تحميل رواية «خيانة» PDF
بقلم هاجر العفيفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
انا خو"نتك كلمه نزلت عليها زي الصاعقه بس ردها كان صادم بالنسباله ملاك ببرود : عارفه أدهم بصدمه : ايه البرود ده بقولك خو"نتك ملاك بسخريه : مش أول مره وانا متاكده من ده أدهم بتوتر : انتى السبب وانتي قاطعته ملاك بغضب : ده مبرر اي راجل خا"ين زيك طلقنى يا أدهم أدهم بحده وغضب : مش هطلقك ياملاك واخب"طى راسك فى اقرب حيطه سابها وخرج وهي دخلت الأوضه اترمت على السرير هي حاولت تبان قدامه قويه لكن فى الحقيقه هي كرامتها اتها"نت منه حطت أيدها على بطنها بحزن وكلمت طفلها : سامحنى ياحبيبى أن اختارت اب زى ده ليك ا...
رواية خيانة الفصل الأول 1 - بقلم هاجر العفيفي
رواية خيانة الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر العفيفي
كان الليل قد ابتلع شوارع الفيوم، ولم يبقَ في السماء سوى قمرٍ يتسلل ضوؤه بين الغيوم.توقفت ليلى أمام القصر، تأملت اللافتة التي كُتب عليها بخطٍ عريض « قصر خازور »، أصبح قلبها يخفق بسرعة وهي تتأمل الواجهة المظلمة التي تفرض هيبتها على المكان. لم يكن وجودها هنا مألوفًا، فالكل يعرف أن الاقتراب من هذا المبنى بعد منتصف الليل أمر غير محمود، لكنه كان الموعد الوحيد الذي يمكنها فيه أن تراقبه بعيداً عن عيون المارة.
لم تمضِ دقائق حتى سمعت وقع خطواتٍ ثابتة تقترب من الخلف، التفتت بقلق، لتجد رجلاً جاوز الخمسين، ملامحه الصارمة تزداد وضوحًا تحت ضوء القمر، كان هو رفعت قاسم، المحقق والصحفي المتقاعد الذي طالما سمعت عنه.
توقف بجوارها، ونظر أولًا إلى القصر قبل أن يوجه بصره إليها، وقال بنبرة هادئة:– "مساء الخير، يبدو أننا وصلنا في الموعد المناسب يا آنسة ليلى."
ابتسمت ابتسامة متوترة وردّت:– "لم أجد وقتًا أفضل، لا أريد أن يرانا أحد هنا."
أومأ برأسه وهو يثبت عينيه على البوابة الحديدية الصدئة:– "أتفهم ذلك، مكان كهذا يجذب الأسئلة أكثر مما يعطي الإجابات."
ساد الصمت لثوانٍ، لم يقطعه سوى حفيف أوراقٍ تساقطت من الشجر و تطايرت مع الهواء، وضع رفعت يديه في جيب معطفه وأكمل بنبرة عملية:– "أخبريني، ما الذي يدفع صحفية شابة للوقوف أمام قصر مهجور في ساعة كهذه؟"
ابتسمت ليلى بخفة، وقالت وهي تحاول أن تُظهر ثقتها:– "أظن أنك تعرف الإجابة يا أستاذ رفعت، لم آتِ هنا صدفة، حين رفضت طلبي أول مرة، كنت أظن أنك ستغلق الباب تمامًا، لكنك عدت واتصلت بي، وهذا يعني أن فضولك لم يكن أقل من فضولي."
ارتسمت على وجهه نصف ابتسامة سرعان ما تلاشت، ثم قال:– "لم يكن فضولًا فقط، آنسة ليلى. بل قلق، هذا المكان له سمعة سيئة، وأنا عادة لا أقترب من شيء لا أعرف حدوده، لكن، ربما لم يعد عندي ما أخسره."
أطرقت برأسها للحظة، قبل أن تقول بجدية:– "أنا لا أبحث عن قصة مثيرة فحسب، بل عن حقيقة. هناك أقاويل تتردد منذ سنوات، وأنا أريد أن أعرف لماذا ظل هذا القصر مطمورًا تحت طبقات من الخوف."
رفع رفعت نظره عبر السور الحديدي، يتأمل النوافذ المظلمة وكأنها عيونٌ تحدّق بهما، ثم قال بصوت منخفض:– "الحقيقة يا آنسة ليلى أحيانًا تكون أثقل مما يتوقعه المرء. لكن بما أنني هنا الليلة، فدعينا نرَ ما الذي يمكن أن نجده."
اقترب خطوة من البوابة، ألقى نظرة على القفل الصدئ، ثم التفت نحوها:– "هل أنتِ مستعدة حقًا للدخول؟"
ترددت أنفاسها للحظة، لكنها أجابت بحزم:– "نعم."
ساد الصمت مجددًا، لم يقطعه سوى صرير حديدي حين لمس رفعت السلسلة المتهالكة التي تغلق البوابة.في تلك اللحظة، بدا وكأن الزمن توقف حولهما، وأن الفيوم كلها قد سلَّمت روْحها للنوم، إلا هما والقصر.
مد رفعت يده بثباتٍ ظاهري، بينما عينيه تحملان توترًا لم يخفَ عن ليلى. ضغط على السلسلة المتهالكة، فانفرطت بحركة مفاجئة كأنها لم تحتمل مقاومة السنين.تبادلا نظرة سريعة، بين خوفٍ دفين وإصرارٍ لم يعد هناك مفرّ من التراجع عنه، ثم دفع رفعت البوابة لتُصدر صريرًا طويلًا اخترق صمت الليل.
خطت ليلى أولى خطواتها إلى الداخل، وجدت قلبها يخفق بعنف حتى شعرت أن صوت ضرباته قد يوقظ القصر من سباته. وجهها كان متوترًا، عيناها تدوران في كل زاوية كما لو كانت تبحث عن شيء محدد، بينما يديها ترتعشان رغم محاولتها إخفاء ذلك.أما رفعت، فملامحه بدت جامدة، لكن أسفل تلك الصرامة كان يتصارع شعورٌ قديم يعرفه جيدًا،كان خليط من الحذر والفضول، تمامًا كما كان يشعر حين يدخل مسرح جريمة لأول مرة.
كان أول ما واجههم هو الظلام الكثيف، لذا كان لا بد من وجود حامل ضوء، ليبصروا به المكان، وهذا ما لم تنسى ليلى حضوره.مرّا عبر ممرٍ طويل، جدرانه عارية متآكلة، تتدلّى منها قطع من الطلاء القديم كأوراقٍ ذابلة. كان الهواء أشد مما توقعا، يحمل رائحة العطن والصدأ، ومع كل خطوة يعلو صدى أقدامهما، كأنه إعلان بقدوم دخيلَين.
صعدا الدرج الخشبي المؤدي إلى الطابق الأول و تحت أقدامهما شعرا بانحناءاتٍ تنذر بالسقوط.في الأعلى، وجدوا قاعة واسعة، أرضيتها مغطاة بطبقة من الغبار السميك، وعلى الجدران آثار إطارات صور نُزعت منذ زمن، تاركة مربعات باهتة من اللون.همست ليلى:– "كأن أحدًا محا كل أثرٍ كان هنا."فرد رفعت دون أن يلتفت:– "أو كأنهم أرادوا ألا نتذكر ما كان معروضًا."
تابعا الصعود إلى الطابق الثاني، حيث الممرات أضيق، وأبواب الغرف متقابلة على الجانبين. كل باب بدا كعينٍ مغلقة، تخفي وراءها أسرارًا تنتظر من يجرؤ على فتحها.توقفت ليلى أمام أحدها، مدت يدها بخوف، لكنها ترددت قبل أن تلمس المقبض، التفتت إلى رفعت، فوجدت عيناه مثبتتين على الباب الآخر، كأن شيئًا ما لفت انتباهه هناك، لم يدم طويلاً وتابع الصعود.
وأخيرًا، وصلا إلى الطابق الثالث، حيث سقف القصر العلوي. كان المكان مختلفًا؛ النوافذ المكسورة تسمح للهواء البارد أن يندفع بعنف، حاملاً أصواتًا مشوشة كأنها وشوشات متقطعة. هنا، تسارعت أنفاس ليلى، بينما تجمدت نظرة رفعت وهو يراقب الظلام الثابت على الجدار.
فقال بصوت منخفض، كأنه لا يريد أن يسمعه حتى نفسه:– " أشعر أنّ هذا المكان يحمل أشياء ثقيلة يصعب حتى النطق بها. "
كان الممر العلوي يلفّهما بهدوءٍ خانق، حتى بدا وكأن القصر يحبس أنفاسه معهما. فجأة، دوّى صوتٌ حاد كارتطام زجاجٍ بالأرض، اخترق صمت المكان فأحدث رجفة في الجدران العتيقة.
