تحميل رواية «لأجلك أحيا» PDF
بقلم أميرة مدحت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شهقت بعنف حينما ألقى أحدهم مياه باردة على وجهها، فانتفضت من مكانها وهي تنظر حولها برعب. جحظت عيناها بصدمة وهي ترى نفسها في ساحة القرية، والجميع ينظرون إليها بتفحص واضح. اعتدلت في جلستها وهي تحاول استيعاب ما يحدث لها من المصائب على ذنب لم تقترفه. سمعت همساتهم وهم يقولون بفضول: - مش دي تيجان؟! إيه اللي رماها بفستان فرحها كده؟! هتف أحدهم: - إيه اللي يخلي جوزها يرميها الرمية دي إلا لو اكتشف أنها مش عذ... حركت رأسها بالسلب وعيناها تلتمع بالدموع، أشار إليه زميله قائلًا: - ما تكملش، بس معقولة يطلع منها...
رواية لأجلك أحيا الفصل الأول 1 - بقلم أميرة مدحت
شهقت بعنف حينما ألقى أحدهم مياه باردة على وجهها، فانتفضت من مكانها وهي تنظر حولها برعب. جحظت عيناها بصدمة وهي ترى نفسها في ساحة القرية، والجميع ينظرون إليها بتفحص واضح. اعتدلت في جلستها وهي تحاول استيعاب ما يحدث لها من المصائب على ذنب لم تقترفه. سمعت همساتهم وهم يقولون بفضول:
- مش دي تيجان؟! إيه اللي رماها بفستان فرحها كده؟!
هتف أحدهم:
- إيه اللي يخلي جوزها يرميها الرمية دي إلا لو اكتشف أنها مش عـذ...
حركت رأسها بالسلب وعيناها تلتمع بالدموع، أشار إليه زميله قائلًا:
- ما تكملش، بس معقولة يطلع منها كل ده؟!
هتفت إحدى السيدات بامتياض:
- كان الله في عون جوزها، ده كان بيحبها أوي قبل ما يكتشف أنها ***.
انسابت عبراتها بألم وهي تستمع إلى تلك الكلمات السامة، تابعت فتاة ما بقلق:
- ده الـ king زمانه عرف وهيعاقبها بالقانون اللي جدوده عملوه زمان!!!
تابعت "تيجان" همساتهم المخيفة بنظرات مرتعدة، حركت رأسها بنفي وهي تهمس برعب:
- لأ، أنا ما عملتش حاجة، والله ما عملتش حاجة.
هبت واقفة وهي تقول سريعًا:
- أنا لازم أهرب، مش هقدر أشوفه، هيموتني.
قبل أن تتحرك كي تغادر من المكان، وجدت ثلاثة رجال أشداء البنية يقتربون منها، صرخت بعنف:
- لأااااا، ما تقربوش مني.
هي تعلم أنهم من رجال "الملك"، يبدو أنها ستموت اليوم على شيء لم تفعله، ستُعاقب وستُقتل ظلمًا. قبض اثنان منهما على ذراعيها بينما هدر الثالث بقوة كي يسمع جميع الموجودين:
- الـ king زمانه جاي، هو اللي هيحدد عقابك، إحنا خلاص بلغناه بمكانك.
هدرت "تيجان" بكل قوتها:
- أنا ما عملتش حاجة، والله العظيم ما عملتش حاجة.
التفتت برأسها نحو رجل ما وهي تهتف بألم:
- عم حسين، يا عم حسين اقف جنبي، ده أنا اتربيت على إيدك، معقولة هتصدق عليا الكلام ده؟!
رمقها بنظرات جامدة وهو يشيح بوجهه عنها، دارت برأسها نحو جهة أخرى وتحديدًا نحو امرأة في منتصف الأربعينات وابنتها:
- وإنتي يا أم وتين، هتسيبيني كده؟! أنا عشت ست سنين معاكم يعتبر، كنت بلعب مع وتين وبحميها من أي أذى حتى لو على حسابي، هتصدقيهم وتسيبيني؟!
أطرقت رأسها وهي تبكي بصمت، فهي إن تدخلت ستُعاقب على ذلك. وقعت عيني "تيجان" على امرأة أخرى فقالت بتلهف:
- وإنتي يا أم وجد، هتسيبيني كده؟! مش كنتي دايمًا بتقولي إني بنتك التانية، فين كلامك؟!!!!
بكت "أم وجد" بعد جملتها تلك وهي تشير لها بعجزها، أغمضت "تيجان" عينيها تكاد أن تعتصرهما وهي تصرخ بكل قوتها:
- ياااااااااااااااااااارب.
لولا تلك الأذرعة التي تقبض على ذراعيها بقوة لكادت سقطت سقطة عنيفة.
دقائق، وكانت قد وصلت ثلاث سيارات سوداء، رفعت عينيها الباكيتين نحو السيارة الثانية حيث فتح أحد رجاله الباب، ضيقت عيناها بوهن وهي تراه يترجل منها، كان هدير أنفاسها عاليًا وهي تحدق به، ارتفعت نبضات قلبها وهي تراه يتقدم منها رويدًا رويدًا.
شاب في أوائل الثلاثينات من عمره ولكن ملامحه تحمل جمودًا وعمقًا، عيناه السوداء تشتعل تلقائيًا، عيناه ذات الجمر المشتعل.. نيرانًا من اللهب الأزرق، ملامحه سوداء ونظراته العميقة التي حدجها بها أشد سوادًا، وقف أمامها قبل أن يقول بصيغة آمرة لرجاله:
- سيبوها.
رد أحدهم باحترام:
- أمرك يا أصهب باشا.
إذًا اسمه "أصهب"!! أي شديد البرودة، يا له من بداية مبشرة، حتمًا سيقتلها بدم بارد، خرجت من شرودها على صوته الأجش:
- شكلك صغير، 20 أو 19 سنة، مش كده؟!
حركت رأسها إيجابيًا بصعوبة بالغة، في حين مط "أصهب" شفتيه ببرود متابعًا بأسف مصطنع:
- يا عيني على زهرة شبابك اللي بقت زي الفجلة.
لم تجبه بل أطرقت رأسها فأخفى شعرها وجهها البارد الحزين، التوت شفتاه في ابتسامة متوحشة وهو يقول ببطء أمام أعينها:
- غلطي لما سلمتي نفسك قبل الجواز، وكملتي الحكاية بأنك ضحكتي على جوزك، بس ما عملتيش حسابك أنه أول ما يعرف هيرميكي هنا قدامنا عشان عاوز حقه.
ابتسمت بتهكم مرير وهي ترفع وجهها المعذب نحوه، تابع "أصهب" بصوت حاد صلب كالسياط التي تجلدها:
- إنتي قبل ما تضحكي على جوزك كنتي زانية، وإنتي هنا في مملكتي، يعني القوانين هنا قوانيني، فـ هتتعاقبي على جريمتك دي وهي المـــوت.
قال كلمته الأخيرة وهو يخرج سلاحه الناري، صوبّه نحوها قبل أن يقول ببرود ثلجي:
- نفسك تقولي حاجة قبل ما تموتي؟!
نظرت إلى أهل القرية نظرات سريعة الذين يتابعون ما يحدث بخوف كبير، عاودت النظر إليه وهي تهز رأسها نفيًا دون أن تدرك ثم قالت بنبرة معذبة:
- ربنا ينتقم من ساهد، وأنا هستنى أن حقي يرجعلي حتى لو أنا ميتة.
لن تموت وهي تبكي وتقسم له أنها لم تقترف تلك الجريمة، لذا رفعت ذقنها قليلًا وهي تغمض عينيها، هتفت بصوت لا حياة فيه:
- أنا جاهزة للموت.
حدجها "أصهب" بنظرات ميتة وقد اشتدت ملامحه سوادًا، في حين ظلت واقفة "تيجان" بثبات منتظرة مصيرها الأسود، وبالفعل شعرت بتلك الرصاصة تخترق جسدها بقوة، فتهاوى جسدها على الأرضية الصلبة، تسرب إليها خدر مغرٍ فاستسلمت له بصدر رحب، لم تشعر بعدها بتلك الصرخات العنيفة والمخيفة التي ملأت المكان.
رواية لأجلك أحيا الفصل الثاني 2 - بقلم أميرة مدحت
بدأت تتململ وهي تئن بألم. فتحت عينيها بتثاقل شديد وهي تحرك رأسها للجانبين. كانت تشعر بألم عنيف في جسدها وتحديدًا مكان إصابتها بتلك الرصاصة.
أستطاعت أخيرًا فتح عينيها فبدأت تمرر أنظارها الواهنة على المكان. أتسعت عينيها قليلاً وهي تشهق بخوف عندما وجدته يقف أمام فراشها عاقدًا ساعديه أمام صدره الضخم. حركت رأسها بعدم تصديق وهي تهمس بذهول:
- لأ، مش ممكن.
حدجها بنظرات قاسية غريبة. أعتدل "أصهب" في وقفته وهو يقول بإبتسامة جانبية:
- حمدلله على السلامة يا.. يا تيجان.
هزت رأسها بالسلب وهي تنظر حولها نظرات شمولية سريعة. أعتدلت في جلستها وهي تقول بنبرة مُهتزة:
- أنا ماموتش!!.. أنا عايشة لسه؟؟.. ماموتش!!.. إنت ليه مموتنيش، ليـه؟!!!!!
قالت كلمتها الأخيرة وهي تصرخ بقوة. حاولت النهوض من مكانها ولكن سرعان ما وقعت على الأرض وهي تصرخ بألم بعدما هاجمتها تلك الوخزات الحادة. أدمعت عيناها من شدة الألم وهي تهدر برجاء:
- يااااااارب، يااارب.
أقترب "أصهب" منها وهو يقول بنبرة تهكمية:
- دلوقتي أفتكرتي ربنا؟؟.. قومي.
قبض على ذراعيها بقوة كي يجعلها تقف عنوة ثم أجلسها على الفراش قائلاً بصرامة مُخيفة:
- إياكِ تتحركي من مكانك، خليكي أعدة على السرير لغاية ما تبقي كويسة.
صرخت "تيجان" بعنف وهي تضرب صدره بقبضتيها ولكن بضعفٍ واضح:
- إبعد عني، سبتني عايشة ليه؟؟.. ليـه؟؟!!!.. أنا عايزة أموت، ليه عملت فيا كده؟؟
قبض على معصميها بقوة وهو يهدر بنبرة جهورية:
- أهدي، أهدي وبطلي جنااان.
صرخت ببُكاء مرير هاتفة بشراسة:
- أنا فعلاً أتجننت، أتجننت لما نسيت الماضي وقولت أحب من تاني لأن الحياة مش بتقف على حد، وهو عمل فيا كده، رماني في النار وأنا معملتش حاجة.
آآآصمتت قليلاً قبل أن تتسع عيناها ثم هدرت بغضب جامح:
- إنت ضربت عليا نار، وبعدهـا جاي تنقذني!!!.. إنت إللي مجنون، عملت كده ليه؟؟
لمعت عيناه بوميض غريب وهو يهتف بحدة عالية:
- ملكيش دعوة، إنتي هنا فـ مملكتي وقوانيني، فاهمة يعني إيه؟!
قبض على ذقنها فـ شهقت بتلقائيًا وهي تنظر إلى عينيه السوداوين الشرستين بنظرات مصدومة. تابع بهسيس خطير:
- يعني حياتك أو موتك ملك إيديا، أي حاجة تتعلق بيكي تتعلق بيا أنا الأول، بإختصار إنتي كلك ملكي.
مرر أنظاره على جسدها الذي يرتجف بشدة بنظرات مُرعبة، وقد إلتوت شفتاه بما يشبه الإبتسامة السوداء. زادت رجفتها من نظراته الوقحة، فـ أغمضت عينيها وهي تهمس له:
- إبعد عني.
