صدح الصوت الرنان قائلاً:
_ لا توجد نهاية للقصة، النهاية هي قصتك أنت.
_ وكيف أدون النهاية إذن، وأنا أشعر بالتيه لا أدري أين والداي وهل أمي لا تزال على قيد الحياة؟
_ الاثنان بأمان يا مولاي، ولكن عليك بالمعافرة لكي تصل فما زال الطريق أمامك.
_ من أنت ولماذا تساعدني؟
_ أنا حامي العهد.
_ حقاً، ولماذا يساعدني حامي العهد؟
_ لأنك النجم المنتظر، من سينير ظلام سمائنا.
_ أنا لست منقذاً لأحد، فالجميع هنا يرضى بالهوان والذل إذن لماذا الجهاد في سبيل حقيقة مقبولة بالنسبة لهم.
_ يجب أن تزيل حجاب عقولهم يا مولاي، ولا أحد يصلح لهذه المهمة سواك.
_ حسناً سأبذل قصارى جهدي ولكن بشرط؟
_ وما هو؟
_ أن تخبرني أين أبي وأمي؟
_ أعتذر، فلا دخل لي بهذا الأمر.
_ لم؟
_ أنا هنا للمساعدة، أنا رفيقتك دائماً بالقلادة ستجدني أمامك حينما تحظى بالمسؤولية الكاملة لتحمل مشقة إعادة العهد كسالفه.
_ وإن خالفت هذا الاتفاق؟
_ هذا ليس اتفاقاً وإنما هو مناقشة بالأمور التي يجب عليك إتمامها لا أكثر.
_ ما اسمك؟
_ أنا حامي العهد لا أحد يستطيع إخراجي من القلادة سوى حامل دم ريديس.
_ لقد علمت أنني حفيد ريديس أهذا صحيح؟
_ بالطبع، وكيف لي أن أقف أمامك الآن.
_ إذن من الخائن الذي أودى بوالديّ للسجن؟
اختفت الأعين فجأة وعادت الإضاءة كالسابق، نظرت بالأرجاء كمحاولة يائسة لإيجاده حتى أنني حاولت إخراجه من القلادة ولكن بلا جدوى إلى أن سقط الكتاب أمامي وظهرت رسالة مفادها:
» الخائن هو نفسه الوفي الذي عاهد على الأمانة والصدق، وفي لحظة الالتفات طعن بخنجر الخيانة، فلا وجود للنقاء في منتصف بركة راكدة «
ماذا يقصد بمنتصف بركة راكدة؟
توقفت عن التفكير عندما اشتد ألم ذراعي فجأة برغم التقطيب الممتاز الذي قام به الطبيب ولكن الألم يداهمني بين الفينة والأخرى.
أمسكت بعلبة الدواء الذي هو عبارة عن خليط من بعض الأعشاب المساعدة بتسكين الآلام.
حاولت الاسترخاء قليلاً فما زال أمامي متسع من الوقت على اجتماع الوزراء، بعد عدة دقائق سمعت صوت طرقات الباب.
دلف الحارس الخاص بي يعقوب وأخبرني برغبة الضابط بمقابلتي ولكن ما لفت نظري فعلاً هي يده الملفوفة بقماش طبي نفس الموضع الذي ضربت به الرجل الملثم.
بعد زمن قصير كنت أسير أمام الحارس إلى الغرفة الخاصة بيعقوب والأفكار تكاد تمزق دهاليز عقلي، أيعقل أن يكون هو ذلك الملثم؟
ولما لا وجنودي الذين هربوا فور إصابتي، كان يعقوب جالساً وحالما رآني هكذا هب واقفاً يسألني عن السبب وراء إصابة ذراعي هكذا.
أجبته قائلاً:
_ لا شيء فقط هجوم من قبل مجهول.
_ وجنودك أو هؤلاء الخونة عديمي الشرف، كيف تخرج دون التأكد من هويتهم يا يونس.
_ منذ عودتي من جيكا وذاكرتي ليست على ما يرام، ولم أكن أعرف هويتهم.
