تحميل رواية «قلب مصاب بالحب» PDF
بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنت مضايق من حاجة؟ رفع عينيه عن الهاتف بملل واضح ورد بفتور: - لا عادي. نظرت له قليلاً بتفحص ثم قالت بصوت خافت مضطرب وكأنها تخشى رده على السؤال الذي قررت طرحه: - تحب نمشي طيب؟ انتفض معتدلاً في جلسته بحماس وهو يرى قرب تخلصه من هذا اللقاء الممل ورد بلهفة واضحة: - آه ياريت. قصدي لو أنتِ حابة تمشي. قال جملته الأخيرة حين شعر بحماسه الزائد. فنظرت له بعينين لمعت بهما الدموع التي أبت أن تسقط وقالت بخفوت متماسك: - آه حابة أمشي. وقف سريعاً ما إن أنهت جملتها وقام بدفع الحساب ثم اتجه معها للخارج. وحين وصلا أ...
رواية قلب مصاب بالحب الفصل الأول 1 - بقلم ناهد خالد
أنت مضايق من حاجة؟
رفع عينيه عن الهاتف بملل واضح ورد بفتور:
- لا عادي.
نظرت له قليلاً بتفحص ثم قالت بصوت خافت مضطرب وكأنها تخشى رده على السؤال الذي قررت طرحه:
- تحب نمشي طيب؟
انتفض معتدلاً في جلسته بحماس وهو يرى قرب تخلصه من هذا اللقاء الممل ورد بلهفة واضحة:
- آه ياريت. قصدي لو أنتِ حابة تمشي.
قال جملته الأخيرة حين شعر بحماسه الزائد. فنظرت له بعينين لمعت بهما الدموع التي أبت أن تسقط وقالت بخفوت متماسك:
- آه حابة أمشي.
وقف سريعاً ما إن أنهت جملتها وقام بدفع الحساب ثم اتجه معها للخارج. وحين وصلا أمام المطعم وجدته يتوقف وقال بعدما نظر في هاتفه:
- معلش بقى يا ياسمين امشي أنتِ، أصل افتكرت شغل مهم عندي في المصنع لازم أروح أخلصه.
نظرت حولها بتوتر، لم تعتاد أن تسير بمفردها وقد قاربت على العاشرة مساءً. هي بالأساس لا تخرج بمفردها ليلاً، بالأخص فأبيها لا يسمح لها بالخروج لخوفه الشديد عليها.
قطع حيرتها وهو يقول متعجلاً بنبرة غير مهتمة بها:
- ويا ريت لو عمي سألك تقوليله إني وصلتك ومشيت عشان يعني ميزعلش، أنت عارف تفكيره. يلا خدي بالك من نفسك.
أنهى حديثه ولم يعطها فرصة للرد وذهب من أمامها فوراً كأنه يهرب من شيء يلاحقه.
خفضت بصرها لأسفل وسقطت دموعها التي احتجزتها لدقائق. سقطت قهراً على حالها. صالح ابن عمها، حبها الأحمق له يرهق قلبها كثيراً ويفتك به. وهنا يأتي السؤال، متى ستتوقف عن حبه؟ لقد باتت موقنة أن صالح لا يحبها واضطر لخطبتها لرغبة والدته ليس إلا. منذ الخطبة وهو يعاملها بإهمال جلي، ويتحدث معها أقل من القليل. لا يطلب الخروج معها إلا حينما تطلب منه والدته أمام الجميع أن يأخذها ويخرجا قليلاً. لا يتحدث معها إلا إذا تحدثت هي، وحين تحدثه تشعر أنه قد مل من المكالمة التي لا تتجاوز الدقائق القليلة. تحاول جذب أطراف الحديث فتسأله عن يومه فيرد مجبراً بكلمات موجزة. وحين يجلس معها يمسك هاتفه ويظل منشغلاً به وكأنه يخبرها بلطافة أنه لا يريد الجلوس معها.
رفعت رأسها ومسحت دموعها بضيق قبل أن تشير لأحد سيارات الأجرة وتستقلها للعودة لمنزلها.
ما إن ابتعد عنها حتى زفر باختناق وكأنه قد استطاع التنفس أخيراً. فتح باب سيارته وجلس على مقعد السائق. وقبل أن يغلق الباب ليتحرك، استمع لرنين هاتفه فضغط زر الإجابة سريعاً:
- خمس دقايق وهكون قدامك.
استمع لرد الطرف الآخر وهو يقول:
- متأخر ربع ساعة على ميعادك ولسه هستنى!
رد بنبرة لينة وهو يقول:
- معلش يا مُنمن، والله كان عندي مشوار مهم يدوب خلصته.
أتاه صوتها مرة أخرى تقول متأففة:
- بسرعة يا صالح، أنا زهقت من الانتظار.
ابتسم وهو يدير سيارته وقال بمزاح:
- غمضي عينك واستحضري صورتي، هتفتحي عينك هتلاقيني قدامك.
سابك ومشي؟
أومأت بصمت وهي تنظر لـ "إسلام" بحرج. تلجأ للحديث معه لأنها لا تملك غيره. ليس لها أصدقاء ووالدتها قد توفت ووالدها لن تقدر أن تسرد له ما يفعله صالح معها، فهي لا تريد مشاكل بينهما.
استمعت لنبرة "إسلام" الجادة وهو يقول:
- ياسمين، أنتِ هتقدري تكملي معاه وهو كده؟ دي فترة الخطوبة المفروض أكتر فترة فيها اهتمام وحب ولهفة لكلام ولا خروجة ولا قعدة بينكوا. إذا كان بيعمل كده في الخطوبة إيه اللي هيحصل بعد الجواز؟
اختنق صوتها من البكاء وهي تقول بدموع:
- عارفة إني هعاني معاه بس غصب عني. بحبه يا إسلام ومش عارفة أبطل أحبه. أنت شوفت فرحتي لما اتقدملي! شوفت أحلامي اللي قعدت أبنيها على سراب! أيوه سراب. صالح مش هينفذ ولا حلم من اللي بنيته. صالح الحقيقي غير البطل اللي رسمته في خيالي. أنا تايهة يا إسلام، تايهة أوي مش عارفة أعمل إيه. أسيبه؟ ما هو لو سبته مش هعرف أعيش من غيره ومش هتقبل أكون لحد غيره. أعمل إيه وأنا بين نارين؟ الاتنين هيحرقوني. قولي إيه الحل؟
تنهد إسلام بضيق وقال:
- أنا مش عارف أقولك إيه، بس صدقيني جحيم الفراق ولا نعيم القرب في الوضع ده. أنتِ بعدين مش هتستحملي تحسي إن جوزك مبيحبكيش وكأنك مغصوبة عليه. مش هتستحملي إهماله وبعده عنك وقلة كلامه معاكِ وعدم اهتمامه بيكِ. هتعاني كتير أوي. أنا عارف إن البعد صعب ومش حل مناسب ليكِ، بس لو كملتِ على الوضع ده هتظلمي نفسك.
نظرت لأخيها بتفكير. أنه على صواب إن استمرت ستظلم نفسها، لكنها إن ابتعدت ستحرق نفسها. أيهما أهون يا ترى؟
كانت في حيرة من أمرها. أتحدثه؟ هي معتادة أن تهاتفه يومياً في الثانية عشر مساءً كي تتحدث معه قليلاً وتطمئن على عودته للمنزل وتحاول أن تسأله عن يومه لأنها لا تستطيع فعل هذا وهو أمامها، لقلة تبادل الأحاديث بينهما.
زفرت بضيق قبل أن تردد محاولة إقناع نفسها:
- مش معنى إني هكلمه يبقى قررت أكمل. أنا بس هكلمه أشوف رجع ولا لأ. بعدين شغل متأخر كده يبقى أكيد كان في مشكلة في الشغل وممكن يكون متضايق دلوقتي. أنا هكلمه أطمن بس إن الأمور تمام وهقفل مش هفتح معاه حوارات.
وبالفعل مسكت هاتفها وقامت بالاتصال به. وبعد دقيقتان فُتحت المكالمة واستمعت لصوته الرجولي يقول:
- أيوه يا ياسمين.
تنحنحت بتوتر وهي تقول:
- خلصت شغلك ولا لسه؟
رد باقتضاب:
- أنا لسه واصل البيت.
- كويس، حمد الله على السلامة.
- الله يسلمك.
هكذا فقط وصمت، وهي لم تتفاجأ فهذا هو طبعه يرد بكلمات مقتضبة وإيجاز ليس إلا وعليها هي أن تطيل الحديث بأسئلتها.
- صالح، أنت ليه متصلتش تشوفني وصلت ولا لأ؟
سؤال لم تكن تنوي طرحه، فقط خرج منها بتلقائية لكثرة تردده في عقلها منذ أن وصلت للبيت. أليس من الطبيعي أن يهاتفها ليطمئن من وصولها!
رد باستنكار لم يصل لها:
- إيه اللي هيحصل يعني؟ طبيعي تكوني وصلتي. ثم إن المطعم مش بعيد عن البيت، دي هي عشر دقايق.
ابتلعت غصة مريرة احتلت حلقها قبل أن تقول بنبرة هادئة:
- معاك حق، طبيعي هوصل. هو أنت كان في مشكلة في الشغل ولا حاجة؟ أصل أول مرة يكون في شغل بالليل.
- لأ عادي.
صمتت هذه المرة ولم تجد حديثاً آخر تقوله فقالت:
- تمام، عاوز حاجة قبل ما أقفل؟
أتاها صوته الهادئ يقول:
- شكراً، تصبحي على خير.
وأُغلقت المكالمة! نظرت للهاتف بين يديها قبل أن تردد بخفوت متألم:
- وأنت من أهل الخير.
في اليوم التالي وبعد تفكير طوال الليل اتخذت قرارها. هي لن تستطيع البعد، فلتتحمل مرارة القرب إذاً وتحاول أن تجعله يشعر بها.
جلست بجواره كعادتها على الغداء بعدما دعته لتناول الغداء معهم ولم يمانع رغم تأففه من الأمر. نظر لها بجانب عينيه وتذكر حين حدثته منذ ساعة.
- صالح، انزل اتغدى معانا.
تجعدت ملامحه بضيق وهو يبعد الهاتف عن أذنه بتأفف ثم أعاده وقال بنبرة عادية:
- مش لازم النهارده.
قالت متسائلة بهدوء رغم حزنها من رفضه:
- ليه، وراك حاجة؟
زفر بضيق خافت لم يصل لها وقال:
- لأ. بس يعني مش ضروري. مفيش مناسبة.
أتاه نبرتها الحزينة وهي تهمس:
- خلاص زي ما تحب. هقول لبابا إنك مش فاضي عشان قولتله إني هقولك تتغدى معانا النهارده.
مسح بكفه على وجهه بضيق وقال باقتضاب:
- خلاص طيب، نازل.
وها هو يجلس جوارها وهو يبتسم باصطناع. وجهت نظرها له حين وقف فجأة وهو يقول:
- تسلم إيدك يا ياسمين، سفرة دايمة يا عمي. عن إذنكم.
جملة كاملة قالها دون تقطع واتجه للخروج. فركضت هي لغرفتها لتجلب شيئاً ثم ركضت لباب الشقة لتلحقه على درجات السلم. فهتفت بتنبيه:
- صالح استنى.
لوى فمه بضيق قبل أن يحتل البرود وجهه وهو يلتفت لها، ليراها تتقدم منه وبيدها حقيبة هدايا متوسطة الحجم وتبتسم باتساع وهي تقول بخجل:
- كل سنة وأنت طيب. أنا قلت أعزمك على الغدا النهارده عشان عيد ميلادك وكده وأعرف أقدم لك الهدية.
قطب حاجبيه باستغراب كبير وهو يفتح شاشة هاتفه لينظر لتاريخ اليوم ووجده بالفعل عيد مولده.
التقط الحقيبة منها بملامح مندهشة وقال:
- وأنتِ طيبة يا ياسمين.
ابتسمت له بلطف وعادت لشقتها مرة أخرى.
وقف ينظر لها بشرود. هو نفسه لم يتذكر عيد مولده ولا والدته ولا أخيه! كيف تذكرت هي؟
أفاق من شروده على صوت هاتفه فنظر له ليجد اسم "منى" يزينه. صعد درجات السلم سريعاً ودلف لشققته ثم لغرفته ووضع الحقيبة فوق الفراش بإهمال حتى سقطت بعد ثوانٍ وهو يتحدث بالهاتف. أنهى حديثه وهو يلتقط مفتاح سيارته ويقول:
- ماشي يا عمري، ربع ساعة وأكون في المطعم أشوفك هناك، باي يا مُنمن.
ثم أغلق معها واتجه للخارج تاركاً الحقيبة ساقطة أرضاً كقلب صاحبتها تماماً.
وصل للمطعم ليمرر بصره بين الحضور وأخيراً وجدها جالسة على طاولة في آخر المطعم. عدل من التيشيرت الأسود الأنيق فهو بالعادة يرتدي ملابس عصرية "كاجوال" في حياته العادية، لكن وقت العمل أو الحفلات الخاصة بالعمل يرتدي الملابس الكلاسيكية. نزع دبلته من كفه ووضعها في جيب بنطاله ثم رسم ابتسامة هادئة على ثغره قبل أن يتجه لها وهتف حين وصل أمامها:
- مليش حق أسيب القمر ينتظرني، العادة إحنا اللي بننتظر القمر.
ضحكت بدلال وهي تقول بابتسامة واسعة:
- بكاش أوي، ومحدش يقدر يغلبك.
جلس وهو يغمز لها بشقاوة مردداً:
- أنا! ده أنا أغلب واحد في المجرة.
أرجعت شعرها للوراء وهي تقول مبتسمة:
- غلبان! طيب يا غلبان، قلت إيه على رحلة الساحل؟
رد مبتسماً:
- ودي تفوتني برضو، ظبط شغلي وطالع معاكِ بس هم 3 أيام وهرجع عشان الشغل وهسيبك مع صحابك.
- أوك، عموماً هم هيسبقونا وهيمشوا بكرة واحنا هنحصلهم بعد بكرة عشان عندي عيد ميلاد ابن عمي بكرة ولازم أروح.
اقترب ليضع ذراعيه على الطاولة وهو يقول لها بضيق مصطنع:
- أوعي يكون في بينكوا قصة حب ومخبية عليا.
ضحكت بهدوء ثم قالت بخبث:
- أنا مش بحبه بس، أنا بموت فيه.
رفع حاجبه باستياء مردداً:
- والله؟
اقتربت كما فعل هو وهي تغمز له قائلة:
- ابن عمي عنده 4 سنين.
ابتسم باتساع وهو يقول:
- تشربي إيه بقى؟
- ها طمنيني، عجبته الهدية؟
قالتها "جيهان" وهي تجلس مع "ياسمين" في ردهة شقة "محمود". أخفضت "ياسمين" نظرها بتوتر وهي تقول:
- بصراحة يا طنط أنا مشيت قبل ما يشوفها، اتكسفت أقوله افتحها.
تفهمت "جيهان" خجلها فابتسمت لها بهدوء وقالت:
- مش مشكلة، أكيد هتعجبه. قوليلي طيب قالك إيه؟
- أنا قلتله كل سنة وأنت طيب، فقالي وأنتِ طيبة.
ضيقت "جيهان" حاجبيها باستغراب وقالت:
- بس؟
أومأت إيجاباً وهي توضح:
- ما أنا مشيت بقى.
تنهدت بخفوت:
- ماشي، بس أكيد لما يشوف الهدية هيكلمك.
ابتسمت ابتسامة مقتضبة وقالت بيأس خفي:
- آه، أكيد. طب هنزل أنا.
هتفت "جيهان" بحماس وهي تنهض:
- استني هقوم أجيبلك من البسبوسة اللي عملتها، هتعجبك أوي.
ابتسمت بسعادة وهي تقول:
- واو! لأ هي فيها بسبوسة يبقى قاعدة بقى.
دلفت "جيهان" للمطبخ وهي تردد:
- عملتها مخصوص عشانك.
نظرت حولها بهدوء قبل أن تتجه ببصرها لباب غرفته. أنتابها الفضول للدخول لغرفته كالعادة حين تصعد لهنا في غيابه. تحب شعورها بوجوده حولها رغم غيابه، تحب رائحة عطره التي تملأ الغرفة، تحب تلك اللحظات المعدودة التي تقضيها في تأمل غرفته.
وقفت متجهة ناحية الباب بهدوء وهي تنظر حولها بتوتر خشية أن يراها أحد. حتى وصلت للباب الموارب قليلاً فدفعته بيدها ببطء كي لا يصدر صوت أثناء فتحه. ابتسمت باتساع حين هبت رياح محملة برائحة عطره. دلفت خطوتين وتوقفت ممررة عينيها في الغرفة بابتسامة عاشقة لتفاصيل هذه الغرفة فقط لأنها ملكه. توقفت عينيها حين لمحت حقيبتها المهداة له ملقاة أرضاً بجوار الفراش.
اندثرت ابتسامتها وهي تشعر بغصة مريرة غزت حلقها فوراً.
اقتربت بخطوات بطيئة وهي تتمنى أن تكون الهدايا ليست بها على الأقل، لكن خاب أملها حين رأت هداياها كما هي حتى لم يأخذ الظرف الذي كتبت به بعض الكلمات التي تعبر عن مكنونات صدرها.
رواية قلب مصاب بالحب الفصل الثاني 2 - بقلم ناهد خالد
" هلا رأفت بقلبي "
" ياسمين أنتِ روحتِ فين ؟ "
انتفضت على صوت " جيهان " القادم من الخارج فالتفت مسرعة تخرج من الغرفة وهي تحاول الثبات الواهي كي لا ينكشف أمرها .
" كنتِ فين يا حبيبتي ؟ "
قالتها " جيهان " ما إن رأتها أمامها , فقالت بثبات مُستغلة بُعد الصالة عن باقي أجزاء الشقة :
" كنت في الحمام .. "
" طيب تعالي دوقي بقى . "
ابتسمت باصطناع وأدعت التعب وهي تقول :
" معلش بقى يا طنط حسيت بطني تعبتني فجأة بلاش أكل منها لأحسن أتعب . "
نظرت لها بقلق وهي تسألها :
" مالك يا حبيبتي ؟ "
" متقلقيش كويسة , بس أنا هنزل آخد شور دافي وهكون تمام . "
نزلت لشقتها وحمدت ربها أنها لم تقابل والدها وأخيها في الخارج , دلفت فورًا لغرفتها وأغلقت الباب خلفها , ثم اتجهت لفراشها وجلست عليهِ بهدوء خارجي لكنها من الداخل تحترق , ظلت جالسة لثوانٍ بصمت وهي تتذكر فرحتها وهي تبتاع له الهدية وفرحتها وهي تعطيها له ثم كسرتها وهي تراها ملقاة أرضًا وكأن هذا مكانها الطبيعي .
الأرض كمكان صاحبتها تمامًا لديهِ .
انسالت دمعة خائنة من عينيها دون إرادة منها لكن بعدها انسالت باقي دموعها وكأن تلك الدمعة كانت إذنًا لهم , ارمت نائمة على بطنها دافنة رأسها في الوسادة لتمنع شهقاتها من الخروج , وعقلها يتذكر كل موقف حدث بينهما , كل مرة كان السبب في كسر خاطرها وإضاعة فرحتها , كل مرة فعلت له شيئًا بفرحتها أنهاه هو بالدموع .
ظلت تبكي هكذا حتى نامت دون أن تشعر .
