تحميل رواية «كسرة وضمة وسكون» PDF
بقلم رحاب ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
دخلت شهد وهي تزفر بضيق وغيظ إلى تلك الشقة الصغيرة بالطابق الثاني من مبنى آيل للسقوط بمنطقة تابعة للعشوائيات. دفعت الكتب الدراسية من يدها بعصبية وجلست على الأريكة القديمة البالية. رمقتها شقيقتها التوأم رقة وسألته بقلق: _ مال وشك مقلوب كده؟ نظرت لها شهد وأجابت بغيظ شديد: _ جالي عريس. اغتاظت منها رقة وقالت: _ حرام عليكي خضتيني! أنا بحسب في مصيبة من مصايبك حصلت! ضيقت شهد عينيها بعصبية وصاحت: _ ولما كل شوية يتقدملي واحد أنيل من اللي قبله ده مش يخض؟! أنتي عارفة مين اللي اتقدملي؟ الأستاذ المحترم الديلر...
رواية كسرة وضمة وسكون الفصل الأول 1 - بقلم رحاب ابراهيم
دخلت شهد وهي تزفر بضيق وغيظ إلى تلك الشقة الصغيرة بالطابق الثاني من مبنى آيل للسقوط بمنطقة تابعة للعشوائيات.
دفعت الكتب الدراسية من يدها بعصبية وجلست على الأريكة القديمة البالية.
رمقتها شقيقتها التوأم رقة وسألته بقلق:
_ مال وشك مقلوب كده؟
نظرت لها شهد وأجابت بغيظ شديد:
_ جالي عريس.
اغتاظت منها رقة وقالت:
_ حرام عليكي خضتيني! أنا بحسب في مصيبة من مصايبك حصلت!
ضيقت شهد عينيها بعصبية وصاحت:
_ ولما كل شوية يتقدملي واحد أنيل من اللي قبله ده مش يخض؟! أنتي عارفة مين اللي اتقدملي؟ الأستاذ المحترم الديلر بتاع المنطقة الزفت اللي احنا ساكنين فيها دي. قولتلك يا رقة مليون مرة تعالي نمشي من هنا وننفد بجلدنا من العصابة اللي أحنا عايشين في وسطهم دول.
ابتلعت رقة ريقها بمرارة وقالت:
_ وهنروح فين بس! الشقة دي كل اللي حليتنا، لا عارفين نبيعها ولا حد راضي ياخدها إيجار حتى، ومالناش أي دخل نصرف بيه على نفسنا لو مشينا. ويادوب شغلي في المصنع مغطي مصاريف جامعتك والاكل والشرب.
نظرت لها شهد وقالت بحدة:
_ أنتي بتعايريني عشان بتصرفي عليا! أمتى أخلص الجامعة وأشتغل وارجعلك كل جنيه صرفتيه عشان ما اسمعش كلامك اللي يحرق الدم ده.
توترت رقة من صوت شقيقتها المرتفع ونشطت عقدتها النفسية مع الأصوات العالية.
فقالت وهي تقريبًا ترتجف من التوتر وخفقان قلبها:
_ أنا هعايرك برضه يا شهد؟! أنا بفهمك الوضع مش أكتر، وبعدين شوقي مش هيسيبنا في حالنا لو فكرنا بس مجرد تفكير إننا نمشي من هنا.
ضربت شهد يديها ببعضهما في غيظ من كل شيء وقالت بضيق:
_ مش عارفة ليه حظنا موقعنا في وسط شوية بلطجية طمعانين فينا، وياريت لو كان لينا راجل يوقفلهم. كان نفسي يكون لينا عيلة كبيرة تحمينا من شوقي وعصابته والبلطجية بتوعه.
خيم الصمت لبعض الوقت حتى قالت رقة بإنهزام:
_ ما تقلقيش يا شهد، لو وصل بيا الأمر أني أوافق أتجوزه عشان احميكي هوافق. أنا ماليش غيرك في الدنيا.
رق قلب شهد لشقيقتها التوأم وقالت برفض تام وتأكيد:
_ مستحيل أسيبك تعملي كده في نفسك، تتجوزي بلطجي ومجرم؟! رغم غيظي من طيبتك اللي ماينفعش تعيشي بيها في الغابة اللي احنا عايشين فيها دي إلا إني بحمد ربنا على وجودك في حياتي يا رقة.
واقتربت شهد لشقيقتها وتبدل ضيقها لابتسامة وقالت:
_ اصلك بتكمليني يا توأمي. أنا شرسة وعصبية، بس أنتي طيبة وهادية. هادية أوي لدرجة تغيظ. أنا مقدرش اضحي براحتي عشان مخلوق، بس أنتي ممكن تضحي بحياتك عشاني عادي! ساعات ببقى نفسي أقولك كفاية اللي أنتي فيه وفكري في نفسك شوية. ده أنتي مكملتيش تعليمك وأشتغلتي عشان أنا اتعلم!!
ابتسمت رقة وقالت بحنان:
_ أنا مبسوطة كده، المهم أني عملالك الأكلة اللي بتحبيها.
ضيقت شهد عينيها وقالت بتساؤل:
_ محشي صح؟ أنا شامة ريحته، قولي صح؟
هزت رقة رأسها بابتسامة واسعة.
فهتفت شهد بسعادة:
_ أيوة كده دلعيني يا توأمي.
ذهبت رقة تعد مائدة الطعام المتواضعة وركضت شهد بحماس لتبدل ملابسها.
وبعد قليل كانتا الشقيقتان جالستين يتناولان طعامهما في شهية.
وتفاجئت رقة بشقيقتها شهد وهي تضع يدها على كتفها وتقول باعتذار:
_ ما تزعليش مني يا حبيبتي، أنا عارفة أنك بتتوتري من الصوت العالي ومع ذلك دخلت أزعق فيكي بغبائي ونسيت.
ابتسمت لها رقة وقالت بمشاكسة:
_ يا بت كملي اكلك قبل ما يبرد، ما أنا قدامك أهو زي الفل واحسن.
نظرت لها شهد بألم وقالت:
_ نفسي تبقي زيي يا رقة، ساعات بسأل نفسي أنتي بتتعاملي أزاي في شغلك في المصنع، ما بقدرش حتى أتخيل أن ممكن حد يزعقلك وتباني قدامه بالضعف ده، بس والله لما اخلص جامعة وأشتغل هنروح لأكبر دكتور نفسي وهتبقي كويسة والله.
وتابعت شهد بألم:
_ أنتي بس اللي مش عارفة تنسي اليوم اللي..
وسكتت شهد ولم تتابع حديثها الذي أثار عليها أبشع ذكرى حدثت منذ سنوات وستظل تتذكرها حتى آخر الأنفاس.
ابتلعت رقة ريقها بمرارة وهي تتذكر عدد المرات التي لا تحصى من السخرية من زملائها عند كل مشاجرة، ومظهرها الذي يثير الشفقة وهي ترتجف وتنزوي بعيدًا، وتبكي بمجرد أن يصيح أحدهم بوجهها، عوضًا عن الذكرى المريرة التي هي سبب تلك العقدة النفسية من الأصوات العالية والصراخ.
ابتلعت تلك المرارة بحلقها وابتسمت بالكاد لتخفي هذا الحزن وقالت كاذبة:
_ زمايلي كلهم بيحبوني ومش بنتخانق أبدًا ما تقلقيش، وبعدين الحكاية مش محتاجة دكتور نفسي ولا حاجة، أنا بس ما بحبش الصوت العالي وبتوتر منه.
بدلت شهد مجرى الحديث وقالت بمزاح:
_ عارفة يا بت يا رقة، أنا نفسي يجي اليوم اللي يتقالي فيه أنتي الفلوس غيرتك يا شهد، نفسي أبقى حرم الباشا، نفسي أهدد الناس وأقولهم انتوا ما تعرفوش أنا مين؟!.، واعمل مكالمة من تليفوني يوديهم في ستين داهية بجد. ده لو حصل هسجن جيراني كلهم بالمنطقة بحالها.. هعمل حاجات حلوة كتير أوي والله.
ضحكت رقة بصدق وقالت:
_ ربنا يكرمك وتنجحي وتحققي أحلامك من غير أذية.
ابتسمت شهد بسخرية وقالت:
_ بعد إذن الطموح والنجاح أنا مش لسه هصبر، أنا عايزة أبقى أغنى واحدة في مصر بكرا الصبح بالكتير. فياريت بقا نصيبي يوقعني في مليونير هادئ الطباع، طيب القلب، يقدس الحياة الزوجية، ويعشق الشوبينج والسفر والهدايا.. عايزاه ثري مصري ويا سلام بقا لو صعيدي.
وتابعت بعد برهة:
_ ويجبلي طيارة أتمشى بيها في وسط البلد.
شردت رقة بابتسامة حالمة وقالت:
_ أنا نفسي بس يبقى حنين.. ويحبني أوي، وبيت صغير مقفول علينا مليان فرحة وأمان.. الفلوس مش كل حاجة والله.
سخرت منها شهد وقالت:
_ أنا طماعة وعايزة بقا كل حاجة.. الحب والفلوس.. والطيارة.
تشاركا الشقيقتان المزاح والضحك واكملا وجبتهما في شهية.
نفث شوقي دخان سيجارته وقال بعد شرود لمن حوله من رجال عصابته وهو جالسا بـمكان مسقف بالصفيح ومعبأ بالقاذورات ودخان السجائر:
_ هو الواحد لما يحب يا رجالة.. إيه الهدية اللي ممكن يجبها لحبيبته تليق بيه كـمجرم؟.. عايز أفكار بنت شرسة.
قال أحدهم وهو تقريبًا سيفقد الوعي من السُكر:
_ جبلها البوليس يا معلم.
صفعه شوقي صفعة افقدته المتبقي من وعيه وسقط مغشيا عليه.
وعاد شوقي مرةً أخرى شاردًا ثم قال بهيام:
_ قدامها بنسى أني مجرم وصايع وخارج عن القانون.. ببقا عايز أقول شِعر، بس مش حافظ حاجة لطه حسين.. اكتبولي شعِر اقولهولها ياض منك له.
اقتراح احدهم وقال وهو يترنح من السُكر:
_ ما يمكن مش حب ويكون اعجاب بس يا معلمي؟
رد شوقي بتعجب:
_ وإيه الفرق مابينهم ياض؟
أجاب القائل بفصاحة:
_ الفرق بين الحب والإعجاب زي الفرق بين السجاير والسيجار.
اعترض شوقي وقال:
_ إجابة مش مقنعة.
اعترض أحدًا آخر من الرجال وقال:
_ يا معلم أنت الوحيد المتعلم فينا.. معاك تانية أبتدائي وملحق ترم أول، احنا كلنا بصمجية وعرر.
قال شوقي بحسرة:
_ والعلام فادني في إيه بس..!.
استفاق قليلًا المغشى عليه وقال ببطء:
_ أما أنا حلمت حتة حلم.. ربنا يجعله من نصيبك يا معلم شوقي.
ابتسم شوقي وقال:
_ فرحني ياض.. حلمت بإيه؟
أجاب الآخر وقال:
_ حلمت بحمام أبيض كتير داخل الخرابة وبيلف حواليك.. وطيرت معاهم.. واتبسطت أوي.
قال مرعي صديق شوقي وذراعه الايمن:
_ لعله خير يا معلم.. حاسس أن فرحك قرب وهنفرح كلنا.
لم تمر دقيقتان حتى هجم على المكان قوة وعدد كبير من رجال الشرطة وعلى رأسهم ضابط شرطة ضخم الهيئة ويظهر عليه أنه صاحب طباع عنيفة لا ترحم، ويبدو أنه تولى حديثا مهمة تنظيف تلك المنطقة من المجرمين والخارجين عن القانون.
وقال بحدة وهو يجر شوقي من ياقة قميصه بعنف:
_ أنت بقا شوقي أبو حتة اللي لامملي شوية صيع حواليك وعاملين فيها عصابة وقطاع طرق؟!!
نظر له شوقي بقلق وقال وهو يرفع كفه بجانب رأسه احتراما:
_ شرفت يا باشا.. وبعدين مين شوقي أبو حتة ده! ده مش أنا… مش يمكن تشابه أسماء؟
رد الرجل الذي استفاق من الوعي منذ قليل وقال:
_ يكونش ده الحلم اللي حلمته يا معلم شوقي؟
نظر له الضابط حازم بنظرة غاضبة وجر شوقي بمهانة أمام سكان المنطقة الذين تجمعوا للتو ودفعه بشراسة داخل عربة الشرطة بعدما اطاحه ضربًا ولقنه درسا امام الجميع.
وقام رجال الشرطة بجمع باقي أفراد التشكيل الأجرامي هذا وسجنهم داخل العربة، ثم غادرت السيارات لقسم الشرطة.
وقد شهدت هذا المشهد أمرأة تدعى “أم بسنت” وابتسمت بانتصار ثم ركضت نحو المنزل الذي يقطن به الشقيقتان التوأم.
اطرقت ام بسنت على باب الشقة بلطف لعلمها أن جارتها “رقة” ترتجف من الأصوات العالية لأي شيء.
بينما كانت رقة تضع كفيها على أذنيها لكي لا يصل إليها الأصوات العالية الصادرة من الشارع والتجمع الغريب لسكان المنطقة.
حتى انتبهت قليلًا للطرق الخفيف على باب الشقة، وانتبهت أن الاصوات قد هدأت بعض الشيء.
فذهبت وهي تحاول السيطرة على ارتجافتها وفتحت الباب، لتقابلها أم بسنت بفرحة وهي تقول وتدخل الشقة بسرعة:
_ شوقي اتقبض عليه يا رقة وربنا نجدك منه ومن شره.
تفاجئت رقة من الخبر وقالت بعدم تصديق:
_ ده بجد!!
وعادت قائلة بيأس:
_ بس كلها يومين ويخرج زي العادة.
ردت أم بسنت قائلة بتأكيد:
_ المرادي لأ ما أظنش.. أصل الضابط الجديد اللي جه المنطقة وقبض عليه بيقولوا عليه مش سهل ومابيرحمش وكان مستحلف لشوقي ورجالته من زمان.
وضحكت أم بسنت وهي تصف لرقة المشهد الذي رأته منذ قليل:
_ ده أنتي لو شوفتي شوقي وهو زي الكتكوت بين ايديه وبيضرب وبيترجاه يسيبه مكنتيش هتصدقي عنيكي.. شوقي اللي عامل نفسه شبح المنطقة أتذل وما أظنش هيبقى ليه عين ينزل منطقتنا تاني.
تحمست رقة وقالت:
_ ياريت ده يحصل، ده يبقى دعوتي اتحققت وربنا بعده عني.. بس مين الضابط الجديد ده؟
أجابت ام بسنت بإعجاب شديد وأنبهار:
_ سمعت الولا بودة القهجوجي بيقول أن اسمه حازم شاهين، ضابط بس بيقولوا من عيلة غنية أوي أوي وتقيلة.. ده كمان بيقولوا أن أخوه الكبير أشهد شاهين حاجة كبيرة أوي في السوق وكده.. بس شكله مرعب.. أصل الولا بودة كان شغال مع حد يعرف الضابط ده وعيلته.
رددت رقة الكلمات بتعجب:
_ أشهد! أول مرة اسمع الاسم ده، اسم حلو أوي، بس شكله مرعب! أزاي يعني مش فاهمة؟
قالت الجارة بصدق:
_ مش عارفة، سمعت الكلمتين دول وأنا جيالك.
وقد انتبهت أم بسنت لشهد النائمة على الأريكة وقالت بضحكة:
_ شهد نومها تقيل أوي، أنا مش عارفة أنتوا توأم أزاي.. أنا بعرف أفرقكوا عن بعض بسهولة.
ابتسمت رقة وقالت وهي تنظر لشقيقتها بمحبة:
_ أحنا مش شبه بعض أوي.. بس شهد أحلى مني.
قالت ام بسنت باعتراض:
_ لأ.. انتوا الاتنين أحلى من بعض.
وشردت ام بسنت قليلا ثم قالت:
_ تصدقي يابت يا رقوقة.. أنا بتمنى تتجوزي أنتي وشهد أتنين أخوات زي الضابط ده وأخوه.. ده أنتوا هتبقوا حديث المنطقة بحالها وهتتنغنغوا في العز، ده غير بقا أن محدش هيقدر يبصلكم.
ضحكت رقة وقالت:
_ ما تتفرجيش على مسلسلات هندي تاني يا أم بسنت.
شاركتها أم بسنت في المزاح وقالت:
_ بطلت من زمان يا أختي.. هو حد يصطبح بوش حنفي جوزي ويبقى ليه نفس يحلم ولا يعيش حتى.. الله يجازي اللي كان السبب في الجوازة دي.
وظلا يتحدثان حتى قررت الجارة أم بسنت أن تعود لمنزلها.
وفي المساء.. بمنزل كبير فخم.
كان يقرأ ما كتب عنه بأحد الصحف اليومية وعينيه الحادة تتجولان بسخرية على الكلمات المكتوبة وتشير إليه باتهامات كارثية بين السطور، وذلك حينما دخل عليه فجأة شقيقه الأصغر “حازم” وقال بعصبية وبيده نسخة أخرى من جريدة اليوم:
_ نهال نفذت كلامها وقررت تدمر سمعتك يا أشهد! أنا قولتلك سيبهالي وأنا هوقفها عند حدها مسمعتش كلامي!!
وضع أشهد الجريدة على المكتب بهدوء، ثم نهض وظهر إصابة قدمه اليسرى المزمنة التي كانت نتيجة حادث مروع تعرض له منذ سنوات وأسفر عن عرج سيلازمه طيلة حياته.
وعندما وقف بقامته المهيبة أمام شقيقه الاصغر قال بهدوء يحسد عليه:
_ لحد دلوقتي مافيش حاجة تقول بشكل صريح أن الكلام المكتوب ده عليا.
تحدث حازم بغيظ وقال:
_ يعني لما يتكتب أول حروف اسمك الثلاثي اللي بسهولة أي حد هيقدر يخمنه ده يبقى اسمه ايه؟.. أنت فاهم يعني إيه يتعرف إنك على علاقة بواحدة متجوزة وبتقابلها في يخت والصحافة تكشفك! أنت أزاي ساكت عن اللي بتعمله؟
ابتسم اشهد ابتسامة ثعلبية ساخرة وأجاب:
_ ساكت لإني لو اتكلمت هبقى بأكد اللي بيتقال.. وعلى فكرة الكل عارف إنها هي اللي بتجري ورايا وأنا مش شايفها.
اعترض حازم وقال:
_ أنا مش مقتنع باللي بتقوله يا أشهد.. محدش هيصدق أنك بريء من الاشاعات دي، خصوصا أنكم كنتوا مخطوبين في يوم من الأيام.
وهنا ظهر الغضب على وجه أشهد وقال مشيرًا إليه بتحذير:
_ أنا قولتلك مليون مرة ما تفتحش الموضوع ده تاني.
وقبل أن ينطق حازم بكلمة انتبه لنقر على باب المكتب، وحينما سمح أشهد بالدخول وجد الخادمة تخبره أن والدته تريد رؤيته في الحال هو وشقيقه حازم.
فقال حازم بضيق:
_ أتمنى ما يكونش اللي في بالي هو اللي حصل.
تنفس أشهد بعمق وخرج من المكتب وتبعه شقيقه الاصغر.
نظرت السيدة ” مشيرة ” للجريدة بكراهية وغضب وهي طريحة الفراش منذ بضعة أشهر بمرض أفقدها القدرة على الحركة، حتى دخلا ولديها لغرفتها وعلى وجهيهما الترقب والمقت.
فقالت مشيرة وهي تلقي بالجريدة أرضا بعصبية:
_ المرادي مش هسكت عن اللي بيحصل ومش هسمع كلام حد فيكم واسكت.. أنا خدت قراري خلاص، واللي مش هينفذه فيكم يعتبر أن مالوش أم وهغضب عليه لحد ما أموت.
وهذا الغضب الظاهر بعينيها وبكلماتها أخبرهما أنها تتحدث بجدية ولا سبيل للتراجع أو المناقشة.
فقال اشهد وهو يتوقع ما قررته:
_ وأنا مش صغير عشان تختاريلي اللي هتجوزها!!.
قالت مشيرة بغضب شديد:
_ هتنفذ اللي هقوله غصب عنك يا اشهد أنت وأخوك.. كفاية بقا اختياراتك الغلط.. ما هي نهال دي كانت في يوم من الأيام حبيبتك واختيارك اللي اتحدتيني عشانها وخطبتها غصب عني!!… أنا كلمت سميحة أختي واتفقت معاها خلاص.
قال حازم بغيظ:
_ على الأقل كان لازم تتكلمي مع أشهد الأول يا ماما.
وأضافت مشيرة أضافة كارثية وقالت:
_ أنا كلمت سميحة أختي على بناتها الأتنين ليكم.. هتتجوزو أنتوا الأتنين في يوم واحد وفي ظرف شهر.
فغر حازم فاه من الصدمة وقال بعصبية:
_ مستحيل.. لو مش هعيش في البيت ده تاني مستحيل انفذ اللي بتقوليه ده!!
قالت مشيرة بإنفعال:
_ ومالهم بنات خالتك؟.. ناقصهم إيه أن شاء الله؟ وبعدين هو حد فيكم قرر يتجوز وأن قولت لأ؟
رد أشهد بـ رد صادم:
_ مش ناقصهم حاجة يا أمي.. بس أنا مرتبط، بنت قابلتها من فترة وحبيتها وأتفقنا، لو صبرتي شوية كنت هكلمك عنها عشان تتقابلوا.
صدمت مشيرة من الخبر، ولوهلة ذهل حازم من ما قاله أشهد، حتى غمزه أشهد بخفاء وفهم حازم الأمر وقال هو الآخر:
_ وبصراحة أنا كمان مرتبط وبحب.. ومستحيل اسيب اللي بحبها عشان بنت خالتي.. دي غلطتك أنك مخدتيش رأينا قبل ما تتفقي مع أختك.
نظرت لهما مشيرة بشك وقالت:
_ ومين بقا دول اللي عرفتوهم من ورايا؟.. يارب بس ما يكونوش من عينة نهال!!.
أكد أشهد على قوله:
_ لما تشوفيها هتتأكدي إني اخترت صح.. وهخليكي تقابليها قريب.
نظرت له مشيرة وقالت بغضب:
_ عايزة أشوفهم.. ولو عرفت أنكم بتكدبوا عليا يا ويلكم مني.