تجمدت ليلى في مكانها، عيناها اتسعتا وارتجفت شفتاها:– "أسمعت ذلك؟!"
التفتت إلى رفعت، فوجدته واقفًا ثابتًا، لكن ملامحه مشدودة، عينيه تضيقان بترقب، وجسده يتأهب كما لو كان في مسرح جريمة. لم ينطق بكلمة، فقط أشار لها أن تتبعه بحذر.
هبطا الدرج بسرعة، وقع أقدامهما يعلو فوق صرير الخشب، حتى وصلا إلى الطابق الأرضي، توقفا فجأ، وهناك، بجانب أحد الأبواب الخشبية المتهالكة، تناثرت شظايا كوب زجاجي مكسور، كأن يدًا غير مرئية ألقت به للتو.
انحنت ليلى قليلًا، يديها ترتجفان وهي تحدق في القطع المتناثرة، ثم قالت بصوت قلق:– "لكن!، لا يوجد أحد هنا سوانا."
اقترب رفعت من الباب، عيناه تتفحصان كل تفصيلة، الخشب القديم الذي بدا وكأنه يتحرك، المقبض الذي تهدل بفعل الصدأ، والظلام الكثيف الذي يتسرب من الفجوة أسفل الباب.أدار وجهه نحو ليلى وقال بنبرة هادئة لكنها مشدودة:– "الزجاج لا ينكسر وحده يا آنسة، لا بد أن شيئًا ما كان هنا."
تراجعت خطوة للوراء، و قلبها يخفق بعنف، بينما ظل رفعت واقفًا أمام الباب، يمد يده ببطء نحو المقبض، كأنه يزن المجهول الذي قد ينتظره خلفه.
مد رفعت يده نحو المقبض، لكن قبل أن يضغطه لمح خيالًا سريعًا يتسلل بالقرب من الباب، جسم صغير له ذيل طويل انعكس مع ضوء القمر المتسلل من إحدى النوافذ.شهقت ليلى شهقة عالية، وصرخت دون وعي:– "آه! هناك شيء!"
رفع رفعت يده فورًا، وأشار إليها بالصمت، عيناه تحملان تحذيرًا صارمًا. بقي واقفًا بترقب، حتى تأكد من أن ما رآه لم يكن سوى قطة سوداء، عيناها تلمعان بلونٍ مخيف وهي تراقبهما قبل أن تركض مسرعة نحو الخارج.
اقترب هو نحو ليلى ببطء ، وهو يهمس بخفوتٍ شديد، لكن نبرته تحمل تفكيرًا عميقًا خرج على لسانه:– "مجرد قطة، ولكن السؤال الآن، كيف دخلت إلى هنا؟ جميع الأبواب مغلقة، والنوافذ كذلك، عدا نوافذ الطابق الثالث المحطمة!."
أكمل بتقرير واقعي:_"حتى وإن كان كذلك، فكيف تسنّى لها أن تصل إلى هناك؟ القصر لا يحيط به أي منزل يمكنها القفز منه!"
حدقت ليلى في عينيه بقلقٍ أكبر، لم يعجبها تفسيره، بل زادها رعبًا. عادت بنظرها إلى الباب المغلق، وكأنها تخشى أن يخرج منه ما هو أبشع من قطة.
وبينما كانا يتناقشان بخفوت داخل القصر، كانت الحياة بالخارج تسير على نحوٍ آخر؛ ثلاثة شبانٍ في منتصف عقدهم الثاني مرّوا في تلك اللحظة أمام البوابة الحديدية. كانوا يتحدثون بمرحٍ مكتوم، حتى قطعهم صريخ ليلى الذي انطلق منذ لحظات.توقفوا فجأة، تبادلوا النظرات بوجوهٍ شاحبة، ثم ضحك أحدهم ضحكة عصبية وقال:– "أرأيتم؟! تلك هي أصوات الأشباح التي تحرس القصر! هل يعقل أن بشريًّا يدخل هذا المكان عند منتصف الليل؟!"
هزّ الآخر رأسه بثباتٍ مصطنع:– "لا يمكن، لا أحد يجرؤ على ذلك. هذا صراخٌ من عالمٍ آخر، ليس لنا به شأن."
وتابعوا سيرهم بخطواتٍ سريعة، يتجنبون النظر إلى الداخل، وكأن مجرّد التحديق قد يستدعي عليهم لعنة القصر.
أما ليلى، فكانت لا تزال واقفة قرب رفعت، أنفاسها متلاحقة، وصوت القطة الغامض يطارد عقلها، بينما رفعت ظلّ صامتًا، يضع يده مجددًا على المقبض، يتردد بين أن يفتحه أو أن ينتظر قليلًا.دخل رفعت وليلى الغرفة بعد تردد قصير، ليتضح أنها مجرد غرفة قديمة، تملأها رائحة الرطوبة والغبار، والجدران متآكلة تحمل آثار الزمن، وعلى الجانب الأيمن من الغرفة توجد ستارة سوداء اللون غطت الجدار بأكمله، وبعض قطع الأثاث المتهالك ملقاة هنا وهناك، ككرسي مكسور وخزانة فقدت أبوابها. لم يكن هناك ما يثير الريبة، بل بدا المكان عاديًا، كأي غرفة مهجورة منذ سنوات طويلة.
أخذ رفعت يفتش بين الأركان والأدراج الفارغة، بينما جلست ليلى على حافة الكرسي المكسور وقد بدت علامات الضجر على ملامحها.
قالت بحدة منخفضة:ــ "استاذ رفعت، لا يوجد شيء هنا، لقد سئمت وأريد الخروج الآن."
لكنه لم يلتفت إليها، وظل ينقب بتركيز شديد، وكأنه يبحث عن شيء بعينه، حتى توقف أمام صندوق خشبي صغير نصف مغطى بالتراب. مد يده ونفض عنه الغبار ببطء، ثم فتحه بحذر.
كانت هناك مجموعة من الصور القديمة، وقد اصفرّت أطرافها بفعل الزمن. أمسك إحداها وأشار بها نحو ليلى قائلاً:ــ "انظري، هذه صورة صاحب القصر، السيد توفيق."
تقدمت ليلى بخطوات مترددة واقتربت لتنظر جيدًا. كانت صورة لرجل بملامح صارمة يرتدي بدلة قديمة الطراز. أخرج رفعت صورة أخرى وابتسم ابتسامة حزينة وهو يضيف:ــ "وهذه حفيدته، خديجة."
ظهرت في الصورة طفلة صغيرة ذات عيون واسعة، تحمل براءة لا تخطئها العين، ترتدي فستانًا أبيض قصيرًا، وشعرها مربوط بضفيرة وحيدة تتدلى على كتفها.
ارتجفت ليلى فجأة دون سبب واضح، وأحست أن العيون الصغيرة في الصورة تحدق فيها مباشرة. مدت يدها لتلمس الصورة لكنها ترددت وسحبت يدها بسرعة، بينما بقي رفعت يحدق مطولًا، وكأن عقله بدأ يربط بين تلك الطفلة والسر الذي يخفيه هذا القصر.
راح رفعت يزيح بعض الأتربة عن الرف الخشبي المهترئ، ليجد دُفترًا قديماً، أوراقه مصفرة وحوافه متآكلة، وكأن الزمن التهم نصفه. التقطه بحذر ونظر إلى ليلى قائلاً:ــ "أظن أننا أمام شيء مختلف هذه المرة."
اقتربت ليلى بسرعة، وعيناها تتسعان بفضولها الصحفي المعتاد:ــ "افتحه، ربما نجد ما يفسر شيئًا من غموض هذا القصر."
بدأ رفعت يقلب الصفحات الأولى، فوجد بعضها ممزقًا من المنتصف، وكأن هناك من تعمد أن يخفي ما كُتب فيها. أما الصفحات الباقية، فقد احتوت على سطور قصيرة غامضة، مكتوبة بخط يدٍ مرتبك:"لم أعد أطيق هذه الجدران، فكل زاوية منها تفضح ما لا يراه الآخرون….. نظراتها لا تخفى عليّ، وتلك الضحكات المبطنة لا تخدعني… ليتني أستطيع أن أصرخ بالحقيقة، لكن أي يد ستصدقني؟"تبادلت ليلى ورفعت نظرات الحيرة، ثم تمتمت ليلى:ــ "من الذي كتب هذا؟ ولمن كان يوجه كلماته؟"
قلب رفعت صفحة أخرى، فإذا به يرى سطرًا آخر:"هاشم مسكين، غارق في طيبته، لا يرى أن النار تلتهم بيته. أما أنا؟، فلا أملك إلا أن أراقب بصمت."
