت أجازة مرضية من المستشفى، وقفلت على نفسها باب أوضتها. لا بترد على مكالمات، ولا حتى ندى أقرب صاحبة ليها – قدرت توصل لها.
كأنها قررت تختفي من الدنيا كلها.
عدت الأيام بصمت خانق، لحد ما مر شهر كامل كان فيهم حيدر بيحاول يوصلها بكل طريقة لكنها قافلة كل الطرق.
لحد ما جه يوم جمعة، والجو فيه مختلف شوية.
فتحت عينيها، وشهقت نفس طويل... كأنها بتقرر تقوم من رماد اللي حصل.
قامت، دخلت الحمام، أخدت شاور طويل، ولبست حاجة بسيطة.
جهزت الفطار والشاي، وخرجت تقعد مع والدها.
ضحكة صغيرة اتسرقت منها، وهي بتشوفه بيشرب الشاي، كأنها بتحاول تتشبث بأي لحظة طبيعية.
لكن لحظات الهدوء اتكسرت بخبطة على الباب.
وقفت، قلبها دق بسرعة غريبة... راحت تفتح بعد ما لفت حجابها، ولما الباب اتفتح، اتجمدت في مكانها.
حيدر!
عينهم تقابلت، ما بين صدمة، وشوق، وحيرة.
قالت بصوت متلخبط:
"إيه... إيه اللي جابك؟"
قبل ما يرد، سمعوا صوت والدها من جوه:
"مين يا سارة؟"
ردت بسرعة وهي بتحاول تضبط نبرتها:
"حضرت الظابط حيدر، يا بابا."
خرج والدها، سلم على حيدر بترحيب شديد، وسأله يدخل.
بص لسارة وقال بهدوء:
"اعملي لنا اتنين قهوة، يا بنتي."
سارة راحت المطبخ، وقلبها بيدق، بتحاول تسمع اللي بيتقال... بس كل حاجة كانت هادية أكتر من اللازم.
الحيطان مش بتنقل صوت... وده كان بيعذبها أكتر.
في الصالون
حيدر حكى كل حاجة.
قال بوضوح:
"أكيد سارة حكتلك كل اللي حصل... لكن أنا جاي أقول الحقيقة كاملة، من ناحيتي."
والد سارة سكت شوية، وبعدين قال بصوت واثق:
"أنا مصدقك يا حيدر، كفاية إنك أنقذتها قبل كده، وخدت الطلقة مكانها. من وقتها وأنا عارف إنك ظابط كويس. بس أنا اللي هقولك الحقيقة يا ابني مش انت، وليه سارة واخده منك الموقف ده رغم إنها عارفة إنك مظلوم."
"... سارة اتخطفت وهي عندها عشر سنين، شهر كامل، واتعرضت لعنف وذل مالوش وصف بسبب عصابة كنت ماسك قضيتهم لما كنت في الشرطة وعشان ينتقموا مني خطفوها."
"أنا لقيتها بالصدفة، بعد ما كنت فقدت الأمل."
"ومن يومها... استقلت من شغلي، وقررت أعيش عشانها، خصوصاً بعد ما أمها ماتت."
"هي مش زي الأول... بقت بتخاف من العنف، من أي حاجة فيها ضرب أو صوت عالي."
"قعدت سنة كاملة مش بتخرج من البيت."
"ومع ذلك، بتحاول تبقى قوية."
سارة دخلت في اللحظة دي، ووضعت فنجانين القهوة على الترابيزة، من غير ما تبص في عينه.
كانت هتمشي، مسكت مقبض الباب وقبل ما تخرج من الأوضة سمعت صوته اللي وقفها:
"أنا مش جاي بس أعتذر، يا سارة."
لفتت له، ووشها ما بين الدهشة والخوف.
"أنا جاي لسبب تاني، أنا جاي أطلب إيد سارة. أنا عايز أتجوزها."
الدنيا وقفت لحظة.
سارة وقفت متسمرة، سرت في جسمها رعشة وكأن كل صوت في الدنيا اختفى إلا جملة واحدة...
"أنا عايز أتجوزها."
رواية لقاء في غرفة العمليات الفصل الخامس 5 - بقلم سلمى جاد
"أنا جاي لسبب تاني يا عمي، أنا جاي أطلب إيد سارة.
أنا عايز أتجوزها."
الدنيا وقفت لحظة.
