مازلت أمسك قلبي متلبساً بجريمة الشوق لشخص طعنني بسكين الغدر، رُغم أني أسكنته روحي وجعلته أغلي أحبابي.
يقيد العقل قلبي حينها ويطالب الجسد بإعدامه، فيصرخ القلب: ما ذنبي أيها الجسد؟ فلتستمع لأسبابي. قد منحت الحب إخلاص خفقاتي، فإن خان الحبيب وفرط في وصالي، إذاً فلتعاقبوا الحبيب واخلوا سبيلي. بالله عليكم دعوني لعذابي.. ألا يكفي أني أنكوي في مراجل الهجر بينما يرفل حبيبي في الحرير لا يأبه حتى لغيابي؟
ألا يكفي أنني صرت غريباً بينكم تطالبون بوأدي وقد كنتم حتى القريب أترابي؟ أخبركم أمراً.. افعلوا ماشئتم، فأنا أذوي منذ الفراق، على شفير الموت سأغدو. لذا، وكما لا يفيد الشاة السلخ بعد الذبح، لن يفيدني القتل بعد الردي، ولن تقدرون منذ اللحظة على إغضابي.
تساقطت عبراتها بينما تنخفض نغمات معزوفتها تعبر عن أنين القلب واستسلامه. توقفت أناملها عن العزف، تفتح عيناها المغروقتين بالدموع، تتطلع إلى الكون المظلم حولها، تشعر به حزيناً لأجلها رغم أنها لا تراه. أخذت نفساً عميقاً تحاول به امتلاك نفسها المبعثرة، فانتفضت على صوت جدها الهامس يقول لها بحيرة:
_ لأول مرة أسمع منك لحن حزين، زيك تمام لقيت الدموع بتنزل من عيوني. اللحن ده بيفكرك بأبوكِ كيف ما فكرني بأمك.. مش كده يا بتي؟
مسحت دموعها وهي تحمد الله أن هذه هي فكرة الجد عن سبب حزنها، وأنه لم يخطر بباله أنها تنعي بألحانها قلبها الذي استسلم أخيراً للردي بعدما حارب طويلاً كي يحيا، تارة من خلال الذكريات وتارة من خلال العشق، فما أصاب سوى الفشل. نحت مشاعرها جانباً وهي تقول:
_ الله يرحمهم.
حاولت أن تلهيه عن الخوض في الأمر قائلة:
_ قولي يا جدي، انت مفكرتش يوم تسيب المكان ده وترجع بلدنا.
نظر الجد لمحيطه قبل أن يتنهد قائلاً:
_ فكرت كتير يا ريم. كنت وقتها عاوز أهرب من حزني على جدتك، بس لقيت أنه ما لوش فايدة الهروب. إن هرب القلب من المكان اللي كان بيجمعه بحبايبه، كيف يهرب من الذكريات؟
لديك كل الحق يا جدي. كيف يهرب المرء من ذكريات حفرها العشق بوجدانه فصارت تطارده؟ لا تكتفي بالأماكن ظهروًا بل صارت تظهر بالصحو والمنامِ.
_ تعرفي يا بتي، لما أمك سافرت وهملتني، فكرت أعود البلد من تاني، بس فضل كل مكان هنا بيفكرني بيها، والأمل في رجوعها حد خلاني أستناها لحد ما جالي خبر موتها. وقتها قولت إني مش ههمل البيت هنا.. على الأقل مش هحس بالغربة وأرواحهم محوطاني. لكن هناك في البلد هعيش غريب، أصل الوطن حضن ضم أحبابنا، مش حيطان خلت من ذكرى واحدة ليهم معايا.
_ الوطن فعلاً بيبقى مكان ضمك مع حد بتحبه، بس أهم حاجة يكون هو كمان بيحبك بجد، من غير أي غرض أو مصلحة، مخلص ليك زي ما بتخلص له، ميغدرش بيك مهما حصل.
حدجها جدها بنظرة فاحصة وهو يقول:
_ كلامك والمرارة اللي في صوتك بتلخبطني يا ريم. كنك اتلدغتي بسم الغدر.. مين بس اللي استجرى يعملها ويخون ملاك زيك؟
انتبهت لنفسها وقد كادت أن تكشف عن مشاعرها لتقول بابتسامة مفتعلة:
_ مين يا جدي اللي هيستجرى؟ وأنا ورايا جد يقدر اللي بيحاول حتى.. أنا حفيدة فهمي الشبراوي مش أي حد إياك.
قهقه الجد قائلاً:
_ براوة عليكِ يا بتي، حفيدتي صح. الله يسعد قلبك ويراضيكي برضاه.
_ يارب.
