تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
الفصل 17 — رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السابع عشر 17 - بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السابع عشر 17 - بقلم روز امين
صباح اليوم التالي
***
في مطبخ سرايا عثمان النعماني، تقف كل من فايقة ونجاة ومريم وليلى، يعدن طعام الإفطار لأهل المنزل بمساعدة العاملات.
دخلت إليهن رسمية وتطلعت عليهن قائلة بتعجل:
_ إعملي لك هِمه شوي منك ليها، الرجال كلهم فاجو من النوم وجاعدين برة في المندرة مستنيين الفطور.
تحدثت نجاة بنبرة طائعة كعادتها:
_ حاضر يا مرت عمي، جربنا نخلص أهو.
وجهت رسمية حديثها إلى فايقة التي ترص الفطائر وتضعها في الصواني الخاصة لتجهيزها للتقديم وتساءلت:
_ عملتي حساب العرسان وياكي في المشلتت يا فايقة؟
أجابتها فايقة بنبرة ساخرة:
_ الست ورد بعتت خدامتها لجل ما تخبرنا إنها عاملة للهانم بنتها الفطار والغدا والعشا السبوح كلياته.
هتفت ليلى بنبرة ساخرة:
_ كأنها خايفة لنسمموها في الوقت.
قالت كلماتها المتهكمة ثم قامت بإطلاق ضحكة ساخرة.
رمقتها رسمية بنظرة حادة كالصقر ألجمتها وجعلت الدماء تهرب من وجهها، ثم نهرتها بقوة قائلة:
_ إجفلي خاشمك اللي ما بيطلعش غير كل سو ده، وبدل ما إنتِ قاعدة تتمسخري على مرت أخوكِ، روحي شوفي جوزك متغير ليه بجاله مدة ومادد بوزه جدامه يا جي شبرين.
ثم رمقت فايقة بنظرة نارية قائلة:
_ وإنتِ يا ست فايقة، بدل ما إنتِ شاغلة حالك وحاشرة منخيرك في حياة الخلق، علمي بنتك كيف تعامل جوزها وتخليه نازل خلقته بتضحك كيف خلق قاسم امبارح.
ثم اتجهت ببصرها إلى نجاة وتحدثت متجاهلة فايقة:
_ رصي فطرتين وجزازة حليب طازة وإبقي شيعيهم مع حسن للعرسان لما يفوجوا يا نجاة.
هتفت مريم قائلة بنبرة صوت حماسية:
_ أنا هطلعهم بنفسي لجل ما أشوف صفا لتكون محتاجة لحاجة يا جدتي.
ضحك سن رسمية وتحدثت باستحسان إلى ابنة نجلا الهادئ:
_ جدعة يا مريم، أصيلة كيف أمك يا بتي.
انفرجت أسارير مريم باستحسان لمدح جدتها لها، وأيضًا نجاة التي سعد داخلها. في حين لوت فايقة وليلى فاههما باعتراض وتهكم.
أما رسمية فعادت ملامح وجهها مكفهرة من جديد وأكملت بنبرة حادة:
_ هموا يلا وطلعوا الفطور على السفرة.
وتحركت إلى الخارج، في حين همست ليلى إلى مريم التي تجاورها الوقوف وتساءلت بطريقة تهكمية:
_ إنتِ إيه حكايتك إنتِ كمان يا ست مريم ويا المدعوجة بت ورد؟
وأكملت:
_ يوم الحنة تجفي إنتِ وهي تتسايروا لحالكم في المطبخ، وصباحية الفرح تاخدي بنتك وتروحي دار ورد لجل ما تساعديهم، مع إن كان من الواجب إنك تجفي ويا حماتك، مش ورد!
تنهدت مريم بأسى وتحدثت بنبرة مهمومة وبرائة:
_ اسكتي يا ليلى، ده أنا من وقت ما اتحدت ويا صفا يوم الحنة وأنا زعلانة من حالي جوي.
ثم نظرت لتلك التي قوست فاها متعجبة وأسترسلت بنبرة خجلة حزينة:
_ ده إحنا طلعنا وحشين وجلوبنا جاسية جوي يا ليلى، ظلمنا صفا وعاجبناها على حب جدودنا ليها وهي ولا ليها أي ذنب في كده.
نظرت لها ليلى بنظرات مقللة وتحدثت بطريقة تهكمية:
_ وإيه كمان يا نواعم!
وأكملت بنبرة حقودة في محاولة منها لبث سمها كي تستحضر حقد مريم على صفا من جديد:
_ جوام نسيتي إن بضحكتها خطفت مني الراجل اللي كنتِ تعشقيه وتموتي عليه!
تلفتت مريم سريعًا حولها بعيون زائغة خشيةً من أن تكون أحدهن قريبة فتستمع إلى ذاك الحديث الخطير. حمدت الله عندما وجدت المطبخ خالي، حيث تحركن جميعهن للخارج مصطحبات الأطعمة.
حينها هتفت بنبرة حادة صارمة:
_ عيب عليكي الحديث اللي بتجوليه دي يا ليلى، أنا دلوقتي على ذمة راجل والراجل ده يبقى أخوكي اللي المفروض تحافظي على هيبته وعرضه أكتر مني أنا شخصياً.
رمقتها بنظرة ساخطة وتحدثت باستخفاف:
_ وه، وأنا كنت عملت إيه لجل ما تسمعيني الموشح دي كلياته يا ست مريم، الحج عليا إني بفكرك بحقدها هي وأمها ومش عايزة تتغشي في ألاعيبها ووش البراءة اللي بتلبسيهولنا طول الوقت؟
تنهدت مريم بأسى لحقد ليلى الدائم على صفا وتأكدت أنها لن تتراجع عن عدم محبتها لها، فتحركت للخارج مصطحبة صحن مليء بالبيض لرصه على سفرة الطعام.
***
ذهبت رسمية إلى منزل زيدان كي تطمئن على صغيرها التي شعرت بغصته ومرارته، ومن غيرها تشعر بقلب صغيره.
دلف إلى المنزل وجدت ورد تخرج من المطبخ تحمل بين يديها صنية كبيرة مرصوص فوقها صحون مليئة بالأطعمة المتنوعة، كانت تذهب بها إلى حجرة الطعام لترصها بعناية فوق سفرة الطعام.