سارة وقفت متسمّرة، الكلمة وقعت على ودنها كالصاعقة.
الدنيا حواليها بطلت تتحرك، الأصوات بقت بعيدة، وكل اللي سمعاه هو صوت دق قلبها اللي ضرب بقوة كأن في طبول بتخبط جوه صدرها.
عنيها فتحت على وسعهم، وشها احمر، والدم سخن في خدودها.
سرت في جسمها رعشة وكأن كل صوت في الدنيا اختفى إلا جملة واحدة...
"أنا عايز أتجوزها".
جريت بسرعة من المكان وهي بتهمس بخجل بكلام مش مفهوم، طلعت على أوضتها وسابت قلبها اللي فضل قاعد في الصالون.
سكون لحظي ساد، لحد ما والد سارة ضحك بهدوء، وبص لحيدر بحنية:
"واضح إنها اتفاجئت، بس مش رد فعلها هو اللي هيغير رأيي.
أنا شايفك راجل قد المسؤولية يا حيدر."
حيدر اتنفس بارتياح وقال:
"أنا ناوي أجي قريب بخالتي، وحسن ابن خالتي، نتمم الموضوع زي ما يليق بيكم."
الأب هز راسه بموافقة، وقال:
"أهلاً وسهلاً. البيت بيتكم."
بس حيدر رجع ساند ضهره شوية، وقال بنبرة أهدى:
"بس قبل ده... أنا محتاج وقت مع سارة.
هي مش سهل تقتنع، وعندها حاجز كبير.
كل ما تبصلي، بتحاول تخبي، بس أنا شايفه...
شايف الخوف اللي جواها، من اللي حصل زمان...
لسه شايفاني هو، الراجل اللي خطفها وضربها، مش حيدر اللي وقف جنبها بعد كده."
والد سارة سكت لحظة، وبعدين قال:
"أنا واثق إنك هتغير صورتك في عينيها.
سارة عنيدة... بس قلبها طيب.
بس أوعى تزعل منها، هي اتعذبت كفاية."
حيدر ابتسم ابتسامة صغيرة، كلها وجع وإصرار، وبص للسقف كأنه بيكلم نفسه:
"أنا مش هتقدملها، ولا هاخد خطوة، قبل ما تبقى هي اللي عاوزة كده.
وواعد نفسي... إني أشيل الخوف من جواها وميتبقاش غير الأمان.. الأمان وبس."
***
بعد يومين من "الصاعقة":
سارة كانت قاعدة في أوضتها، حاطة سماعات في ودنها، بتحاول تهرب من أفكارها.
كل ما تفتكر جملته وهو بيقول "أنا جاي أطلب إيد سارة، أنا عايز أتجوزها".
وشها يولع، وتدفن راسها في المخدة كأنها بتكتم الخجل جواها.
مش مصدقة!
هو كان بيهزر؟ ولا دي كانت لحظة حماس مش أكتر؟ وحتى لو بجد... هي جاهزة؟
ولا قلبها لسه عايش في الماضي؟
مرّ يوم كمان على الحال ده...
لحد ما راحت شغلها في المستشفى، كالعادة.
في نص اليوم، وهي مشغولة، جت ممرضه وقالت:
"دكتورة، في مريض مستني حضرتك في أوضة الكشف."
أومأت براسها وقالت: "تمام جايه أهو."
سارة دخلت الأوضة بخطوات هادية، لابسة البالطو الأبيض، وبتقول:
"مساء الخير، حضرتك..."
رفعت عينيها، وتجمدت مكانها.
هو!
قاعد ع الكرسي، رجل فوق رجل، وبصص لها بنظرة فيها مية نغمة، جدية، وسخرية، و... حب.
"إزيك يا دكتورة؟ أنا حاسس إني تعبان شوية... في القلب غالبًا."
سارة اتلخبطت، قلبها رجع يدق بالطبلة تاني، وقالت وهي بتحاول تتماسك:
"دي أوضة كشف حضرتك، كده محتاج تروح الطوارئ..."
"ده طوارئ عاطفية بقى، ينفع؟"
قالها وهو بيبتسم بعيونه قبل شفايفه، مستمتع بكل ثانية هي فيها متوترة ومش قادرة تبص له.
"حيدر بلاش هزار... إنت جاي ليه؟"
"جيت أطمن، إنك لسه بتفتكريني... وإنك لسه بتجري أول ما أتكلم."