خرجا أشهد وشقيقه من الغرفة صامتين، وبعد قليل انفجر حازم ضاحكا وقال:
_ لا بس برافوا عليك، أنقذتنا من مصيبة كبيرة وخرجنا منها الحمد لله.
نظر له أشهد بضيق وقال:
_ لسه مخرجناش أوي.. أحنا لازم نلاقي بنتين ينفذوا المهمة دي ونضمن أنهم مش هيتكشفوا ولا هيتكلموا بعد كده.. الموضوع المرادي مش سهل وأمك مصممة على رأيها.
قال حازم ببساطة:
_ سيبلي موضوع البنات ده.. أعرف كتير.
تنفس أشهد بعمق ونفاد صبر ثم قال:
_ لأ.. أنت بالذات مالكش علاقة بالموضوع ده، أنا هعرف أختار بنتين مناسبين للمهمة دي.. متنساش أحنا نبقى مين!
سأل حازم بحيرة وقال:
_ ماهو مافيش بنت ناس وبنت عيلة هتقبل تمثل التمثيلة دي معاك يا أشهد!!.. إلا لو كانت بقا تبقى خطوبة بجد!!.
زفر أشهد بضيق وقال:
_ هعرف اتصرف.
وذهب أشهد لغرفته بعد ذلك وقرر أن يأخذ دشا دافئ، وعندما خلع قميصه ظهرت أثار الحروق العميقة التي تملأ نصف جسده بالجانب الأيسر، فتجنب أشهد النظر لتلك الأثار البشعة التي تتنافى تماما مع وسامة وجهه الخلابة التي تدير رؤوس النساء.
بينما جسده هو ذاته لا يطيق النظر اليه، وأخذ منشفة بيضاء وذهب دشا سريع.
نهضت شهد وتثاءبت بكسل ثم ابتسمت بحالمية وشردت.
وانتبهت لها شقيقتها رقة فتساءلت بابتسامة:
_ مش عادتك يعني تقومي من النوم مبسوطة كده.. ده أنتي مابتبقيش طايقة نفسك!
قالت شهد وهي تضم وسادة صغيرة بين ذراعيه بابتسامة وشاعرية:
_ حلمت حلم جميل أوي يا رقة.. قال إيه في ضابط جه جديد في المنطقة وقبض على شوقي.. وهو وأخوه حبونا واعجبوا بينا واتجوزونا.
صدمت رقة للحظة ثم انفجرت من الضحك وقالت:
_ لأ أنتي الأرسال عندك كان عالي شوية وام بسنت بتتكلم.. أصل اللي حكيتيه ده هو اللي حصل.. بس نصه بس اللي حصل لحد ما اتقبض على شوقي، تلاقيكي سمعتيها وأنتي نايمة ومخك أشتغل وحطيتي التاتش بتاعك والفتي بقية الحلم جدعنة منك كده.
كشرت شهد وقالت باعتراض:
_ وحتى يعني لو ده اللي حصل.. ما ممكن يتحقق عادي ولا هو يعني مستحيل؟
ارتشفت رقة من كوب الشاي الدافئ وقالت:
_ روحي كملي نومك يا شهد عشان تقومي فايقة وتصحصحي للواقع يا حبيبتي.
رمقتها شهد بغيظ وذهبت للمرحاض لتغسل وجهها وتستفيق.
رواية كسرة وضمة وسكون الفصل الثاني 2 - بقلم رحاب ابراهيم
خرج “أشهد” من حمام غرفته وهو يجفف شعره الأسود الطويل خلف أذنيه بالمنشفة، ثم بدأ يستعد ويرتدي حلة أنيقة مناسبة للسهرة المسائية لعقد إحدى الصفقات التجارية الكبرى.
وحينها ارتفع رنين هاتفه باتصال من رقم مجهول. نظر للهاتف بعدم اكتراث، وتكرر الرنين مرارًا بيأس المتصل، حتى أجاب أشهد.
لم يتفاجأ كثيرًا عندما سمع صوتها الناعم المألوف وهي تهمس ببطء مقصود وتقول بعتاب:
_ كنت مستنياك في اليخت يا أشهد.. ومجتش!
زفر أشهد بنفاد صبر وقال:
_ ومش هاجي.. ومش عارف كام مرة هقولك تشيليني من دماغك؟! وكام مرة هفكرك إنك ست متجوزة ومايصحش اللي بتعمليه!
سيطرت نهال على غضبها في الرد وابتلعت ريقها بعصبية ثم قالت:
_ أظاهر إنك أنت اللي نسيت إني كنت حبيبتك في يوم من الأيام، أنا عارفة إنك لسه بتحبني بس زعلان مني عشان اتجوزت وسيبتك.. بس أنا ما سيبتكش صدقني.. فاروق هو اللي..
قاطعها أشهد بهدوئه المستفز المعتاد قائلًا:
_ ماتهمنيش تفاصيل جوازك.. ولآخر مرة هحذرك تبعدي عني، وشوية الصحفيين اللي مأجراهم ومخلياهم يهاجموني في الجرايد ويشوهوا سمعتي أنا بسهولة ممكن أوديهم في داهية وأنتي قبلهم.. بس لحسن حظك إني مش فاضيلكم ومش فاضي للتفاهات دي، استغلي الفرصة واحترمي نفسك واحترمي الراجل اللي أنتي على ذمته وأنسيني أحسنلك.
وأنهى أشهد الاتصال بعدم اهتمام وعاد للمرآة ليتأكد من هندامه ورباط عنقه الأنيق.
بينما نظرت نهال للهاتف بذهول بعدما أغلق الاتصال بمنتهى الاحتقار لها، ثم دفعته بغضب هستيري وشربت ما في كأسها دفعة واحدة بمرارة.
ثم قالت بحقد شديد والدموع تتساقط من عينيها بغزارة:
_ أنا اللي كنت غبية وجريت ورا الفلوس واتجوزت راجل عجوز مالوش أي لازمة في حياتي!
ابتلعت ريقها المر وعينيها مليئة بالحقد والشر والدموع الوقحة قائلة:
_ لا يا أشهد مش هنساك ولا هسيبك في حالك.. أنت كنت ليا وهتفضل ليا لوحدي حتى لو غصب عنك.
وبدأت بدفع وتكسير بحالة غضب هستيرية كل ما تطاله يدها بالغرفة المكسوة بأفخم قطع الأثاث الحديث، حتى جرحت يدها وبدأت بالصراخ وكأنها رأت شبحًا مخيف.
فتح الباب وظهر بعض الخدم ويبدو أنهم قد اعتادوا على تصرفها هذا منذ فترة.. فلم يبدو عليهم الصدمة أو المفاجأة، فقط حاولوا تهدئتها وإبعادها عن شظايا الزجاج المتكسرة الجارحة ويضمدون جرحها.
وقالت إحدى الخادمات:
_ سيدي فاروق بيه عايزك يا ست هانم.
رفعت نهال رأسها بغضب بكتل الشعر الكثيفة وبعض الخصلات الملتصقة بوجهها بسبب حبات العرق وقالت بهتاف:
_ مش عايزة أشوف وشه.. مش عايزة أشوف حد.
قالت الخادمة وهي حائرة تتعاطف مع أي منهما:
_ يا ست نهال أنتي عارفة أنه تعبان ومش هيقدر يجيلك هنا، أنتي بقالك أسبوع رافضة تروحيله وتشوفيه وانتي بينك وبينه خطوتين! معلش روحيله عشان حالته النفسية بتسوء وهو مش مستحمل أصلًا.
صرخت نهال في الجميع قائلة:
_ وأنا حالتي النفسية مالهاش أي اعتبار كده؟!... اروح اعمله إيه؟.. ده جابلي اكتئاب بحزنه على نفسه وصحته اللي راحت! .. ده على أساس أنه مفكر نفسه كان لسه شاب يعني!! … ده قد جدي.. معرفش عقلي كان فين لما وافقت على واحد أكبر مني بـ ٤٠ سنة!
جلست نهال على مقعد وبكت بقهر وحرقة قائلة:
_ كل ده عشان شوية فلوس! .. ملعون أبو الفلوس اللي خلتني أضيع شبابي وفرحتي مع راجل زي ده ونسيت أني من حقي أعيش وأفرح زي أي بنت في سني! .. أنا كرهت الفلوس والمصانع والشركات والعربيات والفلل.. أنا أبيع ده كله بس يرجع بيا الزمن ٧ سنين بس.
تفوهت نهال بتلك الكلمات ولم تضع اعتبارًا أنها تتحدث أمام الخدم، لم تعد تعير الأمر اهتمامًا على الإطلاق، فهي قد كرهت كل شيء بذلك القصر الذي تراه كسجن ولم يعد يهمها الهمهمات والأقاويل عنها.
شعرت بثقل شديد يملأ قلبها، فنهضت والتقطت مفاتيح سيارتها وخرجت بخطوات سريعة. ولكن وهي تركض نزولًا على درجات السلم الرخامي قطع مرورها شاب طويل أخذ الكثير من ملامح والده الغليظة.
ونظر لها بنظرة ثعبانية لطالما احتقرتها وقال بمكر:
_ كنت طالعلك يا مرات أبويا.
تنفست نهال بعمق وهي تبتلع سيل من الشتائم كانت على أطراف لسانها ثم قالت:
_ لما تعوز تكلمني ابعتلي حد من الخدم يقولي.. مش تطلعلي!
ظهرت السخرية على وجه كريم وقال:
_ أصل مكنتش عايز حد يسمع الكلام اللي هقولهولك.. بخصوص الإشاعات واليخت وأ – ش. … ما يكونش الصحافة تقصد أشهد شاهين؟ .. ولا يمكن حد تاني!
رمته نهال بنظرة متحدة غاضبة وقالت:
_ مايهمنيش.. وما تجبش سيرة أشهد على لسانك تاني.. وإلا أنت عارف ممكن أخلي ابوك يعمل فيك إيه.
ولأنه يعرف مدى تأثيرها على والده الذي يجعله يصدقها مهما قالت وفعلت، ابتسم وقال:
_ حاضر.. بس مش عارف أنتي بتكرهيني ليه، مع إننا ممكن نبقى صحاب حلوين أوي.. ولا إيه؟
نفخت نهال بنفاد صبر واشمئزاز قائلة:
_ شكرًا.. مش محتاجة أصحاب.
نظر لها نظرة خبيثة وقال:
_ زي ما تحبي.. اللي يهمني راحتك.
رمته نهال بنظرة كراهية واحتقار، ثم تابعت نزولها وخرجت من هذا السجن بأكمله. وعندما جلست بسيارتها نظرت بسوداوية للقصر الكبير وقالت بعذاب:
_ أنا اللي رميت نفسي في الجحيم ده وبدفع التمن.. بس مش هفضل كده على طول، وأشهد لازم يرجعلي بأي طريقة.
***
وباليوم التالي في الصباح الباكر..
استيقظت “رقة” مثل عادتها وتوضأت وصَلت صلاة الضحى، ثم أعدت فطورًا سريعًا لشقيقتها شهد وأيقظتها برفق هامسة:
_ أصحي يا شهد بقا.. أنا جهزتلك الفطار أهو عشان متتأخريش عن أول محاضرة.. يابت أصحي.
وابتسمت عندما وجدتها شقيقتها التوأم شهد تفتح عينيها بكسل وتتثاءب. ثم اعتدلت شهد وابتسمت بحالمية وقالت:
_ يخربيت ده حلم.. آآآه لو يتحقق!
ضحكت رقة وهي تعد ساندويتشًا سريعًا وتلفه بورقة جرائد وتضعه في حقيبتها ثم قالت بسخرية:
_ يا ترى حلمتي بإيه تاني؟ .. أكيد بالفرح!
ورغم سخرية رقة، إلا أن هذا ما حدث بالفعل وأجابت شهد بثقة وهي تنهض من الفراش ببطء:
_ كنا نجنن أنا وأنتي بالأبيض يا رقوقة البرقوقة.
ضحكت رقة مرة أخرى وقالت:
_ أول مرة أشوف حد بيألف أحلام على مزاجه..!
ردت شهد بسخرية:
_ وهفضل أحلم أحلام على مزاجي.. هو لا هيبقى واقع ولا حتى خيال!!
تركتها رقة وقالت قبل أن تغادر للعمل:
_ افطري قبل ما تمشي ومصروفك تحت المخدة يا سندريلا ما تنسيش.
وضحكت رقة وهي تغلق الباب وتغادر.
***
وفي كلية الهندسة بجامعة القاهرة..
لاحظت نور شرود صديقتها شهد والابتسامة البلهاء المرتسمة على وجهها وهما جالستان على أحد المقاعد بقاعة ضخمة للمحاضرات. نغزتها بذراعها هامسة:
_ ما تبطلي سرحان وتقوليلي في إيه؟
اتسعت ابتسامة شهد وقالت:
_ هي حاجة تافهة.. بس بسطاني ومغيرة مزاجي للأحسن.
تحمست نور لتعرف الأمر وقالت:
_ طب ما تبسطيني معاكي!
روت لها شهد الأمر وهي تضحك بسخرية، ولم تلاحظ أن الثلاثي المغرور يجلسن خلفها واستمعن للأمر. فقالت إحداهن بعجرفة وتدعى نيللي:
_ أنتوا هتصدقوها!! … بقا دي أختها هتتخطب لأشهد شاهين المقاول المشهور! … دي أكيد كدبة إبريل!
وردت عليها إحدى أفراد الثلاثي وتدعى رباب:
_ بس هي هتكدب ليه يا نيللي؟
قالت الثالثة “كرما” بحقد وهي تنظر لشهد:
_ البت دي أصلًا شايفة نفسها معرفش على إيه؟
وانتبهت شهد أخيرًا لحديثهن، ودهشت عندما اعتقدت أن الأمر حقيقيًا ولم ينتبهن لبداية الحديث عندما قالت أنه مجرد حلم!! وانتبهت شهد أيضًا لما قالته نيللي وهي تتحدث:
_ بطلوا هبل وعبط.. أشهد شاهين هيبص للجرابيع دول؟
وغلت الدماء بعروق شهد واستدارت لها قائلة بشراسة:
_ وما يبصش ليه يا حربوءة منك ليها.. ما تلمي نفسك يابت أنتي وهي!
وضعت نيللي يدها على فمها ثم قالت بأشمئزاز:
_ ألفاظك بيئة زيك!
حاولت نور منع شهد من تهورها ولكنها فشلت، فقد نهضت شهد وقفزت عليهم وبدأت تصفعهن وتكيل لهن الضربات بغيظ. فصرخن عاليًا بمحاولة بائسة للفكاك من براثن تلك الشرسة. وحينما دخل مُعيد المادة الدراسية حولهن للتحقيق ومجلس التأديب بسبب ما حدث داخل القاعة الدراسية.
ووقفن الأربع فتيات للتحقيق بتلك الواقعة. حتى قالت نيللي وهي تبكي وتستغيث:
_ أنا مكلمتهاش والله… هي اللي لقيتها هجمت علينا وضربتنا وعورتنا.
وأكملت كرما قائلة بدموع كاذبة:
_ والله يا فندم ما عملنالها أي حاجة.. ده احنا حتى كنا لسه هنباركلها عشان أختها اتخطبت للمهندس أشهد شاهين صاحب شركات شاهين جروب.. معرفش هي عملت كده ليه.
وارتبكت شهد مما يحدث، وخصوصًا عندما سألها أحد أفراد التحقيق عن الأمر كليًا. حاولت أن تراوغ ولكنها لم تفلت عندما أوقعتها بالفخ الفتاة المسماة برباب قائلة:
_ أحنا سمعناها وهي بتقول كده والله العظيم وكنا لسه هنباركلها، لقيناها هجمت علينا والباقي حضرتك عارفه.
وسألها الرجل قائلاً بجدية ووقار:
_ ده حصل فعلًا يا آنسة شهد؟
ابتلعت شهد ريقها بتوتر. المطلوب منها الآن إما أن تكذب الأمر وتقول أنه مجرد حلم وتتحمل كم السخرية والتنمر الذي ستتلقاهما من زملائها عقب خروجها من هنا.. أو تؤكد الخبر. وفكرت قليلًا ووجدت أن لا أحد سيتحمل العناء ويتواصل مع أشهد شاهين خصيصًا ليعرف صحة الخبر، فقالت:
_ أيوة يا فندم.. لأنهم شتموني أنا وأختي وقالوا علينا جرابيع! .. فيها إيه يعني لو أشهد شاهين خطب أختي! .. إيه الصدمة في كده؟
رد عليها الرجل بلطف وقال:
_ لو ده فعلًا حصل وهما قالولك كده هيتعاقبوا.. اتفضلوا دلوقتي وأنا هعرف بطريقتي مين الصادق فيكم ومين الكداب.. بس اللي هتأكد من كدبه فيكم يتحمل اللي هيحصله، لإني مش هسمح للي حصل ده يحصل تاني داخل الجامعة.
وكان حديث الرجل مهذبًا عادلًا، إلا أن شهد تعترف لنفسها أنها بالفعل كذبت خوفًا من التنمر، وقد أوقعتها الصدف بتلك الكذبة. فلو كان الفتيات انتبهوا لبداية الحديث وعلموا أن الأمر مجرد حلم فما وجدت منهن سوى التنمر المباشر والسخرية وانتهى الأمر. أما الآن فهي في ورطة كبيرة لا تعرف كيف ستخرج منها!
وأسرت نور لصديقتها حينما وجدتها تغادر وسألتها بقلق:
_ عملتي إيه يا شهد؟
روت لها شهد ما حدث فطمأنتها نور وقالت:
_ الموضوع هيعدي وهيتنسي ما تقلقيش، هو يعني مين اللي هيهتم يروح يسأل أشهد ده هو خطب أختك ولا لأ؟ … شهر ولا حاجة وأبقي قولي الحقيقة أو حتى أن الخطوبة اتفسخت.
قالت شهد بضيق شديد:
_ ما بحبش أكذب يا نور.. بس التلات عقارب دول لو عرفوا أن ده كان حلم بحكيه مش هخلص منهم تريقة.. هيكرهوني أجي الجامعة.. أنا مش عارفة حاطني في دماغي ليه؟
واستها نور قائلة:
_ من ساعة ما رفضتي تغششي نيللي وشالت المادة وهي مش طيقاكي… بس صدقيني الموضوع هيعدي ومحدش هيركز.
تمنت شهد أن يحدث ذلك وتنهدت ببعض القلق.
***
وفي أحد المصانع الخاصة بطباعة الأقمشة والمفروشات..
وقفت رقة أمام طاولة مستطيلة ممتدة من بداية الطابق الثاني للمصنع حتى آخره. وبعدما رتبت الأقمشة على الطاولة لتجهيزها للطباعة اليدوية أتى إليها رئيس العمال وهتف بالجميع قائلاً:
_ خفوا ايديكم شوية صاحب الطلبية جاي بعد ساعتين يستلمها.
أسرعت رقة مع زملائها من الفتيات والشباب لإتمام الأمر في أقصر وقت ممكن. وعند مرور رئيس العمال على الجزء المطبوع من تلك الطلبية وجد خمس عينات من القماش المطلوب طباعته ملطخ بالألوان ومثقوب. فصاح بالقاعة بصوته المزعج قائلاً:
_ مين اللي بوظ العينات دي؟!! هو أحنا في كل طلبية تخرجولي كام حتة بايظين وتسمعوني من الناس كلام يحرق الدم؟!!
لم يرد أحد من العمال، رغم أن رقة كانت تعرف الفاعل ولكنها لم تحب أن تتسبب في أذى أي شخص. وظل رئيس العمال يصيح بصوته العالي، والذي كان يصيب رقة بالارتجاف والرعشة الواضحة والتوتر الشديد.
فتسحبت إحدى الفتيات الجدد وهمست للرجل قائلة بخبث:
_ البت رقة اللي فسدتهم.. كانت بتصلح الرتوش اللي طبعتها بمسدس الكهربا وخرمتهم.
نظر الرجل بغيظ لرقة، ثم توجه لها وظل يكيل لها الشتائم ويصرخ بوجهها بعنف. وحاولت أن تخرج صوتها وهي تبكي وترتجف ولكن دون جدوى. وحينما غادر رئيس العمال وهو لا يزال يتمتم بالسباب جلست رقة بإحدى الزوايا وانكمشت على نفسها وظلت تبكي وترتجف بعنف وتشهق. ولأن الجميع اعتاد على مظهرها هكذا لم يعيرها أحد أي اهتمام أو عطف.
وبعد دقائق كثيرة كان لابد أن تنهض وتعود لمواصلة عملها، وإلا ستنال المزيد من التعنيف.
وبعد ساعات عادت للمنزل بعينان متورمة من البكاء، بينما وجدت شهد ممددة على الفراش متظاهرة بالنوم حتى لا تلاحظ شقيقتها مدى التوتر والقلق عليها.
***
وباليوم التالي..
ذهبت شهد للجامعة كالمعتاد. وقد تحسنت حالتها النفسية حتى أنها قد سخرت من نفسها لمدى تضخيم الأمر بالأمس. ولكنها فوجئت بعدد من الطالبات قد أتين إليها للمباركات والتهنئة. وتسمرت شهد عندما قالت إحداهن بعفوية:
_ على فكرة الباشمهندس أشهد شاهين ليه ندوة مهمة الأسبوع الجاي.. بما أنه أصلًا خريج كلية الهندسة وكان الأول كمان.. وبقا في ظرف كام سنة رجل أعمال مشهور وناجح ومشاريعه مكسرة الدنيا.. فده مثال وقدوة للطلبة اللي زينا.. خصوصًا أنه بنى نفسه بنفسه.
فغرت شهد فاها من الذهول. إذا كان الأمر هكذا فقد انتهت كليًا. كادت أن يختل توازنها وتسقط على الأرض ولكنها توازنت قليلًا ثم قالت:
_ بعد إذنكم يا جماعة.. حاسة أن عندي هبوط!
ركضت إحدى الطالبات نحو شهد وأشارت لها بصفحات إحدى الجرائد قائلة:
_ الحقي يا شهد.. خبر خطوبة أختك اتنشر في الجرايد كمان.. أنا دلوقتي بس صدقت أنك صادقة!
وعانقتها الفتاة بفرحة وحماس، بينما تخشب جسد شهد وانتبهت لنظرة نيللي الساخرة من بعيد. وأدركت أنها خلف هذا الأمر. بما أن نيللي من عائلة ثرية ولديها معارف كثر.
وهمست نيللي لصديقتها رباب قائلة بسخرية:
_ لبستها في الحيط وحطيتها قدام الأمر الواقع.. أما نشوفها بقا هي كدابة ولا لأ.. أصل لو كدابة يبقى هي كده نولتني اللي في دماغي.