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها، فأطبقت يدها على ذراع رفعت:ــ "هذا يزداد غرابة، وكأن الكاتب يتحدث عن خيانة أو سرٍ مدفون."
أكمل رفعت تقليب الأوراق ببطء، حتى توقفت يده عند صفحة أُرفقت بها صورة قديمة، بالأبيض والأسود، لفتاة في أواخر عقدها الثاني، ترتدي فستانًا أنيقًا، وقد كُتب أسفلها بخط واضح: "سعاد".
شهقت ليلى بدهشة:ــ "ومن تكون هذه؟!"
ابتسم رفعت بخفوت، وكأنه يسترجع ما يحمله في ذاكرته من معلومات قديمة:ــ "هذه سعاد، زوجة هاشم الابن الأكبر للسيد توفيق. وأم خديجة الحفيدة."
نطقت ليلى بدهشة أكبر:ــ "إذن، الكاتبة ربما تكون هي؟"
أغلق رفعت المذكرة لوهلة، ونظر إلى ليلى بعينين تفكران بعمق:ــ "أو ربما كان شخصًا آخر يراقبها، ويسجل ما رآه."
ساد الصمت من جديد، ولم يُسمع سوى صفير الريح يتسلل عبر النوافذ المحطمة، وكأن القصر نفسه يتربص بأسراره، رافضًا أن يكشفها بسهولة.
جلس رفعت على أحد المقاعد المتهالكة، يثبت المذكرة بين يديه، بينما اقتربت ليلى أكثر كأنها تخشى أن تفوّت حرفًا واحدًا. قلب رفعت الصفحات حتى توقّف عند مقطع جديد، مكتوب بخطّ أكثر ارتجافًا من السابق، كأن الكاتب كان متوتّرًا وقتها:
"اليوم لم أعد أحتمل… واجهتهما. كنت أعلم أن الصمت يقتلني أكثر مما تفعله خيانتهما. نظراتهما لا تخطئها عين، وخطواتهما المريبة في أرجاء هذا القصر ما عادت تخدعني. جمعت شجاعتي وناديت حسن أمامها، وقلت له ما كنت أخشى قوله؛ أنه خان دم أخيه."
توقف رفعت للحظة وهو يقرأ، فارتجفت ليلى، و تمتمت بخوف:ــ "إذن، هو الجد توفيق من كتب هذه المذكرات؟"
أومأ رفعت برأسه:ــ "يبدو كذلك."
ثم تابع القراءة بصوت خافت:
"أنكرا… كما توقعت. قالت بجرأة باردة إنني أتخيل، وإن العمر أثقل بصري وعقلي. وحسن، بدم بارد، أقسم أمامي أنه لم يمد يده إلا بالخير. كدت أضربه، لكنني تراجعت. ما الدليل؟ كلمة شيخ عجوز أمام قسم شاب ماكر، وامرأة بارعة في التمثيل. لو نطقتُ بهاشم، لن يصدقني. لقد أعمته محبته لها."
اشتدت أنفاس ليلى، حتى شعرت أن جدران الغرفة تضيق عليها:ــ "يا إلهي، لقد كان يعرف، لكن لم يكن بيده حيلة."
أكمل رفعت القراءة، وصوته يزداد ثقلًا:
"عدتُ إلى غرفتي، وكتبت، كتبتُ لأن الكتابة هي السجن الوحيد الذي لا يقدرون على كسره. لو وجدت هذه الأوراق يومًا يا هاشم ، فاعلم أنني رأيت الحقيقة، لكني عجزت عن فضحها."
أسند رفعت ظهره إلى المقعد، يزفر ببطء وهو يحدق في المذكرة:ــ "إذن المواجهة حدثت بالفعل، لكن بدون نتيجة. الحقيقة دفنت بين الجدران، ومعها سرّ أكبر مما تخيلنا."
نظرت ليلى إلى الصور المبعثرة بجانب الصندوق، ثم إلى المذكرة بين يدي رفعت، وقالت بصوت مضطرب:ــ "هذا يعني أن ما نراه ليس إلا بداية الخيط، وأن ما لم يُكتب، وما تمزّق من هذه الصفحات، قد يحمل ما هو أخطر بكثير."
ساد الصمت، بينما تسللت من بعيد طرقعة خشب في سقف القاعة، كأن القصر نفسه استيقظ على أسراره، رافضًا أن تُحكى حتى النهاية
قلب رفعت صفحة جديدة، وقد بدا أن الحبر أثقل في الكتابة، وكأن اليد المرتجفة لم تعد تقوى على الكتمان. قرأ بصوت خفيض:"لم أعد أحتمل وجودها في بيتي… سعاد. لا أراها إلا لعنة حلت على هذه العائلة. غرورها يقتلني، وخيانتها تحرقني، ولولا ضعفي أمام هاشم وخوفي على قلبه النقي، لقلت ما عندي أمام الجميع. لكنها ستكون السبب… السبب الذي يفرق بين أبنائي."
توقفت أنفاس ليلى للحظة، وشعرت بوخز في صدرها من شدة وقع الكلمات. أما رفعت فواصل القراءة:
"لكنني لست وحيدًا. ثمة من يراني بصدق، حفيدتي الصغيرة خديجة. يا لها من روح ناصحة، رغم أن عمرها لم يتجاوز العاشرة. عيناها تقرأ ما يخفى على الكبار، ولسانها يسأل ما لا يجرؤ غيرها على قوله. لقد رأت بعينيها ما حاولتُ إخفاءه عن أخيها. كم مرة سألتني: لماذا تغيب أمي حين يسافر أبي؟ ولماذا تضحك مع عمي حسن أكثر مما تفعل مع أبي؟"
شهقت ليلى دون أن تشعر:ــ "حتى الطفلة كانت تشك، أيعقل أن تكون خديجة هي مفتاح اللغز كله؟"
أغلق رفعت المذكرة ببطء، وقد ارتسمت على ملامحه غمامة من التفكير العميق، ثم قال:ــ "يبدو أن هذه السطور لن تنتهي بخيانة عابرة، ثمة ما هو أبعد، وربما أشد قسوة."
ساد الصمت لبرهة، لا يُسمع فيها سوى صرير الريح وهي تلامس النوافذ المحطمة. ثم رفع رفعت رأسه فجأة ونظر إلى ليلى بعينين حاسمتين:ــ "يكفي هذا الآن. لا بد أن نغادر قبل أن يطلع النهار. إن رآنا أحد هنا فستكون مشكلة كبيرة، خاصة أن دخول هذا القصر محظور بأمر الحكومة، ومقرر أن تدخله هيئة الآثار قريبًا."
ترددت ليلى، فقد بدا شغفها أعظم من أن يُكبح، لكنها أيقنت في نبرة صوته أن الأمر خطير. جمعت الصور والمذكرة على عجل، بينما حمل رفعت الصندوق الصغير بين يديه، واتجه نحو الباب.
خرجا من الغرفة بخطوات حذرة، وكل ظلّ على الجدران يضاعف ارتجاف قلب ليلى، إلى أن وصلا إلى مدخل القصر. حين دفع رفعت الباب المتهالك ليخرج، ألقت ليلى نظرة أخيرة إلى الداخل، وهمست في نفسها:ــ "هذا المكان… لن يتركنا بسلام."
ثم تبعته إلى الخارج، حيث كان الليل يوشك أن ينسحب، والسماء تميل إلى زرقة الفجر الأولى.
رواية خيانة الفصل الثالث 3 - بقلم هاجر العفيفي
رواية خيانة الفصل الرابع 4 - بقلم هاجر العفيفي
_الفصل الرابع عشر_
الليل كان ماشي على أطراف صوابعه، مافيش صوت غير أنفاس الممرات، وضوء المستشفى الأبيض اللي بيعمل وجع أكتر من راحة.
ياسر رجع للمستشفى، وشكله متغير، عينيه حمرا، وصوته مبحوح من كتر القهر. روان جنبه، ساكتة.. مش عارفة تقول إيه بعد اللي حصل.
لما دخلوا أوضة سارة، الضوء كان خافت، وهي نايمة على نفس الوضع، النبض ثابت على الجهاز، بس الروح.. تعبانة.ياسر وقف عند السرير، مدّ إيده ولمس شعرها بهدوء، زي اللي بيطمن نفسه إنها لسه هنا. قال بصوت مكسور :يا رب.. خفف عنها.
روان وقفت وراه، وشافت إزاي كل لمسة منه فيها وجع راجل بيحب لدرجة الخوف. كانت عايزة تقول كلمة تريّحه، بس اختارت تسكت، لأن السكوت ساعات أحن من الكلام.