توقف أمام منزلها والتف مبتسمًا لها وهو يقول :
" مُنى هانم وصلنا . "
ابتسمت له بمرح وهي تقول :
" طب ما تتفضل معايا . "
غمز بعينيه وهو يقول بعبث :
" بجد ! طب ياريت . "
نظرت له مرفرفة بأهدابها بدلال ثم قالت :
" اتلم يا صالح . "
ابتسم بمرح وهو يقول :
" اتلم أكتر من كده إيه بس ! "
فتحت باب السيارة وهي تقول :
" يلا باي يا بيبي , هكلمك بليل . "
رد بهدوء وهو يدير سيارته :
" باي يا قمر . "
انطلق بسيارته وبعد ثوانٍ أخرج هاتفه حين استمع لرنينه فوجد اسمًا ما يزينه فضغط زر الإجابة وهو يقول بابتسامة وصوت مشرق :
" رورو , كده ماتكلمينيش طول اليوم أنتِ مش عارفة أني مبعرفش أكمل يومي من غيرك ! "
أتاه صوت " رندا " وهي تقول بضحكة عالية :
" اطلع من الدور ده يا صالح , أنا مش واحدة من اللي بتثبتهم أنا صحبتك من ثانوي . "
ضحك بمرح وهو يقول :
" شكلي اتلخبطت بينكوا ولا إيه ! "
استمع لتنهيدتها اليائسة قبل أن تقول :
" هتبطل عك امتى بس !؟ "
ردد باستنكار :
" عك ! "
أجابته بصوت واثق :
" طبعًا عك , كل شهر مع بنت شكل وخروجات وكلام والأسوأ أنك خاطب , قولي كنت فين سامعة صوت عربيات ؟ "
رد بضيق من حديثها :
" كنت مع مُنى . "
أتاه نبرتها الساخرة وهي تقول :
" متنساش تلبس دبلتك قبل ما تدخل البيت . "
نظر لكفه الخالي من " دبلته " فزفر بضيق وهو يقول لها :
" رندا اقفلي أنتِ نكد والله . "
أغلق معها الهاتف وألقاه بجواره بإهمال ثم ضغط على زر المسجل كي يستمع لبعض الأغاني كي لا يفكر في حديث " رندا " السخيف من وجهة نظره , فصدح صوت المغنية وهي تقول :
متحاسبنيش
على ذنب عملته إنت يا حبيبي ومتلومنيش
طول عمري بخاف إن أنا أجرح يوم إحساس
متسبني أعيش
أنا رافضة أرجعلك بعد خيانتك ليا مفيش
عمري مشكيت لو حتى ثواني في إخلاصك
يا ما قولت عليك
إن إنت أناني مبتفكرش إلا في روحك
بتقولي عيشلك وإنت عايش بس لروحك
بتقولي عيشلك وإنت عايش بس لروحك
أنا شوفت عنيك
وكمان بتكدب عيني وجي تقول حكايات ( آه )
كل ما قربلك تبعدني عنك مسافات
كل ما قربلك تبعدني عنك مسافات
منك لله
منك لله
قلبي بيتألم من جواه من اللي أنا حاسه
مش شايفه أنا قدامي ولا حواليه
بقى سهل عليك إنك تجرحني وتظلمني أنا هونت عليك
كان نفسي تجرب إحساسي صعب عليا
يا ما قولت عليك
إن إنت أناني مبتفكرش إ....
ضغط على زر إغلاق المسجل وهو يجعد حاجبه بضيق , وأسئلة تتقاذف لذهنه هل يمكن لـ ياسمين أن تبتعد عنه إذا علمت أي شيء يخص علاقاته! , أيمكنها أن تقرر الانفصال عنه للأبد ولا تقبل المسامحة ! , هل ستصبح بعدها لغيره ! , لا يعلم لمَ شعر بضيق من تفكيره هذا لكنه أقنع نفسه بالعكس حين هتف بصوت عالٍ :
" حتى لو ما في داهية هو أنا يعني هموت عليها ! "
أنهى حديثه ولا يعرف لمَ لكنه مد يده يلتقط هاتفه ووجد نفسه يضغط على اسمها طالبًا إياها .
فتحت عينيها بضعف حين سمعت صوت رنين الهاتف فالتقطه تنظر لشاشته فوجدته هو , زفرت بضيق وهي تحاول أن تبعد عن تفكيرها ما رأته منذُ ساعات , تطلعت للساعة المعلقة على الحائط فوجدتها الحادية عشر ليلاً لقد نامت لخمس ساعات ! .
" السلام عليكم . "
رددتها بهدوء بعدما فتحت المكالمة , فاستمعت لصوته الهادئ يرد :
" وعليكم السلام , صوتك بيقول أنك نايمة .. "
قطبت حاجبيها باستغراب شديد وقد انتبهت لأمر هام للتو , صالح هو من يهاتفها ! منذُ متى وهو يفعل هذا ! ويفتح حديث معها أيضًا !!
ردت بذهول مسيطر عليها :
" أيوه , هو في حاجة؟ "
قالت الأخيرة بقلق علّ شيئًا حدث لذا يحدثها .
رد باستغراب :
" لأ , عادي يعني , في إيه ؟ "
تنهدت براحة ثم قالت :
" أصل مش بالعادي بتتصل . "
قال باستفسار :
" إزاي يعني ما احنا كل يوم بنتكلم ! "
زفرت بإرهاق ثم قالت بعدم اهتمام فلا فائدة من الحديث :
" صح , أنت فوق؟ "
" لا جاي في الطريق . "
صمتت لثانية ثم سألته بخفوت :
" الهدايا عجبتك؟ "
نظر للطريق جواره وهو يقول بعدم اهتمام :
" آه , حلوة . "
سألته بمكر :
" إيه أكتر هدية عجبتك ؟ "
انتبه لسؤالها فتوتر قليلاً ولم يجيبها حتى قال باستعجال مصطنع لينهي المكالمة :
" ياسمين هكلمك لما أوصل عشان داخل على طريق زحمة ومش هعرف أتكلم معاكِ . "
ابتسمت بسخرية حزينة وهي تقول :
" توصل بالسلامة . "
أغلقت الهاتف بعد جملتها هذه وعادت تخلد للنوم ليس رغبةً في النوم بل هربًا من أفكارها .
دلف لغرفته بعدما عاد من الخارج , اتجه للفراش وألقى عليهِ الهاتف ثم انحنى يجلب حقيبة الهدايا التي استغرب وجودها بالأرض لكن توقع أنها سقطت حين قذف بها على الفراش .
جلس على الفراش وهو يخرج الهدايا من الحقيبة واحدة تلو الأخرى فوجدهم عبارة عن ( زجاجة عطر رائحته مختلفة عن نوع العطر الذي يضعه لكنه أجمل بكثير , وقميص أنيق أزرق اللون بلونه المفضل , و ساعة سوداء أنيقة , ومعها خاتم فضة بهِ فص أسود لامع , وأخيرًا جواب صغير مع الهدايا )
فتح الجواب بفضول ليقرأ ما بهِ .
" وحبك كالمرض الذي أصاب قلبي منذ زمن مضى , وكلما حاولت التخلص منهِ أبى وازداد تمكنًا وكأنه يعاندي , مرض يرهقني لكني راضية بهِ , أرأيت أحد من قبل يحب مرضه ! أنا هكذا ولا أتمنى الخلاص منه ولا أظنني سأقدر حتى وإن أردت , بعدك يحرقني وقربك يربكني وأنت كلك ترهقني فهلا رأفت بقلبي ! , أعلم أنها المرة الأولى التي ستعرف فيها حقيقة حبي لك , لذا أردت أن تكون في يوم مميز كهذا , ولا أجد عيبًا أن أصارحك بحبي فلقد أصبحت حقي لكني لم أقدر أن أصارحك وجهًا لوجه لكن بعد أشهر قليلة ستصبح زوجي وحينها سأفعل .
دُمت لي حبيبًا حتى تنقطع أنفاسي ....
ياسمين "
تجمدت يداه وتصلبت عضلات وجهه وهو يقرأ ما كتبته , تحبه ! ياسمين تحبه ؟ منذُ متى ! لقد ظن أنها وافقت عليهِ لكونه ابن عمها وشخص تثق فيهِ فرأته مناسب لها ولرغبة والدها في هذه الزيجة أي لنفس أسبابه , لكن تقول أنها تحبه ومنذُ زمن !؟
رواية قلب مصاب بالحب الفصل الثالث 3 - بقلم ناهد خالد
ظل جالسًا مكانه لأكثر من نصف ساعة وهو يحاول استيعاب ما عرفه للتو.
وبعدما وجد نفسه في دوامة لا يستطيع الخروج منها، التقط هاتفه وطلب رقم "رندا" علَّها ترحمه من حيرته.
"بتكلمني مرتين في يوم واحد! غريبة، عندك وقت فراغ ولا إيه!"
قالتها "رندا" ما إن أجابت على اتصاله. زفر هو بضيق وقال بجدية:
"رندا، عاوزك في موضوع مهم."
استغربت نبرته الجادة، فليست عادته أن يكون جادًا هكذا خصوصًا معها.
"في إيه يا صالح؟"
صمت لثانية، يمسح وجهه بكف يده الحرة بضيق، ثم بدأ يسرد ما قرأه في الجواب عليها. لم يقوله لها نصًا، فقط اكتفى بإخبارها بنبذة مختصرة عن محتواه.
"مكنتش متخيل أنها بتحبني. أنا كنت فاكرها وافقت على الخطوبة عشان شافتني مناسب وابن عمها يعني أضمن ليها، شخص تعرفه وتعرف طباعه وهيحافظ عليها خصوصًا أنها عمرها ما اختلطت بالناس."
قاطعته "رندا" بنبرة معاتبة:
"وأنت حافظت عليها، طلعت قد ثقتها فيك؟!"
احتدت نبرته وهو يردف بغضب طفيف:
"بقولك أنا كنت فاكر أنها وافقت عشان كده، لكن طلعت وافقت عشان بتحبني. ثم إني محافظتش عليها إزاي يعني؟"
"لما تكون بتخونها أنت كده حافظت عليها؟"
رد باستنكار شديد:
"إيه العبط ده! بخونها إيه، أنتِ كبرتي الموضوع أوي. هو أنتِ شيفاني كل يوم مع واحدة في البيت؟"
ردت "رندا" بعصبية من إنكاره لما يفعله:
"مش لازم تكون مع واحدة في علاقة بمعناها الحرفي عشان تبقي بتخونها. إنك تكلم واحدة وتقابلها وتديها كلام ومشاعر من حقها هي، يبقى كده بتخونها."
أصدر صوتًا معترضًا من حنجرته قبل أن يقول بعصبية مماثلة:
"لو هتفضلي تقطمي فيا يبقى تقفلي أحسن."
هدأت من نفسها قليلاً، لكن لم تخلو نبرتها من الضيق وهي تقول بتهكم:
"هو أنت مش عاوز حد يقولك أنت غلطان! عمومًا، ماشي هسكت. قولي أنت بتكلمني ليه دلوقتِ؟"
هدأت أنفاسه الغاضبة وقال بحيرة تتمكن منه بشدة:
"مش عارف. أنا من وقت ما قرأت رسالتها وأنا محتار، حسيت أني اتلخبطت. الأول كنت بقول مبحبهاش وهي مبتحبنيش وعلاقتنا ببعض هتبقى مجرد زوج وزوجة هتتبني على العشرة والاحترام بينا مش أكتر. لكن دلوقتي الوضع اختلف، هي بتحبني وأكيد هتبقى منتظرة مني أبادلها مشاعرها واهتمامها وحبها وأنا مش هقدر أعمل ده."
تساءلت "رندا" بحيرة:
"أنت قصدك أن ضميرك هيأنبك عشان مش عارف تبادلها حبها ولا عشان ممكن تحصل مشاكل بسبب عدم مبادلتك لمشاعرها وقلة اهتمامك بيها؟"
"الاتنين."
"وأنت حاسس أنك عاوز تعمل إيه دلوقتِ، هتسيبها؟"
قطب حاجبيه بضيق مفكرًا في سؤالها. يتركها، هل يرغب فعلاً في تركها؟! هو نفسه لا يعلم الإجابة فكيف سيجيبها؟!
"مش عارف يارندا."
قالها بعدما زفر بضيق، فهو حقًا لا يعلم.
"صالح، سيب الأمور تمشي زي ما هي ماشية، بس ياريت لو تحاول تقرب منها شوية. مش هقولك اتعامل معاها زي ما هي بتتعامل معاك، بس اتعامل معاها زي أي واحد وخطيبته على الأقل. يمكن وقتها تعرف أنت عاوز إيه، تكمل ولا تبعد..."
رد بحيرة:
"تفتكري الحيرة دي هتنتهي لما أقرب منها؟"
ابتسمت الأخيرة بخبث وهي تقول:
"آه طبعًا، هتعرف إذا كان هتحصل بينكوا مشاكل ولا لأ وإذا كنت هتعرف تكمل ولا البعد أحسن ليك."
اقتنع بحديثها بالفعل ورأى أنه الحل الأمثل لاتخاذ القرار الصحيح. فإن حدثت بينهما مشاكل خلال الفترة المقبلة بسبب عدم مبادلته لها مشاعرها بعد معرفته بحبها له، سيقرر الانفصال عنها في هدوء قبل أن يصلوا للزواج. وإن سارت الأمور على ما يرام، ستستمر علاقتهما وسيكون مطمئنًا.
"ماشي يا راندا، أما أشوف. يلا، سلام."
أغلقت معه الهاتف لتتنهد بضيق قبل أن تقول بتمني:
"ياريت تقرب منها فعلاً يا صالح وتحس بيها وبحبها ليك وتبادلها مشاعرها بدل ما تكسر قلبها. وكسرة القلب دي أصعب حاجة..."
صمتت لثانية ونبرتها تتحول للحزن وهي تكمل:
"محدش يعرفها قدي عشان جربتها..."
أنهت حديثها وهي تُخرج صورة أحدهم وتفتحها على هاتفها لتنظر له بحنين وهي تغمغم:
"ياريتك تحس بيا يا علي..."
فكان "علي الزيني" هو حبيبها المستتر والذي ترفض الزواج من أجله. قلبها الأحمق ينتظره ويأمل أن يشعر بها يومًا، وعقلها ينهرها بأنه لن يفعل، فهي أمامه منذ سنوات ولم يفكر في التقرب لها حتى، فهل سيفعل لاحقًا؟!
فتحت باب الشقة حين رن الجرس، وهي تتوقع أنه "إسلام" فقد نزل لجامعته منذ ساعات. قطبت حاجبيها باستغراب وهي تردد:
"صالح!"
ابتسم بتوتر وهو يقول:
"مش هتدخليني ولا إيه؟"
أومأت بهدوء وهي تفسح له الطريق فدلف وتبعته هي للداخل، وعقلها يتساءل عن سبب قدومه.
جلس فوق أحد المقاعد وجلست هي أمامه على المقعد الآخر بصمت تنتظر حديثه، وهذه ليست عادتها. نظر لها بهدوء ثم قال مبتسمًا:
"شكرًا على الهدايا، عجبوني."
على ذكر الهدية، تصلبت عضلات وجهها وهي تتذكر الجواب الذي تركته له في الحقيبة ولم تلحق أن تأخذه حين نادت عليها زوجة عمها. فضربت الحمرة وجهها وهي تقف بتوتر وخجل وتقول محاولة الهرب منه:
"هعملك شاي."
"لسه شارب فوق، اقعدي."
قالها بضحكة خافتة وهو يتفهم محاولتها للهرب منه وخجلها الذي ظهر بوضوح. جلست مرغمة وهي تفرك كفيها بتوتر، لا تريده أن يفتح معها حديثًا حول ما كتبته في الجواب، فستموت خجلًا وقتها. هي نفسها لا تصدق ما كتبته وبعثت بهِ له أيضًا!!
أراد إخراجها من خجلها والتطرق لموضوع آخر فقال متسائلاً:
"اومال إسلام وعمي فين؟"
نظرت له باستغراب، ما به اليوم يفتح معها الحديث ويأتي لها بمفرده دون إلحاح منها، والأمس هاتفها هو لأول مرة. إن قالت أن تغيره اليوم بسبب ما عرفه عن مشاعرها تجاهه، إذًا ماذا عن الأمس؟!
"ياسمين، أنتِ سمعاني؟"
قالها بتنبيه حين لم تجبه، فقط تنظر له بصمت. انتبهت لحديثه فتنحنحت بخفوت وهي تبعد نظرها عنه وتقول:
"أيوه معاك. إسلام في الجامعة، وبابا راح يصلي العصر في الجامع."
أومأ بهدوء وقال متسائلاً مرة أخرى:
"وأنتِ عاملة إيه؟"
هذه المرة لم تستطع منع سؤالها، فنظرت له وهي تسأله باستغراب:
"صالح، أنت عاوز تقول حاجة وبتمهدلها؟"
رد باستغراب:
"لأ، ليه بتقولي كده؟"
رفعت منكبيها بحيرة وهي تقول:
"مش عارفة، بس دي أول مرة تيجي من غير ما أقولك، وكمان عمال بتسأل على حاجات مش بالعادي إنك بتسأل عنها أصلاً."
تفهم حديثها فابتسم بهدوء وهو يجيبها بكذب:
"كل الحكاية أن الفترة اللي فاتت كنت مشغول شوية عشان كده تلاقيني معظم الوقت كنت بعيد."
رفعت حاجبيها باستنكار وهي تردد:
"5 شهور مش فاضي فيهم!"
توتر قليلاً لكنه رد بثبات ظاهري:
"آه، المصنع شغله كان كتير الفترة اللي فاتت بس خلاص خف الحمد لله."
ردت بتصديق لحديثه:
"الحمد لله... تشرب إيه بقى؟"
كاد يجيبها لكن أوقفه رنين هاتفه، فأخرجه ليجد المتصلة "مُنى" فكتم صوته ووضعه في جيبه ثانية تحت نظرات "ياسمين". ثم نظر لها وهو ينهض وقال:
"همشي أنا عشان عندي مشوار وكمان محدش هنا، بس اعملي حسابك هنتغدى بكرة برا."
أنهى حديثه وذهب من أمامها بهدوء كأنه لم يفعل شيئًا. أما عن تلك المسكينة، فكان قلبها يتراقص فرحًا وعيناها متسعة بعدم تصديق. أطلب منها صالح الخروج سويًا رغبةً منه وليس مجبرًا! بل ويتحدث لها ويبتسم أيضًا! ابتسمت باتساع وهي تستنشق رائحة عطره التي أخلفها وراءه ووجدت نفسها تدندن بسعادة وهي تتجه للمطبخ لتكملة طهي الطعام.
يا عيني، طبي، لقيت حبيبي وكان نصيبي أقابله بكرة
أقول له أهلا ويقول لي سهلا
ويفوت نهارنا من غير ما ندري
ولما أفوتُه أقول له بكرة
هقابله، أقابله بكرة
يا قلبي جالك نديم خيالك واللي جالك عمره ما يجري
أحفظ معاده وصون وداده وافرح معاه في العمر مرة
مدام يا قلبي هتشوفه بكرة وتقابله... وتقابله بكرة
فضلت وحدي أستنى بكرة... تاخذني فكرة.. وتجبني فكرة
ولما قال لي هأفضل تملي لو فات نهاري أشوفه بكرة...
تنهدت بقلة حيلة وهي تقول:
"هتعمل إيه تاني فيا يا صالح، كلمة منك تطلعني لسابع سما وكلمة تانية تنزلني لسابع أرض..."
