تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
الفصل 30 — رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثلاثون 30 - بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثلاثون 30 - بقلم روز امين
إهتز قاسم بوقفته وأرتجف كامل جسده عندما وجدها تقف أمامه بهيئتها الجنونية والغير مستوعبة لما يدور من حولها، تنظر إليه بمقلتيها المذهولتان والكثير من الأسئلة المؤلمة تراودها وتكاد تفتك برأسها.
نظرت إليه وسيدان موقفها هما التشتت والذهول.
نظر قاسم إليها بذهول وبدأ صدره يعلو ويهبط من شدة رعبه، صدمة شلت حركته وربطت عقدة لسانه. بصعوبة حاول أن يتحرك ويسحبها بجواره إلى الخارج ويغلق ذلك الباب من خلفه ولا ينظر لما بداخله من حقيقة عارية. لم يرد لمعشوقته أن يصاب قلبها البريء بأذى الإطلاع على خباياه.
تسمرا كلاهما وحبست أنفاسهما حينما استمعا إلى صوت تلك إيناس الهادر من الداخل وهي تتحدث بنبرة يملؤها الدلال بأسلوب أنثوي قد اتبعته مؤخراً لتجبر قاسم على تعود أذنيه لاستماع تلك الكلمات حتى يصبح الأمر لديه عادي، وبعدها ستبدأ بجذبه إليها من جديد رويداً رويداً.
هكذا أوهمت حالها أنها بهذه الطريقة ستحصل على استرجاع قاسم وتملك قلبه كقبل.
إيناس بنبرة أنثوية رقيقة:
_ لو اللي على الباب الدليفري الخاص بالسوبر ماركت، ياريت تحاسبه وتجيب لي الحاجة على المطبخ لأني محتاجة السكر للقهوة ضروري يا حبيبي.
وهنا قد تأكدت تلك التي ذبحت على يد متيمها من حديث حارس البناية الذي حدثها به منذ قليل حين كانت تسأله عن إذا ما كان قاسم بالأعلى لتصعد لمقابلته.
شعرت بعالمها ينهار تحت قدميها، غصة مرة وقفت بحلقها وكأن القصبة الهوائية أُغلقت بفضلها واحتجز الهواء المفترض وصوله لرئتيها مما جعلها تشعر بالاختناق.
شعر بطعنة قاتلة داخل صدره شطرته لنصفين حينما رأى صدمتها ومعاناة روحها وذهولها الذي أصابها وظهر بعينيه.
بصعوبة بالغة أخرج صوته الواهن وأردف قائلاً بنبرة مهتزة متعجبة:
_ صفا!
نظرت داخل مقلتيه بتمعن وتساءلت بنبرة مشتتة ونظرات تائهة غير مستوعبة ما يجري من حولها:
_ ليه يا قاسم، عملت فيا ليه كده؟
جصرت وياك في إيه لجل ما تتجوز عليا وأني لساتني عروسة؟
شعر بأن ساقيه لم تعد تتحمل جسده وروحه المهترئة جراء الصدمة.
وأردفت هي قائلة بقلب محترق:
_ لما سألت بواب العمارة إذا كنت موجود فوق لجل ما أطلع لك، رد وقال لي إن لساته واصل من نص ساعة هو ومرته.
وأكملت وهي تهز رأسها برفض تام:
_ مصدقتش حالي وجلت أكيد الراجل ده مخبول ولا شارب حاجة توهت عقله.
ورفعت بكفي يداها ولوحت بهما في الهواء بوهن وضعف:
_ جلت لحالي أكيد يقصد حد تاني غير حبيبي.
مالت برأسها لليمين قليلاً وأردفت بنبرة مهزوزة وعينان تكونت بداخلهما لمعة الدموع التي تريد من يفسح لها الطريق كي تعلن عن عصيانها:
_ مهو مش معقول حبيبي يدبحني بسكينة تلمة ويخوني وأنا مفاتش على جوازنا إلا يدوب شهرين.
إبتسمت بجانب فمها بطريقة ساخرة وأردفت بتهكم على حالها:
_ طول ما أنا طالعة لهنية وأنا بقول لحالي مستحيل الكلام الفارغ ده يكون حقيقته، قاسم ما يعملش فيكِ كده يا صفا، مستحيل.
وبلحظة تحولت نبرتها الواهنة ونظرتها المنكسرة إلى نبرة غاضبة ونظرة حادة كالصقر وتحدثت:
_ بس فُجئت من وهمي وتغفيلي وجيت ما مرتَك الجديدة نادتك بحبيبي.
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه وتحدث بنبرة متألمة لأجلها:
_ الموضوع مش كيف ما وصل لك يا صفا، تعالي نروح لشقتي وأنا هناك هفهمك على كل حاجة.
ضيقت عيناها وتساءلت بنبرة ساخرة:
_ شقتي؟
أومال دي شقة مين، لتكون قاعد في شقة المدام وعلى حسابها يا ابن النعماني؟
تنهد بأسى لحالة الذهول والألم والحسرة التي انتابتها جراء ما اكتشفته وتحدث وهو يمسك كف يدها ليحثها على المغادرة بصحبته:
_ إهدي يا حبيبتي وأنا هفهمك على كل حاجة.
نفضت يده سريعًا ونظرة اشمئزاز ملأت مقلتيها وهي ترمقه بها مما جعل الحسرة تملأ داخله وتألمت روحه لأجلهما.
خانتها دمعة ضعيفة فرت هاربة من عينيها مما أشعل روحه وكاد أن يصرخ من شدة تمزقه الذي أصاب قلبه جراء دمعتها الغالية التي نزلت بفضله. انوت الرحيل كي لا تضعف وتزرف الكثير من الدموع ويراها بضعفها المهين لكرامتها الشامخة.
إستدارت وهرولت سريعًا إلى موضع المصعد استعدادًا للمغادرة. صاح باسمها عالياً مما جعل إيناس تخرج من المطبخ لترى مع من يهمس قاسم.
إتسعت عينا إيناس وهي ترى صفا أثناء وقوفها أمام باب المصعد وهي تواليها ظهرها وتضغط زر استدعائه تحت صياح قاسم الذي تحدث برجاء:
_ استنيني يا صفا، هجيب مفاتيح عربيتي وأجي لك حالاً.
قال جملته على أمل أنها ستنتظره وتستمع بطاعة لحديث زوجها، كما عودته مدة الشهرين المنصرمين.
