تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
الفصل 46 — رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم روز امين
أكملت كوثر وهي تنظر لعيناي قدري:
_ تنكر إنك جيت لنا لحد البيت وقعدت تقنع فيا أنا وجوزي وولادي علشان نوافق بجواز قاسم من بنت أخوك علي إيناس؟
وأكملت بما نهي علي تماسُك قدري:
_ ووعدتنا بإن الجوازة دي لو تمت إبنك هيغرق في مغارة علي بابا وهيغرف ويدينا وينوبنا من الحب جانب؟
ارتبك قدري وشعر بالخزي والعار أمام عائلتهُ، في حين اتسعت أعيُن الجميع وهم ينظرون على قدري وقاسم الذي كان ينظر إليها بذهول غير مستوعب كم بجاحتها وحقارتها. لام حاله وأنّبها، كيف له أن يغفل عن أصل تلك العائلة المنعدمة الأخلاق والمبادئ وأن يلقي بحاله في براثنها وهو المحامي الفطن.
نظرت صفا إلى قاسم الذي حول لها بصره سريعًا ليرى مدى تأثرها بما بَخَت به تلك الحية الرقطاء، ابتسمت له وكأنها تطمئنه، وشددت من ضمت كفها بكفه في حركة تدل على عدم تصديقها لما يقال. تنهد بارتياح ونبض قلبه صارخًا بعشق تلك الصافية.
نظر لها زيدان مشمئزًا من تلك الحقود التي تسعى إلى تخريب علاقة الأشقاء كي تنتقم لخروجها المهين من حياة قاسم بدون مقابل، قائلاً بنبرة هادئة تعكس عدم تأثره بحديث تلك الخبيثة المسموم:
_ وقدري بيعمل ليه إكده وهو عارف ومتأكد إن أنا ومالي كله تحت طوعه ورهن إشارته.
تنهد عثمان بارتياح من حديث صغيره الذي أثلج صدره وأراح باله، فهو العاقل الذي لا يخيب ظن أبيه به أبدًا.
في تلك اللحظة تملك من قدري شعور بالألم والحزن والخزي من حاله، فرق شاسع بينه وبين ذاك الفارس النبيل المسمى بزيدان، فكم من المرات التي حقد بها على شقيقه وكثيرًا ما قام بإحاكة المؤامرات للنيل من ثروته التي بذل الكثير من الجهد والتعب حتى قام بجمعها، وبالمقابل يكون هذا هو رد زيدان صاحب القلب الأبيض.
نعم زيدان على دراية كاملة بما كان يكنه قدري بداخل نفسه له، هو ليس بالرجل الأبله كي يغفل عن هذا الأمر العظيم والظاهر للكفيف، لكنه أيضًا يعلم أنه تغير تمامًا منذ حادثة ماجدة، وفهم أن الأهل هم أول الأيادي التي ستمتد إليك وتنتشلك حيث الوقوع في بئر الضياع، وبالأخص زيدان الذي كان له السند الحقيقي أثناء تلك الفاجعة.
قام زيدان بتوزيع نظراته على شقيقيه وأنجالهما وأردف بنبرة حنون وقلب راضٍ:
_ مالي وحالي كله تحت رجلين إخواتي وعيالهم اللي هما في الأصل عيالي ودايمًا واقفين في ظهري وسانديني بكل قوتهم.
وأسترسل وهو ينظر إلى قاسم بقوة وفخر:
_ وبالنسبة لـ قاسم ولدي اللي ما خلفتوش من صلبي، أنا أضمنه وأضمن أخلاقه برجبتي.
وأكمل وهو ينظر داخل عيناه باحترام صادق:
_ أنا يوم ما سلمته بنتي كنت عارف إني بسلم أغلى ما عندي لراجل صح بيحميها وبيكون لها الأمان والسند من غدر الأيام، لما سلمته زمام بنتي ومرتي وأمنته عليهم لو جرى لي حاجة مكانش من فراغ.
وأكمل بعدما رأى الحزن الظاهر بعيني قاسم والألم الذي اعتصر قلبه:
_ أنا عارف يا ولدي إن الخيانة والغدر عمرهم ما كانوا من طبعك.
وحول بصره إلى كوثر وإيناس ورمقهما بنظرة مقللة من شأنهما وأردف قائلاً:
_ ساعات ربنا بيختبرنا وبيحط في طريقنا ابتلاءات هتكون على هيئة بشر وده لحكمة هو وحده يعلمها، بس الأكيد إننا بنطلع من الابتلاء ده وإحنا أقوياء.
واسترسل مستشهدًا بتلك المقولة وهو ينظر إلى قاسم:
_ وكيف ما بيقولوا، لكل جواد كبوة ولكل فارس غفوة.
وأكمل وهو ينظر إليه:
_ ودي كانت غفوتك يا ولد النعماني، والشاطر هو اللي بيتعلم من أخطائه.
أومأ له قاسم وأمال رأسه بانحناءة بسيطة دلالة على اقتناعه بصحة حديثه، في حين هتفت كوثر بنبرة حادة:
_ هو أنتم هتقعدوا تترسموا وتحترموا لي في بعض عشان تطلعوني في الآخر أنا اللي كذابة وشيطانة وأخوكم وابنه ملايكة؟
وأكملت وهي تتحدث إلى زيدان قاصدة الوقيعة والتفرقة:
_ أنا قولت لك على اللي حصل عشان أخلي ضميري من ذنبك قدام ربنا وانت حر، تصدق بقى ولا ما تصدقش دي حاجة ترجع لك.
احتدمت ملامح فايقة وهتفت بنبرة غاضبة بعدما استشاط داخلها من تلك الملعونة التي تصر على هدم المعبد فوق رؤوس الجميع قبل المغادرة:
_ اكتمي نفسك يا مرة يا سو لأجي أكتمهولك بنفسي.
وأكملت بزيف كي تجبر الجميع على التشكيك بنوايا تلك الحقودة:
_ جاية تبخي سمك بين الإخوات وتوجعيهم في بعض يا ملعونة.
وأكملت:
_ الكل عارف إنك بتعملي كده بعد ما لقيتي حالك بتطلعي من المولد بلا حمص انتِ والعجوزة بنتك؟
حولت كوثر نظرها إليها بعينين تشتعلان وكأن فايقة بحديثها هذا قد فتحت أبواب جهنم على حالها وهتفت بنبرة تهكمية:
_ طب خلي حد غيرك يقول الكلام ده يا حبيبتي.
وأكملت باتهام صريح:
_ ده مفيش خطوة اتحركتها أنا وبنتي غير وتمت تحت إشرافك وبتخطيط منك.