قالتها بنفس، تدرك أنه لا مجال لسعادة قد تحيي القلب بعد الردي، ولكن القلب همس لها بوهن: "سأرددها طوال الوقت، ولن أقنط من رحمي ربي، فرحمته قد وسعت كل شيء".
***
بعتيني يا سندس مش كده؟
_ إيه سندس دي يا واد؟ انت اتجننت؟
_ لازم أتجنن بعد اللي عملتيه فيا، بتبيعي ابن أختك، جبتي مين يقوم بالدور بدالي، جبت مين يلم قذارتك؟
رفعت يدها تبغي صفعه بغضب، ولكنه أوقف يدها في الهواء قائلاً:
_ لا.. ده كان زمان لما كنتي خالتي اللي شاريني وشاريها، لكن مادام بعتيني....
نفض يدها قائلاً بغل:
_ يبقى اتفرقوا الخالات. بس وعد مني مترتاحيش طول ما أنا عايش. وبكرة تشوفي أنا هعمل إيه فيكِ يا.. يا سندس.
قالها ساخراً، يرفع يده بالتحية قبل أن يغادر. لتتجه سندس إلى الباب المفتوح وتصفعه بغضب قائلة بصوت هادر:
_ غور، الله لا يرجعك. كنت ناقصاك انت كمان، مش كفاية المصيبة اللي أنا فيها. هو فيه إيه بالظبط؟ مين اللي بصلي في حياتي يا ربي وخلاها اسودت قوي كده؟ دي عيشة بقت تقصر العمر.
***
بقى بيت جدك جنب بيت جواد الجمال..
_ آه يا بنت المحظوظة.
_ يا بنتي اتهدي بقى وسيبيني في حالي، أمال لو ما كنتيش أنتيمتي وعارفة اللي فيها.
_ معلش يا قلبي، بكرة الدنيا تروق وتحلى وتبتسم لك.. بكرة تنسي جهاد وسندس وماجد وعمايلهم السودة فيكي، ومش بعيد جواد يشوفك ويقع في سحر جمالك وتتجوزيه. أما لو ده حصل، يبقى أبواب السما اتفتحت لك يا ريمو.
_ أنتِ الظاهر ما فيش فايدة فيكي، أقفل السكة في وشك طيب؟
ضحكت خديجة تقول من بين ضحكاتها:
_ خلاص والله خلاص.. نتكلم جد بقى.. أخبارك إيه مع جدك؟
_ الحمد لله يا ديجا، بعيش أجمل أيام حياتي والله.. إحساسك إنك بين أهلك وناسك إحساس حلو قوي.. بابا الله يرحمه كان معاه حق، جدي راجل بجد، تحس بالأمان معاه، ده غير حبه وحنانه واهتمامه بيا.
_ الحمد لله يا قلبي، طب مش هشوفك قريب؟
_ صعب يا ديجا.. أكيد مراقبينك دلوقتي، وبسهولة لو قابلتك يوصلوا لي.. هانت يا قلبي.. أقص ريشهم بس وأتأكد إنهم مشغولين بمشاكلهم عني، ووقتها هجيلك إسكندرية، أو أقولك هبعت السواق يجيبك لحد هنا.
_ وأشوف جواد الجمال؟
_ أنتِ ما فيش فايدة فيكي. عموماً، انتِ وحظك بقى، لإنه ما بيجيش هنا إلا فين وفين، زي ما جدي قالي.
_ لو على حظي، يبقى هيبيع البيت ومش هييجي عندكم تاني.. حظي بقى وأنا عارفاه.
ضحكت ريم، فقالت خديجة:
_ أيوه بقى، سمعيني ضحكتك الحلوة دي.. بالمناسبة يا ريمو، أنا قابلت المايسترو هادي وسأل عنك. قلت له إنك سافرتي الإمارات لواحدة صاحبتك هناك. قالي: "يا ريت ترجع قبل حفلة ليلة راس السنة اللي عاملينها في الأوبرا، نفسه تشاركي فيها".
_ وأنا قلت له: مش هينفع. أنا مش عارفة مصر على إني أعزف في الحفلة ليه بس؟
_ لإنك موهوبة يا قلبي وعزفك يستاهل الناس كلها تسمعه. وبعدين انتِ مش كنتِ قلتي لي إنك غيرتي رأيك وهتعزفي؟ وإنك خلاص هتكوني زي عمار الشريعي وتخرجي موهبتك للنور بغض النظر عن أي شيء.