----
"اتأخرت ليه يا صالح؟"
قالتها "مُنى" بضيق حين وصل صالح أمامها، فقال لها مبتسمًا:
"زحمة الطريق يا منمن، معلش. يلا يدوب نلحق نتغدى عشان نلحق ميعاد السينما، مش كنا حجزنا حفلة 9 أحسن!"
"عشان عيد الميلاد، أنت نسيت؟!"
ضرب بكفه على جبهته وهو يقول:
"آه افتكرت، طب يالا بقى يدوب نلحق."
علقت ذراعها في ذراعه وهي تقول مبتسمة:
"يلا يا حبيبي."
وقفت أمام المرآة تتأكد من مظهرها للمرة المائة كعادتها حين تخرج معه. عدلت كنزتها البيضاء ورتبت خصلات شعرها مرة أخيرة، ثم اتجهت لحذائها ذي الكعب العالي وارتدته لتكتمل أناقتها وجلبت حقيبتها متجهة للخارج.
"اتأخرت عليك؟"
قالتها بابتسامة سعيدة حين وجدته ينتظرها أمام الباب وليس في السيارة ككل مرة. التفت لها مبتسمًا بهدوء وقال:
"لأ عادي، يلا؟"
"يلا."
في السيارة...
قطعا نصف الطريق تقريبًا ولم يتحدث أحد منهما. ربما ليس لديهم ما يقولوه، وربما لأنهم ليسوا معتادين على الحديث سويًا.
مدَّ "صالح" يده ليشغل المسجل كي يكسر الصمت السائد، فانطلقت موسيقى إحدى الأغاني الثنائية التي يغنيها مغني ومغنية، وهي أغنية "من أول دقيقة".
ظلت الأغنية مستمرة لدقيقتين تقريبًا ولم تشعر "ياسمين" إلا وهي تردد معهما بصوت خافت لكن وصل لمسامعه جيدًا. فأغلق المسجل فجأة.
نظرت له باستغراب، فقال مبتسمًا وهو مازال ينظر أمامه:
"صوتك حلو، وحابب اكتشفه، غني أنتِ."
ردت بخجل:
"لأ، مش هعرف."
قال لها بتشجيع:
"هتعرفي وأنا هساعدك، يلا."
صمت قليلاً ثم بدأ الدندنة بصوت منخفض لعدم إجادته الغناء:
بغير من عيني وأنا شايفك وده اللي وصلت ليه
لو اسمع اسمي بشفايفـك بقولك كرريه
وعمري ما هقدر اوصفلك بحبك قد إيه.
صمت منتظرًا أن تبدأ بجزئها لكنها لم تفعل، فنظر لها بطرف عيناه وهو يقول:
"يلا، متبقيش رخمة."
ابتسمت بخفوت وبدأت في الغناء بصوت مرتفع عنه قليلاً لإجادتها الغناء:
ارسميني في ليلك نجمة ضيها يلمع في العين
اكتبيني في عمرك كلمة يحكوها الناس بعدين
أنا نفسي أعيش فوق عمري يا حبيبي معاك عمرين.
ابتسم بإنبهار من صوتها الناعم الجميل في الغناء وبدأ في الدندنة بخفوت:
لو تطلبي مني عينيا... لو تطلبي عمري كمان
ها أديكي سنيني الجاية وها أكون راضي وفرحان
انتِ اللي وجودك جنبي حسسني ان انا انسان.
كانت تستمع له بأعين لامعة تتمنى لو كلماته هذه تنبع من داخله وليست مجرد أغنية يرددها. نظر لها حين طال صمتها، فأشاحت بعيناها بعيدًا وأخذت تردد بكلمات تنبع من قلبها:
ده من أول دقيقة لحبك قلبي مال
عرفت بميت طريقة أغير حال بحال
توهت بين الحقيقة يا عمري والخيال
أنا عايـــزاك تفضل جنبي سندي وفارس أحلامي
قلبي في قربك مطمئن خليك دايمًا قدامي
ده أنا قبل ما بنطق كلمة بـ تكمل ليا كلامي.
أنهت غنائها وهي تقول بمرح:
"كفاية بقى تلوث سمعي."
رد بصدق مبتسمًا:
"صوتك حلو أوي ودافي كده."
ابتسمت بخجل مشيحة رأسها للناحية الأخرى وهي تهمس:
"شكرًا."
_______
كان جالسًا معها في المطعم حين رن هاتفه وكانت المتصلة "مُنى" فنظر ل "ياسمين" وهو يقول:
"هرد على المكالمة وأرجعلك."
أومأت له بموافقة، فقام مبتعدًا قليلاً وحين فتح المكالمة قال:
"إيه يا حبيبي ده، لسه ساعتين على ميعاد تحركنا؟"
أتاه صوتها الحزين وهي تقول:
"سوري يا صالح، مش هينفع نسافر. بابي عاوزني أسافر معاه دبي ومصمم وهنسافر بكرة."
قطب حاجبيه باستغراب وتساءل:
"هترجعوا إمتى؟"
"- بعد أسبوعين."
---------
وقد مر الأسبوعان بسلام. وابتعاد مُنى كان فرصة جيدة جدًا لتقرب صالح من ياسمين أكثر، فأصبح ليس لديه غيرها. تعددت خروجاتهما وأحاديثهما وقد لاحظت ياسمين التغير الشاسع في شخصية صالح، وكما كان هذا يسعدها، رأت أن جميع عقبات علاقتهما قد أُزيلت.
"وحسيت بإيه بقى لما قربت؟"
تساءلت بها "رندا" وهي تتحدث مع صالح عبر الهاتف. فقال بتنهيدة:
"حاسس أني أول مرة أتعرف عليها، اكتشفت حاجات كتير مكنتش شايفها فيها..."
شرد يتذكرها وهو يتحدث، فلم يشعر بما يقوله وكأنه نسي أنه يتحدث مع رندا عبر الهاتف.
"اكتشفت أن عنيها لونها حلو أوي، وبتتكسف بسرعة وبيبقى شكلها حلو أوي وهي مكسوفة وبتحاول تهرب في أي حاجة. بتهتم بكل تفاصيلي ولما بتكلم بحس أنها بتسمعني بكل جوارحها مش ودنها بس. بحس بخوفها وقلقها عليا وأنها دايما عاوزالي الأفضل. الأول مكنتش بحب أسمعها بس دلوقتي لما ركزت في كلامها بقيت مش عاوزها تسكت. كلامها حلو وطريقتها في التعبير تشدك لكلامها حتى لو أنتِ رافضاه. بتفرح بأقل حاجة وبتزعل برضو من أقل حاجة بس مبتبينش. ومحستش منها أنها متضايقة أني مجبتش سيرة عن الجواب، بالعكس مش فارق معاها الموضوع وراضية بمعاملتي معاها ومبسوطة بيها رغم أن ده الطبيعي مبعملش حاجة زيادة عن المفروض يتعمل، بس يمكن عشان طريقتي معاها قبل كده."
خرجت "رندا" عن صمتها بعدما أنهى حديثه وابتسمت بخبث وهي تسأله:
"وأيه كمان؟"
انتبه لصوتها فاتسعت عيناه ذهولاً، كيف استرسل في الحديث هكذا ناسيًا إياها! حمحم بارتباك وهو يقول:
"بس فمحصلش مشاكل يعني..."
رأى هاتفه يرن على الجهة الأخرى، فقال لـ رندا:
"هقفل معاكِ عشان مُنى بترن، شكلها وصلت مصر وكنا متفقين نتقابل أول ما توصل."
اتسعت فم رندا وهي تردد بدهشة:
"مُنى!"
استمعت لصوت إغلاق المكالمة، فضربت كفًا بالآخر وهي تقول:
"بعد كل اللي قاله فكرته هيقولي أنا بحبها، يقوم يقولي مُنى!!"
رواية قلب مصاب بالحب الفصل الرابع 4 - بقلم ناهد خالد
"فتاه أخرى !!"
قلب مُصاب بالحب
تأفأف بملل من الانتظار بذلك المقهى المتفق عليه للمقابلة فيه. مر على ميعادهما نصف ساعة كاملة ولم تحضر بعد، وهو لم يعتاد الانتظار مطلقًا.
فتح هاتفه وطلب رقمها بجبين مقطب وملامح منزعجة، حتى أتاه الرد فهتف فورًا باهتياج:
"نص ساعة يا منى! أنتِ فين؟"
ردت عليه بضيق:
"أنا آسفة يا صالح، بس اتخانقت مع بابا ورفض نزولي."
ارتفع جانب شفتيه باستنكار مطلق وهو يردد بسخرية:
"أبوكِ! هو ماله خد باله منك فجأة كده؟ ما أنتِ بقالك شهر ونص معايا عمرك ما اعتذرتِ عن مقابلة عشان أبوكِ."
"ماهو كان مسافر يا صالح ورجع."
غمغم بصوت لم يصل لها:
"قال يعني رجع من العمرة!"
رفع صوته وهو يقول بجدية بعدما توصل لقراره الأخير والذي يفكر فيه منذ سفرها:
"بقولك يا منى، أنا بقول يعني كفاية كده."
أتاه سؤالها المستفسر وهي تقول:
"كفاية إيه؟"
"كفاية في علاقتنا، يعني كل واحد يشوف طريقه أحسن."
صيحة مستنكرة ومصدومة في آن واحد تبعها صوتها المرتفع وهي تقول:
"أنت اتجننت يا صالح؟ أنت بتنهي علاقتنا بالسهولة دي!"
رد ساخرًا:
"لا مليش حق. أنهي عشر سنين في لحظة كده! مالك يا منى متأفوريش، أنا لسه عارفك الشهر اللي فات."
أتاه ردها بنبرة شجن وهي تقول:
"أيوه بس كانوا كفاية أتعلق بيك."
"بالظبط اتعلقتِ بيا يعني لا حب ولا نيلة، متقلقيش التعلق ده مش هياخد معاكِ أسبوع وهتكونِ نسيتِ أنك عرفتِ حد اسمه صالح أصلاً."
هدأت نبرتها فجأة وهي تسأله بحذر:
"ده آخر كلام عندك؟"
رد سريعًا دون تفكير:
"أتمنى لكِ الأفضل."
أنهت حديثها بهدوء مصطنع:
"مش هقولك غير إنك **** و ***."
أنهت كلمتها وأغلقت المكالمة ليستمع هو لصفير إنهائها، فأشتعلت عيناه غضبًا وهو يردد:
"بقى بتشتمني بنت ال... أنا اللي غلطان أديتها وقت أكتر من غيرها."
ألقى هاتفه على الطاولة وهو يشعر بأن مزاجه قد عُكر. ألتفت حوله ليرى النادل كي يطلب فنجان قهوة آخر عله يغير مزاجه، ولكن بدلاً عن أن يجده وجد شيئًا آخر لفت انتباه.
بالتحديد شخص آخر، وأكثر تحديدًا فتاة تجلس على طاولة بمفردها تتناول عصير البرتقال وهي تطلع للمياه التي يطل عليها المقهى.
ابتسم بخبث كالصياد الذي وجد فريسته وقام متجهًا ناحيتها بعدما لملم أشياءه. سار بخطى واثقة حتى وصل أمام طاولتها بابتسامته الجذابة وقال:
"تسمحيلي أقطع خلوتك؟"
رفعت أنظارها لتجد شابًا وسيمًا بشكل ملفت. شكل لا يمكن التغاضي عنه. ابتسمت له وهي تقول:
"طبعًا، اتفضل."
جلس محافظًا على نفس الابتسامة وهو يقول:
"كنت قاعد لوحدي وعيني وقعت عليكِ، لاقيتك أنتِ كمان قاعدة لوحدك وحسيتك متضايقة، فمحسيتش نفسي غير وأنا جاي ناحيتك."
ابتسمت بلطف وهي تقول:
"كنت زهقانة وحتى كنت بفكر أقوم أمشي، أصل مش متعودة أقعد لوحدي."
"وليه قاعدة لوحدك؟"
"صحابي في الجونة بيحضروا weeding party هناك."
تسائل بفضول:
"وليه أنتِ مش معاهم؟"
"عندي شغل مهم ومقدرش أسافر."
"وياترى بتشتغلي إيه؟"
ردت بابتسامة:
"مصممة حفلات زفاف."
رفع حاجبيه مندهشًا وهو يردد:
"واضح أنك شاطرة."
ضحكت بخفة وهي تسأله:
"تحب تشوف شغلي؟"
رد بترحاب:
"طبعًا ياريت، بس قبلاً أعرف اسمك!"
ابتسمت بحرج وهي تمد يدها له:
"آه، sorry نسيت أعرفك بنفسي، ديانا محفوظ."
التقطت كفها بترحاب وهو يعرف عن نفسه:
"صالح الزيني."
"صالح الزيني" الذي ترك فتاة وبعد ثانيتين ارتبط بفتاة أخرى!!
***
استمعت لصوت صرير عجلات سيارته بالخارج لتدرك أنه قد عاد. ركضت للمطبخ لتجلب الطبق الذي احتفظت به من أجله وعادت سريعًا تفتح باب شقتها لتستقبله وقد كان بالفعل قد صعد الدرجات القليلة التي تسبق باب شقتها.
أنتبه لفتح الباب وأبصرها واقفة بابتسامتها التي تزيد من دقات قلبه دون مجهود، وتلقائي ابتسم لها وأسرع في صعود الدرجتين الفاصلتين بينهما حتى أصبح أمامها فقال وهو ينظر لساعته:
"الساعة تسعة، تسعة و3 دقائق كنتِ هتلاقي تليفونك بيرن برقمي."
ضحكت بخفة وهي تقول:
"بتلحق نفسك ها، عشان مكلمتنيش من الصبح."
ابتلع ريقه بتوتر مصطنع وهو يقول:
"هو يعني... العمر بعزقة!"
أشاحت بوجهها للجانب لتخبئ ضحكتها ثم عادت بنظرها له وتسائلت وهي تضيق عيناها:
"قولي مش شامم ريحة حاجة حلوة؟"
أرجع رأسه للخلف قليلاً يتصنع الإشتمام جيدًا ثم عاد بنظره لها وقال بابتسامة عابثة ونظرات أصابتها بالإرباك:
"شامم ريحة ياسمين تهبل."
تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل وهي تخفض وجهها لأسفل:
"صالح وبعدين بقى، أنا لسه متعودتش على طريقتك دي وبتكسفني."
ابتسم بمشاعر صادقة تغزوه تجاهها وقال راحمًا خجلها:
"هتتعودي متقلقيش، طب قوليلي ريحة إيه؟"
رفعت نظرها له بملامح منزعجة وسألته:
"أنت بجد مش شامم خالص؟"
قطب حاجبيهِ وهو يشتم جيدًا حتى ابتسم باتساع وهو يقول:
"طب طلعي طبق المكرونة بالبشاميل اللي ريحتها تجنن دي من ورا ضهرك."
ضحكت بسعادة وهي تُظهر له الطبق الذي نظر له وهو يقول:
"يخرابي على الجمال، هو في كده!"
سألته بابتسامة عابثة:
"عجبتك؟"
نظر لها وهو يقول:
"هي مين؟"
نظرت له باستغراب وقالت:
"المكرونة."
"مكرونة إيه أنا بتكلم على الإيد الناعمة اللي بتلمع دي."
شهقت بتفاجئ وخجل من حديثه لتصدم الطبق بصدره وهي تردد:
"امسك يا صالح واطلع يلا، أنا اللي غلطانة أنا واقفة معاك."
التقطه منها وضحكاته تجلجل بشدة على مظهر وجهها وحديثها حتى أنه لم يستطع أن ينطق.
جذبت الباب لتغلقه لكنها فتحته مرة أخرى وهي تنظر له مغمضة:
"وقح."
وأغلقت الباب في وجهه، لتزيد ضحكاته وهو يتجه للأعلى ليصطدم فجأة بجسد قصير لحد ما. توقف ينظر لمن اصطدم به ليجدها "رندا" تنظر لضحكاته والطبق الذي بين يده برفعة حاجب ونظرة ماكرة.
"رندا بتعملي إيه هنا؟" تساءل بها بعدما تحكم في ضحكاته، فردت "رندا" بهدوء:
"جيت أشوف طنط جيجي بقالي كتير مشوفتهاش."
نظر لها بغموض وهو يقول:
"كويس، هتروحي؟"
"أيوه.."
نظرت للطبق ثم سألته بخبث:
"أنت جاي منين بالمكرونة دي؟"
نظر للطبق بتوتر طفيف فهو يعلم جيدًا مغزى سؤالها، وقبل أن يجيب استمع لها تكمل:
"وضحكتك كانت جايبة لفوق، خير إن شاء الله؟!"
رفع نظره لها وزفر بضيق وهو يرى نظراتها وقال:
"روحي يا رندا، وأنا هطلع ألحق المكرونة لأحسن تبرد."
ضحكت بشدة وهي تنظر لتزمره وكادت تجيب لكنها استمعت لصوت آخر يقول:
"السلام عليكم."
ارتفع وجيب قلبها وتسارعت نبضاته وهي تستمع لصوته. لقد جاءت من الأساس وهي تتمنى رؤيته لكن أُحبطت حين وجدته بالخارج وها هي الآن تستمع لصوته الذي لا يفشل قلبها في التعرف عليه.
ابتسم "صالح" بهدوء وهو ينظر لتصنمها ثم نقل بصره لأخيهِ وهو يقول:
"وعليكم السلام، حمد الله على السلامة يا علي."
رد "علي" بهدوء:
"الله يسلمك، ازيك يا رندا؟"
حسنًا عليها الالتفات والإجابة أيضًا. سحبت نفس عميق قبل أن تستدير له بهدوء وابتسمت ما إن وقعت عيناها عليهِ وقالت:
"الحمد لله، ازيك أنت يا علي؟"
رد بهدوء كعادته:
"الحمد لله."
تنحنحت بتوتر حاولت مداراته وهي تقول:
"طيب عن إذنكم."
وانسحبت بهدوء وهي تشعر بأن قلبها قد ارتاح واستكان أخيرًا بتلك اللحظات التي رأته فيها.
نظر له "صالح" ليجده ينظر لمكان خروجها فأصدر صفيرًا من فمه ينبهه حتى التفت له فقال بعبث:
"ما يلا يا عيلوه ولا هنقضي الليلة على السلم!"
اقترب منه واضعًا يده على كتفه وهو يصعد معه:
"يلا يا خويّا بالطبق اللي في إيدك ده، أنت بتشحت من ورايا ياض؟"
نظر له بجانب عيناه وهو يقول بهيام:
"أشحت! طب ياريت الشحته كلها كده وأنا أشحت كل يوم."
"طب ماتجيب حتة."
رد رافضًا:
"لا يا حبيبي ده مخصوص ليا، متقلقش هتلاقيها طلعت لأمك طبق ما أنت عارفهم كل يوم طباق نازلة طالعة بينهم."
ضحك "علي" وهو يفتح باب الشقة ويقول:
"يبقى ألحق أدخل اقتحم المطبخ."
***
جلب طبق المعكرونة الآخر وجلس بجوار صالح في منتصف الصالة مستغلين غياب والدهم ودخول والدتهم للصلاة.
"امممم، البت ياسمين بتعمل شوية مكرونة أجدع من بتاعت أمك."
نظر له صالح بضيق ولم يعلق. فوجه "علي" بصره له وهو يقول:
"مبتردش ليه؟"
رد باقتضاب:
"هرد أقول إيه؟!"