وكادت أن تكمل أخرستها رسمية بنبرة صوتها المرعب حين هتفت بحدة لغلق الماضي وطى صفحاته الأليمة:
_ جفلي يا حرمة على المواضيع واردمي عليها، ما عيزينش نسمع منك لا خير ولا شر.
هتفت بنبرة حادة طاردة إياها بطريقة مهينة وصريحة:
_ ودلوقتي خدي بنتك وفارجونا من غير مطرود.
نظرت كوثر إلى عثمان وأردفت بنبرة مستضعفة كي تستدعي تعاطفه:
_ مش همشي قبل ما الحاج عثمان يجيب لبنتي حقها.
وأكملت بنبرة توسلية:
_ أنا واقعة في عرضك وشهامتك يا كبير، أبوس إيدك تجيب لبنتي حقها من حفيك وتحميها من ظلمه.
كان يرمقها بعينين تشبه نظرات الثعلب المكار، ابتسم لها بجانب فمه وأردف قائلاً بتعجب:
_ كيف بتطلبي مني الحماية وإني أقف جارك وإنتِ جاية ونيتك تفضحى حفيتدي وتعرفي الكل إن جوزها متجوز عليها؟
وأكمل ساخرًا:
_ لا وبغبائك كنتي مفكرة إنك بكده هتحطيه قدام الأمر الواقع وتخليه يستسلم ويُدخل عليها وتُبقى مرته رسمي، ولما لقيتي ولد النعماني واعي لك زين وكاشف ملعوبك، قولتي توجعي بين الأخوات وتطلعي بأي مصلحة.
وأكمل بفطانة:
_ ولما زيدان طلع ولد أبوه صح وخرصك قولتي لحالك أما ألعب على الراجل العجوز يمكن يحن ويغرف من الكنز ويديني.
واسترسل وهو ينظر إليها بمكر ودهاء:
_ أنا كاشفك وعارف غرضك السوء من أول ما خطيتي برجلك النجسة، بس كنت سايبك لحفيدي لجل ما يعلمك الدرس زين ويعرفك إنتِ وبنتك آخرة اللي بيلعب مع ولاد النعمانية إيه.
وأكمل متهكمًا:
_ واديكم نلتوا منه اللي تستحقوه.
هتفت بنبرة حادة بأسلوب خالٍ من الاحترام:
_ يعني إنتَ كمان موافق حفيك وبتشجعه على إنه ياكل حق الغلبانة بنتي؟ طب اعمل لآخرتك اللي قربت.
وأكمل بصياح عالٍ وقلبٍ يغلي من حرقته:
_ حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم كلكم، حسبنا الله ونعم الوكيل.
رمقه قاسم بنظرة تحذيرية وهتف قائلاً بنبرة حادة:
_ احترمي نفسك يا ست إنتِ واتفضلي يلا من غير مطرود.
رمقته إيناس بنظرات حارقة وهتفت قائلة بتوعد:
_ بقا هي دي أخرتها يا قاسم، بتطردنا من بيتك بعد كل اللي اتحملته عشانك؟ لو فاكر إني هسيبك بعد ما غدرت بيا تبقى لسه ما تعرفنيش كويس.
وأكمل وهي تشير بأصبع يدها بنبرة تهديدية:
_ وحياة كل حاجة عملتها لك وساعدتك بيها في شغلك عشان أكبر لك المكتب وفي الآخر طردتني منه، وحياة كل لحظة في عمري ضيعتها وأنا معاك وفي انتظار تحقيق وعودك الكدابة ليا وبعدها طلقتني.
وأكمل بنبرة حقود:
_ وحياة إهانتك ليا أنا وماما قدام عيلتك عشان تعمل فيها راجل قدام الهانم مراتك لأدفعك الثمن غالي، وغالي أوي يا قاسم.
واسترسلت وهي ترفع رأسها إلى الأعلى بنبرة تهديدية صريحة:
_ قابل اللي هيجري لك على إيديا يا قاسم يا نعماني.
قوس فمه وابتسم ساخرًا وأردف متهكمًا بلكنته الصعيدية:
_ أعلى ما في خيلك اركبيه وارمحي بيه رمح وورينا هتوصلى بيه لحد فين.
وأكمل بنبرة تهديدية حادة:
_ بس نصيحة مني لوجه الله، بلاش تقفي قدامي وتستفزيني بتصرفاتك الغبية، عشان إنتِ لحد دلوقتي لسه معرفتيش الوش التاني لقاسم النعماني واللي متأكد إنك ما هتصدقي قصاد جبروته.
ابتسمت ساخرة وهتفت بإصرار وعناد:
_ خلي الحكم للجمهور بعد المشاهدة يا مترشم.
سحبت بصرها ونظرت إلى كوثر وهتفت بنبرة حادة:
_ يلا بينا يا ماما وكفاية قلة قيمة لحد كده.
وزعت كوثر نظرات كارهة على الجميع وهتفت بنبرة لقلبها المحترق جراء خسارتها:
_ حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم، ربنا ينتقم منكم ويحرق قلوبكم زي ما حرقتم قلبي على حق بنتي اللي أكلتوه واستحليتوه، ربنا على المفتري.
صاح بها عثمان بنبرة حادة:
_ بكفاية عويل وصراخ يا حرمة ويلا من هنا بدل ما أفقد أعصابي وأخلي قدري ينفذ تهديده ويدفنك صاحية إنتِ والبومة اللي جنبك دي.
انتفض داخلها وهرولت إلى الخارج تتخبط بصحبة ابنتها التي خرجت من المنزل بقلبٍ مشتعل لخروجها خالية الوفاض من تلك الزيجة التي خططت ورسمت لها منذ أن التحقت بكلية الحقوق ورأت قاسم وعلمت منزلة عائلته والثراء الفاحش الذي كان يظهر عليه، ابتداءً من السيارة الفخمة التي أهداها له عثمان وهو بالفرقة الرابعة بالحقوق، مرورًا بانتقائه للثياب الفخمة والمال الذي كان يصرفه على حاله ويكرم به من حوله.
تحدث قدري بنبرة مشمئزة وهو ينظر على أثرهما:
_ غمة واتزاحت.
هتف يزن قائلاً بنبرة حادة وهو ينظر إلى قاسم:
_ يا أبووووووي، اتلميت عليهم في أنهي خرابة دول يا ولد عمي.
وأكمل لائمًا:
_ دول لا شبهك ولا حتى من توبك؟!
صاح منتصر ناهراً ولده لعدم إحزان قاسم أكثر من ذلك:
_ خلاص عاد يا يزن، عالم سوء وربنا خلصنا منهم، نجفل بقى على الموضوع وننساه وكأنه ما حصلش.
