تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
الفصل 16 — رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس عشر 16 - بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس عشر 16 - بقلم روز امين
صعدت صفا من جديد لذلك الذي أصابه شعور بالوحدة وعدم الراحة من مجرد ابتعادها عنه لمدة دقائق معدودة.
وما أن رآها حتى استكانت روحه دائمة التشتت.
ألقت عليه نظرات خجلة وتسمرت بوقفتها تفرك كفيها ببعضهما بتوتر.
لم تعِ ما يجب عليها فعله.
بادر هو بالحديث كي يخرجها مما هي عليه:
_ أظن چوعتي دالوك؟
نظرت إليه وهزت رأسها بإيماءة خفيفة.
فحقاً كانت أحشائها تتلوى من شدة شعورها بالجوع لعدم تناولها عشائها بالأمس.
اقترب منها وتحدث وهو يحثها على التحرك بجانبه قائلاً:
_ تعالي معايا على المطبخ نشوف الحاجات اللي مرت عمي جايباها لنا. أكيد فيها أكل.
أطاعته بطريقة أثارت داخله وتحركا معاً.
وبدأ هو برص الطعام اللذيذ المُعد من قبل ورد فوق المنضدة الموضوعة داخل المطبخ.
وجلسا كلاهما وبدأ بتناول فطورهما بشهية عالية وذلك لشدة جوعهما.
فحتى هو حرم على حاله الطعام ليلة أمس وغفى دون أن يتناول عشائه ليشاركها حتى جوعها.
كانت تتناول طعامها وتمضغه بهدوء وهي تنظر داخل صحنها خجلاً.
أما هو فكان يتناول طعامه مسلطاً بصره فوق ملامح وجهها بتمعن وانبهار.
تحدث كي يكسر حاجز الصمت بينهما:
_ نمتي زين امبارح؟
رفعت نظرها إليه بهدوء وهزت رأسها بإيماءة صامتة.
فأكمل هو كي يزيل عنها خجلها وغضبها ويجعلها تتناسى ما حدث بينهما بالأمس وتندمج معه بالحديث:
_ أني كمان نمت ومحسيتش بحالي من كتر التعب.
وأكمل ليُلهيها بالحديث:
_ اليومين اللي فاتوا كانوا متعبين جوي بالنسبة لي. جضيتهم واقف على رجلي لجل ما أرحب بالضيوف. حتى الكام يوم اللي قبلهم قضيّتهم بين المرافعات في المحكمة والشغل طول الوقت في المكتب لجل ما أخلص اللي وراي قبل ما آخد أجازة الجواز.
نظرت إليه وتساءلت باهتمام:
_ هو انت بتترافع قدام هيئة المستشارين زي ما بنشوف في التلفزيون كده؟
ابتسم بسعادة وراحة غزت قلبه على أنه استطاع سحبها إلى عالمه وأجابها بنبرة واثقة تصل إلى حد الغرور:
_ وأحسن من اللي بتشوفيهم في التلفزيون كمان. ولد عمك محامي واعر جوي وليه هيبته في جامعات المحاكم.
كانت تستمع إليه بعيون لامعة وابتسامة واسعة علت شفتيها وأردفت قائلة بإطراء:
_ طول عمرك وانت شاطر ومميز يا قاسم.
ابتسم لها وتحدث مداعباً إياها:
_ طالع لبت عمي.
وأكمل بنبرة هادئة ناعمة:
_ انتِ كمان يا صفا من صغرك وانتِ شاطرة وعارفة ومحددة هدفك زين.
وأكمل بتأكيد:
_ ووصلتي له.
أصابتها خيبة أمل من حديثه وحدثت حالها بتألم.
نعم حققت بعض أهدافي، لكن بقي أعظمهم وأسماهم، وهو وصولي لقلعة عشقك واقتحامها قاسمي.
توقفت عن الطعام وأمسكت محرمة ورقية نظفت بها يدها وشفتاها بعناية.
فتحدث وهو يشير إلى صحنها:
_ كملي وكلي يا صفا.
أرجعت ظهرها مستندة به إلى خلف مقعدها وتحدثت بهدوء:
_ شبعت الحمد لله.
أراد أن يستدعي مرحها وابتسامتها الخلابة وذلك بعدما رأى نظرة انكسار داخل عينيها لم يدري سببها.
فتحدث قائلاً بدعابة:
_ طب بتعرفي تعملي قهوة زين ولا أنا اتدبست واتجوزت ست بت فاشلة؟
انتعش قلبها من كلمة تزوجت.
فكم كانت تشعر بالسعادة من مجرد ربط اسميهما معاً حتى بعد كل ما جرى لها من عشقه الملعون.
وكيف لها أن تتحكم في قلبها، عاشق قاسمها حتى النخاع.
هتفت إليه بنبرة واثقة:
_ هي مين دي اللي فاشلة يا أستاذ؟
وأكملت بتفاخر مصطنع وهي ترفع قامتها وتشير بيدها على حالها:
_ اللي واقفة قدامك دي وبلا فخر بتعمل قهوة عظيمة. بدليل إن أبوي مهيشربش قهوته إلا من يدي. حتى أمي مهتعرفش تظبطها له كيف ما بتظبطها صفا.
ابتسم لها ساخراً وتحدث إليها مستفزاً ليستدعي حماسها أكثر:
_ والله الماية تكدب الغطاس. وادي القهوة وادي البوتجاز.
وأكمل مشيراً لها نحو الموقد:
_ اتفضلي وريني ابداعاتك يا ست صفا وأنا اللي هحكم بنفسي.
وقفت بكل كبرياء وبدأت بصنع القهوة.
وبدأ هو بمساعدتها في لملمة الصحون من فوق المنضدة ووضعها داخل الحوض استعداداً لجليها.
ضيقت عينيها مستغربة تصرفاته البعيدة كل البعد عن طابع الرجل الصعيدي المتعارف عليه داخل عائلتهم.
وتساءلت مستفسرة:
_ انت بتعمل إيه يا قاسم؟
أجابها وهو يضبضب ما تبقى من الأشياء:
_ بلملم الأطباق وهحط لك الصواني والحِلل في التلاجة عشان الأكل ما يخسرش من حر المطبخ.
نظرت له بإعجاب ثم تحدثت بنبرة مستفزة لترد له جزءً من مداعباته:
_ يا ويلك يا سواد ليلك لو مرت عمي شافتك وانت عم تلم السفرة وماسك بيدك الفوطة وعم تلملم بواقي الوكل كده.
