تحميل رواية «كهرمان» PDF
بقلم رحاب محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هو فين التليفون بتاعي؟ مشفتهوش. مش كان معاك واحنا في الكافيه؟ لا استنى كده. أنا شكلي اتسرقت. من الصبح وأنا شاكك في البت اللي خبطت فيا دي، أكيد هي اللي أخدته. والله ما هسيبها. أهي قدام أهي. إنتي يبت انتي؟ انتي يبت يالي لابسة أزرق، اقفي عندك. أنا؟ إنت بتكلمني أنا؟ أيوه انتي. اطلعي بالفون يبت أحسنلك، بدل ما أعلقك هنا. تعلق مين يا متخلف؟ إنت مجنون ولا إيه؟ لمي لسانك أحسنلك، واطلعي بالموبايل بالذوق، أحسن ما أيلطعه بالعافية. استني بس يا ريان. مش هينفع، قاطعه قبل أن يكمل جملته. اسكت انت يا أمير. أنا عا...
رواية كهرمان الفصل الأول 1 - بقلم رحاب محمد
هو فين التليفون بتاعي؟ مشفتهوش.
مش كان معاك واحنا في الكافيه؟
لا استنى كده. أنا شكلي اتسرقت. من الصبح وأنا شاكك في البت اللي خبطت فيا دي، أكيد هي اللي أخدته. والله ما هسيبها. أهي قدام أهي.
إنتي يبت انتي؟ انتي يبت يالي لابسة أزرق، اقفي عندك.
أنا؟ إنت بتكلمني أنا؟
أيوه انتي. اطلعي بالفون يبت أحسنلك، بدل ما أعلقك هنا.
تعلق مين يا متخلف؟ إنت مجنون ولا إيه؟
لمي لسانك أحسنلك، واطلعي بالموبايل بالذوق، أحسن ما أيلطعه بالعافية.
استني بس يا ريان.
مش هينفع، قاطعه قبل أن يكمل جملته.
اسكت انت يا أمير. أنا عارف الأشكال دي.
تجمع الناس في المول التجاري على أثر الصياح والضجة حولهم، يحاولون معرفة ما يحدث وفهم الأمر من بعض الكلمات.
يا أستاذ، أكيد في سوء تفاهم. إيه اللي بتقوله ده؟ إحنا مستحيل نعمل كده.
نور، انتي لسه هتتبرري له؟ ده باين له شارب حاجة. يالا بينا بدل ما أرتكب فيه جريمة.
همت زينة، التي يتهمها بالسرقة، بالتحرك بعيداً.
ليصيح ريان معترضاً: خدي هناا بقولك، بلاش الشويتين دول. مش هتتحركي من هنا غير لما تطلعي بتليفوني. انتي فكراني عبيط؟ أنا أخدت بالي لما خبطتي فيا وأنا خارج من الكافيه بقصد عشان تسرقيني. أنا عارف الحركات دي كويس. أقولك هاتيه يستي وأنا مش هبلغ عنك، بس طلعيه.
تدخل الناس من حولهم في الكلام ليؤيدوه فيما قال:
والله انت راجل محترم.
ماتديهوله يابنتي وهو هيسيبك في حالك. اهو المسامح كريم.
لتصرخ أهداء فيهم جميعاً، تسكتهم بغضب:
بس بس! إيه هو اللي أديهوله؟ أنا مسرقتش حاجة. أنا مش حرامية. إزاي تصادقوا البني آدم ده؟ انتوا شايفين شكلي حرامية قدامكم؟ أنا بنت ناس محترمين.
هتف ريان بسخرية:
آه، مهما. كلهم بيقولوا كده برضو.
ليتحدث أمير صديقه:
استني ياريان. البنت شكلها متعملش كده بجد. دور عليه كويس طيب.
صرخ ريان محتجاً:
أدور فين؟ بقولك شوفته، شوفته. مش موجود ومفيش غير البت دي هي اللي قربت مني يبني.
احمر وجه زينا، مشدودة الغضب، وهو يضعها في موقف محرج والجمع حولهم يزيد وكأنهم يشاهدون مباراة كرة ليعرفوا النتيجة لصالح من. ضغطت على أسنانها بقوة لتهتف من بينهم:
أقسم بالله لو ما سبتني أمشي دلوقتي حالا، لهندمك على اللحظة اللي فكرت تتكلم فيها معايا.
نظر لها من أعلى لأسفل، يلوي زاوية فمه باستخفاف:
والله؟ الحقني يا أمير علشان أنا كده مش هعرف أنام بليل من الرعب.
تحولت لهجته فجأة ليتحدث بقوة ونفاذ صبر:
بصي يبت، انتي هعد لغاية خمسة. الفون لو مبقاش في إيدي، همسكك كده من قفاكي وهطلع بيكي على القسم وهما يخرجوه بقي بمعرفتهم.
وقبل أن تفتح أهداء فمها بكلمة، اقتحم التجمهر شاب يصيح باسم ريان وأمير، يهتف بضيق وهو يمد يده ناحية ريان بهاتف:
إيه يعم الزفت؟ انت سيبتلي تليفونك واختفيت فين؟ بقالي ساعة بدور عليكم مش عارف أوصلكم. أمير بيه تليفونه مقفول.
ضحك الجمع الملتف حولهم، وبعضهم ضرب كفاً بآخر، والبعض استهزأ به:
يعني بعد ما بهدل البنت يطلع مع صاحبه؟ ده باين عليه شارب حاجة بجد زي ما بتقول. قلة أدب صحيح.
صدم ريان كف يده برأسه لعدم تذكره، وهو يسب نفسه وصديقه بداخله وينوي أن يعتذر لها عن ما حدث، ولكن قبل صدور أي رد فعل منه، فاجأته زينة بصفعة قوية على وجهه.
رواية كهرمان الفصل الثاني 2 - بقلم رحاب محمد
فجاءته صفعة قوية على وجهه، فتح عينيه على آخرهما بصدمة من أثرها، لتهتف هي: "القلم ده علشان قبل ما تتهم حد بالكذب تاني، تفتكره وتفكر قبلها ألف مرة."
ومع آخر جملة تفوّهت بها، انصرفت بثقة من أمامه، وهو تجمد كاتمثال من الشمع من مفاجأته برد فعلها وإحراجه أمام الجميع. تلفت حوله ليرى أي دعم من أصدقائه، ولكن خاب أمله عندما رآهم يجاهدون لكتم الضحك على ما حدث.
وبمجرد أن التفت لهم، حتى انفجروا يضحكون بقوة. ألقى عليهم نظرة غاضبة قبل أن يتحرك من مكانه بسرعة. ليسرعوا بملاحقته يهتفون باسمه، يحاولون اللحاق به.
"ريان يا ريان استنى استنى يا ابني في إيه؟" هتف بها أمير وهو يمسك بيده قبل أن يركب في سيارته، ويكلمه بجدية محاولاً تهدئة الموقف: "يا عم في إيه، كنا بنهزر مش قصدنا حاجة يعني."
ليصرخ فيه ريان غاضباً: "يا عم هزار إيه وزفت إيه بس دلوقتي! انتوا بتستهبلوا أصلاً؟ انتوا مش شايفين الموقف الزبالة اللي أنا كنت فيه؟ البنت هزقتني. أقسم بالله لو هي مش بنت، أنا كنت عرفت أردلها الموقف ده كويس أوي."
ليتدخل فؤاد في الكلام بعد أن لحق بهم أخيراً، وهو يحاول كتم ضحكته مرة أخرى: "بصراحة يا ريان، مسحت بكرامتك الأرض. عملت اللي كان نفسنا نعمله فيك من زمان، بس بنت بـ 100 راجل صحيح."
كلامه جعل ريان يستشيط غضباً، وتذكر ما حدث مرة أخرى. هم بفتح باب السيارة ليغادر المكان وهو يغمغم بغضب: "أوعى يا عم خليني أمشي من هنا عشان انت عيل سخيف أصلاً، انت وهو. ولو فضلت معاكم هرجع أرتكب فيها جريمة."
تكلم أمير محاولاً تهدئة الموقف: "يا ابني ما تاخدش عليه، انت مش عارف فؤاد يعني بيهزر. بصراحة، أصلاً يا ريان انت اللي غلطان، فضلت أقولك استنى استنى بس انت ما سمعتش الكلام. كنت عايز أقول لك إنه أكيد مع الزفت ده."
ريان: "أهو اللي حصل بقى يا أمير، خلاص أنا مش عايز كلام في الموضوع ده تاني."
ليهتف فؤاد بجدية: "خلاص طيب يا ريان، بجد مش هنتكلم في الموضوع ده تاني. ويلا بينا يا ابني، احنا ورانا شغل الصبح."
ضحك أمير يهتف ساخراً: "أهو ده كده يتكلم على الشغل، يتكلم ويحرق دمك! في حد ياخد على فؤاد؟ والله عيب عليك."
رفع فؤاد حاجبه مستنكراً يهتف بضيق مصطنع: "وماله بقى فؤاد يا أستاذ أمير؟ لو مش عاجبك نقطع الصحوبية؟"
"يوووه، أنا مش رايق لخناقكم ده دلوقتي خالص. يالا بينا عشان عندي شغل الصبح بجد." هتف بها ريان وهو يركب السيارة على كرسي السائق، ليتبعه فؤاد وأمير تبعاً، دون أي إضافة كلام لمعرفتهم أنه في قمة غضبه الآن، ولا يقبل بأي كلام.
***
ابتعدت أهداء بقدر الإمكان وهي في قمة غضبها مما حدث. تعثرت أكثر من مرة في خطاها من فرط الانفعال.
لحظت ذلك نور لتتمتم ببعض الكلمات مخففة من توترها: "أهداء في إيه؟ براحة شوية، كنتي هتقعي يا بنتي."
ردت أهداء بضيق: "عايزة أخرج من هنا بسرعة، مش قادرة أقعد في المكان ده تاني، هتخنق."
لتتنهد الأخرى بنفاذ صبر وتمد يدها تمسك بها من معصمها تمنعها من الحركة: "أهداء خلاص، الموقف حصل وخلص، وانتي جبتي حقك. إيه لزوم العصبية دي كلها؟"
أهداء: "مش حاسة إني أخدت حقي منه كفاية، كان المفروض أهزقه الأول وأمسح بكرامته الأرض، وبعد كده أضربه قل*مين تلاتة."
ضحكت نور بقوة لتتحدث من بين ضحكاتها: "إيه كل ده، عن*يفة أوي انتي يا أهداء؟ إيه ده؟ مش كفاية الق*لم الميري اللي نزل على وش الراجل ده يا شيخة؟ ده انتي صد*متينا كلنا."
رفعت أهداء رقبتها بزهو تهتف بثقة: "دي أقل حاجة عندي."
لتكمل بانفعال: "بس برضو حاسة إنه مش كفاية."
نور: "والله انتي بقيتي مفترية بجد، أظاهر كده كتر قعدتك مع المخبرين والمجرمين خليتك شبههم."
لوت أهداء شفتيها بسخرية: "ومالهم بقى دول؟ أجدع ناس. الأمين محمد هو اللي اتعلمت منه الق*لم الجامد ده، ولسه هكمل باقي الكورس. وياااه لو شوفت الواد ده تاني، والله لهعلمه الأدب بصحيح. وهو شكله كده عيل متدلع ومش لاقي حد يلمه."
ضحكت نور لتهتف بنفاذ صبر وهي تحثها على السير مرة أخرى: "لسه هتكملي؟ ربنا يستر ومنلاقيش في يوم بقيتي شبه عم محمد."
"وماله عم محمد؟ انتي تعرفي تبقي زيه؟ يالا بينا يا أختي، عندي نيابة الصبح." تفوهت بها نور وهي تعاود المشي سريعاً.
***
في إحدى مقرات النيابة العامة.
وكيل النيابة يجلس على مقعده خلف مكتبه الفخم، وإلى جانبه الكاتب ليبدأ في مباشرة عمله وإجراء التحقيقات. وبدخول أول متهم مع محاميه، توقفت كل إجراءات التحقيق.
دخلت أهداء بخطوتها الواثقة، وصوت كعبها يعلن عن وصول سيدة تهتز الأرض لوقع قدميها. قدمت كارنيه المحاماة تضعه بكل ثبات أمام وكيل النيابة. تعرف نفسها: "أهداء يوسف الأمير، حاضرة مع المتهم."
رفع نظره من على الأوراق أمامه يتطلع لها وهو يشعر بأنه يعرف صاحبة الصوت. لتتشخص عيونهم بذهول، ولكنها تمالكت نفسها وسيطرت على رد فعلها، وتصرفت وكأنها امرأة غير التي كانت تتوعد له بالأمس. أنها إذا رأته سوف تكمل انتقامها. هدوؤها أدهشه، ولكنه قرر أن يأخذ بثأره.
أرجع ريان ظهره بارتياحية على مقعده ليهتف بغرور وهو يمسك الكارنيه باستحقار: "تمام، أهلاً بيكي يا أستاذة. بس قبل أي كلام، أنا لازم أكشف على الكارنيه ده وأتأكد إنه مش مزور، أو يمكن عليكي سوابق هاربة منها ولا حاجة؟ محدش عارف برضه."
