الفصل 18 | من 76 فصل

رواية لأجلها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
33
كلمة
0
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

الفصل الثامن عشر
في تلك القاعة التي امتلأت عن آخرها بالحضور من اهالي الجانبين او المدعوين من كل الفئات من اجل هذا الحفل العظيم، بتنظيم يسحر الأبصار ويلهب المشاعر بالأجواء الرومانسية كما يحدث الأن، تدار تلك الأغنية التي ناسبت الأجواء وكأنها صممت من أجلها، من أجل ليلى.




حبيبتي وعمري وأميرتي



يا بكرة اللي ماددلي إيديه



يا قصري وبيتي وجزيرتي



وحلم قدرت أوصل ليه



وقالوا الشعر عن ليلى



وكتبوا في سحرها دواوين



وأنا وليلى بقينا لبعض



في دنيتنا سوا عايشين



فستانك الأبيض اللي هياخد منك حتـة



وعشان اليوم ده رسمت عملت أنا مليون خطة



والناس بتغني والدنيا بتعزف زفة



والمزيكا تعلى ومعاها بتعلى الصقفة



والناس بتغني والدنيا بتعزف زفة



والمزيكا تعلى ومعاها بتعلى الصقفة



خطوه ورا خطوه بنمشيها دي اللحظة اللي أنا مستنيها.



يراقصها على الألحان العذبة وما الذي يمنعه؟ لقد أصبحت زوجته امام الملأ اجمع، ويحق لهما الان التصرف كما يشاءان على هذا الأساس، تميل معه حينما يميل، خطواتها توافق خطوته، يحتضنها ويدور بها في كل فرصة يلتقطها، فقد كانت اليوم تشبه اميرات الخيال، جميلة ومبهرة في الفستان الأبيض الطويل رقم قصرها نسبيا،



شقية ومندمجة معه لأبعد الحدود، وكأنها قطعة منه، معاني الكلمات يؤديها بكل تفاني، فهي اميرته وصغيرته وحبيبته
..............................



في جهة الحضور ، كانت والدتها تشارك الطاولة أسرة شقيقها ، زوجته واولاده، اما وصفي فرغم انشغاله بالترحيب مع الرجال بالحضور من المدعوين، الا انه لم يكف ولا لحظة واحدة كلما حانت له الفرصة كي يطمئن على شقيقته ويقبل رأسها، فرغم فرحتها الظاهرة امام العيان، لكن الخوف من القادم كان أكبر من تحملها



- مش هتجومي ترقصي يا مزيونة مع البنات؟
اجفلتها بالسؤال محروسة زوجة شقيقها، لتذبهل امامها لحظات قبل أن تجيبها ضاحكة:
- مين اللي هيرقص يا مجنونة، عاوزني اهز وسط الخلق! جرالك ايه يا محروسة؟



ضحكت الاخيرة مرددة:
- يعني هيكون جرالي يا بس يا مزيونة يا كئية، يا ولية بلاها العقل الزيادة ده، انتي بتك العروسة يعني تفرحي وتعملي ما بدالك، اينعم شكلك ميقنعش حد في الدنيا انك ام العروسة، لكن دا ميمنعش انك تهيصي، بل بالعكس دا انتي تاخديها فرصة عشان تفرحي يا ولية يا ام قلب عجوز .




التقطت منها الاخيرة لتردف مؤكدة عليها:
- عندك حق، انا فعلا قلبي هو اللي عجز
- مين دا اللي عجز يا خرفانة؟ انتي هتمسكي ف الكلمة صح ولا ايه؟ طب تعالي هنا.



قالتها محروسة تنتفض ناهضة من مقعدها لتجذب تلك الكسولة امام الحضور فتترجاها بحرج وصوت خفيض:
- يا مري، جرالك ايه يا محروسة سيبي يدي يا مرة انتي.



تشبثت محروسة بها بإصرار، حتى جعلت عدد من النساء الجالسات على الطاولة القريبة منهما، ان يحثنها بتصميم كي يجبرنها على النهوض ومساحتها



فتستلم مضطرة لسحب الأخرى على مضض، حتى إذا وصلت بها لوسط ساحة الرقص عند صغيرتها، هللت ليلى تترك عريسها وتحتضنها بشوق وفرحة حتى التفت حولهما الفتيات من صديقاتها وبنات العائلة في دائرة، ليجعل مشهدهما ملهما لباقي الحضور من المشاهدين.