ردت بارتباك وخجل: "أنا مجريتش، أنا كنت... محتاجة أروق من بعد اللي انت قولته."
"وسّعتي قوي في الروقان على فكرة. اتنين وسبعين ساعة من التجاهل."
سارة بصت له بغيظ خفيف، وقالت بسرعة وهي بتتهرب من أي مشاعر:
"بص، لو جيت تهزر... فـ الباب أهو.
أنا عندي شغل، و... ومش ناقصة دراما."
قامت وهي بتحاول تبين الحزم، بس كل حركة منها كانت بتفضح التوتر، وكل كلمة بتتهرب فيها من عينيه، كانت بتأكد له إنها مشاعرها مش ميتة... بس خايفة.
وهي خارجة، قالت بسرعة:
"سلام يا حيدر باشا."
ما اكتملتش الجملة، وهو رد وراها بنبرة فيها وعد مكتوم:
"سلام يا دكتورة... بس على فكرة، أنا مش هسكت.
وهفضل وراك...
لحد ما قلبك يقولك بنفسه، إنك مشيتي ناحيتي من زمان،
بس لسه بتقاومي."
سارة سابته وخرجت، بس قلبها لسه جوه... واقف قدامه، محتار، وخايف، ومكسوف.
وهو؟
قاعد، وبصص للباب اللي قفل وراها، وبيوعد نفسه بصوت داخلي هادي:
"أنا مش هستسلم...
مش المرة دي."
***
بعد تحديد فرح حسن ابن خالة حيدر، وندى صديقة سارة واللي كان بعد أسبوع بعد آخر مواجهه بينهم، بيجمعهم فيه ظرف اجتماعي، لكنه بيكشف مشاعر أعمق، خصوصًا من سارة اللي بدأت الحواجز عندها تترج شوية... بس لسه في خوف بيشدها ورا.
القاعة كانت مزينة بأضواء ناعمة، والجو كله بهجة.
ندى كانت واقفة زي الأميرة بالفستان الأبيض، والكل حواليها بيضحك ويصوّر.
سارة كانت لابسة فستان بني بسيط، بس أناقتها كانت بتخطف، حتى وهي بتحاول تهرب من الكاميرات.
واقفة بعيد، بتحاول تستخبى ورا صحابها، بس عينيها كل شوية تتشد ناحية واحد بعينه...
حيدر.
هو كان واقف مع حسن، بيهزر معاه، بس كل شوية عينه تتسلل ناحيتها.
وفي اللحظة اللي بصوا فيها لبعض في نفس الوقت...
الدنيا سكتت بينهم.
بعد شوية، ندى جت ناحيتها وهي مبتسمة:
"سارة... بلاش تقفي لوحدك كده، تعالي معانا."
"أنا تمام هنا والله، بهرب من الكاميرات."
"على أساس حيدر مش جاي دلوقتي مخصوص علشانك."
سارة خبطتها بخفة في كتفها:
"ندى! سكتي."
ندى ضحكت وسابتها...
وسارة لقت نفسها فجأة قدامه.
حيدر، بشياكته الهادية، ونظرة عينيه اللي دايمًا فيها كلام مش بيتقال.
"إيه؟ مستخبية ليه؟"
ردت بارتباك وبتحاول تهرب بعينيها:
"مش مستخبية... واقفة عادي."
"فيه فرق. الوقوف عادي... إنما الوقوف وانت بتبصي للناس بعين بتقول "ما تقربليش"، ده له معنى تاني."
سارة ابتسمت خفيف، غصب عنها، وقالت:
"مش كل الناس بتفهم المعاني دي يا حضرة الظابط."
ضيق عينه بغيظ لإنه من واقع خبرته في التعامل معاها فهم إنها لما بتحاول تغيظه مبتقولش اسمه وبتستبدله بلقب كإنها بتعاقبه إنه ميسمعش اسمه منها.
سكتوا لحظة...
وبعدين قال:
"عارفه، في الفرح دلوقتي وأنا شايف حسن وندى، كنت بفكر... لو جت اللحظة دي لينا،
هيبقى شكلك عامل إزاي، وهتوقفي فين؟"
سارة بصت له بسرعة واتصدمت من الثقة اللي بيتكلم بيها عن الموضوع، وقلبها خبط خبطة قوية:
"بلاش الكلام ده دلوقتي، حيدر."