تحدثت رسمية ولأول مرة بنبرة حنون إلى ورد:
_ صباح الخير يا بتي.
انتفض داخل ورد بسعادة حين رأتها أمامها وأردفت قائلة بترحاب عال:
_ يصبّحك بالهنا يا مرت عمي، اتفضلي.
تساءلت باهتمام:
_ وينه زيدان يا ورد، من يوم دُخلة صفا مشفتش وشه؟
صاحت ورد بصوتها إلى العاملة التي أتت مهرولة وناولتها ورد الصنية قائلة بنبرة رحيمة:
_ خدي الصحون وروحي رصيها على السفرة يا صابحة وهاتي باقي الوكل، وجهزي سفرة مليحة تليق بالحاجة رسمية لجل ما تفطري مع الحاج زيدان.
تحركت العاملة إلى الداخل، ثم حولت ورد بصرها إلى والدة زوجها وتحدثت بأسى:
_ والله يا مرت ما عارفة أقول لك إيه، زيدان من وقت ما سلم البت لقاسم وهو حزين وشردان وكأنه في ملكوت لوحده، حابس حاله في البيت وما خرجش من وقتها لحد دلوقتي.
تحدثت رسمية متسائلة:
_ هو فين دلوقتي؟
أشارت لها ورد إلى باب الحجرة وتحركت أمامها وفتحت الباب وتحدثت لذاك الممدد فوق تخته ينظر إلى سقفها بشرود وذقن نابت:
_ مرت عمي جاية تفطري وياك يا زيدان.
انتفض من نومته وجلس معتدلاً يعدل من هيئته وتحدث منادياً على والدته التي تقف خلف الباب لتعطي له المجال ليعتدل كما الشرع والدين:
_ ادخلي يا حاجة.
دلف وأنتفض هو واقفًا ومال على كف يدها وقبلها باحترام. وضعت كف يدها الحنون على رأسه تتحسس شعره بحنان ورعاية وتحدثت بنبرة متأثرة:
_ كيفك يا ضي عيني؟
أجابها بنبرة حانية:
_ بجيت زين لما شفتك يا أما.
أرادت ورد أن تعطي لهما المجال لينفردا بحالهما كأم وولدها ويتحدثا بأريحية فأردفت قائلة بانسحاب:
_ أنا هروح أجهز الفطور لجل ما تفطري ويا مرت عمي.
خرجت وأوصدت خلفها الباب، حين جلست رسمية على طرف الفراش وجاورها زيدان وتساءلت هي باهتمام:
_ حابس حالك وعامل في نفسك كده ليه يا زيدان؟
أجابها بنبرة حزينة:
_ ما بقدرش أتجبل فكرة إن بنتي خلاص مبقتش معايا في داري يا أما، إحساس عفش جوي وأني بسلمها بإيدي لراجل تاني.
ضحكت وأردفت قائلة بدعابة كي تخرجه مما هو عليه والتي تعذره عليه بالتأكيد:
_ كنا بعناها إياك يا ولدي، البنت اتجوزت على سنة الله ورسوله وسلمتها بيدك لزينة الشباب، ولو خايف عليها من الزمن فطمن جلبك، قاسم راجل صح تربية جده عتمان.
وقفت وأمسكت يده لتحثه على التحرك قائلة بنبرة عالية:
_ جوم يلا معايا نطلع نفطر سوا ويا مراتك وبعدها ادخل احلق دجنك دي واسبح لجل ما تروح لبتك اللي عمالة تسأل عليك وتبارك لها.
وبالفعل خرج معها وجلسا بصحبة ورد يتناولون فطورهم.
***
تملل ذلك الغافي وفرد ذراعيه وهو يتمطى براحة، ثم فتح عينيه سريعًا حين تذكر وضعه الحالي، كي ينظر إليها ويشبع حاله من النظر إليها ككل أيامه السابقة.
أصيب بإحباط حين وجد مكانها خاليًا وأنتفض ليبحث عنها كمن فقد أغلى جواهره. وجه بصره إلى المرحاض وجد الضوء مطفئًا مما يدل على عدم وجودها.
ساقته قدماه إلى الخارج وهو يتلفت هُنا وهناك باحثًا بعينيه عنها، وأخيرًا تنهد براحة حين وجدها تقف أمام الموقد تصنع طعام الإفطار.
ما أجملها وما أبهاها، كانت ترتدي منامة هادئة ناعمة كقلبها وتفرد شعرها المصفف بعناية خلف ظهرها. أخذ نفسًا عميقًا حتى يستطيع السيطرة على مشاعره وانفعالاته التي ثارت عليه مؤخرًا.
تحمحم كي لا يفزعها، التفت بجسدها ونظرت إليه بترقب بعينيها الساحرة التي أنعشت روحه وبثت الطمأنينة إلى قلبه.
حين تحرك هو حتى اقترب منها وتحدث بنبرة صوت متحشرجة بفضل النوم:
_ صباح الخير.
ردت عليه الصباح بنبرة هادئة فسألها:
_ إيه اللي مصحيكي بدري كده؟
أجابته وهي تحرك الملعقة يمينًا ويسارًا داخل قدر الأرز بالحليب التي تعده:
_ أنا متعودة على الصحيان بدري، قلت أقوم أعمل طبجين رز بحليب نفطر بيهم.
وقف بجانبها ثم أمال بجزعه مقتربًا برأسه نحو القدر وأشتم بانتشاء رائحة التي تطهوه وتحدث مغمض العينين باستمتاع:
_ يسلااااام على ريحة الفانيليا مع الحليب، حلوة جووووي.
ثم تطلع عليها بعيون تتفحص كل إنش بوجهها وتحدث بنبرة حنون وهو يقترب منها:
_ تسلم يدك.
انتشى داخلها بسعادة من كلماته الحنون لكنها تلربكت من قربه وابتعدت قليلاً بتوتر وخجل ما زاده بها إلا نشوة وإثارة.
استمعا إلى جرس الباب، تحمحمت هي وقالت:
_ هروح أشوف مين اللي على الباب.
أوقفها صوته الجهوري وتحدث قائلاً بنبرة حادة:
_ وقفي عندك.
توقفت واستدارت له فتحدث بنبرة غائرة وهو يشير إلى منامتها وشعرها المفرود على ظهرها:
_ بتفتحي الباب وإنتِ كده!