تنفس قاسم بضيق من حاله وما وصل إليه بفضل عناده ومحاولة هروبه السابقة، ثم تحدث إلى جده متلاشيًا ما حدث ليغلق عليه الستار وللأبد:
_ بعد إذن الجميع، كنت حابب أقعد أنا وأبي وأمي وفارس وليلي لحالنا ويا جدي وجدتي.
تفهم الجميع وبدأوا بالوقوف ثم همس هو إلى صفا قائلاً بنبرة حنون:
_ خدي بالك واطلعي على فوق يا غالية وأنا هخلص موضوع خاص بـ ليلي وأجي لك طوالي.
أومأت له بطاعة وتحدثت بنبرة حنون:
_ ما تتأخرش عليّ يا حبيبي.
انتفض داخله بشدة وأردف قائلاً بنبرة عاشقة:
_ ما هتأخرش يا جلب حبيبك.
تحركت بجانب والدتها التي تحمل الصغير وزيدان الذي نظر له بحنان فأبتسم له قاسم وتأسف له بعينيه، بادله زيدان بابتسامة رضا وسماح.
نظرت ليلي بحقد وكره على تلك التي تجاور يزن وتتحرك بجانبه تحت حماية يزن لها وهو يلف ذراعه حول كتفها بحماية ليثبت للجميع أنها تحت رعايته.
جلس الجميع فتحدث الجد إلى قدري وفايقة قائلاً:
_ قبل ما تبدأ في حديثك حابب أقول لأبوك وامك كلمتين.
وأكمل موجهًا اللوم لهما:
_ يا رب تكونوا اتعلمتوا الدرس زين واتعظتوا وشوفتوا بعنيكم لفين وصلتوا عيالكم.
وأكمل بنبرة متألمة وهو ينظر إلى قاسم:
_ شوفتوا كيف وصلتوا ولدكم وخلتوه يتلم على ناس سوء ويروح يرمي حاله جوه أحضانهم اللي كيف أحضان العقارب لجل بس ما يهرب منيكم؟
وأكمل:
_ عاجبكم شكله وهو ناصب محكمة لحاله كان فيها القاضي والجلاد؟
تحدث قدري بنبرة متألمة وهو ينظر أرضًا من شدة خجله:
_ حقك عليّ يا أبوي، حقكم عليّ كلكم.
أردف قاسم الذي لم يحتمل أن يرى والده بذلك الضعف وتلك الحالة المهينة:
_ بكفاية الله يرضى عنيك يا جدي، اللي حصل حصل خلاص وكلياتنا اتعلمنا الدرس زين.
وأكمل لينهي الحديث:
_ خلينا نتكلموا في المهم.
نظر إلى ليلي وتحدث بنبرة هادئة:
_ أنا عارف إن مش وقت الكلام ده وإن لسه بدري على ما العدة بتاعة ليلي تخلص.
ثم حول بصره إلى جده واسترسل:
_ وعارف كمان إن لسه زعلان منها ومن اللي عملته في صفا، بس أنا بطلب من حضرتك وأترجاك إنك تسامحها وتسمح لها تحضر ويانا فرح حسن النهارده.
رمقه عثمان بنظرة حادة وهتف قائلاً بنبرة غاضبة:
_ أنا جولت قبل كده إن مالهاش خروج من أوضتها إلا بعد عدتها ما تخلص، وهتخرج منها على بيت صالح ولد ذكي النعماني وهي مرته وعلى ذمته.
وأكمل مفسرًا إليه بهدوء:
_ كفاية إني كسرت كلمتي الليلة وخليتها تدلي وتحضر لجل خاطرك إنتَ وصفا.
نظرت إليه وتحدثت بنبرة توسلية:
_ أحب على يدك بلاش تجوزني لصالح يا جدي.
أردف قاسم متحدثًا إليها بنبرة هادئة وهو ينظر لها ليحثها على الصمت:
_ خلاص يا ليلي.
وأكمل وهو ينظر إلى جده:
_ اهدى يا جدي وخلونا نتفاهم بالعجل، صالح ما ينفعش ليلي يا جدي.
وأكمل سريعًا قبل اعتراض جده:
_ عبد العزيز ولد خالي منصور طلب يدها مني امبارح في الحنة، جالي إنه عاوز يضمن الموافقة قبل ما يرجع للسعودية لشغله، وإن شاء الله بعد عدتها ما تخلص هيعمل توكيل لأبوه لجل ما يكتب بيه الكتاب وليلي هتسافر له على طول وتعيش وياه في السعودية.
صمت الجميع ونظروا لبعضهم باستحسان للفكرة، وأكمل هو:
_ كلنا عارفين إن عبد العزيز كان يريدها قبل ما تتجوز يزن، وأكيد هيصونها وعيشيلها جوه عينيه.
صاحت هاتفة بنبرة غاضبة:
_ بس أنا ما عايزاش أتجوز لا عبد العزيز ولا غيره يا قاسم.
تحدث الجد باستحسان متلاشيًا صياحها:
_ وأنا موافق على عبد العزيز.
أردفت فايقة بنبرة حماسية:
_ عبد العزيز أحسن واحد هيصونك يا ليلي، وبعدين ظروفه مناسبة ليكي، مطلق مرته وعنده عيلين عايشين مع أمه هنا ومعتستغناش عنيهم.
وأكمل لتحسها على الموافقة:
_ يعني معتشليش حتى هم العيال.
أكملت رسمية على حديثها:
_ أمك بتتحدث صح يا ليلي، مرّة خالك بتربي العيلين ومتعلقة بيهم، ده غير إن عبد العزيز راجل زين وكان يريدك قبل سابق، يعني كيف ما بيقول قاسم، هيصونك ويحطك في حباي عينيه.
صرخت بكل صوتها هاتفة باعتراض:
_ كلياتكم عاوزين تسفروني لجل ما تخلصوا مني، للدرجة دي محدش منكم طايجني وطايج شوفتك.
ثم نظرت إلى جدها وجرت وارتمت على ساقيه وتحدثت باستعطاف:
_ أحب على رجلك رجعني ليزن يا جدي.
وأكملت بلهفة وتوسل:
_ جُل له إني هعيش خدامة تحت رجليّه ومهعملوش مشاكل مع مرته التانية واصل.
وأكملت بجنون من شدة عشقها:
_ جُل له كمان إني راضية باللي هيتبقى لي منه، حتى لو عاوز يجي لي مرة واحدة كل شهر، أنا راضية.
وأكملت بدموعها التي نزلت:
_ والله راضية.
أشفق الجميع على حالها، عثمان الذي أغمض عينيه بتألم كي لا يرى تلك العاشقة التي أصابها العشق بالهوس، رسمية التي انشق صدرها لنصفين وهي ترى تمزق روح حفيدتها بهذا الشكل، فايقة، تلك الأم الغافلة التي أضاعت حياتها بالسعي وراء سراب وأهملت صغارها ودمرتهم ولم تحصنهم بأحضانها ليقوا شر نفوسهم قبل الغير.