يندلف سريعًا للداخل تحت سؤال إيناس التي استغلت الفرصة التي أتتها على طبق من ذهب دون السعي إليها:
_ فيه إيه يا حبيبي، مين دي؟
نزلت كلمات تلك اللعوب على قلبه المغدور شطرته ومزقته وهدمت ما تبقى من كبريائه وشموخه العالي.
أغمضت عينيها بألم ونزلت دموعها عنوة عنها. لحسن حظها أتى المصعد في غضون ثواني وذلك لأنه كان يقف بالدور الأعلى لشقة قاسم مباشرة.
كانت إيناس تترقب التفاتتها إليها كي ترى وجه تلك القبيحة فاقدة الأنوثة مثلما أخبرها عدنان. تعجبت لإنوسة جسدها الخلفي. أما صفا التي أصرت على عدم استدارتها لعدم قدرتها على المواجهة مع تلك الشمطاء خاطفة زوجها الخائن. كم ودت أن تلتفت لترى تلك التي سحرت متيمها وجعلته يرمي بوعوده لها ولأبيها وجدها عرض الحائط. منعها اقترابها من حافة الانهيار التي لم ولن تسمح لأيًا كان بأن يراها على تلك الحالة المزري. في غضون ثواني كانت تدلف إلى المصعد وتضغط زر الإغلاق وهي تواليها ظهرها ويليه زر الهبوط دون الاستدارة مما أحبط إيناس التي كانت تتشوق لرؤيتها.
خرج سريعًا بعدما التقط مفاتيح سيارته وجاكيت حِلته الذي خلعه عنه أثناء حضوره ووضعه على مقعد المكتب بعناية خشية إفساد مظهره. شعر بإحباط عندما وجد المصعد يتحرك للأسفل. جن جنونه وهرول إلى الدرج يتدلاه سريعًا كالذي يسابق الريح تحت صياح إيناس وأسئلتها التي لم يعر حالة حتى عناء النظر إليها. مما استشاط داخل تلك التي شعرت بأمر غريب. هرولت سريعًا إلى الداخل واتجهت إلى الشرفة المطلة على مدخل البناية لترى منها كيف هي هيأة تلك صفا.
خرجت صفا من المصعد وهي تهرول إلى الخارج. ولحسن حظها وجدت سيارة تمر من أمامها فأشارت لها سريعًا وتوقفت.
صعدت وتحدثت إلى السائق:
_ مدينة نصر لو سمحت.
وجدت من يخرج من مدخل البناية ويشير إلى السائق ليتوقف. تحدثت سريعًا:
_ إتحرك بسرعة من فضلك.
وتحرك تحت صياح قاسم الذي شعر بحزن تملك روحه. قبض على يده وشدد عليها حتى ابيضت يده وظهرت عروقها ثم.
نفضها في الهواء بحركة تدل كم الغضب والجنون اللذان انتاباه تحت نظرات إيناس التي تشتعل بالأعلى على اللهفة التي رأتها بداخل عين قاسم.
دبت بأرجلها الأرض غضبًا لعدم استطاعتها رؤية تلك التي ارتدت نظارتها الشمسية ودلفت سريعًا داخل السيارة وهي تنظر بوجهها أسفل قدميها. ولكن ما لفت انتباهها هي أناقة تلك الصعيدية وتناسق ألوان ثيابها وخطواتها المتناسقة التي تدل على ثقة وثبات تلك صفا. وهذا ما تعارض كليًا مع وصف عدنان لها.
تحرك قاسم سريعًا لداخل الجراج الخاص بالبناية واستقل سيارته وتحرك باتجاه الطريق التي سلكتها صفا. بات يدور بعينيه باحثًا عن السيارة. دق بكف يده طارة القيادة بعنف حينما لم يجد للسيارة أية أثر. زفر بضيق، ثم أخرج هاتفه وضغط على رقمها ليهاتفها.
أخرجت هاتفها وضغطت فوق رقم أمل التي عادت إلى داخل الفندق مجددًا استعدادًا لمغادرته بسيارة النقابة التي ستقلهم إلى محطة القطار المتجهة إلى مدينة سوهاج.
تحدثت إلى أمل بصوت واهن ضعيف:
_ إنتوا فين يا أمل؟
إستغربت أمل نبرتها وأجابتها بهدوء:
_ إحنا وصلنا الفندق وبنتجمع ومستنيين الميعاد اللي هنتحرك فيه لمحطة القطار.
هتفت صفا برجاء:
_ متخليش السواق يتحرك بيكم للمحطة إلا لما أجي، أني في طريقي وإن شاء الله نص ساعة بالكثير وهكون عندك.
سألتها أمل مستغربة:
_ إنتِ مش قولتي إنك رايحة لجوزك وعاملاها له مفاجأة وهتباتي معاه النهاردة؟ إيه اللي خلاكي تغيري رأيك بالسرعة دي يا بنتي؟
تنفست عاليًا وأجابتها بنبرة مختنقة:
_ مجدرش أتكلم دلوقتي يا أمل.
بالكاد أنهت مكالمتها، وما أن وضعت الهاتف بحقيبة يدها حتى استمعت إلى صدح صوته لتخرجه من جديد لترى بشاشة نقش اسم ذابح روحها الذي هاتفها أكثر من سبع مرات أثناء هذا الوقت الضئيل. ضغطت زر الرفض بنظرات حادة وقلب يغلي.
صرخ ذلك الذي يستقل سيارته ويتحرك بها كالمجنون وهو يبحث بعينيه داخل الشوارع عن سيارة الأجرة التي استقلتها. ما عاد يعلم وجهته وإلى أين يذهب ليعثر على جوهرته.
نظر أمامه وحدّث حاله بألم:
_ إلى أين رحلتي وتركتي فؤادي يحترق حزنًا عليكِ غاليتي، ألم تشعري باحتراق روحي وقلبي الصارخ لأجلكِ، الرحمة أميرتي فقلبي لم يحتمل فكرة البُعاد. عودي لقلبي قبل أن يفقد دقاته رعبًا من فكرة رحيلك عنه. قلبي يا الله يشتعل نارًا، ساعدني ولا تتركني بتيهتي وغربتي وحيدًا.
طرت بمخيلته فكرة توجهها إلى المطار، فهي بالتأكيد ستذهب إليه لتستقل الطائرة المغادرة إلى سوهاج.