وضحك كلا من رباب وكرما على ما قالته نيللي ومكيدتها لشهد. بينما شهد أسرعت للخروج من الجامعة وكأنها هاربة من جريمة!
***
وبعد عدة أيام..
تنفس أشهد بعمق وتفكير وهو بمكتبه بالشركة ويقرأ كالعادة الأكاذيب والإشاعات عنه، ولكن تلك المرة بطريقة مختلفة.
فقد وجدت نهال طريقة مختلفة تمامًا لتشويه سمعته، حتى تلقى اتصال هاتفي من شقيقه حازم الذي قال بمجرد أن أجاب أشهد:
_ أنت لقيت البنات اللي هيقوموا بالمهمة ولا إيه؟ … أصل الخبر اللي منشور عنك..
قاطعه أشهد بهدوء:
_ لسه ما لقيتهمش.. والخبر ده ماليش علاقة بيه، رغم أنه هيخدمني الفترة الجاية.
تعجب حازم وقال:
_ فكرت إنك انت اللي وراه! … عجيبة؟!
مش معقول نهال تبقى بالغباء اللي يخليها تنشر الشيء وعكسه!!
رد أشهد قائلاً بسخرية:
_ أي كان مين اللي وراه، فهو في مصلحتي من جميع الجهات.
قال حازم بحسم:
_ حتى لو في مصلحتك.. أنا المرادي بالذات مش هسيب اللي بينشر عنك الاشاعات دي وهعرف مين اللي وراه.
قرأ أشهد بعض الجمل بالخبر وقال:
_ هو عمومًا مكتوب أن خطيبتي اللي أنا معرفهاش تبقى أخت طالبة بكلية الهندسة.. وبما أن عندي ندوة هناك فسيبلي الموضوع هعرف مصدره وحقيقته.
قال حازم بحدة:
_ أعرفلي بس مين الطالبة دي وسيب الباقي عليا.
وانتهت المكالمة وتجاهل أشهد الأمر وعاد يواصل عمله.
***
وظلت شهد ماكثة بالمنزل ورفضت الذهاب للجامعة بالأيام التالية. ويوما بعد يوم الخوف يكبر بقلبها من كشف الحقيقة التي من البداية لم تكن كذبة بل سوء فهم!
ولاحظت رقة اعتكاف شقيقتها بالمنزل وندرة حديثهما على غير العادة، فسألتها مرارًا وتكرارًا ولم تخرج بشيء سوى الصمت. حتى بعد مرور أسبوع صممت رقة وقالت لشقيقتها بعدما عادت من عملها بالمصنع ووجدت شهد شاحبة الوجه كأنها مريضة:
_ لا يا شهد.. أنتي ما بتغيبيش من الجامعة إلا لحاجة كبيرة وخطيرة.. أنتي بقالك أسبوع ما بتروحيش!! .. ده أنتي لما كان يفوتك محاضرة كنتي بتبقي مش على بعضك ومتنرفزة! .. في إيه قوليلي وطمنيني!
اعتدلت شهد وجلست على الأريكة وعينيها مليئة بالخوف حتى قالت شقيقتها رقة مرة أخرى بقلق:
_ أنتي مخبية عني حاجة! .. في إيه خوفتيني؟
ارتعشت شفتي شهد وهي تعترف لشقيقتها بالكذبة الغير مقصودة التي تحولت لكارثة، وقالت بتوتر في ختام حديثها:
_ الندوة بكرة، واكيد لما يوصل الجامعة هيعرف، أنا مرعوبة وخايفة أتكشف.. هتبقى مصيبة لو اتعرفت الحقيقة!
شعرت رقة بأنها تكاد أن تفقد وعيها من فرط الخوف وقالت:
_ أنتي ودتينا في داهية، هو أحنا قد أشهد شاهين وأخوه؟! .. ده أخوه يبقى الضابط اللي قبض على شوقي وعصابته وعامل رعب للمنطقة بحالها.. هنعمل إيه دلوقتي ونروح فين؟
نظرت شهد لشقيقتها بخوف شديد ولم تستطع التفوه بالمزيد. ولاحظت رقة أن شقيقتها شهد لأول مرة يبدو عليها القلق والخوف لهذا الحد. وفكرت رقة بشيء كان يجسد الرعب الحقيقي بالنسبة لها.. ولكن أن استطاعت مقابلته والتحدث معه قبل أن يصل غدًا بالجامعة، فسيكون ذلك أفضل بكثير من أن يكتشف الأمر بنفسه ويفضح الكذبة أمام الجميع.
انتظرت رقة حتى خلدت شقيقتها شهد للنوم مرة أخرى، وتسحبت من المنزل بعبائتها السوداء البسيطة، وتوجهت نحو العنوان التي تذكرته بصعوبة عندما أخبرتها به جارتها الطيبة ‘أم بسنت’ في إحدى المرات التي كانت تتحدث فيها أم بسنت عن عائلة هذا الضابط الجديد وثراءهم.
وفي الطريق كادت رقة أن تسمع دقات قلبها من الخوف، خصوصًا كلما تذكرت الوصف المخيف التي وصفته جارتها لهذا الرجل وهيئته.
الساعة الآن قد دقت الثامنة مساءًا.. فربما كان بعمله الآن!
على كل حال لابد أن تتحدث معه اليوم.. ليس هناك المزيد من الوقت كي تؤجل تلك المقابلة.
وعند مبنى شركته الضخم خرجت من السيارة الأجرة وتوجهت مباشرة للحارس كي تسأله.
فأشار لها الرجل نحو سيارة فارهة على بعد مترات قليلة منهما وقال:
_ الحقيه قبل ما يمشي.. لسه طالع من دقيقة وركب عربيته.
استدارت رقة للسيارة ونظرت إليها لبرهة، وركضت نحوها، ثم وقفت ولمست زجاج الباب الخلفي الذي لا يظهر ما بالداخل واطرقت عليه وعينيها تتوسل الاستغاثة.
ولكن……
رواية كسرة وضمة وسكون الفصل الثالث 3 - بقلم رحاب ابراهيم
أطرقت "رقة" على زجاج باب السيارة باستغاثة، لحظة واحدة تفصلها عن إنقاذ شقيقتها.
ظلت تطرق بإستماتة على الزجاج للجالس بالمقعد الخلفي من السيارة، وينظر بتمعن بحاسوبه وبأذنيه سماعة لا سلكية يبدو أنه يستمع لأحدهم من خلالها.
وبلحظة تحركت السيارة وإزدادت سرعتها وذلك جعل رقة يختل توازنها وتسقط على الأرض وهي تحاول مجارتها.
وعند سقوطها أرضاً ارتطم كف يدها بحجارة حادة الطرف مما جعلها تتأوه بألم ودموع وكفها بدأ ينزف بغزارة رغم بساطة الجرح.
نظرت رقة ليدها النازفة بدموع وصمت، ولكن دموعها كانت على ضياع الفرصة الأخيرة للتحدث معه وإنقاذ الموقف.
فأسرع إليها أحد الحرس وقال:
_ أنتي كويسة؟
بكت رقة بحرقة وهي تنظر ليديها النازفة بالدماء، ونهضت بالكاد وأخذها الحارس لتجلس بالمدخل حتى يستطع تضميد جرحها وقال:
_ أنا هتصل بالسواق بتاع أشهد بيه أقوله، البنت ايديها بتنزف جامد!
وجدتها رقة فرصة ذهبية وتظاهرت بالألم الشديد، وحاول الحارس إجراء الإتصال عدة مرات حتى أجاب السائق أخيرًا بعدما وصل أشهد لمنزله.
وقال:
_ أيوة يا اسماعيل في إيه؟
روى له الحارس أسماعيل الأمر، فقال السائق بدهشة:
_ أنا شوفتها بس مخدتش بالي إنها وقعت! كنت بحسبها واحدة متسولة ومكنش ينفع أوقف العربية عشانها!
قال الحارس له:
_ هي كانت عايزة أشهد بيه في حاجة، قوله دلوقتي.
ارتبك السائق وقال بقلق:
_ لو أشهد بيه عرف ممكن يتعصب عليا يا أسماعيل!
قال الحارس بحدة:
_ والبنت قاعدة ومستنية أشهد بيه يجي زي ما وعدتها، قوله عشان لو ما قولتلهوش هتصل بالبيت وأقوله.
أغتاظ السائق من الحارس إسماعيل وشعر أنه يرد له إساءة قديمة بينهما، فأجاب بعصبية:
_ ماشي هقوله، بس خليك فاكرها كويس.
ابتسم إسماعيل بانتصار وشعر أنه رد له الصاع، وانتظرت رقة على أمل مقابلته.
***
أخذ أشهد دشا سريع وخرج من حمام غرفته عاري الصدر وبدأ يرتدي حلة رمادية أنيقة لسهرة اليوم مع بعض رجال الأعمال، حتى انتبه لنقر على باب غرفته فسمح بالدخول بعدما أنتهى ووقف يمشط شعره أمام المرآة.
وقال أحد الخدم الرجال:
_ السواق عايزك يا بيه.
تعجب أشهد ونزل للطابق الأرضي ليجد السائق في انتظاره والقلق مرسوم على صفحة وجهه فسأله عن الأمر.
وأخبره السائق أمر الفتاة المجهولة التي أصيبت، فدهش أشهد وقال:
_ غريبة… أزاي ما شوفتهاش! تعالى رجعني للشركة واتصل بأسماعيل وقوله يدخلها الإستراحة على ما أوصل.
فعل السائق ما أمره به أشهد وتوجهت السيارة عائدة للشركة مرةً أخرى.
***
دق قلب رقة بخوف شديد وقدميها تطأ أرض غرفة بها آرائك بنية اللون ذات طراز راقِ أنيق وسجاد قد غاصت قدميها فيه، ويبدو أنه قد خصص تلك الغرفة لأستقبال أعداد ضخمة من الأفراد.
ورغم فرحتها منذ قليل بمقابلته إلّا أن فرحتها تلاشت من فرط القلق والخوف.
وجلست على أحد الآرائك التي كانت مريحة بدرجة ممتعة، وبعد قليل دخل أحد الرجال بعصير فواكه وكوب ماء ووضعه أمامها، ثم غادر وأغلق الباب خلفه.
التقطت رقة كوب الماء وشربته دفعةً واحدة من شدة الظمأ، ثم أخذت أنفاسها وبدأت تشعر بدوار بسيط.
حتى عاد إليها الحارس أسماعيل قائلًا بإعتذار:
_ أشهد بيه كان جاي فعلًا في الطريق لهنا، بس عنده عشاء عمل مهم جدًا وأضطر يغير طريقه ويروح… لو مش هتقدري تستنيه ممكن تجيله بكرا بإذن الله، هو قدامه ساعة أو ساعة ونص بالكتير على ما يخلص.
ابتلعت رقه مرارة بحلقها وقالت مضطرة:
_ مش هينفع أجيله بكرا… هستناه.. مقداميش حل تاني.
تعجب الرجل وقال:
_ طب ما تروحي يابنتي وتجيله بكرا أحسن..!
أجابت رقة بأسف:
_ معلش يا عم أسماعيل.. لو مش هضايق حد، ينفع أستناه هنا؟
نظر الحارس لساعة الحائط ووجدها التاسعة مساءًا، فقال مرغما:
_ ينفع يابنتي.. أنا قاعد برا لو عوزتي حاجة، هتصل بسواق أشهد بيه وأقوله إنك مستنياه.
وتركها وغادر وأغلق الباب خلفه، ومرت الدقائق بطيئة عليها، حتى مرت ساعة كاملة وكأنها شهرا.
تنفست رقة بملل وبدأت عينيها تتلهف على الغفوة. قاومت بكل قوتها، ولكنها بعد قليل كانت تاهت في غفوة عميقة وتمددت على الأريكة التي كانت جالسةً عليها دون أن تشعر.
ودقت الساعة الساعة الحادية عشر مساءًا حينما دخل أشهد بملامح حادة وهو يهتف بالحارس:
_ وليه تسيبوها هنا في الوقت ده.. ما كانت تيجي بكرا وخلاص!
ولكن وقعت عينيه على تلك النائمة وبعض من خصلاتها المتمردة تحررت من حجابها، وقف ناظرا لها لبعض الوقت، ثم أشار للحارس ليغادر، وغادر الرجل وكعادته أغلق الباب خلفه.
وقف أشهد ناظرا للنائمة بغرابة، تنام بإرياحية وتضم وسادة صغيرة خاصة بالأريكة، فأنحنى قليلًا ونظر إليها مليًا ثم وقال:
_ يا آنسة!!!
لم تستجيب رقة نهائيًا، كأنها لم تنم منذ وقت طويل، فأضطر أن يهتف عاليًا بصوتٍ عال لتستيقظ، وفتحت رقة عينيها بذعر وصرخت وهي تصم أذنيها بيدها في رعب.
وتسمر أشهد من مظهرها وخوفها الغريب.
وظل واقفا أمامها وعجز عن فعل أي شيء سوى أن يلتزم الصمت، وهدأت رقة بعد قليل وهي تنظر له بدموع غزيرة وتذكرت أنه ذلك الرجل الذي رأته داخل السيارة، فنهضت من على الأريكة ولكن تعثرت بأطراف عبائتها وسقطت على الأرض وارتطم كفها الذي بدأ ينزف من جديد.
فـ جثا أشهد أمامها وأخرج من جيبه منديلا وبدأ يمسح قطرات الدماء متأسفاً.
فقال ناظرًا إليها بإعتذار حقيقي:
_ أنا أسف مكنتش أقصد أخوفك…
أجفلت رقة بعينيها الدامعة من هذا الرجل الفاتن، ثم همست قائلة اسمه:
_ أشهد..!
نظر لها أشهد بتعجب وظلت عينيه معلقة بعينيها للحظات.
حتى قال بجدية:
_ حضرتك تعرفيني؟!
هزت رقة رأسها بالإيجاب وبعض التيهة، ثم هزت رأسها بالنفي مما جعله يبتسم وليته ما فعل، فقد توحشت وسامته أكثر.
كذبت جارتها أم بسنت عندما وصفته بأنه مخيفا، فرمقها بتعجب وغرابة.
حتى استفاقت رقة من تيهتها وحاولت الوقوف، ولكن يبدو إنها أصيبت بكدمة أيضا إثر وقوعها على الأرض، وتأوهت بألم.
فسند أشهد ذراعها سريعا حتى لا تسقط من جديد.
وعندما وقفت ابتعدت قليلًا عنه وارتبكت بشدة وهي تنظر له قائلة بتلعثم:
_ أعرفك.. وما أعرفكش.
قطب جبينه ولم يفهم إجابتها، فأوضحت وعاد الرجاء يغلف صوتها وعينيها الدامعة وهي تقول:
_ عايزة منك خدمة.. ارجوك.
ذهب ذهنه للأمور المادية، ريثما أن مظهرها وأنتظارها له طيلا أوحى له بذلك، فقال بلطف:
_ أتفضلي.. أنا سامعك.
ارتبكت رقة وهي تتحاشى النظر لعينيه العميقة الحادة النظرات، ثم قالت ببطء وحياء:
_ أختي واقعة في مشكلة.. وأنت الوحيد اللي تقدر تحلها.
سألها بلطف وأدب:
_ مشكلة مادية؟
احتدت ملامح رقة وقالت برفض وكبرياء:
_ لأ طبعا.. أنا مش محتاجة من حد حاجة.
دهش أشهد لوهلة من ردة فعلها، فتابعت رقة بخجل:
_ المشكلة هي.. هي اللي اتنشرت في الجرايد.. بخصوص خطوبتك و…
ضيق أشهد عينيه وبدأت الجدية والحدة تأخذ طريقها لملامحه حتى قال:
_ ممكن تشرحيلي الحكاية من الأول!
روت له رقة الحقيقة كاملةً وهي تتحاشى النظر لعينيه بحياء شديد، حتى ختمت حديثها وقالت:
_ الحكاية كلها كانت سوء فهم مش مقصود.. أرجوك ما تفضحش أختي قدام زمايلها.
ونظرت له رقة برجاء شديد، بينما عيني أشهد كانتا تتجولان عليها بتفكير.
وللحظة ضاقت من نظرته المتفحصة لها حتى سألها بسخرية:
_ والمفروض إنك أنتي بقا خطيبتي مش كده!
تعجبت للتحول الجذري الذي حدث له فجأة من الرجل النبيل إلى ذلك الساخر والمغرور.
وأجابت بتوتر:
_ أنا قولتلك إنه كان سوء فهم.. يعني حتى مش كدبة!
فسألها أشهد بسخرية مرةً أخرى:
_ والمطلوب مني يعني إني ما أفضحش أختك.. وده معناه إني أوافق على الكدبة وأأكد إنك خطيبتي!! … مش ده اللي أنتي عايزاه؟!
لم تستطع رقة الإجابة، ريثما أن هذا بالفعل الحل الوحيد وهو ليس مطالب بهذا، فسقطت دموع عينيها، وقالت بتوسل وهي تنظر لعينيه مباشرةً:
_ أنا عارفة أن طلبي غريب.. بس أختي مرعوبة ومش عايزة تروح الجامعة وخايفة، وزمايلها لو عرفوا مش هيسيبوها في حالها.. أنا مش عارفة إيه اللي ممكن يتعمل، بس كل اللي بطلبه منك ما تفضحهاش في الجامعة وتطلعها كدابة.. ارجوك.
انتظرت رقة منه إجابة ولكنه ظل صامتا وهو ينظر لها بنظرة طويلة وعميقة، ثم قال بلطف:
_ خلي أختك تحضر الندوة بكرا.. وأنا هقفل الموضوع ده بطريقتي من غير ما حد يحس.
ابتسمت رقة بين دموعها وقالت بفرحة:
_ متشكرة جدًا.. مش عارفة أقولك إيه…
سألها بجدية:
_ أختك اسمها إيه.. وأنتي اسمك إيه؟
أجابت رقة بعفوية:
_ أختي اسمها شهد.. وأنا اسمي رقة.
أجفل أشهد للحظات وردد اسمها بإعجاب:
_ رقة؟!
قالت رقة وظنت أنه يريد يعرف اسمها بالكامل:
_ رقة محمد بسيوني مصطفى عبد القادر.
ابتسم أشهد بصدق حتى نظر لساعة الحائط وقال:
_ الوقت اتأخر… ممكن أوصلك؟ … أظن ماينفعش بنت زيك تروح لوحدها دلوقتي.
رفضت قائلة وقد انتبهت لارتخاء حجابها فأحكمته سريعا حول رقبتها:
_ ماينفعش طبعا.. مايصحش!
قال بتأكيد:
_ اللي ما يصحش إني أسيبك تروحي لوحدك… هخلي السواق بتاعي يوصلك.. وما ترفضيش.
كان يتحدث كأنه يصدر أمرًا. ووافقت مرغمة وهي تشكره للمرة الأخيرة، ثم على غير المتوقع ركضت من أمامه.
فابتسم بسخرية وهو يرفع هاتفه ويتصل بالسائق ليصلها لمنزلها.
ثم جلس ووضع ساقا على ساق وابتسم لشيء دار بعقله وأتى اليه على طبق من ذهب.
***
وصلت رقة للمنزل بابتسامة لم تغادر وجهها، كلما تذكرته، وتذكرت ابتسامته وحديثه وهيبته.
وسخرت للحظة من منحنى تفكيرها، وهي التي لطالما سخرت من شقيقتها عندما تفكر هكذا.
وعندما عادت كانت الساعة دقت الثانية عشر! ووجدت شقيقتها تغط في نوما عميق.
فأجلت رقة الحديث للصباح، ولكن لم تستطع النوم بتلك البساطة. فظلت تتململ بفراشها لساعاتٍ، ولم تستيقق صباح اليوم التالي إلا في العاشرة صباحا.
شهقت رقة بفزع عندما استيقظت واكتشفت أنها لم تتغيب من العمل اليوم فقط، بل الأشد أنها لم تخبر شقيقتها بما حدث، والواضح أن شهد ذهبت للجامعة منذ ساعاتٍ.
***
كان وجه شهد شاحبا وعينيه ذابلتان، وكلما اقترب موعد الندوة كلما دق قلبها بعنف، وليتها تستطيع أن تغادر.
سألتها نور بقلق:
_ هتعملي ايه يا شهد؟
تنفست شهد بحدة وقالت:
_ ما ينفعش ما أحضرش الندوة، أنا مش جبانة، بس وأقسم بالله اللي هتفتح بوقها النهاردة من العقارب دول وتتكلم عليا ما هتروح بيتها سليمة.. أنا كده كده جاية ومتوقعة اللي هيحصل!
وبعد مرور بعض الوقت قد بدأت الندوة بحضور أشهد شاهين وبعض الرجال، ومرت الدقائق ثقيلة على شهد وهي تنظر له وتتسائل متى ستستغل نيللي حضوره وتسأله عن أمر الخطوبة.
ولم تطيل نيللي عليها الوقت، فقد وقفت وطرحت عليه سؤالا وهي تشير لشهد بابتسامة ساخرة:
_ بما أن حضرتك خطبت أخت زميلتنا شهد.. ممكن نعرف اتقابلتوا أزاي؟
ونظر أشهد نحو الفتاة المشار إليها، وتعجب أنه لم يتعرف عليها رغم الشبه الواضح لتلك الفتاة غريبة الأطوار الذي رآها بالأمس.
وأجاب على نيللي قائلًا بتأكيد وثقة:
_ رغم أن ده سؤال شخصي وخارج موضوع كلامنا تمامًا بس هجاوبك.
وأغمضت شهد عينيها بشدة وأستعدت للفضيحة المنتظرة، بينما قال أشهد بابتسامة:
_ مش مهم أقول تفاصيل لقائنا الأول بالضبط.. بس اللي أقدر أقوله إنها أجمل صدفة في حياتي.. وأول مرة أفكر في الجواز كان من رقة.. خطيبتي، وأخت الآنسة شهد محمد بسيوني مصطفى عبد القادر.
وابتسم أشهد للحضور، بينما امتقع وجه نيللي بصدمة، وحملقت شهد فيه بذهول وخصيصا عندما نطق اسمها كاملًا لخامس جد، واسم شقيقتها أيضا الذي لا أحد سوى نور ضديقتها يعرفه بالجامعة.
ثم قالت بضحكة وذهول:
_ الاه!
رواية كسرة وضمة وسكون الفصل الرابع 4 - بقلم رحاب ابراهيم
ابتسم أشهد مرةً أخرى عندما لاحظ الصدمة الظاهرة على شقيقة "رقة". وتعجب بآنٍ واحد، المفترض أنها تعرف نتيجة مقابلة الأمس وتتوقع ما قاله.