أصبح قريب منها، قريب جدًا لدرجة أن أنفاسه الثائرة كانت تغزو وجهها الأبيض فيهلك سيطرتها المزعومة. تقوس فمه بإبتسامة قاسية قبل أن يهمس بجوار أذنها بما أشبه فحيح الأفاعي:
- استعدي للجحيم إللي هتشوفيه على إيديا، هاتشوفي مني إللي عمرك ما شوفتيه، وأنا معنديش يا أمه أرحميني.
ظلت مُغمضة العينين وهي تحاول أن تظل ثابتة قليلاً، ولكن أنفاسه الحارقة التي تلهب وجنتها تجعل رجفتها تتزايد، وكلماته المسلحة توعدًا وغضبًا تهاجم سطو جوارحها. أرخى أصابعه عن فكها قبل أنه يُضيف بكلمة واحدة ولكن مُخيفة:
- هرجعلك.
أعتدل في وقفته قبل أن يتحرك نحو باب الغرفة. تابعته بنظرات حانقة وهو يفتح الباب ويدلف إلى الخارج. وجدته يقف أمام رجل ضخم مثله تمامًا ويهدر فيه بصيغة آمرة:
- اسمع، هي متخرجش من أوضتها مهما حصل، ومن بكرا الصبح ترميهــا في أوضة رقم 26 زي زمايلهـا، عشان تشوف العذاب بحق وحقيقي، فاهم؟!
حرك الحارس رأسه وهو يقول:
- أمرك يا أصهب باشا.
ألتفت "أصهب" برأسه نحوها فوجدها تحدجه بعينين دامعتين لامعة بكرهٍ شديد. إبتسم لها ببرود ثلجي قبل أن يغادر من الغرفة تاركًا إياها في صدمة مما تعيشه.
***
وقف "ساهد" أمام قبر أخيه الأكبر يبتسم إبتسامة حانية صغيرة. أدمعت عيناه تأثرًا برحيله ولكن سرعان ما مسح عبراته قبل أن يجلس على ركبتيه. سحب نفسًا عميقًا للحظة قبل أن يزفره على مهل، ثم قال بإشتياق:
- وحشتني أوي يا جاسم، يارب تكون مرتاح دلوقتي.
أطرق رأسه وهو يقول بإنتصار:
- جبتلك حقك خلاص، زي ما هي قتلتك بدم بارد، أنا كمان قتلتها بالحيا وبعدها سلمتها لـ إللي يبعتها للموت.
سكتٍ لحظةٍ قبل أن يقول بشرود:
- شوفتها وهي بتتقتل، كنت واقف مستني الكينج لغاية ما جه، طلع المسدس وفعلاً قتلهــا بدم بارد زي ما شوفتها وهي بتقتلك بنفس البرود، فضلت ببص عليها لغاية ما خدها عشان يدفنها، وبكرا الصبح هاروح أشوف قبرها بعينيا عشان أرتاح أكتر.
إبتسم بظفر وهو يقول بثقة:
- النهاردة بس هقدر أنام مرتاح.
***
ظلت "تيجان" جالسة على الفراش تنظر أمامها في نقطة فراغ بعينين جامدتين. لأول مرة تشعر بذلك الألم الحارق يضرب قلبها وروحهـا، تدفع ثمن شيء لم ترتكبه، فرحت كثيرًا في البداية حينما أتى الموت إليها، فالألم الذي يعتريها أكبر من أي شيء، لن تستطيع أن تتحمل، لن تستطيع أن تظل صامدة طويلاً. أغمضت عينيها وهي تهمس بداخلهـا أنها ستنهار قريبًا.. قريبًا جدًا.
أستمعت صوت طرقات باب غرفتها قبل أن تدخل فتاة في مُنتصف العشرينات وهي تحمل صينية مليئة بالطعام الصحي. لم ترفع رأسها نحوهـا بل لم تشعر بها من الأساس. جلست أمامها وهي تضع الطعام على الفراش قبل أن تقول بجدية:
- الأكل.
هنا... إنتبهت لهـا "تيجان". رفعت رأسها نحوها قبل أن تسألها بتردد:
- ممكن سؤال؟؟
أومأت الفتاة برأسها. نظرت "تيجان" حولها بقلق قبل أن تعاود النظر إليها وهي تتسائل بخوف:
- هو أنا فين؟؟
صمتت الفتاة قليلاً تنظر لهـا بهدوء مريب. ثم ردت عليهـا وهي ترفع ذقنها قليلاً:
- إنتي هنا فـ سجن الكينج.
ثم نظرت حولها مبتسمة متابعة:
- وإنتي حاليًا أعدة فـ أوضة الكينج، بس بكرا الصبح هتتنقلي للزنزانة الخاصة بيكي، عشان تاخدي عقابك.
رواية لأجلك أحيا الفصل الثالث 3 - بقلم أميرة مدحت
تحرك "أصهب" نحو داخل ذلك القصر بسيارته السوداء الفارهة، ترجل منها ونظراته السوداء تتأمل ما حوله، خلع سترته قبل أن يلج إلى الداخل بخطى هادئة ثابتة.
التقى في طريقه كبيرة الخدم حيث أخبرته بأمر جده بأن يدخل إليه غرفة الطعام. أومأ برأسه دون أن يجيب ثم تحرك نحو داخل الغرفة حيث يجلس كل من والده ووالدته وأخيرًا جده.
قال "أصهب" بصوته الرجولي الأجش:
- خير يا جدي؟
رفع "الهامي" رأسه يحدق فيه بنظراته الهادئة رغم حدتها، تساءل بهدوء:
- إيه حكاية البنت اللي اسمها تيجان دي؟
رد عليه "أصهب" ببسمة قاسية:
- جوزها رماها بفستان فرحها في ساحة القرية، وقبلها بـ 3 ساعات كان جه عندي وقالي إنه اكتشف مراته مش عذراء وإنه عاوز حقه، فجبته.
تساءل والده "راجي" باهتمام:
- يعني نفذت القانون؟
صمت "أصهب" قليلاً قبل أن يومئ رأسه بهدوء قائلاً:
- أيوة، قتلتها وسط أهل القرية وبعدها دفنتها.
أشار "الهامي" بيده هاتفًا بعدم اكتراث:
- يلا فداهية.
رمقته والدته "شيهناز" بنظرات متفحصة هاتفة بتساؤل:
- أومال إيه اللي أخرك كده النهاردة؟
رد "أصهب" باقتضاب:
- شغل، يلا أنا طالع أرتاح.
لم ينتظر الرد بل دلف إلى الخارج متوجهًا نحو الدرج كي يصعد إلى الأعلى حيث غرفة نومه. ولكن أثناء سيره تذكر تلك المقابلة بينه وبين المدعو "ساهد" حيث أتى له في صباح باكر اليوم وقد أدمعت عيناه من فرط الصدمة حتى شعر أنه سيسقط لا محالة، لذلك حينما سمع بفعلته تحرك كي يأخذ حقه منها.
نزع قميصه الأبيض قبل أن يسير نحو المرآة ثم وقف أمامها يتأمل انعكاس صورته. رفع ذقنه قليلاً وقد تقوس فمه بابتسامة مخيفة وهو يضع يديه بداخل جيب بنطاله، همس بصوت خطير:
- استعدي للجحيم يا.. يا تيجان.
***
وقفت "تيجان" أمام المرآة تتأمل مكان إصابتها بتلك الرصاصة. رفعت حاجبيها للأعلى وهي ترى أن الجرح ليس مميت. تذكرت في تلك اللحظة كلمات الطبيب حينما كانت على وشك استدعاء وعيها أنه جرح الخروج أي الرصاصة ليست في الداخل. جرح يبدو ضخم ولكن نظيف جدًا بشكل محترف، ولم يلمس أي عضو حيوي.
تلك كانت كلمات الطبيب المختصرة التي قالها للملك. اتسعت عيناها بارتياب بعدما تفهمت أن الرصاصة ثقبتها فقط وعبرت. همست "تيجان" بصوت غير مسموع:
- ينهار أسود، ده معناه إنه تعمد ميقتلنيش ولا أتأذى.
أبعدت خصلات شعرها من على وجهها وهي تتابع:
- أومال ليه ضرب نار عليا من الأول؟ هدفه إيه؟
نظرت حولها بقلق وهي تقول:
- ينقذني وبعدها يجيبني على السجن! أنا عمري ما سمعت عن السجن ده؟ سجن إيه ده اللي عامل فيه لنفسه أوضة نوم كبيرة زي دي!
جلست على طرف الفراش وهي تضيف:
- منك لله يا ساهد، طلعت زبالة زي أخوك، وقعتني في إيده عشان تنتقم وخلاص.
صمتت قليلاً قبل أن ترفع رأسها فجأة هاتفة:
- ده كده معناه إني في نظر الكل ميتة! وأنا هعيش أساسًا هنا مسجونة، تحت رحمته!
هبت "تيجان" واقفة وهي تهدر بغضب:
- لأ، مش هسمحله يقرب مني، لو فكر يقرب مني ويأذيني أنا اللي هأذيه، حتى لو وصل الأمر إني أقتله!
***
وقف "ساهد" أمام غرفة والدته "نجوى" وهو يفكر بتردد كبير أن يدخل إليها. ولكن في النهاية حسم أمره حيث أطرق الباب دقات خفيفة قبل أن يدخل إليها مبتسمًا لها. كانت جالسة على الفراش تشاهد أحد الأفلام القديمة العربية. جلس أمامها على طرف الفراش قبل أن يتساءل باهتمام:
- عاملة إيه دلوقتي؟ أحسن؟
رمقته بنظرة جامدة قبل أن تسأله بصوت مهزوز:
- أوعى تكون عملتها يا ساهد! أوعى.
قالت كلمتها الأخيرة وقد ألتمعت عيناها بخوف. رد عليها بجمود:
- انتقمت، خدت انتقامنا يا أمي.
أغمضت "نجوى" عينيها وهي تهز رأسها بالسلب هاتفة:
- ليه؟ ليه عملت كده يا ساهد، حرام عليك.
فتحت عينيها فـ هبطت دمعتان وهي تهدر بعذاب:
- أنت حرقت قلبي يا ساهد، ليه يا ساهد تعمل فيها كده؟ حرام عليك، حرام.
هب واقفًا وهو يهدر باستنكار:
- حرام؟ حرام على مين؟ بتقوليلي أنا الكلام ده! أنا مكنتش أعرفها، معرفتهاش إلا لما قتلت أخويا، أخويا اللي هو ابنك يا أمي.
ألتمعت عيناه بوميض مخيف وهو يتابع:
- قتلته بدم بارد، شوفتها وهي بتقتله بعينيا، مش قادر أنسى المنظر!
أشار بإصبعيه قائلاً بتهكم مرير:
- وياريت الموضوع جه على كده وبس، شوفتي حصلك إيه بعد ما مات.
طأطأت رأسها تبكي بصمت، فأكمل بعذاب:
- فالآخر اتشليتي يا أمي، اتشليتي! اتحرمت من إني أعيش مبسوط وسعيد، اتحرمت يا أمي!
رفعت عينيها الدامعتين نحوه وهي تهتف:
- بس يا ساهد آآ..
قاطعها "ساهد" بغضب:
- كان لازم أخد حقي، حقي وحقنا كلنا، وخدته أهو، النهاردة بس هقدر أنام بعد ما الكينج قتلها.
صرخت "نجوى" برعب:
- إنت بتقول إيه؟ قتلها؟
حرك رأسه بإيماءة خفيفة، فصرخت بغضب جامح:
- اطلع برا يا ساهد، اطلع برا أوضتي، سبني لوحدي، برااااا.
حدجها بنظرات عاتبة قبل أن يرحل من غرفتها. بكت "نجوى" بصمت، ولكن دموعها الحارقة لا تقارن بحرقة روحها.