أجابها مكملاً ما يفعله بنبرة اعتزاز:
_ وأمي إيه اللي ح تزعلها إني بنضف مكان وكلي والفوضى اللي عملتها بنفسي؟ المفروض إن الحياة مشاركة وكل واحد فينا له دور وعليه مسؤوليات. وبعدين أنا متعود على كده.
وأكمل وهو ينظر إليها بابتسامة مذكراً إياها:
_ ناسيه إني عايش لحالي وواخد على كده اياه؟
أجابته وهي تفرغ ما بداخل القدر الخاص بصنع القهوة إلى تلك الأقداح الصغيرة المخصصة للشرب بها:
_ أيوه ده وانت قاعد لحالك مش معايا.
وأكملت وهي تحمل الصنية بين ساعديها وتتهيأ للخروج إلى غرفة المعيشة ليتناولا بها القهوة:
_ بلاش تعمل كده تاني يا قاسم، أنا منقصانيش مشاكل ويا مرت عمي الله يرضى عليك.
قالت كلماتها وتحركت إلى الخارج باتجاه بهو الشقة.
وضعت ما بيدها فوق المنضدة وجلست فوق الأريكة بعدما أشعلت شاشة جهاز التلفاز وأمسكت جهاز التحكم به وثبته على إحدى القنوات الإخبارية.
جاورها الجلوس بأريكتها ولكن بعيداً عنها كي لا يزعجها.
بسطت يدها إليه ومدتها بقدح قهوته.
فتناوله منها وقربه من أنفه وأشتم عبقها وهو مغمض العينين ثم همهم بارتياح وتحدث متعجباً:
_ ده إيه المزاج العالي جوي ده؟
نظرت إليه ولراحته الظاهرة على ملامح وجهه وتساءلت بابتسامة:
_ عجبتك ريحتها؟
أجابها بملامح هائمة وما زال مغمض العينين ويشم عبق قهوته باستمتاع:
_ جوي جوي.
تحدثت بنبرة حماسية:
_ ده بن مخصوص مهتلاقيش ليه مثيل في مصر كلها. أحمد سليمان المصدر اللي أبوي بيشتغل وياه بيبعت يجيبه مخصوص من البرازيل وبيعمل حساب أبوي معاه.
تحدث إليها بعدما ارتشق أول رشفة من قهوتها التي وبالفعل تأكد من تميزها ويكاد يجزم بأنها أفضل قدح قهوة ارتشفه طيلة حياته:
_ تسلم يدك يا دكتورة،، القهوة عظيمة بجد.
ابتسمت بخفة وتحدثت بهدوء:
_ بألف هنا.
وسحبت بصرها لتعاود النظر إلى شاشة التلفاز مرة أخرى لتشاهد ما يقال بتمعن واهتمام.
تطلع إليها باستغراب حالها وتحدث متعجباً:
_ آخر حاجة كنت أتخيلها إنك تكوني بتهتمي بالأخبار السياسية والاقتصادية!
حولت بصرها إليه سريعاً وهتفت بنبرة حادة حزينة:
_ وانت إيه اللي تعرفه عني يخليك تقول كده؟
وأكملت بنبرة ملامة:
_ مش لما تبقى عارفني الأول يا متر تبقى تعرف إيه هي اهتماماتي؟
لاحظ حزنها وتشنج ملامحها وتساءل متعجباً:
_ بتقوليها وانتِ زعلانة ليه كده يا صفا؟ هو أنا قلت حاجة زعلتك مني؟
أجابته متهربة بعينيها بعيداً عن مرمى عينيه المهلكة لقلبها العاشق:
_ أنا مزعلانش ولا حاجة، بس محبيتش منك نبرة التجليل اللي حسيتها من وسط كلامك دي.
قطب جبينه وتحدث إليها مدافعاً عن حاله:
_ وأنا عمري ما جللت منك ولا أجدر أعمل كده من الأساس يا صفا. كل ما في الموضوع إني استغربت شوية اهتمامك بالأخبار.
وأكمل مفسراً:
_ يمكن لأني واخد فكرة عن البنات إنهم بيتفرجوا على البرامج الفنية والمسلسلات والأفلام، وبكتيرهم جوي يتفرجوا على برامج توعوية وتربوية.
أجابته بقوة:
_ فكرتك غلط يا حضرة المحامي. معظم الستات دالوقت عقلها واعي ومتفتح إلى أبعد ما خيال سعادتك يصور لك. الست بتختار توجهاتها الفكرية اللي تناسب تفكيرها الواعي بدون توجيه مباشر من أي حد. الست أصبحت في زماننا لا تقل أهمية عن الراجل وتقدر تحقق انتصارات من خلال مجالها.
وأكملت بنبرة غائرة لم يلاحظها هو:
_ وبما إنك محامي كان المفروض تكون أدرى الناس بعقليات الستات المختلفة. وده طبعاً بحكم شغلك وإنك بتقابل ستات ياما أشكال وألوان.
أجابها وهو يبتسم:
_ مفهومك عن المحاماة غلط خالص يا صفا. أنا مجرد محامي، منيش محلل نفسي لجل ما أعرف توجهات وعقول الحريم رايحة لوين. أنا كل علاقتي بموكلاتي إني أسمع مشكلتها باختصار وأحاول جاهداً أحلها لها وأخد أتعابي وخلصنا على كده.
وأكمل باقتضاب ونبرة متهكمة:
_ فاضي أنا اياه ل لت الحريم وعجنهم اللي مهيخلصش.
ابتسمت بخفة وأكملا معاً مشاهدة البرنامج.
***
عصراً داخل المسكن الخاص بمريم وفارس.
دلف من الباب وجدها تجلس فوق مقعد محتضنة صغيرتها التي ما أن رأت والدها حتى قامت بالتهليل والتصفيق بكفي يديها مشيرة إليه كي يرفعها لداخل أحضانه مثلما دائماً يفعل.
طار قلبه فرحاً حين رآها وأسرع الخطى حتى اقترب منها ورفعها لداخل أحضانه الحانية وبات يزيدها بوابل من القبلات.
همهمت إليه صغيرته وهي تداعب وجهه بأناملها الصغيرة قائلة:
_ بابا.
ابتسم لها وتحدث بسعادة بالغة:
_ إيه يا جلب بابا وعجلة.
ثم وجه بصره لتلك الجالسة بوجه مبهم وملامح وجه جامدة وتحدث مستفهماً بنبرة ساخرة وهو يهم بالجلوس:
_ مالك يا مريم، جالبة خلجتك في وشي من امبارح ليه كده، زرعتيها مانجة طلعت بطيخ اياه؟
نفخت بضيق وتحدثت بنبرة تهكمية وهي تنظر أمامها متلاشية النظر لعينيه:
_ اطلع من نفوخي يا فارس وبلاش تبتديها معايا كده. أنا فيا اللي مكفيني ومنقصانيش تحطيم من حد ومنك انت بالذات.
