رواية لا تخبري زوجتي (زهرة) — الفصل 85 — بقلم الكاتب اسماعيل موسى
بعد الصدف تحمل قدر من السعادة، والبعض الآخر يورثنا الكثير من الألم والتعاسة. إنها اللحظات التي كان من المفترض ألا تحدث لنا، لكنها بطريقة ما حدثت.
في حديث عابر، وكان وقتها آدم يحتسي فنجان قهوة ويدخن لفافة تبغ، واضعًا ساقيه بعشوائية على طاولة فوقها مزهرية، يراهن نفسه ألا يسقطها. أخبره صديقه من البنك أن زهرة سحبت دفعة كبيرة من النقود، نصف مليون جنيه.
بعد أن أنهى آدم المهاتفة، بحث عن زهرة. سارت له الخادمة أنها منذ قليل استعارت سيارته وخرجت.
قام آدم بمهاتفة زهرة عدت مرات، لكنه لم يتلقى ردًا. ولأنه منذ فترة ليست كبيرة وضع جهاز متابعة بسيارته خشية السرقة، عرف أن السيارة متوقفة في بقعة خالية على جانب الطريق الصحراوي.
مما زاد اندهاشه، لكنه سرعان ما شعر بالقلق عندما فكر في سلوك زهرة الغامض في الفترة الأخيرة. مما زاد الطين بلة ملاحظته اختفاء مسدسه المرخص. لقد طافت كل الاحتمالات بعقله في دقائق قليلة، وإن كان لم يتوقع وجهتها، لكنه شعر بالخطر.
بدل ملابسه بسرعة واستقل سيارة أجرة نحو موقع سيارته. بعد مضي وقت من القيادة، وقبل أن يتوقف التاكسي، لمح سيارته مركونة على جانب الطريق. وما إن وضع قدمه على الأرض حتى سمع صوت إطلاق رصاص.
انعرج في الدرب، وكانت الشمس توارت حينها، ولم تتبق إلا ذرات ضوء قليلة. واستطاع أن يلمح شخصًا ملقى على الأرض. عندما اقترب أكثر، لمح عوني من ظهره يسير تجاه زهرة التي تصوب مسدسها تجاه عوني.
سحبت آدم من خلف العشة دون أن يحدث أي صوت. انبطح على الأرض قرب الشخص المصاب، وكانت بندقيته ملقاة على الأرض إلى جواره.
قبض على البندقية، ومن مكانه صوب على عوني تحت نظرات الشخص المصاب غير القادر على الكلام.
سمع عوني يزعق في زهرة: "نحي مسدسك يا فتاة، ألقي به على الأرض."
ترددت زهرة لحظة. لكنها لمحت آدم الذي يلوح لها بيده. ألقت مسدسها دون أن تبدر منها أي حركة. كان عوني قد وصلها الآن. يحدق بها بسخرية.
"جبانة." قال. ثم رفع يده وصفع زهرة. "هذه لتتذكري كيف تعاملين أسيادك."
ضحكت زهرة تلك المرة وهي تنظر تجاه آدم.
عندما التفت عوني، تلقى رصاصة في ساقه وأخرى في ذراعه. سقطت من يده البندقية. ترنح عوني، صرخ من الألم والصدمة.
انحنت زهرة وأمسكت بالبندقية وصوبت تجاه عوني.
"لا تفعلي،" حذرها آدم. "لا تلطخي يدك بالدم."
ضربت زهرة عوني بغيظ بمؤخرة البندقية في أنفه. تمايل الوغد وسقط على الأرض.
لاحقًا حضرت الشرطة. جلس آدم بصمت يتابع بصمت قصة زهرة. ورغم الأسئلة التي كانت تدور في عقله، إلا أنه لم يفتح فمه. لقد شعر في هذه اللحظة أنه إنسان وحيد. ورغم كل ما يظن أنه قدمه لزهرة، إلا أنها لا تثق به بالمرة وغير قادرة على إخباره بأسرارها.
لقد شعر في هذه اللحظة أن ما قدمه ليس كافيًا، أو أنه في أفضل الأحوال ليس الشخص الذي من الممكن أن تثق به زهرة وتبوح له بمشاكلها. وأن عليه ربما الآن الانسحاب. الانسحاب بطريقة جنتل مانية لا تزعج زهرة ولا تؤذي مشاعرها.
إن أكثر اللحظات قربًا هي نفسها التي توسع الهوة بيننا.
بعد تحقيق مصغر، سمحت لزهرة بالانصراف مع آدم نحو قسم الشرطة. هناك، بعدما تبينت الشرطة الحقيقة، وبعدما اعترف عوني في المشفى بالحقيقة، سمح لزهرة وآدم بالانصراف بضمان محل إقامتهما.
كان بانجو وشخص آخر قد لفظا أنفاسهما، بينما تعرض الآخر لجراح عميقة.
انتظر آدم زهرة في السيارة. لم يكن ينوي عتابها. لقد تعود منذ زمن طويل أن يحتفظ بأحزانه لنفسه، ولا يرى الآخرين إلا ضحكته.
لكن زهرة طلبت من آدم الرحيل. بعد كل ما حدث، فإنها غير قادرة على مواجهته الآن. كما أنها أصرت على أن يحظى بانجو بمراسم دفن لائقة. من أجل ذلك، كان عليها انتظار التشريح والأفراح عن الجثة.
هبط آدم من السيارة. كان هادئًا جدًا. وضح لزهرة أنه سيتابع الأمر بنفسه. قال إنهم سيحضرون عندما تفرج الشرطة عن الجثة، لكنهم لن ينتظرون في الشارع حتى ذلك الوقت.
لقد كان رفض زهرة للعودة نابعًا من شعورها بالخزي وإخفاقها في حماية آدم وجره كل مرة نحو مشاكلها.
في السيارة، قاد آدم بصمت، وتربعت زهرة إلى جواره حتى وصلا المنزل.
فهناك أوقات يكون الصمت خلالها أسلم حل، لأن الكلام لن يصلح المشكلة.