***
في صباح اليوم التالي، انتفضت "تيجان" من على فراشها بعدما سمعت صوت صفق باب الغرفة بعنف. فركت عينيها وهي تحاول استيعاب دخول "أصهب" الغرفة. عقد ساعديه أمام صدره الضخم مبتسمًا لها بسخرية ثم قال:
- صباح الخير، أتمنى تكوني ارتحتي في أوضتي و.. على سريري.
بلعت ريقها بصعوبة وهي تحدق في عينيه السوداوين القاسيتين، هتف بصيغة آمرة:
- قومي.
نهضت من على الفراش وهي تنظر له بحنق واضح. توجه نحو باب الغرفة وفتحه ثم وجه حديثه لحارسيه حيث قال بصرامة:
- نزلوها على الزنزانة رقم 26، يالااااا.
حرك كل منهما رأسه ثم تحركا نحوها قبل أن يقبضا على ذراعيها. هدرت "تيجان" بغضب:
- سبوني، إنتوا هتعملوا إيه؟
لم يجب أحد منهما عليها بل توجها بها إلى حيث أمر "أصهب". جحظت عيناها بخوف وهي ترى أكثر من خمسة وعشرين فتاة في ذلك السجن، بعضهم من تبكي على حالها والبعض الآخر يجلسون بجمود غريب. بلعت ريقها بصعوبة وهي ترى تلك العلامات على ذراعيهما، يبدو أنه يقوم بتعذيبهم، فشهقت بعنف تلقائيًا.
حينما ألقوا بها إلى الداخل، وقفت "تيجان" تصرخ من خلف القضبان بشراسة قائلة:
- إنت ياللي عامل زي التور، تعالى هنا وطلعني.
سكتت لحظة ثم صرخت عاليًا:
- أنت يا بني آدم، افتح بقولك.
تراجعت إلى الخلف حينما وجدت "أصهب" أمامها. انتفضت شجاعتها منسحبة من حرب لم تبدأ بعد، بل ستبدأ الآن، ولكن لم تظهر بل صاحت فيه بهسيس مستفز بعدما دخل:
- إنت جايبني هنا ليه؟ هتعمل نفسك راجل عليا وآآآ..
نظر إليها ودون مقدمات كانت صفعة عنيفة تسقط على وجهها، ولكنها لم تنطق سوى بـ آآه تلقائية، تكتم وتكتم كعادتها.
هدر "أصهب" بصوت عنيف:
- إنتي فاكرة نفسك إنك إيه؟ وبعدين إنتي لسه مشوفتيش مني حاجة، ده إنتي لسه هتاخدي عقابك.
ضيقت عينيها وهي تهمس:
- عقاب إيه؟
رد عليها وهو يخرج من خلف ظهره السوط الذي أحضره خصيصًا لها، ابتسم لها ابتسامة جانبية قائلاً:
- عقاب الزانية إيه عند ربنا؟
أتسعت عيناها وهي تهدر بصدمة رغم تعبيرات وجهها العصبية:
- قصدك إيه؟ هتجلدني 100 جلدة!
دنا منها عدة خطوات وهو يرفع السوط عاليًا حيث قال بقسوة وقد ألتمعت عيناه بوميض شرس:
- ده عقابك، تحمي بقى.
رواية لأجلك أحيا الفصل الرابع 4 - بقلم أميرة مدحت
فغرت شفتيها قليلاً وهي تتراجع للخلف محاولة الاستيعاب على ما قاله.
أغمضت عينيها للحظات وهي تسحب نفسًا عميقًا ثم زفرته على مهل.
فتحت عينيها وهي ترمقه بعينين باردتين رغم تلك النار التي بداخلها، ذلك الاشتعال الذي أوشك على قتل روحها ورغم ذلك تخفي آلامها، فمن سيشارك حزنها؟
وقبل أن يهبط بسوطه أوقفته بإشارة من يدها.
عقد "أصهب" ما بين حاجبيه وهو يحدقها بعينين حادتين.
رفعت "تيجان" ذقنها قليلاً قبل أن تقول بصوت قوي:
- بأي حق؟ بأي حق تفكر تجلدني وأن هذا هو عقابي؟ بأي حق تعاقبني وأنت لست في يدك أي دليل على خيانتي؟
تراخى حاجبيه وهو يحدقها بنظراته القاسية.
تابعت "تيجان" بحدة:
- أنت ما ينفعش تعاقبني إلا لما يكون في يدك أي دليل. أنت حكمت بعد ما سمعت من الطرف الأول بس، فين اعتراف الطرف الثاني؟ فين الدليل اللي شايف نفسك بتحكم بالعدل؟
نظر إليها طويلاً وكلماتها تتردد في عقله المظلم، كانت كلماتها كالنور الذي بدأ ينير عقله.
فأخفض يده الممسكة بالسوط.
حدقته بنظرات مليئة بكره غريب، كفى أنها تجلس في مكان تم تخصيصه للزانيات وباتت بالأسم واحدة منهم بدون دليل.
صمت طويل ساد بالمكان قبل أن تقطعه "تيجان" بصوت مغلول:
- روح اسأله، اسأله اتجوزني ليه؟ دور على الإجابة هتلاقيها عنده أو عند أمه، غير كده لأ.
تساءل "أصهب" بهدوء:
- اتجوزتوا ليه؟
ابتسمت بمرارة قبل أن تقول بتهكم:
- اتجوزته لأني كنت مغفلة، وعميانة بحبه وبحبي. إنما هو اتجوزني عشان انتقام، عشان ينتقم مني.
تساءل ببسمة ساخرة:
- وهو ينتقم منك ليه؟
صمتت قليلاً مجيبة:
- خد منه الإجابة مش مني أنا، لأني مش هقول حاجة إلا لما تصدقني.
سارت نحوه عدة خطوات قبل أن تنظر له بتحدٍ سافر هاتفة بثقة:
- ولو عايز تجلدني... اجلدني، مش هقولك بتعمل إيه؟ أنت على أي حال ظالم وأنا المظلومة، فـ حقي هيرجعلي في الآخر وبطريقة هتخليك تندم أشد الندم يا ابن الهامي.
حدق في عينيها مباشرة بنظرات مخيفة تجعل المرء يرتجف من كثرة الرعب، إلا هي تخفي، كما تخفي دائمًا.
بل اتسعت ابتسامتها المثيرة للاستفزاز فاستشاط غضبًا.
كانت أنفاسه اللاهبة تحرق وجهها قبل أن يقول بهمس مخيف:
- أنتِ اللي هتندمي لو طلعتي بتلعبي بديلك.
ردت عليه بأنف مرفوعة:
- هتقتلني؟ أظن أنت المفروض كنت هتعملها وأنا سلمت نفسي للموت، تفتكر بقى هخاف دلوقتي من الموت ولا منك؟
أومأ رأسه بابتسامة قاسية وهو يجيب بهمسه:
- كلامك صح، بس هتتمني الموت ومش هتطوليه؟
تساءلت "تيجان" بتهكم:
- هتعمل إيه يعني؟
ابتسامته القاسية اتسعت قليلاً قبل أن يقول ببساطة:
- هغتصبك مثلاً؟
جحظت عيناها بذهول وهي تتراجع للخلف.
حركت رأسها بالسلب وهي تهمس:
- لأ، أنت مش سافل للدرجة دي؟ أنت...
قاطعها وهو يهز يديه بهدوء:
- إذا كنت بقتل بدم بارد مش هعمل حاجة زي دي؟
لم تجبه بل ظلت تحدقه بنظرات خالية من الحياة.
رمقه بنظرة أخيرة قبل أن يخرج من المكان بهدوء، هدوء ما قبل العاصفة.
***
جلست "سميحة" على الأريكة بعدما تجهم وجهها بطريقة مزعجة.
جلس ولديها كل من "ثاقب" و"وافي" على الأريكة أمامها.
كانت ملامحهم قاسية للغاية إلا "وافي"، بل مذهولة، مبهوتة.
لمعت عيناه بالدموع ولكن حبسها بقوة حتى لا يراها أحد منهما، خاصةً بعدما رأى ردة فعلهما باردة وقاسية للغاية.
سمعت صوت والدته وهي تهتف:
- كويس أن ابن الهامي عملها، خد عار بنتنا اللي فضحتنا وجرستنا، وخلت سيرتنا على لسان كل اللي يسوى وما يسواش.
هب "ثاقب" واقفًا وهو يقول بغضب جامح:
- المفروض كنا إحنا اللي ناخد عارنا، مش كفاية أنها هربت من البيت عشان تتجوز اللي اسمه ساهد ده، لأ... دي طلعت كمان *****، سلمت نفسها قبل الجواز، وأهو جوزها رماها، المفروض إحنا اللي كنا نجيبها ونخلص عليها مش أصهب!
هتفت "سميحة" بجدية:
- لأ كويس كده يا ثاقب، أنا مش ناقصة إنكم تروحوا مني، كويس أوي كده، لأني مش مستغنية عنك ولا عن وافي.
التفتت برأسها نحو "وافي" الذي يرمقهما بذهول ثم تساءلت بنبرة ذات مغزى:
- ولا إيه يا وافي؟
وثب واقفًا قبل أن يقول بكره:
- أنا بلعن نفسي ألف مرة إني مخرجتهاش من البيت زمان، حسبي الله ونعم الوكيل.
قالها وهو يغادر من المنزل بأكمله.
ظلت أنظاره والدته الممتعضة تلاحقه قبل أن تقول بقسوة:
- ده القانون، وكان لازم يتنفذ، وتيجان عملت جريمة بشعة يبقى تدفع ثمنها ولوحدها، هي اللي جابته لنفسها.
كانت تحدق بالقضبان بنظرات غاضبة.
أغمضت عينيها تزفر بعنف.
لأول مرة تشعر بهذا العجز، تشعر أن ما هو قادم أعمق وأسوأ مما تصورت، عميق وملطخ بسواد لا يوازي سواد حياتها أبدًا بل أشد.
هبت واقفة تصرخ عاليًا:
- أنت اللي برا، أنت يا بني آدم، أنت يا زفت.
وفجأة وجدت شخص ما ضخم يدخل نحوها يرمقها بنظرات مظلمة.
صاحت فيه "تيجان" بحدة:
- هو أنت أطرش، بقالي ساعة بنادي وإنت ولا هنا، فين المتخلف التاني اللي مشغلك ده، روح نادي عليه حالاً وإلا...
شهقت بعنف حينما صفعها بقسوة عنيفة دون مقدمات.
وضعت يدها على وجنتها تنظر أمامها بنظرات حادة رغم تلك الارتجافة التي سرت عليها للحظة.
بلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر له بغضب جامح.
وقبل أن تتحدث وجدت من يجذب ذلك الحارس من تلابيبه ويوجه له لكمة عنيفة في فكه.
همست بعدم تصديق:
- أصهب!
دفعه "أصهب" نحو الحائط بقسوة حتى كاد الحارس أن يسقط أرضًا.
لكمه مرة أخرى بعنف أشد وهو يهدر بنبرة جهورية صارمة:
- إياك، إياك تمد إيدك عليها وإلا هقطعهالك، سااااامع.
أومأ الحارس رأسه سريعًا قبل أن يتركه "أصهب" وهو يحدجه بنظرات مظلمة.
خرج سريعًا حتى لا يقف مع ذلك الوحش.
التوت شفتاه بابتسامة سوداء وهو يدنو منها هاتفًا بصوت جهوري:
- أنتِ إيه؟ لسانك إيه؟ بطوليه ليه؟ هو أنتِ عاوزة تتعاقبي وخلاص؟ لو عايزة قوليلي وأنا هحقق رغبتك!
هدرت "تيجان" بقوة وهي تشير بإصبعيها:
- اسمع بقى، قسمًا بالله لو فكرت تأذيني لأقتلك يا ابن الهامي وأخلص العالم كله من الأشكال اللي زيك.