تنهد وعلى الفور عدل وجهته ليتجه إلى المطار وحدث حاله بتفاؤل:
_ مليكة فؤادي وأسرت قلبي، أنا آتٍ إليكِ مولاتي وسأخر راكعًا تحت قدماكِ ولن أكِلُ عن طلب السماحِ حتى تحني عليّ وتوهبيني العفو والغفرانِ. وحينها قسماً برب السمواتِ لأشقن أضلوعي ولأدخلنك بأعماق صدري حتى أخفيكِ عن عيون الناسِ.
من نافذة السيارة، استمعت لرنين هاتفها فنظرت إلى شاشته ووجدتها والدتها التي أرادت أن تطمئن عليها. وما أن ضغطت صفا زر الإجابة حتى هتفت ورد وتساءلت باهتمام ولهفة:
_ طمنيني يا نور عيني، وصلتي عند قاسم؟
ما أن استمعت لصوت والدتها الحنون حتى شعرت بحاجتها الملحة للبكاء التي تحتجزه بكل ما لديها من قوة، لكنها تحاملت على حالها وتحدثت بنبرة ضعيفة لم تستطع إخراج غيرها:
_ وصلت يا أم صفا.
سألتها ورد من جديد بنبرة حماسية:
_ جلتِ له يا صفا؟
إبتلعت غصة مرة داخل حلقها وشعرت بوجع شديد تملك بصدرها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بجمود:
_ مجلتش حاجة يا أمي.
ردت ورد بنبرة لائمة:
_ ليه يا بنتي مجولتيش له لحد دلوقتي؟
ثم فاقت من حالة الحماس وشعرت بصوت ابنتها، فمنذ أن نطقت بحروفها الأولى داخل المكالمة وهي تشعر بشيء غريب بابنتها لكنها فسّرته على أنه مجرد إرهاق سفر بفضل حالتها ليس إلا.
سألتها بنبرة قلقة:
_ مالك يا بنتي، فيكِ إيه، ليكون قاسم زعل إنك سافرتي من غير علمه ونكد عليكِ؟
نطقت بضعف وصوت يريد أن يصرخ ويعلن عصيانه على الجميع:
_ مجدرش أتكلم دلوقتي يا أمي، أني جاية في طريقي ولما أوصل هحكي لك على اللي حصل.
أغلقت ورد الهاتف ثم وضعت كف يدها على صدرها وتحدثت بارتياب:
_ جيب العواقب سليمة يارب.
وهنا خارت قوى صفا ولم تعد تستطع التحمل بعد. نزلت دموعها بغزارة وكأنها شلال كان محتجزًا وأُطلق له العنان. نظر لها سائق السيارة وتنهد بألم على حال تلك الحزينة لكنه فضل الصمت احترامًا لقدسية اللحظة.
ضلت تبكي وتبكي بمرارة وشهقت بألم حين تذكرت السبب الذي أتت من أجله.
صباحًا.
كانت تفتح باب شقتها لتستعد للمغادرة إلى المشفى لمتابعة عملها ككل يوم. وجدت مريم تنزل من الدرج الأعلى وهي تجاور فارس الذي يضم خصرها إليه ويهمس إليها بوجه هائم وعينان عاشقتان تلهمانها بنظراته التي تقابلها مريم بخجل ممزوج بالسعادة الهائلة.
إنفرج فم صفا وسعد داخلها بشدة حين رأت السعادة تهيم على هذا الثنائي التي تحمل لهما داخل قلبها البريء كل التقدير والمحبة والاحترام. وما زاد من فرحتها هو التغيير الشامل الذي أصاب فارس وحالة الاهتمام المفاجئ التي بات يغمر بها مريم ولاحظه الجميع حتى ليلي التي اشتعلت لهذا.
خجل فارس وسريعًا قام بسحب ذراعه الذي يحيط به خصر مريم وتحدث متحمحمًا إلى التي وقفت تنتظر ذلك الثنائي باحترام:
_ صباح الخير يا مرت أخوي، كيفك؟
إبتسمت بسعادة لمناداته بزوجة أخي التي تعشقها لشعورها بتملك قاسم لها بتلك الكلمة وهذا الوصف. تحدثت إليه بابتسامة عريضة بينت صفي أسنانها من شدة سعادتها:
_ صباح النور يا فارس.
وسألتهما باستغراب:
_ أومال جميلة فين؟
أجابتها مريم بهدوء:
_ جميلة بايته مع أمي.
نظر فارس لكلتيهما وجد بعيونهما كلمات محتجزة تريد الخروج فأستأذن وتحدث إلى مريم بنبرة حنون تدل على مدى عشقه الذي تملك منه:
_ أنا هسبقك بس مهقولش من غيرك، متتأخريش عليا.
إبتسمت له بوجه بشوش وهزت رأسها بإيماءة خجلة أشعلت بها ناره الذي لم يعد لديه القدرة على السيطرة عليها كلما نظر لعيناها وكأنه يعوضها وحاله على ما فاتهما سابقًا.
تحرك للأسفل تحت رعاية عيناي تلك العاشقة التي لم تحول بناظريها عنه حتى اختفى طيفه من أمام عينيها الهائمة. ونظرت من جديد إلى صفا وجدتها تبتسم بسعادة وهي تنظر لها بتتمعن.
أمسكت كف يدها وتحدثت بنبرة بالغة السعادة:
_ مبروك يا مريم، مبسوطة جوي من حالة الإنسجام اللي باينة عليكِ إنتِ وجوزك.
وأكملت باستحسان:
_ فارس راجل صح ويستاهل جلبك اللي كيف الذهب.
إبتسمت لها وتحدثت بخجل:
_ الحمد لله.
وأكملت بحماس:
_ تعرفي يا صفا، حاسة حالي عايشة جوات حلم جميل جوي وخايفة أصحى منه.
إبتسمت لها وطمأنتها ثم تساءلت بجدية:
_ صح هتسيبي شغلك ومهترجعيش المستشفى تاني يا مريم؟
أجابتها بنظرة رضا:
_ فارس عاوز كده، وحجة عليا إني أطيعه وما أزعلهوش مني.
أردفت بتساؤل حزين:
_ وإنتِ يا مريم، فين حقك، بسهولة كده تستغني عن حلمك لجل ما تريحي سي فارس؟
تنفست براحة وتحدثت بنبرة هادئة مستكينة:
_ فاكرة يا صفا لما عرضتي عليا إني أشتغل وياكِ في المستشفى، وجتها فرحتي ما كانتش سايعاني، حسيت إني أخيرًا هيُبجا لي عزو وجيمة بين الخلق وأحس بكياني.
