تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
الفصل 25 — رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم روز امين
نظرت فايقة إلى يزن وأردفت بنبرة صوت متألمة وعيون حزينة:
_ العيب طلع من عند يزن.
رفع يزن بصره سريعًا ورمقها بنظرة بها ذهول، ثم تحدث بنبرة صوت حادة جنونية:
_ إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا مرت عمي.
صدمة شلت حواس الجميع وجعلتهم غير قادرين على النطق.
هنا جاء دور شريكها بالخديعة كي يجيد حبكة القصة ويصدق على حديثها الكاذب. تحدث بنبرة منكسرة أجاد تقمصها بإتقان:
_ مرت عمك ما بتقولش تخاريف يا يزن، مرت عمك بتقول لك اللي عرفنا به الحكيم ومكناش عاوزين نقوله لجل شكلك قدام أهل السرايا يا ولدي.
تنهدت فايقة بأسٍ رسمته على وجهها ببراعة، وتحدثت وهي تنظر إلى ليلي التي تبكي بحرقة:
_ ليلي من وقت ما عرفناها امبارح من لما عدنا من مصر وهي يا قلب أمها، دمعتها ما نشفتش من على خدها ومبطلتش بكى.
نفت نجاة قائلة بنبرة حادة مشككة:
_ بطلي شغل الثلاث ورقات بتاعك ده يا فايقة، وقومي هاتي لي التحاليل اللي أنا متأكدة إنها حتكشف كدبك.
_ وأنا أكذب في حاجة زي دي ليه يا نجاة؟ إيه المصلحة اللي حتعود عليا من كده؟
جملة نطقتها فايقة بنبرة مليئة بالثقة.
أجابتها تلك المشتعلة:
_ عشان تخبي على عمايلك السودا والبلاوي اللي شربتيها لبيتك، واللي أنا متأكدة إنها السبب في تأخير الحمل عندها.
وأكملت باتهام:
_ وبدل ما تيجي تقولي الحقيقة وتطهري حالك، تقوم تجيب العيب عند ولدي سيد الرجالة.
انتفض قلب ليلي وارتعب داخلها عندما نظر لها يزن مستغربًا حديث والدته الغامض بالنسبة له.
نهضت فايقة سريعًا وتحدثت بتلبك خشية انفضاح أمرها:
_ الله يسامحك على ظُلمك ليا يا أختي، على العموم أنا هطلع أجيب لك التحاليل وأوديها لأي دكتور هنا، وإنتي تعرفي إني مبقولش غير الحقيقة وربي شاهد عليا.
وجه قدري بصره نحو نجاة وتحدث بنبرة قوية أجاد تقمصها بعدما نظرت له فايقة طالبة العون منه والمساندة:
_ أنا مش فاهم لازمته إيه التشكيك ده يا نجاة، ما جوزك وولدك قاعدين منطقوش أهم، إشمعنى إنتي اللي اعترضتي وبتكذبي حديثنا؟
كانت أشبه بـ هرة شرسة على أتم استعداد لغرس حوافرها الحادة داخل لحم أي شخص يحاول أذية صغارها. رمقته بنظرات غاضبة وأجابته بقوة جديدة عليها لا تعلم مصدرها:
_ لأن محدش يعرف خبايا مراتك وتخطيها العفش جدي يا أبو قاسم.
وهنا هتف عثمان الذي عقد لسانه جراء صدمته من تلك الكارثة التي حلت بحفيده، فتحدث مستفسرًا:
_ عمالة تلفي وتدوري على إيه يا نجاة، متقولي طوالي تقصدي إيه بحديثك ده؟
نظرت له فايقة مستعطفة إياها بأن تلتزم الصمت وتحفظ السر الذي لا يعلمه سوى كلاهما وليلي.
تحدثت نجاة بقوة ضاربة نظرات فايقة التوسلية عرض الحائط:
_ أنا أقول لك على اللي بقى لي سنتين كتماه في بطني وجافلة عليه خشمي يا عمي، وإنت احكم بيناتنا.
واسترسلت بقوة وهي تشير بيدها إلى فايقة:
_ الست فايقة بقالها سنتين عتلف ببنتها عند دجالين المركز كله من وقت ما اتجوزت لحد دلوقتي، شربتها وصفات وخلطات ياما وأنا كنت ساكتة ومخروسة على أمل إن الحمل يتم وأشوف عوض ولدي بيجري قدام عيني.
دبت رسمية على صدرها وتحدثت باستنكار إلى فايقة:
_ يا حومتي، هي حصلت الدجالين يا مرة يا خرفانة إنتِ، وأمنت لبنتك كيف تدخل عند الناس العفشة دي يا حزينة؟
اتسعت عيون يزن بذهول وحول بصره لتلك المنكمشة على حالها تنظر عليه بترقب ورعب كالجرو المذعور.
حين هتفت فايقة مداعبة عن حالها وابنتها من تلك الاتهامات التي من الممكن أن تفسر بشكل خاطئ لدى الجميع:
_ أنا مهملتش بنتي دقيقة واحدة لحالها مع حد يا عمة، رجلي كانت سابقة رجلها في أي مكان بتدخل فيه، والناس اللي كنت بروح لهم كلهم محترمين وسمعتهم الطيبة سابقة.
هدر بها عثمان بنبرة صارمة وعيون مصدومة:
_ سمعة مين اللي سابقة يا مرة يا خرفانة يا أم عجل ناقص، هما دول يعرفوا ربنا من الأساس عشان يكون عندهم أخلاق؟
ثم حول بصره على قدري الذي يجلس داخل المقعد يكاد من شدة خجله وزعره أن يختفي بداخله، وتحدث متهكمًا:
_ وإنت يا دلدول الحرمة يا اللي محسوب عليا كبيري وإنت أصغر عيل في الدوار دماغه توزن عشرة من عينتك، كنت تعرف باللي عم تسويه غراب البين دي ويا بنتك؟
نطق سريعًا مخلصًا حاله من غضب والده الذي يشبه الإعصار:
_ الله الوكيل ما عرفت غير دلوقتي يا حاج، أنا زيي زيكم.
رمقه عثمان بنظرة اشمئزاز قائلاً بتهكم ساخر:
_ ما إنت لو راجل صح ومالي عين بنتك سنية مكانتش استغفلتك وعملت اللي على كيفها يا خلفة الشوم والندامة.
وقف يزن سريعًا وتحرك إلى موضع جلوس ليلي وأمسك كف يدها وسحبها بعنف قائلًا وهو يصفعها بقوة على وجهها:
_ مش هو لوحده اللي مرته عم تستغفله ومش معتبراه راجل ودايرة على كيفها يا جدي.
نطق كلماته الغاضبة بعيون تطلق شزرًا، نزلت الصفعة على وجنة ليلي جعلتها تتهاوى بوقفتها. فشهقت نساء العائلة ووضعت ورد يدها على فمها بذهول.
حين جرت فايقة على صغيرتها واحتضنتها قائلة بنبرة غاضبة وهي تنظر بشرًا إلى يزن:
_ اقطع يدك اللي مدتها على بنتي.