قبض على فك وجهها بقسوة وهو يقول:
- لسانك ده شكلي هيتقطع على إيدي، وده تخصصي أصلاً، تقتلي مين؟
هتفت بقوة:
- أيوه هقتلك يا ابن الهامي.
ابتسمت بشراسة وهي تتابع بثقة:
- أصل أنا مقولتكش إني قتلت أخو ساهد قبل كده، وقتلته بدم بارد كمان.
اتسعت ابتسامتها مضيفة:
- وأظن اللي يقتل مرة يقتل تاني عادي، يعني إذا كان ده تخصصك فهو تخصصي أنا كمان يا ابن الهامي يا... يا كينج.
رواية لأجلك أحيا الفصل الخامس 5 - بقلم أميرة مدحت
تحرك "وافي" نحو منزل إبن عمه الوحيد "يسر" وقد أكتسى وجهه الألم ولمعت عيناه بوميض الحزن بعدما فقد شقيقته بتلك الطريقة القاسية، والأسوأ هو قسوة والدته وشقيقه الأكبر، طرق الباب طرقات قوية فـ فتح له الأخير سريعًا الذي ما أن رأه حتى قال له بحزن:
كنت عارف إنك جاي.
دخل "وافي" المنزل وهو يقول بتهكم:
-أمي وأخويا ثاقب ولا فارق معاهم موتها، بالعكس ثاقب لو شافها دلوقتي راجعة من الموت هيقتلها ببطء، قال إيه عشان عارنا، مش عارف إيه الكلام ده ولا عارف إزاي هما كده مع بنتهم.
جلس "يسر" وهو يقول بلهجة ذات مغزى:
-ماإنت عارف إللي فيها.
تنهد "وافي" وهو يقول بألم:
-أنا قلبي واجعني يا يسر، واجعني ومش عارف أعمل إيه، ندمان إني مخرجتهاش من البيت ده زمان بعد ما أبويا مات وراحت أمي أتجوزت واحد تاني بعد ما عدتها خلصت.
إبتسم بتهكم مرير متابعًا:
-مش عارف ليه هي كده؟؟.. إحنا معملناش حاجة لدرجة أنها تبقى بالقسوة دي، حتى تيجان كانت لو تطول تشيلها على رموش عينيها كانت هتعمل كده، بس لا حياة لمن تنادي، ومدش فاهم السر غيرها هي وثاقب، لأن معاملتهم هما الأتنين أنيل من بعضها.
صمت قليلاً قبل أن يقول وقد لمعت عيناه بالدموع:
-نفسي أشوفها، نفسي أخدها فـ حضني، وأخرجها من العالم ده، ياريت كنت خدتها وهربنا على أي مكان.
هتف "يسر" بحدة:
-قولتلك زمان خرجها وأنا هشوفلكم مكان تعيشوا فيه، بس محدش سمع كلامي، جاي تندم دلوقتي!!..
لم يُجيبه "وافي" بل أطرق رأسه وقد أنهمرت دموعه الحارقة على وجنتيه، صورتها أمامه بإبتسامتها الواثقة.. الحنونة.. المشاغبة.. الحزينة، يشعر بشء حاد كالسيف يضرب قلبه عندما يحاول أن يتخيل مشهدها وهي تُقتل في ساحة القرية، وعدم تدخل أي مرء لمساعدتها، تسائل بصوت بدا عليه الشرود:
-إنت مصدق إللي أتقال عليها؟؟..
رد "يسر" بلا تردد:
-لأ طبعًا، هو أنا مش عارف بنت عمي؟!.. ده إحنا متربين مع بعض، إزاي هشك فـ أخلاقها؟!!..
هب "وافي" واقفًا وهو يقول بريبة:
-يبقى إيه الحكاية؟؟.. أنا متأكد أنها متعملش كده، يبقى فيه حاجة غلط فالموضوع.
نهض "يسر" وهو يقول مؤكدًا:
-معاك حق، بس تفتكر في إيه؟؟..
صمت طويل ساد بالمكان قبل أن يقطعه "وافي" متسائلاً:
-معقولة إللي بفكر فيه؟؟..
عقد ما بين حاجبيه قبل أن يسأله بقلق:
-وهو إيه إللي بتفكر فيه؟؟..
رد عليه وقد أتسعت عينيه:
-معقولة الموضوع يكون له علاقة بقتل جاسم زمان؟!..
أشار بيده وهو يقول بريبة:
-قصدك على فكرة أن ده إنتقام؟؟.. قصد أن إللي أسمه ساهد ده ممكن يكون له علاقة بـ جاسم؟؟..
حرك رأسه بـ تأكيد مُجيبًا:
-أيوة أنا شاكك فده، بس لازم نتأكد.
قال "يسر" بجدية:
-إسمع يا وافي، أنا معاك فـ أي حاجة، لأن ده حق بنت عمي وشرفها، ولو طلع إللي فدماغك صح يبقى هنجيب حقها حتى لو هناخد روحه، بس لازم في الأول نتأكد أنه له علاقة بالزفت إللي أسمه جاسم ولا لأ، ولو ملوش علاقة يبقى نروحله ونفهم الحكاية بأي طريقة.
هتف "وافي" بحدة:
-إحنا لازم نتحرك دلوقتي، يالا.
******
ظل متسمرًا في مكانه لفترة غير معلومة بعد تلك الكلمات الصادمة التي نطقتها بكل ثقة، قوة غريبة أعترتها على رغم من موقفها الضعيف بدرجة أولى، ولكنها تعاهدت أنها لن تموت له وهي تصرخ باكية بأنها مظلومة ولم ترتكب تلك الجريمة الشنيعة، فهي على ثقة بأنه لن يصغى إليها، لكن إن تعاملت معه بنفس قوته فـ بنسبة كبيرة ستجعله يصغى إليها وبإهتمام.
ملامحه زادت قسوة قبل أن يقبض على خصلات شعرها بعنف فـ تأهوت تلقائيًا، حدق في عينيها مباشرةً قبل أن يقول بصوتٍ هادئ مخيف:
-ركزي معايا كويس، لو قتلتي 100 واحد قدامي حتى أنا مش بتهز، لأني ببساطة أنا الكينج، وإنتي فـ نظر الكل ميتة، يعني ببساطة هقدر أقتلك بكل بطئ، عشان أتلذذ بـ تعذيبك.
جذب رأسها إليه أكثر حتى لامست أنفاسه الحارقة وجهها المتألم رغم جموده مُضيفًا:
-وياريت متطوليش لسانك أكتر ما هو طويل، عشان هتشوفي عقاب مش هتبقي حباه خالص، تمام ولا تحبي تشوفي جزء منه؟؟.
لم تُجيبه بل إبتسمت له بإستفزاز رغم ذلك الألم الذي يجتاحها من كلماته السامة، أرخى يده عنها ثم تحرك نحو الخارج قبل أن يقول للحارس الثاني بلهجة حادة:
-مفيش نقطة مايه ولا حتى أكل يدخلوا لها، سيبوها مرمية زي الكلبة لغاية ما تتعدل وتعرف هي ببتعامل مع مين.
ثم غادر وهو يزفر بغضب جامح وكلماتها تتردد في أذنيه، في حين جلست "تيجان" تحدق في بالفراغ بنظرات خاوية.. راهبة هامسة بدون شعور:
-كأنك يا تيجان أتولدتي ومعاه العذاب، أنا مش خايفة منه، بس أنا متأكدة أن الأيام بتزداد صعوبة وأشرس عن الأول، خصوصًا بعد ما بقيت في إيد الكينج.
******
في مساء اليوم التالي، بعدما بحث كل من "وافي" و"يسر" عن "ساهد"، علما وتأكدا أنه شقيق "جاسم" اللعين، لذلك عقدا العزم على أن يأخذا حق "تيجان" مهما بلغ الأمر، حيثُ أنتظرا مجيئه من الخارج أمام منزله بعدما أصبحا مقنعان كي لا يعرفهما "ساهد"، ويحققا الأنتقام على أكمل وجه، وما إن أقترب من منزله حتى تهجما عليه بوحشية قبل أن يبدأ كل منهما بلكمة لكمات عنيفة قاسية في كل مكان بجسده، أخرج "وافي" سلاح ذو شفرة حادة قبل أن يطعنه في جانبه وهو يقول بغضب:
-دي أقل حاجة هنعملها ليك، بعد إللي عملته فيها يا إبن الـ****.
أشار إلى "يسر" قائلاً بحدة:
-يالا يا يسر، قبل ما حد يشوفنا.
وبالفعل غادرا من المكان بخطوات راكضة حتى لا يراهما لأي شخص، في حين تعلقت أنظار "ساهد" بهما قبل أن يفقد وعيه تدريجيًا.
******
كانت متسطحة على الأرضية الصلبة تضم ركبتاها لصدرها ورغمًا عنها يجافيها النوم من الإرهاق، وبالفعل لم يقدم لها أحد قطرة من المياة، إبتسمت بسخرية وهي تقول:
-على أساس دي أول مرة تحصلي، ده أنا عقابي إني كنت بتحرم من الأكل والشرب، لولا "وافي" هو إللي كان بيحاول يجبلي مايه بأي شكل عشان أعرف أعيش.
لم تشعر بفتح القضبان الحديدية ودخوله إلا حينما وقف أمامها بهيئته المهيبة، رفعت عيناها بتلقائية وهي تبتسم بسخرية هاتفة بإستفزاز:
-أهلاً بالكينج، جاي بنفسك تطمن عليا إذا كنت عايشة ولا لأ؟؟..
رد ببساطة:
-لأ أنا عارف من بدري إنك زي القرد عادي.
كان صدرها يعلو ويهبط من فرط التوتر والغضب، إستمعت إلى جملته الآتية والتي جعلتها تضيق عيناها بريبة:
-لو عرفت إنك صادقة فكل كلمة قولتيها من ناحية ساهد هيبقى ليا عندك عرض، عرض وحيد ومش هيبقى قدامك بديل غير إنك تقابليه.
صمتت "تيجان" قبل أن تقول بتمعن غريب:
-من نظراتك بتقول إنك هتشتريني.
أتسعت إبتسامته قائلاً بهدوئه المتنكر:
-حاجة زي كده، بس سبيها لوقتها.
جحظت عيناها وهو يتابع بمكر:
-أصل أنا ليه أحرم نفسي من المتعة شوية؟؟..
هبت واقفة وهي تصرخ صرخة عالية حادة قائلة:
-آه يا سافل يا حقير، قسمًا بالله لأقتلك فيها وآآ..
شهقت بعنف حينما غرز أصابعه في كتفها بعنف وبدأ يصرخ فيها بصوتٍ خشن عالي:
-إتلمي بقى، أنا ماسك نفسي من ناحيتك بالعافية، إنتي مخلتنيش أكمل كلامي أصلاً عشان تطولي لسانك السليط ده عليا.
هتفت بدون وعي منها وهي تقول بغضب أستفزه:
-مفيش داعي أسمع باقي كلامك، إنت مش طلعت بس قاتل، لأ ده إنت طلعت بتاع نسوان، وهتشتريني إكمني حلوة شويتين.
ضغط على ذراعها بقسوة أكسر حتى أنه كاد أن يحطمه، فـ صرخت متألمة، هتف "أصهب" بهدوء مخيف:
-لسانك طويل أوي يا تيجان، وأنا مش لازم أشتريكي، أنا ممكن أنفذ رغباتي هنا حالاً ومحدش هيحس بيكي.
صرخت بعصبية:
-إبعد عني.
هتف بنظراته الشيطانية المظلمة:
-مش قبل ما تاخدي عقاب صغير عشان طوله لسانك وتتأكدي إني مش لازم أشتريكي.
بعد أن أنهى جملته الأخيرة، أخفض رأسه قليلاً ولازالت نظراته المظلمة المخيفة في عينيه، أنقض على شفتيها بـ قُبلاته القاسية.. الشرسة.. المؤلمة، أرتجف جسدها بقوة وأنهمرت دموعها بعدما شعرت بعجزها أمام قوته وهي تضربه بقبضتيها، هي تعلم أنها بالغت قليلاً ولكن لم تتوقع أن عقابه سيكون شرسٍ هكذا.
