تحميل رواية «كيان» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
قبل عشر سنين لقيت عملة معدنية مدفونة في التراب وأنا بلعب في الشارع قدام البيت. كنت فاكرها عملة معدنية، لكن لما مسكتها لقيت شكلها غريب. خدتها على البيت وركنتها على الرف وعدت الأيام والسنين ونسيتها. لما عمري وصل 19 سنة توفى جدي وكنا بننقل الأغراض من غرفته. بالصدفة العملة المعدنية سقطت على الأرض. مسكتها وبصيت عليها وافتكرت أيام زمان لما لقيتها في الشارع. فيه حاجة غريبة شدتني لشكلها ونقوشها، عشان كده نضفتها وغسلت الصدأ اللي فيها بالغاز لحد ما لمعت. كان مرسوم عليها حاجات غريبة وجميلة، زهرة، وبنت صغير...
رواية كيان الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
قبل عشر سنين لقيت عملة معدنية مدفونة في التراب وأنا بلعب في الشارع قدام البيت. كنت فاكرها عملة معدنية، لكن لما مسكتها لقيت شكلها غريب. خدتها على البيت وركنتها على الرف وعدت الأيام والسنين ونسيتها.
لما عمري وصل 19 سنة توفى جدي وكنا بننقل الأغراض من غرفته. بالصدفة العملة المعدنية سقطت على الأرض. مسكتها وبصيت عليها وافتكرت أيام زمان لما لقيتها في الشارع. فيه حاجة غريبة شدتني لشكلها ونقوشها، عشان كده نضفتها وغسلت الصدأ اللي فيها بالغاز لحد ما لمعت. كان مرسوم عليها حاجات غريبة وجميلة، زهرة، وبنت صغيرة جداً، وأشكال تانية معرفتهاش. كانت منقوشة بدقة مذهلة تخليك تسرح في جمالها.
وخدتها معايا غرفة نومي وركنتها على الطاولة جنبي. أنا بصحى متأخر عشان كده دايماً أختي الصغيرة بتدخل غرفتي عشان تصحيني وكمان تلعب معايا شوية. أختي بتعمل ضجة كبيرة لما بتدخل، لكن اليوم ده أنا فقت من النوم لوحدي.
أختي الصغيرة كانت واقفة جنب سريري بتبص على العملة المعدنية بتركيز وشرود. بهزر معاها بقولها: "إيه يا كوكى، أول مرة تدخلي غرفتي من غير ما تعملي زيطة أو أحس بيكي؟ طبعاً لسه داخلة؟"
كوكى قالت: "أنا هنا من وقت طويل، من أكتر من ساعة."
فتحت عيني باستنكار. "بطل هزار يا كوكى، انتي واقفة جنب سريري من ساعة من غير ما تعملي أي صوت؟ مستحيل."
كوكى قالت: "كنت ببص على البنت الصغيرة."
"بنت مين؟" سألتها وأنا بتلفت جنبي.
كوكى قالت: "البنت اللي في العملة المعدنية، كانت بترقص رقص حلو أوي. مش عارفة بتعمل كده إزاي."
"بتعمل إيه يا كوكى؟"
"بتطير في الجو يا سمسم وبعد كده ترجع مكانها. والزهرة دي كانت خضرة كأنها حقيقية."
همممم. خدت كوكى في حضني. "انتي بقيتي مؤلفة قصص بارعة يا كوكى، أنا بفكر أعملك رواية لقصص الأطفال."
كوكى زعلت وحسيت إنها هتدمع. كوكى مش بتعرف تكدب وكمان ملامح وشها ما كانتش بتهزر.
تعدلت كده وبصيت على العملة النحاسية. "بس يا كوكى، زي ما أنتي شايفة مفيش حاجة بتتحرك في العملة."
كوكى: "أصل هي وقفت لما انت صحيت وبطلت ترقص."
سمعت صراخ والدتي بره الغرفة. "مش كفاية ساعة لعب؟ أنا حضرت الفطار أكتر من مرة."
كلمة "ساعة" رنت في ودني وخلتني أنهض وأطلع أقعد على الطبلية. وكوكى اتأخرت شوية.
سألت أمي: "هو كوكى كانت في غرفتي ساعة كاملة؟"
والدتي بصتلي وقالت: "ما انت مش بتبطل لعب معاها، هعمل إيه يعني؟"
رواية كيان الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
حسيت بالقلق وناديت على كوكى.