جرى فارس وأمسك يزن محاولًا تهدئته وتحدث:
_ مش كده يا يزن، امسك حالك.
أسرع قدري ووقف بجانب زوجته وابنته وتحدث موبخًا ابنه:
_ هو ده اللي ربنا قدرك عليه بعد ما ضربت اختك قدام الكل يا خلفة الندامة؟
ثم حول بصره إلى يزن وتحدث بنبرة خالية من الرجولة والشهامة والأصول:
_ وإنت يا عرة الرجالة، بدل ما تداري خيبتك وعجزك جاي تستقوي على بنتي وتضربها عشان تداري ضعفك.
جحظت أعين يزن وشعر بطعنة برجولته. شعور مميت بالعجز والخجل والنقصان تملك منه حتى أنه لم يقو على رفع عيناه في أحد من المتواجدين. وقعت الجملة على قلب فارس أحرقته لأجل ابن عمه وصديقه الصدوق بل وشقيقه ورفيق دربه، وتحدث بنبرة ملامة:
_ إيه اللي بتقوله ده يا أبوي؟
نظرت مريم من وسط دموعها الغزيرة إلى فارس باستحسان لما قام به من أجل شقيقها.
حين جرى عليه زيدان الذي شعر بابن شقيقه الذي يعتبره ولده الذي لم يحظ بإنجابه، وحاوطه بذراعه وتحدث إلى قدري قائلًا بنبرة غاضبة وعيون تطلق شزرًا:
_ إيه السم اللي حيعمل من خشمك ده يا بني آدم إنت؟
تحرك منتصر سريعًا إلى قدري وأمسكه من تلابيب جلبابه وهزه بعنف وتحدث:
_ بدل ما تتشطر على ولدي وتدبحه بحديثك ده، روح ربي مراتك القادرة اللي دايرة على كيفها وملبساك العمة يا عرة الرجالة.
جرت رسمية على أنجالها وهي تصرخ بعلو صوتها محاولة التهدأة والفصل بينهما، وزيدان الذي وقف يتوسط شقيقاه محاولًا بشدة فكاك قبضة يد منتصر الخانقة لقدري.
هدر عثمان بعلو صوته ودق بعصاه الأبنوسية الأرض وأردف قائلاً بنبرة حادة:
_ بعدوا يدكم عن بعض يا ولد منك له، والله عال يا أولاد عثمان، جاء اليوم اللي أشوف فيه عيالي ماسكين في هدوم بعض وبيتعاركوا قدامي.
ابتعد الجميع عن بعض جراء حديث عثمان، وأمسكت رسمية بتلابيب زيدان وهي تتهاوى وتغمض عيناها قائلة بنبرة ضعيفة مستنجدة:
_ إلحقني يا زيدان.
صرخ زيدان باسمها وحملها بين ساعديه تحت صرخات وارتياب الجميع وجرى بها سريعًا لداخل حجرتها وقام بتمديدها فوق التخت وجرى عليها عثمان بهلع محاولًا إفاقتها.
بادر فارس بالاتصال على دكتور ياسر وأبلغه بالحضور الفوري. أما يزن الذي ما زال متسمرًا بوقفته بعيون متحجرة غير واعٍ لما يجري من حوله وكأن روحه قد فارقت الحياة ولم يتبق منه سوى جسده البالي وفقط. تحركت تلك الباكية وقابلت وقوفه وتحدثت بدموعها وهي تتلمس كف يده بترقب:
_ يزن.
فاق على حاله وجذب يده بحدة ثم رمقها بنظرات مشتعلة مشمئزة وانسحب للخارج تاركًا المكان بأكمله. اتجه إلى حدائق الفواكه المتواجدة بغرب النجع، وجلس بها شاردًا بائسًا حزينًا على حاله وما آل إليه.
داخل السرايا، أتى ياسر وأجرى الكشف على رسمية التي اكتشف أنها مصابة بداء السكري ويرجع هذا بسبب تقدمها بالعمر وهذا ما ساعد بارتفاع شديد بضغطها. أعطاها الدواء المناسب لحالتها وتحرك للخارج مع فارس. لاحظ وقوف مريم واقفة بجانب ورد ونجاة وهي تبكي بانهيار تام لأجل ما أصاب شقيقها وانتهت بما حدث لجدتها من انهيار تام. اشتعلت روحه وصرخ قلبه متألمًا لأجل دموعها الغالية، فتحدث موجها حديثه إلى الجميع وهو يختصها بالنظر:
_ اطمنوا يا جماعة، الحاجة كويسة وإن شاء الله حالتها هتتحسن أكثر بعد ما أخذت الأدوية.
نظرت إليه مريم بضعف ألمه كثيرًا، ثم تحدثت إليه ورد بامتنان:
_ ربنا يطمن قلبك يا دكتور.
شكرها وانسحب مستأذنًا للخارج تحت استغراب فارس من تصرف ياسر ولكنه نفض من دماغه سريعًا لأجل الوضع الراهن لأهل المنزل.
أسرع الجميع إلى حجرة رسمية وجدوها تتمدد وسط عثمان وزيدان الممسك بكف يدها برعاية يتحسسيه بحنان ليبث الطمأنينة لقلب غالية قلبه وأول من عرف الحب على يدها، والدته الحنون القاسية. نظر عثمان على الجميع بوجه حاد وتحدث أمرًا بصرامة:
_ يلا كل واحد ياخد مرته وعياله وعلى فوق معايا، ما يعزش حد هنا واصل.
كاد زيدان أن يتحرك أوقفه صوت عثمان الذي تحدث قائلًا:
_ خليك إنت جار أمك يا زيدان.
انتفض قلب زيدان من شدة سعادته، هو بالأساس لا يريد ترك يد غاليتة.
وأكمل وهو ينظر إلى ورد موقرًا إياها ومعظمًا من شأنها كعادته في الآونة الأخيرة وكأنه بهذا التعظيم يعتذر منها على ما بدر بالماضي والظلم الذي وقع عليها سابقًا من جميع العائلة:
_ وإنتي يا أم الدكتورة، ادخلي المطبخ اعملي لحماتك شوربة الخضار اللي قال عليها الدكتور.
اشتعل داخل فايقة وكاد قلبها أن يصرخ من شدة الغضب والغيرة وهي ترى الجميع بدأ يمقتها وينجذب لتلك الساحرة الشمطاء على حد تفكيرها ووصفها لها.
أجابته ورد بنبرة طائعة:
_ من عيوني يا عمي.
ونظرت إلى رسمية وتحدثت إليها بنبرة حنون:
_ ألف سلامة عليكِ يا مرت عمي.
أمالت لها رسمية بعرفان وذلك لعدم قدرتها على الحديث.
أشارت فايقة بيدها إلى ورد مانعة إياها من التحرك في طريقها إلى المطبخ وتحدثت إلى عثمان بنبرة منكسرة حاولت بها جذب النظر إليها ورجوعها إلى مكانتها العالية كما السابق:
_ خليني أنا اللي أعمل الشوربة لـ عمتي يا حاج، لأن أنا أدري الناس باللي بتحبه عمتي.