وأكملت بأسي ظهر بعينيها:
_ فارس ما كانش معتبرني موجودة في حياته يا صفا، وده خلاني أفقد الثقة في حالي وحسسني إني قليلة جوي بين الناس.
وبلحظة تحول الأسي إلى تفاؤل وهتفت بسعادة:
_ لكن دلوقتي فارس بقى بيهتم بيا واعترف لي إني حبيبته ومبقاش قادر يستغني عن جُربي واصل.
وأكملت وهي تضحك بسعادة:
_ أنا وجميلة بقينا جوات حضن جوزي طول الوقت، هعوز إيه من الدنيا تاني يا صفا.
كانت تستمع إليها بوجه مشرق سعيد لأجلها.
وفجأة توقفت مريم عن الابتسام ونظرت إلى صفا بتردد وسألتها:
_ كيفه دكتور ياسر؟
أخرجت صفا تنهيدة حارة دلت على كم الوجع التي لمسته من روح ذلك العاشق معدوم الحظ:
_ شاغل نفسه طول الوقت في الشغل، ربنا معاه.
ثم تفوهت باستحياء:
_ مريم، هو إنتِ كنتِ عارفة إنه يكن لكِ مشاعر جواتة؟
تنهدت بأسي وتحدثت بنبرة حزينة:
_ كنت حاسة من نظراته.
وأكملت بتبرير:
_ بس والله يا صفا ما ليا ذنب في كل اللي حصل ده، أنا عمري ما عشمته بحاجة ولا شجعته بنظرة على إنه يتمادى في مشاعره ناحيتي، ولولا إني خجولة ومليش كلام مع الرجالة كنت جلت له لجل ما يفوق من غفلته اللي كان حابس حاله جواتها دي. بس لما لاقيتُه بيخلق الفرص لجل ما يتجرب مني ويتحدث وياي، أخدت جرار إني لازم أخبره. وبالفعل كنت مستنية أي فرصة لجل ما ألمح جدامه وأخبره إني ست متزوجة عشان يشوف حاله بعيد عني.
وتنهدت بأسي وأكملت:
_ بس ربنا كان مرتب إنه يعرف بالطريقة دي، وأكيد ربنا ليه حكمة في كده.
تنهدت صفا وتحدثت وهي تشير لها بالتحرك:
_ الحمد لله على كل حال، دكتور ياسر راجل محترم وأكيد هيحارب إحساسه وينسى الموضوع كله. هي بس مسألة وقت.
تمنت مريم هذا وتحركا ثم سألتها وهي تنظر إليها بتتمعن:
_ مال وشك يا صفا، لونك متغير بقالك يومين.
أنزلت بصرها للأسفل وتحدثت بنبرة خجلة:
_ معرفش أجول لك إيه يا مريم، شكلي كده حامل.
أمسكت مريم يدها لتحثها على الوقوف وهتفت بسعادة:
_ جد حامل يا صفا؟
وضعت سريع يدها فوق فمها لتحثها على الصمت وأردفت قائلة:
_ وطي صوتك يا مريم لحد يسمعنا، أني لسة متأكدتش، هروح النهارده أخلي أمل تعملي تحليل لجل ما أتأكد وبعدها هجول لك كله.
حضنتها مريم بسعادة وتمنت لها الراحة والاستقرار مع زوجها.
داخل مسكن فايقة التي لم تخرج منه منذ كشف خطتها وفضحها أمام الجميع وذلك بناءً على تعليمات قدري بذاته وذلك بعدما أخجلته وجعلته يظهر أمام العائلة بصورة لا تمت بصلة لنجل النعماني الكبير. وما أثار خجله وجعله يستساغ غضبًا وينقلب عليها هو شعوره بنبذ الجميع له حتى نجلاه.
تحرك هو للأسفل ومنه إلى الباب الخلفي للمنزل المطل على الحديقة الخلفية وتحرك للخارج مباشرة من الباب الخلفي للحديقة كي لا يصطدم بأبيه.
تحركت هي الأخرى إلى الطابق الأعلى واتجهت إلى مسكن ليلي الزوجي والذي أصبح فردي بعدما أصدر يزن أوامره للعاملات وجعلهم يجمعون جميع أغراضه ونقلوها بغرفته السابقة كي يستقر بها بشكل مؤقت إلى أن يجلس مع حاله ويعيد ترتيب أحواله.
باتت فايقة تدق جرس الباب حتى ملت من الانتظار غير المجدي بالنفع. شعرت بالخطر على ابنتها فنزلت إلى مسكنها من جديد وتناولت المفتاح الخاص بمسكن ابنتها ودلفت إلى غرفتها سريعًا لتتفقدها. وجدتها تجلس القرفصاء فوق سريرها محتضنة ساقيها وتبكي بمرارة.
تنهدت براحة حين وجدتها تجلس بصحة تامة أمامها. وبرغم قلقها الذي أصابها على ابنتها إلا أنها لم تجرؤ على التحرك إليها إنش واحدًا وجذبها وإدخالها إلى أحضانها كي تطمئن روح صغيرتها وتبث داخلها شعور الراحة والسكينة. تلك هي فايقة، لا يوجد بقاموس حياتها ما يسمى بالحنان ودعم من تحبه، بل تعتبره هذه التصرفات ضعفًا لها.
تحركت إلى الشرفة بخطوات ثابتة وفتحتها لتنير تلك الغرفة شديدة الظلام. ثم نظرت إليها وهتفت بنبرة حادة:
_ عاملة في حالك ليه كده يا بت؟ الدنيا كانت خلصت إياك؟
رمقتها تلك الغاضبة بمقلتها الحادة النظر وهتفت بنبرة ساخطة:
_ ما عايزاكِش أشوف حد، همليني لحالي وإطلعي برة.
زفرت فايقة بضيق وتحسرت على حال صغيرتها التي تتملك منها روح الاستسلام سريعًا عكس والدتها. تحركت وجلست بجوارها وتحدثت:
_ أهملك تموتي حالك إياك، أني مش جلت لك قبل سابج ما أحبش أشوفك ضعيفة وخايبة كده.
وأكملت بملامة:
_ عشمِتِ فيا حريم الدوار يا حزينة.