ولكن تلك الصدمة توضح إنها لا تعرف أي شيء.
بينما ارتمت نيللي على مقعدها في ذهول، لم تشك لحظة واحدة أن تلك الخطوبة عبارة عن كذبة.
أما الآن فأشهد شاهين ذاته قد أكد الأمر أمام الجميع.
وكانت حالة كلا من رباب وكرما لا تقل عن نيللي من قوة الصدمة.
أما شهد فقد دخلت بنوبة ضحك هيسترية وهي تشك أنها تحلم.
فقالت لها صديقتها نور بذهول:
"انتي كنتي بتكدبي عليا يا شهد ومخبية أن الخبر صحيح؟ فهميني بقا!"
قالت شهد بعد موجة ضحك قوية:
"مش لما افهم أنا الأول. طب وربنا شكلي بحلم ودقيقة وهلاقي رقة بتصحيني وتقولي قومي يابت افطري وروحي الجامعة!"
قرصتها نور بغيظ في ذراعها وقالت:
"لأ مش بتحلمي. أشهد شاهين قدامك بشحمه ولحمه وقال بلسانه أن اختك رقة تبقى خطيبته. يا بنتي ده عارف حتى اسمك الخماسي واسم أختك!"
قطبت شهد جبينها من الحيرة والتساؤلات. وقالت بصدمة:
"طب أزاي؟ إيه الواقع الجميل ده؟"
ولكن حينما وقعت عينيها على مظهر نيللي ورفقاء السوء وهن جالسون ووجوهن مسودة من الصدمة والحرج ضحكت شهد مرةً أخرى وهي تشير عليهن والفتيات حولها يخفين ابتسامتهن من مظهر نيللي وصديقتيها المثير للشفقة.
ثم قالت لصديقتها نور بضحكة:
"أنا مش عارفة هما التلاتة مصاحبين بعض أزاي؟ طايقين غتانة بعض أزاي مش قادرة افهم؟!"
استدارت لها كرما وقالت بحقد:
"صحاب وأخوات وهنفضل كده. مالكيش دعوة أنتي يا غلاوية!"
انفجرت شهد بالضحك وقالت بصوتٍ عال وبسخرية:
"خنفسة شافت عيالها على الحيط. قالت ده لولي وملضوم في خيط. مثل اتعمل عشانكم والله."
ضحكت بسخرية ثم قالت بتحذير:
"ما تسكتي أحسنلك! هتتكبسوا اكتر من كده إيه؟!"
ارتفعت أصوات الضحك من الفتيات حول شهد وشاركتهن في ذلك.
ولكن عندما رأت شهد أن أشهد قد نهض وقرر المغادرة بعدما صافح بعض هيئة التدريس نهضت وقالت بثقة وابتسامة واسعة:
"أما أقوم أسلم على خطيب أختي. يـــا أشهد، يا جدع أنتظر ده أنا أخت رقوقة أجمل صدفة في حياتك."
وانفجرت شهد بالضحك عندما اشتد الغضب على وجه نيللي وصديقتيها.
ثم ركضت خلف أشهد قبل أن يغادر.
ولكن من سرعة خطواته وهو يتوجه خارجًا لم تستطع ملاحقته حتى توقف أشهد فجأة.
ودهشت شهد عندما وجدت شقيقتها رقة تقف أمام مبنى الجامعة وعلى وجهها بعض القلق.
إلًا أن هذا القلق قد تبدل بحمرة الخجل والحياء والأبتسامة المتوردة عندما وقعت عينان رقة على أشهد.
والأخير قد قابلها بابتسامة لطيفة والصادم أنه ترك سيارته وتوجه نحوها.
فغرت شهد فاها من الصدمة.
ثم قالت وهي تغلق عينيها وتفتحها من الذهول:
"أشهد شاهين والبت رقة أختي! أزاي يا جدعان؟!"
اقتربت شهد منهما بخطوات بطيئة وهي فاغرة فاها كالبلهاء.
بينما وقف أشهد أمام رقة مبتسمًا وقال بلطف زائد:
"اللي أنتي عايزاه حصل يا رقة."
ابتسمت رقة له ابتسامة صادقة نقية.
وقالت بأمتنان وحياء أربك إجابتها:
"كلمة شكرًا مش كفاية أبدًا."
اقتربت شهد وقالت بذهول بوجه شقيقتها:
"عملتيها أزاي دي؟"
قالت لها رقة بحياء وتورد وهي تتهرب من نظرات أشهد الصريحة لها:
"هو ايه اللي أزاي؟"
وتابعت:
"مالحقش أقولك امبارح على اللي حصل يا شهد. بس.."
قاطعتها شهد بعدم فهم:
"انتوا تعرفوا بعض من أمتى؟ وأنا اللي كنت فاكرة أن أول مقابلة ليكم كانت في حلمي؟ ده أنا جالي ارتجاج في أفكاري!"
ابتسم أشهد وقال:
"عربيتي معايا ممكن اوصلكم؟"
قالت شهد بابتسامة واسعة:
"أحنا وصلنا فعلًا. أنا مخي كان حاسس باللي هيحصل."
نظرت رقة بقوة لشقيقتها كي تتوازن أمام أشهد وقالت مبتسمة له:
"مش عايزين نعطلك. أحنا هنركب تاكسي."
نطقت شهد بغيظ:
"محصلش. قصدك أتوبيس النقل العام وهنقف في الآخر."
وكزتها رقة بذراعها وتابعت حديثها لأشهد وقالت:
"حقيقي متشكرين جدًا ليك."
همست شهد بابتسامة جاهدت لتخفيها وقالت:
"يا قلبي!!"
فقال أشهد اخيرًا:
"أنا موجود في أي وقت تحبي تقابليني فيه."
همست شهد لشقيقتها بشاعرية:
"يوم ما تتقابلوا هاجي معاكوا."
ابتسم أشهد ابتسامة ماكرة وابتعد وهو يعرف حق المعرفة أنها ستأتي له مرةً أخرى قريبًا، وقريبًا جدًا.
وبعدها ابتعد وغادر بسيارته.
أشارت شهد لشقيقتها "رقة" التي شردت عينيها بابتسامة عميقة وتتبعت خطوات أشهد المبتعدة وقالت:
"وحدووه!!"
انتبهت رقة بحرج وقالت:
"لا إله إلا الله. مالك في إيه يا شهد؟"
غمزت لها شهد وقالت بمكر:
"انزلي بالطريقة والمقادير يابت، طلعتي مية من تحت تبن يا رقوقة. ذوقك متكلف وعريض المنكبين وطالع من رواية حالًا."
ضحكت رقة وقالت:
"تعالي نرجع البيت وهفهمك كل حاجة."
وفي الطريق عند محطة الأتوبيسات الشعبية وقفت رقة أمام شقيقتها بدهشة.
ويبدوا أن شهد أخبرتها بما قاله أشهد في الندوة، بعد أن أخبرتها رقة بلقاء الأمس.
فقالت رقة بتوتر وارتباك:
"بس أحنا ما أتفقناش أنه يأكد؟ هو قالي هنهي الموضوع ده من غير ما حد يحس!"
ضحكت شهد وقالت:
"كفاية هو حس! أنتي ماشوفتيش تسبيله ليكي النهاردة؟ ده لما شافك جري عليكي. هي دي الأختيارات النضيفة مش تقوليلي شوقي أبو حتة الجربان؟ ده بقا مش حتة، ده التورته كلها."
وابتسمت شهد ببهجة، وتسربت ابتسامة حالمة على وجه رقة قائلة:
"هو معقول يبصلي أنا؟"
أكدت شهد بثقة:
"وهو ايه جابره يعمل ده كله؟ اكيد معجب، وعموما هنعرف قريب. ما هو لو كده هيخطفك لعش الزوجية ومش هيستنى يا روقة."
تصبغ وجه رقة بحياءً شديد وعادت للمنزل مع شقيقتها والأمل والسعادة يداعبان قلبها.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
ألقت "نهال" بنظرة نارية شرسة الجريدة التي نشر فيها خبر خطوبة أشهد شاهين على فتاة بسيطة.
ونهضت من مقعدها الجلدي بمكتبها في أحد فروع شركات زوجها.
ثم ضربت يديها ببعضهما في غضب مميت وقالت:
"لأ مش معقول يكون خطب. مستحيل اسمحله يعمل كده."
وفكرت بشيء ثم توجهت إثره لهاتفها وأجرت اتصال سريع.
وأجاب عليها أحد الرجال فقالت له بأمر:
"عايزة تكذيب للخبر اللي اتنشر عن خطوبة أشهد شاهين بكرا الصبح."
ضاق الرجل من أوامرها الذي لا تنتهي بخصوص هوسها بأشهد شاهين وترصدها لجميع أخباره.
فوافق على مضض ثم أنتهى الإتصال.
ضربت نهال المكتب الخشبي بقدمها في غضب شديد.
ثم صاحت بنظرة أنتقامية شرسة:
"يا ويل أي واحدة تفكر تاخده مني."
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
عاد أشهد لمنزله باكرًا عندما هاتفته والدته وأخبرته بضرورة المجيء للمنزل لأمرًا هام.
وعندما دخل غرفتها وجد خالته سميحة وأبنتيها يجلسن بالغرفة.
فرمقته سميحة بحقد وقالت:
"عاش مين شافك يا أشهد! أنت نسيت أن ليك خالة؟"
وانتبه أشهد للنبرة التهكمية بصوت خالته، فتجاهل الأمر وأجاب بثبات:
"أنسى أزاي! بس شغلي وأخد كل وقتي للأسف."
ابتسمت سميحة نصف ابتسامة ثم قالت بسخرية:
"الف مبروك. مش كنت تقولنا إنك هتخطب؟"
ابتسم أشهد بسخرية هو الآخر وقال:
"كنت هقول للكل في الوقت المناسب."
نهضت من الفراش هدير أبنة خالته والتي كانت ستصبح عروسه المستقبلية وقالت بغيظ:
"سبيه يا ماما هو حر. بس يارب يكون عرف يختار المرادي!"
انتبه أشهد أنها تشير لماضيه مع نهال، فقال بهدوء ولم يسمح لتلك التافهة بإستفزازه:
"شيء ميخصكيش!"
أحمر وجه هدير من الغضب وهتفت قائلة بنظرة تضخ كراهية:
"شايفة يا خالتو رده؟"
قالت مشيرة لها بتعجب:
"وهو قالك إيه بس يابنتي؟!"
ابتلعت هدير سيل من الكلمات الجارحة عندما نظرت لها أمها بعصبية لتصمت.
بينما تجاهلهم أشهد تمامًا وقال لوالدته:
"مضطر أرجع الشغل تاني يا أمي."
اعترضت مشيرة وقالت:
"طب خد أجازة بس النهاردة!!"
رد أشهد بجدية:
"مش هينفع والله. عندي شغل كتير."
فقالت مشيرة مرةً أخرى بنظرة قويةً له:
"طب أنا عايزة أشوف البنت اللي كلمتني عنها. وبالمرة وخالتك والبنات هنا نتعرف عليها كلنا."
ضيّق أشهد عينيه بصمت، ثم قال وهو ينظر لأبنتي خالته بحدة:
"هي مشغولة الفترة دي. كام يوم وهجيبهالك لحد عندك."
كادت أن تعترض مشيرة وتصرّ على رأيها، إلّا إن شقيقتها سميحة قالت وهي تنظر له بتحدٍ:
"سبيه براحته يا مشيرة. على العموم أحنا قاعدين معاكي كام يوم أنا والبنات."
رماهن أشهد بنظرة قوية حادة لمعرفته مدى مكرهن وحقدهن.
وبتلك اللحظة دخل شقيقه حازم وهو يسرع نحو أمه التي طلبت مجيئه هو أيضاً، فأتى إليها ملهوفا قلقا على صحتها.
ولكن عندما رأى خالته وأبنتيها التوت زاوية فمه بغيظ وقال:
"أخبار صحتك إيه يا حجة؟"
تدخلت نيرمين شقيقة هدير الصغرى وقالت معلّقة لمشاكسته:
"حجة!! في حد يقول لمامته يا حجة؟!"
و ضحكت ضحكة سمجة كعادتها عندما تراه.
ورد حازم بعصبية وصاح:
"وأنتي مال أهـ.."
وبتلك اللحظة كتم أشهد فم شقيقه حازم لكي لا يكمل كلمته التي كانت ستغضب والدتهما المريضة وضغط بيده على فم حازم.
ثم نظر له بقوة ليتحكم الآخر بغضبه.
وبعد دقيقة ابعد أشهد يده وتنفس حازم بعصبية وقال مشمئزًا:
"خفة الدم مش بالعافية والله."
قابلته نيرمين بتحد وقالت بابتسامة صفراء لخالتها مشيرة:
"وحشتينا أوي يا خالتو من الأجازة اللي فاتت."
أبعد حازم عينيه بعصبية عنها وتمتم ببعض الشتائم التي لو كانت سمعتها أمه لظلت تصرخ فيه لساعاتٍ.
فقال أشهد بجدية:
"بعد اذنك يا أمي مضطر أمشي."
وخرج من الغرفة تحت نظرات أمه المعترضة، وخرج خلفه حازم سريعا وقال بعصبية:
"أنا مش عارف أمك بتحطنا في المواقف المهببة دي ليه؟ عاجبها إيه في الملزقين دول؟ أشكال تسد النفس!"
رد أشهد عليه بتحذير:
"ما تتهورش يا حازم دول في بيتنا وبعدين تعالى معايا على المكتب أنا عايزك في موضوع أهم."
وبمكتب أشهد في منزله استند حازم بظهره بجانب المدفأة الخشبية القديمة الطراز.
قال بفضول:
"قولي في إيه؟"
روى له أشهد الصدفة الذهبية التي أوقعته بتلك الفتاة الساذجة وشقيقتها.
فدهش حازم للحظة ثم قال بضحكة عالية:
"بقـا هو ده السبب! يعني بسببي البت دي حلمت أنك بتخطب أختها! ومش بعيد تكون حلمت إني خطبتها ماهي زاطت بقا!"
ابتسم أشهد بمرح وقال:
"صدفة عبيطة بس جت في مصلحتي في الوقت الصح."
قال حازم وهو يبدي موافقته على الأمر:
"فعلًا دي أنسب واحدة تقوم بالمهمة دي. لا هتبتزك بعدين ولا هتجرأ تقول الحقيقة في يوم من الأيام. بس بالنسبالي بقا. إيه؟ البنات اللي أعرفها مستحيل اخطب واحدة فيهم ولو حتى بالكدب! ما تشوفلي البت أختها دي ونخلص مرة واحدة."
فكر أشهد قليلًا ثم قال:
"أنا فكرت في أختها شهد فعلًا، بس دي ما تنفعكش نهائي."
تعجب حازم وسأله بفضول:
"ليه يعني؟"
ابتسم أشهد وقال بمزاح:
"نسختك بس على بنت. مستفزة ولسانها أطول من برج أيفل، أنت ما شوفتش كلمت البنات اللي متخانقة معاهم في الجامعة أزاي. أنتوا ما ينفعش حتى تسلموا على بعض من بعيد مش تتخطبوا."
رد حازم بابتسامة واثقة:
"مش معايا يا برو، ده أنا أقطم رقبتها، أخوك مش سهل."
قال له أشهد بموافقة رأيه:
"ما هو عشان عارف كده بقولك ما تنفعكش. أحنا عايزين نخلص الموضوع ده ونخلص من بنات خالتك من غير مشاكل وأمك ما تحسش بحاجة. لو كشفتنا هتعند وهتسيبلنا البيت ومش هترجع إلا واحنا متجوزين بنات خالتك بالإجبار. أنت متخيل حجم الكارثة اللي هنتحط فيها لو كشفتنا!!"
زفر حازم بضيق وهو يفكر من أين سيعثر على الفتاة المناسبة لتلك المسرحية الهزلية!
فقال أشهد بجدية:
"أنا عايز اعرف شوية معلومات عن البنت اللي هتبقى خطيبتي."
قال حازم بسخرية:
"اسمها وعنوانها بالضبط وساعة زمن وسيرتها الذاتية هتكون عندك يا برو."
أخبره أشهد عن اسمها كاملًا والعنوان الذي أخبره به سائقه عندما اقلها للمنزل بالأمس.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
أعدت رقة غداءً سريع وقالت وهي تبتلع اللقيمات بعجالة:
"هخلص أكل وأقوم اروح المصنع الحق نص اليوم حتى، مع أن ورايا هدوم كتير عايزة تتخيط على المكنة. مش مهم لما أجي أبقى اخلصهم بليل."
قالت شهد وهي تأكل قطع البطيخ بشهية:
"هو أنتي هيكون فيكي حيل توقفي بعد ما ترجعي من الشغل؟ معلش. بكرا تتجوزي أشهود ومحدش يبقا قدك."
توترت رقة واخفت ابتسامة قائلة بسخرية:
"بطلي تحلمي بقا. بس تعاليلي هنا، هو مش المفروض إن الحلم كان لينا أحنا الاتنين؟ أومال صاحبتك دي مسكتش في الجزء بتاعي انا بس ليه؟"
ضحكت شهد وقالت موضحة:
"ما هي جت متأخر. لقطت آخر الفيلم اللي كنت بحكيه للبت نور صاحبتي. ياريتها يأختي كانت جت من الأول وجرجرتني معاكي في الكذبة العسولة دي."
شاركتها رقة في الضحكات حتى انتبهت شهد لمقطع أغنية شعبية شهيرة بفقرة غنائية أتت بالتلفاز.
ونهضت دون مقدمات ورقصت عليها.
ضحكت عليها رقة وقالت وهي تنهض وتستعد للخروج بعجالة وصوتٍ عال:
"ابقي شيلي الأكل وخلي بالك لما بتاع الأنابيب يعدي خدي منه أنبوبة، أنا قيلاله امبارح يحجزلنا واحدة."
وافقت شهد وهي تتحرك راقصة وقالت ضاحكة:
"ماشي. دي باينلها هتزهزه وهتحلو يا بتوت."
خرجت رقة من المنزل وهي تضحك، وظلت شهد تتمايل على الأنغام الراقصة بحرفية.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
خرج حازم من سيارته بتلك المنطقة التابعة للعشوائيات وهو يغلق هاتفه بعدما وصله كافة المعلومات عن الشقيقتان الذي عرف للتو أنهما توأم.
ونظر بتقطيبة للمبنى القديم الذي تقريبًا آيل للسقوط.
ولإن الكثير من سكان المنطقة أصبحوا يعرفونه كان يفر الكثير من أمامه هاربين.
سوى بعض الصغار الذين يمرحون ويلعبون بالحجارة والالعاب البسيطة.
وحينها وقفت عربة مسطحة وعليها عدد قليل من أنابيب الغاز.
وتفاجأ حازم بأن الولد ذو الخمسة عشر عام الذي يقبض بيده مفتاح فضي وكان يطرق به على الأنابيب ليعلن وصوله ويبيع أنابيب الغاز ينظر له برهبة وخوف.
وفجأة ركض الولد وترك تلك العربة وما عليها وهرب!
نظر حازم للولد وحفظ ملامحه ليبحث عنه لاحقا.
بينما عاد بنظره للمنزل القديم بتفكير.
وهنا أتى طفل صغير إليه وقال بكلمات متقطعة:
"خالتي رقة قالتلي قبل ما تمشي لما بتاع الأنابيب يجي. خليه ينزل أنبوبة في المدخل. عشان شهد مش فاضية وبتذاكر فوق."
نظر حازم للصغير بنظرة ماكرة وقال:
"يعني هي مشيت وأختها اللي هنا! وخالتك رقة دي ساكنة فين؟"
أشار الصغير للطابق الثاني من المنزل القديم وقال قبل أن يركض بعيدًا:
"هنا."
نظر حازم لشقة الطابق الثاني مفكرا بشيء، فحمل أنبوب غاز على كتفه والمفتاح المعدني ولم يكتفي بوضعها بالمدخل.
بل صعد لتلك الشقة.
وعندما صعد وجدها الشقة الوحيدة بالطابق، ويصدر من خلف بابها أصوات موسيقى عالية بعض الشيء.
فوضع الانبوب على الأرض وأقترب من الباب.
ثم نظر من خلال ثقب بلوح الزجاج المكسور بعضه خلف الباب الخشبي للشقة.
وتسمر للحظات حتى ابتسم بمكر وهو يراها.
وقال:
"هو ده ذوقي."
وقرر أن يطرق على الباب.
ولكنه لم ينتبه أن المفتاح المعدني بيده وعندما أطرق به على الزجاج ولا زال ينظر لها من خلال الثقب، وقعت القطعة المتبقية من اللوح وأصبحت شظايا مبعثرة محدثة صوتا مزعجا مهيبًا.
صرخت شهد عندما انتهبت للزجاج حنتى وجدت وجه رجل غريب خلف الباب وينظر لها مباشرة غير مكترثا بما حدث.
ضغطت شهد على أسنانها بعصبية وذهبت سريعا لتأتي بحجاب طويل تلفه حول رأسها وهي تهتف عاليا:
"طب استناني لما أطلعلك."
ورغم تفاجئ حازم مما حدث ولكنه وقف غير مباليا أو قلقا.
وبعد دقيقة فتحت شهد الباب بإسدال الصلاة وعلى رأسها حجاب آخر طويل يضم وجها صغيرًا أسمرا بشكل مضحك.
ضحك رغما عنه وهي تهتف به وتصيح بالشتائم.
فقال معتذرا بابتسامة حاول أن يخفيها:
"لمي لسانك انا هصلح الأزاز اللي اتكسر، مع أنه اصلا كان مكسور. بس يعني ده جزائي أني طلعتلك الأنبوبة؟!"
نظرت له شهد من أعلاه لأسفله ولملابسه الأنيقة التي لا تمط لمنطقتهم بصلة وقالت بعصبية:
"وأنت حد كان ندهلك ولا عبرك وقالك طلعها! بس قصره، دخلها وركبها عشان مابعرفش اركب أنابيب وأختي مش هنا."
نظر لها حازم بغيظ، ثم حمل الأنبوب وكاد أن يدخل الشقة.
فأوقفته شهد صارخة:
"أنت رايح فين يجدع أنت؟"
صاح حازم بوجهها بعصبية:
"أنتي مجنونة يابت؟ مش انتي اللي قيلالي ادخلها وأركبها؟"
اشارت له بتحذير وقالت:
"أوقف عندك يا جدع، انت رايح فين؟! لما أنادي على حموكشة يدخل معاك."