كيان مجرد طفلة، أنا معرفش اللي حصل معاها وهم ولا حقيقة.
وصلت كوكى راكضة، قعدت معانا وأكلت أكل كتير.
نفسها كانت مفتوحة ومبسوطة.
كنت عمال أبصلها، وأسأل نفسي: البنت دي مالها؟
خلصنا أكل ودخلت غرفتي وقفلت الباب على نفسي.
كيان طرقت الباب، كانت عايزة تدخل.
اتحججت بالمذاكرة.
وضعت القطعة المعدنية في يدي، مجرد قطعة نحاس منقوشة.
فتحت شبكة الإنترنت وقعدت أبـحث عن المعادن النادرة والعملات المفقودة.
بحثت بأكثر من كلمة وطريقة، مكنش فيه أي حاجة عنها.
الكلام المكتوب على العملة بلغة مش معروفة بالنسبة لي.
حاولت أعرف اللغة إيه؟ فرعوني ولا روماني ولا حتى لغة منقرضة؟
كانت النتيجة صفر.
قعدت أبص على العملة المعدنية ونقوشها الدقيقة.
البنت الصغيرة والوردة، النجوم والقمر الأحمر، رسمة طفلة صغيرة جداً.
احتـرت إزاي اتنقشـت بالمهارة دي.
خدت العملة معايا وأنا نازل الجامعة ودخلت على دكتور تاريخ في كلية الآداب.
قلت يمكن يفيدني.
الدكتور درس العملة قدامي وأخبرني إنه عمره ما شاف عملة زي كده.
استبعد إنها تكون عملة نقدية.
دي ممكن تكون تميمة نادرة، أو رمز لقبيلة منقرضة أو مملكة هالكة، أو شعار معبد أو حتى كنيسة.
بعد كده بص فيها تاني.
الصراحة معتقدش إنها تخص كنيسة أو معبد، الرسومات دي أكيد ليها معنى.
طيب واللغة يا دكتور؟
قال: مش عارف، مفيش لغة أعرفها زي كده، لا يوناني ولا روماني ولا حتى سرياني.
الصراحة شعرت بحيرة كبيرة.
وقبل ما أخرج من غرفة الدكتور نصحني أعرضها على دكتور آثار متخصص في الحضارات القديمة.
مكنش عندي وقت، يدوبك خلصت محاضراتي وروحت على البيت.
الساعة كانت عشرة بالليل، والدتي كانت نايمة، وكيان كانت نايمة.
العشا كان على الطاولة، أكلت وشلت الأطباق ومشيت أدخل غرفتي.
وقفت على باب الغرفة مشدوه، الغرفة كانت مقلوبة، السرير والمكتب والادراج وكل حاجة.
خبطت على غرفة والدتي وسألتها.
قالت: كيان كانت بتلعب جوه غرفتك.
كيان؟ قعدت أضحك.
دخلت أوضة كيان ونمت جنبها.
"إنتي يا بت يا مفـعوصة كنتي بتعملي إيه في أوضتي؟"
"بنعاس قالت: كنت بدور على صحبتي."
"صاحبتك مين يا كيان؟"
"البنت الصغيرة اللي مرسومة على العملة، أصلها بترقص حلو قوي كنت عايزة أتفرج عليها."
"إنتي بقالك صحاب غيري يا سمسم؟"
"أيوه يا سمسم ومن فضلك سيبني عشان لسه كانت جيالي في الحلم."
خرجت من غرفة كيان.
البنت شكلها هتتجنن بالرسمة.
قررت إني مش هخلي كيان تشوف العملة تاني عشان متتعلقش بيها.
ودخلت نمت.
بعد يومين كنت غايب فيهم عن الجامعة.
أول ما وصلت لقيت المدرج مقلوب.
"إيه يا جدعان؟"
"دكتور محيي بتاع آداب سأل عليك أكتر من مرة."
خلصت المحاضرة وروحت على مكتب دكتور محيي.
قال لي: "إنت فين يا راجل، أنا قلبت عليك الدنيا."
"ده دكتور مدحت زميلي، أنا حكيت له عن العملة اللي معاك ومهتم جداً إنه يشوفها."