قدري الذي حزن وشعر بالجريمة التي اقترفها هو وشريكته في حق أبنائهما الثلاثة وتلك المسكينة بالتحديد، وفارس الذي انشق صدره وحزن لأجلها.
أما ذاك الذي وقف سريعًا وتحرك بقلبٍ محترق لأجل رؤيته لشقيقته وهي بذلك الذل وتلك المهانة، أمسك كف يدها وأجبرها على الوقوف واتخذها بداخل أحضانه ليشعرها بالطمأنينة وتحدث بهدوء وهو يحرك كف يده الحنون فوق ظهرها:
_ اهدى يا ليلي، اهدى يا حبيبتي.
خرجت سريعًا من داخل أحضانه وسألته بنبرة متلهفة:
_ كلمة إنتِ يا قاسم، جُل له إني ما بقدرش أعيش بعيد عنه.
صرخ قلبه متألمًا وتحدث بنبرة ضعيفة:
_ ما ينفعش يا ليلي، يزن خلاص اتجوز وعايش مبسوط في حياته، وبعدين هو طلقك بالتلاتة يعني معادش فيها رجوع تاني يا بت أبوي.
خرجت منها شهقة عالية نتيجة دموعها الغزيرة وهزت رأسها بهيستريا وتحدثت باعتراض:
_ ما بقدرش أعيش مع حد غيره يا قاسم، اتصرف إنتَ وشوف لي حل يخليه يرجعني تاني.
وسألته متلهفة ببارقة أمل:
_ مش إنتَ محامي وبتفهم زين في حل المواضيع اللي كيف دي؟
استشاط داخل قاسم من رؤيته لضعف شقيقته وتحدث قائلاً بنبرة حادة لإفاقتها:
_ فُوقي يا ليلي، يزن ما عايزكيش خلاص، بلاش ترخصي حالك وإنتِ الغالية بنت الأصول.
وأكمل بنبرة تعقلية:
_ إنتِ اتجوزتي اللي بتحبيه وجربتي حظك وياه، ما كنتيش غير الحزن والوجع.
واسترسل بنبرة حماسية لبث روح الأمل داخلها:
_ جربي تعيشي ويا اللي عاشقك وعييتمني لك الرضا، صدقيني يا خيتي، جوازك من عبد العزيز فرصة ربنا بعتها لك لجل ما تبعدي وتنسي وترتاحي.
وتحدث بعقلانية:
_ طول ما إنتِ قريبة من يزن وشايفاه عايش ويا مرته عمرك ما هتلاقي الراحة ولا هتنسي وجعك.
وقف فارس ومسح فوق رأسها وتحدث متأثرًا:
_ اسمعي كلام أخوكِ يا ليلي، كلياتنا بنحبك يا خيتي ورايدين مصلحتك.
نزلت دموعها وتحدثت باستسلام وملامة:
_ وهي مصلحتي إنكم تبعدوني عن أهلي وعزوتي يا فارس.
تحدث الجد بنبرة عاقلة:
_ وهي الواحدة بعد ما تتجوز راجل زين هتعوز إيه من أهلها يا بتي.
وأكمل بنبرة حنون:
_ وبعدين هي التلفونات خلت حد بعيد يا بتي، ده الناس بتكلم بعضيها وبتشوفوا بعض من هنا كمان.
وقف قدري ونظر لها بحنان وتحدث بعيون مترجية:
_ وافقي يا بتي على ابن خالك لجل ما تريحي قلبي من ناحيتك.
تناقلت بنظرها بين الجميع باستسلام بعدما نزلت على أرض الواقع من خلال حديثهم وعلمت أن رجوعها إلى يزن أصبح من المستحيل.
هزت رأسها وتحدثت بنبرة ضعيفة مستسلمة:
_ موافقة.
احتضنتها فايقة وأجهشت بدموع الندم على ما أوصلت به صغيرتها التي خرجت من لعبة انتقامها خاسرة لكل شيء، رجل حياتها الذي فقدته، وحرمت من أن تتنعم باحتضان طفل من رحمها، حتى تنعمها بقربها من عائلتها حرمت منه.
تحدث الجد بنبرة حزينة لأجل حزن حفيدته:
_ على خيره الله.
وأكمل وهو ينظر إلى قاسم الذي يظهر الحزن على معالم وجهه بشدة:
_ وإنتَ يا قاسم، بلغ عبد العزيز بموافقتنا بس طبعًا الكلام ده هيكون سر بيناتنا لحد ما ليلي تخلص عدتها.
وأكمل شارحًا:
_ الكلام في الموضوع ده وهي لسه مخلصة عدتها حرام شرعًا وما يصحش، لكن إحنا هنديه وعد عشان ظروف سفره ولجل ما يرتب حاله زين.
أومأ له الجميع بتفهم وتحدث هو إلى ليلي بنبرة حنون:
_ جهزي نفسك عشان هتروحي معانا الفرح.
ابتسمت بخفوت وهزت رأسها وخرجت بصحبة والدتها بقلوبٍ متألمة منكسرة خاسرة نتيجة أعمالهم التي لم يحصدوا منها سوى القهرة والخسارة والندم.
❈-❈-❈
صعد إلى شقته، وبمجرد دخوله من الباب انبعثت رائحة النظافة والمعطر مما يوحي إلى وجود حياة داخل المكان، وجد الستائر الغامقة مفتوحة على مصراعيها وتنسدل من بينها الستائر الشفافة، تداعبها نسمات شهر مايو الهادئة.
استمع إلى صياح صغيره وصوت متيمة روحه ويبدو أنها تهدده يأتي من اتجاه غرفة النوم، انتفض قلبه وشعور بالراحة والسكينة والطمأنينة غزا قلبه وتملك منه، برغم كم الحزن الذي أصابه بفضل الحالة التي وصلت لها ليلي. ساقته ساقيه وتحرك بقلبٍ نابض إلى غرفته التي امتلأت بالحياة بعودة ملكة حياته وأميره الصغير لداخل مملكتهم بعدما كانت الشقة بأكملها تشبه القبر في عتمته ووحشته.
خطا بساقيه للداخل وجدها تتحرك داخل الغرفة حاملة الصغير وتهدهده كي يهدأ من نوبة الصراخ التي أصابته.
تحرك إليها سريعًا وهتف قائلاً بنبرة متوترة:
_ مالك ماله يا صفا؟
نظرت عليه بعينين شبه دامعة وتحدثت بنبرة حزينة بفضل تلبكها بحالة طفلها:
_ ما أعرفش، مبطلش بكاء من وقت ما طلعنا كيف ما أنتَ شايف.