رواية كهرمان الفصل الثالث 3 - بقلم رحاب محمد
ابتسمت بهدوء تتحدث بثبات وثقة:
"واضح كده إن حضرتك جديد هنا، فما تعرفش أنا مين كويس. بس بسيطة، ممكن تقول اسمي لأي حد هنا هيعرفك."
نظر لها من أعلى لأسفل باستخفاف:
"تمام، وده نفس اللي أنا قلته تقريبًا. هكشف على الكارنيه بتاعك وهعرف."
تنفست إهداء بعمق محاولة السيطرة على غضبها لتقول بنفاذ صبر:
"حضرتك عارف إنك كده بتعطلني عن شغلي، وفيه موكل هيتضرر من ده. يا ريت متدخلش أي خلفات شخصية في الشغل."
عند تلك النقطة، صفع ريان المكتب بقبضتيه بقوة وهو يصيح:
"شخصية إيه يا أستاذة؟ أنا ما فيش بيني وبينك أي حاجة غير الشغل. وأنا أعرفك أصلًا عشان تقوليلي شخصية ومش شخصية."
تحول خديها إلى اللون الأحمر من شدة خجلها أمام موكلها، فهي المحامية الشهيرة في الجنايات ولا يستطيع أي شخص هز ثقتها بنفسها، ولكنه أهانها بشدة. وضعت كفها على جبهتها تفركها بغيظ محاولة إخفاء إحراجها لتهتف بثبات مزيف:
"عند حضرتك حق. ممكن طيب أعرف إيه مطلوب مني دلوقتي عشان نبدأ شغلنا؟"
رجع ريان للخلف يجلس على مقعده بارتياح يهتف ببرود:
"أنا مش بحب أعيد كلامي كتير يا أستاذة. قولتلك إني هتأكد من الكارنيه اللي معايا ده الأول قبل أي حاجة. وطبعًا أنتِ مش محتاجة أقولك إن ده هياخد شوية وقت، وحضرتك مش هتتحركي من هنا قبل ما يجي الرد."
"والقضية..."
هتفت بها تتساءل.
ليجيب:
"تتأجل."
أمال رأسه باتجاه الكاتب ليملي عليه:
"اكتب يا ابني تأجل القضية ٤ أيام على ذمة التحقيق."
حدقت فيه بذهول تهتف سريعًا:
"ثانية واحدة بس! تأجل إيه حضرتك؟ كده بتعطل سير القضية بدون سبب وبتضر متهم بريء وهيفضل في الحبس ظلم."
أمال رأسه إلى اليمين قليلاً ينظر لها بهدوء يعلو ثغره ابتسامة انتصار ليهتف بثقة:
"ومين قال بدون سبب؟ هو ينفع أبدأ التحقيق من غير محامي؟ أنا بأجل لمصلحته."
ضغط بيده على زر جرس يوضع أمامه ليتبعه دخول العسكري الموجود خارج المكتب. ليطلب ريان منه إعادة المتهم إلى حيث ينتمي، ويعطيه البطاقة التعريفية الخاصة بإهداء ليرسلها للجهات المعنية بالبحث في تلك الأمور والتأكد من صحتها. ويدخل القضية التالية.
حاولت إهداء اتخاذ رد فعل سريع، لتقوم بإخراج هاتفها المحمول لإجراء مكالمة بأحد ينقذها من ذاك المعت*وه من وجهة نظرها. ليقوم بإشارة من يده بأمر العسكري أخذ الهاتف منها قبل أن تتمكن من الاتصال.
فتحت عينيها على آخرهما بصدمة لتصيح بغضب وهي تلوح بيديها معترضة:
"هو إيه اللي بيحصل ده؟ أنا ليا الحق إني أتكلم في التليفون. أنا مش مسجونة هنا."
صاحب جملتها حديث العسكري يطلب الإذن لدخول المتهم التالي ومحاميه. وريان يجيبه بالموافقة متجاهلًا تمام وجودها واعتراضها على ما يحدث. وبدأ في ممارسة عمله بكل جدية وسط نظراتها الك*ارها له وتل*عنه داخلها بأب*شع الألفاظ. تجاهد نفسها حتى لا تصرخ في وجهه بكل ما يجول في خاطرها. خارت قواها من فرط الإجهاد الذهني وقدميها لم تعد قادرة على حملها. قررت الجلوس على أقرب مقعد لها حتى تستطيع التفكير في طريقة للخروج من هذا المأزق. وهو ينظر لها خلسة أثناء قيامه بالحديث مع المتهم أمامه حتى يتابع رد فعلها.
وبمجرد أن لمحها تقترب من المقعد وتنخفض للجلوس، حتى رفع يده محدثًا صوتًا يجذب نظرها تجاهه، ينهرها بحزم:
"يا أستاذة أنا ما سمحتلكيش تقعدي."
"ها، أيوه..."
كمل سامعك. وجه جملته الأخيرة للجلوس أمامه.
فتحت إهداء عينيها على آخرهما من الذهول تتطلع ناحيته وعلى وجهها أقصى علامات الدهشة من أفعاله. لتتغير ملامحها خلال ثانية إلى المكر ويعلو ثغرها ابتسامة جانبية وهي تجلس بأريحية على الكرسي متجاهلة ما سمعته للتو.
رفع عينيه يتفقدها بنظرة جانبية ليرى أنها ألقت بكلامه عرض الحائط ولم تتحرك من مكانها. استمر في عمله ولم يعلق. وبعد مرور بعض الوقت تنهدت بملل وفارغ صبر وأخذت تتحرك في مكانها محاولة جذب انتباهه. ولكنه لم يعيرها أي انتباه كما فعل من قبل. وهذا ما أثار غضبها. لم يحدث لها طوال حياتها أن يستطيع أحد تجاهلها بهذا الشكل. أثرت الصمت لحين خروج من الغرفة معهم.
وبمجرد سماعها صوت انغلاق الباب خلفهم وصوته يطلب من العسكري فنجان من القهوة، هبت واقفة تصيح بضيق:
"بقولك إيه؟ أنا استحملت كتير أوي وبحاول ألتزم بقواعد المكان اللي إحنا فيه، بس أنا عايزة أمشي ولازم أمشي دلوقتي حالا ومش هقعد ثانية واحدة هنا."
وضع كفه على رقبته وهو يحركها يمينًا ويسارًا بألم وهو يغمغم في لامبالاة وكأنها تحدث شخصًا آخر:
"الواحد رقبته وقفت من الشغل. يلا، عمومًا خلصت أشرب قهوتي وأمشي."
جحظت عينيها في صدمة من رد فعله. يحدث نفسه ولا يعبئ بها. ضربت المكتب بكفيها بقوة هاتفة:
"يا بني آدم بكلمك! رد عليا! وإزاي أصلًا بتقول هتمشي؟ طب وأنا؟"
ابتسم بجانب فمه يهتف ساخرًا:
"وأنتي إيه؟ وأنا إيه؟ إزاي عايزة تمشي؟"
مع انتهاء جملتها، فتح الباب ليدخل بالقهوة. سكتت إهداء تنتظر خروجه.
"يااه، القهوة دي أحلى حاجة بتحصل بعد يوم تعب."
صاح بها ريان في حماس وهو يمسك بالفنجان يقربه من أنفه يشتم رائحة القهوة باستمتاع.
عند تلك النقطة فرغ صبرها واللمعت في رأسها فكرة شيطانية قررت تنفيذها. وفي أقل من ثانية كان قد تم سكب محتوى القهوة بالكامل من يده وبعضها وقع على ملابسه.
نظر لها بعيون غاضبة دبت فيها الرعب بعض الشيء. ولكنها ظلت ثابتة تتطلع فيه بتحدي وقوة تجيد تمثيلها. وداخلها تموت رعبًا من رد فعله. لم يتفوه ريان بكلمة، ولكن نظراتها وعروق رقبته النافرة شرحت شدة غضبه.
هب واقفًا. تراجعت إهداء خطوة للوراء بحركة تلقائية. على أثرها ليسحب هو سترته بقوة ويخرج من الغرفة صافعًا الباب خلفه. رجت المكان رجًا وكأنه يخرج فيه كل ما بداخله. ويليه صوته الغاضب يحدث من بالخارج بصوت عالٍ تسمعه:
"اقفل الأوضة دي، وإياك تفتحها غير بأمر مني أنا شخصيًا. بكرة الصبح مفهوم."
رواية كهرمان الفصل الرابع 4 - بقلم رحاب محمد
في صباح اليوم التالي، أتى ريان ليباشر عمله كعادته، ولكن اليوم مختلف، فهو يأتي وكله حماس ليشاهد نتيجة ما فعله بها بالأمس. ينتظر أن يراها هزيلة ومنكسرة، تتوسله ليطلق سراحها، ولكن هذا الشيء لن يكون سوى في خياله فقط.
وصل مكتبه، والعسكري بالخارج يفتح له الباب كالعادة. بمجرد فتح الباب ودخوله المكتب، تجول بنظره في الغرفة يبحث عنها، ولكن لا أثر لها. ليصيح بغضب:
"يوسف! يا يوسف! فين البنت اللي كانت هنا؟"
وقبل أن يجيبه، سمع صوتها يأتي من الخلف، وهي تدخل بطولها الفارع وهيبتها المعتادة وخطوتها الواثقة:
"أنا."
كلمتها بابتسامة انتصار ونظرة غرور قاتلة. أشار ريان للعسكري بيده بمعنى الانصراف للخارج.
"خرجتي من هنا إزاي؟"
تفوه بها ريان بتساؤل. تنهدت إهداء براحة، وهي تدور حوله وهي تتحدث:
"مشكلتك إنك مستخف بيا، وما تعرفنيش. فعلاً، كنت نفسي تسأل عليا بجد."
وقفت في مقابله لتكمل:
"يوسف ملهوش ذنب، الموضوع كان أكبر منه."
وفي لحظة، تغيرت نظرتها إلى جدية بحتة:
"أنا لغاية دلوقتي ابقى أتعامل مع حضرتك بشكل رسمي، فلو سمحت هات الكارنيه بتاعي."
وضع يده في جيب بنطاله وبهدوء، يجاهد في رسمه على ملامحه، وداخله يحترق غضباً:
"لغاية دلوقتي، طيب وبعد دلوقتي بقى هتتعاملي معايا إزاي؟"
حكت جبهتها بكفها وهي تتثاءب بملل، لتهتف بفارغ صبر:
"أنا زهقت من الموضوع ده وعايزة أخلص بقى. وعلى فكرة يعني، لو كنت بتعمل كده علشان اللي حصل في المول، فأنت اللي كنت غلطان. من أنا مش مستني أسمع منك أي كلام في الموضوع ده، وقلت لك قبل كده ما تتكلميش في حاجة خارج نطاق الشغل والمكان اللي إحنا فيه."
"بطل" ريان جملتها بكلامه، لتبتلع إهداء ريقها بإحراج وضيق. دقيقة كاملة مرت في صمت من الطرفين، وكل منهم يفكر كيف ينهي ذلك الوضع. فريان لم يحب أبداً ما يفعله معها، وطريقة استخدامه لسلطته بطريقة خسيسة، وإدخالها في أموره الشخصية معها، ولكنه يتمنى أن يتغير موقفها عما يفعله.
وفي نفس الوقت، إهداء كانت تحدث نفسها، وبضع عقلها في استجماع الأفكار، وهي تتطلع في عينيه بثبات، وكأنها تقرأ أفكاره، وكعادتها، عقلها الشيطاني أخرجها من ورطتها بدون خسائر.
تحولت نظرتها من نظرة التحدي إلى نظرة دافئة مستعطفة، تريد تمثيلها ببراعة، وبدأت تتحدث بنبرة مبحوحة حزينة:
"على فكرة، باللي أنت بتعمله ده، أنت مش بتأذيني لوحدي. ما تنساش إن أنا محامية، وعندي قضايا وناس مظلومة بدافع عنها، وناس حتى مش هتعرف توكل حد غيري علشان مش معاها فلوس. قال إيه؟ تعاب. لو سمحت، إنهي أي خلاف حصل بيني وبينك بعيداً عن شغلي. أنا محتاجة الكارنيه دلوقتي قوي علشان عندي جلسة مهمة."
وبدون أي نقاش آخر من ريان، أخرج محفظته وجايب، وأخرج لها الكارنيه التعريفي الخاص بها. وداخله يلعن نفسه على فعلته مع كتلة البراءة الماثلة أمامه. فهو كان في بادئ الأمر يؤنب نفسه على فعلته التي هي بالأصل عكس طبعه ومبادئه، والآن أصبح يحتقرها أيضاً. وهذا ما سهل إقناعه بكلام إهداء بسهولة. وبالطبع، هي لا تعلم شيئاً عن صراع داخلي، وكل ما يجول بخاطرها الآن أنها انتصرت بأسلوبها هي. وترقص فرحاً على ذلك الانتصار.
مادة يدها تلتقط الكارنيه سريعاً، ويعلو ثغرها ابتسامة، لتغنم:
"شكراً. يا ريت ما يكونش في تعامل بينا بعد كده."
أنهت جملتها وهي تغادر الغرفة سريعاً دون انتظار سماع رده. اندهشت ريان من أسلوبها، وضرب كفاً بكف على أفعالها الغريبة.