طلعت العملة اللي مش عارف إزاي وصلت جيبي وحطتها على المكتب.
دكتور مدحت بص على العملة وعاينها من غير ما يمسكها.
"دي مش نقود، ولا تخص أي واحدة من الحضارات القديمة، الإغريق، الرومان، الفينيقين، البطالمة، الأشوريين، الفراعنة، الإنكا."
"النقش ده عتيق، مختلف وغريب، السؤال إزاي العملة أو القطعة المعدنية دي وصلت عندك؟"
حكيت له اللي حصل معايا زمان.
لكن الغريب إني ذكرت تفصيلة كنت ناسيها من زمان، قبل ما ألاقي العملة كان فيه راجل شكله غريب عدى من جنبي، بص عليه ومشي.
الدكتور مدحت سكت شوية، وقال: "أنا الصراحة مش هقدر أفيدك."
ومشي.
شكرت دكتور محيي وخرجت.
لقيت دكتور مدحت منتظرني بره.
نده عليا.
"روحـت له."
"قال: اسمع أنا مقدرتش أقول الكلام ده جوه قدام دكتور محيي."
"محدش يقدر يعرف أصل القطعة المعدنية دي غير شخص شغال في الآثار أو خبير يعني."
"أنا أعرف واحد خبير في الآثار القديمة لكنه مسافر دلوقتي."
كتب لي اسمه ورقم تليفونه ونصـحني أتواصل مع خبير الآثار ده.
كنت اكتفيت من كل اللي حصل الصراحة.
الموضوع خد أكتر من حجمه، وقررت أنسى الموضوع.
لكن حلم الثراء السريع راودني.
"مش ممكن تكون القطعة دي تمنها غالي وأبيعها؟"
"دي لو قطعة أثرية هتخليني مليونير."
وسرحت أفكاري لبعيد أوي.
أحلام شاب بسيط فقير ومعدم.
تليفون خبير الآثار كان مقفول لأكتر من أسبوع لحد ما فقدت الأمل إنه يرد عليا.
خلال الأسبوع ده كوكى فتشت غرفتي أكتر من مرة.
البنت كانت عاملة زي المدمنة بتدور على قطعة المعدن.
والله كنت بحس إنها أهم حاجة عندها في الحياة.
كوكى بقيت منعزلة بصورة غريبة وبتنام بدري وتقفل غرفتها.
بطلت تلعب معايا زي زمان وكانت حجتها إنها بتلعب مع صديقتها.
"طيب ليه يا ست كوكى بتقلبي غرفتي كل يوم ضهر على عقب؟"
"كوكى قالت: مش كل يوم هو يوم واحد لأن صديقتي كانت زعلانة مني لأني مدورتش عليها."
"طيب وبعد كده حصل إيه يا ست كوكى ليه بطلتي تدوري عليها؟"
"مفيش حاجة حصلت، هدور عليها ليه وهى كل ليلة نايمة معايا؟!"
"نهار أسود! نايمة معاكي إزاي؟"
"بنلعب مع بعض لحد ما نتعب بعد كده بتنام في حضني."
كلام كوكى مكنش سهل عليا أبداً.
البنت ممكن تصاب بمرض نفسي وتهيأ.
كلام كوكى قلقني جداً للدرجة اللي خلتني أستناها تنام وأراقب غرفتها.
قربت على باب غرفة كوكى.
بصيت من ثقب الباب.
كانت قاعدة على الأرض جنب السرير في إيدها عملة معدنية بتلعب بيها.
مقدرتش أتحقق من شكل العملة لأنها كانت بعيدة واعتقدت إن كوكى جابت أي قطعة معدن تلعب بيه.
تعوضها عن القطعة اللي في جيبي.
وضعت إيدي في جيبي ارتطمت بقطعة المعدن اللي بقت مش بتفارقني أبداً.
كوكى كانت مبسوطة جداً وبتضحك وبتتكلم.
حطيت إيدي على بقها.
"إيه البت بقت متوحدة ولا إيه؟"
رواية كيان الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
فجأة كوكى توقفت عن الكلام وبصت ناحية الباب.
ظلت ناظرة على ثقب الباب كأنها تراني.
بعد كده كوكى طلعت على السرير وشدت الغطاء عليها إلى منتصفها.
أغمضت عينيها والنور انطفأ.
جسمي اتنفض.