"ليه؟ هو كده كده في دماغي، وفي قلبي...
وإنتِ عارفة، حتى لو بتنكري."
سارة اتوترت، مش قادرة ترد، فلفت وشها ناحية الناس.
قال هو بهدوء:
"أنا مش مستعجل...
بس مش هفضل سايبك تهربي كل مرة.
أنا مش الشخص اللي أذاك زمان...
وأنا ماجيتش في حياتك عشان أكمّل الخوف،
أنا جيت عشان أهدّيه."
سارة بصت له، ولأول مرة ما كانش في عينيها مقاومة...
كان في وجع بسيط... واعتراف ساكت.
قالت بصوت شبه مسموع لكنه سمعه:
"أنا... مش عارفة أكون جاهزة.
أنا بتعب لما بحس إني قربت،
وبتشد أول ما تطمن."
هو قرب منها خطوة، وقال بنعومة:
"يبقى خليكِ قريبة، بس على مهلك.
وأنا هفضل مستني...
في نفس النقطة اللي قلبك هيرجع لها يوم ما يطمن بجد."
سارة سكتت، حسّت بشوية دموع قربت توصل، بس حبستهم جواها.
قالت له وهي بتبعد عينها:
"مش عارفة ليه... بس يمكن أول مرة أحس إنك فعلًا...
مش ناوي تخلي قلبي لوحده."
ابتسم... ابتسامة كلها حنية ورضا:
"مش ناوي... ومش هعمل كده أبدًا."
ثم سابها تمشي،
لكن جواه قلبه، ساب وعد جديد:
"الليلة دي...
أنا قربت أكتر من أي مرة قبل كده.
وهكمل، لحد ما أشوفها بتضحك،
وهي في حضني... مش خايفة."
سارة رجعت البيت، وهدومها لسه عليها ريحة الفرح...
ريحة ورد وبخور وعطر ناس مبسوطة،
بس جواها... الدنيا كانت ساكتة.
طلعت أوضتها، لكن قبل ما تدخل، سمعت صوت باب الصالة بيتفتح.
"سارة؟ تعالي يا بنتي."
كان صوت أبوها...
هادئ كالعادة، بس فيه لمحة "عارف اللي في قلبها".
دخلت الصالة، لقت النور الخافت شغال، وأبوها قاعد على الكنبة، لابس جلابية خفيفة، ماسك كباية شاي، كأنه مستنيها.
"اتأخرتي شوية."
"كان فرح ندى زي ما أنت عارف، وكان لازم أفضل معاها."
قعدت قدامه، وشالت الطرحة من على راسها، ونفخت بهدوء.
سكت شوية، وبعدين قال:
"كان فيه ضحك كتير... بس عنيكي ما ضحكتش."
بصت له، ما ردتش، بس صوتها اتكسر:
"أنا... مش عارفة يا بابا.
كل الناس مبسوطة، وفرحانة... وأنا حاسة إني متفرجة من بعيد.
كأني مش قادرة أعيش اللحظة زيهم."
قرب منها شوية، وقال بهدوء:
"يمكن لأن قلبك واقف عند باب... مش راضية تفتحيه."
سارة بصت له باندهاش:
"باب إيه؟"
"باب حيدر."
سكتت، وشالت عينيها بسرعة، وقالت بصوت واطي:
"بابا..."
الموضوع مش بسيط.
"بس إنتي طول عمرك بتحلمي بالأمان...
وإنتي دلوقتي قدامه بس بتقفي بعيد علشان مش قادرة تصدقي إنه حقيقي."
دمعت عينيها وعضت شفايفها وقالت:
"أنا خايفة يا بابا.
أبوها سكت لحظة وبعدين قال بنبرة كلها يقين:
"أنا راجل وعشت العمر ده كله وعيني ما بتخيبش...
حيدر راجل يا سارة.
ابن أصول وبيحبك بصدق
وواقف مستنيك رغم كل الهروب اللي بتعمليه.
فيه رجالة بتزهق من أول كلمة رفض...
وهو لسه بيجري وراكي وبيقول لكل الناس إن "نعم" وإن طال الوقت."
سارة اتنهدت وقالت وهي بتحاول تمسك دموعها:
"بس يمكن يكون بيحب صورة أنا مش قادرة أكونها..."