ومنهم كان ذلك الواقف في مطلع القاعة يستقبل الوفود من الرجال المدعوين ، بحلة أنيقة تعمد ارتدائها اليوم فزادته هيبة واناقة تلهب قلوب الناظرين اليه،



يرحب بالرجال ويتقبل التهاني والمباركات ، يسترق النظرات كل حين نحو تلك الفاتنة المتميزة عن الجميع، رغم تعمدها اليوم ارتداء عباءة سوداء مختلفة عن فستان الأمس، لإظهار الحشمة في الاحتفال المختلط اليوم، وإلا كان نصيبه ان يصور عدد من القتلة بسببها.



ظهر فجأة من العدم شقيقه المتهور صاحب الليلة، يصافح كل من يقابله من بشر في طريقه ويتلقي منهما المزاح حتى إذا وصل اليه، توجه اليه حمزة بسؤاله غاضبًا:
- سايب عروستك وجاي هنا ليه يا زفت؟



ضحك معاذ يجيبه باندهاش:
- يا عم وهو بخطري يعني؟ هرقص معاها وسط البنات وهي حاضنة امها، دي لحظة خاصة يا حمزة باشا ولازم نحترمها، اروح اشوف صحابي اللي بيشورلي بالمرة...



- استني عندك.
اوقفه بحزم قبل أن يتحرك متوجهًا نحو مجموعة الشباب من اصدقائه، ليمنعه مشددًا عليه:
- خلي اصحابك في وقت تاني، دلوك تروح بطولك، تغطي شوية على اللي واخدين راحتهم وبيرقصوا، العيون كلها رايحة عليهم، وانا مش حامل يا حبيبي الله يرضى عنك



فهم معاذ إلى ما يرنو اليه شقيقه، ذلك الغيور لا يحتمل النظرة الموجهة لتلك المزيونة رغم وجودها وسط عددا لا بأس به من النساء، ولكنه ليس غبيا حتى لا يعذره، فهي الوحيدة المنافسة اليوم لعروسه، رغم امتلاء القاعة بالجميلات، وعدم تعمدها لفت النظر بذلك الرداء المحتشم الذي ترتديه، رغم فخامته.



ليسايره ملطفًا بالابتسام:
- حاضر يا عم حمزة هروح انظم وافرض كردون حواليهم من خواتك وعيالهم، هو احنا عندنا أغلى من العروسة وأم العروسة نداري عليهم ونخبيهم؟



عبس حمزة بحنق لتلميحه المستفز له، ليبادله بابتسامة صفراء زادت من مرح الاخر، فضحك بملء فمه ليتمتم له قبل أن يذهب بناءا على رغبته:




- خلاص يا عم متزقش، ماشي اها.... لعروستي. غمغم حمزة من خلفه بسبة وقحة، ليعود بعد ذلك للترحيب بالضيوف منتبهًا لغياب الآخر: - هو الزفت التاني كمان راح فين؟ كان خليفة في هذا الوقت خارج القاعة يودع أحد المدعوين من أصدقائه القدامى من خارج البلدة، حتى أصر على توصيله لباب سيارته، ليهُم بالعودة إلى القاعة والوقوف مع شقيقه الأكبر في استقبال الوفود. ولكن تفاجأ وعلى حين غرة بتوقف إحدى السيارات بالقرب منه، فترجلت منها امرأة بهيئة تبدو مختلفة من ملابسها العصرية عن أهل البلدة، لم يعطِ انتباهه لها ليتحقق من هويتها وتجنب النظر إليها يواصل الذهاب إلى طريق القاعة، حتى توقف على صوت ناعم يناديه باسمه: - خليفة..... لا يدري ما الذي أصاب قدميه وقد تيبست في الأرض وتجمدت كل حواسه مع اقتراب الخطوات منه، لقد عرفها، عرفها حق المعرفة، تلك التي دهس قلبه على يدها واختار التعاسة انتقامًا من نفسه بسببها. - خليفة أنا بنده عليك. تمالك يسيطر على الخفقات المتسارعة بصدره، ليُجبر جسده على الالتفاف إليها، يغتصب ابتسامة مضطربة نحوها متحدثًا: - أهلًا يا روان، دا إيه الصدف الجميلة دي؟ ضحكت تلك الجميلة وهي تقترب لتصافحه بيدها قائلة بنعومة لطالما أذهبت بعقله: - لا يا سيدي مش صدف ولا حاجة، أنا أصلًا جاية معزومة، هي هالة مقالتلكش؟ - هالة! تمتم بالاسم عاقد الحاجبين بذهول، لتردف بجرأتها: - أيوه هالة يا سي خليفة، مراتك طمرت فيها العشرة عنكم، هي اللي اتصلت بيا ودعتني ع الليلة، بصراحة مقدرتش أرفض، معاذ دا أخويا الصغير اللي كبر قدامي، يصعب عليا أوي إن ماشفهوش في يوم فرحه وهو عريس. أومأ يهز رأسه يدعي استيعابًا، رغم تشتت الأفكار برأسه عن الدعوة الغريبة، فزوجته العزيزة أبعد الأشخاص عن شيء اسمه المودة مع القريب أو الغريب، فما باله إن كانت روان وغيرتها القاتلة منها قبل ذلك. - مالك يا خليفة سرحان كده ليه؟ لدرجادي وجودي غير مرغوب فيه؟ قالتها بمزاح داعب عاطفته نحوها، ليومأ لها بابتسامة مرحبًا يشير لها كي تسير معه إلى داخل القاعة المقام بها حفل الزفاف: زوجة شقيقه السابقة ليست في جمال زوجته وابن عمه هالة، ومع ذلك كانت دائمًا رمز الأنوثة والنعومة، امرأة يتمناها كل من يتعامل معها، ذكية تعرف جيدًا استغلال تلك النقطة، ومع هذا لم تكن أبدًا ندًا لحمزة الحاد الطباع العصبي، رغم مبادلتها الإعجاب، لتحدث المشاكل العديدة بسبب الاختلاف الكامل في الطباع وعدم تكيفها مع أجواء البلدة الذي كان مصرًا عليها حمزة. فلم يصمد زواجهم سوى ست سنوات رغم محاولاتهم الحثيثة للاستمرار من أجل الطفل، وتفرق الاثنان بتفاهم مشترك، جعلها تترك ابنها في الخامسة من عمره مع والده باطمئنان تام ودون مشاكل تذكر، أو ربما لأنها تطمح في العودة بعدم تعكير صفحتها معه، لا تعرف أن قلبه قد ذهب لغيرها. ولكن ما الذي أتى بها اليوم؟ ولماذا الدعوة تأتيها من هالة التي كانت تكرهها حد العمى؟ في الداخل كانت الأجواء مشتعلة، أصدقاء العريس في جانب، بجنون الرقصات التي تناسب شخصيته معهم، وفي جانب آخر صديقات العروس لا يقصرن بالرقص معها وحولها وبتشجيع البقية من النساء والفتيات من أهل العروس والعريس، حتى كن يشاركنها مثل حسنية وبناتها، فلم تكن تنقصهم سوى منى التي حشرت بطاولتها بعند من زوجها الذي كان يراقبها بتسلية وهي تفرك للقيام بوظيفتها معهن في انتظار انصرافه حتى كانت تطلبها منه في بعض الأحيان. - منصور يا حبيبي، دي المرة التانية حمزة يشاورلك عشان تجوم تجعد مع الرجالة، اللي بيسألوا عليك، مش ناوي تروحلهم؟ اهتزت رأسها بابتسامة مستترة برفض قاطع: - لا مش رايح، واللي عايزني يجيني لحد هنا يسلم عليا، وانا على طرابيزتي



بإحباط شديد عقبت بصوت مبحوح كاد أن يضحكه:
- ليه يا منص؟ ليه يا حببيي؟ طب انت نفسك مزهتجتش من القاعدة جمبي؟ دا انا نفسي تعبت من الكرسي، وعايز افرد رجليا حبة......



- جولي كدة...
قاطعها بها ليردف بصرامة رغم صوته الخفيض:
- هتموتي وتروحي ترقصي مع امك واخواتك يا منى، وانا مش هنوهالك، عشان انتي عارفة طبعي زين في الحاجة دي.



بتعب حقيقي زفرت تتجنب الصدام معه، فهي الأدرى بطبعه، رغم عشقه الجارف والحنان الذي يغمرها به، إلا أنه دائما ما يذكرها انها التلميذة بحضرته، خصوصا في هذه المناسبات الخاصة لها، غيرته الشديدة عليها لم تهدأ او تقل رغم مرور العديد من السنوات على زواجه بها، يحاصرها لدرجة الأختناق، ولكنها كيفت نفسها على الطاعة وفعل ما تريد بذكائها، وهذا ما يحسب حسابه الأن، لذلك يصر على عدم ترك الطاولة حتى لا تذهب إلى صف النساء وتعمل ما برأسها،



توقفت الأغاني الصاخبة فجأة بذهاب العروسين إلى منصتهم، وعودة النساء إلى طاولتهن، كحسنيه التي انضمت تجلس معهما بلهاث تشاكس ابنتها:



- عقبال عيالك يا منصور انت والبت دي، وارقصلهم كدة، لكن انتي مجتيش ليه يا منى؟ انا وكل خواتك كنا بنرقص!