رعشة قوية سرحت على عمودي الفقري.
إزاي النور انطفى في غرفة كوكى؟
فتحت الباب بسرعة وولعت النور.
"كوكى، كوكى، إنتي نايمة؟"
كوكى ما ردتش عليا.
"أنا عارف إنك صاحية يا كوكى!"
كوكى بصوت ضعيف: "أنا زعلانة منك."
طلعت على السرير ونمت جنب كوكى.
كنت خايف الصراحة.
خدتها في حضني.
"زعلانة ليه يا كوكى؟"
كوكى بصوت نعسان: "عشان أنت عايز تتخلص من صديقتي."
"صديقتك مين يا كوكى؟"
"يوه تاني؟ صديقتي اللي على قطعة المعدن."
"هنتخلص منها إزاي بقى يا ست كوكى؟"
قالت كوكى بصوت واهن: "زعلان، مش أنت عايز تبيعها؟"
جسمي وقف من الصدمة والخوف.
"مين قالك كده يا كوكى؟"
"صاحبتي قالتلي وكانت زعلانة، إنت ليه عايز تتخلص منها؟"
"على فكرة هي حذرتني وقالت إن بعدها عني فيه خطر عليا."
كان لازم آخدها على قد عقلها.
سألتها: "خطر إزاي؟ خطر عليا أنا يعني؟"
كوكى قالت: "لأ، أنت مش فاهم حاجة، خطر عليا أنا. صديقتي قالت لو أخوكي باع العملة مش هيشوفك تاني، ولو كان بيحبك متخليهوش يبيعني عشان مصلحتك."
كوكى متعرفش إني هبيع العملة.
أنا ما اتكلمتش قدامها ولا قدام أي شخص.
حضنتها أوي.
"متخفيش يا روحي، محدش يقدر يعملك حاجة."
كوكى بصت عليا.
"اسكت يا سمسم، إنت مش عارف حاجة."
"لو كنت بتحبني متتخلاش عن العملة، خليها معانا هنا في البيت، أنا مش عايزة أموت يا سمسم."
اتلخبطت.
الكلام اللي بتقوله كوكى أكبر من سنها.
كلام حزين خلى قلبي ينقبض.
لساني ما كانش عارف يقول إيه.
من أول النور ما قطع لحد الكلام المرعب اللي بتقوله كوكى خلاني مش على بعضي.
"إنت عارف إني بحبك يا كوكى وعمري ما هسمح لأي حاجة تزعلك أو تعملك حاجة."
كوكى أدتني ضهرها.
"لو بتحبني وخايف عليا ارجوك اديني العملة، تخلى عن أفكارك بالتخلص منها وسيبها معايا."
"والله هي مش مؤذية، الطفلة دي اتعذبت كتير أوي ومش عايزاني أتعذب زيها."
رواية كيان الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
فضلت قاعد مع كوكى لحد ما نامت.
كلام كوكى رعبني.
لما روحت غرفتي، طلعت القطعة المعدنية وقعدت أبص عليها بتركيز.
فيه سر في قطعة المعدن الرخيصة دي؟
وضعتها أمامي وظللت أحملق فيها، متخيل إن الطفلة ممكن تخرج منها في أي لحظة وترقص قدامي.
ونمت وقطعة المعدن في إيدي.
***
صحيت من النوم لوحدي.
كوكى غيرت عاداته وبطلت تدخل غرفتي مندفعًة ترمي نفسها في حضني وتجرني.
إيدي كانت منملة وكان فيها حاجة غريبة.
صورة الطفلة مطبوعة عليها زي الحبر.
غسلت إيدي كويس وقررت أتخلص من قطعة المعدن.
لأ فلوس ولا يحزنون، هرميها في المصرف أو في الزرع وخلاص.
***
تناولت طعام إفطاري مع والدتي وكوكي، اللي كانت بترمقني بنظرات غريبة وحزينة.
***
لما عدت لغرفتي، كان فيه اتصال وارد ورسالة من خبير الآثار.
كان بيسأل لو ممكن يقابلني؟
اتصلت بالراجل وحددت معاه معاد.
كنت عايز أعرف قصة العملة دي إيه بأي طريقة وأخلص منها.
***
كان رجل غريب، نحيل، ولأول وهلة تشعر إنه محتال.