ضيق عينيها مستغرباً حدتها وغضبها وتساءل باستفهام:
_ كل الموشح ده عشان جلت لك مالك، بتتلككي ولا إيه انتِ؟
نظرت له بعيون مشتعلة وتحدثت بنبرة شديدة الحدة:
_ أنا معتلككش يا فارس بيه ولا أحب المشاكل من أساسه. ولو إني بتلكك كنت فتحت لك تحجيج ليلة امبارح في اللي حصل منك قدام حريم النجع كلهم.
تساءل مستغرباً بنبرة تهكمية:
_ وإيه بقى اللي حصل ليلة امبارح يا ست مريم؟
ابتسمت ساخرة وأردفت قائلة بنبرة بائسة منكسرة:
_ لو مش حاسس باللي عملته فيا وتجليلك لجيمتي يبقى قلة حديث أحسن.
قالت كلماتها وأسرعت غاضبة باتجاه غرفتها وما أن دلفت حتى أغلقت بابها بحدة هزت جدران الشقة بأكملها.
كان ينظر إلى طيفها بشرود وملامح وجه مكشرة غير مستوعباً سبب غضبها.
ذاك نفض رأسه من تصرفات تلك المتعصبة ثم نظر لصغيرته وابتسم بوجهها ثم وضع قبلة وأردف قائلاً بنبرة دعابة:
_ أمك كان عقلها طار على الآخر يا جميلة. شوية شوية هتقولي الاهتمام ما بيطلبش يا فارس بيه.
وابتسم لطفلته وبات يدغدغها تحت ضحكاتها الطفولية التي تذهب عقله وتلهيه عن همومه التي قام بسجن روحه بداخلها منذ ما جرى.
غير عابئ بتلك الغاضبة التي تمكث بداخل حجرتها تبكي وتنتحب حظها السيء الذي جعلها مع ذاك الفاقد الحس.
***
داخل مدينة القاهرة.
وبالتحديد داخل مسكن مي صديقة دكتورة أمل.
كانت الفتاتان تتجاوران الجلوس فوق الأريكة وتتحدثان في أمور عملهما كطبيبتين ماهرتين.
أتت إليهما إيمان والدة مي والتي تبلغ من العمر خمسة وخمسون عاماً وتمكث بمفردها مع ابنتها داخل الشقة بعدما توفي زوجها منذ عدة أعوام.
اقتربت من جلستهما ووضعت الصنية التي بيدها فوق المنضدة وتحدثت بملامح وجه بشوشة:
_ عملت لكم شوية سندوتشات مع النسكافيه.
نظرت لها أمل وتحدثت إليها بنظرات شكر وامتنان:
_ مش عارفة أشكر حضرتك إزاي على تعبك معايا يا طنط.
وأكملت بنبرة خجلة:
_ مش كفاية إني اقتحمت عليكم الشقة ونزلت عليكم زي الباراشوت وغيرت لكم نظام حياتكم.
وجهت لها إيمان نظرات ملامة وتحدثت:
_ عيب يا بنت الكلام اللي بتقوليه ده، فيه واحدة بردوا تقول كلام زي ده لمامتها وأختها؟
وأكملت مفسرة:
_ وبعدين انتِ جيتي مليتي علينا البيت وونستينا بدل قعدتي أنا ومي لوحدنا كده طول اليوم.
أردفت أمل بنبرة شاكرة:
_ ميرسي يا طنط لذوق حضرتك وكرمك معايا.
وأكملت باستحياء:
_ على العموم أنا هروح بكرة أحجز في أوتيل علشان مش عاوزة أتعبكم معايا أكتر من كده.
اتسعت عينا مي وتحدثت بنبرة حادة:
_ إيه الكلام الأهبل اللي بتقوليه ده يا أمل، يعني إيه تحجزي في أوتيل وتروحي تقعدي فيه لوحدك؟
تنفست أمل عالياً وأردفت بتفسير خجل:
_ أنا مش حابة أتقل عليكم أكتر من كده يا مي، وخصوصاً إن لسه فاضل تلات أسابيع على افتتاح المستشفى اللي اتعينت فيها.
وجهت إيمان تسائلاً إليها:
_ هو انتِ بردوا لسه مصممة على موضوع سفرك للصعيد ده يا بنتي؟ ما المستشفيات الاستثماري مالية البلد وانتِ دكتورة شاطرة وألف مكان يتمناكِ، اشتغلي في أي مستشفى وإن كان على السكن أديكي قاعدة معايا أنا ومي.
وأكملت باعتراض:
_ ولو إني مش مع إنك تقاطعي مامتك بالشكل ده وخصوصاً إن ريماس قربت تتجوز من الدكتور اللي اسمه وائل ده كمان، ومامتك بكده هتكون وحيدة وأكيد هتحتاج لوجودك معاها.
انتفضت بجلستها وتحدثت بملامح وجه غاضبة وكأن أحدهم قد أشعل النيران في جسدها بالكامل:
_ أرجوكِ يا طنط بلاش تفتحي معايا الموضوع ده تاني.
وأكملت بابتسامة ساخرة:
_ وإن كان على ماما فمتحمليش همها، أنا أصلاً عمري ما كنت من أولوياتها، وأكيد عمرها ما هتحتاج لي في وجود بنتها الأقرب لقلبها، ده مش بعيد الدكتور يشتري لهم فيلا علشان يجمع فيها الأم الحنون وبنتها فائقة الجمال.
تنهدت مي بأسى على حال صديقتها وأيضاً إيمان التي تحدثت بهدوء كي تمتص غضب تلك المنكسرة:
_ طب إهدي يا بنتي، وحاضر مش هفاتحك في الموضوع ده تاني، بس اعملي حسابك انتِ مش هتخرجي من هنا غير على طيارة سوهاج.
_ مفهوم يا أمل؟
أومأت لها بوجه مبهم واستأذنت منهما وانسحبت إلى غرفتها المشتركة مع مي.
تحدثت إيمان بنبرة حزينة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، صعبانة عليا أمل أوي، بس كان نفسي تسامح أمها وترجع تعيش معاها بدل ما هي مسافرة الصعيد وهي مش عارفة إيه اللي ممكن يكون مستنيها هناك.
تنهدت مي ثم أجابتها بنبرة حزينة:
_ أمل معذورة بردوا يا ماما، اللي حصل لها على إيد الندل اللي اسمه وائل مش قليل بردوا، وتصرف أمها وأختها كان منتهي الخسة.