هدر بها عثمان قائلاً بنبرة حادة وملامح وجه مكفهرة:
_ قلت لك اطلعي على مطرحك ومعايزش أشوف خلقتك قدامي، ما بتسمعيش الكلام ليه يا حرمة؟
هرولت إلى خارج الحجرة وبسرعة البرق كانت في نهاية أعلى الدرج.
أمسك زيدان كف والدته وتحدث بصوت حنون:
_ سلامة جلبك يا ست الكل.
نظرت إليه بحزن وانكسار المرض، فنزلت دمعة من عيناها وتحركت نحو أذنها جففها لها سريعًا ومال على جبهتها وقبلها بحنان.
نظر عثمان إلى زيدان وضيق عيناه بتفكر ثم تحدث بنبرة تشككية:
_ زيدان، أنا عاوزك تاخد ولد أخوك وتدلي بيه على مصر عشان تعيد له الكشوفات والتحاليل لأني مش مصدق ولا كلمة من اللي قالها أخوك هو والعجربة اللي اتجوزها.
هزت رسمية رأسها بضعف وتحدثت:
_ عين العجل يا ولد عمي، ولد منتصر كويس وزين زي أبوه وجده.
أومأ له زيدان بطاعة وتحدث باحترام:
_ من غير ما تقول يا أبوي، أنا كنت ناوي أعمل كده لأن كيف ما قالت نجاة، فايقة جرابها واعر كيف جراب الحاوي تمام، وبيرها غويط ملوش جرار.
❈-❈-❈
تحركت فايقة إلى شقة ابنتها كي توبخها بعدما رأت انهيارها ونظرة الرعب بأعينها بالأسفل أمام الجميع مما جعلها مرتابة ليشُك بأمرها الآخرون. وجدتها متكورة على حالها فوق التخت تبكي بشدة.
وقفت تتطلع عليها بكره، رافضة حالة الاستسلام تلك التي تتملك منها. كم تبغض أن ترى وريثتها بكل هذا الضعف والهوان. كم تمنت لها أن لا يصيب قلبها بلعنة العشق ولا يميل لأحدهم بتاتًا كي لا يضعفها غرامها وتبقى صامدة أبية ولا يستطيع أي كان كسرها أو إذلالها تحت اسم العشق.
تحدثت بنبرة حازمة وملامح وجه صارمة:
_ فوقي لحالك وبطلي نوح يا بت، أنا مش حاسبك على اللي عملتيه تحت قدام الكل، مش وقته، بعدين حنتحاسبوا، بس عاوزاكي تجمدي وتثبتي قدام الكل عشان الموضوع يعدي على خير.
صاحت بصراخ هيستيري:
_ كيف حيعدي يا أمي، يزن ضاع من إيدي خلاص، يزن مد يده عليا لأول مرة في حياته، وكل ده بسببك إنتِ.
جحظت عيناي فايقة بشكل مخيف وراحت تتساءل بنبرة حادة:
_ بسببي أنا يا واكلة ناسك إنتِ؟ صح ناكرة للجميل كيفك كيف بقيت ناسك. بقى هي دي جزاتي بعد اللي عملته عشان مأكسركيش قدام اللي يسوى واللي ما يسواش يا حزينة؟
شهقت ليلي من شدة بكائها فتحدثت تلك المتجبرة عديمة القلب والمشاعر قائلة بنبرة حادة:
_ قومي يا بت ادخلي الحمام واتسبحي عشان تفوقي من حالتك المشندلة دي.
وأكملت بنبرة قوية:
_ ما يعزش أشوفك كده، ما يليقش عليكي الضعف يا بت فايقة، يلا قومي.
قالت كلماتها الحادة الخالية من الإنسانية وانسحبت من المكان تاركة صغيرتها المنهارة دون أن تسحبها لأحضانها وتحاول طمأنة خوفها، أو حتى تحتوي ضعفها الذي يملأها.
هكذا هي فايقة النعماني، إنسانة عديمة الضمير، معدومة الحس والشعور حتى بمن يحمل جيناتها. فقد سحبتها دائرة الانتقام داخلها ونزعت من قلبها الرحمة حتى أنها أصبحت بلا شعور أمام أطفالها. عاشت حياتها بالكامل لم تحتوي صغارها، لم تتذوق حلاوة احتضانهم ولم تذقهم إياها. يا لكِ من مسكينة بائسة أيتها الفايقة، فقد خسرت وتخطتك الكثير من المشاعر الآدمية السامية وافتقدتها بسبب انتقامك الأعمى.
❈-❈-❈
دَلفت فايقة مسكنها وجدت قدري يجوب المكان إيابًا وذهابًا ويبدو على ملامح وجهه الغضب الشديد. وبمجرد رؤيته لها حتى تحرك سريعًا وقابل الوقوف وتحدث بنبرة ملامة مرعبة:
_ جلت لك بلاش منية الموضوع المجندل ده يا فايقة، جلت لك الدنيا حتولع من حوالينا مصدقتنيش، وأديها حتتطربق فوق نفوخنا وهنتفضح قدام الكل كله.
نظرت له بقوة وتحدثت بنبرة واثقة:
_ اهدي يا قدري وامسك حالك أومال، مفيش حاجة حتتكشف ولا حد حيعرف أيتها حاجة، التحاليل وهديهالهم يروحوا بيها وين ما بدهم.
وأردفت وهي تنظر أمامها بتعمق:
_ التحاليل سليمة وحتقول إن العيب من يزن وإن بتي صاغ سليم، ما أحنا مدفعناش الفلوس دي كلها في حتة ورقة وفي الآخر نقف خايفين كده.
رجعت بذاكرتها إلى قبل شهرين من الآن عندما أخبرتها ليلي وهي في قمة سعادتها قائلة:
_ كان اللي مستنيينه من زمان حصل يا أمي.
تساءلت فايقة مستفسرة:
_ خير يا ليلي، وإيه مالك فرحانة قوي كده؟
أجابتها بكبرياء وهي ترفع قامتها لأعلى:
_ خير بالجوي يا أمي، شكل كده زماني حيحصل لي وهترحم من كلام اللي يسوى واللي ما يسواش.
ضيقت فايقة بين حاجبيها ونظرت لها بعدم استيعاب فتحدثت ليلي مفسرة حديثها بنبرة خجلة بعض الشيء:
_ الدورة الشهرية ما جتش لي الشهر اللي فات، بس أنا ما أخدتش في بالي وجلت يمكن متخربطة زي ما حصل معاي قبل كده، بس الشهر دي كمان ما جتش ومعادها فات من أربع أيام.
وأكملت وسعادة الدنيا بعينيها:
_ شكلي حبلى يا أمي.
شعرت فايقة بسعادة الدنيا تسكن قلبها وبرغم أنها شبه تأكدت من حمل صغيرتها إلا أنها نوهت عليها بألا تخبر أحدًا وبالأخص يزن لحين ذهابهما إلى الطبيب والتأكد من صحة الخبر.
وبالفعل بعد يومين ذهبت إلى الطبيب وأخبرته بما تشعر. وبعد أن أجرى الكشف عليها أخبرها بعدم وجود حمل وطلب منها إجراء بعض الفحوصات. وبعد أن قامت ببعض الفحوصات وذهبت بها إليه وتفحصها جيدًا.