ياسر سحب الكرسي وقعد، حط راسه على طرف السرير ونام كأنه محتاج أمان من صوت أنفاسها.
روان خرجت بهدوء، وقفت في الطرقة تبصّ من بعيد، تشوف إتنين :واحد بيحارب بالنَّفَس، والتاني بيحارب بالصبر.
نسرين بلعجيليحصري
الصبح..الشمس طلعت من ورا السحاب الرمادي، ضوءها خفيف بس كفاية يفتّح قلب الغرفة.سارة فتحت عينيها ببطء، شافت ياسر نايم على الكرسي، إيده ماسكة إيدها، ودمعة ناشفة على خده. إبتسمت، مدّت إيدها ولمست شعره :ياسر… قوم يا حبيبي.
رفع راسه بسرعة، الدهشة في عينيه اتبدلت بفرحة مفاجأة :سارة؟!
سارة :أيوه يا ياسر، أنا هنا، ما رحتش في حتة.
ضحك وهو بيبص فيها كأنه بيشوف الدنيا أول مرة من جديد :الحمد لله، ألف حمد وشكر ليك يا رب. كنت بدعِي.. كنت بترجى وبتكلم مع ربنا علشان يسيبك ليا.
ضحكت سارة، لكن التعب بان في صوتها :شكلك إتغير يا ياسر، عينيك فيها خوف مش متعوداه منك.
ياسر :خايف.. مش من المرض، خايف من الحياة من غيرك.
سكتوا، والنَّفَس بينهم بقى دعاء صامت.
روان دخلت عليهم بابتسامة فيها تعب الليل كله :صباح الخير يا أبطال.
سارة بصت ليها :هو فيه حد بيبقى بطل في حربه؟
روان :أيوه، لما يفضل يقاتل وهو بيتوجع.
قعدت روان على الكرسي التاني، وقالت لياسر :الدكتور عايز يشوفك تحت بعد شوية.
ياسر :خير؟
روان :تحاليل جديدة، ومتابعة الحالة.
سارة اتنهدت :يعني لسه ماراثون؟
روان حاولت تهزر :الماراثون ده فيه خط نهاية إسمه “سلامة”، وده هدفنا.
ضحكوا، لكن كل ضحكة كانت بتحاول تغطي خوف بيكبر جواهم.
Nisrine Bellaajili
بعد نص ساعة..ياسر نزل يقابل الدكتور، وسارة فضلت مع روان. بصت ليها وقالت بنبرة هادية جدًا، كأنها بتجهز كلام مهم :روان… لو في يوم حسّيتِ إني خلاص مش قادرة، أو لو حسّيتوا إن وجودي بيأذيكم، ما تخلّوش الوجع يضيع البيت.
روان بصت لها بحدة فيها عتاب ودموع :ما تقوليش كده تاني، سارة، البيت من غيرك بيبقى طَيف مش حياة. إحنا مش محتاجين نعيش، محتاجينك إنتِ.
سارة ابتسمت، بس عينيها دمعت، وهمست وهي بتبص للسقف :يمكن ربنا يبدّل الوجع ده فرح قريب.. يمكن.
في الدور التحتاني، الدكتور كان قاعد قدام ياسر، بيقلب في التقارير الجديدة.صوته طالع بهدوء طبيب شايف الحقيقة ومش قادر يجمّلها :النتائج مش مطمئنة قوي يا أستاذ ياسر. الأنسجة لسه بتتدهور، والجسم بيقاوم بالعافية.
ياسر حط إيده على راسه، وصوته خرج خافت جدًا :يعني… الخطر لسه قائم؟
الدكتور :للأسف أيوه. لكن فيه حاجة إسمها “معجزات الصبر”. ناس كتير حالتها زيها، وربنا مدّ في عمرهم سنين، والمفتاح الحقيقي هنا، إنكم تكونوا دايمًا جنبها.
ياسر قام من مكانه، قال بصوت متماسك رغم الرجفة :طول ما أنا عايش، مش هسيبها لوحدها.
طلع من المكتب، عينيه شايفه الممر الطويل كأنه طريق بين الحياة والقدر. وقف لحظة، وقال في سره :“يا رب، لو مكتوب ان عمرها قرب ينتهى اديها عمر وطوله عشان خاطرى انا وملك يارب"
في آخر اليوم، روان واقفة في الشرفة الصغيرة تطّمن على الجو، وياسر جنبها بيبص للسماء.
قال بصوت واطي :فاكرة أول يوم جينا المستشفى؟ كنت متخيل إن ده آخرنا.
روان إبتسمت بهدوء :يمكن كل نهاية في الدنيا، ربنا مخبّي فيها بداية جديدة، بس بنشوفها بعد وجع طويل.
ياسر بصّلها، شكرها بنظرة مليانة تقدير :وجودك هنا سند، لو ماكنتيش موجودة، كنت وقعت.
روان قالت وهي بتبص على الشارع المليان نور خافت :إحنا كلنا واقفين علشانها، وهي بتقف علشانا.دي مش وصية حبّ وبس…دي معركة حياة.
ياسر إتنهد وقال وهو يرفع عينه للسما :والحب عمره ما انهزم قدّام الوجع.
والليل نزل تاني… بس المرة دي كان أهدى. فيه وجع، آه، لكن فيه كمان طمأنينة صغيرة، زي وعد في الهوا بيقول :“لسه الحكاية ما خلصتش.. ولسه القلب بينبض بإسمها.”
مرت الأيام ببطء، كأن الساعة كانت بتمشي على أطراف صوابعها. بعد أسبوع كامل من القلق والسهر، خرجت سارة من المستشفى. الطبيب قال إن حالتها مستقرة، لكن محتاجة راحة تامة، وأي انفعال ممكن يرجعها تاني هناك.
رجعت البيت، ووشها باهت شوية، لكن عينيها كان فيهم نور غريب.. نور النجاة بعد معركة طويلة.ياسر ساعدها تدخل الشقة، خطوة بخطوة، وملك جريت عليها تحضنها وهي بتعيط :"وحشتيني يا ماما!"
سارة ضحكت وهي بتحضنها بقوة، كأنها بتحضن عمرها كله في اللحظة دي.
رجعت الحياة تمشي في البيت، لكن الهدوء ما كانش راحة.. كان هدوء العاصفة اللي بتتخبّى قبل ما تضرب. روان كانت بتيجي تزورها كل يوم بعد الشغل، تطمن عليها وتقعد شوية، لكن بعد أسبوع إضطرت ترجع لشغلها من جديد. ودّعتها سارة بابتسامة حنونة وقالت :إرجعي لحياتك يا روان.. أنا كويسة دلوقتي.
لكن قلبها كان عارف إنها مش هتبقى كويسة فعلاً.
من يومها، البيت ما بقاش زي الأول. قدريّة قررت تفضل عندهم "علشان تساعد"، زي ما قالت. وسلوى كمان بقت تيجي كتير، بحجة إنها تساعد في تنظيف الشقة والطبخ. بس سارة كانت حاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة. نظرات سلوى لياسر كانت بتطول أكتر من اللازم، وكلام قدريّة بقى كله عن المسؤولية والمستقبل، وعن الراجل اللي محتاج "ستّ في عزّه".
في البداية، سارة حاولت تتجاهل، تقول لنفسها إن دي أوهام ناتجة عن التعب، لكن الإحساس الخانق ما كانش بيفارقها.كانت قاعدة في الصالة يوم، ومعاها فنجان الشاي، وقدريّة وسلوى بيكلموا بعض في المطبخ. الصوت مش واضح، لكن الكلمات كانت بتتسرّب من تحت الباب زي سمّ بارد.
سلوى :هو خلاص يا خالتي، يعني فعلاً ناوية تخليني أتجوزه بعد سارة؟
قدرية :وليه لأ؟ الست دي شكلها مش هاطول، وربنا عالم باللي فيها. أنا مش هستنى لما إبني يضيع. البيت لازم يفضل واقف، والبنت محتاجة أم.
سلوى :بس يا خالتي، الناس هتقول إيه؟
قدرية :الناس بتتكلم يومين وتسكت. بعدين، ده حقك، إنتِ بنت كويسة وأنا عايزاك ليه. سارة خلاص، راحتها قربت."
الكلمات دي خبطت في سارة زي صاعقة. إيديها رجفت، والفنجان وقع على الأرض، اتكسر نصين، والشاي غرق السيراميك.
قدريّة خرجت من المطبخ بسرعة :مالك يا سارة؟ وقعت منك الكوباية؟"
سارة بصت لها بنظرة جامدة، فيها وجع ودهشة في نفس الوقت :آه… وقعت.