بسط ذراعيه وأخذه من بين يديها بحرص شديد وتحدث وهو يضعه على كتفه ممسكًا بظهره بحرص ورفق ولين:
_ اهدي يا حبيبتي وهو دلوقتي هيوقف بكاء ويهدى.
وقام بهدهدته بحنان وقَبّل وجنته وهو يتحرك به قائلاً بنبرة هادئة:
_ اهدي يا جلب أبوك وما تبكيش، خلاص يا حبيبي إنتَ في حضن بابا اللي بيحبك وبيحميك بروحه.
ومن العجيب أن الصغير هدأ واستكان داخل أحضان قاسم وكأنه شعر بالأمان والطمانينة حينما تلامس جلده الناعم عنق والده.
نظرت له تلك التي أصابها الذهول وتحدثت مصطنعة الاعتراض:
_ يسلام، شكلك كده ناوي تشكل إنت وابنك حزب وتبقوا فريق واحد.
ضحك بهدوء وسألها بحنان:
_ طب ودي حاجة تزعلك في إيه يا أم مالك؟
ابتسمت بحنان وتحدثت:
_ ومين جالك إنني زعلانة.
وأكملت بحديث ذي مغزى وعينيه ظهر داخلهما الاطمئنان:
_ ده أنا أسعد يوم في حياتي النهارده.
حزن داخله للحالة التي وصل لها حبيبته، شعر باستكانة واسترخاء صغيره مما يعني أنه قد غفى بسلام، تحرك به ووضعه بحرص داخل مهده، وقام بوضع قُبلة حنون فوق وجنته بلونها الوردي وملمسها شديد النعومة.
ثم تحرك إليها وسحبها داخل أحضانه وشدد عليها، مما أسعدها وجعلها تشعر بامتلاكها العالم بأسره، أخرجها من أحضانه ونظر داخل عينيها وأبتسم بحنان.
ثم سألها بإستفسار بعدما رأى القلق داخل عينيها:
_ مالك يا صفا؟ إيه اللي تاعب روحك ومخليكِ مش رايقة؟
تنفست عالياً وأجابته بما يضيق بصدرها:
_ خايفة عليك يا ضي عيني.
نظر لها مضيقًا عينيه بإستفسار، فأكملت هي مفسرة بنبرة قلقة:
_ اللي اسمها إيناس دي شكلها كده مش سهلة، خايفة تأذيك يا قاسم.
ابتسم بخفة وتحدث بنبرة هادئة ليطمئنها:
_ مش عيب عليكِ يا بت النعمانية تخافي على جوزك من واحدة كيف دي!
نظرت إليه بريبة فوضع كف يده على وجنتها وحرك إصبعه فوقها بحنان وتحدث بنبرة مرهفة:
_ اطمني يا أم مالك، جوزك عارف وجادر يقف لأي حد يحاول أذيته.
وأكمل مفسرًا:
_ وبعدين إيناس دي أضعف وأجبن وأذكى من إنها تقف قصادي وهي عارفة ومتأكدة من إن ضربتي ليها هتكون القاضية.
أومأت له بتفهم، فنظر لدخل عينيها بإشتياقٍ وأمسك كف يدها، وتحرك بها إلى تختيهما، تمدد وأسند ظهره ثم جذبها بقوة جعلتها ترتمي فوق ساقيه، احتوانها ولف ذراعيه حول جسدها برعاية وقام باحتضانها بقوة كاد بها أن يسحق عظامها ويدفنها بداخل روحه العاشقة.
قرب فمه بجانب أذنها وهمس لها بنبرة عاشقة:
_ وحشتيني يا صفا، وحشتيني جوه.
وأكمل بإثارة أصابت كلاهما:
_ ريحة جسدك المسكية اللي بتدوبني، صوتك اللي بيفرفت قلبي، عيونك اللي بتسحرني، كلك وحشتيني يا كلي.
كانت تستمع إليه بقلبٍ يتهاوى وعينين مغمضتين سارحة في خيال صوته الساحر، همست من بين أحضانه بنبرة تدل على مدى هيامها في عشق حبيبها:
_ شوفت فيك كان عيني علىّ يا قاسم، كل يوم قضيته وانت بعيد عني كنت بموت فيه ألف مرة.
أخرجها سريعًا وسألها متلهفًا:
_ صح بعدي كان فارق معاكِ يا صفا؟
وأكمل بعيون هائمة مسحورة بفضل عينيها وعشقها:
_ كنتِ بتشتاقي لي كيف ما كنت بموت من شوقي ليكِ؟
أجابته وهي تنظر داخل مقلتيه وصدرها يعلو ويهبط من شدة الاشتياق والوله:
_ مفيش يوم عدى عليّ من غير ما أشتاق لك وأشتاق لضمة حضنك فيه يا حبيبي.
وأكمل بعينين لائمين:
_ عذبتني في رحلة عشقك يا قاسم، حرقت روحي اللي دابت من البعد وكواها نار الانتظار.
ضمها بشدة وتحدث بإشتياق:
_ حقك عليا يا تاج راسي، ووعد عليّ ما هبعدنيش عنيكِ تاني غير الموت يا غالية.
أجابته وهي تلقي برأسها على كتفه بدلال أنثوي:
_ بعد الشر عنيك من أي أذى يا حبيبتي.
يتحدث إليها بوعيد وحماس:
_ فيه حاجات كتير لازم أقولها لك لجل ما تعرفي إن عشقك بيجري في دمي من سنين مش بس من بعد جوازنا يا غالية.
قطبت جبينها بإستغراب فتحدث:
_ بعدين يا صفا، هنتكلم بعدين نكون رايقين عن كده.
وغمز لها بعينيه وتحدث بوقاحة أخجلتها:
_ دلوقتي عندنا الأهم اللي هنتكلم فيه.
وقام من جديد باحتضانها وبشدة مما زاد من الاشتياق بينهما وجعلهما يذهبا إلى بعيد كي يطفأ لهيب عشقهما الملتهب بفضل نار اشتياقهما الجارف، وغاصا بعالمهما الفريد الخاص بهما.
بعد مدة من الوقت كان كلاهما واقعًا داخل نوبة من النوم العميق جراء إجهادهما الشديد، واحتياج جسديهما للراحة والنوم كي يستيقظا بحال أفضل ليكونا جاهزين لحضور حفل الزفاف التي ستقام ليلاً.
❈-❈-❈
عصرًا داخل منزل أمل ويزن.
وكانت تتمدد فوق فراشها مستندة على ظهر التخت، منهكة بوجهٍ ذابل ثأثرًا من تقلبات الحمل والتقيؤ. دلف إليها ذاك النبيل وهو يحمل بيده كأسًا من المشرب الساخن ووضعه على الكومودينو.