هزت إيمان رأسها بموافقة وصمتت.
أما أمل التي وما أن دلفت لغرفتها حتى تحركت إلى شرفة الغرفة ونظرت للسماء الصافية وبدون مقدمات نزلت دموعها تجري فوق وجنتيها بحرارة.
أسرعت بوضع كفيها وجففتهما سريعاً ورفعت قامتها بكبرياء رافضة ضعفها.
***
جاء المساء وتحدثت ورد إلى صغيرتها عبر الهاتف وابلغتها أنه يجب عليها النزول إلى الأسفل بصحبة قاسم لأخذ المباركة من جدتها وجدها ونيل رضاهما عليها.
وأملت عليها بأن تقوم بتجهيز صنية كبيرة وتضع عليها صحن كبير من الحلوى التي أُعدت سابقاً للعُرس، وبعض قطع الشيكولاتة والفاكهة كي تقوم بتقديمهم لأهل المنزل كحلوان لإتمام الزواج كما جرت العادة.
وأخبرتها بأنها ستبعث لها صابحة، تلك الفتاة التي تساعدها في القيام بأعمال منزلها.
أغلقت صفا معها وأخبرت قاسم بما أملته عليها والدتها وانساق لرغبتها رغماً اعتراضه على تلك العادات التي يرفضها جميعاً.
وذلك في محاولة منه لنيل كسب رضاها، وتحركا معاً للأسفل وخلفهما صابحة التي تحمل تلك الصنية بالنيابة عنها.
كان الجميع يجلس في بهو المنزل بانتظار هبوط العروسين لتقديم التهنئة لهما.
رفعت فايقة بصرها تتطلع على تلك التي تتدلى من أعلى الدرج بجانب زوجها الذي أنير وجهه وأصبح مشعاً بالحياة وكأنه تبدل منذ ليلة وضحاها، مما أدى إلى استغراب فايقة وبث قلقها.
لفت انتباهها أيضاً خلو يدي صفا من حلوى العُرس كما هو المعتاد.
رفعت قامتها لأعلى لتتفقد، وجدت عاملة ورد تتحرك خلفها تحمل عنها عبء الحامل.
لوت فاهها وتحدثت بصوت مسموع للجميع:
_ الدكتورة كأنها عم تتكبر على أهل جوزها ومهتعبرهمش من أولها.
انتبه الجميع إلى حديثها ثم قاموا بتوجيه نظراتهم لتلك صفا.
فتحدثت نجاة بهدوء:
_ متكبريش الموضوع يا أم قاسم، محصلش حاجة لكلامك ده.
تحدث عثمان بنبرة حادة:
_ ولما فايقة متكبرش المواضيع مين يشعلل البيت ويقومه حريقة يا نجاة!
نظرت إليه بعيون منكسرة وتحدثت بنبرة ضعيفة اصطنعتها خصيصاً كي تنال تعاطف الجميع:
_ هو أنا عشان بتكلم في الأصول والعادات أبقى أشعلل البيت وأولعه يا عمي؟
اقتربت منهم صفا وقاسم.
فوقف الجميع لاستقبالهم عدا الجد والجده.
تحركت إلى جدها ووقفت أمامه ثم مالت على كف يده وقبلته باحترام.
أما عثمان الذي كان يشعر براحة عجيبة بعدما تم زواجها بقاسم، بجانب شعوره الملّح بالحنين لها.
أمسك ذقنها وأجبرها على النظر داخل عينيها التي تتهرب من النظر داخلها.
نظرت له واستشفت من عينيه حنينه إليها وما كان منها إلا أنها ارتمت لداخل أحضانه بخجل فشدد هو عليها وتحسس بيده على ظهرها بحنان.
تنهدت براحة واستكانة وتحدث هو مباركاً بنبرة حنون:
مبارك يا بتي، عقبال ما أشوف عوضك.
ابتسمت له خجلاً وتحركت إلى جدتها لتأخذ مباركتها.
وتحرك هو إلى جده ونظر داخل عينيه بجمود فهو إلى الآن ما زال غاضباً منه ولم يتخطى إهانته السابقة له أمام صفا.
مد يده لمصافحته.
ابتسم عثمان بجانب فمه وتحدث بنبرة ساخرة مداعباً بها حفيده الأكبر:
_ طالع جلبك أسود كيف أبوك يا ابن قدري.
طالعه باستغراب فأكمل عثمان:
_ مهتنساش اللي حصل واصل رغم إنك اتأكدت بنفسك إن الخير كله في اللي أنا اخترتهولك بيدي.
ثم حول بصره إلى تلك الجميلة التي رمت حالها داخل أحضان جدتها وتحدث بحديث ذي معنى:
_ ولا إيه يا قاسم؟
أجابه بنبرة جامدة وأدب لم يتخطاه طيلة حياته معه:
_ معنديش أدنى شك في إنك رايد مصلحتي يا جدي، بس طريقة الترهيب والتهديد دي معجبهاش ولا عمري هنسى طريقتك المهينة لرجولتي قدام صفا.
أجابه الجد سريعاً:
_ وأهي بقت مراتك وسترك وغطاك، وبكرة تيجي وتشكرني وتقول لي ما أنساش معروفك اللي عملته فيا يا جدي.
ابتسم لجده بخفة.
أما صفا التي تحركت إلى فايقة ووقفت قبالتها ومدت يدها لمصافحتها تحت ملامح وجه فايقة الغاضب التي تحدثت إليها بنبرة ساخطة:
_ ده انتِ قاصدة تهنيني بقى يا ست صفا!
نظرت إليها باستغراب وتساءلت ببراءة:
_ أنا بهينك يا مرت عمي؟ حضرتِك بتقولي ليه كده؟
هتفت فايقة عالياً لتسمع الجميع بنبرة حزينة وعيون منكسرة مدعية البراءة:
_ أومال معناه إيه اللي عملتيه غير قلة استعانة منكِ ليا يا بتي؟
وأكملت بنبرة حزينة مصطنعة تستدعي بها تعاطف الجميع:
_ يعني لما تدلي عليا ليلة صباحيتك وتخلي خادمتك تقدمي لي صنية الكحك حلوان الفرح اللي المفروض انتِ اللي تقدميها لي بيدك، أفسرها بإيه؟
وأكملت:
_ ولا لما تسلمي علي وتتكبري تميلي على يدي لجل ما تاخدي رضاي عليكي زيك زي أي عروسة في النجع، يبقى اسمه إيه ده يا بتي؟
تحدثت صفا مداعبة عن حالها بنبرة بريئة:
_ أكيد مقصدتش اللي فهمتيه واصل يا مرت عمي، الموضوع ببساطة إن أمي بعتت صابحة لجل ما تشيل عني الصنية لأني مش متعودة على شيلها وخافت للصنية تقع من يدي.