لحيته كبيرة وعيونه غائرة زي زر مفقود في لوحة كيبورد.
رحب بي بطريقة ودودة وطلب يشوف القطعة المعدنية.
***
كنا قاعدين على قهوة.
طلعت قطعة المعدن ووضعتها على طاولة قذرة لم تنظف منذ شهرين.
بص خبير الآثار على العملة بتركيز وإعجاب.
رأيت شفاهه تقرأ في صمت بتمتمة مريبة.
لم يحاول يطمئني بأي كلمة.
***
"دي مفتاح"، قال الخبير وهو بيحط العملة في إيده.
"مفتاح سحري للمقابر القديمة. القطعة دي ممكن تفتح أي مقبرة مهما كان تاريخها، فرعوني، روماني، آشوري. كل المطلوب منك فعله تحطها قدام باب المقبرة وهتنفتح من غير بخور ولا سحر."
"انت معاك اخت صغيرة؟"
السؤال كان مفاجيء وخضني.
قلت بارتباك: "أيوه".
"عشان كده التميمة اختارتكم."
"مش فاهم؟" قلت.
"انت ممكن تكسب من ورا التميمة دي ملايين كتيرة، لكن هتدفع التمن."
***
"تمن إيه؟" سألته.
قعد يتكلم في كلام مش مفهوم ونصحني أتخلص من التميمة بسرعة.
"صدقني يا ابني، اللي جاي مش هيكون سهل."
"تخلص من التميمة."
تركني الخبير ورحل.
رواية كيان الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
تركت المقهى المتهالك تحت نظرات حالمه ومتربصه من النادل المغتر بمظهري الأنيق.
إن كان بي ميزة واحدة، عندما أتأنق تكاد تشعر أنني ابن ناس.
وصلت المنزل بجسد متراخٍ، وعقل يطن مثل الطاحونة.
أعرف ما علي فعله، التخلص من التميمة.
جلست في الشرفة أدخن سيجاره رخيصة.
لقد بدأت التدخين منذ العام الأول من الجامعة.
والدتي تعرف أنني أدخن، لكنها تنكر كل ذلك.
لا تزال محتفظة بالصورة المثالية لطفلها الذي كانت تغير حفاظاته كل نصف ساعة لأنه كان مصاب بالإسهال في صغره.
كان الشارع خالياً من المارة، وكان كل ما علي فعله إلقاء التميمة ومراقبة أي طفل شقي سيعثر عليها.
لاحظت وجود شخصين تحت جدار منزلنا.
كانا يتحدثان بصوت هامس وينظران تجاه شرفة منزلنا ذات الطلاء اللبني.
كانت حركتهم مترددة وبدا أن هناك جدالاً يسري بينهما.
حدقت بكلاهما.
أحدهما يمتلك بنية ضعيفة جداً وملامحه تدل على الخبث واللؤم.
الآخر كان ملتحياً، لكنه ليس متديناً، فأنا أعرف أئمة المساجد من أول وهلة.
كان هناك شيء غريب في مظهره ولاحظت اعوجاجاً في وقفته.
لمحني الاثنان بينهم.
ابتسم ولوح لي بيده.
نحن نريدك أنت.
لم نحضر لاستئجار المنزل.
دهست عقب السيجارة وأخفيت التميمة في جيب بنطالي.
ماذا يريدون؟ سألت نفسي.
في الشارع رحبت بهم ودعوتهم لمنزلي، لكنهم اعترضوا.
نحن لم نأتِ هنا من أجل الضيافة.
تمتلك شيئاً نريده.
قلت: أنا لا أعرفكم ولا أتذكر أنني رأيتكم صدفة حتى في لوحة رسم!
ضحكا كلاهما.
أجل نعرف.
لاكون واضح، أنت تمتلك تميمة أسطورية، نحن نحتاجها.
قلت: كيف تحتاجونها؟
قال: سندفع مقابلها، حدد سعرك.
أحب رائحة النقود وشكلها وسيرتها.
قلت: لماذا تريدونها؟ إنها مجرد قطعة معدن رخيصة!
قال: اسمح لي، لدينا أسبابنا الخاصة.
كل ما عليك فعله أن تذكر رقماً، سندفعه لك.
خشيت أن أنطق رقماً يكون أقل مما تستحق التميمة.