ثم جاورها الجلوس وسحبها لداخل أحضانه وشدد عليها وقبّل مقدمة رأسها وتحدث بنبرة تفاض حنانًا:
_ عملت لك كوباية أعشاب بتريح معدتك وتهديكي خالص.
ثم حرك كف يده فوق ظهرها في حركة أثبتت لها كم الحنان الذي يمتلكه ذاك الرجل بداخل قلبه ويفيض على أحبائه، شعرت بالأمان والحنان داخل أحضانه.
فحدثها هو قائلاً بإطمئنان:
_ هتكوني زينة يا قلبي، متخافيش.
وأخاف إزاي وانت جنبي يا حبيبي، جملة صادقة خرجت من قلبها لا فمها.
شعر بها ذاك النبيل وأبعد وجهها من داخل أحضانه ونظر لداخل عينيها الساحرة وتحدث بنبرة تفاض عشقًا:
_ تعرفي يا أمل، إنتِ أحلى حاجة حصلت لي في عمري كله.
وأسترسل مفسرًا بيقين:
_ كنت عارف زين إن ربنا شايل لي نصيبي الحلو من الدنيا ومعيظلمنيش كيف ما الخلق ظلموني.
وأكمل وهو يميل بوجهه للجهة اليسرى وبعيون تصرخ من عشقها تحدث:
_ بس مهما تخيلت عمري ما كان هيجي في بالي إن كرمه وعطفه هيوصلني لأحن وأجمل وأرج حرمة في الدنيا كلها.
كانت تستمع إليه بعيون هائمة سارحة في دنيا غرامه، وتحدثت بنبرة حنون:
_ وإنتَ عوض ربنا الجميل ليا ومكافئتي اللي ربنا حب يكافئني بيها على صبري لكل الابتلاءات اللي اتعرضت لها في حياتي.
وأكملت بفخر واستحسان:
_ إنتَ حد جميل أوي يا يزن وتستاهل أحلى حاجة في الدنيا كلها.
أجابها بنبرة حنون صادقة:
_ ولأجل كده ربنا رزقني بيكي يا ست البنات.
ثم مال على شفتيها وألتقطهما بنعومة وبدأ بتقبيلهما بهدوء معبرًا لها عن مدى سعادته بوجودها داخل حياته، ابتعد عنها كي لا يزيد عبء تعبها، ثم أدار جسده وألتقط كأس المشرب وناولها إياه وتحدث بنبرة حنون:
_ اشربي يا حبيبتي لجل ما ترتاحي.
أمسك الكأس وتحدثت بنبرة ممتنة:
_ ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
بعد مرور نصف ساعة.
كانت تغفو بثبات على ساقي ذاك الساند بظهره خلف التخت وهو ينظر عليها بحنان وابتسامة رضا، يحرك أصابعه داخل شعر رأسها متخللًا بها بين خصلاتها بنعومة جعلتها تشعر بالراحة والسكينة مما جعلها تدخل في ثبات عميق.
❈-❈-❈
داخل مسكن رفعت عبد الدايم.
كان يضع رأسه بين كفيه وينظر أسفل قدميه وتحدث بنبرة ضعيفة:
_ يعني إنتِ وبنتك استغفلتوني.
ثم رفع رأسه وتحدث بنبرة لائمة:
_ مفهماني إنك هتقعدي يومين مع بنتك في شقتها عشان تعبانة وإنتِ في الصعيد يا كوثر؟
نهرته قائلة بنبرة حادة:
_ هو ده وقته يا رفعت؟ إحنا في إيه وانتَ في إيه؟
ابتسم رفعت بجانب فمه ساخرًا على حاله وما وصل إليه بسبب سلبيته مع زوجته ونجليه، واسترسلت هي بنبرة غاضبة:
_ أنا بكلمك عن بنتك واللي حصل لها من الندل اللي اسمه قاسم، وطلاقه ليها قدام عيلته كلها وانتَ كل اللي همك إزاي نسافر من غير ما نقول لك.
وأكملت بنبرة حادة وهي تتحرك بهيئة جنونية:
_ تخيل الواطي كسر كالون الشقة ورمى لها هدومها عند البواب وباع فرشه.
تحدث عدنان لائمًا على والدته:
_ وإنتوا بقى كنتوا فاكرين إن قاسم هيضرب لكم تعظيم سلام وأنتم رايحين تفضحوا مراته أم ابنه في وسط عيلته؟
رمقته تلك المستشاطة وصاحت به متذكرة:
_ كويس إنك فكرتني يا عدنان بيه.
وأكملت بنبرة غاضبة وعينين حادة:
_ هي دي اللي ما فيهاش ريحة الجمال وتشبه الرجالة في جسمها، هي دي اللي معندهاش أي مقومات تشير إلى إنها أنثى يا محترم؟
وأكملت بتساؤل غاضب:
_ بتغشني يا عدنان وتخليني أروح على عمايا وأتفاجئ إني واقفة قدام أيقونة جمال؟
ارتبك وخشي غضبها الهائل وتحدث بنبرة هادئة كي يتلاشى غضبها:
_ الحق عليا إني محبتش أزعلك وأقهرك وقتها؟ وبعدين كان هيفرق في إيه معرفتك من عدمها؟
أجابته كوثر بنبرة غاضبة:
_ كانت هتفرق طبعًا يا موكوس، على الأقل كنا غيرنا تعاملنا مع اللي اسمه قاسم وعملنا حساب للعدو اللي بنحاربه.
أجابها وهو يتنصل من الموضوع:
_ اهو اللي حصل بقى يا ماما، خلينا في اللي عمله قاسم وإزاي هنتصرف معاه وسيبك بقى من اللي فات.
نظرت هي إلى رفعت الجالس ينظر عليهم مستغربًا كم البجاحة والحقارة التي أصبحوا عليها، هتفت بنبرة حماسية قائلة:
_ إنتَ الوحيد اللي هتقدر تأثر على قاسم وتخليه يرجع لها الشقة والعفش ويديها المؤخر اللي كان واعدها بيه.
جحظت عيناه وهتف قائلاً بنبرة حادة:
_ هو إنتِ لسه ما شبعتيش ذل وإهانة فيا؟
وانتفض واقفًا من جلسته وتحدث بنبرة غاضبة حادة:
_ ده أنا مش قادر أنسى لحد الآن شكلي وأنا واقف قدامه وبترجاه يتجوز بنتي عشان ما أتفضحش أنا وهي قدام قرايبي، والراجل من أصله وكرم أخلاقه وافق.
وأكمل شارحًا:
_ وبرغم إن مراته وأهله عرفوا والدنيا انقلبت فوق دماغه، إلا إنه أثبت لي إنه راجل بجد وقد الوعد اللي وعدني بيه.