إبتعد عنها "أصهب" فجـأة قبل أن يقول بشراسة وبأنفاس لاهثة:
-أنا مكنتش حابب أتعامل معاكي بالأسلوب ده، بس تأكدي المرة الجاية مش هيحصلك طيب يا تيجان، وإلا مبقاش أصهب الهامي.
رواية لأجلك أحيا الفصل السادس 6 - بقلم أميرة مدحت
والحادي عشر 11
تلك الليلة لم يزوره النوم، بل ظل جالسًا على المقعد بجوار فراشها، يحدق بملامحها المُستكينة الواهنة، أفكار كثيرة تراوده، إذا تم كشف الحقيقة، سيواجه الكثير من الصعوبات أهمها جده ووالدته.
سيعلم جده أنه لم يقتلها، فـ بالتالي لم يُقتل أي أمرأة أرتكبت تلك الجريمة، ستتحول الأمور إلى عواقب وخيمة، ولكن يجب عليه أن يواجه الجميع بالحقيقة، فإن كان قتلها وهي الضحية، وأكتشف ذلك لاحقًا، ماذا كان سيفعل؟!..
نهض عن مقعده متوجهًا نحو ركنٍ بعيد، ألتفت برأسه ينظر إليها وهو يقول بشرود:
-لأول مرة أبقى حاسس أني قدام بني آدمة صادقة.
سحب نفسًا عميقًا وهو يتابع:
-إنتي فاكرة إنك أول ما تكشفي الحقيقة يبقى كل حاجة أتحلت، هو فعلاً هيبقى أتحل ليكي، لكن المصايب مش هترحمني ولو يوم واحد.
إبتسم بتهكم وهو يُضيف:
-ده مش بعيد جدي يقتلني فيها، ما هو ده القانون.
أطرق رأسه قبل أن يقول بسخرية:
-ست سنين وأنا مفهمه إني بنفذ القانون، لازم يعمل فيا كده.
صمت قليلاً قبل أن يقول بحسم:
-بس لازم أأمنلك حياة كويسة وفيها أمان بعيد عن أمك وأخوكي ثاقب، أنا هكلم وافي وإبن عمه، وهتفق معاهم على كل حاجة، لأني أتأكدت أن دول إللي بيحبوكي بجد.
أظلمت عيناه لظلامٍ دامس وهو يتمتم بقسوة:
-وساهد هدفعه التمن غالي أوي.
******
في صباح اليوم التالي، خرج "الهامي" من غرفته بخطى هادئة هابطًا إلى الأسفل، حدج الجميع بنظراتٍ قاسية، ضيق عينيه بريبة وهو يلقي نظرة على ساعة يده، قبل أن يهدر بصوته الصارم:
-راجي، راااااااجي.
أتى بخطوات راكضة وهو يتمتم بقلق:
-إيه؟؟.. في إيه يا بابا؟؟..
تسائل بصوتٍ حاد:
-فين أصهب؟؟.. المفروض يكون معانا دلوقتي، هو مرجعش البيت من إمبارح ولا إيه؟؟..
رد عليه بهدوءٍ:
-جايز يكون عنده حاجة ضرورية، و..
قاطعـه بصرامة مخيفة:
-مينفعش الكلام ده، إبنك لازم يكون هنا في ميعاده، وبعدين هو بيختفي بيروح فين؟؟..
صمت "راجي" بتوتر، فتابع "الهامي" وهو يشير بإصبعيه:
-إسمع يا راجي، لما إبنك يجي تقوله يجيلي، عشان أفهم سيادته بيروح فين؟؟.. لأن الموضوع زاد عن حده.
طأطأ "راجي" رأسه وهو يقول بهدوءٍ زائف:
-حاضر، أول ما يوصل هبعته عندك على طول.
رمقه بنظرة أخيرة ضاجرة قبل أن يرحل من أمامه، تابعه الأخير بنظراته الغامضة مُبتسمًا بتهكم، زفر بضيق وهو يرى قدوم "شهيناز" وعلى وجهها إبتسامة مثيرة للأستفزاز، وقفت أمامه عاقدة ساعديها أمام صدرها وهي تسأله بسخرية:
-إيه مالك؟؟.. مش طايق نفسك كده؟؟..
هتف بضيق كبير:
-عايزة إيه يا شهيناز؟؟..
تنهدت وهي تقول بهدوءٍ:
-كنت عاوزة أقولك، إيه رأيك فـ جايدا؟؟..
عقد ما بين حاجبيه وهو يُجيب:
-مين دي أصلاً؟؟.. وبعدين رأيي فيها إيه؟؟..
دت عليه بحنق:
-دي بنت عُلا صاحبتي، إيه رأيك لو جوزناها لإبننا أصهب؟؟.. قيمة ومركز وجمال وكل حاجة.
أمتعضت ملامحه بشدة وهو يقول:
-لأ طبعًا، دي بنت صايعة، وأنا مش موافق، ولا أصهب هيوافق عليها أبدًا، قال جايدا قال.
قالت "شهيناز" بغضبٍ:
-ومالها بقى؟؟.. وبعدين أصهب يقول لأ إيه، طيب يه رأيك أنه هيوافق يتجوزها أول ما أعرض عليه الموضوع.
أتسعت إبتسامته الساخرة وهو يتمتم:
-أبقي قبليني.
غادر من أمامها وهو يغمغم بكلماتٍ غير مفهومة، تابعته بغيظٍ شديد وهي تحرك رأسها بالسلب، جلست على أقرب أريكة وهي تقول بحزم:
-لأ، أنا هجوزهاله، ويبقى يوريني هيقولي لأ إزاي.
******
تأهوت فجأةً بتعب وهي تحاول أن تعتدل في جلستها، وجدته ينهض من مقعده وهو يدنو منها قائلاً بنبرة قوية:
-براحة، حاولي متتحركيش كتير، عشان التعب ميزدش، وإنتي شكلك مش ناقص.
أومأت برأسها إيجابيًا قبل أن تهمس:
-شكرًا.
جلس على طرف الفراش وهو يقول بثقة:
-ماتقلقيش، كله هيبقى تمام، أول ما حقيقته، هجيبلك حقك، وهأمنلك حياة كويسة بعيد عن أهلك.
هتفت بتلهفٍ:
-عاوزة أرجع لأخويا وافي، وإبن عمي يسر، هما الأتنين بيحبوني جدًا.
أكفهرت ملامحه وهو يقول بضيق:
-يسر.
حركت رأسها بتأكيد قائلة:
-أيوة، أنا نفسي أطمنهم عليا، أنا عارفة أنهم مش هيسكتوا لساهد وآآ.
قاطعها بنبرة جادة:
-هما فعلاً مسكتوش.
أتسعت عيناها بخوفٍ وهي تسأله:
-قصدك إيه؟؟.. قتلوه؟؟..
زفر بحرارة قبل أن يجيب بهدوء:
-لأ، هما بس ضربوه، وأخوكي ضربه بالسكينة، وطبعًا ساهد أعترف عليهم، بس هقوله مقدرش أعمل حاجة غير بالدليل.
تنهدت بإرتياح قبل أن تسأله بحيرة:
-إنت إيه إللي غيرك فجأة كده؟؟.. وخلاك عاوز تساعدني؟؟..
رد عليها بصوتٍ عميق:
-أول مرة من زمان أشوف قدامي بني آدمة صادقة، أنا مش بتعامل مع ستات، يوم ما بتعامل معاهم، ببقى رايح أسجن واحدة فيهم عشان الجريمة إللي عملتها، لكن إنتي لما كنت رايح أسجنك، صدقك كان سر قوتك.
بدا عليه الشرود وهو يتابع:
-أوعي تفتكري أنا معقد من النساء أو الكلام الفارغ ده، بس القانون إللي ماشي من أيام جدي وهو قتل كل زانية، كنت مجبر أعمل إللي بعمله ده، لقيت ليه أقتل!!.. ليه أنام بعد ما غسلت إيدي من الدم، عشان كده بسجنهم أرحم، وعقابهم 100 جلدة، وأنا مش ببقى فرحان إني بعمل ده.
إبتسامة قاسية أرتسمت على وجهه وهو يقول:
-أنا بقيت بنفذ العقاب ده، بعد موت صاحبي، بعد ما أكتشف خيانة مراته، ولما حصلت مواجهة ما بينهم، ساب البيت وبعدها مات فحادثة عربية، دي كانت المفروض تتقتل، وأنا رحمتها بالسجن.
تسائلت بحذر:
-طيب مش في منهم إللي بيتوب؟؟..
حرك رأسه وهو يقول بجدية:
-بيبان عليهم، وفالحالة دي باخدها وأخرجها ومن القرية كلها، بديها مبلغ تبدأ بيه حياتها، بس لازم تكون قضت كذا سنة فالسجن.
تسائلت بإهتمام:
-وأنا وضعي هيكون إيه؟؟..
رد عليها بجمود:
-هاخدك عند ساهد، والناس كلها هتعرف إنك عايشة بعدها، هردلك كرامتك وأجيب حقك منه.
أعتدلت في جلستها وهي تسأله بقلق:
-طب وإنت؟؟..
أشار بيده قائلاً بصرامة:
-ملكيش دعوة بيا أنا، المهم دلوقتي تجاوبي على سؤالي.
سكتت لحظةً قبل أن تسأله بريبة:
-سؤال إيه؟؟..
صمت طويل ساد بالمكان قبل أن يتسائل بصوتٍ صارم:
-قتلتي أخو ساهد ليه؟؟.. جـاسم.
رواية لأجلك أحيا الفصل السابع 7 - بقلم أميرة مدحت
والثالث عشر 13
حدقت فيه طويلاً قبل أن تطرق رأسها بإضطراب، ذكرياتها في البداية جميلة ولكن أنقلب الأمر فجأة، تحولت أحلامها الوردية إلى كابوسٍ أسود، نغزة قوية ضربت قلبها قبل أن تبدأ في الإجابة حيث قالت بهدوءٍ زائف:
-جاسم يبقى الأخ الأكبر لساهد، فرق السن كان 8 أو 9 سنين تقريبًا، رغم كده كنت معجبة بيه وهو كان بيحبني!
تسائل بصوتٍ عنيف ونارًا قد أشتعلت في صدره:
-وإيه إللي خلاكم تبعدوا؟؟..
ردت عليه بتوتر:
-في يوم جالي ظابط من مكافحة المخدرات وطلب مقابلتي، وقتها مكنش في حد فالبيت غيري أنا ووافي أخويا، كلمنا عن جاسم وعرفنا أنه تبع عصابة كل شغلها في تجارة المخدرات، وهما مش عارفين يمسكوا عليه دليل واحد، ولازم يقبضوا عليه متلبس، ومش لوحده.. مع راس الكبيرة كمان.
ضيق "أصهب" عينيه بإهتمام، فـ تنهدت بحرقة وهي تتابع:
-مصدقتش، مكنتش قادرة أصدق، أنا مكنتش حبيته أوي وقتها، بس كنت حاسة بإنجذاب من ناحيته، يمكن ده السبب إللي خلاني أبقى معاهم فـ الآخر، كنت تايهة، وأنا براقبه وهو ماسك الموبايل، ولمجرد أنه يمشي أو يعمل حاجة، أمسك موبايله وأخد الرقم أو أشوف الرسايل، كنت بساعدهم فكل حاجة هما عاوزينها وبيطلبوها مني.
إبتسمت بتهكم مرير وهي تقول:
-لغاية ما جه اليوم إللي أتقبض عليه متلبس، وإللي عرفته أن راس الكبيرة محدش عرف يمسكه، لكن مسكوا الشخص إللي كان يعتبر دراعه اليمين، عرف طبعًا إن أنا إللي بلغت عنه، وأنا مكنش فارق معايا بصراحة، أنا قولت لنفسي أني خلصت الناس من شر راجل زي ده.