تحدثت إليه نافية:
_ لا طبعًا، أنا كنت هدخل أوضة النوم ألبس الإسدال.
أجابها وهو يتحرك في طريقه إلى الباب:
_ أنا هفتح وإنتِ كملي اللي بتعمليه.
فتح الباب ففوجئ بمريم التي تحمل بين يديها صينية وتحدثت باحترام:
_ صباح الخير يا قاسم.
أجابها بنبرة هادئة وملامح وجه بشوش:
_ صباح النور يا مريمو.
أشار لها بكف يده في دعوة منه للدخول:
_ ادخلي واقفه ليه.
تحدثت وهي تدلف بساقيها:
_ عروستنا الجمر وينها؟
أشار لها إلى المطبخ ودلف هو إلى غرفة المعيشة كي يعطي لهما المجال للتحدث بأريحية.
وضعت مريم الحامل فوق رخامة المطبخ واحتضنت صفا التي سعدت كثيرًا واطمأنت بذلك العناق التي شعرت بحنان مريم من خلاله.
تحدثت مريم بوجه بشوش:
_ كيفك يا صفا، ناقصك أي حاجة أعملها لك؟
أجابتها صفا بسعادة تكاد تنطلق من عينيها:
_ تسلميلي يا مريم، ربنا يخليكي لي.
نظرت مريم على القدر الموضوع فوق الموقد وتساءلت:
_ إنتِ عاملة رز بحليب، ده أنا جايبالك حليب طازة جدتك بعتهولك معايا.
أجابتها صفا بهدوء:
_ تسلم يدك ويد جدتك، الحليب ده أمي شيعتهولي عشية مع صابحة.
تحمحمت مريم ثم تساءلت باهتمام:
_ هو أنتِ صح بتشتغلي في المستشفى بعد إجازة شهر العسل ما تخلص يا صفا؟
أجابتها صفا بتأكيد:
_ أكيد هشتغل يا مريم، أومال أنا كنت بدرس الطب سبع سنين لجل ما أقعد بعدها في البيت؟
تنهدت مريم بأسى ثم تحدثت بعدما ظهر الحزن داخل مقلتيها:
_ يا بختك يا صفا، بتخرجي وبتشوفي خلق جديدة غير الخلق اللي هنشوفها كل يوم.
وأكملت بنبرة حزينة:
_ ده أنا من كتر الحابسة اللي أنا فيها بحس إن الحيطان بتطبق على قلبي تخنج روحي وتطلعها.
نظرت صفا لحزن عينيها بتمعن ثم تحدثت بنبرة حماسية:
_ بجولك إيه يا مريم، ما تحبيش تشتغلي معايا في المستشفى؟
اتسعت عينا مريم وتحدثت بملامح وجه سعيدة متعجبة:
_ أنا، وأنا أشتغل إيه وياكي يا صفا، طب إنتِ دكتورة وهتعالجي العيانيين، ويزن أخويا ماسك المدير المالي للمستشفى، أنا بجا هعمل إيه في وسطكم!
ابتسمت لها وتحدثت:
_ إنتِ خريجة خدمة اجتماعية والمجال ده هنحتاجه في المستشفى، المهم إنك موافقة من حيث المبدأ.
قوست مريم بين حاجبيها وتساءلت بوجه عابس:
_ وتفتكري جدك ولا فارس ولا حتى فايقة مرت عمك هيوافقوا على شغلي بالسهولة دي؟
ردت عليها مطمئنة إياها:
_ موضوع موافقة جدك دي سيبها عليا، وأظن إن من بعد موافقة جدك مفيش حد هيقدر يعترض.
طارت مريم من شدة سعادتها وما شعرت بحالها إلا وهي تلقي بحالها لداخل أحضان تلك الحنون وكأنها تحتاج لعناق من أحدهم ليشعرها بالأمان. شعرت صفا بالاحتياج الضروري لمريم لذاك الاحتضان، فحاوطتها بساعديها برعاية وشددت من احتضانها، مما جعل مريم تطلق تنهيدة براحة وبدأت تلوم حالها وتجلد ذاتها على تعاملها السيء غير اللائق بتلك رقيقة الحس والمشاعر.
***
بعد مرور ساعتين كانت ترتمي داخل حصنها المنيع والذي هي أكيدة من أنه لا يقارن ولن يوجد له شبيه. تشدد من احتضانها له، واضعة أنفها بصدره تنتشي رائحة جسده التي تفوق أعلى وأغلى العطور الفرنسية بالنسبة لها.
وما كان حاله بأقل من غاليته، فكان يحاوطها بذراعيه مشددًا عليها داخل أحضانه الحانية ليُشبع حنينه إليها.
كان يقف مقابلًا لهما وتجاوره رسمية وورد وصابحة التي وضعت الأشياء الكثيرة التي أحضرها زيدان لصغيرته، ثم تحركت للأسفل.
نظر يتأمل تلك العلاقة الصحية التي تتسم بالإنسانية والمحبة والاحترام.
تحدثت لائمة من داخل أحضانه التي اشتاقتها بجنون:
_ يا جلبك يا أبوي، هانت عليك صفا تسيبها كل دي من غير ما تاخدها في حضنك كيف كل يوم وتطبطب عليها!
ضحكت رسمية وتحدثت وهي تربت فوق كتف قاسم بفخر:
_ وهتعملي بيه إيه حضن زيدان في وجود حضن جوزك يا دكتورة.
نزلت كلمة جدتها على قلبها أحرقته وتحدثت بقلب منكسر انهدمت أحلامه:
_ حضن أبوي ملوش بديل ولا ليه زي، مافيش في الدنيا كلها حد ممكن يعوضني عن حضن وحنان أبوي.
نزلت كلماتها على قلب ذاك الواقف زلزلته وألمته، حدث حاله لائمًا: ألهذه الدرجة لم أعد أعني لها، ألهذا الحد ألمتك أنانيتي صغيرتي، لا تحزني حبيبتي، سأعوض قلبك الصغير وسأنسيكي كل ما تسببت لك به من آلام، فقط اصبري!