قدرية :خذي بالك من نفسك، أنا هلمّها.
قدريّة نزلت على ركبها تجمع الكسر، وسلوى واقفة وراها ساكتة، بس عينيها ما كانتش مرتاحة.
سارة راحت أوضتها من غير ما تقول حاجة، قفلت الباب ووقفت قدام المراية. وشها شاحب أكتر من قبل، بس في عنيها لمعة غضب، لمعة ستّ فهمت إنهم بيجهّزوا حياتها القادمة من وراها.
إتنهدت وقالت بصوت مسموع وهي تبص لنفسها في المراية :"عايزين يجوزوه و أنا لسه على قيد الحياة؟ ده أنا حتى لسه بتنفّس."نسرين بلعجيلي
وقعدت على السرير، مسكت النوت بوك اللي كانت بتكتب فيه زمان، وبدأت تكتب من جديد :"لو اليوم ده جه فعلاً، وأنا لسه هنا، مش هسكت. الوصية مش نهايتي، دي هتكون قوتي."
في اللحظة دي، سمعت صوت ملك بتضحك من برّه مع سلوى، وصوت ياسر داخل من الباب بيقول :سارة، جيت أهو.
إبتسمت وهي تمسح دموعها بسرعة، وبصوت واثق قالت لنفسها :"أنا لسه هنا، ولسه عندي اللي أقوله."
وهي مش عارفة إن اللي جاي هزّ البيت كله.
من يوم ما رجعوا البيت بعد المستشفى، ياسر كان حاسس إن فيه حاجة مش مريحة في الجو. البيت هادي زيادة عن اللزوم. سارة بتحاول تبين إنها بخير، لكن ملامحها بتفضحها، وعينيها فيها خوف ساكت مش عايز يطلع.
قدريّة وسلوى بقى ليهم وجود دايم. مرة في المطبخ، مرة في الصالة، ومرة بحجة “عايزين نساعد سارة”. لكن المساعدة كانت بتخنق أكتر ما بتريح.
ياسر لاحظ كل حاجة. نظرات سلوى الطويلة ليه، وهي تضحك من غير سبب، وكلام أمه اللي بقى كله : “البيت محتاج ستّ" و“سارة محتاجة راحة، خلي سلوى تقوم بدلها”.
هو ما قالش حاجة في الأول، بس كل يوم كان الغضب بيكبر جواه زي نار تحت الرماد. وفي ليلة، بعد ما سارة نامت، قعد في الصالة وهو بيفكر بصوت عالي لنفسه :“أنا مش فاهم هما عايزين إيه بالظبط؟ ليه حاسس إن فيه خطة بتتنسج حواليّا؟”
خرجت قدريّة من المطبخ وهي ماسكة صينية شاي، وسلوى وراها بتضحك ضحكة صغيرة :تعالى يا ابني إشرب معانا كوباية شاي.
ياسر قال بهدوء وهو بيحاول يسيطر على أعصابه :لأ، مش قادر أشرب حاجة.
قدريّة رفعت حاجبها :مالك يا ياسر؟ وشّك متغير كده ليه؟
ردّ بهدوء شديد بس صوته فيه نغمة حزم :ماما، أنا عايز أتكلم معاكِ في حاجة.
قدرية :قول يا حبيبي.
ياسر :أنا شايف إن وجودك إنتِ وسلوى هنا بقى زيادة شوية. سارة محتاجة هدوء، ومش محتاجة ضغط.
قدريّة اتشدّ وشّها :ضغط؟! إحنا ضغط؟ ده أنا قاعدة باخدمها وباعمل اللي المفروض مراتك تعمله.”
ياسر ردّ بسرعة، نبرته فيها وجع وغضب مكبوت :مافيش حد طالب منك خدمة يا ماما. إنتِ جيتي علشان تطمني عليها، كتر خيرك، بس خلاص. سارة بقت أحسن، وأنا هجيب واحدة تساعدها في البيت. إنتِ وسلوى ترجعوا البلد ترتاحوا.”
سلوى اتلبخت، عينيها راحت لأرض المطبخ، وقدريّة قالت بصوت عالي وهي بتحط الصينية بعصبية :يعني تصرف فلوس على غريبة، وأنا عندي بنت أختي في وشّي؟ سلوى بنت كويسة، محترمة، وأحسن من ألف غريبة.
ياسر ردّ بنبرة ثابتة :مافيش حد غريب، بس مافيش داعي سلوى تفضل هنا كل يوم. سارة مش محتاجة خدامة، محتاجة راحة نفسية، وأنا مش مرتاح بوجودها.”
قدريّة شهقت :مش مرتاح؟! ليه يا ياسر؟ دي زي أختك.
رفع عينه فيها مباشرة :لأ، يا ماما، مش أختي، ولا ينفع تكون. نظراتها ليا مش طبيعية، وأنا مش غبي.
سلوى اتجمدت في مكانها، وشها إحمر وقالت بسرعة :إيه الكلام ده يا ياسر؟ أنا عمري ما بصيتلك بنظرة وحشة.
قدريّة ضربت كفها في الترابيزة :عيب الكلام ده، إزاي تقول كده على بنت أختي؟ إنت اتجننت ولا إيه؟
ياسر ردّ وهو بيحاول يهدّي صوته لكنه فشل :أنا مش مجنون، بس أنا فايق جدًا. سارة مش ناقصاها خيانة من أقرب الناس. أنا بحب مراتي، وعمري ما هشوف غيرها.
قدريّة صرخت :وهي تفضل كده؟ مريضة وتعبانة؟ هتعيشلك كام سنة كمان؟ إنت محتاج تفكر في حياتك يا ياسر.”
الكلمة دي وقفت الدم في عروقه. بصّ لها بحدة :إيه؟ بتخططي ليّ كده؟! ماما، إنتِ بتتكلمي عن مراتي كأنها خلاص ماتت.”
قدريّة حاولت تبرّر :أنا بخاف عليك يا ابني، مش عايزاك تفضل لوحدك بعدين.”
ياسر :بعد إيه؟!صوته كان عالي، عينيه بتبرق بغضب :بعد موتها؟ إنتِ مستعجلة على ده كمان؟
سلوى قالت بسرعة :ياسر، بالله عليك، ما بتقصدش كده.
ياسر :أسكتي إنتِ.صرخ فيها وهو بيشاور بإيده :ولا كلمة. إنتِ السبب في اللي بيحصل. بقالك كام يوم دايرة حواليا كأنك بتستني لحظة ضعف. أنا بحب سارة، ووجودك هنا مش مقبول.
قدريّة وقفت، حطت إيدها على صدرها :ده جزاتي؟ أقعد أرعى فيكم وفي الآخر تطردني؟
ياسر ردّ بقسوة فيها وجع :أنا ما طلبتش رعاية، طلبت راحة. وإنتو جبتوا للبيت قلق وسمّ، سارة حاسة، وأنا شايف. فلو بتحبيني فعلاً، خدي سلوى وارجعي بلدك النهارده.نسرين بلعجيلي
السكوت سيطر على المكان. سلوى واقفة مرتبكة، ودموعها على خدها، وقدريّة واقفة مصدومة، مش مصدقة إن إبنها اللي ربتّه بيكلمها كده.
لكن ياسر كان خلاص فاض بيه الكيل. مسك جاكتِّه من على الكرسي وقال وهو بيبص لهم نظرة حاسمة :أنا نازل أجيب لسارة دواها، ولما أرجع، نفسي ألاقي البيت فاضي.
طلع من البيت، وسابهم في صمت قاتل. سلوى بصّت لقدريّة بخوف وقالت :خالتي، شكله شافنا على حقيقتنا.
قدريّة شردت لحظة، وبصوت واطي قالت :يمكن.. بس ساعتها هنشوف مين اللي هيفضل واقف.
رواية خيانة الفصل الخامس 5 - بقلم هاجر العفيفي
رواية خيانة الفصل السادس 6 - بقلم هاجر العفيفي
رواية خيانة الفصل السابع 7 - بقلم هاجر العفيفي
بقلم نسرين بلعجيليNisrine Bellaajili
الحلقه 7
أيام قليلة كانت كافية لتتغيّر نور بالكامل. رياض عاد إليها وكأنه رجل جديد؛ صوته محمّل بالحب، كلماته تفيض شوقًا، حضوره في حياتها صار طاغيًا. لم يعد يترك لها وقتًا لتفكر أو حتى تلتقط أنفاسها. كل يوم يرسل لها رسائل طويلة، كل ليلة يتصل بها ليغني لها بكلماته، يضحكها، يطمئنها، يشاركها تفاصيل صغيرة لم تكن مهمة من قبل، لكنها بالنسبة إليها كانت تعني العالم كله.