إتسعت عيناها بذهول وهتفت بحدة:
_ إنتِ محساش بالمصيبة اللي وجعتيني فيها؟ أني بسببك اتحكم عليا إني مبقاش أم طول حياتي، ما أعرفش أشيل جواتى حتى عيل من جوزي، ده غير حبيبي اللي عشت عمري كله أحلم بالليلة اللي هيضمني فيها لجوات حضنه ويبجا ملكي لحالي، حتى دي استكترتيه عليا وضيعتيه من يدي بعمايلك السودة. أني بجيت وحيدة يا أمي، هقضي اللي باقي لي من حياتي في الأوضة الضلمة دي لحالي.
وخبطت بكفي يداها على فراشها وتحدثت بصراخ:
_ حبيبي مهينامش في فرشتي تاني بسببك، اتحكم عليا أعيش لحالي على فرشة باردة. ناقصها روح حبيبي. وانتِ كل اللي هامك وشاغل بالك ورد ونجاة اللي عشمِتوا فيكي؟ ملعون أبوهم أبو تفكيرك وغضبك وحقدك اللي خلاني ماشية وراكِ كيف العامية.
وأكملت بتساؤل مشمئز:
_ نفسي أعرف جلبك دي مصنوع من إيه؟ حجر صوان؟
أجابتها برأس مرفوع وعينان تشبه حدة الصقر خالية من المشاعر:
_ ومين جالك إني عندي جلب من الأساس، الجلب دي للناس الضعيفة، الجلب يضعف ميقويش، الجلب يخلي صاحبه ذليل كيفك كده يا بت قدري، وأكبر دليل على حديتي دي حالتي أنا وإنتِ.
وأكملت وهي تتحرك بالغرفة وتشير إليها:
_ بصي لحالك في المرايا وشوفي جلبك العاشق وصلك لإيه.
وأكملت وهي تنظر إليها بوجه غاضب وعينان مخيفتان من شدة اتساعهما:
_ العشق خلاكي ضعيفة وخلاكي عبدة ذليلة عند راجل ميسواش كيف ابن المركوب اللي اسمه يزن، ابن نجاة لما شاف عشقك ولهفتك عليه ساج دلالة وشاف حالك عليكِ يا حزينة.
ثم أردفت قائلة بتفاخر وكبرياء:
_ وأني جدامك أهو، عمري ما بللت ريج أبوكِ بكلمة زين ولا حتى نظرة رضا، ومع كده بيعيط عليا ويتمنى لي الرضا أرضي وأظن دي شيفاه بعينك كيف الشم.
شبكت بضعف وتحدثت بوهن:
_ يزن غير أبويه.
كلهم واحد، رجالة ناقصة خسيسة، الواحد منهم أول ما يحس ويشوف العشق في عين الصبية، يبعد عنها وتسجت من نظرة، ويروح يدور على واحدة ما بتعبروش ولا شيفاه جدامها لجل ما يرسم عليها ويخليها تحبه ويحس إنه بكده بقى راجل رغم إنه بيتحول لعبد ذليل عندي. كلياتهم صنف واحد، صنف واطي ميستاهلش دمعة واحدة من عين حرمة.
وتحركت إليها من جديد وسحبتها من يداها وتحدثت بعدما وجدت هدوئها واقتناعها بحديثها:
_ قومي اسبحي وإلبسي خلجاتك لجل ما نروح للشيخ عرفان.
وأكملت بنبرة حماسية وصلت إلى ليلي:
_ أيقولوا عنده خادم هيخلي الراجل خاتم في يد مرته وطايع لأوامرها.
وأكملت بوعيد:
_ وحياتك عندي يا غالية ما هيرتاح لي بال غير وأني جايبة لك ابن نجاة ومخليه ذليل وراكع تحت رجليكِ.
إتسعت عينا تلك البلهاء بذهول وهتفت متسائلة بلهفة:
_ صح الحديث دي يا أمي؟ هتخلي يزن يرجع لي بجد؟
إبتسمت لها فايقة ووضعت يدها فوق شعر رأسها تتلمسه وتحدثت بنبرة قوية:
_ ميتا أني جلت لك حاجة ومحصُلتش؟
إنتفضت ليلي من جلستها بحماس وتحركت سريعًا إلى المرحاض لتنفيذ أوامر والدتها كعادتها.
وبعد حوالي ساعة كانت تدلي الدرج بتفاؤل، بجانب والدتها. وما أن لمحتها رسمية التي كانت تخرج من المطبخ بجانب ورد التي تحمل صنية فوقها ثلاثة أكواب من مشروب الشاي الساخن.
حتى صاحت بنبرة حادة:
_ لابسة ورايحة على وين يا غندورة؟
كظمت غيظها الشديد من لكنة عمتها الساخرة بداخلها، وتحدثت بنبرة هادئة:
_ رايحة أنا وبنتي لجل ما نطل على أمي العيانة يا عمة.
رفعت رسمية وجهها إليها وتحدثت وهي تشير بسبابتها إلى الأعلى:
_ إطلعي على شقتك وإتلمي فيها يا مرة يا سو، وإحمدي ربك إن لساتك قاعدة في الدار بعد عمايلك الشوم دي كلها.
وأكملت بنبرة تهديدية غاضبة وهي تشير بيدها:
_ الله الوكيل لولا إن أخوي وصاني عليكِ قبل ما يموت، لكنت قتلتك بيدي دي وخلصت عيلتي من شرك يا واكلة خيرنا وناكراه.
تحدثت ليلي بحدة مداعبة عن والدتها:
_ ملوش لزوم الكلام ده يا جدة، وبلاش تكوني ظالمة، أمي من حقها تزور جدتي العيانة.
تنهدت رسمية بأسى لعلمها أن حفيدتها تتحرك بأوامر من والدتها بلا عقل كالتابع. وحزنت كثيرًا على حال ليلي التي يبدو على هيئتها أنها لم تستوعب الدرس الذي تعرضت له بمنتهى القسوة. يبدو أنها لم تستفق إلا على كارثة كبرى ستحرق معها الأخضر واليابس بحياتها البائسة.
تحدثت رسمية إلى حفيدتها بقلب منكسر لأجلها:
_ تعالي معايا يا ليلي، جدتك العجوز رايدة تتحدث وياكِ شوية.
ثم رمقت فايقة بحدة وصاحت بها عالياً:
_ وإنتِ يا واكلة ناسك، إطلعي على فوق وما أشوفش خلقتك تحت واصل.