طب وسلامك على، ده كمان أمك اللي جالت لك عليه ووصتك؟
كان هذا سؤال طرحته فايقة على صفا بنية خبيثة لتظهر للجميع فشل ورد في تربية ابنتها على الأصول المتعارف عليها.
وقفت متلبكة حائرة لا تدري بما تجيبها.
أنقذها فارسها الهمام متحدثاً برجولة:
_ متكبريش الموضوع يا أمي، مجراش حاجة لحديثك ده، صفا اتصرفت بعفوية وبعدين دي عادات فاضية كلها وملهاش لازمة.
انتفضت ليلي من جلستها وهتفت معترضة بنبرة حادة وقلب مشتعل:
_ وهي العادات دي هتيجي لحد صفا هانم وتبقا فاضية وملهاش لازمة؟ هي أحسن من مين يا قاسم، متعمل كيف ما كلنا عملنا.
تحدث عثمان موجهاً حديثه إلى ليلي بنبرة حادة:
_ متشعليلهاش يا بت قدري.
تحدثت ليلي بندية وهي تربّع يديها حول صدرها:
_ أنا مش شعّلالها يا جدي، أنا بتكلم في الأصول اللي انت بنفسك دايماً تعنفنا عليها وتنبهنا ليها!
تلبك عثمان أمام حديث تلك الشيطانة الصغيرة التي استغلت تعسف عثمان وتمسكه بالعادات والتقاليد لصالح والدتها.
أما يزن الذي يتألم داخلياً ويشتعل ناراً لأجل الموقف التي وضعت به صفا، ولكنه للأسف لا يستطيع التدخل لعدم افتعال المشاكل خصوصاً في حضرة جده وقاسم الذي أصبح مسؤولاً مسؤولية تامة عن حمايته.
لكنه هتف ناهراً ليلي بحدة كي يجعلها تكف أذاها عن ابنة عمه الرقيقة:
_ متدخليش حالك في كلام ميخصكيش يا ليلي.
ارتبكت من نظرة يزن المستشاطة والمحذرة لها وخشية غضبه عليها.
حين هتف قاسم هو الآخر إليها بنبرة حادة:
خليكي في حالك يا ليلي وإبعدي عن أي حاجة تخص صفا.
فتحدثت الجدة كي تفض الجدل الدائر:
_ صلوا على النبي يا جماعة.
ثم نظرت إلى صفا التي أخذت الحيرة والتشتت نصيبها وباتت تتلفت على الوجوه بتشتت.
تحدثت رسمية كي لا تدع لأحفادها فرصة التمرد على العادات المفروضة داخل عائلتها:
_ ميلي على يد حماتك وخذي رضاها يا صفا.
نظرت لها بجبين مقطب غير مستوعبة الجدل الدائر من حولها ولا حديث جدتها.
فأكملت الجدة بتأكيد:
_ دي الأصول يا بتي وانتِ بت زيدان النعماني، يعني سيد مين تفهم في الأصول زين.
تشتت داخلها وبلحظة أقبلت على كف يدها وأمسكت به.
أوقفها قاسم بهتافه الحاد لها حيث قال لمؤازرتها:
_ متعمليش حاجة انتِ مش حباها ولا رايداها لجل ما تتبعي تقاليد عامية يا صفا.
حولت بصرها سريعاً إليه ونظرت إليه بحيرة فأومأ لها بعينيه كي يطمئن روحها.
في حين تحدثت الجدة بتشبث كي لا يخترق نظام قبضتها الحديدية وتعطي مجالاً لأحفادها للثورة على كل ما هو مقدس بالنسبة لها:
_ مهينفعش يا قاسم، دي عادات وتقاليد بنحترم بيها بعضينا وورثناها عن جدودنا ولازم نحافظوا عليها ونحترموها.
أما عن قاسم الذي تحدث بقوة ودفاع مستميت عن زوجته هاتفاً وبحدة:
_ وأنا جلت مرتي مهتميلش على يد حد وتجلل من نفسها حتى لو كانت الحد دي هي أمي بذات نفسها.
وأكمل حديثه بحدة:
_ وكل ده ليه، عشان شوية عادات فارغة ملهاش لازمة غير إنها بتوقف النفوس من بعضيها؟
وللحظة شعرت بقوة لا تعلم مداها.
مشاعر جديدة عليها اجتاحت عالمها.
حماية، أمان، معنى جديد لمفهوم السند بعيداً عن غاليها زيدان.
نظرت لها فايقة بقوة وغضب.
أما عن رسمية التي توسلتها بنظراتها أن تفعل ما طُلب منها.
وبالأخير ضعفت أمام توسلات جدتها وتجنبت لافتعال وإثارة الجدل من البداية.
فأمسكت بكف يد فايقة وكادت أن تميل بقامتها لتضع مرغمة قبلة مفروضة عليها.
اتسعت عيناه ذهولاً من ما هي مقبلة عليه تحت سعادة ليلي وفايقة التي رفعت قامتها لأعلى بكبرياء وكأنها وبتلك الخطوة قد خطت بساقيها أولى خطوات تنفيذ انتقامها الأثم من ذاك الزيدان.
لم يدري بحاله إلا وهو يتحرك إليها جاذباً إياها بعنف قبل أن تميل برأسها لتطبع القبلة ولفها لتقابل وجهه وتحدث بنبرة حادة غاضبة:
_ معتسمعيش الكلام وتنفذيه ليه؟
وأكمل بإهانة لشخصها:
_ ولا انتِ كيفك كيف الباقية، بتعشقي الذل والمهانة كيف عنيكي؟
نظرت إليه بعيون تكاد تصرخ ألماً من إهاناته الحادة لها تارة، وتارة أخرى من ما يحدث لها في أول يوم تقضيه داخل هذا المنزل.
أما عثمان الذي كان يراقب تغيرات ملامح وجه قاسم الغاضبة بتمعن وينتظر رد فعله وكيف سيحمي صفا من تصرفات والدته البغيضة.
ولكنه بالتأكيد ما كان سيسمح لابنة غالية بالذل والمهانة والانكسار أمام صاحبة القلب الأسود المسماة بفايقة.
ابتسم برضا على تصرف قاسم وتحدث عثمان بنبرة حادة وهو يشير إلى الجميع ويسمح لهم بالجلوس:
_ لحد اهني وخلاص الحديث ومعايز حد يفتح خاشمه تاني.
