عندما تفوه أسر بهذه الكلمة، وقعت على مسامع الكل. كانت كفيلة بإخرس الجميع وإصابتهم بالدهشة. قطع دهشتهم صوت ارتطام مليكة بالأرض مغشيًا عليها.
صرخت إيمان هاتفة بها:
_ بنتي!
استدار بوقفته فوقعت أنظاره على تلك الملقية أرضًا. أسرع إليها منحنيًا عليها وقام بحملها وهو يتساءل بصياح عن غرفتها، يريد أن يفلت عن مشاعره التي تنتابه ووغزات قلبه التي تواجهه:
_ أوضتها فين؟
تمتمت والدتها وهي تسير أمامه تقوده إلى محل غرفتها، تتعثر في خطواتها من رعبها على ابنتها وكثرة استدارتها للخلف حتى تسترق النظر على ابنتها الواقعة بين يديه:
_ تعالي يا ابني، أوضتها من هنا.
أدخل أسر بها إلى غرفة نومها، وضعها على فراشه. تمتم بقلق وهو يتفرس ملامح وجهها الشاحبة المتطعمة بالكدمات من أثر الحادث وبطش والدها بها. لا يعرف لما شعر بالحنق من نفسه لأنه السبب فيما تعرضت له:
_ ممكن لو سمحتي تجيبيلي بيرفيوم أو أي حاجة عشان أفوقها.
أتت والدتها بقنينة العطر التي كانت موضوعة على طاولة الزينة. ناولتها إياها بيد مرتعشة من أثر قلقها على ابنتها:
_ اتفضل.
التقطها منها وهم بفتحها، لتقاطعه هي بنبرتها المرتبكة:
_ هو انت إزاي بتقول إنها مراتك؟ هو انت يا ابني حقيقي متجوزها؟
تنهد بألم وهو يخبرها عن الحقيقة:
_ لا، بنتك معرفهاش غير النهارده. عملت حادثة واتصدمت بعربيتي ووديتها المستشفى، بس هو ده اللي حصل.
شهقت والدتها رعبًا على ما حدث لإبنتها وتحشرج صوتها على أثر كتم دموعها، متمتمة بتساؤل:
_ اومال قلت ليه إنك متجوزها؟
صمت قليلًا، فبماذا سوف يقول هو حتى لا يعلم ما الذي أصابه؟ لما يفعل كل هذا معها؟ لما يشعر بمشاعر متناقضة معها؟ لما يقرع قلبه مثل الطبول تحت تأثير عينيها؟ لما أحس بوغزة بقلبه من هيأتها؟ تنهد قائلًا:
_ صدقيني مش عارف أنا قلت كده إزاي، بس أنا مش بلعب بيها، بس مقدرتش أشوفها وأبوها بيضربها أو بيمد إيده عليها.
أخذت إيمان تنظر إليه وإلى تفسيرات وجهه وانعقاد وجهه وحالته المحيرة، كأنه تائه في دوامة. وما زاد صدق ظنها نبرة الصدق التي بحديثه، فأرادت أن تلعب عليه حتى ترى ما يخبئ بقلبه بعدما أحست بأنه يكن لها مشاعر:
_ طب ما كده أبوها مش هيرحمها بعد اللي اتقولته؟ ولو قلت الحقيقة هيجوزها للراجل العجوز اللي تحت ده.
وقعت تلك الكلمات على محة أذنه، خرقتها، جعلتها تندفع مثل الطائرة النفاثة. نظر إليها نظرة بعينيه السوداء التي ازدادت قتامة عندما سمع هذه الكلمات، فقد اكتشف مؤخرًا أنه لا يريد أحدًا أن يقرب منها ولو في خياله، هي ملكًا له فقط. فماذا لو تزوج بها أحد؟ صاح بوالدتها كأنها عقله الباطن:
_ يستحيل يتجوزها، ده أكبر من أبوها.
تمتمت والدتها بألم حقيقي وحزن:
_ أبوها مُصر يجوزها عشان ده شريكه في الشغل وعايز لما يموت بنتي تورثه والشركة تبقى من نصه كله.
تجهم وجهه من أثر كلماتها التي صدمته في والدها. تمتم مستفهمًا بحيرة:
_ إزاي؟ إزاي يضحي بحياة بنته عشان شوية ورق؟
تمتمت برجاء وقد سبقتها دموعها ترجوه:
_ انت بإيدك تنقذ بنتي منه، لو ينفع تكمل في كدبتك دي لحد ما أكلم أخويا ينزل مصر وهو يحل الموضوع.
ربت على كفها متمتمًا بتعاطف تام على تلك الأم المسكينة:
_ أنا مستعد أتجوزها لو ده في مصلحتها.
تابعت برجاء:
_ بس يا ريت يا ابني مفيش مخلوق يعرف بالاتفاق ده.