نظر لها بشك قائلاً:
_ التحاليل ظاهرة لي إن فيه مشكلة، بس مش هقدر أحددها بالظبط غير بتحاليل تانية عشان الصورة تكتمل قدامي وأتأكد من شكوكي.
سألتة فايقة بتخوف تحت نظرات ليلي المرعبة:
_ اللي هي إيه شكوكك دي يا دكتور؟
أجابها بعملية:
_ بلاش نسبق الأحداث يا مدام وخلينا ننتظر نتيجة التحاليل الجديدة.
أفضل.
كتبت له نوع الفحص الذي يريده منها إجراؤه.
وبالفعل ذهبتا إلى المعمل من جديد وقامت ليلي بعمل الفحص المطلوب منها وبعد يومين ذهبتا للطبيب من جديد متخفيان كعادتهما حيث قامت فايقة بإخبار رسمية بأن والدتها مريضة وعليها الذهاب لزيارتها والاطمئنان عليها بصحبة ليلي.
ذهبت إلى المعمل وأحضرت الفحوصات ثم اتجهت إلى الطبيب مرة أخرى وجلستا تترقبان حديث الطبيب الذي ظل يتفحص التقرير بتعمق شديد.
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره وتحدث بملامح وجه تسيطر عليها الشفقة:
_ للأسف يا مدام ليلي، التقارير بتؤكد عدم وجود أي بويضات عندك نهائي.
_ معناها إيه الكلام ده يا دكتور؟
جملة مستفسرة نطقت بها ليلي بعدم فهم.
أجابها الطبيب بأسف:
_ يعني حصل لك انقطاع مبكر للبريود وللأسف حملك أصبح مستحيل، بالبلدي كده كأنك دخلتي في سن اليأس بس في سن مبكر جدًا.
صاحت به فايقة قائلة بحدة:
_ إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا دكتور الهَم إنتِ؟
كظم الطبيب غيظه من أسلوبها الفظ الخالي من آداب الحديث ولباقتها، لكنه راعى مشاعرها وعذر حدة حديثها الناتج عن ما أصابها من ذهول جراء ما استمعت.
وتحدث مفسرًا بنبرة تعقلية بعدما قام بضبط النفس:
_ دي مش تخاريف يا مدام، دي النتيجة الطبيعية بعد كل العك والجهل اللي عملتيه في بنتك، كمية الأدوية الكثيرة اللي اديتها لها مع الأعشاب والخلطات الخزعبلية اللي كنتي بتشربيها لبنتك عملت لها لخبطة في الهرمونات، مع طول المدة واستمرارك في اللي بتعمليه تحولت من لخبطة إلى خلل في الهرمونات.
واسترسل حديثه بنبرة ملامة:
_ بنتك كان عندها مشكلة بسيطة هي اللي مأخرة الحمل وكانت ممكن تتحل بس بالهدوء والصبر، وده الكلام اللي أنا قلته لحضرتك لما جيتي لي بيها بعد جوازها بشهرين.
وأكمل بأسف:
_ بس حضرتك ما صبرتيش وبقيتي بتوديها كل أسبوعين تقريبًا لدكتور شكل، وده طبعًا على حسب كلامك اللي قلتيه لي من يومين.
وأكمل لائمًا وهو ينظر لتلك ليلي الباكية بانهيار:
_ ويا ريتك اكتفيتي بالأدوية لوحدها، ده إنتِ كنتِ بتديها خلطات مجهولة المصدر وتغليها وتشربيها لها على الريق.
هز رأسه يمينًا ويسارًا وتحدث بأسف:
_ للأسف يا مدام، إنتِ دمرتي بنتك بإيديك وضيعتي عليها فرصة إنها تبقى أم.
مقتته بنظرات ساخطة وتحدثت وهي تهم بالوقوف:
_ أنا اللي ضيعت بنتي يا واكل ناسك إنت، الله الوكيل شكلك كده مفهم تحت رجليك، عمال تخرف وتخربط بالكلام وعاوزني أصدق تخاريفك دي؟
وأكملت بنبرة ساخرة:
_ قال إيه، بتي اللي مكملتش الثمانية وعشرين سنة وصلت لسن اليأس، يأس لما يأخذ أجلك.
وتحدثت آمرة بنبرة صارمة لابنتها الباكية:
_ قومي بينا يا بت عشان نشوف حكيم بيفهم صح.
أخذت ابنتها ونظر الطبيب إلى طيفهما ثم تحدث بوجوه مشمئز:
_ ست جاهلة متوحشة.
مرت الأسابيع سريعًا وما أن علمت من صفا عن أمر الحكيم الشهير حتى تشبثت بالفكرة واتجهوا إليه سريعًا على أمل أن يكون تشخيص الطبيب السابق خاطئ. وطلب الطبيب منهما القيام بعمل فحوصات ليزن ومريم كي يطلع على نتائج الحالة جيدًا.
وفي صباح الأمس، فاقت باكرًا حيث غفت بمسكن قاسم بعد انتهاء حفل الزفاف، ثم ذهبت بصحبة زوجها إلى معمل التحاليل الشهير الذي أرسلهما إليه الطبيب وذلك لدقة تقاريره.
وقف قدري أمام السكرتير المختص بتسليم التقارير الخاصة وأخبره أنه يريد مقابلة المختص كي يستفسر منه عن نتيجة الاختبارات بدقة. وبالفعل اتجهوا إلى مكتب المختص الذي نظر إلى الاختبارات وتحدث إليهما بعدما تفحصها جيدًا:
_ تحاليل الأستاذ يزن بتأكد إنه هو سليم 100%. ومعندوش أي موانع للخلفة.
وأكمل بتعابير وجه غير مبشرة بالمرة:
_ للأسف تحاليل الأستاذة ليلي بتؤكد عدم قدرتها على الحمل نهائيًا، البويضات عندها منعدمة، ونسبة حدوث الحمل مستحيلة بسبب دخولها في مرحلة انقطاع الطمث المبكر.
صدمة ألجمت لسان قدري وفايقة التي فقدت الأمل الأخير لها بهذه الكلمات التي وقعت عليها كصاعقة صعقت معها جميع آمالها وكسرت قامتها. ولكنها لم تكن فايقة إن استسلمت لقدرها وللواقع، ستحارب إلى نهاية المطاف إلى أن تحصل على كل شيء تريده.
استمعت إلى صوت قدري وهو يحثها على الوقوف ليغادرا، نظرت إليه بنظرات حادة كالصقر وتحدثت:
_ اقعد يا قدري، عندنا عرض زين قوي للدكتور.
نظر لها المختص وتحدث مستفسرًا:
_ عرض! عرض إيه ده يا أفندم اللي بتتكلمي عنه؟
أجابته بثبات انفعالي:
_ تاخد كام وتبدل التحاليل دي.
جحظت أعين قدري في حين وقف المختص وتحدث إليها بنبرة حادة:
_ إنتِ بتقولي إيه يا ست إنتِ، اتفضلي اخرجي برة بدل ما أطلب لك الشرطة وألبسك قضية رشوة.