وأكمل وهو يرمق فايقة بنظرات نارية قائلاً لها بتهديد:
_ فايقة، اللي حصل اليوم معايزهوش يتكرر واصل وإلا انتِ حرة في اللي هيجري لك على يدي.
ابتلعت فايقة لُعابها رعباً وهزت رأسها سريعاً بموافقة.
ثم وجه حديثه إلى رسمية قائلاً:
_ نادمي على البنات وجولي لهم يعملونا شاي يا حاجة.
كان قدري ومنتصر يشاهدان كل ما يحدث بصمت تام وذلك بعد ما تلقوا إشارات محذرة من عيني عثمان يبلغهم من خلالها بعدم التدخل وذلك كي يرى رد فعل قاسم لحماية ابنة غالية الذي وضعها أمانة بين يديه.
جلست وهي تبتلع غصة مريرة داخل حلقها من كلمات قاسم المهينة لشخصها.
نظرت فايقة إلى ولدها بنظرات مستعله وتحدثت بنبرة غاضبة وهي تقف:
_ تعالَ معايا يا قاسم،، عايزاك في موضوع مهم.
كان ما زال مسلطاً بنظراته إلى تلك التي أشعلت غضبه بعدم انصياعها إلى كلماته.
رمقها بنظرة غاضبة وبالفعل تحرك مع والدته متجهاً إلى الخارج ووقفا داخل الفيراندا وتحدثت هي بنبرة غاضبة لائمة:
_ أنا مهلومكش ولا هعاتبك على اللي حصل جوه وإنك نصفت بت ورد على أمك من أولها ونصروها علي، بس أنا معيزاش اللي حصل ده يحصل تاني.
هتف بها عالياً بنبرة حانقة:
_ أمي، أنا مطايجش حالي ومناقصني عويل،، جولي عاوزة إيه جوام خليني أدخل أعد شوية مع جدي عشان أطلع مطرحي لجل ما أرتاح.
اغتاظت من حديث ولدها المقلل من حديثها وكظمت غيظها ثم أخذت نفس عميق وأخرجته بهدوء كي تهدئ من روعها وتحدثت بتنظير:
_ انتَ جافل التلفون بتاعك ليه من أول امبارح؟
قطب جبينه باستغراب وتساءل مستفهماً:
_ وانتِ عرفتي منين إني جافلة؟
تحدثت بنبرة متعالية:
_ كلمت إيناس من النمرة اللي خدتها من عدنان أول امبارح لجل ما أطمن عليها، وهي اللي جالت لي واشتكت لي وما إن استمع إلى حديثها وكأنه صُعق من إحدى منافذ الكهرباء وتحدث سريعاً مؤنباً إياها بنبرة حادة:
_ وانتِ بتكلميها ليه من الأساس، هو انتِ بتدوري على المشاكل وخلاص، ولا ماليش مصيبة تحطيني فيها فبتخلقي لي مصيبة على كيفك؟
أجابته بنبرة هادئة:
_ متهدي عاد يا قاسم، هو كان جرى إيه يعني لزعابيبك دي؟
وأكملت بابتسامة شامتة:
_ هي مش هتبقى مرات ولدي هي كمان ولازم أطمن عليها حسب الأصول ولا إيه؟
اشعل داخله من حديثها المستفز وتحول بياض عينيه باللون الأحمر مما يدل على مدى اشتعاله وكاد أن يرد لولا استمعا كلاهما لصوت حمحمة زيدان الذي خرج لتوه من منزله وجلس فوق أريكته بداخل الفيراندا الخاصة بمنزله ويبدو على وجهه علامات الحزن والهم.
توجه إليه قاسم حديثه باحترام:
_ سلام عليكم، كيفك يا عمي؟
نظر له زيدان وأجابه بهدوء:
_ الحمد لله يا ولدي، كيفك انت وصفا؟
أجابه بهدوء وامتنان:
_ صفا بخير يا عمي الحمد لله، هي جوه قاعدة ويا جدي لو حضرتك رايد تشوفها.
بعدين يا قاسم، بعدين. جملة قالها زيدان بنبرة حزينة.
تحدثت تلك الشمطاء التي نظرت داخل عينيه وفهمت مغزى حزنه:
_ مبروك يا أبو العروسة، عقبال ما تشيل عوضها على يدك عن قريب إن شاء الله.
نظر لها وتحدث بنبرة باردة:
_ في حياتك يا أم قاسم.
خرجت إليه ورد تحمل صنية فوقها قدحان من مشروب القهوة ووضعتهما فوق المنضدة الموضوعة أمام زيدان الذي ابتسم لها بحنان وتحدث إليها:
_ تسلم يدك يا غالية.
ابتسمت له بسعادة تحت استشاطة فايقة وغليان صدرها بنار الغيرة التي تنهش داخلها وهي ترى سعادة ذاك الثنائي الذي لم تختفي أو حتى تقل درجاتها برغم مرور كل تلك السنوات.
نظرت ورد إلى قاسم وأردفت متسائلة بابتسامة:
_ صفا كيفها يا ولدي؟
أجابها بنبرة حنون جعلت داخل فايقة يشتعل أكثر:
_ زينة وبخير يا مرت عمي.
أجابته بنبرة حنون:
_ خلي بالك منها يا ولدي.
أجابها بنبرة حنون مطمئناً إياها:
_ في عيوني يا مرت عمي،، متشيليش همها واصل طول ما هي معايا.
وتحرك عائداً إلى الداخل وجلس بصحبة جده ما يقرب من النصف ساعة ثم اصطحب صفا وصعدا إلى الأعلى.
***
وما أن دلفا إلى مسكنهما حتى تحرك هو سريعاً إلى الأريكة وأرتمي بجسده عليها جالساً بإهمال وبدأ بهز ساقيه بطريقة حادة تدل على مدى انزعاجه.
نظرت إليه بترقب واقتربت من مجلسه وجلست بمقعد مقابل وأردفت باستفهام:
_ أنا مفهماش انت جايب وشك عليا وزعلان ليه كده؟
تساءل بنبرة حادة غاضبة:
_ صح معرفش زعلان ليه يا حضرة الدكتورة المحترمة؟
وأكمل بنظرة حادة:
_ زعلان عشان مكابرتك وعنادك ليا وصلوكي فإنك كنتِ حتتنازلي عن كرامتك وتطاطي على يد أمي وتحبي عليها لجل بس ما تكسري كلمتي.
جحظت عيناها وهي تنظر إليه مستغربة حديثه ثم أردفت قائلة بنبرة حزينة من ادعائه واتهامه لها بالباطل:
_ هي دي فكرتك عني وهو ده كل اللي فهمته من الموضوع!