أما زيدان الذي أخرج عزيزة أبيها من داخل أحضانه ثم احتضن وجنتيها بين كفيه برعاية وأردف قائلاً بنبرة تشع حنانًا:
_ كيفك يا روح جلب أبوكي، زينة؟
انفطر قلبها وكادت أن تصرخ لأبيها تشتكيه مرّ زمانها وما صنعت الأيام بها. تمالكت من حالها وتنفست عاليًا لضبط النفس ثم أجابته بنبرة صوت مختنقة محتقنة بالآلام:
_ بجيت زينة بشوفتك يا حبيبي.
انتفض داخله ودقق النظر داخل عينيها راصدًا آلامها وتحدث إليها بنبرة قلقة:
_ مالك يا صفا، فيكي إيه يا نن عين أبوكي؟
وبلمح البصر رمق قاسم بنظرة حادة كالصقر وتحدث وهو ينظر إليه:
_ فيه حد عمل لك حاجة ولا زعلك؟
ارتبكت من حدة صوت أبيها وتحدثت سريعًا بتلبك:
_ لا يا أبوي محدش مزعلني.
ثم نظرت لداخل عينيه وأردفت قائلة بنبرة حنون متأثرة:
_ أنا بس اللي اشتقتلك يا حبيبي.
ابتلع قاسم لعابه متأثرًا ثم أردف قائلاً بنبرة دعابة كي يخرجه من حالته تلك:
_ صلي على النبي أومال يا عمي، إنتَ جاي تهدي النفوس بيني وبين مرتي ولا إيه؟
انتفض قلبها وانتش في استماعه للقب زوجته منه، كم كانت تعشق كل ما به وتتمناه. لقد وصلت في عشقه لأقصى درجاته وأصبحت متيمة بحلاوة عشقه المر، كاللعنة غرامه أصاب قلبها البريء بسهم مسمم بداء الهوى، فلا هي التي تنعمت بأحضانه وذابت، ولا هي التي تقوى على تركه والابتعاد.
ضحكت ورد ورسمية وابتسم له زيدان الذي تحرك إلى الأريكة ساحبًا طفلته معه وجلس وأجلسها وسحبها بين أحضانه مردفًا بدعابة مماثلة:
_ مش لازم أدبح لك الجطة من أولها كيف ما بيقولوا لجل ما تخشي.
ضحك قاسم وتحدث بدعابة جديدة على شخصه استغربها الجميع:
_ طول عمري أسمع إن الجطة دي الراجل اللي بيدبحها لمرته لجل ما تخشاه وتسمع حديثه، لكن أول مرة أعرف إنها بتدبح من الحمى.
تساءلت رسمية إلى قاسم بدعابة مماثلة:
_ وإنت بجا دبحت لصفا البسة يا قاسم؟
حول بصره لتلك التي تنظر عليه من بين أحضان والدها الحنون تختبئ داخلها وكأنها طفلة العاشرة، وتحدث بنبرة حنون مادحًا إياها بفخر:
_ مش صفا زيدان اللي يدبح لها الجطة يا جدة، اللي كيف صفا في أخلاقها وأدبها تتشال على الراس وتتحط جوة نِن العين.
اهتز داخلها من استماعها لشهادته في حقها حين انفجرت أسارير الجدة وشعرت كم كان عتمان محقًا حين قال لها أن قاسم متمرد شارد عن أصله ولن يعود إلا بقوة ناعمة، ولم يرى حوله أقوى من تلك الشرسة الناعمة التي استطاعت من خلال أيام قليلة أن تجعل منه شخصًا ولأول مرة يعبر عن مشاعره تجاه أحدهم.
أما زيدان الذي اطمأن قلبه على صغيرته ووجه حديثه الشاكر إلى قاسم قائلاً:
_ تعيش ويعيش أصلك يا ولدي.
تحركت ورد وهي تمسك بيدها بعض علب الحلوى الكرتونية التي مازالت موضوعة فوق سفرة الطعام واردفت قائلة:
_ هدخل أعمل لكم حاجة تشربوها وأجيب لكم جاتوه.
***
في القاهرة، كانت تجلس فوق مقعد مكتبها الصغير المتواجد داخل غرفتها المتواضعة، واضعة نظارتها الطبية التي ترتديها لأجل العمل حفاظًا على نظرها، تعمل على جهاز الحاسوب الخاص بها كآلة عمل لا تتوقف أبدًا كي تلهي حالها عن حالة الغيرة والغضب التي تملكتها من عدم مهاتفة قاسم لها منذ ليلة الحنة.
دخلت إليها والدتها دون استئذان وتساءلت بنبرة حادة استهجانية:
_ البيه لسه برضه متنيل قافل تليفونه وما كلمكيش؟
زفرت بضيق شديد من طريقة والدتها المستفزة التي جعلت الدماء تغلي بعروقها وتحتد أكثر وهي بالأساس تحاول جاهدة بأن تتغاضى وتتناسى.
تحدثت بنبرة حادة:
_ حضرتك سألتيني السؤال ده بالليل وقولت لك لسه، وأكيد لو كلمني كنت هبلغك لأني عارفة ومتأكدة قد إيه الموضوع مهم بالنسبة لك.
وأكملت بلهجة شديدة الحدة:
_ فياريت تبطلي سؤالك ده كل شوية لأنك بكده بتضغطي على أعصابي وأنا أصلاً متوترة وحقيقي مبقتش متحملة ضغط أكتر من كده.
نظرت لها كوثر بغضب من حدة أسلوبها.
دلف عدنان سريعًا وهو يتلفت حوله وأغلق الباب خلفه وتساءل باستفهام:
_ فيه إيه يا جماعة صوتكم عالي كده ليه، بابا قاعد برة ولو سمع أو حس بقلقكم ده هيدخلنا في سين وجيم ومش هنخلص من تحقيقاته.
وقفت وتحدثت له إيناس:
_ قاسم ما اتصلش بيك من وقت ما كلمك من يومين يا عدنان؟
تنهد بأسى لحال شقيقته وما أصبحت عليه وأجابها:
_ ما اتصلش يا إيناس، هو اتصل وقتها من تليفون فارس أخوه واطمن على الشغل وملاني بعض الملاحظات وقفل على طول من غير حتى ما يديني فرصة لأي كلام.
هتفت كوثر بنبرة مرعبة:
_ يا خوفي ليكون البيه أعجبته البنت وبيفكر يفسخ جوازته من أختك ويكتفي بجوازته من بنت عمه.