تحدث قدري إليها بنبرة حادة:
_ قومي يا أم قاسم وبكفيانا فضايح لحد كده.
لم تلتفت إلى حديث زوجها ولم تعيره أي اهتمام، ثم وضعت ساق فوق الأخرى ونظرت إلى المختص وتحدثت بنبرة واثقة قوية:
_ 100 ألف جنيه وتغير لي التحاليل وتخلي عيب الخلفة من يزن.
ابتلع الرجل لعابه ونظر لها بتشكيك ثم نفض رأسه من الفكرة وكاد أن يتحدث قاطعته هي بتحدي:
_ 150 ألف وتعملي تقرير ما يخرش الماية وجبل ما آخده من إيدك حتنزل وياي في أي بنك أسحبهم لك حالًا، وده آخر كلام عندي يا إما أروح لأي واحد غيرك يعملي كل اللي أنا عيزاه بربع التمن ده.
سال لعاب الرجل فتساءلت هي بنبرة حادة:
_ جلت إيه يا دكتور؟
تحدث قدري محذرًا إياها:
_ بلاش يا فايقة، الحكاية اللي بتفكري فيها دي لو انكشفت حتخفلج على دماغنا ويمكن تكون فيها نهايتنا.
سبقها المختص بالرد بعدما أغراه المال:
_ أنا حكتب لك تقرير وأظبطهولك بحيث مفيش مخلوق يقدر يشك فيه.
وأكمل لإقناعه:
_ وأظن محدش حيُشك في مصداقية معمل عريق وكبير زي المعمل ده.
وبالفعل زور لهم المختص التقرير وتوجهوا بعدها مباشرة إلى المطار كي يستقلا الطائرة المتوجهة إلى سوهاج.
عودة للحاضر.
سألها قدري بنبرة قلقة:
_ العمل إيه دلوقتي يا فايقة لو الموضوع اتكشف؟
أجابته بنبرة باردة واثقة:
_ بسيطة يا قدري، حنقول الموظف لخبط وهو بيحط نتيجة التحاليل عند يزن، والموظف بقى بتاعنا خلاص، حنكلمه وهو هيصدق على كلامنا قدامهم ويجيب لهم التقرير الحقيقي وخلصنا.
تنهد بحيرة وتوجس من أمر تلك المتجبرة التي لا تترك شيء للظروف ودائماً تخطط لكل شيء بطريقة رائعة.
❈-❈-❈
بالأسفل، طلب عثمان من زيدان وورد المبيت معه داخل السرايا تحسبًا لأي جديد يحدث في حالة رسمية ووافق زيدان بترحاب هو وزوجته.
أما يزن فكان اليوم هو أسوأ يوم مر به منذ أن نشأ وترعرع وكبر. تأخر الوقت كثيرًا وهو ما زال بحديقة الفاكهة. هاتفته نجاة ومنتصر ومريم كثيرًا لكن دون جدوى وذلك لغلقه هاتفه للهروب مبتعدًا عن الجميع.
شعر بالتعب والنعاس فساقته رجله إلى المشفى. حاول فتح غرفة الكشف الخاصة بصفا أو ياسر وذلك لوجود سرير كشف بهما، لكن لسوء حظه كانتا مغلقتين. تحرك لغرفة أمل وفتحها وتحرك سريعًا إلى السرير الخاص بالكشف وتمدد بجسده المرهق عليه. لم يكمل دقائق حتى غفى بثبات تام من شدة إرهاقه.
ليلة حالكة صعبة قضاها الجميع ما بين منكسر وحزين وآخر مرعب من فكرة انكشاف أمره، ما عدا ثنائي العشق الذي غرد طائر حبه فوق عشهما السعيد فجعلهما وكأن روحيهما طائرة سابحة في جنة الغرام.
كان يجذب جسدها إليه لاصقًا إياه بجسده بحميمية، واضعة هي رأسها فوق ذراعه الممدود لها بحنان. ينظر كلاهما داخل عيون الآخر بهيام.
تحدث مداعبًا إياها وهو يتلاعب بخصلات شعرها الحريري بين أصابع يده:
_ شفتي كنتِ حارمة حالك من إيه بالمخدة اللي كنتِ حاشراها بيناتنا.
وأكمل:
_ بذمتك متعة نومك جوه حضني دي مبتحخليكيش تفكري إنك تولعي في مخدة الشوم دي أول ما نرجع؟
ضحكت عاليًا وتحدثت إليه:
_ ما أنا سيبالك إنت المهمة العظيمة دي.
وأكملت بنعومة سلبت بها عقله:
_ مش إنت وعدتني وإنت في القاهرة إنك أول ما نرجع سوهاج حتولع فيها؟
جذبها أكثر إليه وتحدث غامزًا بعينيه:
_ ملحقتش، كان عندي مهمة أسمى وأعظم وأهم، بس أوعدك إن أول ما نروح حتكون دي أول مهمة أقوم بيها.
ثم مال على شفتيها وقبلها بحنان وأكملا حديثهما ومداعـ ـباتهما التي تقرب روحيهما أكثر وأكثر، ثم غفا بأحضان بعضيهما بقلوب سعيدة مطمئنة.
ضل فارس جالسًا طيلة الليل بجانب مريم المنهارة لأجل شقيقها، يربت على كتفها بحنان، لا يدري أيداوي جراحها أم جراحه، فحقًا الألم مشترك بينهما والوضع منتهي السوء للجميع.
❈-❈-❈
في الصباح، أتت أمل باكرًا كي تستعد لتجهيز حجرة الكشف الخاصة بها وتجعلها لائقة لاستقبال المرضى. فتحت باب غرفتها وإذ بها ترى يزن ممددًا على السرير الخاص بالكشف يغط في نوم عميق. اتسعت عيناها من هيئته وتملك الغضب منها فتحركت إليه وتحدثت بنبرة حادة:
_ إنت يا محترم.
فُزع يزن من حدة صوتها وجلس سريعًا يتلفت وهو مذعورًا، يستكشف المكان من حوله حتى استقرت عيناه على تلك الغاضبة التي تحدثت من جديد وهي تضع يداها داخل خصرها:
_ ممكن حضرتك تفسر لي إيه اللي أنا شايفاه قدامي ده؟
وأكملت بتهكم:
_ مستشفى محترمة دي ولا لوكاندة يا باشمهندس.
وضع كف يده فوق وجهه وفركه بتعب ولا مبالاة وكأنه لا يستمع لصراخها من الأساس، وهذا ما أثار جنونها وزاد من حدتها حيث هتفت قائلة بشدة:
_ هو حضرتك مش سامعني، ولا أنا هوا واقف قدامك؟
وقف منتصب الظهر يهندم من ثيابه وتحدث متهربًا من عينيها:
_ أنا آسف يا دكتورة، أنا كنت هنا وتعبت فجأة وملقيتش غير أوضة الكشف بتاعتك هي اللي مفتوحة.
وأكمل معتذرًا:
_ أنا آسف وأوعدك مهتتكررش تاني.