وقف من جديد واقترب من وقفتها وتحدث متسائلاً بنبرة حادة:
_ اديني مبرر واحد يخليكي تعملي اللي عملتيه ده غير إنها مكايدة فيا!
تحدثت بدموعها التي لم تستطع التحكم بها فجرت على وجنتيها رغم عنها:
_ مبرري إني معيزاش مشاكل من أولها يا قاسم، بتتحدت ولا كأنك شفت اللي حصل بعينيك.
وأكملت بنبرة ملامة:
_ وبعدين كنت عاوزني أعمل إيه عاد وأنا شايفة مرت عمي كل همها تركبني الغلط وتظهر للكل إن أمي قصرت في تربيتي ومعلمتنيش الأصول زين، دي حتى جدتي لما وقفت في صفها ضدي!
أجابها بنبرة حنون متأثراً بدموعها:
_ بس أنا كنت معاكي وجلت لك لا يا صفا!
أجابته وهي ترفع كتفيها باستسلام قائلة بنبرة انهزامية قطعت بها أنياط قلبه:
_ خفت يا قاسم، لأول مرة أحس حالي وحيدة وأني بعيدة عن حضن أبوي وأمي.
وأجهشت بالبكاء وكأنها طفلة ذات الثلاث أعوام تفتقد لأمان والديها.
تحرك إليها سريعاً ولم يشعر بحاله إلا وهو يجذبها ويسحبها لداخل أحضانه ويلف ساعديه حولها ليشملها برعايته وهو يربت على ظهرها بحنان قائلاً بنبرة رجولية حانية:
_ وأنا رحت فين يا صفا،، أنا معاكي ومهسيبكيش واصل.
ومن العجيب أنها استكانت بداخل أحضانه بل وأطلقت لدموعها العنان وباتت تبكي وبشدة وكأنها كانت تحتاج لهذا العناق كي تخرج ما يؤلم صدرها وتطلق العنان لكل ما يؤرق روحها ويؤذيها.
كان يحتضنها برعاية ويهدهدها كطفلته البريئة ويهدأ من روعها.
شعور بالراحة اجتاح كيانه بقوة من مجرد عناقها البريء.
ود لو يتوقف بهما الزمن وتظل هكذا مستكينة هادئة بين أحضانه.
كان قلبه يدق بوتيرة عالية وما شعر بحاله إلا وهو يشدد من ضمته الاحتوائية لها باستماع روحي بعيد كل البعد عن الرغبة الجسدية.
وبعد مدة كانت قد هدأت من نوبة البكاء الحادة التي انتابتها وسيطرت عليها.
وبلحظة وعَت على حالها وكأنها كانت مغيبة وأخيراً استفاقت.
استغربت حالها وهي تتشبث بصدر قاسم ممسكة بتلابيب جلبابه وأستغربت أيضاً ضمته القوية لها وهدهدته الحنون وتلامسه الرقيق فوق ظهرها.
ابتعدت سريعاً وتحدثت وهي تنظر أسفل قدميها بنبرة خجلة متلبكة:
_ أنا، أنا آسفة، أنا معرفش عملت كده كيف!
كان ينظر لحيائها وخجلها الزائد عن الحد بإثارة واندهاش.
والحق يقال فقد أثارت داخله بحيائها الذي زاد من شغفه وتعلقه بها.
تحدث إليها بهدوء محاولاً تهدئتها:
_ إهدي يا صفا، محصلش حاجة لآسفك دي!
واسترسل حديثه بمداعبة لطيفة:
_ بتتأسفي عشان كنتِ جوه حضن جوزك؟
وتحرك باتجاهها مقترباً عليها.
أما هي فارتاعت وارتجف جسدها من نطقه لتلك الكلمات التي طالما حلمت بتحقيقها.
وتحدثت إليه بتلبك وارتباك واضحان وهي تتراجع للخلف سريعاً متهربة:
_ أنا نعسانة وهدخل أنام.
أجابها سريعاً وهو يمسك كف يدها ويحثها على التوقف:
_ خلينا قاعدين مع بعضنا كمان شوية.
نظرت لداخل عينيه وتاهت في سحرهما.
ابتلعت سائل لُعابها بتوتر ظاهر له ثم أومأت له بموافقة وكأنها مسيرة.
سحبها من يدها وأجلسها بهدوء فوق الأريكة وتحدث بنبرة حماسية:
_ اجعدي اهني وأنا هروح أعملك أحلى صنية تسالي هتشوفيها في حياتك، وأرجع لك لجل ما نشوف فيلم سوا.
***
داخل غرفة قدري وفايقة.
كانت تخرج من المرحاض لتستعد لغفوتها.
دلف إليها قدري وتحدث إليها بنبرة لائمة:
_ وبعدهالك عاد يا فايقة، بادية الحرب انتِ وبتك على بت زيدان بدري ليه آكدِة؟
تحدثت إليه بنبرة حقودة:
_ أنا اللي بدأتها يا قدري ولا مقصوفة الرقبة بت ورد اللي جاية تتكبر وتتأمر علي من أولها؟
هدي اللعب شوية يا فايقة،، أنا ما عايزش مشاكل ويا زيدان من أولها، زيدان لو بتُه اشتكت له ما يسكتش وهيقوم البيت حريقة.
وأكمل بنبرة حقودة:
_ أنا خابرة وخابر طبعه العفش زين، هو يبان كيف البسة الهادية، بس لحد بتُه هيجلب أسد وهيبلعنا كلياتنا.
ثم تحدث إليه بجبين مقطب:
_ وبعدين انتِ مالك ومال البت، إحنا مش نولنا غرضنا وابنك اتجوز بت زيدان وبقت في يده هي وكل مال وحال أبوها، عاوزة إيه تاني يا ولية؟
دي أمور وشغل حرب مليكش صالح بيها يا قدري، وخليك في حالك بعيد عني. جملة غاضبة هتفت بها فايقة وهي تتحرك إلى فراشها لتستعد للنوم.
تحرك إليها وأمسك يدها متحدثاً بنبرة حنون:
_ لساتك زعلانة مني؟
نفضت يده بحدة وتحدثت بفحيح:
_ اياك تكون فاكر إني هعدي لك اللي عملته فيا بالساهل كده؟
وأكملت بتهديد:
_ تبقى غلطان ومسكين ولساتك متعرفش مين هي فايقة النعماني.
أجابها بنبرة جامدة:
_ ما خلاص يا مرة عاد، هو كان جرى إيه لزعلك ده كله، ضايجتيني بالحديث وحرجتي دمي وأدبتك وإنتهي الموضوع.