عبست منى رافعة طرف شفتها بغيظ اضحك ذلك المتربص، ليعلق ببرود يزيد عليها:
- ربنا يديكي طولة العمر يا حماتي،، احنا خايبين وملناش في الفرح زي ما انتي شايفة كدة.، معتمدين عليكي انتي والمجموعة، انتو الخير والبركة



- ليه وانا مشلولة مهعرفش ارجص لعيالي
تمتمت بها منى ليواجهها بنظرة حازمة وابتسامه مستترة استطاع اخفاءها، لتغلق فمها ف انتظار الفرج ونهوضه من جوارها حتى تأخذ حريتها .



ورددت حسنية ضاحكة:
- ربنا يديكم الصحة والعافية وتفرحوا بيهم وعيالهم، حد في الدنيا يكره العافية.
...............



وعند منصة العروسين، حيث الوالدة التي كانت تعدل من فستان ابنتها وجلستها جيدا، تتبادل معها حديث سريع، ان كان ينقصها شيء ما قبل أن تتركها وتعود إلى طاولتها، فجاء رد ليلى مباشرة:




- انا جعانة!
- وه
صدرت من مزيونة ليتدخل معاذ الذي وصلت اليه عبارتها:
- اروح اجيبلك حاجة من البوفية ولا......
قاطعته مزيونة مردفة نحو ابنتها بحزم:
- تمسك نفسها على ما يجي ميعاد الوكل، ولا هي هتاكل وهي جاعدة على الكوشة؟.



تذمرت العروس ضاربة بقدمها على الارض:
- بس انا جوعت فعلا، مش معقول هستني على ما يفتحو البوفيه كل ده.



- احسن عشان تتهدي وتبطلي رقص وتنطيط، ما هو دا اللي خلاكي جوعتي.
تمتمت بها مزيونة في رد لها، قبل أن تجفل على معاذ الذي انتفض ناهضا يقول:
- خلاص انا هتصرف واروح اجيبلها تصبيره.
منعته بحدة هذه المرة :
- اجعد مكانك يا معاذ، انا قولت مينفعش تاكل على الكوشة، خليها تتحمل
- خير يا جماعة في حاجة؟
دوى الصوت الرجولي المميز يخترق ظهرها قبل أن تجده بجوارها ناظرا اليها باستفساره، حتى تلعثمت امامه بارتباك ليتكفل شقيقه بالرد:
- خير يا واض ابوي، بس ليلى بتقول أنها جعانة جوي وانا عايز اجيبلها اي تصبيره، لكن خالتي مزيونة رافضة



استفزها بقوله لتضيف عليه بحنق:
- ايوة تتحمل عشان معدتش صغيرة،
ولا هيعجبك لما يصوروها وهي بتلوك في خشمها ويتريقو عليها.



- ومين دا اللي هيسمح ولا يديهم فرصة؟
تمتم بها حمزة ليجاورها في الوقوف، حتى كاد لا يفصل بينهم شيء، ليخرج من جيب حلته علبة مغلفة يعطيها إلى ليلى التي طالعته باستفسار اجاب عنه وعيناه لا تغادر تلك الجميلة، مستغلا ذلك القرب بينهما، غير عابئًا بالبشر التي تطالعهم في القاعة الضخمة:



- دي قطعة باتيه يا ليلى خفيفة وتسد جوعك، كلي منها بسرعة وانا وامك واجفين حيطة سد نمنع عنك عيون الناس وكاميراتهم



ضحكت ليلى تفتحها سريعا امام ابصار عريسها الذي التف بجذعه هو الاخر يخفيها من جانبه، موجهًا الشكر إلى شقيقه بامتنان:
- الله يبارك فيك يا حمزة، دايما كدة عندك الحل



قضمت ليلى منها تتلذذ بالطعم، لتضيف على زوجها:
- وحلوة جوي يا معاذ، شالله يخليك يا عم حمزة بحلولك السريعة