شيئًا فشيئًا، غرقت نور في هذا البحر من العاطفة. قلبها صار يرفرف كلما سمعت إسمه، عقلها توقف عن طرح الأسئلة، وصارت كلمات صاحباتها مجرد ضجيج في الخلفية.
فيروز قالت لها ذات يوم بقلق :"يا نور، خلي بالك… الولد ده مش واضح. مش عايزاكِ تنجرحي."
سلمى أضافت :"إحنا حاسين إن في حاجة غلط. متخليش مشاعرك تعميكِ."
لكن نور إبتسمت إبتسامة هادئة، وأجابت بصوت مرتجف من الحنين :"إنتوا مش فاهمين، رياض غير أي حد. هو الوحيد اللي حاسس بيا."
فرح حاولت تمسك إيدها وتشدها من الوهم :"بس يا نور، إنتِ اتغيرتِ، بطلتِ تخرجي معانا، ما بقتيش تردي على مكالماتنا، حياتك كلها بقت هو!"
نور سحبت يدها برفق، وابتسمت إبتسامة حزينة :"يمكن عندكم حق، بس أنا مش قادرة أبعد عنه. هو دنيتي دلوقتي."
ياسمين، التي عادة ما تكون صامتة، انفجرت هذه المرة :"لو فضلتِ كده، هتضيعي نفسك، الحب مش إنك تذوبي وتنسي كل الناس حواليكِ."
لكن نور لم تعد تستمع. كانت تسمع أصواتهن كأنها تأتي من بعيد، من عالم آخر لم تعد تنتمي إليه. في تلك اللحظة، إختارت أن تدير ظهرها للشلة التي طالما ساندتها، وتغرق أكثر في حب رجل لم تدرك بعد أنه يقودها نحو الهاوية.
وبينما كانت صديقاتها ينظرن إليها بعيون دامعة، نور مشت بخطوات مترددة لكنها واثقة في اتجاه واحد فقط : _رياض..
منذ أن ابتعدت نور عن الشلة، أصبحت حياتها تدور كلها في فلك رياض. لم تعد تخرج مع فيروز أو سلمى أو فرح أو ياسمين، ولم تعد تشاركهن أسرارها أو مخاوفها. هاتفها لم يعد يرن إلا بإسمه، ورسائلها لم يعد يملأها سوى صوته.
رياض كان ذكيًا في استغلال الفرصة؛ كل مرة يلاحظ بعدها عن صديقاتها، يضاعف جرعة حنانه وكلماته المعسولة.– "أنا عمري ما شُفت حد زيك يا نور، إنتِ معجزة."– "من غيرك أنا ما أساويش حاجة."– "أنا وإنتِ ضد العالم كله."
نور صدّقت كل كلمة. كانت تكتب في مذكرتها :«أنا ورياض صرنا واحد. لا أحتاج أحدًا بعده. حتى صديقاتي لا يفهمنني كما يفعل هو.»
لكن الحقيقة كانت مختلفة. في الوقت الذي يغمرها بكلمات الحب، كان رياض يجلس في مقهى آخر مع امرأة جديدة، يرسم لها نفس الحلم، نفس الوعود، يبيع لها وهم المستقبل، وفي النهاية يمد يده ليحصل على ما يريد.
صفاء كانت تراقبه عن بُعد، عينيها لا تفوّت شيئًا. ذات ليلة، جلست مقابله وقالت بضحكة باردة :"أنا وإنت متفقين يا رياض. أنا محتاجة ورقة الجواز قدام أهلي، وأنت محتاج ست تسندك. لكن بيني وبينك، نور دي لازم تخلص منها. هات اللي عندها،
رياض صمت للحظة، قلبه يرتجف بين شيئين: حبه المزيف الذي بدأ يصدّقه مع نور، وقيده الحقيقي الذي يمسك بخناقه مع صفاء.
وبينما هو يعيش هذا الصراع، نور كانت تغرق أكثر، تبتعد عن الجميع، وتكتب في رسائلها له :"أنا ملكك يا رياض، ملكك وبس."
في الليل، رياض رجع البيت منهك بعد سهرة طويلة. لقى صفاء قاعدة في الصالة، سيجارة في إيدها، وكاس في التانية، وابتسامة غامضة على وشها. رفع عينه لها وقال بصوت متعب :"إنتِ ليه مش سايباني في حالي يا صفاء؟"
ضحكت ضحكة قصيرة، ورمت نظرة كلها تحدٍ :"عُمري ما هسيبك يا رياض. إنت مربوط بيا للأبد."
إقترب منها، صوته مبحوح وفيه محاولة للفهم :"طب قوليلي، إنتِ بتحبيني؟"
إنفجرت في ضحكة سخرية، وهزت راسها باستهزاء :"أحبك؟! قولي إيه اللي فيك علشان أحبك؟ عندك إيه أصلاً؟ إنت واحد فاشل، ماشي في الدنيا بالنصب والكلام الفاضي. أنا مش عارفة الضحايا بتوعك بيحبوك ليه."
تقدمت خطوتين ناحيته، وصوتها انخفض لكنه كان أكثر قسوة :"يمكن علشان إنت بتمثّل عليهم، بتلعب دور العاشق، البطل، المنقذ. بس أنا الوحيدة اللي شايفة حقيقتك، أنا الوحيدة اللي عارفة مين رياض بجد. وشك الحقيقي، القناع اللي عمرك ما تقدر تخلعه قدامي."
كلماتها وقعت عليه زي السهام. حسّ بجرح غائر، لكن ما قدرش يرد. وقف قدامها صامت، عيناه غارقتان في مرارة ما بين حب نور اللي بيخليه يحس بإنه إنسان، وصفاء اللي بتفكره دايمًا إنه مجرد نصّاب بلا قيمة.
هنا إنفجر رياض. صرخ، ورمى الكأس اللي على الطاولة فتكسّر والزجاج تناثر على الأرض :"كفاية يا صفاء! أنا مش عبد عندك! إنتِ فاكرة إنك ماسكة الدنيا كلها من رقبتي؟ لأ، أنا اللي اخترت أبقى هنا، وأي وقت أقدر أسيبك وأمشي"
إقترب منها بعصبية، عيناه حمراء من الغضب :"إنتِ بتقولي إني فاشل؟! يمكن، بس على الأقل أنا لسه عندي اللي يقدر يحبني بجد! نور بتحبني، شايفة فيا راجل، مش زيك إنتِ اللي شايفة شيطان!"
صفاء ضحكت بسخرية باردة، ولمعت عينيها :"آه يا رياض، إنفجر، أصرخ، إكسر اللي حواليك. بس في الآخر، هترجع لي. لأنك مهما عملت، إنت ما تعرفش تعيش من غيري."
بص لها رياض بعيون كلها كره، قلبه بيغلي، وصوته خرج متقطع بين الغضب والانكسار :"إوعي تفتكري إني هافضل تحت رحمتك طول عمري.. في يوم هتشوفي رياض اللي عمرك ما عرفتيه."
وقف رياض قدامها، صوته مبحوح من كثر الصراخ، والزجاج المكسور حوالينه. عروقه نافرة في وشه، وإيده بتترعش. صفاء، بدل ما تتأثر، ضحكت ضحكة باردة زي السكينة وهي بتتغرس في القلب.
قالت وهي تنفث دخان السيجارة في وشه :"إنت فاكر نفسك هتهددني يا رياض؟ لأ يا حبيبي، اللي ماسك اللعبة أنا. إنت مش قادر تمشي من هنا خطوة."
قربت منه أكثر، بصوت مليان ثقة وقسوة :"هترجعلي كل فلوس اللي عليك، فاهم؟ الشيكات لسه في جيبي. أقدر أوديك السجن بكلمة. ولو فكرت بس ترفع صوتك عليّ، أنا عندي صبيان ممكن أبعثهملك في لحظة، يضربوك لحد ما يعدموك من الدنيا."
عيون رياض اتسعت من القهر، وصوت نفسه بقى متقطع. حاول يرد، بس هي ما ادتلوش فرصة.
– "أنا أقدر أفضحك في ثانية. عندي كل التسجيلات، كل الضحايا اللي ضحكت عليهم وبكيتهم. كلمة مني تخليهم ييجوا ويمسحوا بيك الأرض."
إتكأت على الطاولة، رفعت كاسها، وكأنها بتحتفل بالهزيمة اللي غرّستهاله :"حتى شركتك اللي صدعتنا بيها غرقت في الديون وقفلتها زي الكرتونة الفاضية. ماعرفتش تعمل حاجة بعدها غير إنك تعيش عالة على غيرك. إنت دلوقتي هنا تحت رجلي. عارف ليه؟ علشان محدش في الدنيا دي يقدر يستحملك غيري."