وأكمل بخزيٍ ظهر فوق ملامح وجهه:
_ بس أنا اللي ما طلعتش راجل معاه.
واسترسل وهو يوزع نظراته على ثلاثي الشر:
_ كسفتوني وكسرتوا رقبتي قدام الراجل، ولسه كمان عايزين تكسروني وتخلوني أروح أذل نفسي ليه وأرخصها وأطلب حاجة مش من حقنا.
صاحت به إيناس وهتفت باعتراض:
_ هو إيه ده اللي مش من حقي يا بابا، ده ثمن صبري عليه وعمري اللي ضاع جنبه وأنا مستنياه ومتحملة ظروفه أكتر من تسع سنين.
هتف بنبرة حادة وهو يرمقها بغضب:
_ قصدك ثمن طمعك وخطتك اللي كنتي راسماها لأذية غيرك.
وأكمل بيقين:
_ بس سبحان الله، إن ربك لبالمرصاد، ربنا ما بيظلمش حد وقلب الآية وكل واحد أخد حقه.
اتسعت عيناي كوثر بذهول وهتفت بنبرة حادة:
_ هي وصلت إنك تشمت في بنتك يا رفعت؟
ابتسم ساخرًا وأردف شارحًا:
_ هقول لك إيه، ما إنتِ ست جاحدة وفاكرة الناس كلها زيك، أنا هشمت في بنتي يا بني آدمة.
أومال تسمي كلامك ده إيه لو مش شماتة يا سي رفعت، جملة تفوهت بها كوثر بنبرة حادة.
أجابها وهو ينظر إلى ابنته الغاضبة في محاولة منه لإطلاعها على حقيقة الأمر:
_ بحاول أعلم بنتي اللي قصرت فيه زمان معاها هي واخوها، إنتِ اللي ظلمتي نفسك يا بنتي واختارتي الطريق اللي مليان ألغام عشان تمشي فيه، فمتلوميش غير نفسك.
وأكمل بيقين:
_ وزي ما ربنا سبحانه وتعالى قال، وما ربك بظلام للعبيد.
نظرت إلى أبيها وقامت قامتها لأعلى وتحدثت بغطرسة قائلة:
_ متشكرة على النصيحة يا بابا، بس عاوزة أقول لحضرتك إن قريب قوي هتشوف بنتك وهتفتخر بيها وهي مرجعة حقها بالكامل من ابن النعماني.
زفرت بضيق وتحركت إلى داخل غرفتها وأغلقت بابها بقوة.
نظرت كوثر إلى عدنان وأردفت أمرًا:
_ انزل تحت شوف راجلين وعربية نقل وروح هات حاجة أختك من عند البواب بدل ما يقلبها هو ومراته.
زفر عدنان بضيق لكنه تحرك بالفعل خشيةً غضب تلك القوية.
❈-❈-❈
ليلاً داخل سرايا الحاج عثمان.
كان الجميع يقف متأهبًا مرتدين ثيابهم المناسبة لحضور حفل الزفاف، واقفين بانتظار ذاك الحبيبان ليتحركوا إلى القاعة التي ستقام بداخلها الاحتفال بحفل الزفاف.
نظرت ليلي بحسرة إلى أمل التي كانت تجاور ذاك يزن الممسك بكف يدها بعناية ويتحدث إليها ناظرًا لعيناها بحنان ظاهر للكفيف، شعرت بغلٍ وحقد عظيم تملكا من قلبها واقتحماه، ولو كان الأمر بيدها لإنتهت حياة غريمتها في التو واللحظة وأخمدت تلك النار الشاعلة بصدرها المريض بالكُره، تنهدت وحاولت تهدئة حالها وسحبت بصرها بعيدًا عن كلاهما كي لا تفقد صوابها.
نظر الجميع بانبهار فوق الدرج حيث يتدلى العاشقان من فوقه، كانت ترتدي ثوبها الذي جلبه لها زوجها الحبيب، بلونه الأحمر الصارخ بتطريزه الرائع، يجاورها ذاك الذي يشعر بالفخر والراحة من مجرد مجاورته لها، يرتدي حلته الرائعة بلونها الأسود واضعًا ربطة عنقه بلونها الأحمر الصريح والذي يتناسق مع ثوبها وأيضًا ربطة عنق صغيره الذي يحمله بعناية فائقة ويشدد عليه.
نزلا للأسفل وتحرك هو إلى جده وأمسك كف يده وقبّله باحترام، فتحدث عثمان باستحسان:
_ ربنا يرضى عنيك ويحميك يا ولدي.
وأمسك رأس الصغير الذي رفعه قاسم لمستوى وجهه، وضع قُبلة حنون فوق جبهته وتحدث وهو ينظر إلى قاسم:
_ ربنا يبارك لك فيه وتخاويه بدل العيل عشرة.
ابتسم قاسم وأردف بتمني وهو ينظر إلى تلك الخجولة التي تجاوره:
_ إن شاء الله يا جدي.
تحرك هو جانبًا ليفسح لها المجال، وقفت قبالته وأمسكت كف يده ومالت عليه لتضع قُبلة احترام، وضع يده بعدما سحبها فوق رأسها وابتسم وتحدث:
_ مبارك عليكِ يا بتي رجوعك لبيت جوزك وانتِ رافعة راسك، ربنا يهدي سرك وياه.
ابتسمت وظهرت سعادتها فوق ثغرها وتحدثت بنبرة هادئة:
_ الله يبارك لنا في عمرك يا جدي.
تحرك هو بصغيره وأعطاه إلى تلك التي تشعر بأن روحها قد فارقتها منذ البارحة وبالتحديد منذ عودة مالك إلى بيت أبيه، ولأنه يشعر بتشتت روحها بدونه، فوضعه بين ساعديها وتحدث بنبرة حنون مطمئنة:
_ تفضلي الأستاذ اللي مبطلش زن ووجع لنا دماغنا طول الليل.
وأكمل مداعبًا إياها:
_ شكلك كده متفقة وياه عليا أنا وأمه.
احتضنته برعاية وباتت تفرق قبلاته فوق وجنتيه وجبهته، ثم نظرت إلى قاسم وتحدثت:
_ محلولة يا ولدي، طالما مالك بيه عامل لكم إزعاج سيبهولي وأنا على قلبي زنه وعياطه كيف العسل.
ضحك لها قاسم فتحدثت وهي تنظر إليه بحنان:
_ ربنا يهدي سركم ويسعدكم يا قاسم.
أومأ لها وتحرك إلى زوجته تحت سعادة زيدان التي تخطت عنان السماء.