لمعت عيناها بأسى وهي تضيف بخوفٍ طفيف:
-بعدها بكام يوم، جالي تليفون من الظابط أنه هرب، وهو قلق ليكون فـ نية جاسم أنه ينتقم مني، وفعلاً جالي، بس اليوم ده أهلي كانوا مسافرين، ماعدا إبن عمي ووافي، الأتنين كانوا فـ مشوار مع بعض، جه البيت عندي عشان يقتلني، كان فإيدي السكينة بس كنت مرعوبة!!..
حركت رأسها بعدم تصديق وهي تهتف بنبرة مهتزة:
-إزاي أقتل بني آدم؟؟.. مقدرش أعملها، فقولت الهرب أحلى، وهخلي السكينة معايا أحتياطي، أول ما خرجت من البيت فضلت أجري لكن هو كان أسرع مني ومسكني، محستش بنفسي وقتها غير وأنا بقتلــه.
رفعت ذقنها قليلاً وهي تقول في شئ من الألم:
-أنا عمري ما ندمت أني قتلته، بالعكس لو رجع بيا الزمن هقتله تاني وتالت ورابع، إنسان زي ده مينفعش يعيش، أفتكرت أن الموضوع أنتهى، أفتكرت أن ربنا عوضني بـ ساهد لما ظهر بعدها بـ أربع شهور، رسم عليا الحب، وأنا صدقته، أنا كنت أسعد إنسانة فالدنيا لما لقيت حد بيحبني!!..
حدجها بنظراتٍ دافئة وهو يحثها بهدوء على التكملة قائلاً:
-كملي، ليه ما صدقتي إنك تلاقي الحب؟؟..
وضعت يدها على قلبها مجيبة بشرود:
-لأن أفتقدت الكلمة دي بعد ما بابا مات، بابا كان بيحبني أوي، علمني معنى الكلمة دي، بس ملحقتش أتعلم منه حاجة تانية، سابني في الدنيا دي وأنا عندي 12 سنة، علاقتي بأمي وحشة، معرفش السبب لغاية دلوقتي، وأخويا ثاقب راجل شديد مش بيسمعني من أساسه، اللي كان حنين معايا حنية الدنيا هو وافي، وإبن عمه يسر.
قاطعها "أصهب" فجأة بغضبٍ:
-متجبيش أسم يسر على لسانك وإلا هقطعهولك.
أتسعت عيناها بذهول وهي تصرخ بعصبية:
-يعني إللي أنا بحكيه ده كله، تسيبه فـ الآخر وتقول مجبش أسم يسر، ليه يعني؟؟..
هدر "أصهب" بشراسة:
-هو كده، لو سمعت أسمه بيتقال هاروح أموته، عشان أرتاح منه وأخلص بقا.
رفعت "تيجان" حاجبيها للأعلى وهي تقول بغضب:
-لأ إنت شكلك مش طبيعي، يسر ده يبقى آآآ..
هتف بصرامة مخيفة:
-مش عاوز أسمع إسمه، إنتي مش بتفهمي؟؟..
هب واقفًا وهو يُضيف بغضبٍ جامح:
-أنا هقوم لأحسن أموتك إنتي، ونامي بقا، ناااامي.
قال كلماته الاخيرة وهو يتحرك بخطى سريعة نحو الباب ليلج إلى الخارج، أنتفضت "تيجان" من مكانها حينما صفق الباب خلفه بعنف، فغرت شفتيها بصدمة وهي تهمس بخفوت:
-الكينج أتجنن؟؟.. أيعقل؟!..
******
بعد مرور فترة وجيزة، أضطر "أصهب" أن يعود إلى منزله لمُقابلة جده، بعدما هاتفه والده يخبره بغضب "الهامي"، وصل إلى غُرفة نومه، فـ طرق الباب بهدوءٍ وعقله يدور في نقطة ما تتعلق بمصيره، ما أن سمع رده حتى دخل وهو يقول بلهجة قوية:
-مساء الخير يا جدي، ياترى كنت عاوزني فإيه؟؟..
سأله "الهامي" بحدة عالية:
-كنت فين يا أصهب النهاردة وإمبارح؟؟..
رد عليه بثقة غير قابلة للشك:
-كنت بدور ورا إللي ضربوا ساهد بالنار، عشان نجيب حقه.
صمت قليلاً قبل أن يقول بصيغة آمرة:
-بعد كده تتصل بيا وتقول إذا كنت هتتأخر ولا لأ، إللي حصل ده ميكررش تاني، مفهوم؟؟..
حرك "أصهب" رأسه بالإيجاب، وعيناه القاسية تشتد ظلامًا، هتف "الهامي" بجدية بالغة:
-إيه رأيك فـ جايدا، بنت صاحبة مامتك؟؟..
أمتعضت ملامحه بشدة وهو يقول:
-أعوذ بالله، بنت رخمة.
عقد "الهامي" ما بين حاجبيه وهو يقول بحدة:
-إيه إللي بتقوله ده؟؟..
هتف "أصهب" بنبرة قوية ونظراتٍ مُظلمة:
-أسمع يا جدي، أنا طول عمري بسمع كلامك، لكن إلا الجواز، إلا الجواز.
قال جده بنبرة خشنة:
-إنت بتعارضني؟؟.. إنت مش أدي يا أصهب.
رفع "أصهب" ذقنه وإبتسامة قاسية زينت وجهه قائلاً:
-أنا تربيتك، يعني أنا مش بخاف من أي مخلوق، قلبي ميت فمش هخاف أبدًا، وزي ما كنت دايمًا بقولك حاضر، بس في الجواز هقول لأ، لأن أنا إللي هختار.
قبل أن يهدر جده بصوته الجهوري، كان سبقه "أصهب" بإبتسامة مثيرة للإستفزاز:
-ومعلش لازم أسيبك عشان ورايا مشاغل، هتأخر النهاردة فـ محدش يستناني، سلام.
غادر من أمامه في لمح البصر، إبتسم "الهامي" إبتسامة مخيفة وهو يقول بنبرة واثقة:
-متقدرش يا أصهب تقف قدامي، تقدر تقف قصاد أي مخلوق لكن إلا أنا.
******
-يا أمي هتفضلي لحد إمتى مش عاوزة تكلميني ولا عينك تيجي فـ عنيا؟!!. أنا تعبت يا أمي والله؟؟..
قالها "ساهد" بلهجة حزينة وعيناه تلتمع من الدموع، أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهي تبكي بصمت، جثى على ركبتيه أمامها وهو يقول بصوتٍ متحشرج:
-يا أمي إنتي عارفة إني عملت كده عشان أنتقم منها، مش عشان حاجة تانية.
أغمضت عينيها وهي ترفض الإستماع إليه قبل أن يقول بألم:
-يا أمي إنتي عارفة أن قلبي أتحرق لما شوفت أخويا بيتقتل، وأكبر ألم هو إني كنت فيوم من الأيام معجب بالبنت دي، قبل ما أخويا الله يرحمه كان يشوفها.
فتحت عيناها تحدق فيه بنظراتٍ خالية من الحياة، قالت بصوتٍ شارد:
-إللي هقوله ده هيخليك تعيش عمرك كله متدمر، بس إيه يعني تدمر؟؟.. ما أخوك قبل ما يموت دمرني، وإنت دمرتني لما عملت كده فالبنت دي.
ضيق عينيه بريبة متسائلاً:
-عاوزة تقولي إيه يا أمي؟؟..
ردت عليه بتهكم مرير:
-تيجان كانت معجبة بأخوك قبل ما يجي البوليس عندها ويوروها حقيقة جاسم، ولما عرفت ده قررت تساعدهم فالقبض عليه، وفعلاً أتقبض عليه متلبس، ولما هرب، عمل كده عشان يقتلها، فـ قتلته هي، وطبعًا الحكومة برائتها لأنه كان قتل للدفاع عن النفس.
هب "ساهد" واقفًا وهو يصرخ بغضب جامح:
-إيه إللي بتقوليه ده؟؟.. أخويا آآآ
قاطعته بقوة لأول مرة:
-أخوك كان بيشتغل مع عصابة في تجارة المخدرات يا ساهد، وهو كان عاوز يقتل تيجان، إنتقامًا منها.
رواية لأجلك أحيا الفصل الثامن 8 - بقلم أميرة مدحت
والخامس عشر 15
جحظت عيناه بذهول وهو يحدق في والدته بنظراتٍ مصدومة، حرك رأسه بالسلب وهو يشعر بأنه بداخل دوامة كبيرة، أدمعت عيناه وهو يهتف بألم:
-إيه اللي بتقوليه ده يا أمي؟؟.. إنتي عارفة إنتي بتقولي إيه؟؟.. جاسم مش كده، جاسم أخويا لا يمكن يبقى كده.
إبتسمت بتهكم وهي تقول بثباتٍ زائف:
-في ألف طريقة تقدر تتأكد من اللي بقوله.
صرخ "ساهد" بعصبية:
-ليه مقولتيش الكلام ده من الأول، ليــــه ملحقتنيش!!!!!.. ليه يا أمي؟؟.. ليه تعملي فيا كده، ليه تحمليني ذنب وجريمة أنا مش أدها!!!..
هدرت "نجوى" بغضبٍ جامح:
-أنا مكنتش فاهمة حاجة يوم ما تقبض عليه، معرفتش غير لما هي جتلي ومعاها ظابط اللي قالها على كل حاجة، جت تحاول تشرحلي كل حاجة، للأسف مكنتش قادرة أصدق، وإنت رجعت من السفر يوم اللي هرب فيه وحاول يقتل تيجان، بس فالآخر هي قتلته، إنت شوفتها من بعيد، وملحقتش تعرف الحقيقة!!!..
أشارت بيدها وهي تقول بحرقة بعدما هبطت دموعها:
-كنت عوزاك متعرفش عن حقيقة أخوك، كنت مش قادرة أستوعب موته في البداية، ناسي إني فقدت النطق بعد موته لمدة 9 شهور!!!!.. ومش بتحرك من مكاني يعتبر من كتر الصدمة اللي عشتها!!!!..
كفكفت دموعها بظهر يدها وهي تتابع بألم شديد في روحها:
-الفترة دي أنتهزت إنت الفرصة وفضلت تقرب منها، ولما رجعلي النطق وبقيت بتكلم، قولت بلاش أقولك على إللي حصل عشان متشوفش أخوك بالصورة السيئة دي، وبعد ما بقيت بعرف أتكلم بشهر لقيتك بتبلغني بإنتقامك، وقفت قصادك وقولت لأ.
إبتسمت بتهكم وهي تحدجه بنظراتٍ غاضبة:
-بس خدتني على أد عقلي، وقولت مش هعمل كده، وفـ الآخر بعدها بكام يوم أسمع الخبر من أهل القرية بإللي حصل لتيجان!!!..
رمقها بألم وهو يتراجع للخلف، هز رأسه بعدم تصديق وهو يقول:
-إنتي بتحمليني أنا الغلط!!.. يعني أنا إللي غلطان.
مسح على وجهه بقوة وهو يهمس بجنون:
-أنا فعلاً غلطان، أنا قتلتها!!.. أنا إللي قتلتها، سلمتها للموت بإيديا!!!
تحرك بخطى متثاقلة وهو يهمس بتلك الكلمات بجنون، تلك الصاعقة التي أخذها فجأة جعلته في حالة من الصدمة، تابعته "نجوى" بعينين دامعتين قبل أن تهمس بشرود:
-يارب خدني قبل ما أشوف إبني التاني وهو بياخد عقابه بعد الجريمة إللي عملها!!.. لأني مش هستحمل خلاص.