"ويمكن هو شايف فيكي حاجة إنتي مش شايفاها.
اللي بيحب بجد ما بيحبش الصورة...
بيحب الوجع والضعف واللي مستخبي ورا الضحكة."
قرب منها ولمس إيديها وقال برقة:
"أنا مش هضغط عليكي، أيا كان هو ايه
بس اللي زي حيدر ما يتفلتش من الإيد.
بس القرار في الآخر ليكي.
بس يا ريت ما يبقاش خوفك هو اللي يقول لأ بدل قلبك."
وسابها ومشي.
وسارة فضلت قاعدة،
بس قلبها بيدق بطريقة جديدة،
وأول مرة تحس إنها محتاجة تسمع صوت قلبها...
مش بس تحرسه.
بعد يومين من كلامها مع أبوها...
سارة كانت في المستشفى، لابسة البالطو الأبيض، ماسكة ملف، ومركزه تحاول تبين إنها شغالة... بس الحقيقة إنها مش مركزة فـ ولا حاجة.
كل شوية تبص في ساعتها...
مش منتظرة حد، بس قلبها بيرقص كأن في ميعاد مش متحدد.
وفجأة، جالها اتصال من الاستقبال:
"دكتورة سارة، في حد مستني حضرتك تحت، بيقول اسمه حيدر."
قلبها خبط خبطة عالية، بسرعة قالت:
"قولي له يطلع أوضة الكشف 3."
دخلت الأوضة بسرعة، وقعدت على المكتب، بتحاول تظبط ملامحها وتخبي لهفتها.
دخل حيدر...
ووشه كان باين عليه حزن، ومفيهوش أي من الشقاوة المعتادة.
وبعدين قعد قدامها وقال بصوت هادي ومكسور:
"جيت أقولك كلمتين وأمشي... وعد."
سارة اتشدت، قلبها اتخض، وقالت بحذر:
"إيه في إيه؟"
"أنا...
قررت أسيبك فـ حالك.
واضح إني كنت غلطان،
كنت فاكر إن في بينا حاجة،
بس يمكن كنت واهم."
سارة عينيها اتفتحت، واتنفضت من مكانها:
"بتقول إيه؟!"
"أنا تعبت، سارة...
كل مرة باخد خطوة، ترجعي ورا خطوتين.
وأنا... مش عايز أبقى عبء عليك."
قامت وهي مش مصدقة، وقالت بانفعال:
"يعني إيه تسيبني؟
أنا اللي قلتلك امشي؟
أنا بس... كنت محتاجة وقت!"
"وأنا ادتيك الوقت...
بس واضح إنك مش عايزاني في حياتك.
و... أنا هاحترم ده."
بص لها بنظرة حزينة، وقام يتحرك ناحية الباب.
سارة صوتها علي فجأة:
"حيدر!"
لف لها وبص...
سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت كله توتر ودموع في عنيها:
"أنا...
أنا موافقة."
هو وقف، وشه اتجمد، وبعدين قال وهو بيقرّب:
"موافقة؟ تقصدي إيه؟"
اتكلمت بخجل شديد بتحاول تهرب بعينها من عينيه اللي بتحاصرها:
يعني...
لو لسه العرض قائم، وانت لسه عايز
فأنا... موافقة
لحظة صمت، وبعدين...
حيدر انفجر ضحك
سارة اتصدمت:
"إيه؟ بتضحك على إيه؟"
"كنت بهزر!
كنت بعمل تمثيلية صغيرة كده، أشوف هتتنازلي ولا لأ."
"إنت مجنون!!!"
ووشها كله احمرار وخجل.
"يعني أنا كنت هعيط فعلا، وإنت قاعد بتمثل؟!"
"أنا آسف يا دكتورة... بس قلبي كان محتاج يسمعها منك،
من غير لف ولا مراوغة."
ضحكت غصب عنها، وقالت:
"أنت رخم عفكرة
قرب منها، وقال بصوت ناعم:
"خلاص بقى، نلحق نجهز نفسنا."
"نجهز لإيه؟"
"البيت، والضيوف، والسفرة اللي هتتحط عليها الشبكة...
أنا جاي بكرة بخالتي، وحسن، رسمي...
محدش هيضحك علينا تاني بتمثيليات."
ضحكت، وخبّت وشها في إيديها
البيت كان رايق، ريحة البخور مليا المكان، والأنوار الدافية معلقة في السقف ورايات ورد في الركن.