ذهبت إهداء مباشرة إلى الخارج متجهة إلى سيارتها، وهي تلوح بما في يدها إلى صديقتها أمل بفخر. وحين اقتربت منها هتفت:
"عيب عليك! قلت لك هجيبه النهاردة وجبته."
فتحت الأخرى عينيها على آخرهما بذهول:
"عملتيها إزاي دي؟ ده الكل قال عليه إنه مش بيرجع في كلامه أبداً!"
"أكيد فيها" بزهو وتهتف بثقة:
"الكلام ده مع أي حد مش إهداء الأمير يا بنتي!"
هزت نور رأسها موافقة، وهي تفتح باب السيارة، تحثها على الانصراف:
"ماشي، ماشي. يلا يا فنانة علشان ورانا شغل كتير في المكتب."
أجابت إهداء وهي تفتح الباب الآخر وتجلس على كرسي السائق:
"يلا. الواد ده أخذ وقت أكبر من حجمه أصلاً، وبكرة عندي جلسة مهمة لازم نجهز لها كويس."
***
في إحدى المقاهي الحديثة على النيل (كافيه)، تجلس نور، الأخت الصغرى لإهداء، مع خطيبها ياسين، يتناقشان حول بعض منزلهم الجديد لاقتراب موعد زفافهم.
"الله! بصي يا ياسين، أوضة النوم دي شكلها يجنن إزاي، عجباني قوي."
تفوهت بها نور بحماس، وهي تقترب منه ليطلع معها على الصورة في هاتفه المحمول وتطلب رأيه. ولكن أتى جوابه ليخيب أملها ويقتل حماسها:
"شكلها وحش وذوقها بشع. وبعدين يا نور، قلت لك مليون مرة أنا اللي هختار كل حاجة في البيت على ذوقي، فمش كل شوية تيجي تعملي شوية شوية دول."
هتفت باستهجان:
"شوية شوية إيه يا ياسين؟ أنا شفت الصورة وأنا بقلب وعجبتني عادي يعني، قلت أوريها لك يمكن تعجبك أنت كمان ونعملها."
ياسين:
"نعملها؟ لا والله! يعني إهداء هانم اللي قالت لك تعملي كده؟ فـ أنا طبعاً هبقى مضطر إني أوافق وأتحط في الأمر الواقع، صح؟"
"لا مش صح!" صحت بها معترضة، وأكملت بنبرة حزينة:
"هو انت كل حاجة ما تعجبكش تقول لي إهداء، مع إنك عارف كويس قوي إني مش بسمع كلامها في أي حاجة أصلاً، وكل حاجة أنت عايزها هي اللي بتحصل. فيه إيه بقى؟ ما كانتش صورة دي يا سيدي؟ أنا غلطانة؟ حقك عليا، خلاص كده ارتحت؟"
"أنا هدى براحة" حين سمع جملتها الأخيرة، ولوي جنبه بابتسامة ذاتها مخزي:
"آه، تحت. أنا كده اطمنت على نور حبيبتي."
تحدث مشاكساً وهو يمسك يدها محاولاً تخفيف التوتر بينهم:
"على فكرة يعني، عيد ميلادي بكرة. الحوار ده هيخليني أدخل السنة الجديدة حزين. خدي بالك، ولو ده حصل، هفركش الخطوبة."
لتخرج منه "له" خفيفة متألمة فور انتهاء جملته، أثر "لك*مة" وجهتها نور لكتفه بغل:
"ما تهزرش في الحوار ده، وبعدين ما تقلقش، ده أنا هظبطك."
ضحك ياسين بقوة وهو يرفع يديه للدعاء:
"استر يا رب! أنا كده قلقت."
واندمجا في الضحك سوياً.
***
يجلس على الأريكة في منزل صديقه المقرب، وعلى وجهه علامات الحيرة والاستنكار، وهو يقص ما حدث بانفعال:
"وبس يا سيدي، وأنا بقى مطلع لها الكارنيه بحركة شيك وفاكر نفسي جنتل مان قوي في نفسي، فجأة لقيت نفسي واقف مبلول في نص الأوضة لوحدي."
اللي يضحك، أمير بقوة وهو يحثه على الإكمال:
"وبعدين؟"
"البنت عليها برود مش عادي! قال إيه، مش عايزة أتعامل معاكي تاني، قال! يعني أنا اللي هموت وأتعامل معاكي؟ ده أنا ما صدقت الحوار ده خلص، بس أنت مش متخيل أنا دم*ي اتح*رق منها بعد الحركة إزاي، وعايزة أعمل معاها أي حاجة تانية تضايقني."
ليصيح أمير محذراً:
"يا ابني وليه الحوارات دي كلها؟ خلاص موضوع وانتهى. خد بالك، علشان البنت دي باين عليها مش سهلة خالص."
ريان:
"هذه الفكرة عندي. فضول كده أعرفها، وأعرف كمان هي إزاي مشيت من المكتب."
يغمغم أمير وهو يتجه ناحية المطبخ:
"ريان بقى، سيبك منها. مش مهم. المهم اعمل نسكافيه، أعمل لك معايا؟"
أجاب ريان وهو عقله مستمر في التفكير في أمرها:
"اعملي قهوة."
أمير:
"ماشي."
"أمال سهيلة مش في البيت ولا إيه؟ مش سامع صوتها هي والولاد."
تفاقم به ريان ليغير مسار الحديث ويبرهن على عدم تفكيره فيه:
"ليتنهد الآخر براحة ويصيح بسعادة تقطر من كلماته: طبعاً مش في البيت، مش واخد بالك من الهدوء اللي في المكان؟"
رفع ريان حاجبيه واحتج على ما يقول:
"تصدق إن ما عندكش دم؟ دول هم اللي بيعملوا بهجة في البيت. لو أعرف إنك لوحدك أصلاً ما كنتش جيت."
أمير:
"لا يا راجل، بهجة! آه، دي سهيلة لوحدها صداع و..."
رفع ريان يده في وجهه ليوقفه عن الاسترسال في الحديث:
"بس بس يا أمير، مش ناقصة عقدك الحكاية."
وهم بإخراج تليفونه المحمول:
"تليفون شوية، أرحم منك."
ضحك أمير بسخرية:
"ماشي يا أخويا، خليك كده على طول. كل ما أكلمك في حاجة مش عاجبك تهرب منها."
هز الآخر رأسه مؤيداً وهو يعبث في الهاتف، لتتشخص عينيه فجأة بذهول وهو يقرأ أحد المنشورات (البوستات) المنشورة حديثاً على إحدى صفحات الإنترنت الخاصة بأخبار الحوادث، وبطريقتهم المفجعة كتب الخبر:
"مصرع محامية شابة في ظروف غامضة."
رواية كهرمان الفصل الخامس 5 - بقلم رحاب محمد
مص*رع محاميه شابه في ظروف غامضة على يد صديقتها. للحظة دب الرع*ب في قلبه، ولسبب لا يعلمه، كانت هي أول من خطر على باله. ضغط على كلمة "قراءة المزيد" ليقرأ التفاصيل.
ظهرت على وجهه ابتسامة جانبية عند قراءة اسم الضحية، ويتأكد أنها فتاة أخرى.
"إيه اندمجت في إيه قوي كده؟"
هتف بها أمير وهو يجلس جواره.
ليجيبه ريان وهو مندمج في القراءة: "جريمة قتل بشعة."
هتف أمير بملل: "يا ابني انت مبتزهقش يعني؟ مش كفاية دي حياتك طول الوقت، كمان وانت مش وقت الشغل بتقرأ الجرائم والمصايب دي برضه؟"
"تعود بقى تقول إيه؟ بقيت بحب أتسلى بالحاجات دي."
تفوه بها ريان وهو يهم للانصراف.
أمير: "وقفت ليه؟"
ليضحك الآخر بيده باتجاه الباب وهو يهتف بسخرية: "ماشي، أنا الاستيعاب عندك بقي زيرو كده ليه؟ أكيد مش قايم أتمشى في الشقة!"
أمسك أمير يده يجذبه جواره على الأريكة وهو يصيح باستياء: "يا عم تمشي مين؟ اقعد بس، أمال أنا عامل القهوة دي لمين؟"
ريان: "مش هينفع بجد، لازم أمشي. أنا ماخدتش بالي إن الساعة بقت عشرة، يدوب أوصل البيت علشان ألحق أنام شوية."
أفلت أمير يده ليغمغم باستسلام: "خلاص، تمام."
وهب واقفا ليودعه.
غادر ريان المنزل وعقله مشغول بأمر تلك الجريمة.
في صباح اليوم التالي، في مقر عمله، بدأ اليوم بسماع صوتها. أدهشته وجودها بصفتها الدفاع عن المتهمة بقتل صديقتها. القضية التي قرأ عنها بالأمس، يشاء القدر أن يجعله طرفًا فيها. وبحكم عمله، فمهمته هي إثبات الجريمة على المتهمة بعد التأكد من الدلائل والبحث عن الدوافع. ولكن وجود إهداء في القضية أربكه وجعله يفكر في الموضوع بشكل أكبر. يريد أن يعرف لماذا تختار أن تكون دفاعًا عن فتاة كهذه، غدرت بصديقتها. مثال للدناء والخبث، أشد ما يكرهه في حياته هي الخيانة والغدر، وهذا ما يجعله يهتم بتلك القضية بشكل كبير. كان يباشر التحقيق معها بذهن يقظ، يحاول جاهدًا الحصول على اعتراف رسمي منها، ولكن دون فائدة. فالفتاة تنفي بشتى الطرق فعلتها. وجود إهداء جوارها يعقد الأمر أكثر. من الواضح أنها خصم قوي لا يستهان به، وأن القضية سوف تأخذ الكثير من الوقت.
"وازاي بس يا شبر ونص تطلع أجمد مني؟ تضحك، تعوج راسك، بس أضحك لو إيه معكنني."
أغنية جميلة وضعتها نور على صور ياسين وقامت بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي (الاستوري).
بمناسبة يوم ميلاده بقصد المزاح معي ومشاركة لحظاتهم السعيدة معًا، أو هذا ما كانت تحسبه. ولكن ما حدث كان عكس التوقعات، كما هو مفترض.
أتساءل باستمرار، لماذا العقل البشري يضع توقعات؟ إلى الآن لم يقتنع أن الأمور دائمًا تحدث عكس توقعاته.
كانت تلك البائسة تمسك بهاتفها تترقب على أحر من الجمر رد فعله عندما يشاهد ما فعلته من أجله. وفجأة اعتلت ثغرها ابتسامة عريضة حين ظهر اسمه على شاشة الهاتف، ظنًا منها أنه لم يكتفِ بإرسال رسالة، بل أراد التعبير عن امتنانه بمكالمة صوتية. لينهار سقف توقعاتها بمجرد سماع صوته الغاضب على الطرف الآخر، يصيح غاضبًا: "إيه القرف اللي أنتِ منزلاه ده؟ أنتِ إيه؟ ما بتفهميش ولا مجنونة وعايزة تتعالجي؟"
"فيه إيه بس يا حبيبي؟ أنا عملت إيه؟"
تفوهت بها نور بندهاش. ليزداد صراخ ياسين: "حبيبي إيه وزفت إيه؟ أنت خليتي فيها حبيبي إيه اللي أنتِ منزلاهولي ده؟ شبر ونص؟ بقى أنا شبر ونص؟"
لتهتف نور سريعًا محاولة الدفاع عن نفسها: "مش قصدي والله، أنا بس كان قصدي أهزر معاكِ و..."
بتر جملتها ياسين وهو يصيح: "بتهزري؟ أنتِ كده بتستخفي دمك مش بتهزري! بس أنا اللي غلطان من الأول، مش أنتِ. كان لازم أعرفك تتعاملي معايا إزاي وأعرفك يعني إيه حدود. هستنى إيه من واحدة أختها إهداء وأنا واثق مليون في المائة إنها صاحبة خفة الدم الجبارة دي؟ بس ملحوقة يا ست نور، أنا هربيكِ من أول وجديد."
وأغلق الخط قبل أن يسمع منها أي رد، لتلقي نور بالهاتف على الفراش بكل قوتها وترتمي جواره تجهش في البكاء.
وبعد قليل من الوقت، سمعت صوت طرق خافت على باب الغرفة، لتعتدل في جلستها سريعًا وتمسح آثار الدموع بكف يدها قبل دخول إهداء إلى الغرفة. قابلتها الأخرى بابتسامة عابرة، لتقطب حاجبيها سريعًا تهتف بتساؤل: "فيه إيه؟ أنتِ كنتِ بتعيطي ولا إيه؟"
أمسكت نور بهاتفها المحمول تشتت به نظرها عن أختها وتجيب باقتضاب: "لأ."
إهداء: "لأ إزاي يعني؟ ما باين على عينيكي أهو."
لتصيح الأخرى بنفس صبر: "قتلك لأ يا إهداء، لأ. أنتِ عايزاني أعيط بالعافية؟ ولا هو أي كلام علشان تعملي عليا ذكية بقى؟"
"بس بس خلاص، براحتك. أنا غلطانة أصلًا إني بسأل عليكي."