أومأ لها برأسه مؤكدًا حديثه:
_ أكيد طبعًا، مفيش مخلوق هيعرف غير أنا وانتِ.
بالخارج، وقف هذا الملعون طارق يسترق السمع من خلف الباب وأخذ يفكر تفكيرًا شيطانيًا بعقله، محدثًا نفسه:
_ والله وجات الفرصة لحد عندك يا طارق، مش مهم ممدوح دلوقتي مش هيفيد بكتير، لكن أسر ده صفقة العمر.
دلف إلى الداخل متمتمًا بقلق مزيف:
_ هي فاقت ولا لسه؟
صاحت به إيمان من بين نحيبها وبكاؤها:
_ لسه، عايز منها إيه تاني؟ مستني لما تموت؟
تابع حديثه بهدوء غير معتاد وحزن مزيف:
_ أنا بطمن عليها بس.
قرب أسر قنينة البرفيوم من أنفها حتى تستنشقه، متجاهلًا حديث ذلك البغيض. أفاقت وهي ترمش بعيونها حتى اتسعت حدقتيها من الصدمة. انتفضت من نومتها عندما رأت أسر، احتضنت والدتها بخشية وهي تمرر أنظارها بين والدها وأسر. سارت رعشة بجسدها كاملاً وهي تراهم كأنهم شياطين بهيئة بشر، تريد جمرها بالنار وحدفها بالجحيم.
شعر أسر بحرقة ونيران تشتعل داخله عندما رأى نظرة الخوف منه ونظراتها الكريهة له. تمتمت والدتها بحنان أبوي مربتة على ظهرها:
_ بس خلاص، اهدي، مفيش حاجة حصلت.
استكانت بين أحضان والدتها، لكن عند رؤيتها لهذا البغيض طارق شعرت بإنسحاب الدماء من جميع جسدها. ارتجف جسدها حتى تراطمت أسنانها من شدة الخوف وهي ترى ملامحه التي لا تنبئ بخير ونظراته الذي يبعثها له.
رأى أسر حالتها المذرية، شعر بغصة في قلبه من رؤية هيأتها ونصل حاد اخترق قلبه جعله يريد جذبها من بين يدي والدتها حتى يأسرها بقلبه. وجه حديثه إلى طارق وعيناه تشع بنيران كارهة:
_ أنا ومليكة بنحب بعض من زمان وهنتجوز.
وقعت تلك الكلمات عليها، تحطم كل ذرة عقل بها. انتفضت من مكانها تاركة أمان حضن والدتها واندفعت نحو أسر وهي تصيح به بالسباب. صفعته على وجهه وأكملت بالهجوم عليه وهي تردد:
_ يا كداب يا كلب يا منافق، والله العظيم كداب، أنا معرفوش ومش عاوزة أتجوز حد، سيبوني في حالي.
بلّ يدها التي كانت تضربه بهيستيرية وقد تحولت عيناه إلى القتامة من كثرة غضبه مما فعلت. احتقن وجهه بالدماء وهو يقرص بقبضته على يدها متمتمًا بفحيح وقد أعماه غضبه عن رؤية نظرة الألم الظاهرة من عيونها وقسمات الألم التي تخللت وجهها:
_ وحياة أغلى حاجة عندي لأندمك على اللي انتِ عملتيه ده، واعرفك إزاي تمدي إيدك عليا.
تمتمت بألم مصيحة به وهي تتلوي بين يديه:
_ آآه سيب إيدي يا حيوان.
ترك يدها موجهًا نظراته الغاضبة نحو طارق، مصيحًا به بجدية:
_ هاه، قلت إيه؟ حافظ رقم المأذون ولا أرن أنا؟
ارتسمت السعادة فوق ملامح وجهه، متمتمًا وهو يناظره نظرة لعوبة جشعة:
_ بس هي مخطوبة لشريكي ممدوح.
انطلق أسر نحوه قابضًا على تلابيب قميصه وهو يهدر به بقسوة:
_ أنا قلت إيه؟ أنا قلت إن أنا اللي هتجوزها. مين ممدوح اللي انت مقرفني بيه ده؟
ابتلع لعابه بتوجس متمتمًا بتلعثم:
_ أنا وهو شركاء، ولو رفضت هيئذيني وكده أنا مش هستفاد حاجة.
أفلت قبضته من عليه مبتعدًا عنه. أخرج دفتر الشيكات مدونًا عليه ببعض الأرقام، دافعًا إياه بوجهه بنفور وعلامات التقزز ظاهرة على وجهه:
_ ده شيك بـ 10 مليون، كويس كده ولا عايز كمان؟
التقطه طارق أرضًا وهو يتفحصه بطمع وعيناه لا تصدق ذلك الرقم، متمتمًا بلهوجة وسعادة:
_ لا لا، كده حلو أوي، كده أروح أجيب أنا المأذون.
قطع خطواته نبرته الحادة الحازمة:
_ الفرح الأسبوع الجاي.