سارة كانت واقفة قدام المراية، لابسة فستان سكّري ناعم، بسيط وأنيق، وحجابها اللي من نفس درجة الفستان ومنسدل بنعومة على كتفها.
اكتفت بليپ جلوس شفاف، عيونها فيها لمعة خجل وفرحة مش مستوعباها.
جنبها ندى كانت قاعدة على طرف السرير، ومبسوطة أكتر من سارة نفسها:
"يا بنتي وشّك منور! بس إنت وراكوا فرح ولا كتب كتاب؟"
"ندى بالله عليكي... كفاية توتر."
"أنا مش هسيبك أصلا، قلت لحسن يروح هو وأمه وحيدر لوحدهم، وأنا هفضل معاكي طول اليوم... مش هسيبك تتكسفي وتموتي لوحدك."
سارة بصتلها وقالت بضحك:
"أنا فعلا هموت من الكسوف... ده أنا حتى مش عارفة أبص في وش خالته."
ندى مسكت إيدها وقالت بحنان:
"بس هتبصي في وش حبيبك... وده لوحده كفاية."
بعد شوية...
جرس الباب بيرن، وسارة قلبها بيوقف لحظة.
ندى بتروح تفتح، وبعد كام دقيقة...
سارة ماسكة صينية فيها عصير وحلويات خفيفه، بتدخل الصالون بخطوات بطيئة، كل عين مترقبة، وكل قلب بيدق.
خالته، كانت ست جميله جدا، لابسة إسدال أنيق، وبصّـة لسارة بنظرة فيها دفء وأمومة.
سارة بتسلم عليها بخجل، وقعدت جنب ندى بخجل واضح، مش قادرة ترفع عينيها.
بعد السلامات والضحك الخفيف، خالة حيدر بدأت الكلام:
"أنا عارفة إن حيدر مش ابني من بطني، بس من يوم ما أمه توفّـت، وهو في حضني.
ربنا رزقني بيه مع حسن، وكنت دايمـًا بدعيله يكون من نصيبه بنت أصل وحنان."
بصّـت لسارة وقالت:
"وسارة فيها كل اللي كنت بتمناه.
ويسعدني من قلبي إني أجوزها لابني، قبل ما تكونوا أنتم موافقين."
سارة كانت هتنزل تحت الكنبة من الكسوف، وندى ماسكة إيدها علشان ما تنهارش خجل.
لكن المفاجأة لسه ما حصلتش...
حيدر، اللي كان ساكت طول القعدة، بص لوالد سارة، وقال بنبرة جد:
"أنا بصراحة مش عايز أطوّـل في الموضوع،
وأنا شايف إننا اتأخرنا كفاية...
فأنا ناوي أعمل كتب الكتاب الأسبوع الجاي،
لو حضرتك موافق طبعـًا يا عمّـي."
الكل اتفاجئ، وسارة فتحت بذهول، وندى عضّـت شفايفها من الضحك.
والد سارة ابتسم وقال:
انت ناوي تخطفها مني بقا
حيدر ضحك، وبص له بعين فيها حب واحترام، ورد بنبرة خفيفة وفيها رومانسية:
"هو أنا طول عمري مستني اللحظة دي،
بس الحقيقة... مش ناوي أخطفها،
أنا جاي آخدها بإيدك،
وأوعدك...
هفضل شايلها جوه قلبي قبل ما تكون في بيتي.
وهعيش طول عمري أبرّ بيك فيها."
سارة كانت هتموت من الكسوف، وندى عضّـت شفايفها بالعافية علشان تكتم الضحكة، وقالت في سرّـها:
"ده مش حيدر... ده ساحر رسمي!"
والأب هزّ راسه وهو بيضحك، وقال:
"خد بالك منها... دي بنتي ودنيتي."
وحيدر ابتسم بإخلاص وقال:
"وهي هتبقى دنيتي أنا كمان...
الزغاريد ملت الأوضه من خالة حيدر وندي، اللي قامت تسقف وتقول:
"يااااه! مش كنتوا تقولوا نجهز من بدري؟"
بعد أسبوع – كتب الكتاب
الفستان الأبيض مش لازم يكون طويل علشان يبقى مميز...
سارة كانت شبه الملاك، بسيطة، ومكسوفة، بس مبتسمة.