سكتت لحظة، رفعت حاجبها بابتسامة ساخرة، وقالت :"إنت بتقول نور بتحبك؟ خلّيها تنفعك. لو عرفت حقيقة رياض اللي أنا عارفاه، هتجري منك زي باقي الناس. إنت ليا، غصب عنك. لعبة في إيدي، وأنا الوحيدة اللي عارفة إزاي أدوّرك."
كلماتها كانت زي الطعنات. كل جملة بتنزل على قلب رياض زي حجر ثقيل بيغرقه أكتر. وقف قدامها، جسمه متشنج، بس عينه لمعت بدموع قهر حاول يخفيها. تم رمى السيجارة اللي في إيده على الأرض وداس عليها بعصبية، وبصّ لها وهو مكسور :"خلاص يا صفاء، كفاية. أنا تعبت… تعبت من كل حاجة."
قعد على الكنبة، حط راسه بين إيديه، وصوته خرج متقطع :– "أنا كنت فاكر إني قوي، فاكر إني أقدر أتحكم في أي واحدة تقابلني. بس إنتِ كسرتيني، خليتيني أضيع، حتى نفسي مش لاقيها."
دموعه نزلت من غير ما يحس، أول مرة يعيط قدامها. بس صفاء ما رقّتش، بالعكس، إبتسمت إبتسامة انتصار، وقعدت قدامه وهي تهز الكاس في يدها :"إنت إنهرت خلاص، أهو رياض النصاب اللي كان فاكر نفسه أسد، بقى قطة مبلولة تحت رجلي."
رفع عينيه يبصلها، صوته خافت :"ليه يا صفاء؟ إيه اللي مخليكِ متمسكة بيا كده، وإنتِ عارفة إني مش هتغيّر؟"
ضحكت ضحكة قصيرة، وقالت :"علشان إنت أضعف من إني أسيبك. إنت لعبتي، وأنا بحب أشوفك بتتقلب بين إيدي زي العروسة الخشب. عمرك ما هتهرب، ولا هتقوم."
في اللحظة دي، رياض انهار أكتر، ساب نفسه يغرق في الهزيمة، وكأن روحه انسحبت منه. حس لأول مرة إنه مش نصاب ولا راجل، حس إنه مجرد ظل، مكسور وتحت رحمة شيطانة ماسكة كل مفاتيحه.
بعد انهيار رياض التام أمام صفاء، خرج من شقتها وهو تايه، خطواته ثقيلة وقلبه مثقل بالقهر. ولأول مرة من مدة طويلة، مسك موبايله وكتب لنور رسالة :"محتاج أشوفك."
نور ردّت بسرعة، قلبها بيرقص من الفرح :"أنا كمان يا رياض، وحشتني."
إلتقوا في كافيه صغير على أطراف المدينة. كانت عيونها بتلمع، وابتسامتها مليانة شوق. جلس قدامها، حاول يخبي صراعه الداخلي، لكن بمجرد ما شافها، كل ضعفه اتبدّل لهدوء مؤقت.
نور (بحماس) :"أنا فكرت يا رياض، خلينا نسيب كل حاجة ونتجوز. مش عايزة أخسر وقت تاني."
كلمتها نزلت عليه مثل صاعقة، بس المرة دي مختلفة. حس نفسه بيرجع يتنفس. رفع عينه لها وقال بصوت مهزوز :"إنتِ عارفة إني مش في أفضل ظروفي دلوقتي، بس لو إنتِ موافقة، نتجوز بعد أسبوع."
نور شهقت، دموع الفرح غرقت عينيها :"بجد يا رياض؟ بعد أسبوع؟"
إبتسم إبتسامة ضعيفة :"آه، بعد أسبوع تبقي مراتي."
خرجوا مع بعض من الكافيه، وإيدها في إيده. ومن اللحظة دي، نور غاصت في دوامة فرح مجنونة. بدأت تشتري فستان الفرح، وتختار القماش الأبيض اللي حلمت بيه من زمان. اشترت قمصان نوم حرير، لوازم عروس، كل قطعة كانت تمسكها وتوريها لرياض عبر الصور أو الفيديو كول.
نور (بابتسامة طفلة) :"بص يا رياض، ده فستاني! مش مصدقة إني أخيرًا هبقى عروستك."
هو كان يسمع صوتها، يحاول أن يشاركها فرحتها، لكن قلبه يتلوّى من جواه. في لحظة معينة، وهي بتضحك وبتقوله إنها هتكتب إسمه على طرحتها، حس بطعنة في صدره. ضميره صاح فيه : إنت بتضحك عليها، هي بتحلم، وإنت بتبيع لها وهم.
في مرة، وهو معاها، شاف نور واقفة قدام المراية، بتقيس واحد من فساتين البيت الجديدة. ضحكت بخجل وقالت :"إنت عارف يا رياض، عمري ما تخيلت نفسي عروسة غير معاك."
إبتسم، لكنه في أعماقه كان يئن.
وفي لحظة ثانية، مريم جريت عليه وهي ماسكة لعبة صغيرة، وقالت ببراءة:"بابا… بص! عملت بيت لعرائس."
الكلمة وقفت في حلقه. نور ضحكت والدموع في عينها، حضنت بنتها وقالت :"شايف؟ حتى مريم بقت شايفاك أبوها."
هو ركع على ركبته، حضن الطفلة وهو بيكتم دموعه، وقال بصوت مبحوح :"مريم، يا ملاك."
لكن لما رفع عينه، شاف نور بتبص عليه بحب عظيم. وقتها، قلبه اتعصر. حس إن ذنبه أكبر من إنه يتغفر. إزاي هي وطفلتها شايفين فيه أمان، وهو جواه مجرد نصاب؟
في تلك الليلة غفت نور، وما إن أغمضت عينيها حتى وجدت نفسها وسط نفس الدائرة من النار، ألسنتها ترتفع وتلتف حولها كأفاعٍ حمراء. الدخان خانق، والهواء مليء بصرخات غير مفهومة.
العجوز ظهرت من جديد، ملامحها أكثر صرامة، وصوتها كالسوط يجلد سمعها :"خلي بالك يا بنتي، النار دي مش ليكِ، إبعدي قبل ما تتحرقي."
نور التفتت تبحث عن رياض، فإذا به ملقى على الأرض، يمد يديه وكأنه يستغيث. فوقه امرأة ضئيلة الجسد، شعرها الكيرلي مبعثر حول وجهها، بيرسينغ يلمع في أنفها مع وهج اللهب، وعيناها سوداوان كأنهما حفرتان من غضب. كانت تطبق يديها على رقبته بكل قوة، وجهها يقترب من وجهه وهي تضغط أكثر فأكثر.نسرين بلعجيلي
صوت أنفاس رياض بدأ يختفي، جسده يتراخى، وعيناه تنقلبان في محجريهما. صرخت نور بكل ما فيها:– "لاااااا! رياض!"
النار اشتعلت أكثر، أحاطت بالجميع، والعجوز رفعت يدها محذرة :"إبعدي يا بنتي قبل ما تتحرقي!"
عندها إنفجر كل شيء…
إستيقظت نور فزعة، شهقتها عالية، قلبها يدق بقوة، والعرق يغرق جبينها. مدت يدها المرتعشة للهاتف واتصلت به وهي تبكي :"رياض! رياض… أنا شفت كابوس مرعب!"
صوت رياض جاء متقطع من الطرف الآخر، كأن صدره ضاق فجأة:"خير يا نور؟ مالك بتعيطي ليه؟"
نور بصوت بيرتعش ودموعها بتغرق خدودها :"شُفتك في الحلم،، كنت واقع وسط النار، وفيه واحدة جسمها صغير، شعرها منكوش، عينيها سودا كأنها بئر، كانت بتخنقك لحد ما نفسك انقطع، وأنا ما عرفتش أنقذك. حسيت إني بضيع معاك."
صمت رياض للحظة، قلبه انقبض، عينه اتسعت كأن حد غرس خنجرا في صدره. الوصف ضربه زي الصاعقة، نفس الملامح، نفس التفاصيل اللي عايشها كل يوم. لكن بسرعة حاول أن يخفي إرتباكه، وعدّل نبرته :"يا حبيبتي، دا مجرد كابوس. دماغك مرهقة من التفكير. محدش هيقدر يبعدني عنك، ولا يمسّني وأنا معاك."
نور بتصرخ وهي مش قادرة تهدى :"لأ يا رياض! حسيت إنها حقيقة… حسيت إن النار حوالينا وأنا مش قادرة أخرجك منها."