تحرك الجميع بسياراتهم إلى قاعة الاحتفال، وجلسوا بأماكنهم المخصصة وبدأت مراسم الاحتفال بدخول حسن بعروسه الجميلة والسعادة ترفرف من حولهما لتحقيق حلم زواجهما الذي كان أشبه بالمستحيل قبل ما حدث.
بدأ الزفاف بالرقصة الأولى للعروسين كما هو متعارف عليه، واستمر تحت سعادة الجميع وقلوبهم المتراقصة على أنغام الموسيقى وذلك لالتقاء كل عاشق بنصفه الحلو، قاسم، يزن، فارس، وحتى زيدان العاشق، كانت السعادة تغمر قلوب الجميع.
عدا تلك المتألمة التي تأكل نيران الغيرة قلبها من مشاهدتها لدلال واهتمام يزن بتلك الأمل التي تجاوره الجلوس، وتلك فايقة التي تتألم لرؤيتها لسعادة الجميع وخروجها وابنتها من ماراثون السعادة خاويين الوفاض.
حزنت لأجل وصول ابنتها إلى تلك الحالة وبيدها، وحزنت لرؤية قدري الذي ما عاد يهتم بها ولو حتى بنظرة عشق كسابق عهده، فقد بات يشمئز منها ويرمقها بنظرات الحقد ولا يدع فرصة حتى يظهر بها التقليل من شأنها وهذا ما أمات قلبها وألمها.
تقدم عبد العزيز من عمته وألقى عليها السلام، ثم نظر على تلك ليلي المجاورة لها ودق قلبه بوتيرة عالية بمجرد التقاء عيناه بعينيها، فقد كانت حب طفولته وصباه وكم تمنى الزواج منها ولكن القدر أبعدها عنه، ويبدو أن دنياه ستبتسم له ويعيد القدر إليه سعادته التي سلبها منه بزواجها بغيره.
تحدث إليها بنبرة رجل عاشق وعينين محارب سيحصل أخيرًا على مكاسبه الغالية:
_ كيفك يا ليلي؟
أجابته بنبرة خافتة وعينين ذابلتين نتيجة بكائها طيلة الفترة الماضية:
_ أنا زينة يا عبد العزيز.
تحدثت الجدة للترحيب به:
_ كيفك يا ولدي وكيف عيالك؟
ابتسم للجدة وتحرك إليها بعدما وعى على حاله من حالة الغرام التي انتابته لمجرد رؤيتها، قبّل رأسها وتحدث بنبرة قوية كعادته:
_ الحمد لله يا جدة.
سعد داخل الجدة بعدما اطمأنت على حفيدتها العنيدة مع ذاك العاشق القوي، فذاك عبد العزيز معروف بالقوة والشدة والحزم وعدم التهاون في أمور حياته، وأخذ جميع الأشياء على محمل الجد حتى البسيطة منها.
فهي أكيدة بأنه الوحيد القادر على ترويض تلك الشرسة حتى في وجود عشقه الهائل لها، إلا أنه لم ولن يسمح لها بالتهاون وسيُعيد تأهيلها وإصلاح ما أفسده والديها.
وقف ذاك العاشق وأمسك كف يد حبيبته وهمس لها بدعابة وهو يتحرك بها باتجاه ورد:
_ الأحمر عامل شغل عالي وياكِ، يا ريتني ما جبته.
ابتسمت وظهرت سعادتها فوق ثغرها من إطراء حبيبها عليها وتحدث هو إلى ورد:
_ ممكن يا حماتي تديني مالك باشا عشان ناخد وياه صورة بالبابيون الأحمر ده وبعدين نرجعه لك تاني.
وأكمل بدعابة أضحكت الجميع:
_ ماهو مش معقول أبقى صارف ومكلف حالي وجايب بابيون أحمر وفستان وما أخدش بيهم صورة للذكرى.
تحرك بالفعل وأُلتقطت لهم بعض الصور التذكارية تحت انبهار الجميع بذاك الثنائي والعشق الذي يظهر من عينيهما ويراه الجميع.
انتهت مراسم الزفاف وتحرك الجميع عائدين إلى السرايا باصطحاب العروس الجميلة وفارسها حسن الذي اتخذ من مسكن يزن وليلي عشهما السعيد مع تجديد كل شيء بها.
وصلت السيارات إلى حديقة النعماني.
يترجل قاسم من سيارته وأمسك كف يد مالكة الفؤاد وتحرك بها حتى وقف قبالة زيدان وورد التي تحمل الصغير وتحدث هو إلى ورد:
_ خلي مالك بايت وياكِ النهاردة يا مرّة عمي.
انتفض داخل ورد بسعادة مما جعل صفا التي كادت أن تعترض بأن تصمت عندما رأت سعادة والدتها ظاهرة عليها.
فتحدثت ورد بعقلانية:
_ حاضر يا ولدي، على العموم هو نام ومعيصحش غير قرب الفجر، لما يصحى هخليه عمك يجيبه لكم لجل ما يرضع من أمه.
أومأت لها صفا وأصطحبها ذاك العاشق الذي صعد سريعًا إلى شقته وما أن فتح بابها وأغلقه عليهما، حتى مال بطوله الفارع عليها وقام بحملها سريعًا وتحدث مداعبًا إياها وهو يتقدم بها نحو غرفة النوم:
_ ما عملناهاش ليلة دخلتنا نعملوها في دخلة حسن.
ضحكت تلك التي لفت ذراعيها حوله برعاية ودفنت وجهها داخل عنقه وباتت تتنفس رائحة جسده التي تعشقها، دلف بها إلى غرفتهما وأغلق بابها بقدمه، وقف في منتصف الغرفة وتحدث بنبرة حنون:
_ منورة شقتك يا عروسة.
ابتسمت خجلة، ومال هو على كريزتيها والذي تماسك لأبعد الحدود على مظهرهما الشهي طيلة الزفاف.
أبعد وجهه عنها وما زال حاملاً إياها وتحدث بنبرة متحشرجة من أثر العشق:
_ بحبك يا صفا، بحبك وبحب كل ما فيكي حتى أنفاسك اللي بتخرج منك بحبها.
شددت من احتضانها لها وهي في قمة سعادتها، وتحرك هو بها إلى التخت ووضعها فوق الفراش برفق ولين، وقام بنزع حذائها ثم أمسك قدمها ورفعه ووضع قُبلة عليه مما جعل عينيها تتسع بعدم استيعاب لفعلته تلك والتي لا يفعلها غير عاشق يذوب في محبوبته، قام بنزع الحذاء الآخر وبتقبيل قدمها الأخرى مما جعلها تشعر وكأنها حقًا ملكة.
ثم اعتدل بوقفته وقام بخلع سترة حلته وهو ينظر عليها بحنان وعينين تصرخ من شدة عشقها، اقترب عليها وغاصا بعالم العشق الخاص بهما.
يُتبع
•