أومأ برأسه قبل أن يعاود الأكل، ومرت ثوانٍ قبل أن يقول "علي" متسائلاً:
"طمني، بقيت عارف تتعامل مع ياسمين؟ اتقبلتها؟"
نظر له بتفاجئ لسؤاله، ليبتسم "علي" بهدوء وهو يقول:
"أنا فاهم كل حاجة من أولها، وعارف أنك مكنتش متقبل وجود ياسمين في حياتك، كمان مكنتش عارف تتجاوز حبك لـ رندا."
"حبي لـ رندا!!!"
أومأ بتأكيد وهو يُكمل موضحًا:
"أنا سمعت كلامك معاها بالصدفة قبل خطوبتك لياسمين."
وضع "صالح" الطبق الخاص به على الطاولة والتف لـ "علي" باهتمام وهو يسأله:
"كلام إيه يا علي؟"
رجع علي بذاكرته للوراء وهو يتذكر تلك الليلة التي استمع لها لحديث "صالح" مع رندا وهو يقول:
"عارفه يارندا، أنا بتمنى بجد أن عيالنا يكونوا قريبين لبعض وميبقاش بينهم أي مشاعر سلبية، عارفه أنا مش مصدق أني في يوم هشوفك لابسة فستان أبيض ونقعد بقى في حوارات الفرح المزعجة دي، بس خدي بالك بدلتي أنتِ اللي هتختاريها أنا بقولك من دلوقتي أهو، واجي أنا بقى أخدك من الكوفيرا على القاعة و..."
كان هذا آخر ما سمعه قبل أن يقرر الذهاب بعيدًا وقلبه ينزف ألمًا بعدم إدراكه أن علاقة أخيه بها ليست صداقة كما يدعون، وأنه قد خسر حبًا لم يقدر له الإعلان عن نفسه بالظهور حتى...
رواية قلب مصاب بالحب الفصل الخامس 5 - بقلم ناهد خالد
- فأنت فهمت إني بحب رندا!
أجابه علي بهدوء ظاهري:
- أيوه، ما الكلام كان واضح.
ضحك صالح بشدة قبل أن يقول:
- كلام إيه ياعم أنت مسمعتش باقي كلامي.
فلاش باك
- أنا بجد نفسي لما نتجوز إن شاء الله مراتك تبقى صاحبتي وجوزي يبقى صاحبك حتى ولادنا يبقوا صحاب وأكتر من الإخوات.
أجابها صالح بتمني:
- عارفه يارندا، أنا بتمنى بجد أن عيالنا يكونوا قريبين لبعض وميبقاش بينهم أي مشاعر سلبية، عارفه أنا مش مصدق أني في يوم هشوفك لابسة فستان أبيض ونقعد بقى في حوارات الفرح المزعجة دي، بس خدي بالك بدلتي أنتِ اللي هتختاريها أنا بقولك من دلوقتي أهو، وأجي أنا بقى آخدك من الكوفيرا على القاعة وأسلمك لعريسك بإيديا وأقوله خد بالك البضاعة لا ترد ولو جيت في يوم تشتكيلي منها ولا أعرفها أنت اخترتها بكامل قواك العقلية شيل بقى يابرنس.
شهقت رندا بغضب وهي تقول:
- صدق أنت رخم، غور يا صالح.
هكذا فقط وأغلقت المكالمة معه لينخرط بعدها في نوبة ضحك عليها.
باك
- بس دي الحكاية وتقولي بتحبها!
نظر له علي بدهشة ثم قال:
- يعني أنت مش كنت رافض ياسمين عشان رندا؟
رد صالح بتوضيح:
- أولاً، أنا مرفضتش ياسمين أنا بس مكنتش لسه متقبلها، ثانيًا، حتى لو كنت رفضتها رندا ملهاش علاقة بالموضوع، رندا صاحبتي حتى هي اللي حسنت علاقتي بياسمين.
اتسعت ضحكته ببلاهة وهو يسأله ثانية:
- يعني رندا مفيش حد في حياتها؟
ابتسم له صالح بخبث ورد:
- لا في، بس أنت بتسأل ليه؟
اندثرت ابتسامته وهو يردد بصدمة:
- في! مين؟
نظر له صالح باستغراب مصطنع وهو يقول:
- هو أنا قلت فيه؟ أنا قصدي مفيش.
- صالح.
رددها علي بغضب حين شعر بتلاعبه معه فابتسم الأخير بهدوء وقال بتأكيد:
- وحياة صالح قصدي مفيش.
هتف علي بعصبية مكتومة:
- ياخي يتك الأرف في...
- ها؟
قالها صالح محذرًا كأنه يذكره بأنه سيحتاجه في الفترة المقبلة فخمدت ثورته وأكمل بضيق:
- في حلاوتك.
وضع صالح قدمًا فوق الأخرى وهو يسأله:
- ها هتتقدملها امتى؟
توترت ملامح الأخير وهو يسأله بعدم فهم مصطنع:
- أتقدم لمين؟
زفر صالح بضيق وهو يقترب بجسده منه بعدم أنزل قدمه وقال بلهجة محتدمة:
- أخلص يابا مفيش وقت للاستعباط البت داخلة على الـ 28 وأنت كسرت الـ 30، هتتقدملها لم تطلعوا معاش!
رد بنبرة ضائقة:
- متنساش أنك بتكلم أخوك الكبير.
أشاح الأخير بيده وهو يردد بخفوت وصل لمسامع الأخير:
- كبير الخيبة!.
- ولما أقوم ألطشلك!
قالها علي بتحذير، فتراجع صالح في حديثه وهو ينهض قائلاً:
- خلاص يا كبير براحتك بقى.
أنهى جملته وهو يأخذ طبقه مرة أخرى متجهًا للداخل فتوقف على مناداة أخيه باسمه فابتسم بخبث قبل أن يلتف له متسائلاً ببراءة:
- في حاجة يا علوه؟
زجره علي بضيق قبل أن يقول بنبرة متوترة قليلاً:
- طيب كلمها، يعني شوف رأيها ولو موافقة مبدئيًا خد منها ميعاد على آخر الأسبوع.
ابتسم له صالح باتساع وهو يخرج هاتفه من جيبه ويقول بحماس:
- هو ده الكلام.
طلب رقمها وثوانٍ وأتاه الرد فقال ببشاشة:
- فاضية بكرة يا رندا هجيب العيلة ونيجي نزورك....
اتسعت أعين علي بصدمة وفغر فاهه وهو يستمع لحديث أخيه الذي أكمل:
- يا ستي هقولك ليه بعدين، فاضية ولا لأ؟
صمت قليلاً ثم قال:
- حلو أوي انتظرينا بكرة الساعة 8 إن شاء الله.
استمع للطرف الآخر ثم قال:
- جايين ليه؟ أبدًا يا ستي علي أخويا جاي يتقدملك... رندا، بت، رنداااااااا.
أغلق المكالمة ونظر لعلي المصدوم أمامه وقال وهو يرفع منكبيه:
- شكل الخط قطع.
صرخ بخضة حين اصطدمت الوسادة بوجهه وعلي يركض وراءه وهو يردد بنبرة صارخة:
- ياخي ينعل أبو سمجتك.
أغلق باب غرفته سريعًا وهو يضحك بشدة على هياج الآخر في الخارج.
الثامنة مساءً بتوقيت القاهرة، الثامنة بتوقيت قلبها المنتظر، جابت الطرقة لأكثر من مئة مرة تحاول تهدئة توترها وتحاول أيضاً استيعاب هي أساساً منذ أمس وهي تحاول استيعاب ما أخبرها به صالح دفعة واحدة، أسيتقدم لها علي؟ أشعر بها أم أنها خيار مرشح له؟ أسئلة كثيرة تجوب عقلها ولا تجد لها إجابات مقنعة وليس أمامها حلاً سوى الانتظار، انتفضت على صوت جرس الباب معلنًا قدوم المنتظر فر كضت للمرآة تتأكد من طلتها الأخيرة ومن ثم اتجهت للباب لتفتحه بابتسامة خجلة لتجد جيهان ومحمود وصالح وأخيرًا وأهمهم علي، دعتهم للدخول بترحاب شديد حتى دلفوا بعد السلامات وجلسوا في الصالون بعدما عادت لهم بواجب الضيافة، وظلت أحاديث عادية تدور في الجلسة حتى بدأ محمود بالحديث:
- بصي يابنتي احنا جايين النهاردة عشان علي ابني طالب إيدك على سنة الله ورسوله.
غزى الإحمرار وجهها وقبل أن تجيب سبقها صالح يقول:
- على فكرة بقى يا حاج مكنتش بهزر لما قولتلكوا في البيت أطلبوها مني أنا.
نظر محمود له باستنكار ثم نظر لها وهو يسألها:
- أنتِ موافقة إن ده يبقى ولي أمرك؟
ضحكت بخفوت وهي تنظر لصالح الذي اشتعل وجهه غيظًا وقالت:
- بصراحة يا انكل أحنا متفقين على كده من زمان خصوصًا إني مليش حد زي ما حضرتك عارف.
تنهد محمود باستسلام وقال:
- الي تشوفيه يابنتي.
ثم نظر لولده وهو يقول من بين أسنانه:
- إحنا طالبين إيد الآنسة رندا على سنة الله ورسوله، قلت إيه؟
وضع قدم فوق الأخرى بتكبر وكاد يتحدث حتى هدر فيه والده وهو يقول:
- نزل رجلك يا حيوان بدل ما أقوملك والله.
أنزل قدمه بحمحمة متوترة وقال:
- هشوف رأيها وأبلغكوا إن شاء الله.
هذه المرة تحدث علي بتحذير:
- صالح عدي يومك.
نظر لهم بغرابة وهو يقول:
- إيه يا جماعة هي ملهاش رأي يعني؟
أجابه علي وهو ينظر لها ويقول:
- ليها طبعاً، بس أعتقد أنها عارفة قرارها مش محتاجة وقت تفكر يا آه يا لأ.
نظر لها صالح فوجدها مبتسمة بخجل وتتحاشى النظر للجميع فسألها:
- محتاجة وقت يا رندا ولا عارفة قرارك؟
رفعت نظرها له وهمست على استحياء:
- محتاجة أتكلم مع علي شوية.
ابتسم صالح وهو يدرك ما تريده فيه وقال:
- ها يا بابا نسيبهم يتكلموا شوية؟
أومأ بتأكيد:
- طبعاً حقهم.
وقفت رندا بهدوء ودعته للخروج معها للشرفة وبعد مرور عشر دقائق من الحديث الغير مرتب زفرت رندا بضيق وهي تقول:
- علي أنا مفهمتش منك حاجة، بقالنا عشر دقايق في إجابة سؤال واحد وأنت بتلف وتدور، سؤالي واضح يا علي أنت عاوز تتجوزني ليه؟
- عشان بحبك.
قالها فجأة جعلت من نبضاتها تتوقف لثواني ثم تعود للدق مرة أخرى وهي تطالعه بأنظار مدهوشة وأكمل:
- بحبك من زمان، بس الي بعدني عنك إني كنت فاكر إنك أنتِ وصالح بتحبوا بعض.
- صالح؟
رددتها بدهشة ليومئ لها وبدأ في شرح لها ما جعله يفهم هذا حتى اتسعت عيناها بدهشة وهي تردد بدون وعي منها:
- يخربيت أبوك..
زجرها بضيق وهو يقول:
- رندا لمي لسانك.
أشاحت بيدها وهي تردد:
- لسان إيه اللي ألمه! طب كنت تعالى أنت ياخويا لمني كلي من خمس سنين مش تضيع خمس سنين عشان سوء تفاهم!
أنت عارف أنا عيشت السنين دي إزاي ولا إحساسي كان إيه وأنا فاهمه إنك مش شايفني أصلاً!
اختنق صوتها في آخر حديثها وتملكتها رغبة في البكاء ليشعر هو بها فقال بأسف:
- برضه متعرفيش شعوري أنا كان إزاي بعترف إني كنت غبي، بس أهو إرادة ربنا، والمهم إني بحبك.
"أخيرًا قالها، قال أحبك قالها
وأنا قلبي قلبي قلبي توقف بعدها
من فديت أنا العيون، قال أحبك وبجنون
ودي أطير ودي أعيش في الدنيا بقربها
واحد أحبه من زمان، وما يحس أحبه كان
وأنا كنت أعاني من زمان أتاني حس بوقتها
أخيرًا قالها، قال أحبك قالها
الفرحة يمه لقيتها صعب جدًا وصفها
هو قلبي وهو نبضه وأحلى نبضة قلبي يدقها"
- عاوز أعرف ردك.
سألها بتوتر، لتبتسم له بهدوء وخجل وهي تقول:
- موافقة يا علي.
بعد ساعة... وصل للكافيه المنشود ليجدها جالسة على أحد الطاولات في انتظاره. وقف محله ليخلع دبلته ولا يعلم لمَ تردد هذه المرة في هذه الخطوة؟ فبقت أنظاره معلقة بالدبلة لثوانٍ طويلة وإصبعيه مترددين في خلعها وشعور بالضيق يجتاحه. كل هذا دام لدقيقة ربما حتى خلعها ووضعها في جيبه وأخذ نفسًا عميقًا وهو يتجه لها.
- هاي أميرة ديانا.
رفعت أنظارها له تبتسم باتساع وهي تردد:
- في ميعادك بالثانية.
رد بغرور:
- أنا ما فيش أكتر مني التزامًا بالمواعيد.
- يا مغرور.
قالتها بضحكة ليضحك بخفوت ثم يسألها:
- طلبتِ حاجة؟
- لأ، كنت مستنياك نطلب سوا.
أومأ لها بهدوء وهو ينظر في قائمة المشروبات لتنظر له باستغراب وتسأله:
- مالك يا صالح؟ شكلك مضايق!
نظر لها بصمت لثوانٍ ثم أشاح ببصره وقال بنبرة عادية:
- لا أبدًا.
للحقيقة يشعر بشيء ثقيل يجثم فوق صدره يكاد يخنقه. لا يشعر براحة في الحديث ولا في الجلسة ولا في أي شيء يحدث الآن.
رن هاتفه ليخرجه من أفكاره لينظر لشاشته فوجدها هي "ياسمين". وقف فورًا وهو يقول لـ "ديانا":
- مكالمة مهمة، هرد وأرجع.
أومأت له بتفهم ليذهب بعيدًا عنها ويجيب وهو يقول بنبرة هادئة:
- ياسمينا.
أتاه صوتها القلق يسأله:
- ها يا صالح طمني، راندا وافقت؟
ابتسم بهدوء وهو يجيبها:
- وافقت ياستي، واتفقنا الخطوبة أول الأسبوع الجاي والفرح بعد ست شهور إن شاء الله، يعني بعد فرحنا.
توترت على ذكر زفافهما الباقي عليه ثلاثة أشهر فقط وقالت:
- الحمد لله، ربنا يتمم لهم على خير.
زفر أنفاسه بثقل وهو ينظر لتلك التي تنتظره وقال:
- يارب.
- صالح أنت كويس؟
وكالعادة من غيرها يعرفه من صوته ومن زفراته وملامحه دون أن يتحدث حتى...
وجد نفسه يقول دون مقدمات:
- وحشتيني، حاسس إني عاوز أشوفك حالا وأتكلم معاك.
ردت بتوتر ولجلجة من حديثه:
- مش أنت.. مش أنت قولت إن عندك مشوار مهم؟
أعاد نظره مرة أخرى لتلك الجالسة بعيدًا وصمت لثانية واحدة ثم قال بجدية:
- لا مشوار مش مهم، نص ساعة وهكون عندك، هرن عليك تنزلي نلف بالعربية شوية، سلام.
أنهى حديثه وأغلق المكالمة وهو ينظر للتي أمامه واتجه لها حتى وصل أمامها فوقف يقول بابتسامة:
- سوري يا ديانا، عندي مشوار مهم جدًا.
ابتسمت له بلطف وهي تقول:
- ولا يهمك طالما مشوار مهم.
أومأ لها بتأكيد وهو يلتف للذهاب:
- مهم أوي، يلا see you later.
أنهى كلماته وذهب دون الاستماع لرد ليجد نفسه يزفر أنفاسه بارتياح عجيب وابتسامة تلقائية ترتسم على شفتيه لا يعلم لها معنى.
استقلت السيارة بجواره ببسمتها الجميلة التي تسحره فبادلها الابتسام وهو يدير سيارته للتحرك وبعد ثانيتين تحركت يده لمسجل السيارة ليختار أغنية من هاتفه، أغنية ليست مجرد أغنية تسليهم، لكنها أغنية مختارة بعناية تامة بكل حرف فيها قاصدًا إياه...
نخبي ليه. في أسرارنا. وأنا وانت مفيش غيرنا
ولو ننسى مشاعرنا. نكلم مين يفكرنا
يا روح الروح. بتنساني وأنا فاكر ومش نساي
تغيب عن عيني من تاني. ومن غير حب أعيش إزاي؟
ومهما تغيب. بعيش وياك وأشوفك وردة في الشباك
ودمعة حب في عينيا بتستناك يا أحلى ملاك
قالولي الحب له علامات. في نبض القلب والهمسات
وروح بتطير تنادي عليك. ورعشة إيدي في السلامات
في عز سكوتنا نتكلم. عيوننا بتحكي وبتحلم
وأنا حسيت بأنفاسك. تدفي إيديا وتسلم
بقولك آه ومن غير صوت. تحبني موت وأحبك موت
وإحساسنا يونسنا. وأقوى من الحياة والموت. ومهما تغيب....
قطب حاجبيه حين امتدت يدها لإغلاق المسجل لينظر لها باستغراب. للحقيقة الأغنية وكلماتها كانت توترها منذ أن بدأت لذا لم تستطع إكمالها، لكن حين نظر لها قالت بتوتر:
- أغنية سمعتها كتير، هشغل أغنية جديدة.
- تمام.
غمغم بها بهدوء لتخرج هاتفها وتقوم بإيصاله بالمسجل والضغط على أغنية ما، ثوانٍ وصدحت في أرجاء السيارة...
غلبان أوي غلبان... عايش على اللي كان
فاكرنا زي زمان... غلبان أوي غلبان
لا ده فاته وفاته رميناه بماضيه وحكاياته
ده فاكر دمعنا هنا على خدنا
ياتهيؤاته
ده فاكرنا هناك قال... قعدينا جنب الشباك قال
وفي عرض رجوعه
فاكر موضوعه وشغلتنا حياته
ليه هنمسك في اللي غايب مش من قلة الحبايب
بابنا ما يتسابش موارب، إحنا بنقفل ع الشاريين...
نظر لها بأعين متسعة من الأغنية التي انتقيتها. يقسم لو كانت تعلم حقيقة ما يفعله لما أحسنت اختيارها هكذا! وجدها تردد بصوت عالٍ وحماس مع الأغنية:
ليه هنمسك في اللي غايب مش من قلة الحبايب
بابنا ما يتسابش موارب، إحنا بنقفل ع الشاريين
حوالينا كتير ناس من جوه بجد جميلة
ناس حقيقية وشارية وصافية النية ومتبتين
دول أولى بخيرنا ولا ثانية رضوا بغيرنا
على حلوُنا مرنا قاعدين هنا هنا ومربعين
عادت ترفع صوتها مرة أخرى مع المقطع القادم وهي تنظر له:
ليه هنمسك في اللي غايب مش من قلة الحبايب
بابنا ما يتسابش موارب، إحنا بنقفل ع الشاريين
ليه هنمسك في اللي غايب مش من قلة الحبايب
بابنا ما يتسابش موارب، إحنا بنقفل ع الشاريين
ليه هنمسك في اللي غايب، بابنا ما يتسابش موارب
بابنا ما يتسابش موارب، إحنا بنقفل على الشاريين.