قال حازم مستفسرا:
"مين حموكشة ده؟"
صاحت شهد بهذا الاسم، حتى وجدت طفلا ذو عشر سنوات يركض على الدرجات ويقف أمامها قائلًا:
"أؤمريني يا باشمهندسة."
أخفى حازم ابتسامته الساخرة وتمتم:
"وأنا شاهد."
نظرت شهد لحازم بغيظ ثم قالت للطفل:
"أدخل معاه يا حموكشة ركبوا الأنبوبة. وخلي بالك يا ولا."
سخرت نظرة حازم منها وود لو يضحك، ثم دخل وبدأ بتركيب الأنبوب.
وبعد الأنتهاء جرب أستخدامها واخرج ولاعته.
فصرخ الطفل حموكشة وقفز خارجا من المطبخ عندما ظن أنه سيجرب فوهة الأنبوب وليس البوتجاز نفسه فصاح:
"البيت ولع، البيت ولع. يمااا!"
صرخت شهد وهي تركض للمطبخ ولكن رأت حازم منفجرا بالضحك وهو قد أتمم مهمتة ويشعل عين البوتاجاز بأمان.
فصرخت به:
"الله يخربيتك كنت هتولع فينا؟"
قال حازم بين ضحكاته:
"هو ده حموكشة اللي بتتحامي فيه؟ ونعم الاختيار."
صرخت شهد بعصبية وقالت:
"ده أنت غتيت ومعندكش دم. كنت هتولع فينا وبتضحك؟ يا برودك يا دي الجدع!!"
بدأ حازم يفقد أعصابه فأشار لها وقد تجهمت ملامحه بغضب:
"قولتلك لمي لسانك أنتي ما تعرفنيش!! أنا اللي مسكتني عليكي إنك بنت. لكن هتغلطي بالمفتاح وعلى نفوخك!"
توجست شهد منه حقا ولكن أخفت ذلك وقالت بنظرة جادة:
"ما خوفتش!"
القى حازم المفتاح من يده بعنف، وقال عندما لمح علبة القهوة:
"أنا قاعد تحت على ما اجيب حد يصلح الإزاز اللي اتكسر ده. اعمليلي قهوة."
وابتعد عنها وتوجها خارجًا.
وعندما أستدار فجأة وجدها تقلد حركته وهو يتحدث بغيظ.
فرماها بنظرة واسعة عنيفة، ثم استدار وخرج من الشقة مبتسما.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
جلس أشهد في مكتب مفكرًا بتعابير جامدة.
قد لاحظ الإعجاب الواضح بعينان تلك الفتاة والذي بسهولة سيتحول لحب إن أراد ذلك.
فقال مبتسما بسخرية:
"لسه في حد في الدنيا بالسذاجة دي؟"
وكان سينتظر بعض الوقت ليعرض عليها الصفقة.
ولكن أمه قد ضيقت عليه الوقت.
فتنفس بعمق وقال وهو ينظر لساعة يده:
"مافيش وقت قدامي. خلينا نخلص!"
وعند المساء.
دخل أشهد سيارته وتوجه نحو عنوان المصنع التي تعمل به تلك الفتاة.
لابد أن يعقد تلك الصفقة اليوم وينتهي من الأمر.
وعند وصوله لتلك المنطقة العشوائية وجد صعوبة في الدخول بسيارته الفارهة.
فخرج من السيارة ونظر للمكان حوله بإشمئزاز.
حتى وجد اسم المصنع الذي أخبره به شقيقه بمكالمة هاتفية منذ ساعات على بُعد مترات بسيطة.
وعلم أيضا أنها الآن لا زالت بالعمل، فتوجه نحوه مباشرةً دون تردد.
وعندما وقف أمام المصنع الذي يبدو عليه وكأنه منذ عصور وسطى ببساطة أمكانياته وقدم المبنى.
انتبه لصوت رجل يهتف بالداخل ونطق اسم رقة ضمن حديثه.
انتبه أشهد للأمر واقترب من نافذة خشبية مفتوحة قليلًا قريبة منه.
ونظر من خلالها للداخل.
واتسعت عينيه عندما وجد رقة تجلس بأحطى الزوايا منكمشة على نفسها وتبك بحرقة وبعض الفتيات ينظرن لها بعدم اكتراث، والبعض الآخر يضحكن!
بينما بالداخل كان يصيح رئيس العمال بها خصيصا منذ أن أتت للعمل متأخرة وتشرد كثيرًا اليوم.
وما أن صاح بوجهها فبكت مثل عادتها بزاويتها الخاصة.
ضغط أشهد على أسنانه غاضبًا ولم يتردد وهو يدخل المبنى متوجها لذلك الرجل خصيصًا من بين الجميع وأمام الجميع.
رواية كسرة وضمة وسكون الفصل الخامس 5 - بقلم رحاب ابراهيم
ضغط أشهد على أسنانه غاضبًا ولم يتردد وهو يدخل المبنى متوجهًا لذلك الرجل خصيصًا من بين الجميع وأمام الجميع!..حتى أنتبه رئيس العمال للشاب الأنيق المنيف الطول الذي يتوجه نحوهه بوجه غاضب وتبدو أحدى قدميه مصابة ببعض العرج، وعندما وقف أمامه أشهد لكمه بقبضة يده بعنف لكمة بوجهه جعلت رئيس العمال يصاب بالذهول ويترنح للخلف حتى كاد أن يسقط أرضاً… فشهق الجميع بصدمة من الشيء الغير متوقع أمام الجميع ! … وصاح أشهد فيه بصوتٍ عال وعنيف :_ عملتلك إيه عشان تزعقلها وتخليها تبقى بالحالة دي يا حيوان يا عديم الرحمة ؟! .. هما اللي بيشتغلوا هنا عبيد مش بني آدمين !!
وكان أشهد سيكيل له المزيد من الضربات والدماء تغلي بعروقه، ونظرته النارية جعلته مخيفا وهو يحاول تكرار الأمر، بينما وقف بعض العمال أمامه يمنعونه ويمنعون رئيسهم أيضا بعدما نهض وأراد الانتقام من أشهد ونصب شجار مروع معه.. وصاح الرجل بغضب وفمه يسيل منه الدماء:_ قبل ما أعرف انت مين هعرفك مقامك الأول وأزاي تمد إيدك عليا!.
وحاول أشهد الذهاب إليه ولكن تجمهر حوله العمال وابعدوا الرجل الآخر الذي مع غضبه قد توجس قليلًا منه وشعر بأنه ليس رجلًا عاديا ريثما بمظهره الذي يوحي بالثراء وربما كان من أقارب المالك الأصلي لذلك المصنع .. واستطاع البعض أن يبعدوه عن المكان لبعض الوقت ليهدأ.وبتلك الزاوية البعيدة التي تجلس رقة منكمشة على نفسها وتبك، استوقفها ما يحدث، وأصيبت بالذهول تمامًا عندما وقعت عينيها عليه، حتى أنها ظلت جالسة غير قادرة على الحركة من قوة الصدمة وهي تنظر له وتحاول أن تصدق أنه أمامها الآن ويدافع عنها بشراسة بذلك المكان الكئيب الموحش؟! ..وعندما تمالك أشهد نفسه بعض الشيء ترك العمال الذين أنهالوا عليه بالأسئلة لمعرفة من هو، ونظر لرقة بنظرة دافئة وتوجه إليها، فنهضت رقة ببطء والتصق ظهرها بالحائط وهي تبتلع ريقها الجاف .. فقال لها بنظرة داعمة :_ تعالي معايا نمشي من هنا ..تحركت شفاها بتمتمة ودهشة وهي تنظر له بنظرة واسعة، وإلى الآن لم تكن قادرة على أن تصدق أنه هنا أمامها ؟!نطقت بصوت ضعيف والدموع تتساقط من عينيها بلمعة دافئة عاطفية :_ أشهد ..! .. أنت جيت هنا أزاي ؟!وشهقت بفزع بنظرت متسعة وهي ترى رئيس العمال يأتي متوجها من خلف أشهد وبيده ماسورة حديدية وبعينيه نظرة أنتقامية .. وأنتشر الهرج بالمكان من جديد والعمال يحاولون منع كارثة على وشك الوقوع .. بينما الرجل كأن أصابه الجنون ويريد الانتقام من أشهد … واستدار أشهد عندما انتبه للفزع الواضح بعينان رقة وأستعد لمواجهة ذلك البغيض المتجبر على الضعفاء .. بينما فجأة جميع الأصوات اختفت عندما أطلق الضابط حازم عيار ناري في الهواء لوقف الهرج والمرج بالمكان .. ونظر الجميع إليه برعب ولمعرفتهم به التي اصبحت أكيدة، القى حازم نظرة مبتسمة واثقة لشقيقه أشهد، وقابلها أشهد بنفس الابتسامة الواثقة، ثم نظر لرئيس العمال وما بيده في نظرة نارية وقال :_ إيه اللي بيحصل هنا ؟!أتت احدى الفتيات التي بالأصل هي سبب مجيئه عندما تسحبت منذ دقائق وتوجهت لعربة الشرطة المتواجدة بالمنطقة منذ أيام ظنا منها إنها تدعم رئيسها بالعمل وقالت :_ يا بيه واحد دخل علينا المصنع وطايح ضرب فينا وبلطجة من غير سبب!.سألها حازم :_ مين هو ؟!أشارت الفتاة على أشهد وقالت بقوة :_ هو ده يا بيه ..نظر لها حازم بسخرية، بينما قال سائق أشهد الذي ترك السيارة وأتى عندما لاحظ ظهور حازم منذ لحظات:_ أنتوا مجانين ؟! .. أنتوا مش عارفين ده مين ؟ .. ده أشهد بيه أخو حضرت الضابط حازم .. مين ده اللي بلطجي يا غجر ؟!شهقت الفتاة وصعق من حولها ومن بينهم رئيس العمال ذاته الذي سقطت الماسورة الحديدية من يده وهو يرتجف خوفا .. وقال لينهي تلك الكارثة :_ محصلش حاجة يا حضرت الضابط .. ده سوء فهم كده وخلاص يعني .. مش كده يا أشهد بيه ؟
نظر الرجل لأشهد بتوسل حتى ينقذه من براثن شقيقه حازم، فتوجه حازم لأشهد وسأله بجدية :_ حصل إيه يا أشهد لكل ده ؟ .. وجيت هنا ليه ؟نظر أشهد للرجل بعصبية وقال لشقيقه :_ هنتكلم بعدين يا حازم مش هنا ..وتوجه أشهد لرقة وقال بنظرة عميقة :_ تعالي معايا ..ابتسم حازم بمكر عندما نظر لرقة وقارن نسبة الشبه القليلة بين الشقيقتان، ولكن شتان بين تلك العصفورة الضعيفة رقة، والتنين المجنح شقيقتها الأخرى شهد ..بينما رقة كانت تبتسم لأشهد بين دموعها بأمان لأول مرة منذ سنوات، لأول مرة تشعر أنها مطمئنة آمنة عند الخوف .. وأن قلبها يشهد عهدًا جديد من دقات الطمأنية والسكينة بعدما كان يرتجف عند أبسط الأشياء خوفا، وانتبهت لنظرات حازم الماكرة لها ولشقيقه، كأنه يدرك أمرًا ما، فابتسمت رقة بحياءّ شديد وقلبها حلّقت فيه الفراشات … وذهبت لتبديل ملابسها سريعا، ثم خرجت مع أشهد حتى خارج المصنع، وتركهما حازم وظل يتحدث مع بعض العمال بالداخل ..ووقفت رقة في الطريق قائلة له بنظرة شديدة الدفء :_ هشكرك كام مرة على اللي بتعمله معايا ؟صمت أشهد بنظرة طويلة وتعابير وجهه جامدة، حتى قال ببعض العصبية :_ أنتي ليه تسمحيله يكلمك كده وتفضلي تعيطي بالشكل ده ؟! .. واكيد دي مش أول مرة ؟!.
امتلأت عينان رقة بالألم ونظرت للبعيد وكأنها تتذكر عدد المرات الكثيرة التي جلست فيها بتلك الزاوية وبكت ولم تجد مخلوق يمد لها يد العون والمساندة .. ففهم أشهد أنها تعرضت لهذا العنف كثيرًا فزفر بضيق .. حتى قال لها بغيظ :_ أنتي ليه ضعيفة كده ؟!سقطت دموعها وقالت بدفاع عن نفسها :_ أنا مش ضعيفة … بس ..وابتلعت مرارة بحلقها وقالت بإعتراف :_ لما بسمع أي صوت عالي بتوتر وبلاقي نفسي بعيط وبترعش ومش قادرة أتنفس.. مابقدرش أسيطر على خوفي ..تعجب أشهد منها وسألها :_ و ده له سبب ؟نظرت رقة للطريق المظلم أمامها بعينان تملأها الدموع وهي تتذكر الحادث المؤسف لوالديها وقالت باكية وهي تتذكر ذلك المشهد الموجع :_ أبويا كان بواب عمارة كبيرة .. وأمي كانت بتشتغل معاه، في يوم بعد ما رجعنا أنا وأختي شهد من المدرسة وأحنا صغيرين ، روحنا نلعب مع صحابنا في شارع بعيد .. ولما حسيت بتعب قولت ارجع البيت وسيبت أختي تلعب .. بس وأنا راجعة لقيت أبويا قاعد قعدته العادية قدام البوابة وأمي جانبه بيضحكوا وبيشاورولي .. وبعدين ..وشهقت رقة من البكاء وهي ترتجف من الألم وتابعت :_ شوفت العمارة بتوقع عليهم فجأة .. حصل ده كله في ثواني وأنا واقفة بعيد عنهم .. فضلت أصرخ لحد ما وقعت من طولي ، محدش حس بيا من كتر ما الناس بتجري وبتصرخ .. كل الصريخ ده كان حواليا .. عمري ما هنسى الخوف والرعب اللي كنت حاسة بيهم يومها.غرق وجهها بالدموع وهي تحاول التحدث بصعوبة وتتابع :_ ومن اليوم ده لحد النهاردة وأنا زي ما أنا .. بخاف من أي صوت عالي .. غصب عني بلاقي نفسي بعيط وبخاف .. صدقني أنا بكره نفسي في كل مرة ببان فيها بالضعف ده قدام حد .. بس غصب عني.وختمت حديثها وهي تبك بألم خصيصا عندما تذكرت تلك المأساة وشعرت برجفة تجتاح أوصالها وكأنها محمومة!، حتى تفاجئت بأشهد وهو يضع جاكته على أكتافها بنظرة طويلة عميقة و مليئة بالدفء والعاطفة وقال بتأكيد دون مقدمات :_ رقة … تقبلي تتجوزيني ؟انعقدت الكلمات بحلقها بصدمة بعدما ابتسمت بين دموعها وهي تضم جاكته حولها بدفء، ونظرت له بذهول وكأنها تريد تأكيد ما سمعته ، فكرر أشهد طلبه بابتسامة :_ زي ما سمعتي … تقبلي تتجوزيني ؟فغرت رقة فاها وهي تنظر لعينيه بذهول، لم تكن تتخيل حتى في أحلامها أنه سيعرض عليها هذا العرض وبتلك السرعة ؟!وظهرت فجأة شهد وهي تركض وبيدها عصاة كبيرة ومعه الطفل “حموكشة” وهرولت نحو شقيقتها رقة قائلة بغضب :_في ايه رقة ؟ الواد حموكشة سمع البت سعاد وهي بتكلم الضابط الجديد وبتقوله فيه مصيبة في المصنع بسبب رقة وواحد معاها !! .. مين اللي ضايقك وأنا وربنا لأبطحه.
وصاحت شهد بغضب شديد، وحينما لمحها حازم من الداخل أتى اليهم مبتسما بمكر نحو شهد وقال :_ مافيش أنابيب هنا يابت .أشارت له شهد بعصبية ليصمت وهتفت :_ ما تتكتم بقا ، أنت بتهبب ايه هنا اصلًا يا بتاع الأنابيب أنت؟! ..أنا عايزة أعرف دلوقتي مين زعل أختي ؟ .. وربنا لبططه ..وأشارت بالعصا في يدها بتهديد، فكتم حازم ضحكته وقال :_ ما تقلقش عملنا الواجب يا شبح ..وصاحت شهد بغيظ لشقيقتها وتجاهلت حازم تمامًا :_ يابنتي ما تنطقي ؟!وكانت رقة بعالمًا آخر وهي تنظر لأشهد بابتسامة حالمة، وانتبت شهد لأشهد الواقف والتي لم تستوعب حضوره وقالت بحيرة :_ أنا مش فاهمة حاجة ؟!أشار لها حازم بنظرة خبيثة وقال لتأتي له :_ تعالي اسأليني أنا وهقولك ..!ذهبت اليه شهد بنظرة تحذيرية فهمس لها بمكر :_ عارفة رئيس العمال اللي جوا ده.. زعق لأختك جامد وهي عيطت.تمتمت شهد بالشتائم وصرخت وهي تركض مسرعة لداخل المصنع، فأتسعت ابتسامة حازم بتسلية وقال لشقيقه هامسا :_ أنا هلحق بنت المجنونة دي لتعمل مصيبة ..وبصعوبة حتى أبعد شهد عن رئيس العمال الذي قد ناله عدة لكمات منها وشتائم .. وهتف حازم بها بحدة :_ أمشي قدامي ..صاحت شهد فيه بغضب وقالت :_ مش همشي غير لما أجيب حق أختي وأخد طاري ..ابتسم حازم بسخرية وقال :_ ثأر ايه انتي عبيطة يابت ؟ .. ما هي واقفة صاغ سليم مع أخويا اشهد برا وزي الفل ..كادت أن تتحدث شهد بعصبية حينما صعقتها جملته الأخيرة وسألته بذهول :_ الّاه ؟! …أخوك مين ؟رد حازم مبتسما بثقة :_ أخويا أشهد …سألته شهد ببلاهة :_ أنت الجديد الشديد ؟ .. اقصد الضابط الجديد ؟!رد عليها بسخرية:_ الجديد الشديد؟! .. ليه هو أنا أوكازيون ! .. ما تلمي لسانك بدل ما أخدك على البوكس ؟!ضيقت شهد عينيها عليه وتمتم بشيء وهي تبتسم، ثم قالت بثقة :_ لأ .. أنا هروح مع أختي في تاكسي .وذهبت من أمامه ورمقها حازم بنظرة ماكرة حتى تسحبت ابتسامة على شفتيه وقال بخفوت:_ عنيها مليانة خبث وخبائث البت دي ..➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖وبعد مضي ساعتين تقريبّا .. كان أشهد جالسا في مكتب منزله في حيرة من أمره وبعض الضيق .. حتى قال حازم بتعجب :_ مش فاهمة دبست نفسك ليه في جوازة بدل خطوبة ومزيفة كمان ؟ … هي دلوقتي فاهمة إنك وقعت فيها وعايز تتجوزها بجد و ده مش حقيقي يا أشهد .. !تنفس أشهد بضيق شديد وقال بعصبية :_ مش عارف ده حصل أزاي ؟! … وليه عرضت عليها الجواز ؟ .. بس كلامها خلاني عايز أطمنها بأي شكل .. لاول مرة أحس أني اتسرعت بشكل غبي ! .فسر حازم الأمر وقال بأسف :_ أنت حسيت بالشفقة والتعاطف .. ومافيش حل قدامك غير إنك تجاري الأمور وتتخطبوا .. وبعدين ممكن تفركش وقت ما تحب لأي سبب تشوفه مناسب ..قال أشهد بضيق شديد :_ مش حابب أوجعها أو اسببلها أي أذى نفسي .. هي فعلًا ما تستحقش كده، كنت مخطط أني هعرض عليها صفقة ويا قبلت يا رفضت .. لكن مش حابب أبدًا إني أخدعها !.وسأله حازم بتعجب :_ مع أن اللي يشوف نظرتك ليها مايقولش غير إنك على الأقل معجب بيها… طب ما تدي لنفسك فرصة يا أشهد .. فرصة بجد ، مش يمكن ؟نظر له أشهد بحدة وغضب وهتف:_ أنا مش عايز أتجوز .. ومش بحب اتكلم في الموضوع ده وأنت عارف .. وبخصوص البنت أنا للأسف مضطر أكمل .. معنديش وقت أضيعه أكتر من كده .. وهعوضها.سأله حازم بتعجب :_ هتعوضها أزاي ؟أخرج أشهد دفتر شيكاته ورماه على المكتب قائلًا بنظرة ساخرة :_ مبلغ محترم هينسيها أي وجع … كلهم كده ،بينسوا أي حاجة قدام الفلوس.وتتفس أشهد بقوة وقد أتخذ قراره :_ من بكرا هبدأ أجهزها لمقابلة أمي … ماينفعش يتقابلوا كده.سأله حازم للمرة الأخيرة:_ ليه مش فاهم ؟رد أشهد بسخرية وقال :_ لو على قد أمي لوحدها كانت الأمور هتمشي … لكن ما تنساش العقارب اللي معاها وقاعدين هنا اليومين دول … أنا مش هقبل أن خطيبتي تبقى أقل من أي حد في أي شيء .. أو حد يضايقها بكلمتين لمجرد إنها بسيطة ..غمز حازم وقال بمكر :_ خايف عليها للدرجادي ؟!نظر أشهد نظرة نارية لشقيقه فأعتدل حازم بحديثه وقال موافقا :_ اللي تشوفه .
رواية كسرة وضمة وسكون الفصل السادس 6 - بقلم رحاب ابراهيم
في المنزل القديم للشقيقتان.
فغرت شهد فاها من الذهول عندما أخبرتها رقة بعرض الزواج الحلم هذا. ثم على حين غرة نهضت شهد وظلت تطلق الزغاريد من فمها بسعادة شديدة.
وضعت رقة يدها على أذنيها وقالت بإنزعاج:
_ بطلي اللي انتي بتعمليه ده!
توقفت شهد وهي تسحب رقة من مقعدها وتهزها بضحكة عالية وفرحة:
_ أبطل إيه بس ده أنا هفضل أزغرد لحد ما ألم المنطقة بحالها عليا. يابت أشهد شاهين بنفسه اتقدملك وعايز يتجوزك، أنتي واعية للي بتقوليه؟! ومش عايزاني أزغرد؟ طب لوووولي.
وظلت شهد تزغرد بطريقة متواصلة لمدة ١٥ دقيقة. وضعت رقة يدها على أذنيها مرة أخرى، ولكن تلك المرة كان يتخلل انزعاجها ابتسامة اقتحمت روحها وقلبها وشفتيها.