شعرت بحالة البؤس والألم اللذان يخرجان من صوته وعلمت حينها أنه يواجه مشكلة عميقة وأنه ليس بخير. على الفور تراجعت وتحدثت بنبرة هادئة:
_ إنت كويس؟
أومأ لها باستسلام دون النظر بعينيها وتحرك متجها إلى الخارج بجسد هزيل يتهاوى وروح تائهة. نظرت أمل عليه مشفقة على حالته التي ولأول مرة تراه عليها.
انتبهت حين وجدت مريم تسرع إلى شقيقها وتحدثت بنبرة متلهفة:
_ إنت فين وسايبنا هنموت من الجلج عليك يا يزن؟ إنت كويس يا أخوي؟
هز لها رأسه وتحدث بصوت هزيل ضعيف:
_ أنا بخير.
أردفت قائلة بنبرة حزينة:
_ أبوك وأمك عم يموتوا عليك. ناموا طول الليل، يلا يا حبيبي روح خد دوش وغير هدومك دي ونام، وإن شاء الله خير.
تحرك وأكمل طريقه بجسد هزيل منهزم. نزلت دموع مريم فتحركت أمل التي كانت تستمع حديثهما الدائر أمام باب غرفتها. وقفت أمام مريم وتحدثت:
_ أستاذة مريم، إنتِ كويسة؟
هزت مريم رأسها نافية فسحبتها أمل من يدها وتحركت بها للداخل وأجلستها قائلة بنبرة مساندة:
_ ارتاحي وأنا حطلب لك عصير ليمون يهدي أعصابك.
دلف ياسر سريعًا بعدما شاهد خروج يزن بتلك الحالة المزري وسأل مريم باهتمام ولهفة بعدما رأى دموعها:
_ فيه إيه يا أستاذة مريم، هو الباشمهندس ماله؟
وقفت وتحدثت وهي تجفف دموعها بكف يدها الرقيق:
_ خير يا دكتور، مفيش حاجة.
وتحدثت منسحبة بهدوء وذلك لحرصها الدائم على التواجد مع ياسر بمكان يجمعهما سوياً:
_ بعد إذنكم.
تحركت للخارج ونظر ياسر إلى أمل وسألها مستفسرًا:
_ هي إيه الحكاية يا دكتورة؟
أجابته بنبرة متأثرة:
_ تقريبًا كده الباشمهندس بيمر بأزمة نفسية بسبب ما، تعابير وجهه بتقول إنه اتعرض لصدمة شديدة هزت كيانه بقوة، وغالبًا الصدمة دي خاصة بالعيلة، لأن الأستاذة مريم هي كمان عندها نفس الأعراض لكن على أخف وبشكل مبسط.
قطب جبينه وتساءل بطريقة دعابية:
_ إنتِ متأكدة إنك تخصص نسا وتوليد؟
ابتسمت له بهدوء فأكمل هو:
_ حضرتك بتتكلمي بمهنية متخصص نفسية.
تنهدت وتحدثت بنبرة محملة بالألم:
_ هموم الناس وقلوبهم المكسورة مش محتاجين دكتور عشان يقدر يشوفهم جوه عيونهم اللي بتصرخ من الألم، هما محتاجين حد بيحس مش أكتر.
نظر لها بتعمق وتأكد من أن بداخل قلبها ندوب عميقة ناتجة عن جرح لم يُشف بعد، فتحدث هو متعمدًا كي يخرجها من حالتها:
_ دكتور صفا كلمتك النهارده؟
حركت رأسها نافية وأردفت:
_ النهارده لا، لكن كلمتني امبارح كانت بتطمن على سير العمل.
❈-❈-❈
داخل كافيه بوسط مدينة سوهاج.
تجلس ماجدة بصحبة صديقتها أحلام تتناولان الطعام بشهية عالية.
تحدثت أحلام ناصحة لصديقتها:
_ أنا لو منك ما أسيبش الفرصة اللي جت لي على طبق من دهب دي تضيع من إيدي أبدًا.
نظرت لها وتساءلت بتهكم:
_ وكنتي حتعملي إيه بقى يا أذكى أخواتك لو كنتِ مكاني؟
أجابتها أحلام بنبرة جشعة:
_ كنت حطلب منه يجيب لي دهب ويحط لي في البنك مبلغ كده محترم، وأهدده لو ما نفذش حروح لأبوه وأقول له على جواز حفيده التاني على بنت ابنه، واللي حصل بموافقة وحضور قدري بذات نفسه.
ضحكت ماجدة ضحكتها الشهيرة الرقيعة مما جعل أبصار الرجال المتواجدين داخل المكان تتجه إليها فتحدثت غير مبالية بنظراتهم:
_ ده أنا أبقى أكبر مغفلة لو عملت كده، إنت عشان ماتعرفيش قدري وشرَّه سهل عليكي تقولي كلامك ده.
وأكملت وهي تنظر لها بعيون متسعة:
_ يا بنتي اللي زي قدري ده مستعد يعمل أي حاجة عشان يحافظ على اللي هو فيه، حتى لو حتوصل إنه يخلص مني.
وأكملت وهي تسترخي للخلف فوق مقعدها:
_ وبعدين أنا من مصلحتي إني أفضل الحضن الحنين لقدري، أهو بيصرف عليا ومعيشني في هنا وعز ما كنت أحلم بيه.
وأكملت وهي تنظر أمامها بتفكر:
_ وبعدين مين اللي قال لك إني ما فكرتش إني أستغل موضوع جواز ابنه على بنت أخوه ده.
وابتسمت لصديقتها وأشارت إلى مقدمة رأسها وتحدثت بتفاخر:
_ بس بالعقل يا أحلام، الموضوع محتاج تخطيط صح عشان ما يبانش إني بهدده وبحطه قدام الأمر الواقع.
ضحكت صديقتها بخفة وسألتها متلهفة:
_ أنا برضه قلت أكيد ماجدة مش حتسيب فرصة زي دي تعدي من تحت إيديها من غير ما تستفيد منها، قولي لي بقى على خطتك الجهنمية؟
ضحكت ماجدة بشدة وأجابتها بمراوغة:
_ لما يبقى ييجي وقتها حقول لك أكيد.
ضحكت اثنتيهما بخلاعة واكملا طعامهما مع حديثهما الذي لا ينتهي تحت نظرات الرجال على تصرفاتهم وضحكاتهم الخليعة.
❈-❈-❈
مر أربعة أيام على هذا اليوم المرير الموجع للجميع.
وصل فارس إلى المشفى كي يصطحب مريم معه عائدًا بها إلى منزلهما، حيث كان يمر من جانب المشفى وقرر أن يمر عليها ويصطحبها لأجل أن لا تتأخر على ابنته الغالية. دلف إلى رواق المشفى وجد دكتور ياسر يقف بجانب موظف الاستعلامات ممسكًا بيده دفتر يتفحصه باهتمام.
تحرك فارس إليه وتحدث بوجه بشوش:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نظر إليه ياسر ورد باحترام ووجه مبتسم:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا وسهلًا فارس باشا، وأنا أقول المستشفى نورت ليه، أتاري حضرتك مشرفنا.