ضحك ينقل ببصره نحوها سريعا قبل أن يعود لقواعده:
- لا من ناحية الحلول دي بسيطة، انا جيبي ميخلاش ابدا من الحاجات دي عشان ريان، ودلوك بقى عندي عيلين مش عيل واحد. يعني لازم اعمل حسابي



قالها بمقصد مكشوف وصل إلى تلك المذهولة من فعله، حتى لم يعد بها رأس للتفكير، يلفها الارتباك بشدة بجانبه؛



- الله يسامحك يا عم حمزة يعني انا عيلة.
تمتمت بها ليلى بضحكة اختلطت بشيء من طفولة وقد أسعدها وصفه، تعرض على عريسها المشاركة ولكن فرحة الاخير بسعادتها كانت كافية ومشبعة له من كل طعام،



فقد تكفل هو الاخر ليحاوط عليها بأسلوبه كي لا ينتبه عليها احد من المدعوين، وتيبست مزيونة محلها بجواره، بعد أن ورطها بتلك المهمة، وهذا القرب، صوت انفاسه يصل اليها، ثاقبتيه التي تخترق حصونها موجهًا حديثه بلهجة تبدوا عادية، وداخل كفه حمل لها قطعة فاخرة من شيكولاته يقدمها لها:




- أقبلي انتي كمان مني دي، حكم انا عندي منها كتير، كذا نوع منها، دا غير الكنز في الجيب التاني،ولو جعانة اطلعلك باتيه زي ليلى.



طالعته قليلًا بازبهلال لتنزل عيناها على الجزء المجاور لها من الحلة فتلاحظ انتفاخ ما بالجيب بما يحتويه، لتبزغ ابتسامة بشفتيها ما أجملها يزينها الحياء، معقبة:



- لا الحمد لله مش جعانة، خليهم لريان لا يعلمك مشاكل .
اردف بمرح، وقلب رفرفت به الفراشات سعيد بابتسامتها:
- انتي صدقتي، ريان دا حجة، انما ان جيتي للحق انا اللي كنت هفرط من الجوع، وسحبت من محل البقالة من غير حساب، خدي انتي بجى متكسفنيش.



امام رجاءه، اضطرت لتقبل الهدية رغم خجلها الشديد، لتتناول قطعة الشيكولاتة المغلفة بأصابعها الرقيقة فتلامس بطن كفه، لتزيده جنونا، فكاد أن ينسى العروسين وما تكفل به من مهمة نحوهما، لولا هذا الصوت الدوى ينزعه من سماء احلامه الوردية:



- شوف المفاجأة الجميلة دي يا ابو ريان.
التف بابصاره نحو صاحبة الصوت الذي يعرفه حق المعرفة، لتكن المفاجأة من نصيبه حين وجد إمرأته السابقة تقف بجوار تلك التي قدمتها تتبسم بخبث يعلمه جيدًا، انها ابنه عمه الذي لا يتوه عن أفعالها ابدا، لتعود بطريقتها المكشوفة قائلة:



- شكلك مش مصدق، دي روان، هو انت هتوه عنيها؟
- لا طبعا مش هتوه عن ام ابني؟
هتف بها بحدة نحوها، ثم تجاهل يرحب على غير ارداته، بزوجته السابقة، وشيء من الارتياب قد تسرب داخله:
- اهلا يا روان منورة، مفاجأه...... زينة، زي ما جالت...... هالة بت عمي.
تقدمت منه المذكورة وامتدت كفها نحوه بشوق يلاحظه الأعمى:
- رغم اني زعلانة منك عشان معزمتنيش، لكن معلش بقى، انا عذراك، ما أنت اشغالك كتير..... عننا... صدرت الأخيرة بنوع من العتب الثقيل عليه في هذا الوقت غير المناسب على الإطلاق، ليجاريها بلطف وعلى عجالة باعتذاره: - معلش اعذريني فيها دي، أنا فعلًا قصّرت ونسيت، مش هتيجي تسلّمي على العرسان؟ قالها وانزاح بجسده مبتعدًا عن مزيونة التي تشاهد بوجه مغلف، يقدمها إليها في البداية: - دي الست مزيونة أم العروسة، سلّمي عليها الأول. قطّبت روان في نظرتها الأولى نحو مزيونة تقطب حاجبيها بشيء من الاندهاش عبّرت عنه: - هو أنا أعرف من زمان إن الأمهات عندكم صغيرين بحكم جوازهم المبكر، بس مش لدرجة دي يعني، أهلًا يا ست آآآ... - مزيونة يا روان، هو يبان اسم غريب لكن معناه جميل. تفوه بكلماته بقصد تغاضت عن تفسيره لتقترب منها وتصافحها مهنئة قبل أن تذهب للعروسين وتلتقط الصورة التذكارية معهما، حتى حينما رغبت بمشاركتها معهم أصر هو ألا تمر الصورة بدون مزيونة. كل هذا أمام هالة المحترقة من تجاهل الجميع لها، وكأنها ليست موجودة بينهم، أو ليس لها محل من الإعراب، حتى من تلك المتملقة التي تكفلت بدعوتها عبر الهاتف كي تأتي وتفتح لها أملًا زائفًا في الاقتراب من طليقها، لتلتقط حضورها اليوم وكأنها هدية، في الترحيب بها بمبالغة واضحة، ثم يكون جزاؤها النسيان منها. تمتمت بسبّة وقحة داخلها لتعود إلى طاولتها حيث وجود زوجها المراقب لما يحدث أمامه بشك، حتى إذا جلست مقابله واجهها بقوله: - بتعزمي روان من ورانا يا هالة، من إمتى المحبة اللي مقطّعة بعضها دي؟ ردت بكذب مفضوح لتُخفي ارتباكها: - وأنا إيه اللي هيخليني أكرهها؟ هي بس شوية المشاكل اللي ما بين السلايف، وخلاص كل حاجة راحت لحالها من بعد ما اطلقت من حمزة، بنت الناس ما قطعتش معايا من ساعة ما انفصلوا، يبقى أنا هقطع؟ دي حتى اللقمة ما تهونش غير على ابن الحرام. - أيوه صح وأنتِ بنت حلال قوي. عقّب بها برد ساخر لينهي جدالًا لا نفع منه معها، ويعود بأبصاره يراقب بصمت، وحزن يشق قلبه وهو يرى لهفة المذكورة في حديثها إلى حمزة بشوق ولهفة، ورجاء صامت حتى يعود إليها، ورد فعل الآخر هو التجاهل التام وقد انصب اهتمامه على عشقه الحقيقي، مزيونة بنت الأحرار. .......................... ظلت هالة تأكل في نفسها بمرور الوقت، تنتظر أي رد فعل يأتي بنتيجة أو فائدة ولكن لم يحدث، حتى قررت أن تتحرك من نفسها، ذاهبة نحو مزيونة التي تركت العروسين، لتستريح على إحدى الطاولات القريبة من المنصة، وجلست بجوارها تحدثها: - عروستك زي القمر يا مزيونة، ربنا يخليهالك وتفرحي بولادها. سمعت منها لتردد خلفها بتمني: - يا رب أفرح بولادها وبشهادتها، ده أحلى الأماني على قلبي. - يا حبيبتي ربنا ينولك اللي عايزاه، ما شاء الله الفرحة كانت باينة في الصورة وأنتِ بتاخديها معاها من شوية، أنا كنت واقفة جنب المصور وشوفت بعيني. شعرت مزيونة ببعض الحرج خلف كلماتها لتردف بنوع من الاعتذار: - هو أنتِ ما اتصورتيش معانا، سامحيني ما أخدتش بالي، أنا كنت ناحية العروسة، افتكرتك انضميتي تبع قريبتكم دي جنب العريس. صححت هالة بضحكة ماكرة: - مش قريبتنا يا حبيبتي ولا كنا نعرف حتى بلدها فين؟ هي بس جات بلدنا في شغل مع أبوها تبع شركة المقاولات واتعرف عليها حمزة ووقع في غرامها، شياكة وألاطة وتعليم عالي زيه، أصل هو كمان مهندس، بس مهندس زراعي يعني، ما كانش عاجبه ولا واحدة من بنات العيلة ولا البلد كلها، شافها دي وقال هي بس اللي تليق بيا، النصيب بقى، هما بس شوية عند اللي دخلوا ما بينهم، لكن الراجل مسيره لمراته برضه، طول ما في عيل رابطهم ببعض. سمعت منها لتتجه أبصارها تلقائيًا نحو المذكورين عند مدخل القاعة حيث ما زالت تلك المرأة تتحدث مع حمزة، تداعب بأصابعها على شعر صغيرها ريان الملتصق بها. برد فعل غريزي من طفل نحو والدته التي لا يراها سوى مرات قليلة كل فترة. امرأة راقية وجميلة، ترتدي ملابس أنيقة مثلها، متعلمة، تحظى باحترام طليقها والجميع من أسرته، فقد رأت بأم عينيها ترحيب البقية من عائلته بها، ما الذي ينقصها حتى يفكر بغيرها؟ تليق به ويليق بها، أما هي... أين هي أصلًا من الإعراب؟ حطام امرأة تعيش على حلم ابنتها، التي تتزوج اليوم... ثم... ما الداعي للتفكير من الأساس؟ تنهدت بثقل تتذكر قطعة الشيكولاتة التي أخذتها منه قبل حضور المرأة، قابضة عليها داخل كفها وكأنها شيء قيّم، لتطالعها ساخرة داخلها من تلك المشاعر التي راودتها لحظات، وداعبت خيالها في العديد من الأوقات السابقة، يبدو أن جفاء السنوات السابقة جعلها متعطشة لثمة عاطفة زائفة تلامس إحساس الأنوثة المهدورة داخلها، يا لها من بائسة. انتهى الزفاف بتوصيل العروس إلى منزل عريسها ومقرها الأصلي الأيام القادمة، قامت هي بكل مهام الأم المطلوبة منها بمساعدة زوجة شقيقها محروسة التي رافقتها في كل المراحل، بمروءة لا تقل عن زوجها الذي تولى مهمة ولاية أمر العروس على أكمل وجه. أعدت لها عشاء العرس ورافقتها حتى غرفة نومها، تلقي على أسماعها بعض النصائح اللازمة، وبقلب منفطر ودعتها، تدعي ثباتًا واهيًا أمام أسرة عريس ابنتها التي يغدق أفرادها بالمودة الشديدة نحوها، وهذا ما يطمئنها بعض الشيء في ترك صغيرتها بحوزتهم، لتغادر بإصرار عجيب على العودة إلى منزلها ومعارضة شقيقها الذي يفعل المستحيل حتى تسكن معه في منزله ولكنها وبكل قوة ترفض. فتأتي بعد أن انفض الجمع من حولها، بناءً على رغبتها في الانفراد بنفسها، فتحط بثقلها على المصطبة الطينية أسفل شجرة التين العتيقة خلف منزلها. خيوط الإنارة ما زالت محلها، وقد تعمرت المنطقة بالمبنى الجديد، وعمال الحراسة منتشرون في أماكن متفرقة في المنطقة، لا يوجد وحشة أو وحدة سوى داخلها، ولكنها لا بد أن تعتاد، هذا اليوم كان سيأتي عاجلًا أو آجلًا، ولا بد لها التكيف من الآن والتفكير أخيرًا في ذاك الشيء الذي نسته كثيرًا على مدار عمرها، وبغفلة منها وهو مستقبلها! - آسف لو هقطع عليكي وحدتك. صدر الصوت الرخيم لينتشلها من غمرة الشرود التي تاهت بها، لتلتف إليه برزانة وتحفظ: - يا مرحب يا أبو ريان، ما فيش وحدة ولا حاجة، هي بس لحظة التأثر اللي بتصيب كل أم في أول فراق من بنتها. يتفهم جيدًا إنكارها وادعائها القوة أمامه، فطالعها بحنو وتأثر قائلًا: - أنا عارف طبعًا بإحساس كل أم في اليوم ده، خصوصًا لما تكون الأم دي مزيونة أعظم أم في الدنيا. لم تجد من الكلمات ما يناسب إطراءه، وقد شددت داخلها على الالتزام بالتحفظ وعدم الانسياق خلف عاطفة النساء الضعيفة أمام كل كلمة ناعمة ولو حتى غير مقصودة، لتطرق برأسها بصمت استغله هو ليواصل طمأنتها: - مش عايزك تقلقي ولا تخافي يا مزيونة، ليلى بقت بنتي زيها زي ريان، يعني مستقبلها وراحتها بيجوا اختصاصي قبل ما يكون أمانة في رقبتي. هنا لم تقوَ على الهروب بعينيها عنه، ليحدث تواصل بصري بينها وبينه، وكأنها كانت في حاجة إلى كلماته، حاجة لأن تطمئن؛ في وقت ما أصعبه على امرأة مثلها. قطع لحظتهم النادرة قدوم أحد الأشخاص نحوهم يخاطبها: - مساء الخير، أنتِ لسة ما فتحتيش الباب يا عمة؟ تطلع حمزة نحو الفتى يسبقها في الحديث بحنق شديد: - تفتح إيه بالظبط؟ أنت جاي ليه يا حازم دلوق؟ كان سؤاله به من الفظاظة ما جعلها تسارع على الفور بالتوضيح: - حازم ولد أخوي من هنا ورايح هييجي كل يوم، هو أو حد من إخواته يؤنسني، أخوي هو اللي حكم بكده عشان رفضت أروح معاه بيته، عن إذنك بقى يا أبو ريان. وتحركت ذاهبة من أمامه ترافق الفتى نحو باب منزلها، تتركه متصلبًا محله، إنه بالكاد شعر باستجابة منها. ليأتي هذا الفتي ويقطع حبل التواصل قبل أن يبدأ جيدا، ياله من تعيس الحظ.
كان ينقصه هذا السمج.
......................................