ذكرتها خديجة بمن تحاول بكل قوة نسيانه، تجبر نفسها على محو شخص من حياتها كان يعني لها كل شيء. لقد ترك لها وجعاً يكفيها عمراً تحاول التغلب عليه في كل يوم.. دقيقة ولحظة، فتغلبها دمعاتها الساخنة تحرق خفقاتها، تذكرها بألم خديعته لها. أخبرها جدها أن لا تغلق قلبها على الحزن فتمنع دخول الفرح إليه. لا يدري أن ظلام عينيها امتد لروحها وقلبها بسبب حبيب خائن، فباتت الدنيا سوداء في ناظريها، يتخللها بعض النور المتمثل في جدها وخديجة، لتكتفي بهما وتغلق أبواب قلبها دون الآخرين.. فقد اكتفت خذلاناً.
_ روحتي فين يا ريم؟
_ معاكي.. مش هقدر أعزف يا ديجا، عمار الشريعي كان فريد من نوعه ومستحيل أقارن نفسي بيه.
_ ريم....
قاطعتها ريم قائلة بحزم:
_ قلت مش هعزف، وده قراري الأخير. هكلمك تاني.. جدي بينده عليا.
أغلقت الهاتف تزفر بقوة، فانتفضت حين قال جدها:
_ انتِ بتهربي منها ولا من نفسك؟
_ جدي!
_ أيوه جدك.. سامحيني لأني فزعتك. أنا كنت جاي أقعد معاكي شوية، غصب عني سمعت مكالمتك ومش فرحان باللي قلتيه دلوقتي خالص يا ريم.
_ جدي أنا...
_ انتِ إيه يا ريم؟ انتِ بنت ليلي وصادق وحفيدة فهمي الشبراوي.. يعني كل ذرة في دمك فيها قوة تكفي عشر رجالة. مريتي بكتير وقدرتي تفضلي واقفة على رجليكي قصاد الكل. عجزك زي عجزي مش هيمنعنا نعيش حياتنا زي ما إحنا عايزين.. بتقولي إنك مش زي عمار الشريعي، وإن موهبتك أضعف.. دي حجة بتقنعي بيها نفسك عشان خايفة من الجمهور وكلامه، مش كده؟ أنا سمعتك بنفسي كتير وعزفك كان ساحر. كنت بحس دايماً إني بسمع أنغام من الجنة.. خسارة يا بتي موهبة زي دي تضيعيها. موهبة زي دي تستاهل الناس كلها تسمعها.. قولي إنك هتعزفي في الحفلة دي يا ريم.. وافقي بقى وفرحي جدك.
ابتسمت تقول بحنان:
_ موافقة يا جدي.. عشان خاطرك أنت موافقة.
لتردف في حزم:
_ هعزف في حفلة ليلة راس السنة.. قدام الكل.
***
يعني إيه الكلام اللي انت بتقوله ده يا متر؟
_ يعني زي ما قولت لحضرتك قبل كده، ما فيش أي إجراء أقدر آخده من غير موافقة الآنسة ريم. صادق بيه قفل أوراقه كويس وكتب لها كل حاجة بيع وشرا وخلاها المتحكمة الأولى والأخيرة في أمواله بعد ما حطها باسمها في البنك. يعني مش هقدر أسحب لك من البنك أي فلوس من غير إمضتها.
زاغت عيناها قائلة:
_ طيب وهعيش إزاي دلوقتي؟ ما أنت عارف إنها غايبة ومحدش يعرف لها طريق؟
هز كتفيه قائلاً:
_ للأسف ما فيش حاجة في إيدي أقدر أعملها لك.
طالعته بخيبة أمل قبل أن تنهض وتسحب حقيبتها، تغادر المكتب بخطوات ثقيلة كثقل همها.
***
كانت تنتقي ما بين المزهريات حين لفت انتباهها إحدى التحف على شكل كمان. أمسكته تتأمله بحنين لتسمعه يقول بعطف:
_ وحشك مش كده؟
ابتسمت تتطلع إلى وجهه الحاني تقول بتوق:
_ قوي يا يحيى.. أنا كان يومي ما بيكملش من غير ما أشوفها.
_ طب ما تروحي لها.. وأنا هوصلك بنفسي.
همست في نفسها: "لو تعرف مين جارها مش هتقترح الاقتراح ده أبداً، بالعكس هتمنع سفري ومش بعيد تحبسني كمان".
ضحكت للفكرة فقطب جبينه بحيرة قائلاً:
_ هو أنا قولت حاجة تضحك؟
_ ها.. لأ.. أصل افتكرت حاجة قالتهالي ريم. المهم مش هينفع أسافر أصلاً، ورانا حاجات كتير عشان نلحق نخلص قبل الفرح. وبعدين هي قالت لي إنها هتيجي إسكندرية قريب.
هز رأسه ثم قال:
_ التحفة دي حلوة قوي. نشتريها ولما تيجي إديهالها هدية.