- بسسس.
صرخ بها وهو يغلق المسجل لتنظر له بذعر وهي تسأله بتوتر:
- في إيه يا صالح؟
نظر لها بغيظ وهو يقف بالسيارة جانبًا وقال:
- في إيه! دي أغنية تشغليها مع خطيبك؟ ما تنزلي ترميني تحت أي عربية أحسن.
شهقت بخضة وهي تردد بدون وعي:
- بعد الشر عليك يا حبيبي.
سعلت بشدة بعدما نطقت كلمتها الأخيرة لتداري بها ما قالته ولكن هيهات فقد التقطها أذنه بوضوح، فتبخر غيظه وثغره يتسع بابتسامة وهو يراها تنظر للجهة الأخرى تكاد تلتصق في النافذة. ضحك بخفوت عليها قبل أن يحتضن كف يدها بكفه لتسير رجفة لذيذة في جسده وهو يقول لها:
- ياسمينا، بصيلي.
التفت له بوجه محمر وأعين مضطربة، ليبتسم بحب حقيقي وهو ينظر لها بنظرات خاصة ووجد لسانه يردد بصوت خافت لكنه مسموع:
- بحبك.
رواية قلب مصاب بالحب الفصل السادس 6 - بقلم ناهد خالد
فتحت عيناها بابتسامة ناعمة حين تذكر عقلها تلك الذكرى التي مرت عليها ثلاثة أشهر بالتمام حين اعترف لها بحبه لأول مرة. لكنها لم تكن الأخيرة، فبعدها توالت اعترافاته بمناسبة وبدون مناسبة، وتوالت الخروجات والأحاديث بالهاتف لساعات دون ملل من جهته، والهدايا في أي وقت وكل وقت. حتى شعرت أن "صالح" هذا غير الذي عرفته سابقًا تمامًا. هذا شخص يفعل كل ما بوسعه فقط من أجل سعادتها. عيناه اللامعة أثناء حديثه معها لا تخفى عنها، وحبه للاستماع لحديثها حتى وإن كانت تسرد له أحداث فيلم ما رأته بالأمس يجعل قلبها يتراقص من فرط سعادته. حتى أن "إسلام" أخاها أصبح يقف بصفه بعدما كان يعارضها ويطلب منها الانفصال عنه، ووقوفه معه الآن ليس لشيء سوى لتأكده من أنه يكن حبًا حقيقيًا لأخته، وهو لا يريد أكثر من هذا.
فاقت من خضم أفكارها على صوت الفتاة الواقفة بجوارها وهي تقول:
خلصنا، شوفي كده اللوك لو حابة تعدلي حاجة؟
نظرت لانعكاس صورتها في المرآة لترى الفتاة قد أبدعت في وضع مستحضرات التجميل على وجهها ببساطة ونعومة كما طلبت، ويتماشى تمامًا مع بساطة تصفيفة شعرها الذي عصكته لأعلى بفورمة جميلة، ووضعت فوقه تاج متوسط الحجم من الكريستال اللامع، وخلفه ثبتت طرحة فستان الزفاف الطويلة التي تصل لنهاية قدمها لتتصل ببداية ذيل الفستان. ابتسمت برضا وهي تقول:
شكرًا يا سالي، تسلم إيدك بجد حلو أوي وناعم زي ما طلبته.
ابتسمت الأخيرة زهوًا وهي تجيبها:
العفو يا مدام، أهم حاجة أنه عجبك، وأنا كده خلصت، تطلبي مني حاجة تانية؟
نظرت لها بامتنان وقالت بابتسامة:
لا كفاية كده، تعبتك معايا، تقدري تتفضلي.
أنهت الأخيرة حديثها وهي تلملم أشياءها في حين تقول:
ألف مبروك وربنا يسعدكم.
تنهدت "ياسمين" بتوتر مجيبة:
الله يبارك فيكِ، عقبالك.
أنهت "سالي" تجميع أشياءها واتجهت للخروج تزامنًا مع دخول "معتز"، فابتسمت له وهي تردد:
العروسة جهزت خلاص، ألف مبروك.
ابتسم لها "معتز" بأعين لامعة وهو يطالع ابنته وردد:
الله يبارك فيكِ يابنتي.
انسحبت الفتاة بهدوء تاركة لهما حرية التعبير عن مشاعرهما في هذه اللحظة المميزة. انتبهت "ياسمين" لوجود أبيها فوقفت بابتسامة واسعة وهي ترفع فستانها من الأمام وتتجه نحوه. وقفت على بعد خطوتين لتسمح له بتفحصها ورؤيتها في ثوب زفافها. جالت عيناه عليها بدأً من وجهها حتى فستانها الضيق حتى الخصر وينزل باتساع كبير يتلألأ قماشه بلمعة أظهرتها كنجمة مضيئة في ليلة غاب فيها القمر من السماء. اقترب الخطوتان الفاصلتان بينهما حتى أصبح أمامها تمامًا، فامتلئت عيناه بدموع حاول حجبها لكنه فشل وهو يغمغم لها:
أحلى من القمر، مبروك يا ياسمين.
ضغطت على أسنانها بقوة تمنع نوبة بكاء آتية في الطريق إليها، ورفرفت بأهدابها عدة مرات حتى استعادت ثباتها، فابتسمت باتساع وهي تجيبه:
الله يبارك في حضرتك يابابا، إيه رأيك حلوة؟
ضحك بخفوت مرح وهو يقول:
عارفة لو الواد صالح مش ابن أخويا كنت خدتك وروحت وقلتله معنديش بنات للجواز، بس اللي مصبرني إنك هتبقي معايا في نفس البيت.
احتضنت كفيه بكفيها وهي تقول:
متقلقش مش هتحس إني اتجوزت أصلاً وهتلاقيني كل شوية عندك ولو عاوزني أبيات هبات.
ضحك بقوة وهو يهز رأسه بيأس يقول:
عشان صالح يعلقنا على باب البيت، أنت مش شايفه واقف تحت عامل إزاي، عليه عفريت اسمه اطلع شوفها يا عمي اتأخرت ليه، الواد واقع خالص، أنتِ عملتِ فيه إيه؟
احمر وجهها خجلًا وهي تستمع لحديث والدها والتزمت الصمت، ليُكمل هو وهو يقترب مقبلاً جبهتها بحب ثم ابتعد يقول:
في أي وقت يزعلك أعرفي أن أبوكِ موجود وهيجبلك حقك، بس برضو ده لما يكون موضوع يستاهل، لكن المشاكل العادية خليها بينك وبين جوزك عشان متكبرش. طول ما هي بينكم هتتحل، لكن لو خرجت براكوا ممكن تتحل برضو بس هتتعقد وهتاخد وقت أطول، فهماني يا ياسمين؟
أومأت له بإيجاب وهي تقول:
فهمانك يابابا.
"إنما إيه القمر ده؟" قالها "علي" الذي يجلس مجاورًا لـ "رندا" التي أصبحت خطيبته منذ شهران ونصف، وبعد ثلاثة أشهر ستصبح زوجته. ابتسمت الأخيرة بخجل وهي تخفض بصرها في حين تغمغم:
حلوة يعني؟
كبح ابتسامة خبيثة كادت تظهر على وجهه وهو يجيبها:
الصراحة أنا بتكلم على الفستان، قمر أوي.
رفعت رأسها له بحدة وهي تردد باستنكار:
فستان!
أومأ ببراءة مصطنعة وهو يقول:
فستان، أومال أنتِ فهمتِ إني بقول عليكِ؟
ضيقت عيناها بضيق وهي تردد:
فستان ها! تمام أوي أبقى اتجوز الفستان بقى.
أنهت حديثها وفي لمح البصر كانت قد وقفت مبتعدة عنه متجاهلة ندائه باسمها.
كانت تبرطم بكلمات مبهمة وهي تسير بغضب من حديث ذلك المعتوه الذي ربطت نفسها به، وأنهت غمغمتها تقول:
ماشي يا علي أنا هوريك إن م...
قطع حديثها تلك التي تناديها حين مرت بجانبها، فنظرت لها باستغراب لترى فتاة جميلة ترتدي ثوبًا نسائيًا من اللون الأسود يفصل منحنياتها بوضوح.
نعم؟ بتناديني؟
قالتها "رندا" وهي تتجه لها، فابتسمت الأخيرة وهي تقول:
Pardon, إن كنت هعطلك، بس كنت بسأل عن صالح الزيني ألاقيه فين لأني مش شيفاه؟
نظرت لها "رندا" بريبة من أمرها قبل أن تسألها باستفسار:
وإنتِ عاوزة صالح ليه؟
ابتسمت الأخيرة بهدوء مجيبة:
أنا ال wedding planner بتاعت الحفلة، وخلصت شغلي وطلعت ألبس بعدين نزلت أدور على صالح عشان أتفق معاه على ظهوره هو والعروسة هيكون إزاي بس مش لاقياه ومبيردش على الفون.
ابتسمت لها "رندا" وهي تقول بإدراك لهويتها:
ديانا محفوظ مش كده؟
ردت الأخيرة بتأكيد:
Yes.
"صالح أهو... صالح."
قالتها "رندا" وهي ترى ظهور صالح الذي دلف للتو من بوابة الفندق المُعقد فيه الحفل. انتبه الأخير لندائها فاتجه لهما بخطوات متريثة تلائم تمامًا مظهره الأنيق الزاهي ببدلته السوداء الفاخرة وحذائه المماثل، حتى تصفيفة شعره الذي أبهت صورته أكثر وأكثر. وصل أمامهما ليهتف بهدوء:
ها يا ديانا، كله تمام؟
ابتسمت له بثقة وهي تقول:
Sure، كنت لسه بدور عليك عشان أقولك دخلتك أنت والعروسة هتبقى إزاي.
"أنتِ مش قلتي هننزل من على الكوبري المعلق اللي في القاعة؟"
ردت بحماس:
لا عندي فكرة أحلى وجهزنالها خلاص، بص أنتوا هتنزلوا من فوق.
قطب حاجبيهِ باستغراب مرددًا:
فوق فين؟
ردت بشرح:
من فوق الكوشة، هتنزلوا على حاجة شبه البساط كده.
"لا بقولك إيه، أنا عاوز أعدي الليلة على خير، لا بساط ولا مبساطش."
ردت بإلحاح:
يا صالح اسمع بس، والله هتبقى حاجة واو، ومتقلقش ده Safety جدًا، أحنا يعني هنضركوا؟
زفر باستسلام وهو يقول:
ماشي، بس تنزل ونعمل السيشن ونكتب الكتاب بعدين نشوف.
أومأت بابتسامة سعيدة وهي تذهب:
هروح أظبط الدنيا.
ذهبت من أمامهما لتلتفت "رندا" لصالح وهي تقول بإعجاب زائف:
يالهوي على بجاحتك، صدق يا صالح أنا لما قولتلي إنك هتجيب ديانا تعملك الديكور قلت ده بيهبد وأكيد مش هيعمل كده، لكنك قادر بصحيح!
رفع حاجبه الأيمن باستنكار وهو يقول:
أنتِ عبيطة يابنتي! فيها إيه لما أجيبها، ما أنتِ عارفة إن الموضوع انتهى من قبل ما يبدأ، ده أنا حتى ناوي أعرفها على ياسمين النهاردة والموضوع كله دلوقتي مجرد شغل، إحنا تاب علينا ربنا يا ماما الحمد لله.
حركت سببتها على صدره صعودًا ونزولاً وهي تقول بأعين ضائقة:
مش مرتحالك.
أشاح لها بيده وهو يردد باشمئزاز:
هش، روحي شوفي خطيبك فين أقرفيه، أنتِ جاية تقرفيني أنا!
أنهى حديثه وتركها وذهب لمكان استقبال "ياسمين" ليخضعا لجلسة التصوير الخاصة بهما. وقعت أنظاره على "ديانا" أثناء سيره فرآها تتحدث مع أحدهم يبدو أنها تخطط لشئ بالحفل، ليبتسم براحة وهو يتذكر ما فعله في ثالث لقاء بينهما.
هذه المرة الثالثة التي سيراها فيها بعد مرة تعارفهما والمرة الأخرى التي كانت مرتبة من قبلهما. وقف على باب المطعم ينظر لدبلته بضيق حائر. المرة السابقة خلعها بصعوبة قبل دخوله ولم يشعر بالراحة طوال الجلسة التي لم تدم طويلاً. ولكن هذه المرة لا يشعر أنه قادر على فعلها. ظل واقفًا لأكثر من دقيقة وهو الآن لا يرى الدبلة فقط بل يراها هي "ياسمين"، يرى وجهها ينظر له بعتاب ويلومه على ما يفعله والذي لا يسمى سوى "خيانة". وبعد انقضاء هذه الدقيقة وجد نفسه يتركها في يده ويدلف للداخل بخطى ثابتة وهو يعلم تمام العلم ما سيفعله. رآها جالسة على أحد الطاولات تعبث بهاتفها، فاقترب منها بنفس الابتسامة حتى جلس أمامها بعد أن صافحها بهدوء، وبالطبع لم يغفل عنها "دبلته" التي تزين إصبعه.
"إزيك يا ديانا؟"
ردت بهدوء مفتعل:
Good. هو أنت خطبت؟
تسائلت بها مباشرةً وهي تنظر لكف يده، ليبتسم بهدوء وقال:
أيوه، من يومين، عقبالك.
حافظت على ثبات ملامحها وهي تقول:
Thanks، بس جت فجأة يعني! بتحبها؟
افتر ثغره عن ابتسامة صادقة وهو يجيبها:
جدًا، وجت فجأة لأني اكتشفت فجأة إني بحبها ومش عاوز غيرها في حياتي.
رسالة مبطنة لكنها فهمتها بوضوح، فوقفت بهدوء لتحافظ على كرامتها وهي تقول:
مبسوطة إنك عرفت أنت عاوز إيه، وكادو مني أنا اللي هعملك party الفرح، بس ابقى عرفني ميعاده.
وقف أمامها محافظًا على ابتسامته وهو يقول:
أكيد هعمل كده، ده يشرفني.
وانتهت مقابلتهما ليخرج بعدها وهو يشعر براحة طاغية تحتل وجدانه كأنه قد تخلص من كل ما يؤرقه.
"عودة."
وقف أمام الدرج الخارجي الذي ستهبطه لتصل له، وبالفعل ثوانٍ وكانت أعلاه تبتسم له بصفاء وجمال يشبه جمال وردة الياسمين خاصته، قبل أن تهبط بحذر بسبب فستانها وأبيها جوارها تطأبط ذراعه حتى وصلت أمامه، فصافح أباها مبتسمًا وعدسات كاميرا المصور توثق هذه اللحظة. تنهد "معتز" وهو ينظر لـ "صالح" قبل أن يقول:
أنا واثق فيك عشان شايف في عنيك حب لبنتي، بس هقولك جملة واحدة يا صالح: "يوم ما تزهق منها أو تكره عيشتك معاها رجعها لي، رجعها للي عمره ما هيأذيها ولا هيعاملها وحش، رجعها للي خدتها منه، ولو مت ترجعها لأخوها". فاهمني؟
لن ينكر أن حديث عمه أثار مشاعره بشكل ما، وبث الخوف في نفسه من أن يأتي يوم يضطر فيه لتنفيذ ما يسمعه الآن. ابتسم بكياسة وهو يقول له:
متقلقش يا عمي، أنا عمري ما هأذيها، ويوم ما مقدرش أحافظ عليها أوعدك أرجعها لك.
وكان وعد خفي لا يخص ما قصده "معتز"، بل يخص شيئًا آخر في نفس "صالح"، شيء هو يعلمه جيدًا وقد قطع وعدًا الآن إن عاد لفعله حتى وإن لم تعلم هي سيعيدها لأبيها ليس مللاً منها أو كرهًا لحياته معها، بل حفاظًا على وردة الياسمين من الذبلان.
توجه لها بابتسامته وأعينه اللامعة بلمعة تخصها هي فقط، وقبل كف يدها ثم انتقل لرأسها يقبلها بحنو وهو يشعر بدقاته تتصاعد. وما إن ابتعد عنها حتى قال بهمس لها وحدها:
أجمل عروسة شافتها عيني، بحبك يا ياسمين.
تخضب وجهها بحمرة الخجل الفطرية وهي تهمس له:
أنت كمان شكلك حلو أوي.
رفع حاجبيهِ بدهشة وهو يردد باستنكار:
أنا شكلي حلو! ياسمين أنا كل اللي شافني قالي أنت شكلك حلو، أنتِ مش هتقولي حاجة مميزة؟
اتسعت ابتسامتها مرحًا وهي تجيبه:
بعد كتب الكتاب هقولك، هو المأذون فين؟
ذم شفتيهِ بضيق وهو يقول:
لا مهو يوم باين، المأذون اتصل وهيتأخر ساعة، عشان عمي يصمم نكتب الكتاب النهارده.
تسائلت بحيرة:
أومال هنعمل إيه دلوقتي؟
أشار على المصور وهو يقول:
هنتصور بقى بدل ما نضيع الوقت.
مرت الساعة وفوقها دقائق وانتهوا من التصوير وحضر المأذون وانتهوا من كتب الكتاب أيضًا، وبدأت مراسم الفرح. وهناك على باب القاعة كانت تدلف إحداهن بثوبها الأحمر المحتضن لجسدها ببراعة، ودارت بعينيها في المكان حتى وقعت على صالح وهو يرافق عروسه، فالتوى فمها بابتسامة ساخرة وهي تردد بتهكم:
يا حبيبي!!
رواية قلب مصاب بالحب الفصل السابع 7 - بقلم ناهد خالد
كان يرقص مع عروسه وهو يشعر وكأنه في حلم جميل لا يريد أن ينتهي. تتراقص دقات قلبه تزامنًا مع تراقص جسده وعيناه تنضح بنظرات حالمه سعيده يلاحظها الجميع.
حتى وقعت عليها تلك التي تقف أمام الباب الداخلي للقاعه تبتسم بسخريه ورُبما بمكر. لم يستطع التحديد من صدمته لوجودها. توقف عن الرقص و"ياسمين" تطالعه باستغراب، خاصًة مع تجمد ملامحه، فهتفت بتساؤل:
- مالك يا صالح؟
حول بصره لها لينتبه لوضعه فابتسم بصعوبه وهو يقول:
- مفيش، أصل شفت ضيف غير مرغوب فيه ومعزمتوش.
أشار لـ "رندا" الواقفه بالقرب منهما وهو يُكمل:
- كملي أنتِ رقص مع رندا وأنا دقيقتين وهاجي.
أنهى حديثه بابتسامه مطمئنه وهو ينزل من فوق المسرح الخاص بالعروسين بهدوء ظاهري. اتسعت ابتسامتها وهي تراه يقترب منها حتى أصبح أمامها، فأشار لها بعينيهِ وأكمل طريقه للخارج.
وقفت لثانيتان بعد خروجه تمشط الحفله بنظرها بسخريه مبطنه قبل أن تلحق بهِ للخارج. وجدته يقف بأحد الممرات النائيه قليلاً، فاتجهت له بخطى بطيئه مدروسه والإبتسامه الغامضه لم تفارق ثغرها حتى أصبحت أمامه تمامًا، فهتفت بنبره مُدلله:
- أووه، بيبي كده متعزمنيش على فرحك؟ لأ زعلانه.