خبير الآثار قال هذه التميمة خرافية تستطيع أن تفتح أي مقبرة.
والمقبرة في العادة تكون ممتلئة بالآثار والذهب.
كان الرجل الملتحي يراقبني في صمت حتى اللحظة وأدرك ما أفكر به.
قال: حسناً، أنت تعرف أن هذه التميمة تفتح أي مقبرة قديمة، أليس كذلك؟
قلت: أجل.
قال: ما لا تعرفه أن التميمة تفتح مقبرة واحدة قبل أن تحتاج لإعادة تهيئة.
أظن أنك ترغب بمشاركتنا؟
قلت: أجل.
قال: حسناً، سنقتسم المقبرة بيننا، النقود كثيرة ولا داعي للقلق.
قلت: قلبك ميت؟
قال: بلا تردد.
قلت: أجل.
قال: جيد.
المقبرة في منطقة الأقصر في وادي الملوك، إلى جوار معبد حتشبسوت.
ستحضر أنت وأختك معنا.
قلت بقلق: أختي؟
قال: نعم، التميمة مرتبطة بأختك ولن تعمل دونها.
الأمر لن يحتاج أكثر من ساعة.
التميمة تعرف طريقها مثل البوصلة.
قلت: مستحيل!
صرخت: كوكى لن تغادر منزلنا أبداً.
رمقني الرجل بنظرة متمعنة.
انظر لما يمكنك فعله بكل النقود التي ستجنيها.
ستصبح من أغنى أغنياء بلدتك، ستوفر لنفسك وأهلك حياة لائقة.
قال: ارحم.
مرة أخرى قلت: مستحيل.
قال الرجل بصرامة: الصفقة صفقة، تقبل كلها أو تترك كلها.
ليس لدينا وقت، سنتحرك في المساء، كن بانتظارنا هنا مع أختك.
يمكنك أن تضع لها منوماً ولن تفيق إلا بعد أن نفتح المقبرة وتأخذ حقك.
رواية كيان الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
ركبنا مركب شراعيه نقلتنا الضفة التانية.
بعد أن عبرنا النهر، رسى المركب في درب ممهد، لكن ليس ميناء، كان بعيد عن الصخب.
نزلنا من المركب، كوكي صحيت، كنت شايلها في حضني، كانت مفزوعة من المنظر والظلمة.
تعمقت في رقبتي، إحنا فين يا إسماعيل؟
أنا مش شايفة فرح ولا ناس؟
بصت كوكي على الرجلين اللي معايا وهمست في ودني: الناس دول شرانيين، يلا بينا نرجع، أنا عارفة انت هتعمل إيه!
عارفة إيه يا كوكي؟
إحنا رايحين مقبرة فرعونية.
ضغطت على إيد كوكي، انتي عرفتي إزاي يا كوكي؟
صاحبتي كانت نايمة معايا في الحلم وقالت لي كل حاجة.
ليه مسمعتيش كلامي يا سمسم؟ فيه حاجة وحشة هتحصل.
انت كدبت عليا ليه؟ أنا وثقت فيك.
كلام كوكي خلاني أترعب أكتر، كوكي؟ صديقتك قالتلك إيه بالظبط؟
قالت إن الناس دول خاينين وإن أخوكي كدب عليكي، وإن فيه حاجة وحشة قوي هتحصل.
وقفت في مكاني، مش معقول دا يكون تخاريف، محدش يعرف إننا رايحين مقبرة.
المركب كانت لسه على البر، قلت للناس اللي معايا، أنا مش هكمل، هرجع تاني.
بص لي النحيف، انت فاكرنا بنلعب يا أستاذ؟
وخرج مسدس من جيبه، امشي من سكات.
كلام كوكي كان صح، أنا ورطت نفسي وكوكي معايا.
طلعت التميمة من جيبي، قلت له خد التميمة أنا مش عايزها وسبني أروح أنا وأختي.
ضحك الشاب، خد التميمة حطها في جيبه، خليك انت هنا، لكن أختك هتيجي معانا، إحنا محتاجين أضحية.
فتحت بقى اعترض بصراخ، صوب المسدس على دماغي.
حط إيديك ورا ضهرك كتفه يا عوض.
ظهر راجل أسمر من ورا الصخور كتفني بحبل.