نظرت لها بعيون حادة كالصقر وهتفت بنبرة حاقدة وهي تنظر إلى ورد التي تجاور نجاة الجلوس فوق الأريكة بهدوء، وهي تنتظر مجيء رسمية للبدء في تناول مشروبهم سوياً. وما زاد حقدها عليها هو جلوسها بأريحية وملامح وجه يظهر عليها الارتياح والسكينة وكأنها أصبحت سيدة القصر الآمرة الناهية بعد السلطة التي أعطاها لها كل من رسمية وعثمان.
_ حاضر يا عمة، أنا هسمع حديثك وأطلع أغير هدومي وأنزل لجل ما أباشر على تجهيز الغدا في المطبخ.
إتسعت عينا رسمية نتيجة غضبها العارم وهتفت بقوة:
_ هو إنتِ يا مرة محساش بالمصيبة اللي وجعتي حالك فيها وطبجت على راسك؟ كيف هتنزلِ وتجعدي وسطنا من تاني بعد ما سكينة غدرك رشجت جوة قلوبنا كلياتنا يا حزينة.
وأكملت باستغراب:
_ وبأي عجل يا مرة يا خرفانة مفكرة إني هخليكي تخطي برجليكِ اللي تنكسر المطبخ من تاني، شيفاني مرة مدبوبة لجل ما أمن لك على وكل أولادي وأحفادي بعد العملة المنيلة اللي عملتيه في يزن؟
وأكملت بنبرة حادة:
_ مطبخ العيلة اتحرم عليكِ من اليوم اللي اتكشفت فيه خيانتك وخستك وجلة أصلك، ودي أوامر كبير العيلة يا واكلة ناسك.
كانت تستمع بقلب يشتعل غضبًا وهي تشاهد قذائفها التي تخرج من فم عمتها وتتجه إلى صدرها لتفتك به وتزيد من اشتعاله. فقد تحولت رسمية وأصبحت جلادتها التي تسعى دائمًا لتضليل حجمها أمام الجميع، بعد أن كانت الداعم الرئيسي لها والتي كانت دائمًا ما تستمد منها قوتها. وهذا ما تسبب في تجبرها وطغيانها على الجميع.
تحدثت إلى رسمية وهي ترمق ورد بنار شاعلة:
_ بلاش تحكمي عليا وتشمتي فينا اللي يسوي واللي ميسواش من غير ما تسمعي أسبابي يا عمة.
رمقتها ورد بنظرة حادة لعلمها أنها تقصدها لا غيرها بحديثها المهين. في حين هتفت رسمية بنبرة قوية:
_ اللي عملتيه ما يحتاجش تفسير يا أم عجل ناقص، واللي ما تسواش هي المرة اللي الغدر بيجري في دمها وفتنت ووجعت بين الإخوة وبعضيها.
ثم حولت بصرها إلى ورد وتحدثت بنبرة نادمة:
_ أنا دلوقتي عرفت الفرق بين الذهب الخالص الأصيل، وبين اللمعة اللي كانت بتضوي في الضلمة ومن خيبتي كنت فاكراها دهب خالص.
وأكملت وهي تحول بصرها إلى فايقة وهتفت بنبرة حادة ورمقتها بنظرات مشمئزة:
_ لكن طلعت لمعة صفيح ومصدية كمان.
نهرتها بشدة جعلتها تتحرك إلى الأعلى عنوة عنها بقلب يغلي من شدة اشتعاله بنار الغيرة. أما رسمية فتحركت بجانب ليلي وسحبتها إلى حجرتها كي تتحدثا بعيدًا عن الكل. واستها ونصحتها بحنان بالابتعاد عن أفكار والدتها التي ستقضي على ما تبقى بينها وبين يزن، وذلك بعدما احتوتها داخل أحضانها وشددت من ضمتها لتطمئن روحها. جارتها ليلي بحديثها لتجعلها تطمئن لها.
ثم تحركت إلى مسكن والدتها وقصت لها ما دار بينها وبين جدتها ووعدت والدتها أنها لن ولن تتخلى عن حقها في امتلاك قلب وجسد وروح يزن، ولهذا ستفعل كل ما بوسعها لتحصل على مبتغاها، مما أسعد فايقة لعدم تخلي وريثة عرش حقدها عن انتقامها وعدم التخلي عن الامتلاك المرضي. تلك الصفة المشتركة بين كلتيهما.
داخل المستشفى بعد الظهيرة.
تحركت صفا داخل غرفة الكشف الخاصة بدكتورة أمل، وقد أخبرتها بما يجري لها من تغيرات هرمونية وجسدية. أخبرتها أمل أن جميع البوادر تشير إلى حمل مؤكد ولكن يجب عمل فحص دم للتأكد.
سحبت منها عينة دم وأجرت فحصها وبعدها تحركت صفا لتباشر عملها من جديد. وبعد حوالي نصف ساعة تحركت أمل إلى مكتب صفا وجلست فوق المقعد تنتظر.
حيث كانت تجري فحص مريضة. انتظرت حتى خرجت الحالة وتوجهت إليها مباشرة لتزف لها البشارة وهتفت بنبرة حماسية:
_ مقولتليش يا دكتورة، نفسك في ولد ولا بنوتة رقيقة شبه مامتها؟
نزلت تلك الكلمات على قلبها البريء كهطول الماء على نبتة صالحة فأروتها وترعرعت وتراقصت أوراقها. هتفت بنبرة متلهفة:
_ إنتِ متأكدة من كلامك ده يا أمل؟
ثم وضعت كف يدها سريعًا فوق أحشائها وتحسستها بشعور غريب ولأول مرة ينتابها، شعور رائع لم تستطع كل الكلمات المكتشفة وصفه.
إقتربت أمل عليها وتحدثت بابتسامة سعيدة لأجل تلك الخلوق:
_ مبروك يا دكتورة.
رفعت وجهها إليها وتساءلت بعيون لامعة بفضل تجمع دموع السعادة بها:
_ البيبي عندي كام أسبوع يا أمل؟
أجابتها أمل بنبرة عملية:
_ السونار هو اللي هيجاوبك على سؤالك ده.
توجهت كلتاهما إلى غرفة الكشف. فحصتها أمل وأخبرتها أن جنينها يبلغ من العمر شهران مكتملان، أي أنه وُضع داخل رحمها منذ ما حدث بينها وبين محبوبها ليلة الزفاف.
إبتسمت بخجل.