لم تنفك عضلات وجهه الصلبه ونظراته الحاده لم تلين وهو يسألها بجمود:
- عاوزه ايه يا مُنى؟ أنتِ قولتيها معزمتكيش جايه ليه بقى؟
اقتربت أكثر حتى أصبحت على بُعد خطوه واحده منه، فرفعت ذراعها لتسنده على كتفه الأيمن وكفها يتلمس خصلات شعره من الخلف وهي تقول بنظره ثاقبه:
- وهو يصح متعزمش حبيبتك السابقه على فرحك؟ دي أصول! فين أخلاق النهايات!
رفع يده وأمسك ذراعها منزلاً إياه بحده وضيق وقال بسخريه:
- حبيبتي السابقه! أنتِ هتضحكِ على نفسك! أنتِ عارفه كويس أني عمري ما حبيتك ولا أنتِ ولا أي حد قبلك، الي كان بينا مجرد وقت لطيف بنضيعه مش أكتر.
- ده بالنسبالك، لكن أنا! مفكرتش أنا...
قاطعها وهو يرفع سبابته محذرًا:
- تبقي غبيه لو قلتِ أنك حبتيني، عشان أنا عارف كويس أوي إن صالح الزيني بالنسبه ليكِ كان مجرد Gentle Man بتتمنظري بيه قدام صحباتك خصوصًا وأنتِ شايفه نظراتهم ليا وأنهم شايفين أنك محظوظه عشان بقيتِ ال girl friend بتاعتي، يعنى حتى هم كانوا عارفين أن علاقتنا ببعض مجرد صحوبيه مش كابلز مثلاً!
توترت ملامحها وهي تستمع لحديثه ثم قالت بافتعال:
- أنت صح، بس ده مش معناه أبدًا أنك تسيبني فجأه كده من غير أي مقدمات لا وكمان تتجوز! وياترى بقى العروسه من الي كنت تعرفهم ولا ا....
توحشت ملامحه وهو يقترب الخطوه الفاصله بينهما حتى أصبحا متقابلين تمامًا وقبض بكفه على معصمها وهو يهتف من بين أسنانه:
- لو قلتِ كلمه واحده عليها هبلعلك لسانك.
ضرب الخوف أواصلها وهي تستمع لفحيح نبرته وجدية ملامحه، فتراجعت هي خطوه للخلف وهي تجذب ذراعها بقوه من قبضته وهتفت بتوتر حاولت مدراته:
- Ok, as you like يا صالح، بس افتكر أنك أنت الي بعت في الأول وأنا ليا حق عندك، تشاو.
أنهت حديثها وتركت لقدميها العنان لتسابقان الريح، فليست تمتلك الشجاعه الكافيه كي تبقى أمامه بملامحه المتوحشه، الشرسه هذه. زفر بضيق وهو يتابع ذهابها وغمغم بخنقه:
- هو الماضي ورايا ورايا!
***
- ياسمين أنتِ بتعملي ايه كل ده! الأكل هيبرد يا حبيبتي!
كانت تلك كلمات "صالح" التي ألقاها باستغراب وهو يقف أمام باب غرفتهما المغلق بعدما نفذ صبره، فقد دلفت منذُ أكثر من ساعه لتغير فستانها وطلب هو العشاء من إدارة الفندق الذي قرر النزول فيه مع عروسه لثلاثة أيام قبل السفر لقضاء شهر العسل المقرر قضاءه في "دبي" والتي كانت من اختيار "ياسمين". اتجه لمكان الطعام ثانيةً بعدما ألقى جملته لها وهو ينظر للطعام بضيق فقد كان منذُ دقائق تتصاعد منه الأبخره دلاله على سخونته ولكن الآن يبدو أنه قارب على فقد حرارته وبالتالي دقائق أخرى وسيحتاجون لإعادة تسخينه!
- لا لا أنا مكسوفه أطلع كده!
غمغمت بها وهي تطالع هيئتها في المرآه بذلك القميص الأبيض الذي يصل لقبل ركبتيها بقليل من قماشة الستان الناعم ورغم أنها ارتدت فوقه قطعه أخرى تصل لبعد ركبتيها بقليل إلا أنها مازالت تشعر بالخجل الشديد للخروج أمامه هكذا. انتفضت بخضه حين استمعت لدقه خافته فوق الباب تبعها صوته المطالب بخروجها لتناول الطعام، فأدركت أنها أصبحت أمام الأمر الواقع. أخذت نفس عميق تشجع من نفسها وهي تذكر ذاتها أنه أصبح زوجها وليس شخص غريب. وبعد محاولات دامت لثلاث دقائق تقريبًا أخيرًا ها هي تفتح باب الغرفه وتخرج بخطى بطيئه مضطربه. انتبه لها "صالح" فاتسع ثغره مبتسمًا وهو يردد:
- أخيرًا، فكرتك نم...
كان يتحدث وهو يزيل أغطية أطباق الطعام حين استمع لصوت الباب يُفتح وأدرك خروجها، وتوقفت الكلمات في حلقه حين التف ورأها بمظهرها المهلك له. وأما عنها فوترتها نظراته أكثر مما جعلها تفكر في العوده للغرفه مره أخرى، لكن قبل أن تفعل كان هو قد تدارك خجلها فهتف وهو يشيح ببصره عنها:
- يالا بقى عشان الأكل برد.
اقتربت منهِ وجلست أمامه وبينهما الطاوله التي كادت تختفي تحتها، وهو يراقب ما تفعله بضحكه مكتومه حتى أنتهوا من تناول العشاء. فوقفت هي سريعًا تقول بارتباك جلي:
- أا..أنا هدخل أنام بقى عشان أُرهقت.
خطوه والثانيه والثالثه كانت في أحضانه لا تدري متى ولا كيف، ولكنها فجأه وجدت ذراعيهِ تطوقها بحصار. فوقفت تنظر له بقلق وهي تسمعه يقول ببسمه واسعه وعيناه مُثبته في عيناها:
- بتهربي؟ من امتى وأنتِ بتنامي الساعه 11، ده احنا حتى عاملين الفرح بدري.
ابتلعت ريقها بارتباك ثم رددت بتبرير:
- مهو، أصل أنا...
- ياسمين.
قاطعها هامسًا بإسمها فرفعت رأسها له بإنتباه لتجده يُكمل متسائلاً ببحه مميزه:
- بتحبيني؟
تسارعت أنفاسها وهي تستمع لسؤاله المفاجئ لها، ووجدت أنظارها تنخفض تلقائيًا، لكنه لم يسمح لها وهو يعيد رفع وجهها بإصبعه ويقول:
- أنا عارف الإجابه من الجواب الي كان مع هدايا عيد ميلادي، بس عاوز أسمعها منك.
نظرت له بتردد، لقد قررت سابقًا أن تعترف له بها بعد زواجهما خاصًة وهو لم يبخل عليها بإظهار مشاعره والإعتراف بها، لكن ماذا تفعل في خجلها الذي يفسد كل شئ!
- قوليها يا ياسمين نفسي اسمعها.
قالها ثانيًة بنبرة رجاء طغت على نبرته، فعزَ عليها ألا تقولها له ووجدت نفسها تهمس بصوت وصل لمسامعه بوضوح:
- بحبك، بحبك يا صالح من أول ما عرفت للحب معنى.
ارتجفت مشاعره وهو يستمع لهمسها المُحبب وارتفع كفيهِ يكوبان وجهها وهو يهمس بالمقابل بأعين لامعه بمشاعر صادقه:
- وحبكِ كان التوبه لقلب مليان معاصي.
وكانت هذه جملته الأخيره التي قالها قبل أن يبدأ معها مراسم إكتمال الحب، ويصبحان روحًا واحده وجسدًا واحد...
***
الثالثه والثانيه والعشرون دقيقه فجرًا، في أحد أفخم فنادق القاهره، تحديدًا غرفة العروسين. تقلب بعدم راحه لإستماعه لرنين هاتفه المتواصل، وهو لم ينم سوى من ساعه تقريبًا بعد ليله رائعه قضاها مع من أختارها قلبه يثبت لها فيها صدق مشاعره بكل الطرق المُمكنه. تأفأف بضيق وهو ينهض من فوق الفراش بعدما ألقى نظره على زوجته الحبيبه فوجدها مازالت نائمه رغم اقتضاب ملامحها، فيبدو أن الرنين يزعجها هي الأخرى. جذب الغطاء أكثر عليها قبل أن يترك الفراش ليحميها من برد جهاز التبريد خاصًة في هذا الوقت من الليل، ومن ثم اتجه لهاتفه ليجده رقم! مجرد رقم سخيف يزعجه في ليله كهذه!
فتح المكالمه بعدما خرج من الغرفه كي لا يزعج تلك النائمه وهو يجيب بحده:
- ألو، مين؟
- Ops, أوعى أكون أزعجتك يا بيبي!
سبه بذيئه خرجت من فاهه وصلت لمسامع الأخيره بوضوح تبعها قوله:
- أنتِ عاوزه ايه يا زفته أنتِ!
شهقت باصطناع ثم قالت بنبره معاتبه:
- أخص عليك يا صلوحه أنا زفته! لا أنا كده أزعل، وأنا زعلي وحش.
اشتعل الغضب بأوردته ليهتف بعصبيه:
- ما تولعي، بقولك أيه قسمًا بربي لو ما بعدتِ عن طريقي لأسففك التراب.
وأنهى المكالمه بغضب عارم قبل أن يستمع لردها وما إن أنهاها حتى استمع لصوتها من خلفه تناديه باستغراب:
- صالح!
أغمض عيناه لبرهه يستعيد هدوءه قبل أن يلتفت لها بابتسامه هادئه وهو يغمغم في حين يقترب منها:
- عيون صالح.
شدت "روب" القميص تحمي نفسها من بعض نسمات الهواء البارده التي تضرب جسدها القادمه من أحد النوافذ المفتوحه وهي تسأله:
- ايه الي صحاك؟
وصل أمامها فجذبها برفق لداخل الغرفه وهو يقول:
- شخص سخيف متشغليش بالك، بس صدقي الحسنه الوحيده الي عملها أنه صحاكِ.
قطبت حاجبيها باستغراب وهي تسأله:
- ليه؟
أغلق باب الغرفه خلفهما وهو يقول بتلاعب:
- حالاً هقولك.
***
خمسه و عشرون يومًا مروا بسلام لحد ما، سافر "صالح وياسمين" لدبي لقضاء شهر عسلهم كما قرروا سابقًا وقضوا أيامًا حقًا لا تُنسى. ورغم عدم كف "منى" عن مطاردة "صالح" ومضايقته إلا أنه لم يرمي لها بالاً وعقد النيه على لقائها فور وصوله لمصر وتلقينها درسًا لن تنساه كي تكف عن اللحاق بهِ. وفي ليله من لياليهم الرائعه خرج "صالح" ليجلب لهما العشاء من أحد مطاعم الأسماك المعروفه والتي أصرت "ياسمين" على العشاء منها ولقربها من مكانهما فضل "صالح" النزول بنفسه لجلب الطعام وقرر المرور على أحد محلات بيع الورود لينتقي لها باقه مميزه يفاجئها بها.
كانت تضع لمساتها الأخيره من مستحضرات التجميل على وجهها، فهي أيضًا قد أعدت له مفاجئه خاصه. ومسدت بكفيها على قميص النوم المغري حد الهلاك التي قررت ارتدائه بلونه الأسود الرائع، قبل أن تستمع لرنين هاتف "صالح" المتواصل فيبدو أنه قد نساه. اقتربت منه تطالع شاشته لتجده رقم غير مسجل، لكنه رقم مصري! رُبما أحد من عائلتهما. فتحت المكالمه وقبل أن تنطق بحرف استمعت لصوت أنثوي يقول باهتياج:
- بطنشني يا صالح! بقالي 5 أيام بكلمك وأنت بتكنسل وفي الآخر تعملي بلوك فاكرني مش هعرف أوصلك! قلتلك قبل كده بلاش تزعلني عشان زعلي وحش، مش خايف أقول لمراتك حبيبة القلب عن نزواتك القديمه واطربقها فوق دماغك...
تخشبت محلها وهي تستمع لحديث الأخرى، نزوات! أي نزوات تقصدها ومن هذه!
رواية قلب مصاب بالحب الفصل الثامن 8 - بقلم ناهد خالد
بطنشني يا صالح؟ بقالي 5 أيام بكلمك وأنت بتكنسل وفي الآخر تعملي بلوك، فاكرني مش هعرف أكلمك؟ قلت لك قبل كده بلاش تزعلني عشان زعلي وحش. مش خايف أقول لمراتك حبيبة القلب عن نزواتك القديمة وأطربقها فوق دماغك؟
تخشبت محلها وهي تستمع لحديث الأخرى. نزوات؟ أي نزوات تقصدها ومن هذه؟
ظلت صامته لدقيقتين تقريبًا، والأخرى صمتت أيضًا منتظرة ردها حتى سئمت، فهتفت بضيق:
أنت مبتردش ليه يا صالح؟
أنا مش صالح، ينفع مراته؟
رددتها بجمود تام كجمود مشاعرها وتصلب إحساسها في هذه اللحظة. صمتت منى بارتباك لحظي لتفاجئها هوية المجيب، ولكن لم يدم صمتها طويلاً حتى انتبه عقلها أن هذه هي الفرصة المناسبة تمامًا للانتقام من صالح، وربما ليخلو لها الطريق أيضًا. فبالتأكيد لن تبقى معه زوجته بعد معرفتها بعلاقاته المتعددة، فقالت بارتباك مصطنع قصد ظهوره:
م.. مراته؟ أأ.. أنا شكلي كده طلبت رقم غلط، pardon.
ردت ياسمين بنبرة قوية وطريقة لا تلائمها تمامًا، ولكن كما هو معروف بداخل كل منا إنسان بذئ لا يخرج إلا عندما نفقد تحكمنا في ذاتنا:
غلط إيه ياروح أمك، أنتِ هتستعبطي! لخصي وقولي تعرفي صالح منين!
أُغتاظت الأخرى من طريقتها، فهي قد ظنت أنها ستستمع لنبرتها الحزينة وهي لا تستوعب كون زوجها على علاقة بأخرى، وربما تستمع لبكائها وانهيارها، ولكن تخاطبها بهذه النبرة القوية! هذا ما لم تتوقعه أبدًا، فأثار غيظها تجاهها مما جعلها تقول ببرود:
أعرف صالح من قبل ما يتجوزك ياحلوة، والحقيقة هو اللي يعرفني، هو اللي فضل يحوم حواليا لحد ما وقعني في شباكه، وفجأة ألاقيه اتجوزك، وأقولك كمان أنا يدوب اسم من ضمن أسماء كتير في قائمة علاقات صالح، وكلهم بيغدر بيهم في الآخر.
كالذي يسير في طريق ظنه مستوي وفجأة وجد نفسه يسقط في حفرة عميقة لا يدري من أين ظهرت فجأة، فيسقط قلبه خوفًا مع سقوطه، هكذا هي تمامًا وهكذا شعورها الآن بعدما استمعت لحديث الأخيرة، وللعجب صدقته فورًا دون شك. بدأ عقلها يستعيد طريقته معها في أول الخطوبة، إذًا لم يكن الأمر مجرد انشغال عمل كما زعم، بل انشغال بأخرى حينها. وحين قرر تركها اقترب منها، فكانت هي مجرد سد خانة!
زفرت أنفاسها التي تشعر بثقلها على قلبها وهي تقول للأخيرة باستفسار:
وأنتِ عاوزة منه إيه بعد ما اتجوز؟ بتلفي وراه ليه؟
أتاها رد منى وهي تقول باستياء وغيظ:
عشان أنا مش لعبة في إيده يسبني وقت ما يحب. بعدين صالح حابب يعيش دور مش دوره، دور المخلص اللي اتجوز فتاب، رغم إني متأكدة أنه لو شاف واحدة عجبتة في ثانية هيجري وراها كالعادة، مفيش واحدة حلوة تعدي من تحت إيده.
ليس من السهل أبدًا أن تستمع لحديث كهذا عن زوجها، فماذا إن كان زوجها وحبيبها معًا!
صمتت قليلاً تعيد حديثها في عقلها مرة أخرى، وأخيرًا نطقت بهدوء:
يبقى أفضل أحاول ونشوف إذا كنتِ هتقدري ترجعيه لكِ تاني ولا هو بقى مخلص بجد، ووعد مني لو رجع لكِ هنسحب من حياته بكل هدوء وهسيبهولك تشبعي بيه.
اتسعت عينا الأخيرة بصدمة وتساءلت بدهشة تمكنت من نبرتها:
أنتِ بتتكلمي بجد؟ يعني هتسبيني أقرب منه؟
تجاهلت ياسمين سؤالها وهي تقول بهدوء لم يختفي:
أول ما تجيبي لي دليل رجوعكم لبعض، تاني يوم هيوصلك خبر طلاقنا، ويبقى مبروك عليكِ عشان أنا مش بشتري حد باعني، ولا ببقى على حد مش عارف قيمتي.
أنهت حديثها وأغلقت المكالمة دون أن تستمع لرد الأخيرة، فهي قد أوصلت لها ما تريد قوله.
وضعت هاتفه مكانه بعدما مسحت سجل المكالمة الأخير، وجلست على أحد المقاعد الموجودة في الغرفة بملامح صامتة. صامتة تمامًا وكأنها أصبحت جماد. صالح! من عشقته منذ صغرها وطارت فرحاً حين تقدم لخطبتها. صالح من وهبته كل مشاعرها وكل تفكيرها في سنواتها الماضية، وحتى الآن تكتشف عنه كل هذا! خائن.. هكذا رددها عقلها حين بدأ استيعاب ما عرفه منذ قليل. كيف تثق به بعد هذا؟ كيف تؤمن له بعد ما عرفته؟ زفرة عميقة منها قبل أن تتحدث بخفوت كأنها تتحدث لأحد أمامها، مجيبة عن سؤالها الأخير:
عشان كده كان لازم أسيب لها فرصة تحاول ترجعه ليها. لو رجع يبقى عمره ما حبني وكان بيشتغلني. لو واجهته هيبعد عنها وهيقطع علاقتة بيها وهيحلف لي أنها آخر مرة، لكن إيه اللي ضمني أنه ما يعرفش واحدة تانية من ورايا ومكتشفهاش زي دي، ووقتها هفضل مغفلة طول عمري. لكن لو محاولتها فشلت يبقى هو بيحبني بجد، ووقتها بس هعرف أثق فيه من تاني.
ما إن أنهت حديثها لذاتها حتى استمعت لصوت الجناح يُفتح وصوته يصدح مناديًا عليها:
ياسمين!
وقفت تزفر أنفاسها عدة مرات متتالية، ومن ثم حاولت رسم ابتسامة هادئة على ثغرها وهي تردد في داخلها:
لا بأس من بعض التمثيل.
فُتح باب الغرفة ودخل منه بابتسامة اندثرت فورًا ما إن وقع بصره عليها بجمالها الآخذ وقميصها الذي كاد يطير عقله. فأصدر صفيرًا عابثًا من شفتيه وهو يقول في حين يقترب منها:
إيه الجمال ده بس، أنا قلبي ميستحملش كل ده!
في بادئ الأمر شعرت بنفسها متصلبة، لا تستطيع فعل أي شيء سوى الابتسام، لا تقدر حتى على النطق بكلمة واحدة. حتى اقترب منها واحتضنها بتودد يهمس لها بالقرب من أذنيها:
مُبهّرة يا قلب صالح كالعادة.