صرخت كوكي معترضة لكن الشاب بص لها بصه مرعبة، لو مسمعتيش الكلام هخلي الراجل يرمي أخوكي في البحر.
مشيو وسبوني متكتف، غصب عني قعدت أبكي، أبكي على نفسي وعلى أختي اللي ضيعتها.
لما وصلوا المقبرة كان فيه ناس كتير منتظراهم فوق الوادي.
كان فيه كشافات وبكر رفع وسلم خشبي.
أخرج الشاب التميمة ووضعها فوق الصخور، تحركت التميمة كأن بها محرك داخلي.
سار الناس خلف التميمة لحد ما توقفت، في تلك اللحظة أمر الشاب احفروا هنا.
بدأ الرجال يحفرون بالمعاول ويزيحون الرمال.
الشاب للراجل اللي معاه: انت عارف إننا مش ممكن نسيب الواد ده حي، إحنا هندبح أخته ونستعين بدمها في فتح المقبرة، التميمة مش هتشتغل من غير ضحية بديلة؟
الراجل اللي في رجله عرج، اعمل اللازم، المهم المقبرة تنفتح.
الناس مستعجلين، العربيات اللي هتنقل الآثار جاهزة والفلوس جاهزة.
بعد تلت أمتار صرخ واحد من العمال، باب المقبرة ظهر.
زي ما كان متوقع، محدش قدر يفتح باب المقبرة المسحور.
صرخ الشاب النحيل هاتوا الطفلة مفيش وقت.
جروا كوكي اللي عمالة تصرخ وصوتها واصل لحد أخوها المتكتف وعمال يعيط.
أخوها اللي كان الندم بياكله على تورطه مع تجار الآثار.
صرخ إسماعيل أختي، أختي، كوكي؟
ردت عليه كوكي بصراخ وعياط يقطع القلب، حاول إسماعيل أن يتخلص من قيوده أن يدفع حارسه في النهر وكاد أن ينجح لكن الحارس لحق نفسه في آخر لحظة.
الحارس من غيظه دفع إسماعيل ليسقط داخل النهر.
وضع الشاب عنق كوكي على التميمة وثبتها كويس.
أخرج خنجر حاد وضعه على رقبتها، البديل، البديل، نحرر واحدة محبوسة منذ زمن، نستبدلها بأخرى وقطع عروق رقبة كوكي.
شاهد الناس دخان يتطاير، مثل طيف صغير يخرج من التميمة، وخرج طيف من جسد كوكي ليندمج مع التيمة المعدنية، مجرد لحظات وكانت صورة كوكي محفورة داخل التميمة مكان صورة الطفلة السابقة التي اختفت.
انفتح باب المقبرة ونزل العاملين داخلها بواسطة السلم الخشبي.
ذهب كثير، آثار، ذئبق أحمر، تماثيل فرعونية.
جسد كوكي كان مرمي على الصخور ممدد بسلام، حتى وجهها رغم موتها لم يفقد برائته.
وفجأة دب صوت مرعب داخل المقبرة صم الآذان، انغلق باب المقبرة على الناس بداخلها.
وارتفع صراخ العمال كان هناك طيف يقتلهم، يسحقهم يمزقهم.
مات داخل المقبرة أحد عشر عامل.
حمل الطيف جسد كوكي وسار به حتى وصل الشاطئ.
ثم غاص داخل المياه حتى عثر على جسد أخيها.
وضع الجسدين ممددين على الأرض إلى جوار بعضهما.
ثم أسفل الجبل قام بحفر قبر كبير.
وحمل الجثتين ووضعهم جوار المقبرة، بضربة من يده صنع شاهد قبر كتب عليه كوكي.
كفن الجسدين بملابس بيضاء ونشر الزهور والورود حولهم.
ثم رحل.
في الصباح وجد الفلاحين ورعاة الأغنام الجسدين ووجدوا إلى جوارهم قبر محفور، كانت رائحة الجسدين طيبة حتى ظن الفلاحين أنها أجساد مباركة، اجتمع الناس حول الجسدين ثم قاموا بدفنهم وزراعة الأشجار حول قبريهم.
شمال وادي الملوك وعلى بعد مائتي متر من معبد حتشبسوت يمكنك رؤية قبر كوكي، الذي نبتت حوله الزهور والأشجار ووضع سبيل ماء إلى جواره كأنه روضة أو واحة مخضرة.