وأكملت بشر وتوعد:
_ بس ده يبقى غلطان وغبي وما يعرفش كوثر ممكن تعمل إيه لو فكر بس يغدر بينا.
أما تلك المشتعلة التي تساءلت والنار تنهش داخل صدرها:
_ إنتَ شفت البنت يا عدنان، حلوة؟
وأكملت بنبرة جديدة عليها:
_ طب أنا الأجمل ولا هي؟
على الفور تذكر عدنان فائقة الجمال تلك والتي لم يرى لسحر عينيها مثيل، لكنه تراجع عن قول الحقيقة كي لا يشعل شقيقته أكثر وكي لا تغضب عليه وتُسقيه من المر والنكد ألوان.
فتحدث بنبرة مرتبكة بعض الشيء:
_ ولا فيها ريحة الجمال أساسًا، أصلاً مفيش مقارنة بين جمالك وبينها، دي حاجة كده استغفر الله العظيم شبه الرجالة في شكلها وجسمه.
تنهدت حينها بارتياح واطمأن قلبها واستكان، ورفعت قامتها لأعلى بغرور، ثم جلست فوق مقعدها من جديد.
***
بعد مرور خمسة أيام على زواج قاسم وصفا.
ليلًا داخل حديقة منزل عتمان، كان شباب المنزل يجلسون سوياً يتسامرون، وذلك بعدما صعد فارس إلى شقيقه وطلب منه الحضور إلى الحديقة للجلوس مع أبناء عمومته.
بعد مرور حوالي الساعة شعر بحاجته لرؤيتها التي أصبحت تبث الطمأنينة والراحة داخل نفسه.
وقف ليستأذن منهم قائلاً بهدوء:
_ تصبحوا على خير يا شباب.
قوس حسن فمه بتعجب وتساءل:
_ على فين بدري كده يا قاسم؟
أجابه باختصار:
_ يدوب أقوم لجل ما أنام يا حسن.
في حين تحدث فارس مداعبًا أخاه بغمزة من عينيه:
_ حجك يا باشا ما إنتَ لسه مستجد في الجواز والموضوع جاي على هواك، لكن لما تبقى لك سنتين زيينا كده هتجعد نفس قعدة البؤساء اللي إحنا قاعدينها دي بالتمام.
ضحك الجميع عدا يزن الذي كان يرمقه بنظرات حادة كنظرات الصقر، وخصوصًا أنه يعلم علم اليقين أنه لا يحمل داخل قلبه لصفا أي مشاعر بل ويكاد يجزم بأنه ما زال على علاقة بتلك الفتاة القاهرية التي كان يحدثها منذ القديم. وما جعله يتأكد بأن ظنونه في محلها الصحيح هو ما حدث ليلة الحنة وارتياب قاسم الذي أصابه عندما اقترب منه يزن أثناء ما كان يتحدث بالهاتف.
وقف قاسم وتحدث قائلاً وهو يبادل ذاك يزن نظراته النارية:
_ أنا مش زيكم ولا عمري هكون يا فارس.
سلط يزن عينيه داخل عيني قاسم بغضب وأردف قائلاً بنبرة جامدة:
_ من جهة إنك مش زيينا فأنا متأكد من كده يا متر، بس مش عايزك تفرح قوي كده لأن دي مش حاجة بتميزك عنينا، دي ليها فاتورة وافرة قوي ولازم تندفع، والتمن هيبقى غالي، غالي قوي فوق ما خيالك يصور لك يا ولد عمي.
ضيق عينيه مستغربًا حديث ذاك الغاضب وماذا يقصد به، وما هو الثمن الذي يتوجب عليه دفعه، أيوجد ثمن لم يدفع بعد؟
لقد قام بدفع الثمن وتسديد كامل الفاتورة مقدمًا من كرامته التي هدرت أمام تلك صفا وأمام حاله وانتهى الأمر، هكذا هو تصوره للموضوع.
فأراد أن يحرق روحه فتحدث بإهانة وتقليل من شأن يزن:
_ التمن ده للناس الضعيفة اللي بتسمع الحديث وتطاطي راسها وتجول عُلم ويُنفذ وأمرًا مطاع يا صاحب الأمر.
وأكمل بعناد ولهجة تهديدية رافعًا قامته لأعلى:
_ لكن أنا لا يا باشمهندس، إنتَ لسه متعرفش الوش التاني والحقيقي لقاسم النعماني، ومن الأحسن إنك متعرفهوش.
قهقه يزن عاليًا وأجابه بكل ثقة:
_ إنتَ اللي كنت قاعدتك في مصر نسّتك عوايدنا وخلتكش تركز في الناس اللي حواليك زين.
وأكمل ساخرًا:
_ على العموم أنا عايزك تفتكر كلامك ده زين عشان هفكرك بيه قريب، قريب قوي يا متر.
استشاط ذاك الغاضب وكاد أن يتحدث لولا تدخل فارس الذي أراد أن يهدئ من الوضع بعدما رأى بعينيه أنه بات على وشك الانفجار.
أردف فارس بمداعبة لتلطيف الأجواء:
_ زينة مناظرة التيوس الشرسة دي يا شباب، بس لو زادت أكتر من كده هتتجلب لمصارعة والليلة هتغفّلج على الكل كليله.
وأكمل بنبرة تعقلية:
_ صلوا على النبي كده واهدوا، وإنتَ يا قاسم، يلا اطلع على فوق لعروستك.
ثم اتجه ببصره إلى يزن وتحدث بدعابة ساخرة:
_ وإنت يا يزن، تعالي لاعبني دور طاولة لجل ما أخسرك وأحزنك على شبابك قبل ما تطلع ل ليلى وتاخد منها جرعة النكد اليومية اللي ما بتعرفش تخمد من غيرها.
قهقه الجميع على سخرية فارس من شقيقته ذات الطباع الحادة عدا قاسم الذي رمق يزن بنظرة حارقة ثم تحرك وصعد للأعلى دون إضافة المزيد.
***
دلف لداخل حجرة نومهما، وجدها تجلس القرفصاء فوق الفراش وتضع وسادة صغيرة فوق ساقيها ومن فوقها جهاز اللاب توب وتنظر لشاشته بتركيز واهتمام مبالغ به، وصل إلى أنها لم تشعر بوجوده حين دلف للداخل.
تحدث متحمحمًا كي تنتبه لدخوله:
_ مساء الخير.