داخل شقة العروسين
وبعد ان صلى بها ركعتين وشكر ربه وحمده على نعمته في تحقيق أمنيته في الارتباط بها، ثم وضع
كفه فوق رأسها متضرعا للخالق بالدعاء الشهير لهذا اليوم وبداية العهد الجديد بينهما.



ثم تمتم بعدد من الأدعية الأخرى وجعلها تردد خلفه لبداية يحفها الخير والبركة والرجاء في الحياة السعيدة والذرية الصالحة



حينما انتهيا أخيرًا وقف يتأملها قليلا بصمت، يشبع عينيه من جمالها الفطري، فقد كانت اليوم أميرة بفستانها الأبيض، اما الان فهي تأسر قلبه برقتها، وبأفعالها العشوائية في رفع سجادتي الصلاة ثم خلع الحجاب عن رأسها ناظرة له ببرائة وكأنها لا تعرف برهبة تلك اللحظة والخجل المطالبة به، ليلوح لها بكفيه الاثنان امامها بمزاح لم تفهمه، حتى قطبت مرددة:



- ايه؟ عايز ايه يعني؟
ليباغتها فجأة بالقبض على كفيها الاثنان قائلا:
- مش دي يدك اللي كنتي محرمي عليا امسكهم، رفع الاثنان الى فمه، يطبع قبلتين على الجلد الناعم بحنو.



وقبل ان تجد صوتها، او ينبت فمها بكلمة واحدة جذب خصلة كبيرة من شعرها الغجري الطويل، يستنشق رائحته بنهم يعبئه به رئتيه ثم واصل بعذوبة:



- ودا شعرك اللي طير من عيني النوم من يوم ما شوفتك، وانا بحلم المسه بإيدي كدة واشم ريحة المسك منه



تأثرت بخجل من فعله حتى اسبلت اهدابها عن مواجهته، لتشهق فجاة، حين دفعها على حين غرة لترتطم بصدره، وذراعيه التي التفت حول خصرها تلصقها به، متمتما بسطوة:



- هو انتي افتكرتي ان دا أقصى طموحي يا ليلي؟
بصعوبة شديدة من فرط حيائها، خرج اسمه من بين شفتيهاا بما يشبه الاعتراض وهي تحاول فك ذراعه عنها:



- معاااذ



ردد هذه المرة بصوت رجولي عميق، يمرر انامله على خدها:
- معااذ مين بس؟ لا تكوني نسيتي التانية كمان، اللي اتحدتيني بيها امبارح جدام الناس في حنتك؟



برقت نحوه بعيني القطة خاصتيها، تستدرك مقصده لتغمض شفتيها وتفتحها بما يشبه نطقها، فيترجم هو على الفور:



- اييييوه بوسه.....
وما كاد ينهيها حتى أكمل بعمليه، ليلتقط شفتيها بين خاصتيه بالقبلة الأولى بينهما، يتذوق رحيقها بتمهل رقيق يذيبها بين يديه، يمتص خوفها، قبلة تحولت بعد لحظات إلى متلهفة، متطلبه، حتى فقد صبره ليغزوها بجموحه، فيسير بها نحو الفراش دون ان يفلتها من بين يديه وكأنه سوف يفقدها ان ابتعدت ولو قليلا عنه،



يزيل بيده كل ما يحول بينها وبينها، ليبدأ معها سيمفونية من العشق ، في تناغمٍ وجدانيّ متشابك، تعانقت به الأرواح قبل الأجساد.... ليلةً تغزو الوجدان، غرامًا بطعم العشق، وحنينًا لم يُعرف له مثيل.



كل تنهيدة منها تصله كموسيقى عذبة توقظه أكثر من أي صمت.
استحالت أنفاسهما متقاطعة، وهمساتهما ممزوجة، كأن الليل بأسره اختُزل في هذا اللقاء.
ليلة عنوانها الحب وفقط


ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...