ثم ضمتها شهد وقالت بمحبة شديدة وسعادة:
_ الفرحة مش سيعاني يا حبيبتي. مش بس عشان هتتجوزي، عشان هتتجوزي واحد أنا متأكدة إنك هتكوني مبسوطة أوي معاه. ومش هنكر إن الواحد ده بالذات بقا هو أشهد شاهين. ده حلم كل البنات، وأنتي في خمس دقايق مقابلة سرقتي عقله وقلبه يا رقوقة البرقوقة. ده أنتي طلعتي أنثى خطرة يابت!
أنزلت رقة يديها المرتجفتان بابتسامة مرتبكة، ثم قالت ببعض القلق والتعجب الذي كسا وجهها وعينيها فجأة:
_ بس يعني.. ده لسه شايفني من كام ساعة.. لحق يحبني وكمان يقرر يتجوزني؟ مش غريبة دي!
اجلستها شهد ثم ضمت يديها المرتجفتان برقة وقالت:
_ اللي زي أشهد شاهين ده عارف هو عايز إيه، معندوش وقت يضيعه في التفكير والتردد. وقدامه بدل البنت مليون. ليه ما اختارش واحدة فيهم واتجوز من زمان؟! وبعدين مجيئه أخوه وحوار الأنابيب اللي عمله ده يقول إنه سأل علينا وعرف عنك كل حاجة. وبعدين مجيئه ليكي المصنع مش مكفياكي؟! ده أنا لحد دلوقتي كل ما افتكر أشهق من الخضة!
تورد خدي رقة بالحمرة وابتسمت بحياء. فتابعت شهد بابتسامة حنونة مُحبة:
_ أنتي تستاهلي يا رقة وربنا عوضك. كفاية اللي عملتيه معايا، أنتي أم مش بس أخت وصاحبة.
أخذتها رقة بين ذراعيها بضمة رقيقة، ثم ابتعدت فجأة وقالت لشهد بقلق:
_ طب لو وافقت.. أنتي هتعملي إيه؟ وجامعتك و…
قاطعتها شهد بحدة وقالت:
_ متكمليش. أنا عايزة أفرح بيكي ومش هتنازل عن الفرحة دي. وبعدين اللي فاضلي سنة واحدة وهتعدي وهعرف أمشي أموري. أختك الأولى على دفعتها أصلًا.
ضحك الشقيقتان. ثم قالت شهد بخبث:
_ وبعدين مش يمكن يعني.. نبقى سلايف في بيت واحد؟ أنا بقول يمكن مش أكيد!
نظرت لها رقة بنظرة ضيقة مبتسمة. حتى ضحكت شهد وقالت بخبث:
_ خطف قلبي بتاع الأنابيب. هو صحيح كان هيدشدش نفوخي بمفتاح الأنبوبة وأنا بعترت كرامته حتة بعتورة. بس وربنا ما هعتقه.
دهشت رقة وسألتها:
_ هتعملي إيه يا مجنونة؟!
اجابت شهد وهي تنهض وتبدأ وصلة رقص مثل عادتها:
_ هفضل أحلم بيه لحد ما يتقدملي. هجننه وأخليه يمشي يكلم نفسه. ده أنا أحلامي دي سرها باتع.
ضحكت رقة على شقيقتها وظلت تنظر لها بمحبة والسعادة تحلق بقلبها. ثم توقفت شهد وسألتها بحيرة:
_ بت.. انتوا لما كنتوا برا المصنع وبتتكلموا، محطش الچاكت بتاعه على كتفك ليه لما ترقرق من عينيكِ الدموع؟
أجابت رقة بسخرية:
_ الدنيا حر!
لم تقتنع شهد بإجابتها ثم عادت للرقص. وبعد دقيقتين تذكرت شيئًا فذهبت لشقيقتها وسألتها سريعا:
_ حضرتي اللبس اللي هتلبسيه لما تقابليه تاني.. أنتي لازم تستعدي!
انكمش حاجبي رقة وقالت بتوتر:
_ لأ.. هو أنا لحقت!… وبعدين مش من باب التقل يعني استنى شوية وبعدين أرد عليه؟!
اغتاظت منها شهد وقالت:
_ يا ستي أتقلي ما قولناش حاجة.. بس على الأقل أبقي مستعدة.
فكرت رقة بشيء وابتسمت بحماس وقالت لشقيقتها:
_ ما تقلقيش، روحي نامي وأرتاحي وبكرا ربنا هيدبرها.
اطمئنت شهد لإجابتها وظلت ترقص لدقائق ثم قالت مبتسمة ابتسامة واسعة:
_ أهو دلوقتي لما أقول في الجامعة أن أشهد شاهين يبقى خطيب أختي محدش هيقدر يكدبني. بحبك يا رقوقة.
وظلت تحدث نفسها وتضحك وهي تدخل غرفتها. وبعد ذلك استغرقت شهد بالنوم. بينما توضأت رقة وصلّت صلاة العشاء قبل أن يضيع الوقت، ثم ظلت تدعو ربها كثيرًا مثلما تفعل كل فرض. وبعد ذلك دخلت غرفتها الصغيرة وتوجهت نحو خزانتها وأخرجت من لفافة بيضاء عدة أقمشة راقية كانت قد ابتاعتها بالسنوات الماضية لتفصيل فساتين سهرة بيدها مثلما كانت تحلم دائمًا. فقالت مبتسمة بعدما سمّت باسم الله وتوجهت لآلة الخياطة القديمة:
_ جه أوانهم يتفصلوا.
تذكرت عدة تصاميم كانت قد رأتها سابقاً ووقع اختيارها على تصميم اعتقدت إنه سيلائمها. بدأت بحماس شديد، واستغرق منها الأمر ليلةً كاملة حتى انتهت من ثلاثة فساتين. كان الأمر يبدو وهميًا وهي تتثاءب بالصباح الباكر وعينيها على الفساتين الثلاث المّعدين تمامًا للإرتداء. ابتسمت بكسل وقالت تتجاهل الفوضى التي أحدثتها حول ماكينة الخياطة:
_ هنام شوية وأصحى أنضف وأبقى اقيسهم بعدين.
وهنا فتحت شهد باب غرفتها وهي تمط ذراعيها بكسل. وحملقت فجأة وهي ترى الفساتين الثلاث وهم على الأريكة كأن عصا سندريلا أوجدتهم في الحال. قالت بعينان متسعة من الدهشة والإعجاب:
_ الفساتين دي بتاعة مين؟
ابتسمت رقة بإرهاق وقالت وهي تقترب لها وتجيب بثقة:
_ بتوعي. دول الأقمشة اللي كنت بشتريهم وبخزنهم لأي مناسبة. عملت حسابك معايا، ولسه هعمل التلاتة الباقيين النهاردة بإذن الله.
شهقت شهد بذهول وقالت وهي ترفع أحد الفساتين أمام عينيها:
_ مش معقول تكوني بتفصلي بالحلاوة دي؟! روحي قيسيهم قدامي دلوقتي.. بسرعــــة قبل ما أروح الجامعة.
اعترضت رقة وقالت بإرهاق:
_ مش وقته.. عايزة أنام شوية قبل ما أروح الشغل، لما ترجعي هبقى أقيسهم قدامك والله.
صممت شهد على رأيها، وذهبت رقة وأنصاعت للأمر رغم وجهها المتعب الشاحب من قلة النوم. وأرتدت فستان قطني من الأعلى ويتدرج للأسفل بالستان الناعم من درجات القرمزي الداكن الذي يشبه اللون الأحمر القاتم. وخرجت لشقيقتها بالصالة الضيقة. اتسعت عينان شهد وهي تدور حول شقيقتها التي اكتسى وجهها بالحياء والابتسامة وقالت:
_ أنتي خارجة من مسلسل حريم السلطان دلوقتي. إيه يابت القمر ده؟ التصميم لايق عليكي ويجنن واللون أصلًا رهيب. ولا أجدعها مصمم يعمله.
تبدل إرهاق رقة لفرحة حقيقية وحماس. وذهبت لإرتداء الفستان الأسود المخلل بالأحمر الغجري الأسباني في تصميمه. صفرت شهد بدهشة وهتفت:
_ واااو.. ده بقا نينجا أوي. بس ده خليه لمقابلة بينكم بعد الخطوبة. مش من أول مقابلة كده، أصلي حاسة تصميمه مثير شوية مع أنه طويل ومحتشم.
أما الفستان الثالث باللون الأرجواني جعل شهد في حالة انبهار تام بتصميمه الذي يشبه القفطان المغربي بعض الشيء وقالت:
_ يا ده يا الأول. الأتنين يهبلوا بجد. أنتي عاجبك إيه فيهم؟
نظرت رقة للفستان القرمزي الأول بابتسامة وقالت:
_ هختار الأولاني. حبيته عليا أكتر. وأنتي هتختاري إيه؟
ابتسمت شهد وقالت بمحبة:
_ أنا عندي لبس كتير أوي. أنتي مكنتيش مخلياني محتاجة حاجة يا روقة. عمومًا هحضر نفسي عشان أروح الجامعة ونكمل لما أرجع، وأنتي خليكي النهاردة في البيت ما تروحيش الشغل.
تعجبت رقة وسألتها:
_ ليه أغيب؟
ضحكت شهد وهي تستعد لدخول المرحاض وقالت:
_ يابنتي نامي شوية أنتي سهرانة طول الليل. وبعدين ما تقلقيش. بعد اللي حصل امبارح كله في المصنع هيضربلك تعظيم سلام. أنسي اللي فات، ده أحنا هنبدأ صفحة جديدة مع كوكب الأرض.
وتابع شهد ضحكاتها ودندنتها وهي تأخذ دشا سريعا وتستعد للذهاب للجامعة.
***
وبمنزل آل شاهين.
أعدت مائدة الإفطار بالصباح الباكر، وقد اهتمت بتحضيرها كلًا من نيرمين وشقيقتها هدير. وساعدت سميحة شقيقتها الكبرى مشيرة على النهوض من فراشها والتوجه للفطور الجماعي. وجلست مشيرة على مقعد أمام الطاولة وهي تشعر بتعب شديد في عظامها إثر الحركة وقالت بإستياء:
_ يا ريتني ما سمعت كلامك ونزلت يا سميحة. مش قادرة آخد نفسي.
قالت سميحة بنظرة حادة لشقيقتها:
_ لأ لازم تسمعي كلامي. انزلي واقعدي وسط ولادك وشوفييم بيعملوا إيه. مش تسبيلهم السايب في السايب كده!
قطبت مشيرة جبينها وقالت بحدة:
_ مالهم ولادي يا سميحة؟! زي الفل وأي أم تتمنى ولادها يبقوا زي ولادي. ربيتهم احسن تربية واحسن تعليم. واحد مهندس ورجل أعمال والتاني ضابط قد الدنيا. سايب إيه اللي بتتكلمي عليه بقا؟!
نظرت هدير لأمها بغيظ حتى عدلت سميحة حديثها وقالت:
_ يا حبيبتي مش أقصد اللي فهمتيه. أقصد يعني أن ولادك ما شاء الله العين عليهم كتير، لازم تبقي واخدة بالك منهم لحسن بنت كده ولا كده توقع واحد فيهم وتاخد اللي وراه واللي قدامه. أنتي ماشوفتيش نهال عملت إيه في أشهد زمان وهما مخطوبين؟!
فكرت مشيرة بقلق لثوان، ثم قالت بدفاع عن ابنها:
_ وكان إيه النتيجة يعني؟ أهي دلوقتي بتجري وراه تاني وهتموت وترجعله.
لوت سميحة جانب شفتيها بسخرية ثم قالت:
_ ما هي سابته زمان عشان مكنش غني. لكن لما بقى غني بقت هتتجنن وترجعله. أكتر البنات دلوقتي ما يفرقوش عن نهال، إلا بقى لو بنات ولاد أصول وعيلة وأنتي واثقة فيهم.
ونظرت سميحة لأبنتيها وكأنها تشير بالحديث عليهن. فقالت مشيرة وقد فهمت مرماها:
_ والله يا سميحة كان نفسي أن آخد بناتك لولادي الاتنين. بس اتفاجئت أنهم مرتبطين ببنات تانية ومتفقين على الجواز كمان، مقدرتش أتكلم.
استعر الغيظ والحقد بقلب سميحة وأبنتيها التي فشلت كل مساعيهن للوصول لتلك العائلة. بينما نظرت هدير كانت مزيج من الحقد والسخرية مما تسمعه من خالتها مشيرة. فقالت مبتسمة بمكر:
_ ولا تزعلي نفسك يا خالتو. أحنا برضه بناتك وهنفضل كده على طول.
و بتلك اللحظة ظهر أشهد وهو ينزل على السلم الرخامي ناظرًا في ساعة معصمه متجاهلًا مائدة الإفطار بأكملها. فهتفت أمه ليأت ويشاركهن الطعام فأجاب بعجالة وهو يتوجه للخارج:
_ معلش يا أمي عندي مواعيد بدري مهمة. هفطر في الشغل، افطروا أنتوا.
ودون أن ينتظر جواب خرج من المنزل دون أن يعير خالته وأبنتيها حتى نظرة. فضغطت هدير على أسنانها بغيظ ونهضت قائلة بعصبية:
_ نفسي اتسدت. بعد إذنكم.
ولحقتها شقيقتها نيرمين، بينما قالت سميحة بعصبية:
_ هما ولادك مالهم يا مشيرة؟! واحد مقالش حتى صباح الخير والتاني محدش شاف وشه من امبارح وكأنه مش طايقنا!! لو أنا وبناتي تقال عليكم كده هاخدهم وأمشي دلوقتي.
وأجهشت سميحة ببكاء مزيف لتأثر على شقيقتها الكبرى. فقالت مشيرة بإعتذار شديد:
_ إزاي تقولي كده بس يا سميحة ده بيتك أنتي وبناتك. هما كده على طول والله. أشهد في شغله طول الوقت مش بشوفه إلا بليل… وحازم أنتي عارفة نظام شغله. والله ساعات مابشوفه بالأيام. أومال أنا كنت بزن عليهم يتجوزوا ليه؟ نفسي البيت ده يتملي بعيالهم ومحسش أني لوحدي.
مسحت سميحة عينيها من الدموع وقالت وهي تربت على يد شقيقتها قائلة بنظرة ماكرة:
_ أنتي مش لوحدك يا حبيبتي. أنا والبنات هنقعد معاكي لحد ما تزهقي مننا وتقولينا أمشوا. والله شيماء بنتي الكبيرة لولا إنها مسافرة مع جوزها لكنت جبتها معايا بعيالها.
قالت مشيرة بابتسامة:
_ والله وحشتني هي والقرود ولادها. عموما تتعوض، ولا هي مش هتيجي في فرح أشهد وحازم؟
ضيقت سميحة عينيها بغيظ وقالت:
_ أنتوا خلاص قررتوا تعملوا فرحهم في يوم واحد؟
أكدت مشيرة قائلة:
_ أيوة طبعًا. هو مكنش قرارهم هما، هو قراري أنا بصراحة. طول عمري نفسي أشوفهم في الكوشة مع بعض. ربنا ييسر الحال ومش هنطول الخطوبة، شهر أو شهرين بالكتير ويتجوزوا، أصل إيه اللي هيخليني أستنى أكتر من كده!
نظرت سميحة للمنزل الكبير حولها بحقد شديد وقالت بتمتمة:
_ آه صحيح. هتستنوا ليه، ما انتوا محدش بقا قدكم وبتلعبوا بالملايين لعب أنتي وولادك! الله يرحم أيام زمان!
ولم تنتبه لها مشيرة التي قالت بعد ذلك:
_ أندهي على البنات يجوا يفطروا معانا.
ابتسمت لها سميحة بموافقة ونهضت حتى توجهت لأبنتيها بالغرفة العلوية.
***
وبالغرفة العلوية دخلت وعلى وجهها الغضب قائلة:
_ العز ده كله هيجوا بنتين ما نعرفش من أنهي داهية ويلهفوه. إلا ما في واحدة منكم عرفت تميل دماغ واحد فيهم بلا خيبة!
قالت نيرمين بغيظ:
_ ماهما مابقوش حلوين كده في عنيكي غير لما بقوا أغنيا!! قبل كده لما كنت زمان معجبة بحازم اتريقتي عليا!
ردت أمها بعصبية وقالت:
_ ده أيام الفقر يا حبيبة أمك. ما أنا مكنتش هعيشك في الفقر طول عمرك. لكن دلوقتي أنتي شايفة العز اللي متمرغين فيه؟ أختي اللي طول عمرها شقيانة وبتشحت هدومي بقيت أنا بالنسبالها دلوقتي متسولة وفقيرة!
قالت هدير بنظرة تحدي:
_ ما تزعليش نفسك. يمكن الجوازة دي ما تتمش أصلًا، محدش عارف بكرة فيه إيه!
***
وبشركة أشهد شاهين.
انتهى الاجتماع الصباحي الهام لفريق أحد المشاريع الضخمة. وجلس أشهد بمفرده بعد ذلك بمكتبه الخاص مفكرًا شاردًا ببعض الضيق، ولسان حاله يكرر هذا السؤال، كيف ورط نفسه تلك الورطة مع هذه الفتاة؟
تنفس بعمق وقال بإنزعاج:
_ بدل ما كنت بهرب من جوازة واحدة، بقيت بفكر أهرب من اتنين!! أزاي ورط نفسي الورطة دي مع بنت لسه عارفها من ساعات!! تهور وغباء!
تنفس بحدة مرةً أخرى ولكن كان ينتابه شيئًا غامض كلما تذكر نظرة تلك الفتاة البريئة كليًا، نظرة عينيها النقية التي تشبه نظرة قطة حديثة الولادة تستوقفه للحظات، تجعله يتساءل هل هي بتلك البراءة الظاهرة، أم أن هناك وجهًا حقيقي خلف هذا القناع البريء يحمل مكرًا ومعكرًا بالأنانية والخداع؟ مثلها مثل الكثيرات!
رفع كوب قهوته لشفتيه بعصبية وهو يفكر كيف ومتى الوقت المناسب الذي سينسحب فيه من تلك المسرحية الهزلية!
***
استيقظت رقة على صوت دقات متتالية على باب الشقة. ونظرت لساعة المنبه ووجدتها الثانية بعد الظهر. نهضت من فراشها وذهبت لتفتح الباب وقالت قبل أن تفتحه:
_ مين اللي بيخبط؟
أجابتها جارتها أم بسنت:
_ أنا أم بسنت يا رقة أفتحي.
فتحت رقة الباب وقالت وهي تتثاءب:
_ ادخلي على ما أغسل وشي وأجيلك.
ودخلت أم بسنت وجلست منتظرة، حتى أتت رقة وهي تجفف وجهها المبتل بالماء. فقالت السيدة بعتاب:
_ دي رابع مرة أخبط عليكي ومحدش يرد! والواد حموكشة ابني ماشافكيش نازلة الشغل النهاردة خالص.
ابتسمت رقة وقالت وهي تجلس بجانبها:
_ كنت رايحة في النوم. أنا غيبت النهاردة، فضلت سهرانة طول الليل على المكنة أخيط.
انتبهت أم بسنت للمعة الواضحة بعينان رقة وقالت بمكر:
_ عينيكي بتلمع يا رقوق. يبقى صوت الزغاريد بتاع امبارح ده كان جاي من عندكم؟
ابتسمت رقة ببعض الحياء وأجابتها:
_ آه. دي شهد كانت بتزغرط.
واستفهمت السيدة منها وأخبرتها رقة بكل شيء مثل عادتها. فنهضت أم بسنت وظلت تطلق الزراغيد من فمها بحماس وسعادة. وحاولت رقة منعها، لكن هتفت بها أم بسنت بضحكة وقالت:
_ يا ألف نهار أبيض. بقا تقوليلي الخبر ده ومش عايزاني أزغرط. والله لفرق شربات على الشارع خلينا نفرح بقا ونبل الشربات.
شهقت رقة وحاولت أن تمنعها قائلة:
_ طب اصبري شوية ده أنا لسه مردتش عليه حتى!
قالت أم بسنت بابتسامة واسعة:
_ هو أنا هستناكي تردي. ياختي هرد أنا بدالك لو مكسوفة، المهم أفرح بيكي في بيت العدل. ده مش هيبقى بيت عدل دي هتبقى فيلا العدل يا مسعدة. والله ودعوتي اتحققت يا برقوقة.
ابتسمت رقة وهى ترى فرحة جارتها الصادقة. وبالفعل نشرت أم بسنت الخبر وهي توزع أكواب الشربات وتزغرد بسعادة. وهنا فعليًا أصبحت رقة رسميًا أمام جميع سكان المنطقة الشعبية خطيبة المقاول الشهير ورجل الأعمال المهندس أشهد شاهين!
***
أجاب أشهد على اتصال شقيقه حازم المتكرر وقال:
_ معاك يا حازم. في إيه؟
رد حازم بصوت ضاحك:
_ أبسط يا عم. المنطقة اللي عايشة فيها خطيبتك المزيفة كلها مقلوبة شربات وزراغيد بسببك. محدش مابقاش عارف أنك اتقدمتلها وخطبتها. سيرتك بقت على كل لسان يا كبير.
اغتاظ أشهد وقال بعد ذلك بسخرية:
_ ما لحقتش حتى تفكر!! ما صدقت!
رد عليه حازم بتعجب:
_ وأنت كنت متخيل إنها هترفضك؟!
رد أشهد بجدية:
_ عمومًا ده شيء ما يزعلنيش، كده كده كان الكل هيعرف. المهم أني عايز أنهي الموضوع وأخليها تقابل أمي والعقارب اللي معاها عشان نخلص بقا. أنا مليت من الحوار ده!
فكر حازم بشيء وقال:
_ عمومًا أنا عندهم في المنطقة، هوصلهم خبر إنك جايلهم، بس هقولهم أمتى؟
رد أشهد بدون تفكير:
_ النهاردة، قولهم إني هكون عندهم النهاردة بعد الشغل.
وافق حازم وقال بمكر:
_ أجي معاك؟
قال أشهد بجدية:
_ لو عايز تعالى. خلينا نخلص.
***
قفلت رقة باب الشقة بقلب يرتجف وابتسامة مرتبكة على شفتيها بعدما أخبرها الصبي الصغير "حموكشة" بما أخبره به الضابط حازم. ونظرت للمنزل ببعض التيهة وهمت بتنظيفه رغم نظافته. حتى نقرت جارتها أم بسنت على الباب مرةً أخرى، وفتحت لها رقة بعجالة وقالت:
_ تعالي ادخلي بسرعة.
اطلقت أم بسنت زغرودة عالية وقالت بسعادة:
_ يا ألف نهار مبروك. الواد حموكشة ابني قالي على الخبر. بس أنتي بتعملي إيه؟
قالت رقة وهي تنظف الآرائك وتنفضها:
_ بنضف البيت.