حيدر واقف جنبها، بيوقّـع...وقلبه بيقول بصوت واضح:
"كتبنا الكتاب... بس أنا كاتبه في قلبي من زمان."
"بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير."
الكل صفق، والدنيا اتملت زغاريط، وسارة كانت واقفة مكسوفة ووشـّـها متلون بلون الورد.
حيدر قرب منها بهدوء، وقال بصوت واطي بس مسموع ليها:
"أخيرـًا... بقينا لبعض."
وحضنها بحنية قدام الناس، حضن مش بس بيعبّـر عن حب، ده حضن راجل لقى أمانه.
ندى كانت بتصوّـر، وسارة كانت بتحاول تمسك دموعها، بس الفرحة كانت أكبر من كل حاجة.
وبعد شوية، حيدر راح ناحيه والد سارة، وانحنى باحترام وقال له:
"عمّـي...
بعد إذنك، ممكن آخد سارة نغير جو شوية؟ أنا محضرلها حاجة كده...
والدها ابتسم وقال:
اتفضل يا ابني، دي يوم فرحتها، خلوها تفرح.
سارة كانت مش فاهمة إيه اللي بيحصل، بس ركبت معاه العربية، وسكتين شوية، لحد ما وصلوا لمكان واسع على أطراف المدينة.
نزلوا من العربية، وكانت الدنيا مغرب، والنجوم لسه بتظهر على استحياء...
ولما دخلوا المساحة دي، اتفاجئت سارة.
كانت الأرض كلها مفروشة بملايين الورد الأزرق الملكي، كأنها لوحة من الخيال!
فيه فوانيس صغيرة منورة، وأضواء خفيفة بتلمع حوالين الورد، والمزيكا شغالة من سماعات محطوطة بحرفية...
وفجأة، وسط سكون المكان...
اشتغلت لأغنية بصوت عمرو دياب، واضح وقريب كأن الدنيا كلها سكتت علشان يسمعوا هم بس:
"وماله لو ليلة توهنا بعيد وسيبنا كل الناس"
سارة وقفت مكانها مندهشة، عنيها بترتعش من الفرحة، وقالت بصوت واطي:
دي الأغنية اللي كنت دايمًا بحلم أرقص عليها وأنا لابسة الفستان الأبيض...
حيدر مد إيده ناحيتها، وقال وهو بيبتسم:
وأنا كنت بحلم تكوني إنتِ اللي معايا في اللحظة دي.
شدها بلطافة، وابتدوا يرقصوا سوا على الأرض اللي كلها ورد، حواليهم الشموع والفوانيس، وفوقهم نجوم الدنيا كلها بتشهد على الحب اللي مايتوصفش.
"وماله لو ليلة توهنا بعيد، وسيبنا كل الناس
أنا يا حبيبي حاسس بحب جديد، ماليني ده الإحساس
وأنا هنا، جنبي أغلى الناس... أنا جنبي أحلى الناس."
"حبيبي، ليلة... تعالى ننسى فيها اللي راح
تعالى جوا حضني وارتاح، دي ليلة تسوى كل الحياة
وما لي غيرك؟ ولولا حبك، هعيش لمين؟
حبيبي، جاية أجمل سنين، وكل ما ده تحلى الحياة."
"حبيبي، المس إيديا عشان أصدق اللي أنا فيه...
ياما كان نفسي أقابلك بقالي زمان، خلاص، وهحلم ليه؟
ما أنا هنا، جنبي أغلى الناس... ده أنا جنبي أحلى الناس."
"حبيبي، ليلة... تعالى ننسى فيها اللي راح
تعالى جوا حضني وارتاح، دي ليلة تسوى كل الحياة
وما لي غيرك؟ ولولا حبك، هعيش لمين؟
حبيبي، جاية أجمل سنين، وكل ما ده تحلى الحياة."
كان بيرقصها كأنه حافظ كل تفاصيلها، بيبصلها كأنها الحلم اللي استناه عمره كله.
ولما خلصت الأغنية، سارة حطت راسها على صدره وهم لسه واقفين في حضن بعض...
وقالت له بصوت فيه دفا وسكون:
أنا أسعد واحدة في الدنيا يا حيدر، وحاسة إن الليلة دي مش حقيقة.
رد عليها وهو بيحضنها أكتر:
وعد... هخلي كل يوم بعد كده أحلى من اللي قبله.