نظرت صفا إلى الأمام بتفكر، وتذكرت المؤتمر الطبي المقرر إقامته بعد يومين داخل محافظة القاهرة والتي كانت قد أخبرت ياسر وأمل أنها ستعتذر عن حضوره وذلك لما بدأت تشعر به مؤخرًا من إرهاق شديد والخمول الذي غزا جسدها بالكامل. وهذا ما جعلها تقدم على قرار عدم حضورها المؤتمر الهام لها كطبيبة.
لكنها الآن قد قررت الذهاب بعدما أصبحت على دراية بما يحدث لها من تغيرات ولسبب أهم، وهو نيتها بمفاجأة حبيبها بوجودها أمام عينيه وإسعاده وهي تزفه له بشارة خبر قدوم من سيأسر قلبيهما ويجعلهما أكثر ترابطًا مما هما عليه.
هتفت بنبرة حماسية:
_ بجول لك يا أمل، أني قررت أسافر وياكم وأحضر المؤتمر بعد بكرة.
ضيقت أمل عينيها وأردفت باستفسار:
_ إنتِ مش بلغتينا إمبارح أنا وياسر إنك مرهقة ومش هتحضري، إيه اللي خلاكي تغيري رأيك بالسرعة دي؟
تنهدت بسعادة وأردفت شارحة:
_ حابة أعمل مفاجأة لجوزي وأشوف رد فعله وأنا بخبره عن الحمل.
قامت أمل بالإثناء على تفكيرها وشجعتها على اتخاذ الخطوة وهتفت بنبرة عملية:
_ أوكِ يا صفا، بس كده هنضطر نلغي تذاكر الطيران ونحجز في القطر المكيف، لأن الطيران خطر على الحمل في أوله.
وافقتها صفا الرأي، وغادرت المستشفى سريعًا وتحركت بلهفة لتخبر والدتها وهي في قمة سعادتها. أما ورد التي لم يسعها عالمها شدة فرحتها بهذا الخبر السعيد وقابلته بدموعها الساخنة. طلبت صفا من والدتها عدم إخبار والدها بهذا الخبر لحين سفرها إلى قاسم وإعلامه، ثم بعدها ستخبر الجميع.
وأتفقت مع والدتها ألا تخبر أحدًا من أهل المنزل وذلك لجعل سفرها مفاجأة لمتيم روحها. أخبرت والدها بسفرها للمؤتمر عبر الهاتف وذلك لتواجده خارج المنزل لمتابعة أعماله التي تتزايد وتتوسع بشكل كبير للغاية. أخبرته بذهابها للمؤتمر فقط وأخذت منه السماح وطلبت منه سرية الخبر. ثم تحركت إلى عثمان الذي كان يأخذ قسطًا من الراحة بحجرته وأخبرته بسفرها وايضًا أكدت عليه السرية التامة. وتحججت بعدم إثارة غضب وحنق فايقة وليلي عليها، وإثارتهما وافتعال المشاكل إذا علما أنها ستسافر لحضور مؤتمر خاص بعملها وذهابها بعد ذلك لمفاجأة قاسم. لكنها لم تخبره ولا أباها عن خبر حملها.
وافق عثمان بعدما اقتنع بحديث حفيدته الذي يتسم بالعقلانية وسعد داخلة لتطور علاقة صفا بقاسم وأثنى على تقربها لزوجها تحت خجل صفا الشديد من جدها.
بنفس التوقيت داخل مدينة القاهرة.
قررت إيناس اللعب مع قاسم بوضع خطة محكمة لاستدعاء مشاعره إليها من جديد كذي قبل، ولكن بطريق مختلفة وذلك بعد محاولاتها الكثيرة التي باءت جميعها بالفشل الذريع.
فحينها تأكدت أن لا أمل للوصول لقلبه عن طريق إثارة رجولته وإغرائه بأنوثتها.
فقررت اللعب على عقله من الاتجاه العملي. وبعد التفكير والفحص الدقيق استقرت على صيدها الثمين. ذهبت إلى شركة كبرى لصاحبها رجل الأعمال الشهير، الذي يدعى أمجد التهامي والذي لُفقت له من قبل منافسيه عديمي الشرف قضية إعطاء مبالغ مالية كرشوة لموظفين بالدولة.
مما ساء سمعته وأُلقي القبض عليه وتم معه التحقيق بحضور أكبر محامي اسمًا بالبلاد وما زال التحقيق جاريًا. وخرج بكفالة مالية كبيرة وبضمان محل إقامته. وقررت النيابة عدم السماح له بمغادرة البلاد لحين انتهاء التحقيقات وثبات التهمة أو نفيها عنه. مما جعله يغضب من محاميه ويطلب منه التحرك بأقصى سرعة وأن يفعل كل ما بوسعه كي يثبت براءته ويحسن من وضعه أمام الرأي العام.
طلبت إيناس من سكرتيرتها الخاصة السماح لها بمقابلته وأعطتها بطاقة التعريف الخاصة بعملها.
نظر بها أمجد وتحدث إلى سكرتيرته بلا مبالاة وهو ينظر داخل البطاقة مضيقًا عينيه:
_ إيناس عبدالدايم، ودي عايزة مني إيه دي كمان؟
أجابته بعملية:
_ ما أعرفش يا أفندم، كل اللي قالتهولي إني أبلغ حضرتك إنها محتاجة تقابلك ضروري بخصوص قضية حضرتك. وقالت لي أبلغك إن حل قضيتك عندها.
استغرب استماتتها لمقابلته ثم طلب منها أن تسمح لها بالدخول. دلفت وتحدثت وهي تبسط ذراعها إلى الذي وقف احترامًا لها:
_ سعيدة جدًا بوجودي قدام قامة عظيمة ومثل مشرف في عالم الأعمال زي حضرتك يا أمجد بيه.
أومأ لها باستحسان وتحدث بنبرة عملية جادة:
_ أهلًا أستاذة إيناس، ياريت تدخلي في الموضوع على طول نظرًا لوقتي الضيق.
أومأت له بتفهم وجلست بعدما أشار هو لها وتحدثت بنبرة واثقة:
_ كان الله في العون يا أفندم، على العموم أنا جاية ومحضرة كلامي المختصر لأني عارفة ومقدرة مشغوليات ووقت حضرتك الثمين.
وأكملت:
_ أنا جاية أأكد لحضرتك إن خيط حل قضيتك أصبح في إيديا.
أرجع ظهره للخلف وقضب جبينه ونظر لها بتتمعن واستغراب وهو يحرك مقعده يمينًا ويسارًا.