هتفت بها إهداء لتنهي أي جدال بينهم، وهي على يقين أنها كانت تبكي ويوجد خلاف بينها وبين خطيبها. من المستحيل أن تتحدث معها هي بالتحديد عنه، فهي تعلم رأيها فيه. اختصرت الجدال اليوم بينهم واتجهت لتبديل ملابسها والنوم بعد يوم عمل شاق. وقبل أن تخلد إلى النوم، أمسكت بهاتفها المحمول تراسل صديقتها وتتعرف على الأخبار من خلال مواقع التواصل، لتتفاجأ برسالة على إحدى صفحاتها الشخصية من آخر شخص تتوقع أن يراسلها في وقت متأخر كهذا.
ريان: "ليه وافقتي تمسكي قضية بنت زي دي؟"
رواية كهرمان الفصل السادس 6 - بقلم رحاب محمد
ريان: ليه وافقتي تدافعي عن بنت زي دي.
نظرت اهداء بتعجب للرسالة، اعتدلت في جلستها على الفراش لتتهيا للرد عليها: مش فاهمه يعني انت مالك.
ريان: انت هو المستوى بينا بقى يسمح تقول انت كده عادي.
اهداء: احنا دلوقتي مش في الشغل علشان اكلمك برسمية، ده انت مجرد واحد رخم متطفل بتكلمني على الاكونت الشخص بتاعي، لا وكمان مش فريند عندي.
رفع ريان حاجبيه بتعجب على الطرف الآخر وهو يلوي طرف فمه بابتسامة ماكرة ويرسل: عندك حق، انا الي استاهل علشان قلت اتعامل عادي مع عامة الشعب عادي كدة.
اهداء: عندك حق، ما هو ما ينفعش برده ارد على اي حد كده، بس احنا فيها هشير الاكونت بتاعك على انك متح*رش ودخلت تقول لي كلام ما يصحش، وهقول للناس تعمل بلاغات علشان الاكونت يتقفل.
ريان: مش جديد عليك، تصرف متوقع منك.
على الطرف الآخر، فتحت اهداء عينيها على آخرهما بذهول من ردوده، هي تهدد لاستعطافها وتترجاها ألا تفعل، وهذا من توه بالفعل حتى أن تطلب الأمر أن تفعل ما تقوله فعلاً.
لمعت عينيها بحماس للعب المباراة القادمة معه وكتبت: خلاص تمام، مع السلامة بقى واتفرج على اللي جا.
ريان: اهداء ما تهزريش، اوعي تعملي كده.
ضحكت اهداء بانتصار وأرسلت: ايه اهداء دي، ايه العشم ده كله، اسمي استاذه اهداء.
ريان: انت مش لسه قايلة اننا مش في الشغل يبقى مفيش ألقاب.
اهداء: لا الكلام ده عليا انا بس، لكن بالنسبالك انت فانا استاذة عادي.
ريان: اه، لا الكلام ده ما يمشيش عليا، وعلى فكرة أنا ما بتهددش، يعني براحتك.
مرت خمس دقائق ولم ترسل له رد، من الواضح أمامه أنها رأت الرسالة.
قطب بين حاجبيه بضيق وأخذ يعبث بلوحة مفاتيح الهاتف ليرسل رسالة أخرى لها، ولكنه توقف قبل الإرسال حين وصلته رسالة منها محتواها رابط يشير إلى منشور ما.
ضغط عليه ليرى ما فيه لتعتلي الصدمة ملامحه وهو يرى أنها نفذت ما هددت به، ليعود إلى مراسلتها سريعاً: ايه اللي عملتيه ده يا مجنونة، امسحي البوست بسرعة.
اهداء: هي وصلت للألفاظ كمان، ده انت اخدت عليا قوي، خلي بالك كلمة زيادة وهروح اضيف كلام ما يعجبكش خالص.
ريان: بس بقى، انت مش عارفة أن ده ممكن يعمل لي مشكلة في شغلي.
اهداء: طيب ما احنا بنخاف أهو، امال فين مبتهددش وبتاع.
ريان: لسه عند كلامي على فكرة، كل الموضوع أن ممكن يكون حد عندك يعرفني ويفتكر الكلام ده حقيقي، اخلصي بقى، احنا بنتكلم في ايه اصلا، ما كنتش اتخيل أنك لسعة قوي كدة.
اهداء: وبعدين بقى في طوله اللسان دي، طيب بسم الله الرحمن الرحيم كده، ما فيش حاجة هتتمسح غير لما تعتذر.
ريان: وايه كمان يا اهداء.
اهداء: بتاكيد، اسمي استاذه اهداء.
تأفف ريان بضيق وهو يكتب بقله حيلة: ماشي يا استاذه اهداء.
اهداء: باقي واحدة اعتذر.
ريان: ماشي يا استاذه اهداء بعتذر لك.
اهداء: تؤ، ما ياكلش معايا الكلام ده، قول أنا أسف.
ريان: وبعدين، أنا بدأت أجيب أخري.
اهداء: المفروض أني أخاف بعد الجملة دي يعني ولا أعمل إيه.
زفر الريان بضيق ليكتب بكل جدية: لا ما تخافيش، بس أنا هعمل فيكي محضر وهعملك استدعاء من النيابة، وانت عارفة الألف مين هيحب يجاملني.
كشرت اهداء ملامحها بضيق وأخذت الموضوع تحدي وهي تعشق التحديات، لترسل له: أنا كنت همسحه على فكرة، بس بعد الأسلوب ده مش همسح حاجة، وبراحتك.
على الطرف الآخر، يقف ريان في مكانه من شدة توتره، يمسح وجهه بكفه يحاول أن يتمالك أعصابه.
بعد مرور عدة دقائق، حاول جاهداً السيطرة على نفسه، هدأ قليلاً وتدارك ما أرسله ليشعر بالذنب وأنه بالغ في رد فعله مرة أخرى معها، ليكتب: انت اللي بتوصّليني لكده، بتخليني أعمل حاجة أنا عمري في حياتي ما حبيت أني أتكلم عنها حتى، عموماً يا ستي أنا آسف، وآسف أني دخلت بعتلك أصلاً.
ابتسمت بفخر حين قرأت الرسالة، خططها لم تخطئ أبداً كعادتها، حصلت على ما أرادت، أوهمته أنها سوف تتسبب له في فضيحة، ولكن الحقيقة أنها لم تفعل، فهي أذكى من أن تغامر بشيء كهذا أو أن يرى أحد معارفهم هذا الأمر.
هي نشرت البوست فعلاً، ولكن قامت بمشاركته معه هو فقط، وهو وقع في الفخ بكل سهولة.
كانت تنتظر المزيد من اعتذاره لها، ولكن خاب ظنها هذه المرة، لقد مر الكثير من الوقت وهي تنظر إلى شاشة الهاتف، ولكن لم يرسل أي شيء آخر.
للحظة خطر لها أنها بالغت فيما فعلت، أو ربما يتوجب عليها الاعتذار هي الأخرى، ولكن رجع عقلها للعمل مرة أخرى، رجع ليخبرها بأن تنصب المزيد من الأفخاخ.
ابتسمت ابتسامتها الماكرة التي تعلن عن بداية لعبة جديدة، وأخذت تعبث بالهاتف لترسل رسالة جديدة محتواها: هو انت اتقمصت بجد ولا ايه.
رأى الرسالة ولكنه لم يجيب.
لتعاود المراسلة وهي تراهن نفسها على أنه تلك المرة سيجيب: علفكرة مكنتش اقصد اني اضايقك اوي كده، ممكن اكون زودتها شويه، عموما حقك عليا.
رفعت حاجبها بفخر وهي تلوي جانب فهمها بابتسامة انتصار، وهي تقرأ رسالته: ممكن يعني انتي مش متأكدة من ده اصلا.
اهداء: ما خلاص بقي قولت حقك عليا، انت الي استفزتني اصلا.
ريان: استني استني، ايه انت دي اسمها حضرتك، فوقي كده للكلام.
زفرت اهداء بضيق لتحاول إنهاء الجدال هذه المرة: يووه، لا معنديش طاقة نرجع لنفس الدائرة، بصراحة عندي شغل الصبح، كفاية كده، تصبح على خير.
ريان: انتي شايفة الساعة بقت كام، منك لله ضيعتي الوقت ده كله في أي كلام، نسيتيني كنت داخل اكلمك ليه اصلا.
أرسلت إليه ذلك الوجه الضاحك (الإيموجي) وهي تسأل: صحيح انت كنت داخل ليه، ده انا نسيت.
ريان: نتكلم جد طيب ونرجع لسؤالي، ليه بتدافعي عن البنت دي.
اهداء: انت مالك.
........................................................
أنا آسفة، حقك عليا والله، مش هعمل أي حاجة تضايقك تاني.
لم تعد تعلم كم مرة أرسلت هذه الجملة له بأكثر من صيغة، وهو ما زال لا يجيب عليها.
عيناها متورمة من كثر البكاء، نسيت عدد المرات التي اتصلت عليه فيها ولم يجيب، ولكنها ما زالت تحاول، فهو يستحق من وجهة نظرها، فهذا حبيب العمر، وبعد أشهر معدودة سوف يصبح زوج المستقبل الذي تحلم بكل تفاصيله معه.
تضع نور الهاتف على أذنها وقلبها ينبض بحماس في انتظار رده، تتلهف لسماع صوته، وتلك المرة لم يخيب ظنها، ليأتيها صوته وهو يجيب بضيق: اممم، خير.
وحشتني، وحشتني أوي يا ياسين.
تفوهت بها نور بلهفة.
تنهد ياسين على الطرف الآخر ليهتف: شوفي، مع أنك غلطتي في حقي ومش قادر أسامحك، بس انتي كمان وحشتيني.
لتجيب هي سريعاً: أنا آسفة، حقك عليا، أنا فعلاً غلطت غلط كبير أوي، بس مكنتش أعرف أني ممكن أزعلك، ده أنا من امبارح والله مبطلتش عياط ولا أكلت ولا شربت ولا حتى عرفت أنام عشان زعلتك في يوم زي ده، حقك عليا يا حبيبي.
ياسين: المهم أنك تكوني اتعلمتي من غلطك ده ومتكررهوش تاني، ده اللي يفرق معايا، ابقي خدي بالك من تصرفاتك بعد كده.
نور: حاضر، مش هعمل أي حاجة تزعلك تاني، أهم حاجة عندي أنك متبقاش زعلان مني.
ياسين: خلاص بقي يا نور، خلصنا، مش زعلان، لو كنت لسه زعلان مكنتش رديت عليكي أصلاً، بس أنا عارفك غبية، واكيد اهداء كانت راميالك كلمتين كده ولا حاجة.
والله أبداً، ده حتى.
ليبتَر جملتها بملل: قولت خلاص مش عايز أسمع حاجة، واقفلي عشان مش فاضي، ابقي كلي عشان متتعبيش، سلام.
ابتسامة عريضة شقت ثغرها وهي تتمتم بفرحة: كلي عشان متتعبيش، مش بحبه من قليل أنا الواد ده.
...................................................
يجلس على الأريكة يعبث بهاتفه المحمول ولا يبالي بالعالم من حوله، ولا يهمه أن يشترك في أي نقاش عموماً، كعادته في الآونة الأخيرة، صدقاً من أول يوم في حياتهم الزوجية، وليس تلك الفترة فقط.
امير يا امير، امير.
صاحت سهيلة بأعلى صوتها في النهاية لعله ينتبه لها، وأخيراً استجاب ليهتف باستياء: إيه، في إيه يا شيخة، خضتيني.
سهيلة: بقالي ساعة بنادي عليك ومش بترد، اعمل إيه يعني.
أجابها وهو ما زال على نفس وضعه، يحلق في الهاتف: امم، معاكي اهو، عايزة إيه.
نظرت له بضيق من عدم التفاتة لها، هي اعتادت طريقته في التعامل بحكم سنين زواجهم الطويلة، من الطبيعي أن تكون عرفته جيداً بعد ١٢ سنة، لكن لا يخلوا الأمر من بعض الآمال الخيالية لدى النساء أحياناً.
زواجهم كان زواج تقليدي جداً، والدها أحد معارف والده رشحها لهم كعروس، ذهبت لرؤيتها أول مرة في منزلهم وأعجبته، ولما لا، فهي تمتلك قدر من الجمال، بشرتها سمراء، ملامحها متناسقة، متوسطة الطول، وأيضاً خريجة جامعية وعلى قدر من الذكاء، الخلاصة زوجة مناسبة.
وهو أيضاً كان في منتصف العشرينات، طويل وعريض وشعره أسود جميل (كان في الماضي طبعاً، حالياً أصابه الصلع)، وبشرته بيضاء ويمتلك حاجبين كثين وجبهة عريضة، ملامحه تدل على رجل ذو هيبة وجاذبية، طبعاً بالنسبة لسهيلة، كما أنه خريج كلية الهندسة ويعمل في إحدى الشركات المرموقة، كان بالنسبة لها بناءً على كلام والدتها (عريس لقطة).
وتم الزواج الذي أثمر طفلين في المرحلة الابتدائية الآن، وأمير لا يعبأ حتى بمعرفة أهم التفاصيل الخاصة بهم أو حتى بها، ولكن هي تحاول مشاركته في أمورهم.