ردت عليه وما زالت عيناها مثبتة فوق شاشة الجهاز حتى أنها لم تكلف حالها عناء النظر لوجهه وهي تحادثه.
استشاط داخله من تجاهلها له، لكنه فسرها على أنه رد للثأر لكرامتها وتصنع الكبرياء واللامبالاة، لغسل ماء وجهها أمامه بعد ما صار منه ليلة زفافهما التي مهما حاولت تجاوزها إلا أنها بين الحين والآخر تكشف ملامحها وتتجنب الحديث معه بدون أدنى سبب، وهذا ما كان يؤرقه دائمًا.
تحرك إلى الخزانة وأخرج ثيابًا مريحة ودلف لداخل المرحاض.
أخذ حمامًا دافئًا وارتدى ثيابه وخرج من جديد ليجدها ما زالت على نفس وضعيتها، وقف أمام مرآته صفف شعره الأسود بعناية فائقة ونثر عطره الفواح فوق جسده.
وبعد ذلك تحرك للفراش وتمدد بجسده بجوارها وأسند رأسه للخلف، وما زالت هي على وضعها، تحمحم للفت الانتباه ولكن، ما زالت تلك الساحرة تنظر لشاشتها بتمعن شديد دون أن تعطي لحضوره أدنى اهتمام مما أثار فضوله وثارت كرامته أيضًا.
على غير عادته رفع قامته لأعلى وبات يتلصص ليرى ما الذي يستحوذ على تركيزها، نظر لشاشة الجهاز حتى يرى ما الذي يشغل عقل تلك العنيدة لهذه الدرجة!
نظر وليته لم يفعل، وجدها تتابع عملية جراحية لاستئصال المرارة، وجد الطبيب ممسكًا بالمشرط الخاص بالعمليات وقام بشق بطن المريض بكل هدوء ومهنية، وبدأت بعض قطرات الدماء البسيطة تسيل بهدوء والممرضة تقوم بتجفيفها بحرفية في مظهر تقشعر له الأبدان.
لم يستطع تمالك حاله واعتدل بجلسته وسريعًا انتفض وهو يهرول إلى المرحاض حتى يخرج ما بداخل أمعائه.
نظرت إليه باستغراب لحالته وأوقفت بث الفيديو وتحركت إليه سريعًا، وقفت أمام الباب وهي تتساءل بنبرة قلق وعيون متلهفة حين وجدته يفرغ ما بمعدته ووجهه اكتسى باللون الأحمر الداكن وآثار التعب والقرفة تظهر فوق ملامحه:
_ إنت كويس؟
اغتسل جيدًا وأمسك بيده المنشفة وتحرك إليها وهو يجفف فمه ووجهه وأردف قائلاً باستياء واشمئزاز:
_ هبقى كويس إزاي بعد الجرف اللي شفته ده، إنتِ اتجننتي يا صفا، إيه الجرف اللي بتتفرجي عليه ده؟
أجابته بنبرة متعجبة:
_ جرف، أولًا يا حضرت المحامي المحترم ده مسموش جرف.
وأكملت بنبرة علمية:
_ دي عملية لاستئصال مرارة ملتهبة وعلى وشك الانفجار كمان.
نظر لها باشمئزاز وأردف متسائلاً بتعجب:
_ وإنتِ إيه اللي جابرك في إنك تتفرجي على المذبحة دي؟
أجابته بنبرة ساخرة:
_ يمكن لأني جراحة مثلاً وده في إطار شغلي؟
نظر لها بذهول وأردف متسائلاً:
_ وإنتِ حجة بتشتغلي كده؟ أنا افتكرتك بكثيرك هتكشفي على عيل صغير ولا واحدة عندها مغص، لكن توصل بيكِ الجرأة إنك تشقي بطن الخلق بعدم رحمة كيف قاتلين الجتلة كده، ده اللي عمري ما كنت أتخيل إنك هتعمليه.
ضحكت بشدة وصلت حد القهقه وأرجعت رأسها للخلف من شدة ضحكاتها، نظر إليها بانبهار لطريقة ضحكتها المثيرة ووجهها الذي أنار بطريقة تسر الناظرين إليه. ابتلع لعابه بتوتر لما شعر به من أحاسيس ومشاعر جديدة عليه في حضرة تلك صفا.
وتحدثت هي ناظرة إليه بتفسير:
_ بص يا قاسم، أنا تخصص جراحة عامة، لكن في نفس الوقت دارسة شعبة عامة، يعني بعالج كل ما تتخيله، عيل صغير وواحدة عندها مغص زي ما حضرتك تفضلت وقلت، بس ده ميمنعش إني جراحة.
وأكملت بتفاخر مصطنع وهي تشير على حالها بأصابع كف يدها الرقيق:
_ وجراحة شاطرة كمان بشهادة دكاترتي في الجامعة واللي اشرفوا على تدريبي بذات نفسهم، وعشان كده لازم أطور من نفسي وأبقى على دراية كاملة بكل ما هو جديد في عالم الجراحة.
_ بتحبي شغلك يا صفا؟ جملة تساءل بها قاسم باهتمام.
أجابته مبتسمة بعيون فرحة:
_ كلمة بحبه دي قليلة قوي على اللي بحسه تجاه شغلي، الطب ده رسالة سامية، فاهم يعني إيه تخفف عن حد ألم مميت ولا تشيل عنه أذى محتم كان هيؤدي لدمار جسمه؟ ولا لما تشيل الألم عن عيل صغير بيبكي ومحدش عارف ماله ولا فيه إيه؟ حقيقي الموضوع ممتع ويستاهل تعب المهنة.
ابتسم لسعادتها وتحدث بنبرة مترجية:
_ طب ممكن تقفلي العملية دي وتتفرجي عليها بعدين، بجد مش قادر أشوف المنظر ده قدامي.
أطلقت ضحكاتها المثيرة من جديد حين تذكرت حالته وتحدثت بنبرة ساخرة أغاضته:
_ أنا اللي حقيقي مش قادرة أنسى شكلك وإنتَ مبرجل وباصص للعملية بذهول، وأكملت بتناسي وعدم تركيز في الحديث: آخر واحد كنت أتخيل إنه يخاف وإن عنده قلب زي البني آدمين وبيحس هو إنتَ يا قاسم!