لا لن تستطيع، هكذا ردد عقلها، فهي بالفعل لا تستطيع. تشعر وكأنها غير قادرة على النطق بكلمة واحدة أو رفع ذراعيها وأحاطته، لن تقدر. حتى التصنع صعب عليها لحد لم تكن تتخيله، فقررت الهرب بطريقة أخرى حين استندت برأسها بتعب مصطنع على صدره وهي تهمس:
صالح أنا دايخة.
انتفض مبتعدًا عنها حين استمع لهمسها وأحاطها بذراعيه وهو يسألها بقلق:
دايخة ليه مالك؟
أغمضت عيناها وتصنعت الترنح بين يديه، فأسرع بحملها ووضعها فوق الفراش وجلس جوارها وهو يمسك بكفها بين كفيه مرددًا بلهفة:
لسه حاسة أنك تعبانة، أجيب لك دكتور؟
نفت برأسها سريعًا وهي تغمغم:
لأ مفيش داعي، أنا حاسة إني لو نمت هكون كويسة.
طيب مش هتاكلي؟ يمكن دايخة من قلة الأكل.
اندثرت أسفل الغطاء وهي تريح جسدها على الفراش أكثر وتهمس له:
لا هنام ولما أصحى أبقى آكل.
اقترب مقبلاً جبهتها بحنان ورفق وهمس لها:
نامي يا حبيبتي وأنا شوية وهصحيكِ.
أنهى جملته لها ووقف متجهًا للإضاءة وأطفئها، ثم خرج من الغرفة بأكملها ليتركها ترتاح.
فتحت عيناها ما إن شعرت بخروجه، وظلت محلقة في سقف الغرفة تخطط لما هو قادم معه.
***
في اليوم التالي...
الثالثة عصراً، كانت قد طلبت من صالح الذهاب لأحد المحلات لشراء هدايا لأبيه وأخيه وأخيها وأبيها، فلم يتبقى سوى يومان على عودتهم لمصر. وتحججت بعدم قدرتها على الذهاب معه وعدم فهمها في هدايا الرجال، وأنها ستجلب هدايا لوالدته ورندا مساءً أو في اليوم التالي. وقف أمامها قبل نزوله وهو يسألها بحنو:
عاوزة حاجة يا حبيبتي أجيبها وأنا جاي؟
نفت برأسها وهي تقول بابتسامة:
شكرًا، بس هو أنت هتحتاج موبايلك؟
قطب حاجبيه باستغراب وهو يسألها:
ليه؟
زفرت بضيق وهي ترفع هاتفها له وتقول:
إسلام عنده امتحان النهارده وكنت عاوزة أكلمه أطمن عليه بس للأسف فوني فصل شحن ولسه هحطه عالشاحن، هيحتاج نص ساعة ولا حاجة على ما يشحن.
أخرج هاتفه وهو يعطيه لها ويقول:
خلاص خدي تلفوني وكده كده مش هتأخر نص ساعة أو ساعة بالكتير وهرجع.
التقطته منه ووقفت تقبل وجنته بابتسامة:
ميرسي يا صاصا.
صاصا! ردده بجبين مقطب، فابتسمت له بدلال بالغ وهي تقول:
بدلعك يا حبيبي، وحش؟
افتر ثغره عن ابتسامة رائعة وهو يقترب منها محيطًا خصرها بحب ونبرة عابثة قال:
أي حاجة منك زي العسل، بقلك إيه هو لازم يعني أنزل أشتري الهدايا النهارده؟
توترت ملامحها وهي تبعده برفق مغمغمة:
يلا ياحبيبي انزل هات الهدايا.
جعد ملامحه بضيق وهو يقول:
ماشي هنزل... ثم تلاشى ضيقه وهو يغمز لها قائلاً: بس هرجع هوا، وأوعي تقوليلي أنام زي امبارح.
ابتسمت بتوتر وقالت:
لا متقلقش.
قبل وجنتها قبل أن يبتعد خارجًا من الجناح بأكمله، فتحولت ملامحها كليًا وغمغمت بجمود:
متقلقش خالص، هغير الخطة النهارده.
رفعت هاتفه وفتحته، ثم دلفت على جميع مواقع التواصل الاجتماعي تباعاً ولم تجد شيئاً يخصها ولا يخص غيرها، فدلت "للواتس آب" مرة أخرى وبحثت في الرسائل المؤرشفة فوجدت ثلاث أرقام بثلاث محادثات كانت تتواصل معه من خلالهم. قام بحذر رقمان، والثالث كانت أقدم رسالة بهِ أمس قبل اتصالها بهِ. للحق حتى المحادثات المحذورة كانت تقتصر على رسائلها له وتهديدها من وقت لآخر دون أي رد منه. ولكن بالمحادثة الحديثة بعث لها برسالة نصها: "هنزل مصر قريب، ولو لحد ما نزل ما مبطلتيش اللي بتعمليه أنا هعرف إزاي أبعدك عني". وكان ردها عليهِ: "مش هبعد يا صالح، وأنت مش هتقدر تعمل حاجة، يا إما هفضحك قدام مراتك وأنت عارف أني أقدر أعملها". فرد عليها برسالة أخيرة: "قلت لك قبل كده لو قربتِ من مراتي أقسم لك بالله هخليكِ تلعني اليوم اللي عرفتيني فيه، ثم إنك نو كرامة كده! ده أنتِ حاطة كرامتك تحت رجلك ودايسة عليها، اللي كان بينا في يوم انتهى من زمان حتى من قبل جوازي، فمتخليش غبائك يصور لك أن بعد ما اتجوزت هرجع للعك ده تاني!".
وكانت هذه الرسالة قبل نزوله مباشرةً ولم تراها هي بعد. أخذت هاتفه وهاتفها وارتدت ثيابها سريعًا ونزلت لمحل قريب من الفندق قد رأته سابقًا ودلفت للداخل وقالت للعامل:
لو سمحت أنا عاوزة جهاز تسجيل صوت بس يكون صغير جداً.
أومأ لها بتفهم وثوانٍ وجلب لها مسجل صوتي صغير، فأخذته منه ثم قالت:
أنا لو عاوزة أوصل تليفوني بتليفون تاني بحيث أسمع المكالمات والرسايل توصلني ينفع؟
تهكري التليفون قصدك؟
أومأت له بإيجاب، فنظر لها بشك التقطته بوضوح، فقالت:
هو تليفون أختي الصغيرة وأنا حاسة أنها على علاقة بشاب وخايفة عليها، فعاوزة أعمل كده عشان لو في حاجة ألحقها.
وصدقها الشاب لأنه رأى الصدق في عينيها، وأيضاً لا يبدو على مظهرها الشر أو التلاعب.
بعد نصف ساعة كانت قد تمت المهمة بنجاح، فخرجت سريعًا من المحل قاصدة الفندق قبل عودة صالح، وبالفعل وصلت ولم تجده، فتنفست الصعداء وهي تدلف للغرفة وتغير ثيابها.
***
بعد دقائق كان قد عاد وأخذ يعرض عليها الهدايا وهي تتصنع الإرهاق، وفي وسط ما يفعله تركته وركضت للمرحاض تغلق الباب خلفها حينما اتبعها وهو يهتف باسمها، وأخذت تصدر أصواتاً من الداخل تعبر عن تقيئها. وبعد قليل خرجت له بملامح مرهقة بعدما بللت جبهتها بالماء وكأنه عرق! أسندها سريعاً بقلق بالغ وأخذها للفراش ثم أردف:
أنا راجع مش هتأخر.
وتركها وخرج ولم يعطِ لها فرصة للرد! ضيقت حاجبيها باستغراب، تُرى أين ذهب!
بعد دقائق استمعت لصوت باب الجناح يُفتح ثم دلف لها صالح أولاً وهو يلتقط شالاً لها لترتديه فوق كنزتها ذات الحملات الرفيعة وهو يقول:
البسي ده بسرعة، الدكتور بره.
ارتعدت أواصلها وهي تنظر له بتفاجؤ. طبيب! يا للورطة!
خرج ليحضر الطبيب الذي دلف بابتسامة وبدأ في فحصها وسؤالها على الأعراض التي تشعر بها والتي قالتها كذباً بالطبع. وبعد دقائق قليلة أنهى فحصها فهتف صالح بقلق:
خير يا دكتور؟
التف له بابتسامة هادئة ومطمئنة وقال:
أبدًا خير إن شاء الله، تسمح لي بس هعمل مكالمة للمساعدة بتاعتي تحت وهرجع.
أومأ له بقلق زائد، فخرج الطبيب ثم حول نظره لها، فبادلته النظرات القلقة، فهي أيضاً لا تعرف ماذا يحدث!
بعد قليل صعدت المساعدة الخاصة بهِ ودلفت لـ ياسمين بعدما بقى صالح والطبيب بالخارج، وأعطتها شريطاً صغيراً وهي تقول:
ممكن تعملي الاختبار ده.
نظرت لما في يدها بتوتر وتساءلت:
ده إيه؟
اختبار حمل لأن الدكتور شاكك في حمل من الأعراض والكشف المبدئي، بس طبعاً لازم نتأكد قبل ما يقول حاجة.
تصلب جسدها بصدمة وهي تستمع لحديثها. حمل! بالطبع لا، أي حمل هذا والأعراض التي قالتها زائفة من الأساس!
أخذت الاختبار ودخلت المرحاض لتقوم بهِ وهي متأكدة من النتيجة. ثوانٍ وخرجت لتعطيه للممرضة التي هتفت ما إن رأته:
شوفي شرطتين، معناهم إن في حمل فعلاً وكشف الدكتور صح، مبروك يا مدام، هطلع أبلغ الدكتور.
خرجت تاركة تلك التي تيبس جسدها وعيناها لم تتحرك أنشاً واحدة وكأنها لم تسمع ما قالته!
بالخارج...
خرجت المساعدة وهي تقول:
تشخيصك صح يا دكتور.
نظر صالح للطبيب بحيرة وهو يسألها بقلق:
تشخيص إيه؟
نظر له الطبيب وهو يقول:
الحقيقة إني مبحبش أقول تشخيص من غير ما أتأكد وخصوصاً في الوضع اللي زي ده عشان معلقهمش بحاجة مش موجودة. تشخيصي والأعراض اللي قالتها المدام كان بيقول إن ده حمل، بس واضح أنه لسه في البداية عشان نبض الطفل مش واضح ومحسيتش غير بنبض الأم هو الطاغي. عشان كده بعت المساعدة تجيب اختبار حمل وخلت المدام تعمله عشان أتأكد من تشخيصي. حالياً بقى المطلوب منكوا تتابعوا مع دكتور نسا فوراً عشان يطمن على وضع الجنين.
جنين! وهل تحولت اللعبة لحقيقة! جنين أعلن عن نفسه في وقت غير مناسب تماماً! وفي وسط لعبة سخيفة ظهر فجأة ليقلب الموازين..
رواية قلب مصاب بالحب الفصل التاسع 9 - بقلم ناهد خالد
حامل !
كلمة ظلت يتردد صداها في عقلها بعدما خرجت الممرضة وتركتها. طفل لم تكن تعلم بوجوده ولم تشعر به حتى أعلن عن وجوده في وقت مضطرب وعلاقة مذبذبة، على الأقل من ناحيتها الآن.
لقد كانت تتخبط بالأساس ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل، فجاء هو ليزيد من تخبطها ويفسد جميع خططها. ولكن لحظة! لِمَ عليه أن يفسد خططها؟ ولِمَ هي تجلس هكذا وكأنها قد وقعت على رأسها مصيبة للتو!
إنه طفلها الأول، هل لها ألا تفرح بوجوده! أيًا كانت علاقتها بأبيه، فهو ابنها ومن حقه عليها أن تسعد بوجوده حتى وإن كانت ترى أن الوقت غير مناسب. ربما بعد فترة تتحسن علاقتها بصالح وتقرر الاستمرار معه بعدما تتأكد من صدقه، حينها لن يبقى لها سوى سوء الذكرى حين علمت بخبر حملها ولم تفرح به. وحتى وإن قررت الانفصال في النهاية، هو ابنها ولا دخل له بمشاكلها مع أبيه.
افتر ثغرها عن ابتسامة هادئة اتسعت شيئًا فشيئًا حتى احتلت وجهها بأكمله. ومسحت بكفها على بطنها وهي تردد بعاطفة جياشة:
"هو أنا إزاي محسيتش بوجودك! بيقولوا الأم بتحس بإبنها من أول ما بيتوجد، بس يمكن عشان متخيلتش إنك هتيجي بالسرعة دي... مش عارفة، بس أنا مبسوطة أوي بوجودك، حاسة إن قلبي هيطير من الفرحة. متفتكرش عشان المشاكل اللي حاصلة إني هكره وجودك، أبدًا بالعكس، أنتِ اللي هتقويني الفترة الجاية وأيًا كانت النهاية هتكون داعم ليا عشان أكمل ومسمحش لنفسي أنهار. يمكن اللي اتغير بوجودك حاجة واحدة بس، إني دلوقتي هحارب عشانك، هحارب حتى لو أبوك نفسه. هحاول على قد ما أقدر أطلع كسبانة وحياتنا تستمر عشانك، حتى لو رجعتلها أنا هعرف إزاي أدبه وأرجعه لينا. متستاهلش إنك تتولد وتلاقي أبوك وأمك كل واحد في جهة، حتى لو اضطريت إني أفضل بس معاه عشانك ويبقى بالنسبة لي أبو ابني وبس."
أنهت حديثها وهي تتنهد براحة، تشعر الآن أنها بوعودها هذه قد أدت واجبها تجاه ابنها الذي للتو اكتشفت وجوده، وتاليًا ستسعى لتنفيذ وعودها.
فُتح الباب بهدوء ودلف للداخل بخطى مرتجفة تمامًا كنبضاته التي خفقت بتوتر واضطراب وفرحة في آن واحد. رآها تجلس على الفراش منحنية الرأس لأسفل، لا يدري ماذا تفعل أو ماذا بها تحديدًا. وصل أمامها وجلس مقابلها تمامًا ثم همس باسمها:
"ياسمين."
رفعت رأسها فورًا له، وكأنها لم تشعر بوجوده ولا جلوسه أمامها. نظرت له لتجد وجهه متوتر بشدة وأعينه لامعة بشيء غير مفهوم. ابتسمت بهدوء له وهي تجيبه:
"نعم."
"هو أنتِ حامل بجد؟"
خرج سؤاله بتوتر بالغ وأعينه قد ظهر بها الآن بعض الدموع التي استطاعت رؤيتها، فاختفت ابتسامتها باستغراب شديد ثم أومأت له وهي تقول:
"آه، حامل."
وفجأة وجدته يرتمي عليها محتضنًا إياها بقوة، حتى أنها استطاعت الشعور بتوتر عضلات جسده بوضوح. ظل هكذا لثوانٍ ولم تبخل هي عليه هذه المرة، فرفعت ذراعيها وحاوطته وهي تشعر بتوتره واضطرابه الذي لم تفهم سببه بعد.
ابتعد عنها لترى دموعه واضحة الآن وقد سالت على وجنتيه ببطء. فانتفضت ملامحها وتوترت هي الأخرى وهي ترى دموعه وحزن وجهه الواضح، فلم تشعر سوى بيدها تمتد لتمسح وجنتيه برفق وهي تهمهم باستغراب وقلق:
"فيه إيه يا صالح؟ أنت مش فرحان ولا مالك؟"
ابتلع ريقه بصعوبة ثم نظر لها وقال بنبرة مهمومة:
"أنا... أنا خايف."
"خايف!"
رددتها بصدمة وهي تطالع وجهه بتمعن، فلم تتوقع أن تستمع لمثل هذه الكلمة منه والآن تحديدًا!
أومأ برأسه عدة مرات قبل أن يتنهد بعمق ويقول:
"خايف ربنا يجازيني في اللي جاي، رغم إني تبت بس لسه قلبي قلقان."
رغم فهمها لمغزى حديثه وما يقصده، لكنها ادعت عدم الفهم وهي تسأله:
"يجازيك عن إيه يا صالح؟ أنت كنت بتعمل إيه؟"
عمق نظراته في نظراتها لدقيقة تقريبًا دون رد حتى قال أخيرًا:
"هقولك، صدقيني هحكيلك وكنت ناوي أحكيلك كل حاجة عشان أرتاح بس مستني الوقت المناسب. بعد ما نطمن على البيبي هحكيلك كل حاجة، بس أوعديني تفهميني وتسامحيني."
قال الأخيرة بنبرة رجاء ظهرت بوضوح، فتنهدت هي بتوتر لم تتوقع أبدًا أن يحكي لها صالح عن الأمر بنفسه! لكنها جمعت رباطة جأشها وهي تقول:
"أوعدك يا صالح، حتى لو مش عشانك يبقى عشان اللي جاي."
نفى برأسه عدة مرات وهو يقول:
"لأ يا ياسمين، عشاني، عشاني أنا مش عشانه، عشان حبنا وعشان حياتنا مع بعض."
ابتسمت له بسمة اطمئنان وهي تقول:
"هحاول."
***
"لأ تمام، الجنين حالته كويسة وتقدري تتحركي براحتك بس بحذر طبعًا. وكمان أي تقارب بينكم ممنوع لحد الشهر الثالث."
كانت تلك كلمات الطبيبة التي لجأوا لها لفحصها هي والجنين، فأردفت "ياسمين" بتساؤل:
"هو الحمل في الأسبوع الكام؟"
"الحمل بكرة هيتم شهر."
قطبت "ياسمين" حاجبيها بدهشة وهي تردد:
"آه بس إحنا متجوزين بقالنا شهر ويومين تلاته يعني..."
قاطعتها الطبيبة بابتسامة وهي تقول:
"وإيه المانع! الحمل ممكن يحصل من أول مرة."
هنا تحدث "صالح" خارجًا عن صمته وهو يسألها:
"إحنا عندنا ميعاد طيارة بكرة المفروض نرجع مصر، هينفع نرجع؟"
نفت الطبيبة برأسها وهي تقول برفض:
"لأ طبعًا، حضرتك بقول الحركة بحذر تقول سفر ودوامات هوائية! لأ طبعًا مش هينفع قبل نهاية الشهر الثاني عالأقل، وده حسب كشفي على حالة المدام وقتها، لكن بعد التالت تقدروا تسافروا وأنتم مطمنين."
نظرا لبعضهما بصدمة، هل سيضطران للبقاء هنا شهران آخران! وعن ياسمين فكانت تفكر في شيء آخر، هل ستظل في حيرتها وقلقها هذا لمدة شهران!؟
خرجا من عند الطبيبة بصمت دام حتى وصولهما الفندق، وكلاً منهما شارد في أفكاره. حتى قطع "صالح" الصمت وهو يقول لها:
"حبيبتي تعالي نتغدى، إحنا الغدا فاتنا وأكيد جعانة."
لم تستمع له وهي منغمسه في أفكارها، فأمسك يدها يوقفها وهو يناديها:
"ياسمين!"
انتبهت لنداءه لها فردت:
"نعم."
"مالك يا حبيبتي سرحانة في إيه؟"
زفرت بضيق وهي تقول:
"هسرح في إيه يا صالح! في اللخبطة اللي حصلت، هنضطر نقعد هنا كل ده، طب وشغلي و..."
قاطعه مبتسمًا وهو يقول:
"تعالي بس نروح المطعم ونتكلم هناك."