هتفت بضيق وهي تسحب الهاتف من يده: امير بكلمك بصلي، مئة مرة قولتلك الحركة دي بتضايقني.
اعتدل في جلسته وهو يلتفت لها: ماشي، اهو معاكي، اتفضلي.
سهيلة: المدرسة بكرة عاملة اجتماع آباء وعايزاك تيجي معايا.
ابتسم بسماجة ليهتف بستخفاف: هو ده الموضوع الخطير الفظيع اللي عايزاني فيه.
قلبت عينيها بضيق لتصيح من بين أسنانها: كام مرة قولت أني مبحبش الأسلوب السخيف ده في الكلام.
التقط هاتفه من يدها بقوة وهب واقفا يغادر من أمامها سريعاً وهو يغمغم: يوه، هندخل بقى في بحب ومبحبش وأنا مش رايق لده دلوقتي، بصراحة بكرة إن شاء الله نبقي نتخانق.
اهرب اهرب انت كده كل ما نتكلم، ولعلمك هتيجي بكرة المدرسة.
صاحت بهم سهيلة بصوت عالٍ ليسمعها قبل أن تسمع صوت ارتطام باب الغرفة خلفه.
لتنفخ بضيق وتسرع خلفه وهي تنوي عدم انتهاء النقاش هنا وتركه وشأنه.
...........................................
لو مكنتيش عندي يا اهداء خلال ربع ساعة بالكتير أبقي اتفرجي بقى على اللي هعمله، بس اللي يستحمل🤫
رواية كهرمان الفصل السابع 7 - بقلم رحاب محمد
بعتذر جداً على التأخير. لو ما كنتيش عندي يا إهداء خلال ربع ساعة بالكتير، ابقي اتفرجي بقى على اللي هعمله. بس اللي يستحمل!
"اللوت" جانب فمها بابتسامة متهكمة وهي تقرأ الرسالة.
"هو بعتلك تاني؟" كان ذلك صوت صديقتها أمل.
لتجيب إهداء بزهو: "مش فاكرة دي المرة الكام وهو بيتصل ويبعت."
أمل: "إهداء بجد، حرام عليكي. كفاية كده، ما تردي عليه بقى."
قطبت جبهتها بضيق لتهتف مستنكرة: "حرام عليا؟ اللي هو إزاي يعني؟ انتي عايزاني أعديله اللي هو عمله معايا عادي كده؟ ده أنا كده بسخن بس. قال إيه، والبجح بيهددني تاني وبيقولي بس اللي يستحمل. لما نشوف مين فينا اللي هيستحمل للآخر."
قطع كلامها صوت رنين هاتفها، لتضعه على أذنها سريعاً وتجيب بمكر: "الو؟ ريان؟ معلش مكنتش عارفة أرد عليك من الصبح، كنت في جلسة. انت فاهم، الفون كان صامت أصلاً."
ليأتيها صوته الغاضب: "ده على أساس إني غبي يعني، مبفهمش ومش شايف إنك شفتي الواتساب؟ أنا اللي غلطان إني صدقتك وافتكرت إنك عاقلة ونزلت عشان أقابلك."
هتفت سريعاً بضيق مزيف: "اسمعني بس الأول قبل ما تقول أي كلام. أنا فعلاً شفت المسجات بس ده كان دلوقتي بعد ما خرجت وكنت لسه هتصل أكلمك وأعتذرلك."
ريان: "ولما إنتي لسه عندك شغل، اتفقتي معايا على الميعاد ده ليه؟ أنا بقالي ساعتين مستني حضرتك في الشمس، لا وزي الغبي سمعت كلامك ومجتش بالعربية. وزي ليه؟ إيه؟ بقولك إني مكنتش أعرف. أستاذ راشد كلفني بالقضية دي فجأة، كنت داخلة أطلب تأجيل بس مكانه. أنا في الطريق دلوقتي، شوية وهكون عندك. بس لو عايز تمشي، مفيش مشكلة، إلا إذا كان لسه عندك فضول ناحية القضية دي."
ريان: "أكيد مش بعد ده كله همشي كده. ياريت تنجزي بس عشان أنا بتشوي هنا."
كتمت ضحكتها بصعوبة حتى تستطيع الرد: "لا، مش هتأخر. مسافة السكة." وأغلقت الخط.
لتصدح صوت ضحكتها تملأ المكان وتهتف من بين ضحكاتها: "مش هتصدقي يا أمل! بقاله ساعة واقف في الشارع في منطقة... لا وإيه؟ قولتلوا متروحش بعربيتك واتعامل عادي عشان متلفتش النظر، وأنا هعرفك حاجة مهمة أوي. وليه أنا أخدت القضية دي؟ وهو فعلاً نفذ بالحرف. بيقولي الشمس حمسته. مش فاهمة، هو ليه مراحش أي كافيه لغاية ما أروحله؟"
سكتت تفكر، لتواصل كلامها: "الراجل ده غريب أوي ومش مفهوم. كده أنا حتى مش عارفة هو مهتم ليه أنا أمسك القضية دي أو لأ."
غمزت أمل غمزة ذات مغزى وهي تقول: "مش يمكن مهتم بأمرك إنت، يا حلو أنت؟"
همت إهداء واقفة تستعد للمغادرة وهي تهتف مزعجة: "أقوم أنا أشوف آخره إيه، عشان إنتي شكلك بدأتي تخرفي في الكلام. لو أستاذ راشد سأل عليا، قوليلوا راحت مشوار تبع قضية نسرين. عموماً، أنا قيلاله."
هتفت أمل بجدية قبل خروج إهداء: "إنتي هتروحي معاه بجد؟ طيب ولو على عرف؟"
إهداء: "وعلى إيه هيعرف منين أصلاً؟ بأي باي بقى عشان متأخرش أكتر من كده."
***
تجلس على الأريكة في منزلهم وعلى وجهها علامات الضيق والانزعاج، تنتظر مجيئه بفارغ الصبر. وها قد أتى أخيراً، ويتعامل وكأن شيئاً لم يكن. قابله الأولاد بترحاب، وهو يبادلهم السلامات، ولم يتذكر حتى أن يعتذر لها عن ما فعل.
دلف لغرفته يبدل ملابسه، وخرج وجدها في مكانها، ليتأفف بضيق: "هو فيه إيه يعني؟ مش شايف الغداء جهز؟"
نظرت له سهيلة بطرف عينها لتهتف بهدوء يسبق العاصفة: "هو ده اللي أخدت بالك منه؟ إن الغداء مش جاهز؟"
رفع أمير كتفيه بعدم فهم وهو يتلفت حوله قائلاً: "أمال فيه إيه تاني يعني؟ مش شايف حاجة مختلفة."
عند تلك النقطة انفجرت سهيلة وهي تصيح: "يعني إنت حتى ما أخدتش بالك؟ أنا كلمتك كام مرة، ده مألفتش نظرك حتى تسأل كان فيه إيه؟ بلاش طيب، مش فاكر إني اتفقت معاك تيجي معايا المدرسة؟ مش فارق معاك إني فضلت مستنية هناك وكان منظري زي الزفت قصاد الناس. مش فارقلك حتى تعتذر؟"
صفع جبهته براحة يده بخفة: "أنا إزاي نسيت؟ حقك عليا بجد، أنا نسيت خالص. اتلهيت في الشغل وحتى مكنتش فاضي أمسك الموبايل."
شخصت عينيها بذهول تهتف مستنكرة: "نسيت؟ إنت شايف إن ده مبرر يعني؟ هو للدرجة دي أنا مش في دماغك خالص؟ مش قادر حتى تفتكر حاجة طلبتها منك؟"
قلب عينيه بملل: "خلاص بقى، بلاش دراما. قولتلك حقك عليا ونسيت غصب عني، أكيد مكنش قصدي أطنشك يعني. ممكن بقى نخلينا في المهم، وتحضريلنا الغداء؟"
سهيلة: "غداء؟ هو ده اللي فارق معاك دلوقتي؟ مش مهم، أنا أُكل عادي. بس أنا مستغربة، ليه ما ده العادي. من امتى فرق معاك أي حاجة تانية؟"
ليجيب أمير ببرود: "براڤوا عليكي، يبقى المفروض نعقل بقى."
هبت سهيلة واقفة وتحركت باتجاه غرفة نومها وهي تصيح بغضب: "أنا غلطانة أصلاً إني بتكلم معاك. ابقي شوف بقى حد يأكلك إنت وعيالك."
قالت جملتها الأخيرة بصوت عالٍ قبل أن تصفع الباب خلفها بقوة.
ليزفر أمير بضيق وهو يجلس مكانها على الأريكة وهو يغمغم: "ست نكد وأوفر. الواحد يتغدى إيه دلوقتي بس."
***
"أيوه، إنت واقف فين؟ أنا على أول الشارع اهو."
هتفت بها إهداء وهي على مقربة من ريان أخيراً، وبعد وقت طويل في انتظارها.
ريان: "أنا أهو، واقف جنب كشك بقالة كده. استنى أشوف اسمه."
ابتعد بضع خطوات ليقرأ الاسم ويجيبها: "الأمانة. اسمه الأمانة."
ضحكت بخفة وهي تهتف: "شوفتك، شوفتك. مش إنت اللي واقف جنب الزبالة ده ومعاك بسكوت كتير تقريباً؟ ولا إيه اللي في إيدك ده؟"
ريان: "أيوه، هو ده. أنا خلاص، أنا كمان شوفتك."
لينظر باتجاهها وهي تعبر الطريق وتقترب منه. كانت ملفتة كعادتها، بقامتها الفارعة وجسدها الممشوق. ملامحها أيضاً جميلة، ليست منمنمة كما هو متوقع، ولكنها متناسقة في وجهها. عينيها واسعتين، لونهما بني يلمع في ضوء الشمس، وتبرزهما هي بكحلها الأسود. تبرزهم بحاجبين من نفس اللون وكثيفين بعض الشيء. فمها متوسط، ذات شفاها مكتنزة تزينها دائماً ببعض أحمر الشفاه. جبهتها ضيقة، يظهر منبت شعرها الأسود من أسفل حجابها. بشرتها خمرية رائعة، لا يعكر صفوها شيء. تزين وجنتيها البارزتين ببعض الحمرة الخفيفة التي تتناسب مع لون بشرتها. ملابسها أغلب الوقت تتكون من البدلات الحريمي المميزة، فعملها يفرض عليها الزي (الفورمال). ثقتها العالية بنفسها تجعلها ذات طابع مميز وملفت، لا يمكن لعين تجاهله أبداً. يكفي قوة نظراتها ولغة عينيها.
كان ريان شارداً في تأملها من بعيد، حتى اقتربت منه وعلى فمها ابتسامة عريضة لتهتف بمرح وهي على بعد خطوات منه: "إيه كل الحاجات دي؟ إنت خلصت على حاجات الكشك ولا إيه؟"
حمحم ريان بحرج: "أعملك إيه، مش إنتي اللي اتأخرتي وأنا جوعت وزهقت كمان. ينفع كده؟ أكلت كمية حاجات مش طبيعية لغاية ما حضرتك تشرفي."
مدت يدها تأخذ من البسكويت منه، تضعه في فمها: "واديني شرفت. يالا بينا بقى نروح مشوارنا عشان أنا كمان جوعت جداً."
ريان: "مش لما تفهميني الأول، مشوار إيه ده؟"
أنهت مضغ ما في فمها لتتحدث بجدية: "مش إنت عايز تعرف أنا مسكت القضية دي ليه؟ باختصار، أنا خدتها عشان واثقة إن نسرين دي بريئة. مش معقول أبداً هتعمل كده في صحبتها. ده غير أصلاً إني كنت أعرفها هي ونورهان الله يرحمها، يعني معرفة سطحية كده من خلال الشغل، ونسرين ظروفهم صعبة شوية وأنا عارفة ده. وقابلت والدتها وعرفت منها إنهم مش هيقدروا يوكلوا محامي كبير يدافع عنها، وهما وثقوا فيا إني أدافع عنها وأظهر براءتها. بس رفضوا إن ده يكون بدون مقابل، فا قبلت إنه يكون مقابل اللي يقدروا عليه وبس."
هز رأسه بتعجب وهو يبتسم ليهتف: "فاجأتيني بصراحة. طلعتي بني آدمة وعندك جانب إنساني وكده. مكنتش متوقع."
رفعت حاجبه الأيسر وهي تلوي شفتيها بضيق لتهتف بتحذير: "أتمنى متستفزنيش في الشارع عشان مش ضامنة رد فعلي. وده عشان منظرك العام يعني."
ريان: "اتكلمي بأسلوب أحسن من كده."
تجاهلته تماماً وكأنها لم تسمع شيئاً وتحركت بضع خطوات تحثه على السير خلفها وهي تغمغم: "طيب يالا بينا نخلص المشوار ده عشان نخلص. لو عليك فلوس لبتاع الكشك، وهو موقف جنبه، رهن. قولي، ممكن أدفعلك عادي، بس نمشي."
تحرك خلفها وهو يقول بهمس: "سخيفة."
لتلتفت إليه وهي تقول: "سمعتك على فكرة. لو عايز تقول حاجة بعد كده، على صوتك."