ابتسم فارس لكلمات ذلك الرجل المجامل وتحدث بمثلها:
_ المستشفى منورة بوجودك يا دكتور.
أردف ياسر متسائلًا:
_ ياترى جاي للباشمهندس يزن؟
وقبل أن يجيبه دلف من مدخل المشفى رجل يصرخ من شدة الألم الناتج عن كسر مضاعف لساقه. التفت ياسر سريعًا إلى منبع الصوت، وأستدار من جديد وبسط يده بالملف وأعطاه إلى موظف الاستعلامات وتحدث إليه:
_ دخل ده للآنسة مريم وخليها تراجعه كويس عشان محتاجة إنهاردة.
وتحرك سريعًا إلى المريض، انفرج فاه فارس وتحدث بصوت ضعيف بالكاد مسموع لديه:
_ آنسة؟ يا سنة سوخة يا ولاد، بقى مرتي أنا بتتقال عليها آنسة بعد سنتين ونص جواز؟
وأكمل بتوعد وهو ينظر لأثر ياسر:
_ ماليش عينه أنا إياك ولد المركوب ده!
ودلف على عُجالة لتلك الجالسة بالمقعد المتواجد خلف مكتبها، تحرك إلى مكتبها ومال عليه بجذعه وتحدث إليها بنبرة حادة:
_ الدكتور اللي اسمه ياسر بيقول للموظف دخل الملف للآنسة مريم، هي الهانم مجتش هنا إنها متجوزة إياك؟ ولا أنا ماليش عينيك يا بت منتصر؟
كانت منكبة تنظر على الملف الذي وصلها للتو مع الموظف، رفعت وجهها ونظرت باستغراب على ذلك الذي يبدو من صوته الغضب الهائل وتساءلت مستفسرة:
_ فارس، إيه اللي جابك هنا؟
اعتدل بوقفته ونظر لها وتحدث بنبرة صارمة:
_ جاي آخدك عشان نروح مع بعض، وبعدين مجاوبتيش على سؤالي ليه؟ بيقول لك ياسر بيقول للموظف الآنسة مريم، ماليش عينه أنا إياك واكل ناسه دي؟
تنهدت بأسف ووضعت كفيها فوق المكتب وشبكتهما ثم تحدثت بلامبالاة استشاط غضبه:
_ وهو حيعرف منين إنك جوزي، ولا أنا متجوزة من الأساس؟
نظر لكفيها واتسعت عيناه حين لم يجد بهما خاتم زواجهما، استشاط بداخله وتساءل بنبرة غاضبة:
_ فين دبلة جوازك يا أستاذة، أتاري الراجل عم يناديكي بآنسة، عندي حق طبعًا وإنتِ عاملالي فيها ولا السندريلا سعاد حسني في صغيرة على الحب.
نظرت له بعيون منكسرة وتحدثت بنبرة حزينة متألمة:
_ دبلتي وجعت في بلاعة الحمام من أكتر من شهر، وجوزي ما أخدش باله ولا حتى لاحظ الموضوع إلا دلوقتي.
شعر بحزنها وتألم لأجلها ولم يدري لما شعر بالغيرة الشديدة وتحدث بنبرة حادة لم يستطع تمالك حاله:
_ وإنتِ ليه ما جولتليش يا مريم عشان ما أجيب لك دبلة غيرها؟
نظرت داخل عينيه بانكسار وإحباط، تحطمت روحه من نظرتها وشعر كم هو صغير بأعين حاله فتحدث وهو يبتلع لعابه بحزن:
_ طب يلا بينا عشان آخدك على المركز قبل ما نروحوا وأجيب لك دبلة بدل اللي وجعت.
تحركت معه بعدما انتهت من مراجعة الملف وإعطائه للموظف كي يوصله إلى ياسر، واستقلت السيارة بجانبه وذهب بها إلى المركز ودلفا إلى محل المصوغات الذهبية، وانتقى لها خاتمًا بنفسه وألبسها إياه برقة استغربتها مريم واستغربت حاله ككل حين تحدث:
_ الخاتم حياكل من إيديكي حتة، أول مرة ألاحظ إن إيديكي ناعمة قوي كده.
ابتسمت مريم بمرارة وتحدثت بنبرة ساخرة:
_ تطور هايل يا فارس بيه.
وأكملت بنبرة استسلام:
_ يلا بينا عشان نروح لجميلة.
شعر أنه مقصر بحق زوجته وأنها تستحق أفضل من تلك معاملة، فأمسك كف يدها ليحثها على الوقوف، ثم تحدث إلى بائع المجوهرات قائلاً:
_ عاوز سلسلة رقيقة عليها حرف الـ F، وزيها بس على أصغر لطفلة صغيرة وعليها نفس الحرف.
أومأ له الجواهرجي بطاعة وتحرك لإحضار طلبه.
حين تفاجأت مريم بتغيره وشعرت بالسعادة قليلاً من اهتمامه وتحدثت بنبرة ساخرة:
_ كده الموضوع اتحول لتهور ومبقاش تطور.
ضحك عاليًا وتحدث إليها بغمزة وقحة:
_ هو إنتِ لسه شفتي تهور.
أمالت نظرها للأسفل بحزن فتحدث هو سريعًا:
_ لسه حاخدك عند بتاع الكباب والكفتة وأشتري لك عشان عارف إنك بتحبيه، وكمان حعدي على محل الحلواني الكبير اللي هنا في المركز وعجيب لك منه البسبوسة بالمكسرات اللي بتحبوها إنتِ وجميلة.
وأكمل بتساؤل محب مهتم:
_ ها، عاوزة أيتها حاجة تانية يا ست البنات؟
اتسعت عيناها بذهول واستغراب مما تراه عيناها وتسمعه أذناها من ذلك الذي عاشت معه وعرفت على يده المعنى الحقيقي للإهمال وكسر الخاطر والنفس منذ زواجهما وإلى الآن.
سعد داخلها بعدما أمسك القلادة وألبسها إياها وتحدث بنبرة سعيدة:
_ مبروك عليكي يا مريم.
وأصطحبها ممسكًا كف يدها وتحرك بها داخل الأسواق ليبتاع لها كل ما تشتهي نفسها أو تشير عليه عيناها، مما أسعدها لا لأجل ما ابتاعته، ولكن لشعورها بالاهتمام والاحتواء التي ولأول مرة تعيشه مع زوجها.
*** ☆***☆ *** ☆***☆***
رواية قلبي بنارها مغرم بقلمي روز أمين.
داخل مدينة شرم الشيخ.
انتهت من ارتداء ملابسها بالكامل وهيأت حالها استعدادًا للخروج. وقفت منتظرة خروج متيم روحها من المرحاض كي يصطحبها إلى مطعم خارج الأوتيل ليتناولا عشائهما سويًا. تحركت إلى شرفة الجناح وباتت تمشط بعينيها معالم المكان وهي تنظر إلى وجوه المارة بتعمق، وبلحظة انتبهت وخُيل لها مرور أحد الوجوه المألوفة لبصرها. عادت ببصرها سريعًا إلى حيث رأت شبح هذا الوجه وباتت تتفحص الوجوه بتعمق متلهفة رؤيته، لكنها للأسف لم تعثر على شيء لشدة زحام الشارع المكتظ بالمارة.