وجه أنظاره إلى التي ترنحت في وقفتها وجلست على فراشها تنكس رأسها أرضًا من هول صدمتها. فهي تباع مثل أي بضاعة أو شيء ممتلك من قبل أبوها، وذلك الشخص الذي أحست معه بالأمان وبمشاعر جميلة ولاول مرة تأمن لجنس الرجال، وها هي الآن تعاني. لم تتعلم من تجربتها مع والدها:
_ هاه، فاهمة يا عروسة؟ الأسبوع الجاي.
تركهم وتوجه إلى الخارج صافعًا الباب خلفه.
استنجدت مليكة بوالدتها كأنها الضوء الأخير الذي سيخرجها من العتمة التي تحيط بها، متمتمة برجاء:
_ ماما، أنا مش عاوزة أتجوز، ما تسبينيش ليه يا ماما؟ أنا والله ما أعرفه، أرجوكي يا ماما متسبينيش.
أغمضت عيناها بتألم مبتلعة تلك الغصة المتحشرجة بالبكاء، متمتمة:
_ خلاص يا مليكة، اللي حصل حصل. مش هو ده اللي انتِ كنتِ عاوزة تتجوزيه وبتحبيه؟
حدقت بها بعتاب متمتمة من بين بكائها:
_ حتى انتِ يا ماما مش مصدقاني.
طرقَت على صدرها بقوة متمتمة بهستيرية من بين بكائها:
_ ده أنا بنتك حتى، صدقتيه هو وأنا لا!
دخلت بنوبة بكاء حاد دفثت وجهها بوسادتها وهي تلعن حظها ذلك. تمتمت والدتها بقهر وهي تحاول كبت دموعها:
_ هقوم أحضرلك تاكلي عشان شكلك تعبان أوي.
تحدثت بنبرة مقتضبة متحشرجة من أثر البكاء:
_ أنا هنام، ماليش نفس.
تنفست بألم وهي تندب حظها وتضرب على ركبتيها بعويل:
_ يا بنتي قومي، متقطعيش قلبي عليكي.
صاحت بها الأخرى بنبرة هالكة:
_ مش عاوزة يا ماما، مش جعانة، عاوزة أنام.
تمتمت بصوت حازم وهي تهم واقفة متوجهة إلى الخارج:
_ أنا هجيب الأكل، ولازم تاكلي.
༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻«««في الأسفل»»»
كانوا جالسين يلتفون حول طاولة مستطيلة. كان المأذون يعد أوراق الزواج وقاموا بعقد الزواج. وضع أسر يده بيد طارق وانتهوا وتوقفوا على إمضاء العروس.
توجه طارق بالدفتر الذي بيده تحت نظرات أسر التي كانت تخشى أن يفعل بها شيئًا أو يؤذيها حتى تمضي العقد، لكنه فورًا ما صرف تلك الفكرة وهو يملس على وجنته مكان تلك الصفعة.
جاء طارق للتوجه نحو غرفتها، أعاقته إيمان وهي تحمل الطعام متوجهة إلى غرفتها تنظر له شذرًا وهي تدلف إلى الغرفة. أما هو فلم يعطها اهتمام، لا يريد أن يخرب مزاجه من محاورته معه.
دلف إلى الغرفة وتوجه نحوها وهو يصيح بها:
_ قومي يا بت، اخلصي امضي.
انتفضت من نومتها على صوته. فهي كانت تظن بأن تمثيلها للنوم سوف يغير الأمر، لكن لا فرار من الواقع. ابتلعت ريقها وهي تحدق بالدفتر بأعين واسعة غير قادرة على تقبل الأمر. انتفضت من مكانها وارتجف جسدها على أثر إلقاء الدفتر في وجهها وهو يتمتم بنبرة حادة لازعة:
_ اخلصي امضي، هو أنا هبات جنبك هنا؟
انهارت بالبكاء ترجوه لعله يفرج عن أسرها:
_ وحياة أغلى حاجة عندك يا بابا، مش عاوزة أتجوزه، والنبي.
_ لو ممضتيش حالا هتشوفي مني اللي عمرك ما شفتيه، والراح كوم والجاى كوم تاني.
سارت رعشة من الذعر بكامل أوصالها جعلتها تلتقط الورقة وتمضيها حتى تنتهي من ذلك الكابوس المؤلم. توجه هو الآخر إلى الخارج بعدما انتهى من بيعته متوجهًا إلى الأسفل، معطيًا الورقة إلى المأذون وقام بتوصيله إلى الباب بعدما تم الأمر. اتجه طارق إلى محل أسر الواقف في ثبات وعيناه ثاقبة تخترقه حتى وصل إليه. تمتم أسر بتهديد:
_ الفرح الأسبوع الجاي، انت فاهم؟ ولو عرفت إنك مديت إيدك عليها هكسرهالك.
خرج وتوجه إلى بيته حيث سيفجر قنبلة زواجه من مليكة.