نزلت كلماتها عليه زلزلت كيانه وشعر بطعنة ولكن لأجلها لا لأجله، لأجل شعورها به.
نظر لها بحزن عميق وتساءل داخله: أحقًا تريني هكذا صفا؟ رجلاً بلا قلب بلا مشاعر بلا حس؟
تنهد بتألم وأردف قائلاً لها وهو ينظر لمقلتيها:
_ على فكرة يا صفا، أنا مش وحش قوي كده زي ما إنتِ شايفاني، يمكن جلوبنا منسجمتش مع بعضها وده طبعًا يرجع لظروفنا اللي اتحطينا فيها ونظام الجبر اللي اتجوزنا بيه.
وأكمل مفسرًا لتصرفاته السابقة معها:
_ وأنا طول عمري مكرهتش في حياتي قد الحاجة اللي انجبر عليها وتتفرض علي.
نزلت جملته النارية عليها أدمت قلبها العاشق ومزقت ما تبقى منه، حولت بصرها للجهة الأخرى كي لا تخونها دموعها وترفع الراية البيضاء وتنهمر بحرارة أمامه.
أمسكت جهاز اللاب توب وأغلقته، وضعته بجانبها فوق الكومود وتحدثت وهي تواليه ظهرها وتتمدد فوق الفراش وتتدثر حالها تحته في محاولة منها للهروب بأحزانها بعيدًا عنه ولحفظ ما تبقى من كرامتها التي هدرها جدها تحت ساقي ذلك القاسي:
_ اقفل النور لو سمحت، أنا عايزة أنام.
شعر بغصة مرة داخل حلقه لأجلها وشعر كم كان قاسيًا بوصفه لعلاقتهما، وأنه زاد عليها، ولكن كان لحديثه بقية، كان سيرضي به قلبها الرقيق ويعتذر منها ولكنها تسرعت بغضبها.
تحدث هو باستحياء بنبرة خجلة مبررًا حديثه ومكملاً لما بدأ:
_ حجك عليا يا صفا، أنا مقصدتش الوصف اللي وصلك ولسه لكلامي بقية، أنا...
قاطعته بحديثها الحاد الذي يطغى على نبرته الغضب:
_ من فضلك يا متر، ما عايزاش أسمع مبررات إنتَ في غنى عنها، وأساسًا الموضوع كلياته لا يعنيني بشيء.
وأكملت بنبرة باردة وكلمات مهينة ثائرة لكرامتها:
_ وصدقني أنا لا أجل عينك في نظرتي لعلاقتنا العقيمة عديمة الفايدة دي، وبالنسبة لي هي وضع مؤقت ليس إلا.
استشاط غضبًا من كلماتها المهينة لشخصه ولا يعلم لما اشتعل داخله بوصفها لعلاقتهما بأنها عقيمة عديمة الفائدة ولكن تحامل على حاله وصمت كي لا يزيدها عليها.
وأغلق الضوء وتمدد بجوارها واضعًا يداه تحت رأسه ناظرًا إلى التي تواليه ظهرها دون اهتمام.
***
داخل مسكن يزن وليلى.
كان يجلس داخل بهو الشقة وبيده بعض الأوراق الهامة الخاصة بالمحجر ليستخلصها. تحركت إليه ليلى وهي ماسكة بيدها حاملة موضوع عليها كأسين من مشروب بارد قد صنعته داخل المطبخ كي يرطب عليهما في ذلك الطقس الساخن.
جلست بجانبه وأمسكت بكأس المشروب وتحدثت بابتسامة حانية وعشق ظهر داخل عينيها وهي تبسط إليه يدها:
_ العصير اللي بتحبه يا حبيبي.
قطع عمله ثم نظر لها وأخذ كأس العصير وارتشف منه القليل وأرجع ظهره مستندًا به إلى الخلف ناظرًا أمامه ببرود.
حزن داخلها وأردفت متسائلة بنبرة حزينة:
_ لسه زعلان مني يا يزن، أنا مجدرش على زعلك ده، روحي بتفارقني ومهترجعليش غير برضاك عليا يا حبيبي.
_ صح بتحبيني يا ليلى؟ سؤال متعجب طرحه يزن عليها باستهجان!
أجابته بقوة وثبات:
_ لسه بتسأل يا يزن، ده إنتَ النفس اللي أنا بعيش عليه، أنا عشجانة لروحك وجلبك يا واد عمي.
ينظر لها باشمئزاز وتحدث بقوة:
_ كدابة يا ليلى، ما بصدقش ولا كلمة من اللي بتجوليه، تعرفي ليه؟
نظرت له بألم تترقب باقي حديثه فهتف هو باتهام:
_ اللي بيعشق كيف ما بتقولي جَلبه ميعرفش الكره يا ليلى، وإنتِ جلبك مليان سواد وحقد على بت عمك الغلبانة.
وما أن استمعت لمبرراته حتى استشاط داخلها وتحدثت بنبرة حقودة وكأنها تحولت لأخرى:
_ جولي كده، بجا جلبك على ولوية بوزك الأيام اللي فاتت دي كلياتها لجل بت ورد؟
اشتعلت نيرانه ورمقه بنظرة حادة أخرستها وتحدث بلهجة صارمة مهددًا إياها:
_ أول وآخر مرة أسمعك تجولي على بت عمك بت ورد، الله في سماه لو سمعتها منك تاني لكون قاطع لك لسانك ورامية للكلاب تاكله، ده لو رضوا ياكلوه من الأساس، سمعاني.
ارتعب جسدها من صوته الجهوري وابتلعت سائل لعابها، وأومأت له بموافقة.
لانت ملامحه قليلاً وعاود الارتشاف من كأس العصير.
حين حزن داخلها وتحدثت بملامح وجه حزينة ونبرة صوت منكسرة:
_ عمرك سألت حالك أنا ليه بكره صفا وأطيج العمى ولا أطيجهاش كده.
التف إليها ناظرًا وأردف بضيق:
_ عشان جلبك أسود وأمك شربتك الجسوة والحقد من ناحية بت عمك، وبدل ما تحبيها وتاخديها في صفك وتطبطبي عليها عشانها وحيدة، سبتي حالك للشيطان يتملك منك ويكبر بغضك وحقدك على المسكينة.