جحظت عيناها وصاحت بنبرة حادة:
_ أدبتني؟ ليه يا واد عتمان، كنت شايفني ناقصة تربية ولا ناقصة ترباية لجل ما تأدبني؟
أجابها بنبرة غاضبة:
_ وهي الحرمة اللي تمنع حلال ربنا عن جوزها من غير أسباب تبقى إيه غير إنها ناقصة تربية يا واكلة ناسك؟
وأكمل بعيون تقطر غل وحقد:
_ والمُرة اللي تتحدث عن أخو جوزها بالطريقة اللي اتحدثتي بيها عن زيدان تبقى إيه يا بت سنية؟
ارتبكت من نظراته ونبرة صوته التي لا توحي بالخير ولا تنذر به.
فأرادت أن تمتص غضبه لتقي حالها شر اللامحدود والتي تعرفت عليه منذ القريب.
وأقتربت منه بذكاء وتحسست صدره بدلال وبنبرة أنثوية تحدثت:
_ لساتك بتغيري لحد دلوقتي يا قدري؟ للدرجة دي بتحبني يا واد عمي؟
وما كان من ذلك الأبلة غير الانصياع لألاعيب تلك الشمطاء وجذبها بشدة عليه وتحدث بقوة وخشونة:
_ تعرفي يا فايقة لو عملتي كده تاني،، وعزة جلال الله لدفنك مطرحك.
ابتسمت له بدلال ورمت حالها داخل أحضانه وشدد هو عليها تحت نفورها واشمئزازها منه وتحت سعادة ذاك الأبلة عديم الحس والإحساس.
***
كانت تجلس بجانبه فوق أريكتهما تتناول حبة الفستق الذي جلبه لها من داخل المطبخ مع بعض المسليات الأخرى ليستكملا سهرتهما.
نظر لها وتحدث بنبرة حنون ليطمئن عليها:
_ بجيتي زينة دالوقت؟
هزت رأسها إليه خجلاً وأجابته بهدوء:
_ الحمد لله، بجيت أحسن.
نظر لشفاهها الكنوز وامتلاءها الشهي وتحدث بمراوغة:
_ تعرفي إن البكا زادك جمال.
ارتبكت بجلستها وفتحت فاهها بطريقة أثارت جنونه فتحدث بنظرات مسحورة:
_ انتِ حلوة جوي يا صفا.
واقترب منها، وضع كف يده متحسساً كفها الرقيق برغبة تملكت منه رغماً عنه رغم محاربتها.
ارتعب جسدها ثم انتفضت من جلستها واقفة وتحدثت بتلبك وهي تفرك كفيها ببعضهما:
_ أنا نعست وداخلة أنام.
وأسرعت إلى الداخل تحت استشاطة مشاعره وتشتتها.
وما كان منه إلا أن تتبعها ذاهباً خلفها كالتابع المسحور.
دلف عليها وجدها تجهز فراشهما كي تخلد إلى النوم.
لم يكن يشعر بحاجته إلى النوم ولكنه لم يستطع الجلوس بعيداً عن حضرتها التي ما عاد يشعر باستكانة روحه إلا بجوارها.
فتحدث إليها وهو يتمدد فوق الفراش ليستعد لمجاورتها:
_ أنا كمان نعست وهنام.
ابتلعت لعابها حين وجدته ينزع عنه ثوبه العلوي ويلقيه بإهمال فوق المقعد المجاور وظهر أمامها عاري الصدر تماماً بمظهر جعل جسدها ينتفض خجلاً.
انتفض داخلها وتراجعت للخلف سريعاً بعدما كانت تمسك بطرف الفراش لتتمدد عليه، وصاحت بنبرة مرتبكة حادة:
_ انتَ بتعمل إيه يا قاسم؟
أجابها بابتسامة فخر وهو يرى تلبكها بعينيها:
_ هكون بعمل إيه عاد،، بجهز حالي للنوم.
إكدة؟ كلمة نطقتها باستهجان وهي تشير إليه بعيون خجلة.
فأجابها ببرود:
_ وماله يعني كده، عجبه كده؟
ثم إني مبعرفش أنعس ومعيجليش نوم وأني لابس هدومي.
هتفت قائلة بنبرة معترضة:
_ وأنا مهينفعش أنام جارك وانت كده.
أجابها بنبرة تهديدية مصطنعة:
_ اتمسي يا صفا وخلينا ننام في ليلتك اللي مفهاش دي.
جذبت وسادتها بحدة بالغة وتحدثت بنبرة غاضبة حادة وهي تتجه إلى باب الغرفة:
_ أقولك، اشبع بسريرك وبالأوضة كلها وأنا هنام على الكنبة بره.
انتفض من جلسته وقبل أن تضع يدها على مقود الباب كان قد سبقها هو واضعاً يده عليه ليمنعها من الخروج وقال متراجعاً:
_ خلاص متبقيش حمقيه كده،، تعالي وأنا هلبس التيشيرت تاني.
كانت واقفة تنتفض بفضل قربه المهلك منها هكذا، فقد كان يحاوطها بجسده العريض محتجزاً إياها بين جسده والباب، عاري الصدر، مرتدياً بنطال فقط لا غير.
أما رائحة عطره الممتزجة برائحة جسده فحدث ولا حرج، فقد تغلل عطره المميز إلى أنفها فأصابها بحالة من الاضطراب وعدم التوازن.
أردفت قائلة بنبرة مرتبكة وما زالت مولية إليه ظهرها:
_ ممكن تبعد شوية لجل ما أفوت.
ابتسم برجولة وتحدث وهو يفسح لها المجال مشيراً لها بكف يده قائلاً بجاذبية مهلكة للمسكين قلبها:
_ اتفضلي.
تحركت للداخل ومال هو على قطعة الملابس الخاصة به وألتقطها من فوق المقعد وشرع بارتدائها من جديد ثم تمدد بجوارها وتحدث إليها وهو يشير إلى حاله بتساؤل مداعب:
_ حلو كده يا حضرة الناظرة.
ابتسمت خجلاً ثم وضعت وسادة وسط الفراش مما استدعى غضبه، لكنه فضل الصمت وعذر تصرفها.
وتمددت هي واضعة رأسها فوق الوسادة وهي تنظر له خجلاً.
جاورها هو الآخر وبات يسترق النظر من بعضهما لوقت طويل ونار الاشتياق تتغلل روحيهما معاً مما جعله يستغرب حاله، لكنه فسره على أنه اشتياق ذكر لأنثاه الذي تذوق شهدها فأستطعمه منها وأراد تجرع المزيد.
وبالنهاية وقعا كلاهما صريعاً للنوم بعد تفكير دام لساعات وساعات.