رياض شدّ نفسه وقال لها بصوت فيه دفء مصطنع :"بصيلي، أنا بخير. إسمعيني، إنتِ بالنسبالي الروح اللي بتديني حياة. ما تسيبيش الأحلام دي تلعب في دماغك. أنا معاك وهتفضلي معايا، ومحدش في الدنيا يقدر يفرقنا."
نور مسحت دموعها وهي تهمس:"أنا بس خايفة أخسرك، خايفة أصحى ألاقيك مش موجود."
رياض ابتسم ابتسامة باهتة، وهو يضغط على صدره من الوجع اللي جوّاه :"إنتِ عمرك ما هتخسريني، ولو في يوم الدنيا ولّعت حوالينا، أنا هفضل ماسك إيدك. صدقيني يا نور، إنتِ الأمان اللي بدور عليه."
لكن في داخله، كان صوته التاني يصرخ :كيف عرفت؟ إزاي وصفتها كأنها شايفاها؟
كان رياض قاعد في كافيه هادي على أطراف المدينة، سيجارة في إيده، وعينيه شارده في الفراغ. قدامه جلس توفيق، صاحبه القديم وشريكه في بعض الصفقات المشبوهة. رياض حكاله عن الحلم اللي شافته نور بالتفاصيل، وعن الوصف اللي هزّه من جوّه.
رياض (بصوت مبحوح) :"يا توفيق، البنت دي مش غبية. عندها حس عالي، حسيت إنها شايفة اللي بيحصل معايا كأنها عايشة وسطنا. أنا… أنا ما بقيتش عارف نفسي. كل يوم بضيع أكتر. بس هي… هي النور الوحيد اللي منور لي حياتي في العتمة. حسيت إنها الحاجة الصح في حياتي."
توفيق ضرب كفّ بكف وضحك ضحكة قصيرة، فيها سخرية ممزوجة بالتحذير :"صح؟ يا عم فوق. إنت ناسي إنت مين؟ إنت اللي ماشي من لعبة للثانية. ودي مش غير لعبة جديدة. إوعى تخلي قلبك يضحك عليك."
رياض اتنهد، حط إيده على راسه وقال بحرقة :"أنا تعبت يا توفيق. نور مختلفة، مش زي الباقيين. دي بتحبني بصدق. لو حصل لها حاجة، أنا هموت."
توفيق مال لقدامه، عينيه ضاقت بحدة:– "اسمعني كويس، لو عايز تعيش، لازم تخلص اللعبة بسرعة. خَلّيها تعمل لك توكيل رسمي أو تتنازل عن كل حاجة. كده تبقى مأمن نفسك وتطلع منها كسبان. غير كده، صفاء مش هتسكت. وممكن تأذيها قبل ما تأذيك."
رياض شدّ على صدره، صوته متهزّ :"بس يا توفيق… دي نور. أنا مش قادر أتخيل إنها تتأذى بسببي."
توفيق ضرب الطاولة بإيده بقوة، صوته مليان حدة :"حياتك أو حياتها، يا رياض! ركّز كويس. الدنيا ما بتديش إثنين. يا تنجو إنت، يا تضيعوا سوا."Nisrine Bellaajiliرياض سكت، نظرته اتعلقت في نقطة بعيدة، جواه حرب ما بين قلبه اللي بيتعلق بنور وعقله اللي مربوط بسلاسل صفاء وأوامر توفيق.
إقترب اليوم المنتظر. لم يتبقَ سوى ساعات على كتب الكتاب، المقرر غدًا. نور كانت ترفرف كفراشة في ربيعها الأول، قلبها يغني، وروحها لا تكاد تصدق أن كل هذا يحدث لها. كانت ترتّب البيت بنفسها، تعلق الزينة البسيطة التي اشترتها، وتبتسم كلما وقعت عيناها على فستانها الأبيض المعلّق على الحائط.
رياض جاء إلى بيتها عصرًا، بوجهٍ يحمل خليطًا من ابتسامة مصطنعة وملامح شاردة. فتحت له الباب وهي تكاد تطير من السعادة. ركضت مريم إلى حضنه كأنها عرفت أن اليوم مختلف، ثم أخذت بيده إلى غرفتها، لتُريه فستانها الصغير الذي اختارته ليوم كتب الكتاب.
ضحك رياض بخفة وقال لها :"إيه يا عروسة، هتخطفي الأضواء من ماما كده."
نور نظرت له بخجل، وسألها فجأة :"عزمتِ صحابك يا نور؟"
إرتبكت قليلًا، ثم أجابت بصوت رقيق :"لأ… أنا مش عايزة دوشة ولا ناس كتير. يكفيني أكتب الكتاب معاك ونحتفل سوا، أنا وإنت ومريم. ده يومنا إحنا بس."
إبتسم رياض إبتسامة شاحبة، وكأنه مرتاح أن الأمر سيبقى محدودًا. لكن فجأة، رنّ هاتفه. وجهه تغيّر في لحظة، قلب لونه كأنه نزف من داخله. ضغط على زر "الرد"، وصوته تغير.
إلتفت نحو نور بابتسامة باهتة وقال :"ممكن تعمليلي قهوة يا حبيبتي؟"
أومأت بحب وذهبت إلى المطبخ، قلبها سعيد أنها ستدلله بكوب قهوة في يومهم الكبير.
لكنه في تلك اللحظة، إتجه إلى البلكونة في الصالة. وقف هناك، يتحدث بصوت خافت، كأنه يهمس للهواء.
نور، التي عادت لتسأله شيئًا، وقفت عند الباب دون أن تقصد، وسمعت الجملة الأولى التي هزّت عالمها :"ما تفضليش تتصلي كثير علشان ما تحسش ويروح علينا كل اللي إحنا بقالنا فترة بنخطط له."
تجمدت الدمعة في عينيها. الهواء انقطع عنها. قلبها دق بعنف كأن أحدهم يطعنها بسكين بارد.
رياض أكمل بصوت متوتر :"خلاص، هاعمل اللي قلتِ عليه. بكرة هاخذها عند المحامي، وأخليها تمضي. مش هتاخذ بالها، ورقة التنازل هتكون مع العقود. كل حاجة هتخلص."نسرين بلعجيلي
نور وضعت يدها على فمها حتى لا تخرج شهقة، جسدها كله يرتجف.
ثم سمعته يسكت لحظة، قبل أن يضيف ببرود :"أيوه، أوكي. أنا مش هتجوزها رسمي. هخلي توفيق يجيب مأذون على مزاجنا، أقضي معاها يومين، وبعدها آخذ كل حاجة."
سكت لحظة أخرى، ثم خرجت منه الجملة التي كسرت ظهرها :"يا صفاء إنتِ بس اللي مراتي. هي مش هتجوزها ما تقلقيش."
نور أحسّت أن جدران البيت تدور حولها. قدماها لم تعودا تحملانها، ودموعها انفجرت دون أن تشعر.
رياض أكمل، وكأنه يسكب السم في أذنها :"قرض إيه بس؟ هي عمرها ما هتوافق. خلاص، أنا هتصرف."
ثم صمت لحظات، وفتح مكالمة أخرى، وصوته تغيّر كليًا. أصبح مليئًا بالدفء المصطنع :"بحبك… بحبك… بحبك. بصي، الليلة دي هقضيها في حضنك يا جميل… يا عسل."
نور شعرت أن قلبها يُسحق تحت أقدام الحقيقة. كل كلمة سقطت على روحها كحجر يهوي من جبل. رأت أحلامها تتكسر، فستانها الأبيض يتحول في عينيها إلى كفن، وضحكة مريم البريئة تذبحها من الداخل.
جلست على الأرض، ظهرها للحائط، عيناها تنهمر منها دموع لا تنتهي. كل ما سمعتْه لم يكن مجرد خيانة، كان اغتيالًا لروحها.
ترددت في أذنها كلمات العجوز في الحلم :"إبعدي قبل ما تتحرقي."
لكن النار كانت قد وصلت بالفعل، تحرق قلبها وهي حيّة.
نور لم تصرخ. لم تواجه. جلست فقط في صمت، منهارة كطفلة تُركت وحيدة في عاصفة. كانت تسمع صدى صوته يضحك في الهاتف ويقسم بالحب، بينما هي تموت في اللحظة نفسها.
«أحبت نصابًا… وأدركت متأخرة أن النصاب لا يعرف الحب، بل يعرف فقط كيف يسرق القلوب كما يسرق الأموال.»
وهكذا… إنتهى يومها الذي حلمت أن يكون أجمل أيام عمرها، ليصبح بداية الجحيم الحقيقي.