ريان: "أنا عايز أعرف برضه، إحنا رايحين فين دلوقتي؟"
إهداء: "رايحين نقابل أسعد."
رواية كهرمان الفصل الثامن 8 - بقلم رحاب محمد
بعتذر جدًا جدًا على التأخير.
أهداء: مين أسعد؟ وإيه علاقته بيكي؟ ده كمان؟
هتفت بها ريان مستفهمًا.
أهداء: علاقته بيا إيه؟ علاقته بيا دي؟ ما تختار ألفاظك يا بني آدم أنت!
أردف قائلاً بسخرية: أول ما تتعلمي تعملي كده، حاضر. المهم دلوقتي أنا عايزة أفهم مين أسعد ده، وإيه المكان اللي أنتي واخدانا فيه ده أصلًا؟ ده غير إن أنا مش مقتنع أساسًا إن البنت دي بريئة.
أكملت أهداء طريقها لتجيبه وهي مستمرة في السير: أسعد ده المفروض إنه القاتل الحقيقي، وانت تصدق البنت أو ما تصدقهاش ده موضوع ما يشغلنيش. أنا ليه قبلت القضية؟ وأنا حبيت أجاوبك وكمان أخليك تشوف وتسمع الحقيقة.
أسرع ريان في خطاه ليقف أمامها يعيق حركتها ويسألها بضيق: وإنتي إيه اللي مخليكي متأكدة قوي كده؟ وعرفتِ منين إن أسعد ده هو القاتل؟
نهرته باستياء من وقوفهم في الشارع بهذه الطريقة: أهداء: خلينا نمشي طيب وهبقى أكمل لك بقى الكلام. ما ينفعش نقف كده في الشارع.
تمتم ريان بحرج ليتنحى جانبًا ويمشي جوارها وهو يكرر سؤاله.
لتجيبه بفارغ صبر: مع إني مش مضطرة أفضل أبرر لك كل شوية وأشرح لك، وبزهق جدًا من الطريقة دي، بس ماشي. أنا لما اتكلمت مع نسرين، هي أكدت لي إن مش هي اللي عملت كده. مسابقة؟ قلت لك إني كنت أعرفهم معرفة شخصية، فما عنديش شك إن فعلًا مش هي اللي عملت كده. وكنت غالب الوقت بشوفهم هما الاتنين ومعاهم أسعد ده كان زميلهم في المكتب. بس من وقت اللي حصل وهو اختفى تمامًا. ولما سألت نسرين عن شكل علاقتهم بيه، قالت لي إنه ونورهان كانوا شبه مرتبطين. طبعًا لما عرفت معلومة زي دي استغربت جدًا اختفاءه، وإنه حتى ما راحش عزاء نورهان ولا بيحضر أي حاجة في التحقيق، مع إنه المفروض إن الموضوع يهمه بشكل شخصي. ولما سألتها برضه، قالت لي إنهم في آخر فترة كان فيه خلافات كبيرة بينهم. قررت أروح أزوره في بيته حتى أحاول أعرف معلومات أكتر عن إيه اللي حصل في آخر فترة أو مين ممكن يكون عمل كده في نورهان. بس لما رحت ما لقيتهوش، وعرفت من أهله إنه من يوم الحادثة وهو مختفي تمامًا. عمل مكالمة واحدة مع والدته وعرفها إنه موجود عند واحد صاحبه. أخذت منها الاسم طبعًا، وقدرت أوصل لعنوان بيته. بعد كل الكلام ده كان لازم أشك فيه بس. وادينا هنا دلوقتي.
ليهتف ريان بحيرة بعد ما سمع منها: بس اللي قولتيه ده كله مش كفاية إنك تقولي إنه القاتل. آه في شك ناحيته، بس في نفس الوقت ما فيش دليل.
هتفت بنبرة تحمل السخرية: والله أديني واخداك معايا، والمفروض إنك وكيل نيابة شاطر وهتعرف تسأله ونفهم إذا كان هو فعلًا ولا لأ. اتفضل يلا، هو ده بيته.
هتفت بجملتها الأخيرة وهي تقف أمام إحدى المنازل.
ريان: المفروض إننا هنقول له إحنا مين أو جايين نسأله عن إيه. ما هو أنا أكيد مش هقول له أنا مين. أصلهم لسه ما اخترعوش خدمة التحقيق في المنازل.
رمقته أهداء بنظرات ذات معنى وهمت بدخول المنزل وهي تغنم: ده أنت اللي شغلك في النيابة ظلم.
ليهتف وهو يصعد خلفها محذرًا: احترمي نفسك.
تابعت صعودها درجات السلم في صمت وهو خلفها. وعند وصولها للطابق الثالث وقفت برهة تلتقط أنفاسها قبل أن تطرق الباب بخفة. وبعد وقت قصير يفتح الباب شاب في أوائل العشرينات وهو يتمتم بضيق دون النظر للطارق وكأنه يتوقع مجيء شخص معين في ذلك الوقت تحديدًا: كنت عارف إنك هتيجي تاني أصلًا. يبقى ليه من الأول...
وأبتر جملته حين نظر أمامه ولم يجد الشخص المتوقع. أجفل وهو ينظر لهم بارتياب.
لتبدأ أهداء بالتحدث وقطع الصمت: مساء الخير. ده بيت أستاذ مصطفى؟
ليجيبها ذلك الشخص: أيوه. أنا مين حضرتك؟
تابعت: أنا أهداء الأمير، محامية. كنت محتاجة أستاذ أسعد في كلمتين بخصوص قضية نورهان.
تفحصهم مصطفى بنظرات مرتابة قبل أن يجيب بنبرة حادة وهو مازال يقف خلف الباب ولا ينوي أن يفسح لهم مجالًا للدخول: أسعد مش موجود.
أهداء: لو مش موجود دلوقتي، ممكن نستناه. ما فيش مشكلة.
هتف بلهجة لا تقبل الجدال: لا يا أستاذة، هو مش موجود ومش جاي ومش قاعد هنا أصلًا.
عند تلك النقطة قرر ريان التدخل لمعرفته أن ذلك الرجل يراوغ في الحديث. كان يقف أسفل الدرج ويبعد عن نظره ويتابع الحوار من بعيد. وبعد سماع رده، صعد باقي الدرجات وهو يهتف بصوت قوي: بس إحنا عارفين إنه هنا يا مصطفى.
مد يده أمامه ببطاقته الشخصية. برهة كانت كافية لمصطفى أن يتعرف على وظيفته من خلالها.
تابع ريان وهو يضع بطاقته في جيبه: معاك ريان المهدي من النيابة، وعارف إن أسعد موجود عندك هنا. فـ يا ريت نختصر على بعض وتقول له إننا عايزين نقابله.
ارتعد الآخر خوفًا عند معرفته بهوية ريان ليقول بتلعثم: أهلاً بحضرتك يا فندم. بس والله أسعد ما موجود هنا. هو فعلًا كان عندي، بس النهاردة الصبح حصلت مشكلة بيني وبينه، وهو أخد حاجته ومشي.
ريان: راح فين؟
مصطفى: هو ما عندوش حتة يروحها غير بيت جدته في إسكندرية أو عند واحد صاحبنا في الصعيد. وأنا ما أعرفش فين بالظبط.
ابتسم ريان بهدوء وهو يهتف بثبات: بس هتعرف يا مصطفى. أكيد هتعرف.
هز رأسه إيجابًا: ممكن. هحاول أعرف.
هز ريان رأسه معترضًا وهو يخرج كارت شخصي من محفظته ويضعه في يد مصطفى: ما فيش "هحاول". هتعرف. الكارت بتاعي أهو فيه أرقامي. لما تعرف هتتصل تبلغني.
أهداء: ممكن أعرف إنت وهو اتخانقتوا ليه؟
هتفت بها بعد صمت دام طويلًا وهي تستمع فقط للحوار بينهم، وكانت معجبة بتدخل ريان الذي ساعد في معرفة معلومات هامة. وهذا لفت نظرها لحقيقة مهمة أنه يمتلك شخصية قوية وذكاء كانت تحاول طوال الوقت تجاهلهم.
أجاب مصطفى على سؤالها باقتضاب: عادي يعني، اختلفنا على حاجة زي أي اتنين أصحاب.
رفعت أهداء حاجبها الأيسر تهتف بعدم اقتناع: مشكلة عادية تخلي صاحبك يقرر يمشي من عندك خالص ويروح بلد تانية؟
مصطفى: افتكر إن دي حاجة شخصية يا أستاذة بيني وبين صاحبي، ما تهمش حد غيرنا.
تدخل ريان مرة أخرى في الحوار لينهي الموضوع: تمام يا مصطفى. عمومًا، الكارت بتاعي معاك. لما تتصل تبلغني مكان جدته فين في إسكندرية بالتفصيل، وكمان مكان صاحبكم فين في الصعيد. ممكن نبقى نشوف مشكلتكم دي كانت على إيه. كان نفسنا نتكلم معاك أكتر من كده، بس ورانا شغل. يلا يا أهداء.
أنهى كلامه وهو يحثها على هبوط الدرج، وهي تتطلع فيه بنظرات غاضبة ولكن أجبرت على السير. وعند وصولهم الشارع، هو كان يسبقها بخطوات لتصيح أهداء بحنق: استني هنا إنت يا...
التفت لها ينتظر إكمال الجملة: يا إيه؟
تجاهلت سؤاله وأردفت: يا إيه؟ هتجاهلت سؤاله وأردفت: إنت إزاي تتعامل كده وتلغيني خالص؟ إنت مجنون؟ إزاي أصلًا بتاخد قرار إننا نمشي كده وتسحبني وراك؟ هو مش المفروض إني أنا اللي هتكلم؟
كان ينظر لها بوجه خالي من أي تعبير ليهتف أخيرًا: خلاص خلصتي؟
ربعت يديها أمام صدرها تهتف بحدة: آه خلصت. إيه ردك بقى؟
ريان: جعان وعايز أمشي. ياما أروح، ياما ممكن نروح أي حتة لو حابة ونتغدى، ياما إنتي حبيتي الشارع هنا أو عاجبك الوقفة فيه، لو كده عرفيني بس علشان أنا على آخري خلاص.
قطبت جبينها بغيظ من بروده: إنت بتتكلم بجد؟ أنا بكلمك في إيه وإنت بتقول إيه؟
ريان: اخلصي يلا علشان عايز أمشي. معاكي عربية ولا أطلب لك أوبر؟
أهداء: ريان امشي من قدامي دلوقتي.
ريان: مش محتاجة أي مساعدة يعني؟
هتفت أهداء من بين أسنانها تحاول كبح غضبها: بقولك امشي من قدامي دلوقتي أحسن لك وليا.
ريان: طيب مع السلامة. أشوفك في يوم أحسن من كده.
أنهى كلامه وهو ينصرف ويتركها وراءه تستشيط غضبًا. في حياتها لم يستطع أحد تجاهلها إلى هذا الحد. كانت تسبه داخله بأشنع الألفاظ وتتوعد له.
......................................................
كانت تدخل غرفة والدتها تريد رؤيتها والتحدث معها. لقد مر يومان ولم تراها. كل يوم تنوي التحدث معها ولكن تجدها نائمة. اليوم علمت من أختها أنها مستيقظة في غرفتها. كان الباب مفتوحًا. همت بالدخول ولكن توقفت بجانب الباب حين وجدت والدتها جالسة على سجادة الصلاة بعد الانتهاء من أداء صلاتها ومنغمسة في الدعاء لأختها. وقفت تنتظر انتهائها. ولكن بعد أن فرغت من الدعاء لنور، انتقلت للدعاء لأخيها ياسر واستمرت في الدعاء له أكثر من عشر دقائق مستمرة. عند تلك النقطة انتهى صبر أهداء لتقول بصوت عالٍ نسبيًا بغيظ: حتى في الدعاء بياخد زيادة. ياه على الظلم.
ارتعدت أسماء، والدتها، على صوتها المفاجئ لتصيح: يا زفتة! خوفتيني. مش تعملي صوت.
اقتربت أهداء منها وهي تضحك: أعمل لك إيه؟ بقالي نص ساعة واقفة وإنتي شغالة دعاء لبنتك شوية وابنك شوية وأنا أكلت حقي حتى في الدعاء. حرام عليكي. أنا بنتك برضه.
قامت أسماء من جلستها أرضًا وهي تمسك بسجادة الصلاة وتقول: كنت لسه هدعيلك إنتِ بس. اللي على طول مستعجلة.
حملقت أهداء بندهاش لتهتف: إيه ده؟ ده إنتي لميتي السجادة كمان. في إيه؟ هو خلاص كده خلصتي؟ وأنا اللي كنت فاكرة الموضوع هزار.
ضحكت والدتها وهو تقصد استفزازها: مش بقولك استعجلتي؟ خلاص خلصت. أنا كنت مخلياكي للآخر عشان أتوصى بيكي.
أهداء بأداء تمثيلي ساخر: تتوصي بيا؟ تصدقي إنك بتنصبي عليا؟ مش عيب لما تبقي أمي ونصابة؟
أسماء: يابنت عيب تكلمي ماما كده.