في المطعم...
بعدما طلبوا ما أرادوه نظر لها وهو يقول مبتسمًا:
"كنتِ بتقولي شغلي! شغل إيه بس اللي بتتكلمي عنه، هو يعني شغلي أهم من سلامتك أنتِ وابني!"
صمت فجأة مبتسمًا باتساع وهو يردد بأعين لامعة:
"ابني! كلمة حلوة أوي يا ياسمين، متوقعتش إني ممكن ييجي يوم وأقولها، أنا... أنا حاسس إني مبسوط أوي لدرجة إني مش عارف أعبر عن فرحتي."
"آه بس شغلك..."
قاطعها قائلاً:
"متشغليش بالك، هكلم بابا وهو هيتصرف، المهم هناكل دلوقتي ونطلع عشان ترتاحي ومن النهارده مش عاوزك ترهقي نفسك في أي حاجة."
قالها وقد كان يعنيها حقًا، فمنذ ذلك اليوم وحتى الآن، رغم مرور شهر ونصف كاملين، لم يهتم بشيء سوى هي، يهتم براحتها وطعامها ودوائها وسعادتها. فلم ينفك عن مفاجأتها بأشياء تحبها، كسهرة رائعة في أحد المطاعم مع جو شاعري أروع، والكثير من باقات الورود التي تحبذها، والأكثر من التدليل وإغداق مشاعره عليها. في حين كانت تراقب هي ما يصل له من رسائل ومكالمات من تلك المدعوة "منى"، ولم يتغير أسلوب "صالح" المتبع معها من تجاهل للرسائل والمكالمات لتهديد ووعيد إن لم تكف عن ما تفعله، فهذأ هذا من قلقها وثوران مشاعرها بطريقة أو بأخرى.
"كفاية يا صالح، مبقتش قادرة آكل أكتر من كده!"
قالتها "ياسمين" بتذمر وهو يجلسها بجواره تكاد تكون ملتصقة به، ويحرص على إطعامها كل الطعام تقريبًا. تأفأف بنفاذ صبر وهو يقول:
"قلتلك طيارتنا بعد ساعتين وهنتحرك على المطار كمان شوية، عاوزة تتحركي وتروحي وتيجي من غير أكل! وكمان عشان دوا الفيتامينات."
"آه ما أنا أكلت، لكن أنت كده بتزغطني! وبعدين ما فيه أكل في الطيارة."
"أكل الطيارة ده غدا، لكن ده فطار اللي حضرتك اتأخرتِ فيه النهارده عشان مكسلة تصحي."
هتفت برجاء:
"طيب عشان خاطري، كفاية والله مبقتش قادرة."
استسلم لإلحاحها وقال:
"ماشي، يلا بقى خدي الدوا وقومي البسي عشان ننزل."
دلفت للداخل بعدما ناولها الدواء لتغير ثيابها، فاستمعت لنغمة مخصصة صدرت من هاتفها، فركضت سريعًا تجاهه تتفحصه حتى وجدت رسالة من "منى" لـ "صالح"، تبعتها رسالة أخرى من "صالح" يقول فيها:
"أنا نازل مصر النهارده، بكرة بليل نتقابل في كافيه ****** الساعة 9."
فأتته رد "منى" وهي تقول:
"هستناك أكيد."
أغلقت هاتفها وهي تنظر للفراغ أمامها، فيبدو أن الحكاية على وشك الانتهاء وستُعلن نهاية هذه القصة السخيفة غدًا. ولكن السؤال، هل هي قادرة على تقبل تلك النهاية أيًا كانت!؟
رواية قلب مصاب بالحب الفصل العاشر 10 - بقلم ناهد خالد
قلب مُصاب بالحب ...الفصل العاشر " وزال الخطر "
جالسه كالجالس على جمر من النار , وكيف لها أن تهدأ وهي تعرف أن زوجها خرج ليقابل أخرى الآن , ورُبما يُجدد علاقته بها , حالها الآن كحال الكثير ..كحال من ينتظر نتيجة العام الدراسي في المرحله الثانويه ليُحدد مستقبله , كمن ينتظر نتيجة التحاليل ليطمئن أنه لا يحمل المرض الخبيث كما توقع الطبيب , كسيده تنتظر أن يحدثوها ليبشروها بحملها بعد سنوات من الصبر والحرمان , جميع هؤلاء يجتمعون بها الآن , تذكرت ما بذلته من مجهود وهو يحدثها قبل خروجه معللاً أن لديهِ أمر هام , تصنعت كما تفعل منذُ شهران تقريبًا , ليس شئ جديد عليها , حتى وإن كان الأمر أصعب الآن , ولم تنسى وضع مُسجل الصوت الصغير في ثيابه قبل خروجه دون أن يشعر , وها هي الآن تجلس وهاتفها متصل بذلك المسجل فتستمع من خلاله لكل شئ يحدث معه حتى صوت السياره , وأعصابها قاربت على التلف , وأخيرًا بدأت تستمع لأصعب مشهد في القصه وأكثرهم إثاره لأعصابها وهي تسمع غريمتها ترحب بهِ .....
أما في الجهه الأخرى ...وصل للمقهى المحدد ودلف للداخل فرآها تجلس على أحد الطاولات بإنتظاره فتحرك تجاهها بهدوء تام حتى أصبح أمامها فوقفت مقابله وهي تهتف بابتسامه واسعه :
-اووه , متتخيلش وحشتني طلتك قد ايه يا صالح .
ابتسم بهدوء وهو يمد كفهِ ليصافحها وقال :
-ازيك يا مُنى ؟
لمعت عيناها بحماسه وهي تجيبه :
- كويسه جدًا بعد ما شوفتك .
جلس بهدوء وهكذا فعلت هي في حين أخرج هو هاتفه ومفاتيح سيارته ووضعهما على الطاوله أمامه بهدوء وهو يسألها :
-طلبتِ حاجه ؟
أجابته بدلال :
-تؤ , مستنياك نطلب سوا .
أومئ برأسه وهو يقول :
-تمام , هتطلبي أيه ؟
-ممكن أيس كوفي .
أشار للنادل الذي جاء له سريعًا فقال :
-واحد أيس كوفي وواحد قهوه ساده .
-تحت أمرك يافندم .
قالها النادل باحترام قبل أن ينصرف تاركًا لهما المجال للحديث , نظر لها " صالح " وهو يبدأ فيما جاء من أجله :
-وبعدين يا مُنى , هتفضلي تلفي ورايا لحد امتى ؟
تحولت ملامحها للحزن وهي تجيبه :
-صالح أنا مش عارفه أنساك , ومش قادره أستوعب أنك خرجت من حياتي .
دقق النظر فيها لفتره حتى توترت من نظراته قبل أن يقول بقوه :
-أنتِ واهمه نفسك , ده إذا كنتِ فعلاً مصدقه حوار أنك مش قادره تنسيني ده , مُنى أنتِ بس مش قادره تستوعبِ أن أنا الي سبتك مش العكس , وأراهنك أنك بتكدبي على صحباتك ومفهماهم أننا لسه بنتكلم .
توترت ملامحها وتلجلجت في الحديث وهي تقول :
-أنا بس ..يعني محبتش اقولهم عشان هي فتره وهنرجع لبعض أنا واثقه .
سألها بهدوء تام :
-وايه الي خلاكِ واثقه ؟
أسبلت عيناها وهي تقول بنبره رقيقه وكفها تمتد لتحتضن كفه الموضوع فوق الطاوله :
-عشان أنا مش مجرد واحده عدت في حياتك يا صالح , أنا واثقه أنك بتشتاقلي وبيوحشك خروجتنا وكلامنا وسهرنا زمان , وغير إعجابك بيا الي متقدرش تنكره , تنكر أنك أوقات بيبقى نفسك تكلمني وتقولي يلا ننزل أو تعالي نتقابل تنكر ؟
صمت لدقيقه تقريبًا دون رد , دقيقه كانت كافيه لإنهيار أعصاب تلك التي تنتظر إجابته على أحر من الجمر وتخشى أن يكون حديث الآخرى قد أثر بهِ وأن يكون صحيح , حتى استمعت له يقول بنبره بدت حائره :
-حتى لو , مبقاش ينفع أنا حاليًا متجوز ومينفعش يكون ليا علاقه بيكِ .
هتفت بضيق واضح :
-واتجوزتها ليه أصلا ً ! وعمومًا سهله طلقها .
ردد باستنكار :
-أطلقها !.
أومأت وهي تقول بإصرار:
-ايوه طلقها , صالح حياة المتجوزين الخنيقه دي مش ليك صدقني , أنت طول عمرك حر مش هتيجي دلوقتِ تربط نفسك بواحده طول العمر !
زفر أنفاسه بضيق وهو يجيبها :
-ايوه بس ...أصلها بنت عمي وموضوع الطلاق ده صعب جدًا هي مش واحده غريبه عشان أطلقها ويبقى كل واحد راح لحاله كمان هي معملتش ليا حاجه وحشه بالعكس .
نفضت شعرها للوراء وهي تذم شفتيها قائله :
-مش لازم تعمل وحش , أنت مش مرتاح وده سبب كافي , أو ممكن تتلكك لها وتعمل مشاكل معها وهي بنفسها مع الوقت هتطلب الطلاق .
نظر لها بحيره ثم سألها بشرود :
-تفتكري ؟
أومأت له بحماس شديد ثم قالت :
-Of course , أكيد مش هتستحمل طريقتك معاها .
نظر لها بتفكير وهو يقول :
-وبعد ما اطلقها !
رفعت منكبيها ببرود وهي تقول :
-هتعيش حر ولنفسك .
-لا قصدي احنا هيبقى الوضع بينا ازاي ؟
-هنرجع زي ما كنا الأول .
رفع حاجبيهِ بدهشه وهو يقول :
-يعني مش عاوزانا نتجوز مثلاً ! أنا فكرتك بتعملي كل ده عشان اتجوزك !
ضحكت بشده وهي تنظر له باستنكار ثم قالت :
-صالح بتهزر ! أنا اتجوز ! no way " مستحيل " طبعًا , أنا مليش في خنقة الجواز دي , أنا هفضل كده خروجات مع الشله وسفر وحفلات this's my life " هذه حياتي " .
سحبت نفس عميق بصعوبه بالغه , تشعر وكأن أحدهم يطبق بكفهِ على عنقها فيمنع تنفسها ودموعها تنهار بصمت كمجرى شلال مائي دون توقف , وهنا أتى بعقلها سؤال واحد هل ستستطيع أن تفي بوعدها لإبنها وتحارب من أجله ؟ هل بعد ما سمعته ستستطيع أن تدافع عن زوجها وأحقيتها فيه !, الأمر ليس بالسهوله التي توقعتها , بل أصعب بكثير , تشعر أن عقلها قد انفصل عن جسدها فأصبح متيبس لا تستطيع تحريكه حتى ناهيك عن ذلك الألم القوي الذي تشعر بهِ في قلبها ولأول مره تعلم ما معنى أن يؤلمك قلبك .
انتظر صالح حتى انتهى النادل من وضع المشروبات وذهب فنظر لها وهو يقول ببرود :
-يعني بقالك حوالي 3 شهور بتلفي ورايا ومكالمات ورسايل وتهديد وكل ده وفي الآخر تقوليلي لا طبعًا جواز ايه وكمان عاوزاني أطلق مراتي ! , ده أنتِ مريضه .
اتسعت عيناها ذهولاً وهي تردد بصدمه :
-صالح أنت .....
صمتت وجسدها قد ارتجف حين وقعت عيناها على من دلف للتو من باب المقهى يسير في اتجاههم فوقفت بفزع شديد وهي تغمغم :
-بابا !
اتجه لها والدها بملامح تصرخ غضبًا حتى أصبح أمامهما فقبض على ذراعها بعنف وهو ينهرها :
-بقى أنتِ عماله تلفي ورا الرجاله زي ال **** , وبتخربي بيوتهم كمان , وأنا الي كل ما قولك أوعي يكوني ليكِ علاقه بشباب تقوليلي متقلقش يابابي دول صحباتي البنات بس , بقى أنتِ يطلع منك كل ده !
أدمعت عيناها بخوف وهي تهمس له بشفاه مرتعشه :
-بابا أنا ....
قاطعها بحده :
-اخرسي , كلامنا في البيت وأنا هعرف ازاي أعيد تربيتك من جديد .
حول نظره لصالح وهو يقول بخزي :
-أنا متأسف يا بشمهندس لأني مصدقتكش وفكرتك بتكدب عليا لما حكتلي الي بتعمله , مش هقدر ألومك على علاقتك بيها في الأول لأنها هي الي سمحتلك بده , بس من واجبي اعتذر إني معرفتش أربيها وانشغلت عنها لحد ما فسدت .
تنهد " صالح " بضيق وهو يقول :
-أنا الي متأسف إني حطيت حضرتك في موقف زي ده , ومتأسف كمان على علاقتي بيها من الأول وعارف إني غلطان , وصدقني لولا أنها بتهدد حياتي واستقراري ومش قابله أنها تبعد عني رغم إني حذرتها كتير عمري ما كنت هحطك في الموقف ده بس مكنش قدامي حل تاني .
نظر ل " مُنى " باعتذار حقيقي وهو يرى الذعر المرتسم فوق ملامحها بوضوح :
-أنا عمري ما اتمنيت أدخل والدك في الموضوع بس أنتِ الي اضطرتيني بدل ما كنت أأذيكِ عشان معنديش استعداد 1 % أني أخسر مراتي بسببك , أنا قلتلك أني بحبها وأني مستكفي بيها عن كل العك الي كنت بعمله بس أنتِ مستوعبتيش ده , أنا آسف .
أنهى حديثه وذهب من أمامها تاركًا إياهم وتاركًا قصتها بأكملها خلفه، وأخيرًا يشعر أن الخطر الذي يهدد حياته قد زال .
نظرت لوالدها برعب وهي تنتظر ما سيفعله معها فوجدته ينظر لها بنظره ظهر بها العتاب وهو يقول :
-عجبك كده , شوفتِ الموقف الي حطتيني فيه , أنا بجد مصدوم فيكِ .
انهمرت دموعها وهي تهمس له :
-بابا ..أنا آس....
قاطعها وهو يُكمل حديثه :
-أمك كان معاها حق لما قالتلي أن وجودك معاها أفضل وإنها هتاخد بالها منك أكتر مني , بس من هنا ورايح مش هسمح لأي حاجه تشغلني عن تربيتك من أول وجديد .
أنهى حديثه وهو يجذبها خلفه خارجًا من المكان بأكمله حتى وصل بها لسيارته وهناك تحديدًا انفجرت هي بهِ وهي تقول ببكاء :
-أنت بتحاسبني على ايه ! بتحاسبني على ذنب أنتوا السبب فيه ! لا قدرتوا تكملوا عشاني ولا وافقت أبقى مع أمي زي ماهي كانت عاوزه , ولا حتى اهتمت بيا , أنت عارف أنت بتسافر كام مره في السنه وبتسبني بالأسابيع لوحدي !
عارف أنا كام مرة احتجت مامي عشان أكلمها وأحكيلها عن حاجات تخصني حاجات عمري ما هقدر أقولهالك ولا هتنفع في الفون. بتريح ضميرك بزيارة ليها كل سنة مرة!
أنا مش محتاجة أشوف أمي مرة في السنة، مش محتاجة أقضي معاها شهر من الـ 12 شهر اللي بيعدوا عليا. ليه مسبتنيش أسافر معاها؟ هناك الدنيا متفتحة أكتر، بس أنت عارف هي كانت هتحافظ عليا إزاي. عالأقل كانت هتبقى جنبي.
نظر لها بصدمة وهو يستمع لحديثها. وللأسف إنها محقة. رفض سفرها مع والدتها لـ "فرنسا" حيث مسقط رأسها. ولم يستطع أن يبقى معها طوال الوقت. حرمها من حنان ورعاية والدتها ولم يوفر هو لها ما حُرمت منه. تُرى أأصبح هو المذنب الآن؟
- أنا مكنتش بلاقي حد أكلمه ولا حد يسمعني ولا حد يهتم بيا. صحابي عارفينّي بس عشان الفلوس مش أكتر، وبعد كده مبِفتكروش. صالح كان بيهتم بيا وبيسأل عني، بيعملي اللي يفرحني. عشان كده استمريت في علاقتي معاه ومتقبلتش فكرت أنه يبعد. عشان هو عوضني عنك.
وكم كانت جملتها الأخيرة مؤلمة، كالصفعة التي تلقاها ليدرك أنه من خسر ابنته. وإن كان هناك مذنب فهو المذنب الأول حتى وإن تحملت هي جزء من الذنب. درس قاسي لكلاهما لكنه جاء في وقته قبل فوات الأوان.
كالفراشة التي تتسلل بين الزهور، مُحلّقة بسعادة في فصل الربيع المنعش لها. كفتاة ترقص أسفل المطر دون اهتمام ببرودة الشتاء القاسية. كعازف يستمتع وهو يعزف ألحانًا تنطق بالحب لحبيبٍ حاضر. ككل شيء جميل كانت هي الآن، وسبحان من بدل حال بحال. منذ دقائق كانت تتلوى ألمًا والآن ترقص سعادة. انتهت من تمشيط شعرها وارتدت فستانًا ضيقًا أبرز منحنياتها بوضوح من اللون الأحمر الذي يفضله عليها. ونثرت القليل من عطرها الذي يسحره. قبل أن تركض للنافذة حين استمعت لصوت سيارته بالأسفل. منذ سماعها ما حدث وهي تشعر بعاطفة حب جياشة تملأ صدرها تجاهه. فانطلقت تجهز نفسها لاستقباله بكل الحب الذي يكمن في قلبها له. استمعت لصوت الباب يُفتح وتبعه بعد ثوانٍ دخوله للغرفة، لكنه توقف مبهورًا بجمالها حين وقع نظره عليها. فاقتربت هي منه ورفعت ذراعيها تحيط عنقه وهي تهمس له بشفتاها المطلية بالحمرة:
- بحبك يا صاصا.
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يطالع وجهها ويستمع لهمسها المغري لقديس. ثم أنزل ذراعيها ببطء وهو يتحاشى النظر لها. فطالعته باستغراب وهي تسأله بتهجم:
- ده إيه ده بقى!
أبعد خصلات شعرها للخلف وهو يقول بابتسامة متوترة:
- عاوز أتكلم معاكِ في موضوع مهم جدًا. وطول ما أنتِ قريبة لا هعرف أتكلم ولا هنطق. ممكن نتكلم وبعدها أنا اللي مش هطلعك من حضني أصلًا. أنا ما صدقت إن حصار الدكتورة اتفك.
احمر وجهها بخجل وهي تهتف بتلعثم:
- أنا مش قصدي اللي بتقوله ده على فكرة. أنا بس استغربت إنك بتبعدني عنك.
سألها بعبث:
- وأنا قولت إيه؟
رفعت أنظارها له وهي تردد محذرة:
- صالح!
أجابها وهو يسحبها للأريكة الموجودة بالغرفة:
- عيون صالح. تعالي بس نقول الكلمتين قبل ما أفقد أعصابي.
جلس وأجلسها بجواره، فنظرت له بترقب وخاصة وهي ترى توتره الواضح. في حين زفر هو بضيق وقال:
- قولتلك قبل كده إني هحكيلك ليه خوفت لما عرفت بحملك. ودلوقتي جه الوقت المناسب اللي أقولك فيه.
احتبست أنفاسها هي الأخرى وهي ترى أن وقت المواجهة قد حان.