فأكملت هي بثقة عالية:
_ ما تستغربش حضرتك، أنا ليا أسبوع ببحث وبدور بطرقي الخاصة لحد ما وصلت لبداية الخيط، وتقدر تقول إن قضيتك أصبحت منتهية وفي انتظار اطلاع هيئة القضاء الخاصة بالقضية على الأدلة اللي هتخليهم يحكموا بالبراءة من الجلسة الأولى.
سألها بنبرة صارمة وملامح وجه جامدة:
_ إنتِ متأكدة من الكلام اللي إنتِ بتقوليه ده ولا جاية تعملي شو وتضيعي وقتي؟ بس قبل ما تتهوري وتجاوبي، إنتِ عارفة الأول إنتِ قاعدة قدام مين؟
وأكمل بنبرة تهديدية:
_ وعارفة لو كلامك ده طلع فنكوش أنا ممكن أعمل فيكِ إيه؟
تنهدت وأجابته بثقة:
_ أنا مش صغيرة ولا غبية يا أفندم عشان أجي ألعب مع حد بحجم حضرتك.
وأكملت بكبرياء وهي تتحدث عن قاسم:
_ أظن حضرتك سمعت عن مكتبنا، وعن اسم قاسم النعماني اللي كان حديث المدينة طول المدة اللي فاتت، وده بعد ما اترافع في قضية المستشار عصام مجدي اللي كان متهم بغسيل أموال، وبفضل جهوده وذكائه حولها لقضية رأي عام وكسبها بشرف ونزاهة في وقت قياسي.
تنفس عاليًا وأجابها بثناء:
_ وده السبب الرئيسي اللي خلاني أسمح لك بمقابلتي بعد ما السكرتيرة قالت لي إنك من مكتب قاسم النعماني.
تحدثت إيناس بتفاخر وهي ترفع قامتها للأعلى:
_ أنا مش مجرد محامية في مكتب قاسم النعماني، أنا زوجته وشريكته في كل نجاحاته اللي وصل لها.
واسترسلت حديثها بثقة عالية أعجبت أمجد:
_ وصدقني يا أمجد باشا، أنا لولا متأكدة إن براءة حضرتك هتظهر للعلن في خلال أسبوع واحد بس بعد تولي مكتبنا لها، ما كنت جيت لحضرتك وعرضت عليك إننا نتولاها.
وأكملت لتزيده من الشعر بيت:
_ ومش بس كده، إحنا هنكشف قدام الرأي العام كل شخص كان له يد في الخطة الدنيئة اللي اتعملت لتسويء سمعة حضرتك الطيبة، وهنرفع لك قضية رد شرف وتعويض مادي كبير.
تحدث إليها أمجد قائلاً بوعد:
_ عارفة لو الكلام اللي بتقوليه ده اتنفذ زي ما بتقولي، أنا هكافئك بمبلغ عمرك ما كنتِ تحلمي بربعه.
وأكمل بنبرة عملية:
_ اعتبري ملف القضية اتسحب من هشام عبدالجواد وأصبح على مكتب قاسم النعماني، وأنا هتصل بيه بنفسي وأخليه ييجي لي هنا عشان نتكلم في تفاصيل الواقعة.
سال لعابها وسعد داخلها من وعده وتحدثت قائلة:
_ المكافأة دي شئ مفروغ منه يا باشا، أنا بتعامل مع أمجد باشا التهامي، بس أنا ليا طلب خاص عندك.
أشار لها بالحديث فأكملت:
_ أنا عايزة حضرتك تأكد على أستاذ قاسم إني أشتغل في القضية دي معاه.
ضيق عينيه مستغربًا وهتف قائلاً:
_ حضرتك بتطلبي مني أتدخل وأطلب من جوزك إنه يشغلك معاه في القضية؟ مش غريبة شوية دي؟ وبعدين إزاي بتقولي إنك بحثتي ولقيتي طرف الخيط، إنتِ اشتغلتي على القضية بدون علمه ولا إيه؟
أجابته بنبرة قوية:
_ دي تفاصيل صغيرة مش عايزة أشغل حضرتك بيها، كل اللي ممكن أقولهولك إن أستاذ قاسم جاد جدًا في شغله وفاصل بين حياتنا الخاصة والشغل، وهو مؤخرًا حابب يبعدني عن مشاركتي له في القضايا عشان حياتنا الخاصة متتأثرش، ونقعد طول الوقت نتكلم عن القضايا حتى في البيت.
أجابها أمجد:
_ يظهر إن أستاذ قاسم راجل حكيم وبيحب الاستقرار المنزلي وبيحبك، بدليل إنه عاوز يعيش حياة هادية معاكِ.
إبتسمت بغرور وتحدثت بتأكيد مزيف:
_ ده حقيقي، لكن أنا مش حابة قراره ده وشايفة إن مشاركتنا في قضايا المكتب بتزيدني خبرة وتعلي من مكانتي واسمي في المكتب معاه.
اقتنع أمجد بحديثها الموضوعي وبالفعل هاتف قاسم وحدد له ميعاد وطلب منه اصطحاب إيناس رفقة معه مما أثار استغراب قاسم. ذهب بالفعل بصحبتها وبعدما اتفقا طلب منه مشاركة إيناس معه وبرر ذلك بأن إيناس لديها المعلومات، وصارحه بأنها هي التي أتت إليه وطلبت منه تحويل ملف القضية إلى مكتب قاسم، فلهذه الأسباب أصبحت مشاركتها بالقضية مشروعة.
في بداية الأمر رفض قاسم هذا الشرط بشدة. استغربها أمجد، لكنه وبعد إصرار أمجد عليها اضطر على الرضوخ والموافقة، نظرًا لما ستحققه هذه القضية من مكاسب معنوية وشهرة واسعة لمكتبه وتجعل من اسمه مرتفعًا فوق جميع نظرائه.
حقًا كان من الصعب على قاسم رفض شرط أمجد التهامي رجل الأعمال ذو الاسم الرنان والشهرة الواسعة والسمعة الطيبة. وما جعل قاسم يتنازل ويقبل بهذا الشرط هو سحب ملف القضية من مكتب قامة كبيرة في عالم المحاماة وإرسالها لمكتبه الذي لا يضاهي مكتب هذا المحامي الشهير. وهذا كفيل بأن يرفع اسمه لعنان السماء، وإنه لمن الغباء رفض تلك الفرصة التي أتت إليه على طبق من ذهب ولن تتكرر.