*****
تابعته بنظراتٍ ممعنة وهي تراه يتوجه نحو الأريكة حتى يمدد جسده عليها، شعر بنظراتها فإلتفت بوجهه نحوها يحدجها بعينين قاسيتين، رفعت حاجبيهــا للأعلى وهي تبتسم له ببلاهة، ضيق "أصهب" حاجبيه وهو ينظر لها بغرابة، تسائل بصوتٍ خشن:
-بتبصيلي كده ليه؟؟..
ردت "تيجان" عليه بهدوء:
-مستغربة بس، شخصية زيك إزاي تصدقني، أنا أوقات بقلق منك وبحس إنك بترتب ليا حاجة تأذيني، وأوقات بحس أنك مهتم بـ إظهار برائتي، فإنت إيه منهم؟؟..
سحب "أصهب" نفسًا حادًا وهو يقول بضيق:
-أنا شخصيًا مش عارف، وقلقان من نفسي، مش فاهم ليه بعمل كده وبساعدك، بس إللي أقدر أقوله إني مش هسيبك إلا وإنتي رافعة راسك قدام الناس كلهم، وحقك تكوني خدتيه.
تنهد وهو يُضيف بقوة:
-ده إللي أقدر أعمله، فـ ماتقلقيش يا تيجان، إنتي هتفضلي فـ أمان، وهفضل فضهرك لغاية ما هسلمك لأخوكي.
إبتسمت إبتسامة جميلة وهي تقول برقة:
-ربنا يخليك يا أصهب، شكرًا على كل إللي هتعمله عشاني.
أرتبك "أصهب" حينما ألتقطت أذنيه أسمه من بين شفتيها، لأول مرة يشعر بجمال نطق أسمه، أطرق رأسه وهو يشعر بنبضات قلبه التي تتزايد بعنف، ضيق حاجبيه وهو يهمس بإضطراب:
-هو في إيه؟؟.. إيه إللي بيحصل ده؟؟..
*****
جلس "ساهد" أمام قبر "تيجان" يحدق فيه بعينين مذهولتين، حرك شفتيه بصعوبة وهو ينطق إسمها، ألم أجتاح قلبه فـ طأطأ رأسه يبكي بصمتٍ، وجد نفسه يبكي بكاءً حارًا، قبل أن يهتف بصوتٍ متحشرج:
-أنا آسف يا تيجان، أنا عارف إنك مش هتسامحيني، إيه إللي أنا عملته فيكي ده؟؟.. أنتقمت منك من غير سبب، أذيتك وسلمتك للموت بإيديا من غير ذنب!!..
تقوس فمه بإبتسامة مريرة قبل أن يقول:
-أنا مش عاوزك تسامحيني، لأن أنا مضربتكيش على إيديكي، لأ أنا سرقت أعز حاجة تملكيها وسلمتك للموت، دوست على حبي ليكي في البداية عشان أعرف أنتقم.
أعتدل في جلسته وهو يُضيف بصوت خالٍ من الحياة:
-أنا هفضل هنا، قاعد قدام قبرك، هستنى عقابي على اللي عملته، عاوزك تشوفيني يا تيجان وأنا بتعاقب، لازم أدفع تمن غلطتي، لازم.
*****
بعد مرور خمسة أيام، وقفت "تيجان" أمام المرآة تحدق في نفسها بنظراتٍ شامخة، رفعت ذقنها قليلاً وهي تبتسم في شئ من القسوة، حاولت أن تتخيل مشهد "ساهد" حينما يراها تقف أمامه بشموخها المعتاد، ولا تزال على قيد الحياة، رفعت عينيها قليلاً في المرآة حينما وجدت "أصهب" يقترب منها بخطى هادئة، يضع يديه بداخل جيبي بنطاله الأسود، حدجها بعينين مُظلمتين قبل أن يتمتم:
-في حاجة لازم تعرفيها.
أستدارت له وهي تسأله بإهتمام:
-خير؟؟..
رد عليها بعد صمتٍ طويل بصوته العميق:
-أنا مخلي حد يراقب ساهد من ساعة ما دخل المستشفى، وإللي عرفته أنه بقاله 6 أيام دلوقتي قاعد قدام قبرك، مرة يعيط وأوقات كتير يفضل يبص على قبرك وكأنه فعالم تاني.
أتسعت عيناها بصدمة وهي تبتسم بسخرية قائلة:
-نعم؟!!.. معناه إيه الكلام ده؟؟..
رد "أصهب" عليها بثقة:
-أنه عرف كل حاجة، والندم بياكله.
صمت طويل حلّ على المكان، ونظراته القاسية تتلقى إشارات من نظراتها الميتة، إبتسمت بألم وهي تتسائل:
-يعني صدقتني خلاص؟؟..
أجاب بهدوئه البارد:
-كنت مصدقك، بس كده أنا أتأكدت، لو عاوزة توجهيه، مش همنعك.
حركت رأسها إيجابيًا وهي تقول بقوة:
-هقابله.
إبتسم لها بزواية فمه وهو يفكر في أمرًا ما، هتف بعد ثوانٍ وهو يشير بعينيه القاسيتين:
-جاهزة؟؟..
حركت رأسها بإيماءة خفيفة قبل تتحرك بخطوات هادئة نحو الباب، تابعها "أصهب" وهو يخبر ذاته بصوتٍ شارد:
-أستعد يا أصهب للجحيم اللي هتشوفه.
****
ظل جالسًا أمام قبرها، ذقنه غير حليقة، عينيه حمراوتين، ملامحه باهتة وواهنة، شعر بخطوات من خلفه فلم يعيرها أي إهتمام، ولكن ذلك الصوت الذي يحفظه جعله يلتفت برأسه سريعًا:
-إيه أخبارك بعد ما حققت إنتقامك؟؟..
خفق قلبه بعنف وعينيه تتسع أكثر وأكثر، وقف ببطء شديد وهو يحاول تصديق ما يراه، هي تقف أمامه بشموخها مبتسمة له بثقة بالغة، دنا منها وهو يهمس بصدمة:
-إنتي عايشة؟؟.. تيجان ده إنتي بجد!!..
إبتسمت له بقسوة قبل أن تخرج سلاحها وتصوبه نحوه ببرودٍ قاتل، لم تتغير نظراته بل إبتسامة واهنة شقت شفتيه وهو يقول:
-الحمدلله إنك عايشة، بس إزاي ده حصل؟؟..
ردت عليه "تيجان" بثبات:
-أنا رجعت من الموت عشان أخد روحك.
لم يتحرك من مكانه، في حين ضغطت "تيجان" على الزناد بغلٍ كبير، بينما هو أغمض عينيه وفتح ذراعيـه كي يستقبل تلك الرصاصة التي ستريحه من هموم الحياة،
رواية لأجلك أحيا الفصل التاسع 9 - بقلم أميرة مدحت
ثوانٍ مرت منتظرًا أن يختبر شعور الرصاصة حينما تخترق الجسد، ولكن لا وجود لأي ألم، فتح عيناه ببطء وهو ينظر حوله ليجدها تنظر له بجمودٍ مخيف، ولا تزال مصوبة السلاح نحوه، أخفض أنظاره على جسده فلم يجد أي شيء، عاود النظر إليها ليجدها تقول بثقة:
-كان ممكن أموتك يا ساهد، لكن مش أنا إللي أعمل كده.
إبتسامة ألم رسمها على ثغره وعيناه قد أدمعت، دنى منها عدة خطوات وهو يقول:
-والله ما كان قصدي إني أعمل كده، كنت عاوز حق أخويا، لكن والله ما كان قصدي، أنا ندمان، قلبي بيتحرق من الوجع، إنتي مش متخيلة روحي بتتقطع إزاي، أتخدعت فأخويا وظلمتك فالآخر!
رفعت ذقنها قليلاً وهي تقول بقوة:
-وأنا روحي ماتت يوم ما رمتني بفستان فرحي فوسط القرية كلها، وإللي رايح وإللي جاي شايفني بنظرة عمري ما تخيلت أن حد هيبصلي بيها.
تابعت "تيجان" بكرهٍ:
-إنت لسه هتدوق يا ساهد، العذاب لسه هتشوفه، حقي هيرجعلي وهشوفه بعينيا وهو بيتاخد منك، هشوفك وإنت بتدمر زي ما دمرتني.
حرك "ساهد" رأسه بإيماءة خفيفة وهو يقول بإبتسامة باهتة:
-وأنا من يوم ما عرفت الحقيقة، مستني العقاب إللي هاخده، مستني أشوف جزاء على حكم تسرعي وإني أنتقمت منك على حاجة إنتي بريئة منها.
صمت طويل ساد بالمكان قبل أن تتسع عيناي "ساهد" بذهول وهو يرى ظهور آخر شخص توقع حضوره، تحرك "أصهب" في إتجاهه وهو يبتسم له بقساوة، نزع نظارته الشمسية لتظهر عيناه السوداء كالظلام الدامس، وقف أمامه يتمعن في وجهه ثم قال بتهكم:
-غلط غلطة كبيرة إنت مش أدها، طبعًا عارف إنك هتدفع التمن؟!..
أومئ "ساهد" رأسه بهدوء وهو يجيب:
-أيوة يا أصهب باشا، عارف ومستعد.
نظراته النادمة جعلت الحدة التي في عينا "أصهب" تقل تدريجيًا، تنهد بعمق قبل أن يلتفت بوجهه نحو "تيجان" ثم قال بصيغة آمرة:
-يالا يا تيجان، ده الوقت إللي ترفعي فيه راسك لفوق، والكل يعرف إنك بريئة ولسه عايشة.
حركت "تيجان" رأسها بالإيجاب، فتابع "أصهب" وهو يحدق بنظراته الحانقة نحو "ساهد":
-وإنت يالا قدامي، هتظهر قدام الناس كلهم وهتقول الحقيقة للكل، فاهم؟؟..
إبتسامة ألم رسمها على ثغره وهو يونئ له بعينيه النادمتين، ثم تحرك من أمامه كي يخرج من المكان، سار "أصهب" خلفهما بعد أن أرتدى نظارته الشمسية السوداء، وضع يديه بداخل جيبي بنطاله مفكرًا بعمق ما سيحدث بعد قليل.
لاحقًا، همسات وشهقات أرتفعا بالمكان، ونظرات الجميع المدهوشة والمصدومة تلاحق كل من "أصهب" و"ساهد" و"تيجان"، حتى وصلوا إلى ذات المكان التي سقطت فيه مُنذ أيام بثوب زفافها.
قبض "أصهب" على يد "تيجان" ورفعها قليلاً قبل أن يصدح بصوته الجهوري الصارم:
-كل واحد شاف الحقيقة المزيفة، عرفت الحقيقة متأخر، فإنتوا كمان لازم تعرفوها، وهي أن تيجـــان بريئة من كل ذنب، وأنها دفعت التمن من غير ما تكون عملت حاجة!
ترك يدها ثم تحرك نحو "ساهد" الذي نكس رأسه بألم وخشيًا أن يرى نظرات الإحتقار في أعين أهل قريته، تابع بصوته المخيف الغاضب:
-ساهد عمل كده عشان ينتقم، إنتقام أهبل ومش موجود من أساسه، وهو قدامكم أهو، لو بكدب يعلي صوته ويقول أنه محصلش.
أنتظر كل الحاضرين كلمة منه، وما أن فتح "ساهد" فمه حتى قال بصوت لا حياة فيه:
-كل كلمة بيقولها الكينج صح، كان إنتقام وفالآخر طلعت مظلومة منه وأنا الظالم.
بعضٍ منهم رمقوه بنظرات إحتقار والآخر نظرات حانقة وغاضبة، طأطأ رأسه وهو يقول:
-أنا مستعد لأي عقاب، مستعد.