_ أعلم أن المهمة كانت شاقة عليك، ولكن لا أريد خسارتك فأنت صديقي قبل أن تكون مساعدي.
صمت لبرهة وارتسمت على ثغره ابتسامة صغيرة قائلاً بتأثر:
_ فقدت صديقاً ولا أريد فقدان الآخر.
_ تقصد السيد وليد؟
نظر لعيني بهدوء وصمت هنيهة ثم قال:
_ لم يكن مجرد صديق بل أخ، أتمنى أن يكون سعيداً بحياته رفقة بدر.
اكتفيت بإيماءة بسيطة والنظر للأرض أمامي، قال بعد وقت قصير:
_ والآن يجب أن تأخذ قسطاً وفيراً من الراحة.
أردت البوح بمكنون صدري للسيد يعقوب، صمت بحيرة وانصرفت بعد أن حاولت النظر لنفس اليد التي أصبتها ولكن يعقوب كان يضعها خلف ظهره واقفاً بشموخ.
أفكار الشك تساورني عن حارسه أيعقل أن يكون هو من قام بخيانة أبي؟
لم أعد للغرفة بل ذهبت إلى الساحة ومنها إلى السجن حيث لونار صاحبة اللسان السليط.
قالت بعدما دلفت:
_ يبدو أن السجن نال إعجابك.
_ إلى حد ما.
_ ما سبب زيارتك إذن؟
_ لا شيء أردت التأكد من أمر ما.
_ وما هو؟
_ حقيقة أنك صديقة أمي.
_ ألا يكفي رؤيتك للأصفاد وصوت تعذيبي دليلاً لك.
_ لا.
_ إذن؟
_ كم عمرك؟
_ أنا بالثامنة والعشرين.
_ وأنا بالثلاثين.
_ انظروا إلى سخرية القدر ابن صديقتي يفوقني بالعمر.
_ كفاك ترهات لونار.
_ حسناً لا بأس، على أي حال لا أريد مشاجرتك ولكن حالما أخرج سترى بعينك، وإلى حينها استمتع بقدر استطاعتك برؤية الأشياء من حولك لأنني سأقتلع عينك الجميلة من محجرها.
نظرت لها بامتعاض وقلت:
_ ترأفاً بحالتك لن أقوم بأي تصرف حيال سخافتك.
_ يا حبيب خالتك، حقاً أحسنت بدر تربيتك وتهذيبك.
صمت وقلت بعد برهة:
_ أبي من قام بتربيتي يا لونار، فأمي وافتها المنية قبل زمن.
_ لا تهذي بدر لا تزال شابة بمقتبل العمر.
_ وأنا أكبرك بعامين؟
أجابت وعبراتها تهدد بالهطول:
_ أجل، حتى ولو كنت تكبرني بالضعف فهي لا تزال شابة، لقد عاهدت على الصمود والبقاء بجانبي إلى الممات.
_ والآن ما أريد إخبارك به هو خطة للهرب من هذا المكان الرث.
_ وإلى أين سأذهب؟
_ إلى مكان رائع للغاية.
خرجنا سوياً إلى الساحة الخلفية بعدما حررت وثاقها كانت هادئة الخطى إثر جرح قدمها الذي لم يتماثل للشفاء بعد.
قلت هامساً:
_ انتظريني!
ظهرت علامات الحيرة على قسمات وجهها ولكنني تجاهلت الأمر وذهبت مسرعاً إلى الداخل وعدت حاملاً عباءة سوداء كبيرة وحقيبتي القماشية بعدما ارتديت واحدة مماثلة، وضعتها على رأسها بهدوء وأسرعت بالخروج رفقتها.
بالخارج عندما وصلنا كانت دارين تقف رفقة جوادي شهاب وجواد آخر.
قلت لها شاكراً:
_ أشكرك دارين، لولا مساعدتك ما خرجت سالماً.
_ هذا واجبي سيد يونس، فالفضل الأول لك بإنقاذ طفلي.
امتطيت صهوة جوادي وشاهدتها وهي تساعد لونار لامتطاء الجواد الآخر وتذكرت ما حدث قبل أسبوع..