_ هي فعلاً حلوة قوي وفكرة تجنن إني أهديها لريم، بس أنا كمان عايزة واحدة في البيت تفكرني بيها. إيه رأيك نشتري اتنين؟
مال يتطلع إلى مقلتيها العسليتين يقول بحب:
_ ده انتِ داخلة على طمع بقى.
اتسعت ابتسامتها تقول بشقاوة محببة إلى نفسه:
_ ده إحنا لسة بنسخن يا باشا، التقيل جاي ورا.
قبل أن تنتفخ أوداجه وهي ترفع ياقتها مردفة بتمثيل:
_ قالوا في الأمثال: "فلسي جوزك جنبك تلاقيه، أما لو وفرتيه فغيرك يا خايبة هيفوز بيه".
اتسعت عيناه باستنكار وهو يقول بفزع مفتعل:
_ تاني أمثال لأ ومثل جديد؟ أنا عمري ما سمعت بيه. فلسي جوزك.. آه.. لأ، أنا بقول ألحق نفسي وأهرب من الجوازة دي أحسن. مالها العزوبية بس؟ ده حتى السنجلة جنتلة.
قالها واتجه إلى الكاشير، لتسحب خديجة تحفة على شكل كمان تشبه التي معها وهي تتبعه قائلة:
_ استني بس يا يحيى، أنا كنت بهزر والله.. يا يحيى.. اسمعني بس.
***
أدارت المفتاح في قفل الباب ثم توقفت متجمدة وصوت ضحكة امرأة تصلها. فتحت الباب لتري عزت يجلس امرأة أمامه، ما إن رأتها حتى عقدت حاجبيها بقوة تتطلع إلى عزت وكأنها تطالبه بتفسير. نهض عزت يتقدم من سندس، فتقدمت منه بدورها تقول بصدمة:
_ مين دي يا عزت؟
أمسك ذراعها يسحبها تجاه الباب قائلاً:
_ انتِ إيه اللي جابك دلوقت؟
نفضت ذراعها من يده تقول باستنكار:
_ إيه اللي جابني؟ جاوبني انت الأول وقولي مين دي يا عزت؟
_ أنا صفاء مراته يا عينيا.. انتِ اللي مين بقى؟ مين دي يا عزت؟
طالعته سندس بصدمة قائلة:
_ مراتك؟!
طالعها بجمود قائلاً:
_ أيوه مراتي، اتجوزنا من يومين.. واحدة قبلت بيا وبظروفي وحبتني زي ما أنا.. مش واحدة اتخلت عني زمان وراحت اتجوزت واحد غني رغم إنها كان معاها فلوس لكنها طماعة وكانت عايزة أكتر. ولما ضحك عليها وسابها، راحت برضه اتجوزت غيره عشان بتحب الفلوس أكتر مني. ولما لقت نفسها محتاجاني.. محتاجة راجل بجد.. رجعت لي. لكن مش أنا يا هانم اللي أنسى حاجة زي دي. مش أنا اللي واحدة زيك توازن بيا وبين الفلوس.. أنا اللي يشتريني عمري ما أبيعه، واللي يبيعني عمري ما أشتريه.. رجعتك حياتي آه بس عشان انتقم منك وأخليكي على الحديدة، آخد كل حاجة وأرميكي بعد كده في الشارع زي ما رميتيني زمان. بنت جوزك قامت بالواجب ده نيابة عني، كتر خيرها بقى.. بس أنا هكمل وأرميكي زي ما رمتك هي من شقتها لما باعتها.. اطلعي بره بيتي يا سندس.
طالعته بعيون زائغة تقول بصدمة:
_ أروح فين بس دلوقت؟ ده أنا كان أملي فيك يا عزت.. ليه تقسي عليا بالشكل ده؟ أيوة غلط زمان لكن.....
قاطعها قائلاً:
_ داين تدان ياسندس وغلطتك ما كانتش قليلة. تروحي فين؟ تروحي فين؟
مط شفتيه مردفاً:
_ معتقدش إنه شيء يهمني. اطلعي بره ياسندس.. مش عايز أشوف وشك تاني.
_ أيوه بس....
_ ما قالك تطلعي برة يا ست انتِ، هي تلاقيها جتت ولا إيه؟
طالعتها سندس بعينين مغروقتين بالدموع، ثم نظرت إلى عزت الذي قست ملامحه لتدرك أنه لا مكان لها هنا وأن عليها الرحيل بأقصى سرعة قبل أن تهان كرامتها أكثر من ذلك. كادت أن تمشي، فقالت المرأة:
_ متنساش تاخد المفتاح منها يا سي عزت.
_ كده كده هغير القفل يا صفاء عشان نبتدي على نضافة.
غادرت بخطى ثقيلة تكاد لا تسمع حثيثها، فقط صوت مفتاح يقع أرضاً هو كل ما يستطيع المرء سماعه.. في هذه اللحظة.