قالت أم بسنت بإعتراض:
_ البيت زي الفل أهو مافيهوش غلطة. روحي أنتي جهزي نفسك وأنا هنضف بدالك طالما ده هيريحك.
قالت رقة بقلق:
_ أجهز نفسي أعمل إيه يعني؟
اغتاظت منها أم بسنت وكادت أن تجيب، حتى دخلت شهد وبيدها كتبها الدراسية وهي تركض هاتفة:
_ الكلام اللي بيقوله حموكشة صح يا رقوق واشهد جاي النهاردة؟
أومأت رقة رأسها بالإيجاب. فهتفت شهد ضاحكة:
_ ده ينور خطيب أختي.
ضحكت أم بسنت وقالت لشهد:
_ أختك مش عارفة تجهز نفسها؟ ينفع هتقابله كده؟
ابتسمت شهد وقالت بخبث:
_ سيبيهالي. ده انتوا جايين في منطقتي بقا، تعاليلي.
وهربت منها رقة وهي تضحك داخل غرفتها، بينما دخلت شهد وأغلقت الباب حتى لا تهرب رقة من وضع اللمسات التجميلية التي لا تحبها يومًا. وهمت أم بسنت أن ترتب وتنظف المنزل وهي تضحك على كلمات شهد المازحة.
***
وبالمساء.
وصلت سيارة أشهد عند تلك المنطقة العشوائية. وأجرى اتصالًا أخيرًا على شقيقه حازم، وأجاب الآخر بأسف:
_ معلش يا أشهد مش هقدر أحضر بسبب الشغل.
تقبل أشهد اعتذاره ودخل سيارته مرةً أخرى وأمر السائق أن يذهب للمكان الذي أخبره به حازم.
***
وبمنزل الشقيقتان.
وقفت رقة مبتسمة بإشراق أمام المرآة بالفستان القرمزي بعدما انتهت شهد من تجهيزها منذ نصف ساعة تقريبًا. ثم دخلت عليها أم بسنت قائلة بتعجب:
_ هي شهد راحت تجيب شوية حلويات واتأخرت ليه كده؟
نظرت لها رقة وبدا القلق على وجهها وقالت:
_ أيوة أنا بدأت أقلق. دي بقالها أكتر من نص ساعة برا رغم أن المحل على قمة الشارع!
نظرت لها أم بسنت وقالت بابتسامة:
_ بس انتي طالعة قمر يا برقوقة. ربنا يسعد قلبك يابنتي.
ابتسمت رقة وهي تضمها بمحبة، ثم انتظرت شقيقتها عدة دقائق وبدا يتصاعد بقلبها القلق فقالت:
_ هروح أشوفها بسرعة وأجي.
قالت أم بسنت بإعتراض:
_ أفرضي خطيبك وصل أقوله إيه؟
طمئنتها رقة وقالت:
_ هروح أشوفها على أول الشارع وجاية بسرعة، يمكن تكون واقفة مع بنت من الجيران زي عادتها.
ولم تنتظر رقة إجابة جارتها، بل أسرعت للخارج، ونزلت أولى خطوات السلم المظلم بسبب عدم توفر الإضاءة فيه، ولكنها اعتادت عليه وحفظته. وانتبهت لخطوات تصعد فظنت إنها شقيقتها فقالت بعتاب:
_ كده اتأخرتي يا شهد!
ولم تكن تتخيل أن تلك الخطوات أصبحت قريبة منها إلا عندما وقعت على صدره بتعثر. ورفع أشهد كشاف هاتفه الذي كان يحاول إضاءته فور ظهورها. وشهقت رقة وتجمدت عندما اكتشفت إنه هو! وتعلقت عيناه بعينيها الدافئة وخطفه وجهها المزين برقة وحرفية لتصبح تلك الساحرة الصغيرة. ابتسم دون أن يشعر عندما نطقت اسمه بطريقة يعترف أنها تروقه وتثيره وهمس بابتسامة لعينيها:
_ ما اتأخرتش!
ابتسمت رقة وتوردت خديها وهي تبتعد عنه بحياء شديد، بينما تنقلت نظرة أشهد بإعجاب شديد على ردائها الخلاب ذو اللون القرمزي الذي أشعل تورد خديها. جعله يشعر أنه الأمير التي هربت حبيبته ليلتقيا من أحد العصور الوسطى! وما بات يعرف ما بتلك الفتاة يجعله يرق بقربها، ويتردد عندما يبتعد عنها! وهي أبسط مخلوقة قد وقعت عيناه عليها!
ودخلت شهد بتلك اللحظة وهي تدندن وتحمل علب حلوى لذيذة. وعندما وقعت عينيها على الواقفان متسمران وينظران لبعضهما في شرود بهذا المشهد الشاعري قالت بدهشة:
_ آلّاه؟! على السلم!!
استفاقت رقة من تيهتها وركضت على السلم واكتسى وجهها بحمرة الحياء. وراقبها أشهد بابتسامة ظلت على وجهه وتعمقت أكثر عندما شاهدها مليًا عندما جلس بصالة شقتهم المتواضعة. وبدأ الحديث موضحًا بعض الأمور عن حياته. وانتظر موافقتها. فأطلقت أم بسنت زغرودة عالية وقالت:
_ موافقة طبعًا يا أشهد بيه ألف مبروك.
واغتاظت شهد من جارتهما، بينما نظرت رقة له بابتسامة وتهربت من عينيه بحياء شديد. ثم قال أشهد بجدية:
_ وبكرا جهزوا نفسكم عشان هاخدكم وتقابلوا أمي عندنا في البيت. هي تعبانة شوية مش بتقدر تتحرك كتير، بس حابة تشوفك أنتي وأختك.
ارتبكت رقة ونظرت لشقيقتها في حيرة، فقالت شهد بثقة:
_ تمام. حتى نتعرف عليكم أكتر.
ونظر أشهد لرقة سريعًا ثم قال:
_ العربية بالسواق هتكون هنا بعد الظهر، هياخدكم على البيت، وأنا هخلص اجتماع مهم في الشركة وأحصلكم، عشان هنتغدا كلنا مع بعض بإذن الله.
وكان قد أدخل السائق علب هدايا وحلوى عديدة. وانتظرت رقة أن يطلب مجالستها لبعض الوقت بمفردهما ليتحدثا بحرية أكثر، ولكنه لم يفعل ونهض مغادرًا دون نظرة منه لها حتى! وذلك التحول أربكها وأقلقها. رغم السعادة التي كادت أن تخرج لها جناحين منذ دقائق!
وقالت لها شهد بعدما غادر أشهد:
_ مالك وشك اتقلب ليه كده؟
ولم تعرف كيف تفسر لشقيقتها فقالت:
_ أنا شايفة إننا اتسرعنا في الرد عليه! وكمان بالنسبة للمقابلة.
قاطعتها شهد بابتسامة:
_ حبيبتي هو اللي مستعجل وجه هنا مخصوص عشان يعرف يتقدملك رسمي ويسمع ردك. وبخصوص المقابلة فمتقلقيش، هناخد أم بسنت وحموكشة معانا. دي الأصول، وبعدين نتعرف عليهم أكتر، أومال هتتجوزيه عمياني كده من غير ما نتعرف على أهله؟
اطمئنت رقة لحديث شقيقتها وانتظرت مقابلة الغد.
وقبل الفجر كانت قد أعدت فستانًا آخر. أخذ هذا الرداء ليلة كاملة لتجهيزه. ولكن عندما ارتدته صباحًا أمام شقيقتها قفزت شهد وقالت:
_ ده بقا يهوس. هتلبسيه النهاردة يا روقة، أحلى حاجة فيه أنه مش سواريه ومناسب لأي مناسبة. بس لون الموف ده بطل عليكي.
نظرت رقة للفستان المخملي الناعم بهذا اللون الرقيق وقالت برضا:
_ زي ما تخيلته بالضبط. كده فاضل قماشتين، هتسلى فيهم الأيام الجاية.
قالت شهد بحماس:
_ والله لو بإيدي لأفتحلك مشروع وتبقي مصممة أزياء قد الدنيا، ده أنتي بتصممي وبتفصلي بنفسك!
ونظرت رقة للهدايا وقالت بتعجب:
_ هو اشترالي فساتين ليه؟
قالت شهد وهي تخفي انزعاجها من تلك اللافتة:
_ مش خطيبته يابنتي! أومال عايزاه يجيبلك إيه؟ بطاطس وطماطم!
وبعد وقت الظهيرة أتى السائق منتظرًا الفتيات. بينما انتهت رقة من زينتها وحجابها الأبيض الحريري على ذلك الرداء وقالت لها شهد بمحبة:
_ قمر. وأحلى والله.
وقبل أن تغرق رقة بالحياء مثل عادتها أخذت شقيقتها وجارتها والصبي وهبطوا درجات السلم حتى السيارة المنتظرة بالشارع الضيق ومحط أنظار جميع سكان المنطقة.
***
وبمنزل آل شاهين.
أتت إحدى الخدم وأخبرت سيدتها التي انتظرتهم بغرفة الصالون قائلة:
_ وصلوا يا ستي وصلوا.
قالت مشيرة للخادمة:
_ روحي قولي لسميحة والبنات حالًا خليهم يجوا يسلموا عليهم.
وذهبت الخادمة سريعا للطابق العلوي، بينما أدخلت خادمة أخرى رقة ومن معها لغرفة الصالون. حيث تجلس مشيرة على أريكة وثيرة ناعمة. وعندما دخلت رقة ومن معها تسمروا للحظات من فخامة المنزل. بينما رقة تسحبت عينيها للسيدة الجالسة وتنظر لهم في صمت وتمعن!
ابتسمت لها رقة وشعرت بحدسها أنها والدته، فتوجهت لها بعفوية ولحقتها شهد. وصافحتها رقة بمودة وقبلتها من خدها، وفعلت مثلها شهد والجارة أم بسنت. فقالت مشيرة عندما جلسوا أمامها:
_ معلش مقدرتش أقوم وأسلم عليكم. بس مين بقا رقة فيكم؟
أجابت رقة بابتسامة:
_ أنا رقة.
فحصتها مشيرة من رأسها لأخمص قدميها ببطء، ثم قالت دون أدنى تعبير بوجهها:
_ آه. أزيك يا بنتي.
توترت رقة ونظرت لشقيقتها بقلق، حتى ابتسمت شهد وقالت لمشيرة:
_ أهلًا بحضرتك يا طنط.
وابتلعت رقة غصة بحلقها تكورت من الاستقبال الجاف لتلك السيدة التي يبدو أنها لم تعجبها. حتى ظهرت سميحة وأبنتيها بمظهر مبالغ فيه وكأنهن ذاهبات لحفلة عرس!
صافحت هدير رقة وشقيقتها شهد بعدائية غير مفهومة لكلايهما. وجلس سميحة وأبنتيها بعد ذلك بجانب مشيرة. حتى قالت سميحة بنظرة ساخرة لرقة:
_ أنتي بقا العروسة!
اغتاظت شهد من السخرية الواضحة بصوت المرأة وعينيها وقالت بحدة:
_ آه هي العروسة.
ابتسمت سميحة ابتسامة ساخرة لبناتها وقالت بعد ذلك:
_ آه. كنت بسأل بس، عايزة أشوف اختيار أشهد ابن أختي عامل أزاي. عيني عليه!
ابتلعت رقة ريقها بتوتر بينما أحمر وجه شهد من الغيظ، فتدخلت أم بسنت وقالت لسميحة بثقة ونظرة قوية فهمتها سميحة في الحال:
_ ما تقلقيش يا حبيبتي. مكنش هيلاقي أحلى وأجمل من بنتنا.
رمتها سميحة بنظرة غاضبة وفهمت رميتها ولم تجب. فقالت هدير لرقة بكراهية واضحة:
_ وأنتي بقا في كلية إيه يا رقة؟ ولا أنتي شكلك محو أمية؟
ضحكت ضحكة سمجة مثل شقيقتها نيرمين التي شاركتها بالمزاح. فجف ريق رقة وضغطت شهد على أسنانها من فرط الغيظ حتى قالت أم بسنت من جديد لهدير:
_ وهو الجواز بقا بالكليات يا حبيبتي. ما ياما بنات في كليات ومالهمش لازمة!
همست شهد لجارتها قائلة:
_ لاحظي إن كلامك جارح يا ولية!
كتمت أم بسنت ضحكتها. فسأل الصبي حموكشة هدير قائلًا:
_ أنتي في كلية إيه يا طنط؟
اخفت شهد ابتسامتها عندما لاحظت غيظ هدير التي ردت بعصبية:
_ طنط!! إيه طنط دي يا ولد؟
تأسف الصبي قائلًا:
_ أصل شكلك كبير فحسبك طنط. هقولك يا خالتي.
ضحكت شهد هذه المرة وهي تنظر لأم بسنت التي تحكمت بضحكتها وقالت لهدير:
_ معلش يا حبيبتي ده عيل صغير و اللي في قلبه على لسانه.
أحمر وجه هدير من الغيظ ونهضت مغادرة. فقالت سميحة بعصبية لشقيقتها مشيرة:
_ أنا هقوم يا مشيرة لأحسن اتهزأ أنا كمان!
وغادرت سميحة وأبنتيها بينما نظرت مشيرة للفتاتان بتمعن ثم قالت:
_ أنتي معاكي شهادات إيه يابنتي؟
توترت رقة مرة أخرى حتى تدخلت شهد وقالت بصدق:
_ أختي مكملتش تعليمها يا طنط مشيرة. سابت المدرسة وهي في أولى ثانوي، رغم أنها كانت متفوقة وطالعة الأولى كمان. لكن سابتها لظروف حصلت لينا. ظرف وفاة أبويا وأمي لو حابة تعرفي.
نظرت مشيرة لرقة بدقة وقالت لها بتعجب:
_ أنتي مش بتردي ليه يا رقة. أختك ماينفعش ترد عنك طول الوقت!
انتقدتها السيدة بقوة. فقالت رقة بتوتر:
_ مكنتش هضيف أكتر من اللي قالته. وهي دي الحقيقة.
قالت أم بسنت لتلطيف الأجواء:
_ أنتي عارفة يا أم أشهد أن البنات في الوقت ده بيكونوا متوترين ومكسوفين. بس بعدين مش هتبطلوا كلام مع بعض، ده أنتي هتحبيها أوي، دي رقة دي زي القطة المغمضة والله.
لم تقتنع مشيرة بما سمعته وقالت بجفاء:
_ المهم ابني يكون مبسوط.
وأتت إحدى الخدم مع بعض المشروبات والحلوى، فقالت لها مشيرة:
_ قولي لنيرمين تجيلي دلوقتي.
انصرفت الخادمة وذهبت لتخبر نيرمين. فأتت إليها بعد قليل بنظرات محتقرة لرقة وشقيقتها وقالت لخالتها:
_ نعم يا طنط محتاجة حاجة؟
قالت لها مشيرة:
_ خدي رقة وفرجيها على البيت، بما أنها هتعيش معانا هنا لازم تشوف كل ركن وتقول رأيها. وبالمرة نضيع الوقت على ما أشهد وحازم يوصلوا.
لم ترتاح رقة لتلك الفتاة نيرمين، فقالت بغيظ وهي تحدث رقة:
_ تعالي.
ارتبكت رقة منها ونهضت وهي تضع كوب مشروبها. فقالت مشيرة:
_ خدي كوباية العصير اشربيها وأنتي بتتفرجي. أنتي ضيفتنا.
واطاعتها رقة بتوتر ونهضت مبتعدة عن نيرمين. بينما ظلت نظرة شهد تتبع خطوات شقيقتها بقلق.
وأخذتها نيرمين للطابق الثاني وهي تزفر بغضب قائلة بعصبية:
_ مش عارفة يعني هوريكي الأوض ليه؟!
لمحتها كبيرة الخدم واقتربت لهما قائلة بنظرة قوية لنيرمين:
_ تعالي يا بنتي معايا هوريكي أنا المكان كله.
نظرت نيرمين باستفزاز وصاحت بها:
_ هو أنا يعني مش مالية عينك يا ست أنتي؟!
قالت السيدة بهدوء:
_ بخفف عنك. عشان ما تزهقيش!
أشارت نيرمين للسيدة بعجرفة وصوتٍ عال وهي تلوح بيديها في عصبية مفرطة، فاصطدمت يديها بكوب المشروب بيد رقة ووقع ما بداخله على فستانها المخملي. ففغرت رقة فاها بذهول عندما نظرت لردائها الذي فسد من قبل حتى أن يراها أشهد. ابتسمت نيرمين برضا واخفت ذلك سريعا وهي تقول بأسف مزيف:
_ معلش مكنش قصدي!
نظرت لها المرأة بحدة، ثم فتحت إحدى الغرف وقالت لرقة بلطف واعتذار:
_ معلش يابنتي. تعالي ادخلي الأوضة دي على ما أنضف فستانك وأجففه بسرعة.
غادرت نيرمين برضا تام عن ما حدث، ودخلت رقة الغرفة وانتظرت حتى أتت كبيرة الخدم وبيدها فستان حريري أبيض بدون أكمام:
_ البسي ده وماتخرجيش من الأوضة دي على ما أجيلك. ده كنت شرياه لبنتي تلبسه في البيت، بس شكله كده هيبقى من نصيبك بقا.
قالت لها رقة بقلق:
_ طب قولي لشهد أختي تجيلي ارجوكي.
وافقت السيدة وذهبت لتنظف الرداء، فأغلقت رقة الباب وارتدت الفستان الأبيض الذي لا يعد مناسبًا للظهور خارج غرف النوم! وظلت لدقائق كثيرة منتظرة شقيقتها وتلك المرأة أن تحضر أحداهما. وبدأ يتصاعد بقلبها القلق، ففتحت الباب قليلًا وطلت برأسها خارجه لتراقب الممر، ولكن شهقت عندما وجدت أشهد يسير بالممر متوجها لأحدى الغرف. وأضيقت عينيه بدهشة عندما رأى رأس سوداء وهي تتسحب للداخل سريعا وتغلق الباب! وهذه الغرفة خصيصا كانت غرفته القديمة قبل أن ينتقل لغرفة أخرى أكبر حجمًا. ولا يسمح لأحد بإستخدامها بسبب بعض أغراضه المتروكة بها، إذن من تجرأ وفتحها؟!
نظرت رقة حولها بخوف وقلق وهي ترتدي ذلك الرداء المكشوف. وشهقت عندما انتبهت لدق على باب الغرفة، ثم تحرك مقبض الباب قبل أن يفتح الباب على مصراعيه!
يتبع...
رواية كسرة وضمة وسكون الفصل السابع 7 - بقلم رحاب ابراهيم
نظرت رقة حولها بخوف وقلق وهي ترتدي ذلك الرداء المكشوف الذراعين … وشهقت عندما انتبهت لدق على باب الغرفة، ثم تحرك مقبض الباب قبل أن يُفتح الباب على مصراعيه …
واندفعت خطوات للخلف من الذعر، ورفعت يدها وكتمت بها فمها وهي ترتجف تحت نظراته الدهشة الثابتة على عينيها، وحضوره المخيف أمامها ..
بينما ظل أشهد متسمرًا للحظات، لم يتوقع ابدًا أن تكون هي من بغرفته السابقة!، والاخطر من ذلك .. لم يدرك إنها بتلك النعومة والأنوثة التي تبدو عليها الآن، لم يحب الشعر القصير يوما بالإناث، ولكنه الآن مع ذلك الوجه الصغير ومع خصلات الشعر الأسود المتعرجة بقوة والتي تصل بالكاد لمستوى كتفيها وتضع وجهها الصغير بين قوسين برقة متناهية .. أعجبه، وسرًا أراد أن تتخلل أصابعه تلك الخصلات، ولم يعرف لمَ كل شيء بتلك الفتاة يخطفه لهذه الدرجة رغم بساطتها!!.
ولكنها تمتلك فتنةً خاصة بها، فتنة وجاذبية غير مفهمومة، جعلته من الوهلة الأولى عندما تعلقت عينيها بعينيه شي، مجهول يدفعه ليأخذها إليه!، كأنها عندما امتلكت ذلك الوجه البريء والعينان الصافيتان أصبحت تمتلك سرًا من أسرار الفتنة التي تسلب عقل أقوى الرجال.
أو كأنها ضلعه الأعوج الذي وجده أخيرًا ليكتمل كيانه وتسكن روحه!.
وأبعد عينيه بمشقة عنها واعترف لنفسه بذلك، حتى خرجت من صدمتها وسحبت غطاء الفراش وسترت جسدها من رأسها حتى أصابع قدميها، اللهم إلا ذلك الوجه الصغير الذي يظهر من بين الستار السميك .. ابتلعت ريقها بارتباك شديد عندما عاد ينظر لها مجددًا بقوة، وبدا عليه أنه يقاوم شيء يهدد ثباته وإتزانه بالفعل، حتى تحكم أشهد بنفسه بأعجوبة واقترب وهو يهتف بعصبية :
_ أنتي جاية بالفستان ده من بيتك ؟!!
ولأول مرة تراه غاضبًا لتلك الدرجة، والأغرب أنها لم تتوقع ذلك السؤال مطلقا، بل كانت تتوقع إن يسألها ما أتى بها لتلك الغرفة وبذلك المظهر؟
توترت رقة وبدأت ترتعش من صوته العال، ويبدو أنه نسى عقدتها النفسية وهو يصيح هكذا .. فقالت بتوتر وعينيها قد أشارت بالدموع :
_ لأ ..
كاد أن يعنفها لإجابتها المختصرة، ولكنه عندما اقترب بعصبية خطوة أخرى تذكر عقدتها النفسية من الأصوات العالية ووقف فجأة، ولكنها عندما عادت خطوة للخلف بخوف تعثرت بأطراف الغطاء وأختل توازنها وسقطت أرضاً وهي تصرخ .. فأسرع اليها أشهد قلقا بعدما تكومت بجسدها الصغير داخل الغطاء كالفأر داخل المصيدة .. رفعت رأسها لتستنشق الهواء وتفاجئت بقربه منها، ودون ادراك رفعت الغطاء ليغطي رأسها ويستر جسدها كاملًا بعينان تنظر له بخوف معلن وهي تتسحب للخلف ببطء مبتعدة عنه .. للحظات نظر لها شاردًا مأخوذا، وادرك أنه قاوم ما وسوس له الشيطان بشراسة وحرب عنيفة مع نفسه الأمارةً بالسوء .. فتحكم بصعوبة ونهض واقفا، والقى عليها نظرة غاضبة لم تفهم سببها، ثم استدار وخرج من الغرفة بأكملها بخطوات واسعة وكأنه يهرب من شيء ..!