تحولت عيناي "أصهب" إلى جمرتين من النار وهو يضيف للجميع:
-وبالنسبة لسؤالكم التاني وهو إني إزاي تيجان عايشة، فـ بإختصار الرصاصة اللي ضربتها، تعمدت أنها متصبش أي مكان فيه خطورة على حياتها، أنا مش بقتل أي زانية، مفيش ولا واحدة على مدار السنين إللي فاتت قتلتها، يعني هما حتى الآن عايشين.
شهقات أرتفعت بالمكان قبل أن يتابع صائحًا بقوة وتهكم:
-لكن عقاب بياخدوه، وأي واحدة هترتكب الجريمة دي هتتعاقب، إزاي بقا؟، هتبقوا تعرفوا لما تلاقوا واحدة عملت الجريمة دي.
تهامس الجميع بصدمة على ما يحدث، أضاف "أصهب" بلهجة مخيفة وهو يشير بإصبعيه:
-لو سمعت فيوم أن حد لمس تيجان بكلمة كده ولا كده هيشوف مني أيام سودة، تيجـــان أشرف وأنضف حد ممكن تقابلوه فـ حياتكم، فاهمين؟؟..
حرك الجميع رُؤوسهم ولازال الصدمة تاركة أثر على تعبيرات وجههم، وصل "راجي" إلى ساحة القرية وهو يبحث عن وحيده حتى وجده يقف على بُعد، ما أن رأه الأخير حتى تحرك نحوه بخطى ثابتة، هتف "راجي" بغضب مشحون:
-إيه إللي إنت عملته ده يا أصهب، إنت عارف هيجرى إيه دلوقتي من جدك؟؟.. إنت قولتلي إنك هتاخد الخطوة دي بس مش دلوقتي!!..
قال "أصهب" بعدم إكتراث:
-مش فارق معايا، أنا مش هعيش تحت رحمته تاني، أنا أصهب الهامي، وهو علمني أن قلبي يبقى ميت، فيتحمل شوية طالمًا هو إللي رباني على كده.
صمت قليلاً قبل أن يسأله:
-لو حابب أنه ميعرفش إنك إنت صاحب الفكرة إننا منقتلش ونسجنهم، أنا ممكن آآ..
قاطعه" راجي" بحدة:
-لأ طبعًا أنا عاوزه يعرف، أصهب أنا عملت كده ومش ندمان، بالعكس أنا كده مرتاح، ليه أنام كل يوم وأنا قاتل حد!!.. دي متبقاش عيشة، وأهو لو كنت إنت قتلت تيجان، كنت هتعيش العمر كله تدفع تمن جريمة إنت ملكش ذنب فيها، كل ذنبك إنك نفذت القانون.
قال "أصهب" بسخرية:
-القانون أعمى يا والدي العزيز.
*****
-يعني إيه؟؟.. يعني إيه الكلام ده؟؟.. أصهب يعمل فيا أنا كده؟؟..
قالها "الهامي" بغضبٍ شرس وهو يلتفت حوله بجنون، كور يده بشراسة وهو يضرب على سطح مكتبه بعنف، عيناه تحولت إلى جمرات من الجحيم، وقف قليلاً يحدق حوله بنظرات شرسة مخيفة، قبل آن يفتح درج مكتبه فجأةً ثم سحب سلاحه الناري وهو يهمس بصوته الذي يجعل المرء يرتجف فزعًا:
-مش أنا إللي أخد على قفايا يا إبن الهامي.
رواية لأجلك أحيا الفصل العاشر 10 - بقلم أميرة مدحت
تجمع الكثير من حولها وهم يلقون عليها كلماتٍ توضح مدى إندهاشهم على ما حدث، وبعض منهم يهنئها على ظهور برائتها، في حين ظل "ساهد" واقفًا مغمضًا عينيه بقوة يكاد أن يعتصرهما، يستمع إلى بعض من السباب على ما أرتكبه، فتقوس فمه بإبتسامة ألم، فتح عينيه النادمتين يرمقها بنظراته المحبة الخفية، نغزة ضربت قلبه وهو يهمس بداخله:
-كانت بين إيديك، كنت إنت دنيتها وكل حاجة حلوة ليها، بس إنت بردو إللي ضيعت ده.
أومئ برأسه وهو يتابع;
-تحمل نتيجة أفعالك.
كانت عينيها تبحثان عنه هو فقط، تبحث عن من آمن بـ برائتها، ومن أسترجع كرامتها المهدورة أمام الجميع، من صدقها وأنجدها من براثن الحياة الموحشة، إبتسامة جميلة شقت شفتيها وهي تراه يقف مع والده ثم تركه ووقف بعيدًا واضعًا يديه بداخل جيب بنطاله، تحركت نحوه ونبضات قلبها ترتفع بشكل غريب، وضعت يدها على كتفه فإنتفض في وقفته وألتفت إليها سريعًا، مازالت تحافظ على بسمتها تلك، فزفر بحرارة قبل أن يسألها بخشونة:
-في حاجة عاوزة تقوليها؟؟..
قالت "تيجان" بصوتٍ هادئ ببسمتها الصافية:
-شكرًا يا أصهب على إللي عملته، إنت وقفت جنبي فوقت كان محدش مصدقني فيه، الكل أتهمني بحاجة معملتهاش، حتى أهلي صدقوا، بس إنت لأ، وقفت جنبي وجبت حقي ورديت أعتباري قدام الكل.
صمت قليلاً "أصهب" قبل أن يقول بهدوءً غريب:
-قوتك هي سر إني أعرف أصدقك وأمشي ورا كلامك عشان أخد حقك، لكن ضعفك مكنش هيخليني أتحرك.
صمت طويل ساد بالمكان وهو يتأمل ملامحها الجميلة، وتلك الإبتسامة التي لأول مرة يراها، عينيها الصافيتين وكلماتها الرقيقة وصوتها الناعم، وشفتيها.. تذكر تلك المرة التي التهم فيه شفتاها المكتنزة، هل قيل أن الجنة على الأرض بين شفتيها، أم أنه يبالغ قليلاً، طرد تلك الأفكار التي بدأت تستحوذ على عقله، وتلك النار التي بقلبه قد بدأت بالإشتعال، إبتسم بخفة محاولاً أن يخرج نفسه من بئر أفكاره الخبيثة حيث سألها بإهتمام:
-ناوية على إيه دلوقتي؟؟..
ردت عليه "تيجان" بحيرة وجسدها قد أرتجف قليلاً:
-مش عارفة، بس أنا لسه خايفة، حاسة إني تايهة ومش عارفة أعمل إيه عشان أوصل لمرحلة الأستقرار وإني أبقى مطمنة.
تنهد بحرقة وهو يودّ في تلك اللحظة أن يضمها إلى صدره، نبضات قلبه التي ترتفع من لهجتها الحائرة الحزينة، هز رأسه بالسلب وهو يقول بداخله بغضب:
-إيه إللي بفكر في ده؟؟.. هو أنا مالي النهاردة؟؟..
عقدت "تيجان" ما بين حاجبيها وهي تسأله بقلق:
-مالك يا أصهب؟؟..
تنطق أسمه بتلك النعومة!!.. يا الله إنها لو تود الإنتقام منه فـ بصوتها العذب الرقيق الناعم وهي تنطق أسمه بتلك الطريقة هو العذاب نفسه، لا يعلم ما الذي يحدث له منذ فترة كبيرة وخاصةً الآن.
حينما لم تجد منه أي إجابة، قررت أن تسأله سؤالاً أخيرًا ولكن بتردد:
-هو أنا هشوفك تاني؟؟..
ألتفت برأسه إليها سريعًا وهو يقول بحدة عالية:
-آه طبعًا هتشوفيني، إنتي متخيلة أن دي آخر مقابلة بينا!!!..
قبل أن تتحدث أستمعت إلى صوت جهوري يصيح بإسمها، أنتفضت في وقفتها وهي تهمس بخوف:
-ينهــــــار أســود، ده ثـــــاقــــب!!!!..
أشتعلت عينيه بغضبٍ أسود مخيف وهو يقبض على ذراعيها هادرًا بقوة:
-خايفة من إيه؟؟.. ولا يقدر يقرب منك.
كانت عينيها واسعتين بخوف، فهتف بصوت قوي وهو يشير بإصبعيها:
-إياكي تخافي، تيجان إللي وقفت قصاد الكينج مش هتيجي دلوقتي وتخاف.
سكت لحظةً قبل أن يضيف بغضب:
-وبعدين أنا جنبك!!..
حركت رأسها بالإيجاب وهي تهمس بدون وعي:
-هو مش هيسكت، مش هيسكت يا أصهب.
جذبها من ذراعها ليجعلها تقف خلفه تحتمي به وهو يتحرك بخطى ثابتة سريعة نحو الساحة من جديد، وجد كل من "ثاقب" الذي لايزال يصرخ بإسمها، و"وافي" الذي يبحث بلهفة عن شقيقته، و"يسر" الذي يتابع ما يحدث بصدمة، ولكن هو أول من رأى إبنة عمه وهي تحتمي بظهر الملك، فهتف لـ "وافي" بتلهف كبير:
-وافي، تيجان هناك أهيه.
تحركت عيناه نحو المكان الذي أشار فيه، فوجدها بالفعل تنظر له بنظرات مشتاقة على الرغم من تعبيرات وجهها الذي بدت عليها الخوف، ذلك الجرح الذي كان في قلبه بعد أن ظن أنها فارقت الحياة، ولكن هي تحيا من جديد، فـ لا وجود لذلك الجرح الآن، إبتسامة حانية أرتسمت على ثغره وهو يهمس بسعادة:
-تيجان.
إبتسمت له بشوق كبير وقد أدمعت عيناها، فكرت أن تقترب منه وترتمي بأحضانه ولكن صوت أخيها الأكبر الذي أقترب منها وهو يصرخ بغضب جعلها متسمرة في مكانها، وضعت يديها على ظهر "أصهب" تدفعه برفق وهي تهمس بخوف وإستغاثة:
-أصهب.
ظهرت عروق نحره من شدة غضبه المشحون، وأظلمت عيناها أكثر وهو يهدر بصوت جهوري:
-لو قربت خطوة كمان يا ثاقب، هتدفن مطرح ما إنت واقف.
تردد "ثاقب" بعد تهديده، فرغم عنه وعلى مضض وقف مكانه وهو يقول بغضب:
-سلمني أختي يا كينج، لازم تبقى معايا و...
قاطعه "أصهب" بصوته الصارم:
-إنت تخرس خالص ومسمعش صوتك، مش إنت اللي هتقولي أعمل إيه، تيجان هتبقى مع أخوها وافي وبـس.
قال كلمته الأخيرة وهو يوجه أنظاره ناحية "وافي" الذي إبتسم له وهو يحرك رأسه بإيماءة خفيفة كتعبير عن إحترامه.
صمت مشحون سيطر على المكان قبل أن تضيق عيناي "أصهب" بريبة، ألتفت برأسه بجانبه فوجد "تيجان" تتحرك نحو أخيها "وافي"، ولكن صرخ فجأة بإسمها وهو يركض نحوها:
-لأ تيجــــان.
وقفت مكانها ولكن صدمت حينما أحتضنها بقوة غريبة، وقبل أن تهمس بأي كلمة، إستمعت إلى صوت طلقات نارية، أصابت أثنين منهما "أصهب".
تخشب جسدها وهي تحاول إستيعاب ما حدث، في حين أغمض" أصهب" عينيه وهو يشعر بذلك الخدر المغري يتسرب إليه، وقع على ركبيته وهو بين أحضانها، فصرخت "تيجان" بهلع وقد هبطت دموعها الحارقة:
-أصــهـــــب!!!..
سقطت عبراتها على وجنتيه، فإبتسم "أصهب" إبتسامة باهتة وهو يهمس لها بخفوت:
-ماتخفيش.
قال كلمته وهو يغمض عينيه راهبًا إلى عالم جميل هادئ، عالم ليس فيه أي نوع من القسوة ولا شر، صرخت "تيجان" بألم عنيف:
-أصــهـــــــب!!!!!.. لأاااااا.