صاح بها ياسر، أخوها، بدراما تمثيلية يقصد بها مشاكساتها. كان عائدًا من الخارج وسمع حديثهم.
لتهتف أسماء بسعادة عند سماع صوته: حبيب أمه جه. حمد الله على سلامتك يا حبيبي. عامل إيه كويس؟
فركت أهداء جبينها بتمثيل مرة أخرى: آآه صداع من التلزيق. بما إن أستاذ طبلة جه وهتبدأ وصلة من الحب المبالغ فيه بينه وبين أمه. في الحالات اللي زي دي أحب أنسحب جدًا. تصبحوا على خير يا جماعة.
أمسك بها ياسر يهتف بضيق: إيه يا أهداء؟ ما تستني شوية نقعد مع بعض؟ إحنا مش بنشوفك.
تملصت أهداء من قبضته وهي تتمتم: يوم تاني. مش قادرة والله يا ياسر. يومي كان طويل ومحتاجة أنام. أنا قولت بس أجي أشوف ماما.
ياسر: خلاص يا أختي. أشوفك بكرة إن شاء الله. تصبحي على خير.
أهداء: وانت من أهله.
دلفت إلى غرفتها وهي حزينة بعض الشيء على عدم دعاء والدتها لها. كانت تحدث نفسها ساخرة كعادتها: بتحاول تقنعني إنها كانت هتدعيلي. وكأني ما أعرفش إني ما خطرتش على بالها من الأساس. والتاني يطلب مني أن نتكلم. نسي يقول نتخانق أو نكدك على بعض.
أثناء تفكيرها في أسرتها، خطر على بالها ما فعله معها ريان في الصباح. هو لم يذهب من بالها من الأساس، فأعصابها متوترة بسببه طوال اليوم. ولكن كانت تحاول التغلب على نفسها ولا تحدثه قبل أن تخطط له. ولكن تذكرت أنها لم تأخذ عنوان ذلك الشاب في إسكندرية، فأمسكت بهاتفها تراسله: عايزة عنوان الواد ده بتاع إسكندرية.
انتظرت بضع دقائق حتى ظهر أنه قرأ رسالتها وأرسل الرد: اعتذري على اللي عملتيه الأول.
أهداء: أعمل إيه؟
ريان: زي ما شوفتي كده.
زفرت أهداء بضيق وهي تكتب بسرعة تدل على غضبها: هستنى خمس دقايق لو ما وصلنيش العنوان، متلوميش غير نفسك على اللي هعمله.
قرأ الرسالة ولم يكلف نفسه حتى بالرد عليها، وهذا ما جعلها تفقد كل ذرة في عقلها. ولم يغمض لها جفن من شدة الغضب. كانت تنظر قدوم الصباح بفارغ الصبر لترد له ما فعل.
....................................................
في صباح اليوم التالي في منزل ريان، كان يجلس على منضدة الطعام (سفرة) يتناول طعام الإفطار مع أسرته ويتحدثون في بعض الأمور. ولكن قطع حديثهم صوت رنين جرس الباب. قامت والدته لتفتح الباب لتتفاجأ بشابة جميلة تقف أمامها تهتف باسمه: صباح الخير يا ماما.
رمشت السيدة بعدم فهم لتقول متسائلة: ماما مين يا حبيبتي؟ إنتي عايزة مين بالظبط؟
كشرت الفتاة بحزن مصطنع: هو حضرتك مش عرفاني إزاي؟ ده أنا مرات ابنك.
كان غصبًا عني، وإن شاء الله مش هيتكرر مرة تاني.
رواية كهرمان الفصل التاسع 9 - بقلم رحاب محمد
سارة والدة ريان: حضرتك عايزة مين بالظبط؟
الفتاة بحزن مصطنع: إزاي مش عارفاني، ده أنا مرات ابنك يا ماما.
هتفت سارة بحدة: ابني مين؟ أنا ولادي مش متجوزين.
أنا مرات ريان، هو كان متفق معايا إنه هيبلغكم امبارح.
نظرت لها سارة بدهشة تحاول استيعاب ما تسمع، وأخيراً صاحت بصوت عالٍ باسمه تحثه على القدوم ورؤية زوجته.
أتى ريان يهرول على إثر صوت والدته الغاضب وهو يتساءل عن السبب.
لتجيبه والدته بحدة: اتفضل يا بيه، شوف مراتك.
ريان بدهشة: مرات مين؟ إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟
إيه يا ريان، أنت نسيتني ولا إيه؟
التفت ينظر لمصدر الصوت وهو يدعو بداخله أن يكون أخطأ في التعرف على صاحبته. رمش بعينيه مرات متتالية لعل الأمر تشابه عليه، ولكن كانت هي حقاً. غمغم بذهول وهو ما زال يتطلع عليها: أهداء، إيه اللي جابك هنا؟
ابتسمت تلك الابتسامة الخبيثة وهي تهتف: مش أنت اتفقت معايا إنك هتعلن جوازنا النهارده يا ريان؟ مكنتش أعرف إنك لسه مقلتلهمش.
تحدث ريان وهو ما زال في حالة اندهاش ويحاول استيعاب حقيقة وجودها: أنتي إيه اللي جابك هنا؟
أهداء: الله، أنت مش عايز أهلك يتعرفوا عليا؟
أهداء، كفاية سخافة.
تجاهلت عصبيته وتابعت في تمثيل دورها. وجهت كلامها لوالدته: شفتي يا ماما بيزعقلي إزاي؟ بس إيه رأيك، مش اسمي حلو؟ أهداء، يا سلام مزيكا كده.
لتصرخ سارة بغضب: ماما مين؟ ريان، أنا عايزة تفسير للكلام ده دلوقتي.
حالاً حالاً يا ماما، حالا. حضرتك بس اتفضلي جوة خمس دقائق وهشرحلك كل حاجة.
هتف بهم ريان بلهجة تقريباً وهو يسحب أهداء من يدها. تراجعت بعض الخطوات للخلف وأغلق الباب بيده الأخرى.
لتهتف أهداء بانزعاج وهي تحاول الإفلات من قبضته: أوعى إيدي، هتوقعني.
ليهتف هو بغضب وهو يجز على أسنانه محاولاً خفض صوته لعدم سماع الجيران وأهله: ده أنا لو أطول أرميكي من بير السلم هعمل كده. أنتي مجنونة؟ إيه اللي بتقوليه لأمي ده؟
سحبت ذراعها بقوة من قبضت يده وهي تغمغم: قولتلك استحمل من امبارح ببعتلك وبتتجاهلني، كان المفروض أعملك إيه تاني؟
يعني مفيش حلول غير الهبل اللي عملتيه ده؟
اعتبر مفيش. طيب اتفضلي امشي وكلامنا بعدين.
ضحكت باستهزاء وكأنه ألقى على مسامعها نكتة سخيفة: هو أنت غلبان بجد ولا بتستهبل؟ يعني أنا عاملة كل ده علشان أجي وأمشي بسهولة كده؟
أجابها بنفاذ صبر وهو يتلفت حوله خوفاً من خروج أحد من أفراد عائلته: اخلصي يا أهداء، عايزة إيه؟
ربعت يديها أمام صدرها تنظر له بتحدي وهي تملأ عليه شروطها: أولاً، تعتذر على تجاهلك ليا امبارح. وثانياً، تقولي كل المعلومات اللي الولد ده قالهالك، من ضمنهم عنوان إسكندرية.
تفحصها بنظرات ثاقبة في صمت ليهتف أخيراً بهدوء: معاكي عربية ولا أكلمك أوبر؟
ريان، لو كررت تجاهلك ليا تاني، والله هعمل حاجات تضايقك أوي بجد. أنت مشوفتش مستوى جناني. واصل لفين؟ هتنزلي دلوقتي ولا السلم عجبك؟ أدخل أنا أشوف هعمل إيه في اللي قولتي.
كادت أن تنفجر من شدة الغضب. تفحصته بثبات قبل أن تصيح بصوت عالٍ: حرام عليك يا ريان، عايز تموت ابننا.
جحظت عيناه وارتعد من فعلتها. وضع كفه على فمها يمنع سيل الصرخات المنطلق منها: يابن الـ... مجنونة، هتفضحينا.
ريان، إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟
قالها كريم الأخ الأصغر لريان وهو يخرج من باب الشقة على إثر صوتها وراء ريان وهو يكمم فمها بيده.
بمجرد سماع صوت أخيه، نفض يده بعيداً عنها وجاهد في رسم ابتسامة مزيفة ليهتف بتعلثم: كريم، أعرفك أستاذة أهداء، محامية زميلة.
ليرفع الآخر حاجبه بشك: بس متهيالى إني سمعت كلام تاني أكتر من كده.
همست أهداء لريان بخفوت: تحب أقوله سمع إيه؟
أجابها بهمس هو الآخر: اسكتي لو سمحتي، كفاية فضايح. وتابع وهو يرفع صوته: لا يا كريم يا حبيبي، أنت بس ساعات بتسمع غلط. مش هتنزل عندك مستشفى؟ هتتأخر عليها.
ينزل علطول كده؟ مش تعرفنا ببعض.
التفت لها ريان وهو يجز على أسنانه يغمغم بغضب مكتوم: منا عرفته، عرفته يا أهداء. ده كريم أخويا الصغير، دكتور نساء وتوليد، لسه متخرج السنة دي.
اقتربت منه تهمس مرة أخرى: هتنجز ولا أعلى صوتي وأعرف الدكتور على مرات أخوه الندل اللي عايز يرمي ابنه؟
هقولك على العنوان، اتكلمي بقي. وتعتذري، ماشي. وتوديني إسكندرية بعربيتك وتغديني على حسابك.
لأ، أنتِ كده عايزة ممول من سويسرا.
حمحم كريم مقاطعاً لهمسهم: أمشي أنا طيب، شكله في موضوع مهم محتاج تفاوض.
لتهتف أهداء بنبرة ذات مغزى: أبداً يا دكتور، بس أخو حضرتك بيحب يفكر كتير. بحاول أقنعه إن مفيش وقت، بس مفيش فايدة. ابتسمت وهي تتابع: بس أنا مبسوطة إني اتعرفت عليك. شكلك لطيف كده مش زي أخوك. وكريم يعني، هتدخلني جوه نتعرف على باقي الأسرة وأشرب قهوة؟ أنا شامة من عندك ريحة قهوة إنما إيه ممتازة.
كريم: طبعاً يا أستاذة، اتفضلي تشرفي.
ليهتف ريان سريعاً: لا، متشرفش.
أهداء: نعم؟
قصدي، مفيش وقت. ماما عايزة تنام.
كريم: تنام إيه؟ الساعة ٩ الصبح.
يسيدي، إحنا هنام.
أهداء: بس أنا مش عايزة أنام. أنا عايزة أتعرف على طنط.
مال ريان بجذعه يقترب منها وهو يغمغم: أرجوكي لمي الموضوع ويالا من هنا، وهعمل اللي انتي عايزاه.
حاولت كبح ابتسامتها المنتصرة بانهزامه أمامها كالعادة. واستأذنت من كريم بضع دقائق لمناقشة موضوع سريعاً مع أخيه قبل دخولها البيت.
أهداء: قول يالا.
أقول إيه.
هتعمل الحركات دي تاني؟ أنا بقول أشارك الدوك معانا في الحوار.
خلاص خلاص، ده أنتِ قنبلة موقوتة. انجزي بدل ما تفرقع فيك أنت وأخوك.
تنهد بضيق وأغمض عينيه وهو يأخذ شهيق وزفير كأنه يستعد لمقابلة عدوه.
أهداء: في إيه؟ أنت هتف عليا ولا إيه؟
والله نفسي بس مش دلوقتي. المهم، بعتذر يا أستاذة.
رفعت كتفيها بزهو لتغمغم: مع إن أدائك مش قد كده، بس هعديها. فين العنوان؟
أنتِ مش قولتي هوصلك، يبقى أقولك العنوان ليه؟
قلبت عينيها بتفكير: مع إني مش ضامناكي أوي، بس ماشي، هجربك. هنروح إمتى؟
بعد معاد شغلي أكيد.
اتفقنا، بس اعملي حسابك إن بعد الشغل على طول، مفيش ثانية تأخير علشان مينفعش أتأخر في البيت.
رفعت إصبعها السبابة بتحذير واستطردت: وبحذرك يا ريان من أي حركة غدر، هتلاقيني على باب بيتكم.
ضرب يدها بكفها بقوة ينزل إصبعها: بس بقى، بس. كان يوم أسود يوم ما شوفتك.
شعور متبادل.
التفتت بالاتجاه الآخر لتحدث أخيه، لكنها لم تجده. لتهتف بتساؤل: إيه ده، أخوك راح فين؟
أجابها بلهجة مقتضبة وهو يتحرك باتجاه الشقة: أكيد دخل جوه يعني، مش هيفضل واقف يتصنت علينا. إحنا عيلة بتفهم في الذوق يا أستاذة.
لوت جانب فمها بسخرية: واضح إنهم كده فعلاً، باستثناءك. عموماً، سلام مؤقت. نتقابل بعد الشغل.
يارب. لاء، هعمل نفسي مسمعتش.