كنت في طريقي إلى اجتماع المجلس التشريعي للقاء بأهم الوزراء وكاتمي الأسرار الملكية لمناقشة آخر تطورات الإدارات بالمملكة.
رأيت دارين واقفة بآخر الرواق تتحدث إلى إحدى الخادمات تبكي، توجهت إليها وسألتها عما بها.
قالت بهدوء:
_ لا شيء سيدي فقط بعض المشكلات.
_ حسناً، ولكن لماذا البكاء؟
نظرت إليّ بدموع وقالت بعدما أخفضت رأسها:
_ طفلي لقد سقيته شراب الميلاد قبل أيام وهو الآن بحالة مزرية للغاية وظهرت العديد من الأعراض كالبقع الحمراء على جلده ويرفض الحليب وبات يصرخ كثيراً.
_ ألم تأخذيه للطبيب؟
_ بلى فعلت.
_ وما تشخيصه؟
_ تسمم يا سيدي، سيموت طفلي بعد شراب الحياة، ولا وجود للدواء بلازورد يا سيدي فقط بإحدى الإمارات الأخرى.
_ أي إمارة؟
_ إمارة شيلا فهي مطلة على المحيط والغابة وهناك يتم صناعة الدواء.
_ وكم مدة الرحلة إلى شيلا؟
_ ثلاثة أيام للوصول.
_ حسناً دارين لا عليكِ فقط أخبريني بالتفاصيل وأنا سأذهب لإحضار الدواء لطفلك.
انفرجت أساريرها فرحة وسألتني:
_ أحقاً يا سيدي؟
_ حقاً ولكن كيف يمكنني الحصول على الدواء وما اسمه؟
_ إنه ترياق يصنع هناك يقولون أنها طريقة ريديس ولا أحد يعلم السر سوى رجل واحد هو جواد حاكم شيلا، ولأن الصراع محتد بين شيلا ولازورد فلا نستطيع الولوج للإمارة.
_ كيف لا يمكنكم الولوج لقد رأيت العبيد من شيلا يقومون بالأعمال هنا منذ بضعة أيام.
_ أجل هذا صحيح فالعبيد يأتون إلى هنا للتجارة والعمل وذلك يعود إلى الاتفاقية بين الملكين راكان وجواد ولكننا لا نستطيع الذهاب فبالنهاية هم العبيد أي يمكنه سرقتنا أو ارتكاب جرائم شتى.
_ أرى أنكِ تبالغين.
_ لا فهذه هي الاتفاقية وأنا لا أقوى على الذهاب وترك صغيري المريض هنا.
_ حسناً لا عليكِ سأذهب الآن ولكن هل جلبت لي بعض الحاجات؟
_ بالتأكيد.
وخلال الرحلة كنت أتحرك رفقة شهاب بسرعة شديدة لكي أصل بأسرع وقت ممكن.
بعد يوم كامل من التحرك توقفت قليلاً لأخذ قسط من الراحة فجسدي أضحى يئن وجعاً توقفت ساعتين ثم أكملت المسير إلى الجنوب مررت على البحيرة يليها حدود الصحراء ثم دلفت إلى حدودها لكي أتحرك بطريق مختصر فالليل أقبل سريعاً اليوم.
توقفت ثانية خلف صخرة عملاقة عندما رأيت مخيم الجنود على مرمى بصري أملاً بإيجاد صديق ذا رأس الطماطم العفنة.
وقفتُ منتصباً متربصاً قرابة الساعتين رأيت وجوهاً مألوفة ولكني لا أعرفهم وأخيراً ها هو صديق يتثاءب أشرت له كثيراً دون جدوى زفرت بضيق ثم نظرت إلى حصاني شهاب وإلى الحقيبة القماشية نزعت شارة الوزير ووضعتها بداخلها لكي تصبح ملابسي كسائر الجنود بالطبع هذا جنون وأخرجت الخاتم وارتديته واضعاً إياه أمامها انتظرت لثواني قبل أن أسقط أرضاً محاولة للصمت.