ونهضت رقة سريعا واغلقت الباب الذي وللعجب لم يوجد به قفل داخلي !… وبدأت تتنفس الصعداء وهي تعنف نفسها وكرهت ضعفها الذي يقيد حتى صوتها ويخنق الحرية فيه.
ولكن بعد ذلك جلست على الفراش وتسحبت إبتسامة على شفتيها ببطء، غضبه من مظهرها الجريء الغير مقصود جعل قلبها يدق بجنون .. حتى دخلت كبيرة الخدم السيدة ” سعاد” بفستان رقة نظيفا مجففا بعض الشيء ومعها شهد التي شهقت عندما شاهدت رقة بذلك الفستان المكشوف وهتفت :
_ ايه اللي أنتي لبساه ده ؟!
توترت رقة من رد فعلها وتدخلت السيدة سعادة قائلة :
_ أنا اللي جبتهولها ما تقلقيش، على بس ما أنضف الفستان، اتاخرت بس كام دقيقة محصلش حاجة يعني وهي هنا ومقفول عليها الباب.
أخذت رقة منها الفستان وشكرت المرأة بأمتنان وبعدها خرجت سعاد وتركت الشقيقتان بمفردهما، اقتربت شهد لرقة قائلة بحدة :
_ أزاي توافقي تلبسي فستان زي ده وتقعدي هنا لوحدك يا رقة ؟ .. أفرضي حد دخل بالصدفة يقول علينا إيه ؟
ابتلعت رقة ريقها ببعض التوتر ولكن كانت ابتسامتها تسبق أي خوف أو قلق لأول مرة .. فقالت بعفوية وهي تبدأ بإرتداء فستانها مرةً أخرى :
_ أشهد دخل ..
شهقت شهد بذعر ثم قالت بغضب :
_ وشافك كده ؟!!
اجابت رقة ببعض الأرتباك :
_ أنا اتخضيت زيك في أول دقيقة، بس خدت غطا السرير وغطيت نفسي بسرعة، مكنتش حاجة مكشوفة مني .. وهو زعق وقالي أزاي تيجي من البيت بالمنظر ده ! .. لو تشوفي غيرته عليا يا شهد ؟ .. كان هيجنن !
اغتاظت منها شهد وقالت :
_ هو احنا في ايه ولا في إيه ؟ .. أزاي يشوفك كده وفي بيته يا رقة ؟ .. طب على الأقل لما أخوه شافني برقص كنت في بيتي ومقفول عليا بابي وهو اللي اتصنت عليا .. لكن أنتي في بيته أنتي واعية للي بيحصل ؟!
قالت رقة وهي تدور حول نفسها من السعادة بعدما أرتدت فستانها الاصلي :
_ هيعرف اللي حصل وهقوله ما تقلقيش ، بس أنا مبسوطة أوي يا شهد.. أووي .. أنا طايرة من السعادة لدرجة إني حاسة أني هيطلع ليا جناحات ! .. عمري ما حسيت أن الدنيا بالجمال ده قد النهاردة .. عمري ما حسيت إني عايزة اتنطط من الفرحة كده ! .. هو احنا اتعلقنا بعض بالسرعة دي إزاي ؟!
ابتسمت شهد رغما عنها وهي تنظر لشقيقتها وقالت بتعجب :
_ أول مرة أشوفك كده يارقة ؟!
توقفت رقة عن الدوران ووقفت أمام شقيقتها وعينيها دامعتان من السعادة:
_ لأول مرة حد يشخط فيها وما أخفش! .. بالعكس، يمكن كان شكلي خايفة، بس أنا كنت مكسوفة أوي، تعرفي يا شهد أنا نفسي اخطفه وامشي من البيت ده ونعيش في بيت صغير يبقا لينا لوحدنا .. مش عايزة ولا خدم ولا حشم ولا عربيات وفلل .. أنا مكتفية بيه هو وبس .. مش عايزة أي حاجة تانية من الدنيا والله يا شهد.
وشردت بابتسامة وهي تجلس على الفراش :
_ غيرته كانت حلوة أوي، بصته ليا بحبها، وبحب نفسي بعدها، عايزة أتجوزه واجيب منه ولاد كتير كلهم شبهه، ويكون هو ده أبوهم مش حد تاني .. وأعيش معاه على الحلوة والمرة وأبقى نصه التاني .. اللي لما يحب يطمن ويهدى يسيب الدنيا بحالها ويجيلي أنا .. يترمي في حضني واطبطب عليه فيطمن ويهدى.
وتابعت وهي تنهض وتتابع بسعادة:
_ أنا لما ببصله بسأل نفسي بفرحة .. أنا بجد هبقى حبيبته ومراته ؟ .. أنا لأول مرة أحس بالقوة وأني مش خايفة من الدنيا ولا من الناس .. ضهري اتسند وقلبي اطمن في لحظة .. هسلمه قلبي صاغ سليم، مقفول بختم ربه، هو يستاهل يتحب .. يتحب بطريقتي .. طريقتي اللي هيلاقي فيها حنية الدنيا كلها.
اوقفتها شهد عن الحديث وقالت بقلق تسرب لقلبها :
_ على قد ما مبسوطة بفرحتك .. على قد ما خايفة عليكي، انتي لسه ما تعرفهوش!، أعملي حساب للزمن يا رقة .. الدنيا مش بحنية قلبك وبراءتك دي!.
أجابت رقة بثقة وهي تبتسم بسعادة:
_ أطمني عليا .. أنا عارفة إنه لسه ماحبنيش لدرجة الحب اللي أتمناه، بس هيحبني كده وأكتر لما يعرفني بجد، وبكرا تشوفي .. أنا مش هكتفي بالحب بس يا شهد .. أنا عايزة أبقى حتة منه، ده اللي هيسعدني بجد ..
لم تعكر شهد صفو سعادة شقيقتها ومازحتها، بينما كان هو خارج الغرفة، قد عاد لينهي تلك المسرحية اليوم، ويضرب كل شيء بعرض الحائط ويخبرها الحقيقة .. قد ادرك أن وجودها المؤقت بحياته سيشكل خطرا عليها وعليه بالأكثر .. حتى استمع لكل كلمة وهو يفصله عنها ذلك الباب المُغلق ..
ابتعدت أصابع أشهد عن مقبض الباب الذي كاد أن يفتحه منذ دقائق، وسمرته كلماتها .. عاد بظهره بخطوات بطيئة للخلف وهو تائها كليًا .. توقف عند كل كلمة عصفت بقلبه، وعانقت روحه، وضمدت جرحا قديم بمنتهى الرقة .. تلك الرقة تمتلك ما خفي وأعظم من الحنان والدفء، الذي يحتاجه تمامًا .. الذي يحتاجه كل رجل بالأصح .. خصيصا هو ..
تسحبت ابتسامة لشفتيه، لم يدركها، ولكنها ادركته واقتحمته رغما عن أنف جراحه القديمة، وخوفه الدفين من خوض تجربة حب أخرى.. وهو الذي لا يكتفي بالحب فقط عندما يدق قلبه، لا يكتفي الا بالجنون والعشق، لم يكون شعوره الآن بها حبا ليكن صادقا.. ولكنه أطمئنان وسكينة جعلت قلبه لأول مرة منذ سنوات يبدأ بفتح الاقفال المغلقة .. ويسأل بلهفة من الطارق؟!.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
نزل الفتاتان للطابق الأرضي وظهرت رقة بوجه متورد مشرق ومبتسم، بينما انشغلت شهد بهاتفها الذي لاحظت فيه عدد مكالمات فائتة من صديقتها نور ..
جلست رقة أمام مشيرة بالصالون واستأذنت شهد قائلةً:
_ بعد أذنكم، معايا مكالمة ضروري ..
وابتعدت شهد وتوجهت للحديقة وهي ترد على صديقتها نور قائلة :
_ معلش يا نور مقدرتش احضر النهاردة .. ابعتيلي اللي قولتله عليه على الواتساب ضروري عشان لما أرجع البيت الحق أذاكره ومايفوتش عليا ..
أجابت نور عبر الهاتف وهي تضحك :
_ حاضر يا قلبي، بس ياريتك حضرتي النهاردة، نيللي غابت وكرما ورباب عاملين زي المساكين من غيرها، بقوا تريقة الدفعة بحالها ..
وضحكت شهد بصوت عال عندما أخبرتها نور أبرز أحداث اليوم بالجامعة وقالت بفخر:
_ ما هو هما اللي أتحدوني .. على مين ده أنا شهد !!
يعني العقل شديد والقلب حديد ..
واستندت شهد على شجرة عالية وهي تضحك ومندمجة بالحديث بثقة عالية، فسعلت بخنقة وانتبهت لدخان يأت من خلف الشجرة التي تستند عليها!
فقالت لنور بغرابة :
_ هو الدخان جاي منين ؟! … أستني كده ؟
وتتبعت شهد مصدر الدخان حتى دهشت عندما وجدت حازم يستند على نفس الشجرة من الناحية الأخرى وهو يدخن سيجارته بابتسامة واسعة وساخرة على شفتيه .. وحينما نظرت له تطلع بها بنظرته الخبيثة التي تشعر بالخطر .. فتماسكت وقالت لنور بلا اكتراث :
_ أيوة يا نور معاكي .. كنت بقولك أن أنا شهد، يعني اللي يقف في طريقي ابلعه.
ضحك حازم وقال بسخرية :
_ أوعى الرعب .. الأنثى الذي يخاف منها النمل.
لم تعيره شهد أي اهتمام واضافت وهي تقصد أن يسمعها :
_ يابنتي أنا مبخافش من حد وأنتي عارفة.
نفث حازم من سيجارته بابتسامة المستفزة وأشار بتأكيد لها :
_ وأنا كمان عارف ..
وضحك عندما نظرت له بغيظ، وهنا أغلقت شهد الاتصال وقالت له بحدة لتغيظه :
_ مالكش دعوة بيا يا بتاع الأنابيب أنت !!
نظر لها حازم للحظة بنظرة ضيقة حادة ثم قال :
_ بلاش تستفزيني عشان الوش التاني اللي بتعامل بيه مع المجرمين مايطلعش .. اللي مصبرني عليكي إنك في بيتي.
سخرت شهد منه وقالت :
_ ما خوفتش .. والكلمتين دول تخوف بيهم أي حد غيري .. أنما أنا مبخافش من مخلوق.
نفث حازم دخان سيجارته بوجهها بابتسامة ماكرة، ثم استقام ووقف أمامها قائلًا بخبث :
_ متأكدة ؟
قالت بثقة :
_ أيوة ..
ضيق حازم عينيها بابتسامة تسلية، ثم ابتعد عنها وتركها تقف بمفردها، وقد تسحبت ابتسامة مرحة على شفتيها، وبعد ذلك أجرت اتصال هاتفي لصديقتها نور تؤكد عليها إرسال بعض الأمور الخاصة بالدراسة .. وانهت شهد الاتصال وكادت أن تعود للداخل، حتى فوجئت بأكثر مخلوق ترتعب منه .. شحب وجهها وهي ترى كلب يركض نحوها لا تعرف من أين أتى أو ظهر !!
ركضت شهد ولهثت برعب وهي تدور حول الأشجار بالحديقة، ووقفت خلف شجرة كبيرة الحجم تتخفى من هذا المخلوق المخيف بالنسبة لها .. حتى انتبهت لصوت همس يقول :
_ شوشو ..
نظرت شهد بخوف يمينا ويسارا لم تجد مخلوق !! .. حتى همس حازم من جديد وقال :
_ بصي فوق ..
نظرت شهد للأعلى حتى هبط حازم برشاقة على الأرض ويبدو أنه كان جالسا على احدى الجزوع العريضة .. فشهقت برعب، ضحك حازم عليها وقال بسخرية :
_ في حد يخاف من الكلب العبيط ده ؟! … وعملالي فيها فتوة ؟! .. وأنتي طلعتي القطة المشمشية .. حلوة بس غبية !
هتفت بوجهه في غضب وقالت :
_ أنا عندي فوبيا من الكلاب يا غبي!.
جذبها حازم بعصبية وشراسة من معصم يدها وقال بتحذير وغضب :
_ مش كل مرة هعديها يابت أنتي .. أنا واخدك على قد عقلك بس هتتمادي فيها هوريكي الوش التاني بجد !!
تلوت شهد من الم معصمها في قبضته الشديدة، وضربته باليد الأخرى على صدره بعنف قائلة :
_ وأنا مابيهمنيش حد لا أنت ولا غيرك !! ..
غضب واشتدت قبضته على معصمها وهو ينظر لعينيها الثائرتان بتحد، ليتفاجأ انها استطاعت أن تدفعه بعيدًا عنها بشراسة!!!
مسدت شهد معصمها بألم وقالت له بتهديد صريح:
_ المرة الجاية هكسرلك إيدك خالص .. مالكش دعوة بيا أحسنلك.
رفع حازم حاجبه بغضب غير عادي، وشعرت شهد لأول مرة بالقلق وبالخطر منه .. فغادرت من أمامه ودخلت المنزل بخطوات واسعة وتركته واقفا يغلي من الغضب.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
واعدت مائدة الغداء ..
جلست مشيرة على رأس المائدة .. وأتت سميحة وأبنتيها وجلسن على أحد الأطراف بجانب بعضهن، بينما جلست رقة وشقيقتها وجارتهما أم بسنت وولدها على الجانب الآخر .. تاركين المقعدين الأقرب لمشيرة على المائدة .. وأتى حازم بوجه جامد لا تعابير فيه وجلس بجانب والدته .. وترك المقعد الفارغ بينه وبين رقة لشقيقه أشهد .. وبعد قليل أتى أشهد التي اوقفته كبيرة الخدم وروت له ما حدث لرقة بالطابق العلوي، وجلس بالمقعد الفارغ .. فابتسمت رقة بحياءً شديد وتورد خديها.
وتجاهلت نظرات نرمين وعلى رأسهم سميحة وهدير المحتقرة، وانتبهت فقط لنظراته الجانبية الذي يختلسها كل دقيقة .. وشهد كانت متجاهلة حازم تمامًا وبدت وكأن شيء لم يكن .. وعندما وضع الخدم أطباق الطعام الشهية وبدأ الجميع بتناول الطعام .. ظهر على رقة وجارتها أم بسنت وولدها عدم الأندماج والضيق من تناول الطعام بالشوك والسكين .. فقالت هدير بسخرية لرقة :
_ إيه يا رورو … مش متعودة تاكلي بالشوكة والسكينة ولا إيه ؟! .. بصي عليا وكلي زيي الموضوع سهل خالص ..
وضحكت نرمين ضحكة رنانة … فشحب وجه رقة وتوقفت عن تناول الطعام بضيق، ووكزت شقيقتها شهد عندما شعرت أنها سترد، ونظر أشهد لأمه بعصبية، ثم نظر نحو هدير وقال مباشرةً :
_ هو أنا كام مرة هقولك خليكي في نفسك ؟!
انزعجت أم بسنت من الاستهزاء الواضح بحديث تلك الفتاة، وشعرت رقة إنها ستكن سببا للخلاف فنهضت قائلة بابتسامة لا روح فيها :
_ بعد إذنكم .. أنا أكلت الحمد لله.
وعندما نهضت رقة كان قد أكتسى وجهها بالاحمرار والحرج، فتوقف أشهد عن تناوله طعام تحت دهشة الجميع وقال وهو ينهض ونظرته الغاضبة لا زالت نحو هدير :
_ أنا كمان أكلت ..
ابتلع حازم ما بفمه بعصبية وهو لم ينقصه استفزاز تلك التافهة وشقيقتها أبنتا خالته، فقال بسخرية من هدير قبل أن تقف شهد تاركة طعامها أيضا :
_ ملكة الدخول وحشر نفسها في اللي مالهاش فيه .. سقف يا حموكشة للملكة ..
وأطاعه الصبي وفعل ما قاله حازم، فضحكت شهد رغما عنها عندما شاهدت رد فعل هدير الغاضب، ثم نظر حازم لشهد وغمز بابتسامة ماكرة جعلتها تبتسم وهي تنهض وتبتعد .. بينما رمقته مشيرة بعصبية ليتوقف عن السخرية من أبنة خالته أمام الغرباء .. فقال حازم وهو ينهض قائلًا :
_ أنا لساني طويل وأنتي عارفة بقا .. طب مش واكل.
ونهض الجميع باستثناء مشيرة وشقيقتها وأبنتيها ..
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
جلست رقة بالصالون بعيدة عن مائدة الطعام وحاولت أن تخفي شعورها بالحرج مما حدث .. وتفاجئت بأشهد وهو يجر مقعد ليجلس أمامها مباشرةً بابتسامة دافئة وبيده طبق مليء بالحلوى وقال وهو يطعمها قطعة بالشوكة:
_ ممكن تاكلي معايا .. هتسبيني أكل لوحدي ؟!
اصطبغ وجه رقة بحياء شديد ونظرت حولها بخجل، لتجد شهد وجارتها ينظران لها مبتسمان بحنان .. وتبدل الضيق لابتسامة صادقة وهي تقول له بارتباك :
_ بس …
ابتسم أشهد لها بنظرة جعلتها تعجز عن الرفض واكلت قطعة الحلوى، ثم تناول أشهد قطعة حلوى ووضعها بفمه بنفس الشوكة … مما جعل رقة تنظر بحياء شديد للعيون المسلطة عليها .. وهمس لها قائلًا وكأنه قرأ افكارها :
_ مش أنا معاكي .. متخافيش من حد.
واطعمها من جديد بمنتهى اللطف، حتى قال بنظرة دافئة :
_ أنا عرفت اللي حصل فوق ..
ارتبكت رقة وتهربت بعينيها لجهة أخرى .. حتى وجد أشهد صوت أمه يختف بعصبية قائلا :
_ أشهد .. عايزة اتكلم معاك في مكتبك شوية ..
نظر أشهد لأمه ولعصبيتها بثبات، ثم استأذن وأخذ امه لمكتبه البعيد عن الصالون .. واقتربت رقة لشقيقتها وجارتها قائلة بقلق :
_ أنا حاسة إني غلطت لما قومت من على الأكل .. مكنش ينفع أعمل كده صح ؟
قالت شهد بغيظ :
_ صراحة آه .. كنتي اقعدي وردي عليها .. بس الواد حازم عجبني، نسف جبهتها ..
قالت رقة وقد قررت شيء :
_ أنا لازم اروح وأعتذرلها قبل ما تطلع أوضتها ..
تركتها شهد وأم بسنت تذهب، بينما عندما وقفت رقة أمام باب المكتب انتبهت لصوت مشبرة وهي تقول برفض تام:
_ أنا لا يمكن أوافق على الجوازة دي، دي مش مكملة تعليمها، يعني يعتبر جاهلة .. بقا أنت يا باشمهندس يا محترم تتجوز دي !!
فهمني ليه ؟! .. ايه اللي عجبك فيها ؟!
لا هي يعني الجمال اللي يلفت ولا تعليم ولا بنت حسب ونسب .. عجبك فيها ايه الجاهلة دي ؟!
احسن من بنت خالتك اللي زي القمر ومعاها ماجيستير في إيه ؟!
رد أشهد بعصبية وقال :
_ ماما لو سمحتي .. رقة مش جاهلة ، وعجباني ومقتنع بيها ومصمم عليها ..
سخرت مشيرة قائلة وهي تضرب بعصاها الارض :
_ نفس الكلمتين اللي سمعتهم أيام نهال .. نفس التصميم الأهوج المتسرع والاختيار الفاشل اللي مش بينتهي غير بمصيبة ! .. ولا أنت نسيت كنت بتتحداني أزاي ؟!
أنا يمكن متخيلة إنك من كتر ما حبيتها وكنت عايز تنتقم منها لانها سابتك انت بتدور على أي شيء توجعها بيه .. مش هستغرب أبدًا لو كانت الجوازة دي كمان من ضمن انتقامك منها !.
لإن البنت دي لا هي من ذوقك .. ولا يمكن أصدق أنك اخترتها عن حب واقتناع! ..
وضعت رقة يدها المرتجفتان على فمها وهي تبك، ثم وجدت نفسها تركض هاربة خارج المنزل وجدرانه، وصاحت شهد بذهول وصرحت أم بسنت عندما شاهدتها تبك وتركض هكذا !
وهنا خرج أشهد متسائلًا عن الأصوات التي ارتفعت بالقصر فجأة ، ليخبره حازم عن ما شاهده منذ لحظات، فتنفس أشهد بضيق شديد وقال :
_ يبقى سمعت اللي أمي قالته ..
وخرج أشهد سريعا ليبحث عنها ..
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
سارت رقة بطرقات جانبية بعد أن ركضت لمسافاتٍ طويلة بلا وجهة محددة… وعندما وهنت قدميها سارت ببطء باكية بالطرقات.
طعنت في كرامتها وبكل شيء بتلك الكلمات المهينة التي سمعتها، والاخطر من ذلك كشف حقيقة حبا قديم لم تكن تعرف عنه أي شيء .. حتى توقفت سيارة خلفها وخرج منها أشهد سريعا.. لتجده رقة فجأة يسير بجانبها في صمت للحظات .. ثم قال بنظرة عميقة لعينيها:
_ ممكن نتكلم شوية؟
سألته رقة بدموع:
_ أنت عرفتني عشان تنتقم منها؟
أجابها بتأكيد:
_ نهال كانت صفحة واتقفلت من زمان.. بس طبعا أمي مش مقتنعة.
بكت رقة وقالت:
_ أنا مش جاهلة.. أنا كنت الأولى على كل زمايلي في اولى ثانوي، ولما سيبت المدرسة كان عشان أختي تكمل .. مكنش لينا حد يتكفل بمصاريفنا بعد أبونا وأمنا .. مخلتش أختي محتاجة حاجة ولا مدينا ايدينا لحد، أنا غلطت في إيه؟!
وقالت له بتصميم وهي تبك:
_ ولو يرجع بيا الزمن هعيد نفس اللي عملته من تاني .. عمري ما ندمت ولا هندم أبدًا
قال أشهد لها بابتسامة مليئة بالعاطفة:
_ وأنا لو يرجع بيا الزمن هختارك أنتي أبدا معاكي من أول خطوة.. حبيني بطريقتك يا رقة .. عايز لما أحب اطمن واهدى اسيب الدنيا كلها وأجيلك أنتي .. أنتي وبس.
دهشت رقة وفغرت فاها من ختام جملته، كأنه كان يستمع لحديثها مع شقيقتها..
يتبع…