تتجول في عش الزوجية المستقبلي وهي سعيدة ومنبهرة بذوقه الراقي في اختيار الألوان والديكورات. لتهتف نور بحماس: عجبني أوي أوي لون الليڤينج يا ياسين، حقيقي يا حبيبي طلع ذوقك يجنن.
أجابها ببروده المعتاد: أنتي كان عندك شك في ده يعني ولا إيه؟
هزت رأسها تنفي سريعاً: أكيد لا طبعاً، وإلا مكنتش اخترتني.
ابتسم وهو يقترب منها قائلاً: أهو دي بقى إحدى أهم وأحلى اختياراتي.
ابتسمت وهي تحمحم بخجل من اقترابه: بجد يا ياسين؟
طبعاً بجد، يعني أمال فكرك كده مكمل معاكي ليه؟ شفقة؟ ولا علشان خاطر أهداء؟
ضحكت بقوة على ذكر أختها لتهتف بين ضحكاتها: أنا مش فاهمة، أنت بتحط أهداء في أي جملة بينا ليه؟
علشان أنا مش بحب النوع بتاعها ده خالص. عايشة على مزاجها كده، وبحسها مش ممكن تبقى ست بيت خالص. طول النهار بتتنطط في شغلها ده وعاملة فيها وزيرة العدل. أسلوبها كله على بعضه مش بيعجبني.
أمسكت كف يده بين يديها تغمغم بحب: وأنت مالك؟ إحنا خلينا في نفسنا وبس، ولا أنت شاكك إني ممكن أعمل زيها؟
رفع كفها يقربه من شفتيه يلثمه بهدوء وهو يهتف: أنا لو عندي شك واحد في المئة إنك ممكن تبقي زيها، مكنتش خطبتك أصلاً. أنا بحب فيكي هدوئك وسمعانك للكلام، بس غصب عني ببقى خايف إنها تأثر عليكي يا نور. أنا عايزك متديهاش فرصة تدخل بينا أبداً.
متقلقش يا حبيبي، أنت عارف إني مش بسمع كلام حد غيرك. وبذات أهداء، أنا وهي أصلاً تفكير مختلف.
هز رأسه بتفهم وهو يتنهد بارتياح كأنها أزاحت من على صدره حمل جبال بكلامها ومعرفته أنه المسيطر الأول والأخير على عقلها.
صاح قائلاً وهو يمسك يدها ويتجول بها في الشقة: تعالي نتفرج على الأوض، مش هنفضل نجيب في السيرة دي طول اليوم.
أتبعته وهي تضحك وتحلم بحياتهم القادمة في هذا المكان.
الو، أيوة يا نور.
فيه إيه طيب؟ اهدي وفهميني. أنتي فين طيب؟ هجيلك، هجيلك حالاً. ابعتيلي لوكيشن.
هتفت أهداء بقلق ظاهر عليها: معلش يا ريان، لو سمحت ممكن نرجع بسرعة. نور أختي في مصيبة ولازم أروحلها بسرعة.
رواية كهرمان الفصل العاشر 10 - بقلم رحاب محمد
هتفت إهداء بقلق ظاهر عليها:
معلش ياريان لو سمحت ممكن نرجع بسرعة، نور أختي في مصيبة ولازم أروح لها حالا.
لو كنتي بتعملي حركة من حركاتك يا إهداء...
قاطعته تهتف بحدة ولهجة غير قابلة للنقاش:
حركة إيه؟ ماهو قدامك، كلمتني.
فجأة:
عموماً ممكن تنزلني هنا وأنا هتصرف.
أكيد مش قصدي كده، هاتي اللوكيشن علشان نروح.
أعطته الهاتف ليغير وجهتهم إلى مكان نور، ليهتف بتساؤل:
غريبة، هي ليه موجودة في المكان ده لوحدها؟
إهداء:
مش عارفة، هي عمالة تعيط وكلامها مش مفهوم. مسمعتش غير إنها كانت مع خطيبها ومش فاهمة إيه اللي حصل. خايفة يكون حصلهم حاجة على الطريق.
ياريت تسرع شوية، أنا خايفة عليها، نور مش بتعرف تتصرف لوحدها، هتقعد تعيط وبس.
متقلقيش، إن شاء الله هتكون بخير.
قبل تلك الأحداث بقليل.
فلاش باك.
تجلس بجواره في السيارة في طريقهم للعودة لمنزلها وتشغل إحدى الأغاني الرومانسية وهي تدندن معها وتقصد به الكلمات.
وضعت يدها على كفه وهي تبتسم وتتأمل ملامحه، بهايم وهو يبادلها النظرات والابتسام من حين لآخر.
وفجأة تغيرت تعبيرات وجهه وهو ينظر إلى كف يدها:
نور، فين دبلتك؟
إجابته بكل براءة:
بقالي يومين بدور عليها مش لاقيها ومتضايقة أوي يا ياسين، مكنتش عايزة أقولك علشان مضايقكش معايا.
ضغط على فرامل السيارة أوقفها بشكل مفاجئ أرعبها، لتهتف نور بفزع:
براحة يا ياسين، في إيه؟
ليصيح هو بغضب:
فيه إيه؟ إنتي بتتكلمي بالبساطة دي إزاي كده؟ وكأنك مش عاملة مصيبة؟ قال إيه ومرضيتش أضايقك، مرضتيش تضايقيني ولا علشان فاكراني مغفل مش هاخد بالي؟
نور:
فيه إيه يا ياسين؟ أنا عملت إيه لكل ده؟ كل الموضوع إنها مش فاكرة حطيتها فين وبدور عليها بس.
بتدوري عليها؟ ويترا باقي الشبكة موجودة ولا راحت لنفس الصايغ مع الدبلة؟
إنت بتلمح لإيه بالظبط؟
باللي فهمتيه، يترا دي خطة من خطط أختك المحترمة ولا طالعة من مين في العيلة؟ والمفروض بقى إن المغفل خطيبك يصدق الفيلم الهابط ده ويقولك فداكي، تعالي نجيب غيرها مش كده؟
تجمعت الدموع في عينيها، تجاهد في حبسها، ليخرج صوتها مبحوح وهي تحدثه:
لأ مش كده، إنت إزاي تفكر كده أصلاً؟ وباقي الشبكة موجودة، الدبلة بس علشان أنا لابسها على طول.
ولو إنتي لابسها على طول، إيه اللي ضيعها بقى ياهانم؟ مش المفروض هي موجودة في إيدك دي؟
أنهى جملتها وهو يمسك يدها يضغط عليها بشدة.
لتفلتها منه بقوة وهي تتألم وتتذمر بضيق:
إنت بتعمل كده ليه؟ إنت اتجننت؟ على فكرة أنا مسمحلكش تتهمني أنا أو أهلي إننا سرقنا الشبكة، ولا إلى بتعمله معايا ده دلوقتي.
صفق بيديه بعصبية وهو يغمغم بسخرية:
ما شاء الله، اتعلمنا البجاحة كمان! لأ وكمان بتشتمني!
نور:
أنا مش بشتمني بس...
صاح بصوت غاضب افزعها:
مش عايز أسمع كلام! نور، انزلي من العربية!
ارتسمت على وجهها أعتى علامات الذهول، تحاول استيعاب ما تفوه به:
ياسين، إنت بتتكلم بجد؟
مال بجسده ناحيتها يفتح الباب المجاور لها وهو يغمغم:
اتفضلي وانجزي، علشان مش طايق أشوفك دقيقة زيادة.
كانت كما هي تتطلع فيه بصمت، ليصرخ مرة أخرى:
اخلصي!
اجفلت نور على صوته ونزلت من السيارة سريعاً، لينطلق هو بأقصى سرعة ويتركها خلفه كأنها كيس قمامة لا أهمية له.
تركها على طريق خاص بسير السيارات فقط، لا يمكنها حتى أن تستنجد بأحد المارة، تركه وهو يعلم أن وقوفها هنا خطر من الأساس، ولكن لا يهمه، يتحجج أنه ثأر لرجولته، وهو أقل كلمة تقال في حقه من وصفه بكلمة رجل، أخطأ في حقه.
وقفت تبكي ولا تعلم ما تفعل، حاولت أن تقف جانبًا لتجنب اصطدام السيارات، لم يخطر على بالها سوى في ذلك الوقت سوا أختها تستنجد بها، وهي على يقين أنها لن تتخلى عنها.
..............................................
أمل، أنا مش رايحة معاكي على المكتب، عندي مشوار تبع قضية نسرين.
أمل:
مشوار إيه ده وفين يعني؟
مشوار كده للواد سعد اللي قلتلك عليه.
إنتي لسه برضوا ماشية وراء الموضوع ده يبنتي؟ مش هييجي من وراه حاجة.
يستى أنا ليا رأي غير ده، وحتى ريان اقتنع بوجهة نظري وجاي معايا.
تجعد جبينها لتهتف بتساؤل:
ريان؟ ريان مين؟
ضحكت إهداء بخفة وهي تغمغم:
إحنا نعرف كام ريان؟ هو ريان اللي جه في دماغك.
أمل:
وده من امتى بقى ليكي كلام معاه وآراء كمان؟ لأ وبقى فيه مشاوير بينكم كمان.
إهداء:
عادي يعني، مش من كتير كلمني بخصوص القضية دي وبنحاول نوصل لحاجة.
وعلي يعرف بالكلام ده؟
لأ ميعرفش ومش لازم يعرف يا أمل.
ريان بيتصل أهو، شكله خلص شغل، المهم دلوقتي أنا همشي، لو فيه حاجة في الشغل ابقي كلميني، أنا استأذنت من أستاذ راشد كده كده، سلام.
أنهت كلامها وهي تنصرف مبتعدة عن صديقتها، لتتأفف الأخرى بضيق وهي تغمغم:
ربنا يستر، قال بنتكلم علشان القضية وهي بتجري وراء مصلحتها والسلام.
خرجت إهداء تقف أمام مبنى المحكمة وتحدثه عبر الهاتف:
أيوة، إنت فين؟ منا مش شايفة.
خلاص متزعقش، إنت هتسوق فيها، فهمت؟ خلصنا.
تحركت من مكانها وهي تذهب للشارع المجاور، وأخيراً وجدته، فتحت باب السيارة وجلست على الكرسي المجاور لكرسي السائق وأغلقت الباب خلفها بقوة.
ليأتيها صوته يهتف بتحذير:
بصي يبت، إنتي علشان المشوار ده يخلص على خير، أولاً كده تتعاملي مع عربيتي بحرص أكتر من كده، إنتي مش بتقفلي باب بيتكم علشان ترزعها كده.
وثانياً، مش عايز أي سخافة من سخافتك علشان أنا طايقك بالعافية أصلاً بعد الموقف اللي حطيتينا فيه الصبح.
وثالثاً، تنفذي اللي قولته ده من غير كلام كتير.
رابعاً، ياريت منتكلمش مع بعض خالص ولا يكون في أي حوارات.
كانت تنصت له في صمت تنتظر إنهاء كلامه.
دفعت كام؟
أردفت معلقة عليه بكل هدوء:
فيه إيه؟
في السديهات اللي إنت ماسكها عليا؟ مش إنت برضوا حد بعتلك سديهات؟ ماهو مفيش حاجة تخليني أوافق على العبث اللي قولته ده غير لو ماسك عليا زلة مثلاً؟ ولازم حاجة كبيرة كدة علشان مستواي، إنت فاهم؟
قولتلك عدّي يومك على خير وبلاش خفة دم.
اعتدلت في جلستها لتلتفت له وتهتف بجدية:
بص هنتكلم جد، أنا عارف إني زودتها النهاردة، بس إنت اللي استفزتني بجد، خلينا نبدأ صفحة جديدة من دلوقتي ونركز إزاي نثبت براءة البنت دي.
تغيرت نبرة صوتها مرة أخرى للهجة محذرة وهي تتابع وتعدد على أصابعها:
بس متتجاهلنيش ولا تكلمني بأسلوبك المستفز.
أنا أسلوبي مستفز وإنتي أسلوبك إيه؟ شاي بالنعناع؟
لو إنت اتعاملت كويس أنا كمان هتعامل كويس.
عموماً، أنا معنديش مانع علشان أنا كده كده أسلوبي محترم وإنتي اللي علطول بتخليني أعمل تصرفات مش شبهي.
التفتت إلى الجهة الأخرى تنظر أمامها وهي تغمغم:
اطلع طيب، مش عايزين نتأخر.
وبالفعل تحرك ريان بالسيارة وساد بينهم الصمت لبضع دقائق، لتقطعه إهداء هاتفه:
صحيح، إنت قولت إيه لأخوك ومامتك الصبح؟
هقول إيه بس؟ ده إنتي حطيتيني في موقف عمري كله، يعني عمري ما عملت مصيبة في حياتي ولا كان ليا علاقة ببنات والجو ده، خليتي كريم عمل عليا حفلة النهاردة بسببك.
اضطريت أقولهم إنك محامية، اتعرفت عليكي بالصدفة عن طريق ناس أصحابنا واتعرفنا فترة، بس حسيت إني مش طايقك ومش عاجباني علشان عرفت إن عندك مشاكل عقلية، فقررت أبعد. بس إنتي بتطارديني في كل حتة وبتقولي لكل الناس إني جوزك ومش عارف أخلص منك إزاي.