اختفى الشخص وكأنه سراب وتبخر بين الزحام.
اهتز جسدها وانتفض رعبًا حين وجدت من يكبل خصرها ويحتضنها من الخلف. قطب جبينه وسألها مستغربًا حالتها ونظرتها المذهلة وجسدها المنتفض بين يديه:
_ إيه يا حبيبي، مالك؟
تنفست الصعداء حين استمعت لنبرة صوت حبيبها واستكانت وتراخى جسدها بين يديه بعدما شعرت بالأمان في حضرته ثم تحدثت:
_ سلامتك يا حبيبي، بس كأني شفت حد أعرفه معدي بين الناس.
ضيّق بين عينيه وتحدث إليها مستفسرًا:
_ حد تعرفيه زي مين يعني؟
أجابته بعقل مشتت:
_ معرفش يا قاسم، هو كان معدي في وسط الزحمة ومعرفتش أميز هو مين ولا أنا شفته فين قبل كده بالظبط.
لم يعطِ لحديثها اهتمام زائد وتحدث بلا مبالاة وهو يقبل وجنتها بحب:
_ تلاقي بس بيتهيأ لك يا حبيبتي.
وابتعد قليلاً وامسك يدها وهو يحثها على التحرك قائلاً:
_ يلا بينا ننزل عشان أنا جوعت جوي.
ابتسمت له ولامست ذقنه وتحسستها بيدها بحنان لمس قلبه وطمأن داخله وتحدثت هي:
_ يلا يا حبيبي.
بعد قليل كانت تجلس بالمقعد المقابل له، مبتسمة الوجه تنظر إليه وسعادة الدنيا تجمعت وسكنت قلبها ومقلتيها التي تغمره بنظرات تنطق عشقًا وحنانًا. أما هو فكان واضعًا يده فوق يدها الممدودة فوق الطاولة ممسكًا بها باحتواء مما جعلها تحلق في سماء العشق جراء سعادتها الهائلة. جاء النادل إليهما ليستفسر عن ما يريدانه.
فسألها قاسم بلكنة قاهرية:
_ تحبي تاكلي إيه يا دكتورة؟
نظرت له وتحدثت خجلًا:
_ حاكل من اللي حتاكل منه.
انتفض قلبه من شدة سعادته بطاعة امرأته التي تعشق رجُلها لدرجة الانصياع التام والتشبه به. تحمحم وحاول التماسك ثم نظر إلى النادل وتحدث إليه:
_ هات لنا بيكاتا بالشامبنيون مع رز أبيض وسلطة خضرا.
سأله النادل باحترام وهو يسجل ما يملي عليه:
_ تحبوا تشربوا حاجة مع الأكل يا أفندم؟
نظر لها قاسم فأجابته عيناها بترك الخيار له فتحدث:
_ هات لنا فيروز أناناس بس يكون ساقع ومشبر.
ابتسمت له لتيقنها أنه اختار هذا المشروب خصيصًا لتيقنه أنها تفضل شرابه عن غيره من المشروبات.
رحل النادل وتحدث قاسم إليها مستفسرًا:
_ عاوزة حاجة تاني يا حبيبي؟
حركت رأسها نافية وتحدثت بعيون مغرمة:
_ عاوزاك دائمًا جنبي ومحاوطني بحبك وبحنيتك يا حبيبي.
ابتسم لها بحنين وتحدث:
_ حتصدقيني لو جولت لك إني معرفش حرجع القاهرة كيف وأنا فايت قلبي وروحي في سوهاج. تعرفي يا صفا.
رقبت حديثه بكل حواسها فأكمل هو:
_ مبقيتش بحس بالراحة والسلام والسكينة غير وإنتِ نايمة جوه حضني.
ونظر داخل عينيها وأردف بنبرة حنون:
_ غيرتيني جوي يا صفا، حولتيني من آلة للشغل لا بحس ولا بستمتع بأي حاجة، لإنسان بحس وبفرح وبخاف، بخاف وبترعب من فكرة بعدك عن حضني وحرماني من أماني وسلامي النفسي اللي ملجتوش غير جوه روحك يا صافية.
وأكمل وهو ينظر داخل أعين تلك التي تستمع إليه بكل ذرة بجسدها:
_ تعرفي إن ليكي نصيب كبير من اسمك.
ابتسمت وتساءلت مستفسرة:
_ كيف يعني؟
أجابها بنبرة مستكينة:
_ روحك صافية شفافة، بتشد أي حد يجرب منها وتطهرة وتصفي روحه من التشتت والضياع والحقد، طهرتيني من ذنوبي الكثيرة يا صفا.
أردفت بنبرة هادئة وعيون تشع حنانًا:
_ إنت آخر واحد ممكن يعمل ذنوب أو يأذي غيره يا قاسم، ذنوبك كلها في حج حالك، دائمًا بتيجي على حالك وتأذيها عشان ترضي اللي حواليك.
ابتسم بفم مقوس ساخرًا من حاله وتحدث بنبرة متألمة وعيون نادمة:
_ إنتِ اللي بتقولي كده يا صفا، ده إنتِ أكتر واحدة أنا أذيتها بكلامي الأعمى وبغبائي وبأنانتي، ده أنا وقفت قدامك وجلت لك ما عايزاكيش، ومش أنا الراجل اللي غيري يختار له المرة اللي حتنام جوه حضنه.
وأكمل بنبرة صارخة من شدة ألمها:
_ أنا دبحتك بغبائي وتمردي الأعمى يا جلبي.
أشارت بيدها كي تحثه على الصمت وأردفت قائلة بنبرة بها رأفة على كليهما:
_ انسى يا حبيبي، انسى كل اللي عدى كيف ما أنا نسيته ودفنته في وسط دفاتري القديمة وردمت عليه بعشقك اللي زهر جواتي وملى حياتي حب وسعادة وفرحة، نستني كل آلامي ودموعي اللي عدت.
شعر بطعنة بقلبه وكأن أحدهم قام بكل جبروت بطعنه بخنجر حاد وبشق صدره وانشطاره لنصفين وتركه نازفًا متألمًا عاجزًا حتى عن الصراخ والتعبير عن اغتياله.
انتفض بداخله وزاد ارتعابه من فكرة علمها بما جرى وكيف سيكون مردود هذا الخبر المشؤوم على وقعها لو لا قدر الله علمت.
أخرجه من حالة تألم ضميره الصارخ الذي يؤنبه طيلة الوقت حضور النادل الذي أحضر الطعام وبدأ برصه فوق الطاولة بشكل منسق وطريقة حرفية وتحدث إليهما بكل احترام:
_ سهرة سعيدة يا حضرات.
بعد رحيل النادل تنفس قاسم عاليًا ونظر لها بعدما استعاد توازنه وتحدث بابتسامة مزيفة تحامل على إخراجها جراء همه الذي أصابه:
_ يلا كلي يا حبيبتي.
ابتسمت له وبدأا بتناول طعامهما تحت سعادتها التي تخطت عنان السماء وهي تحيا معه كل أول مرة!!
يتبع.
•