هزت رأسها بنفي وأردفت بنبرة مختنقة من أثر احتقان دموعها:
_ لا يا يزن، أنا ما اتخلجتش بكره صفا لأ، كره صفا اتخلق وكبر واحدة واحدة جواتي وكل ده بسبب عمايل جدك وجدتك وحتى أبوك وأمك، كلياتهم كانوا بيفضلوها علي، كانوا بيحبوها وياخدوها جوه أحضانهم وأنا واقفة جار الحيط أتفرج عليهم كيف الغريبة، جدك عتمان عمره ما دخلني جوه حضنه.
وأكملت بشرود وهي تهز رأسها بحزن:
_ معرفهوش إن حضن جدك دي!
كان يستمع إليها بهدوء بعدما حزن داخله لأجل صوتها الصارخ ودموعها المسجونة داخل مقلتيها وتريد من يطلق سراحها لتنطلق وتصرخ تعبيرًا عن مدى آلامها.
تحدث إليها بنبرة حنون:
_ بس هما مكنوش بيعملوا كده كره فيكي يا ليلى، جدك وجدتك كانوا بيعوضوا غياب عمك زيدان عنيهم في حضنهم لصفا، هما اللي كانوا محتاجين الحضن دي يا ليلى مش صفا.
وأكمل مبررًا:
_ أما أبوي وأمي هما كمان كانوا حاسسين بحرمانها من لمة العيلة وما بيصدقوا اليوم اللي تيجي فيه هنا ويحاولوا يحاوطوها بحنانهم لجل ما يعوضوها.
صاحت قائلة بنبرة حادة غاضبة حاقدة:
_ صفا مكانش ناقصها أحضان يا يزن؟ أنا اللي كنت محتاجاها، أنا اللي عمري ما دُقت لحضن أبوي طعم، حتى أمي عمرها ما خدتني جوه حضنها ولا اتحدتت وياي كيف الأمهات بيعملوا مع البنت.
صرخت به وأذرفت دموعها الحبيسة حيث أنها لم تعد تستطيع الصمود أكثر:
_ حتى إنتَ يا حبيبي يا اللي اخترتك من صغري لجل ما تبقى خليلي، فوتني وجلبك مال لها هي، مع إن عمرها شافتك ولا حست بيك كيف ما أنا حسيتك، ورغم كده عشقتها بكل ما فيك.
وأكملت بشهقة خلعت قلبه معها وكسبت بها تعاطفه:
_ ولسه بتعشقها دلوقتي وبتدافع عنها وبتوبخني لجل خاطر عينيها.
سحبها وأدخلها لداخل أحضانه وبات يربت فوق ظهرها بحنان وأردف قائلاً:
_ حديث إيه اللي بتجوليه ده يا ليلى، صفا بقت مرات أخويا يعني اتحرمت علي كيف أمي وأختي.
كيف أفضلها عليكي وإنتِ مرتي وهتُبقي أم ولادي.
انتفضت من داخل أحضانه ونظرت إليه بترقب وأردفت متسائلة:
_ كان نفسي تجول حبيبتي، مش مرتي يا يزن.
أجابها بثقة:
_ الحكاية دي في يدك لوحدك يا ليلى، إنتِ الوحيدة برجولتك وجلبك النضيف اللي بيحب اللي حواليه ومعيشيش جواه أي كره أو حقد لغيره، اللي هتخليني أشوفك حبيبتي اللي ما بقدرش أستغني عنها.
_ اوعديني إنك تتغيري يا ليلى، ادي فرصة لجلبك يطهر من ذنوبه وخطاياه، حِبي اللي حواليكي يا ليلى، وجبلهم حبي حالك وطهري روحك.
ساعتها هشوفك حبيبتي اللي بحبها واتمناها، وإيه اللي يمنع وقتها جولي.
كانت تستمع إليه وقلبها يتمزق، صراع داخل روحها التائهة، تشتت يؤرجح عقلها، هي ليست بالشيطان، لكنها ترعرعت داخل أحضانه، تسمم عقلها بأفكاره، لطالما لم تجد من يأخذ بيدها لطريق الحق وينير دربها العاتم.
كانت تومئ له برأسها وتتساقط دموعها الغزيرة التي جعلته متأثرًا بعدما شعر بتشتتها.
أمسك كف يدها قبلها وتحدث بنبرة حنون:
_ جربي من ربنا يا ليلى في القرب منه النجاة، في حضرته جلبك هيرتاح وبصيرتك هتنور وكل شي قدامك هيوضح ويبان كيف عين الشمس.
وأكمل بنصح:
_ صلي يا ليلى، صلي بانتظام واقعدي بعد الصلاة كلمي ربنا واشكي له همك، جولي له على كل اللي تاعب روحك وواجع جلبك، هو اللي هيقدر يطيب جراحك ويريح جلبك.
بكت وبكت بمرارة وكلما زاد البكاء شعرت بالراحة وكأن دموعها تلك تنقيها من خطاياها التي لا حصر لها والتي فعلت معظمها بجهل منها وذلك لانشغال والديها عنها وعدم توعيتها للصح.
شعر بالأسى تجاهها وأخذها داخل أحضانه وشدد منه وتمسكت هي بضمته كمن وجد ضالته وظلت تبكي بمرارة حتى استكانت بعدما أفرغت ما بداخلها، ولكن يظل السؤال، هل يمكن حقًا لمن تربت داخل أحضان الشيطان أن تسلك الطريق الصحيح وتهتدي؟
دعونا ننتظر هل سيتغلب الطبع السيء أم التطبع.
***
مساء اليوم التالي.
داخل حجرة قدري، يجلس كل من قدري وفايقة وفارس بناءً على طلب ذاك القاسم الجالس مقابلًا لهم بملامح وجه مبهمة.
تحدث قدري متسائلاً بنبرة قلقة:
_ فيه إيه يا ولدي، جامِعنا بربطة المعلم ليه كده؟
تحدثت فايقة متسائلة:
_ فيه حاجة حصلت يا قاسم؟
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بضيق وتحدث مهمومًا لما هو آت:
_ أنا مش هتجوز على بنتي عمي يا أبوي.
وأكمل بقوة وإصرار:
_ هروح ل إيناس وأحل وعدتي وياها وهجبل بكل اللي يطلبوه أهلها مني، بس مهغدرش ببنت عمي ولا هخون أمانة عمي زيدان اللي أمن عليها.