في بعض الأحيان يكون الهروب حلًا لجميع مشاكلك، وإن لم تكن تعلم ماذا سيكون مصيرك وما القادم. فالهروب نجاة لكل شيء.
صراخ شقيقتها ملأ أرجاء المنزل. هي لا تعلم ما الذي يحدث، ولكن حدسها يخبرها بأن شقيقتها في مأزق وعليها إنقاذها. فوضعت المفتاح بالقفل تحاول فتحه.
جاءها صوت طرقات على الباب لينبعث الأمان بقلبها. استمعت إلى صوت وصال من الخارج وهي تقول بصوتٍ عالٍ عندما ثُرب صوت صراخ قدر إلى أُذنها:
_ أفتح يا سيد الباب وإلا قسماً بالله أبلغ عنك.
لترد رهف بصوت ممزوج بالبكاء:
_ يا وصال أنا بحاول أفتح الباب ومش عارفة.
غمغمت وصال بلهفة:
_ ركزي يارهف وهو هيفتح بسرعة عشان نلحق أختك.
أخذت تحرك المفتاح يمينًا ويساراً وهي تضغط بقوة لتنجح أخيراً بفتحه. فتبسمت من خلف الباب وأزاحت دموعها بيدها وقالت:
_ فتح يا وصال.
تركت وصال أغراضها أمام المنزل ودلفت للداخل وصعدت فوراً للأعلى ورهف خلفها. توجهت إلي حيث مصدر صوت قدر ووجدت سيد يجثو فوقها وهي تحاول التخلص منه بكل الطرق. نظرت وصال يمينًا ويسارًا لتجد عصاه خشبية بجانب باب الغرفة فأخذتها ودون تفكير ضربت سيد على رأسه بها ليسكن جسده، وتخمد حركته.
فأزاحته قدر من عليها وهي تنظر له فوجدت عينيه لم يغلقها بعد ويتمتم بكلمات غير مفهومة. مدت وصال يدها تجذب قدر قائلة:
_ يلا ياقدر خلينا نمشي من هنا.
كان نظر قدر معلقًا على سيد وعينيها تذرف الدموع صامتة لا تقو على شيء، ولا على الحراك. سحبتها وصال من يدها وهي تجرها خلفها فكانت تخطو معها كالمتغيبة.
آتاهم صوت رهف الخائف قائلة:
_ قدر أنتي كويسة؟
فتحدثت وصال على عجلٍ:
_ رهف روحي قدامنا على أوضة قدر هاتي خمارها والشنطة اللي بتروح بيها الجامعة بسرعة.
أومأت رهف وركضت سريعاً ناحية غرفة قدر لتأتي بخمار أسود اللون وحقيبة من نفس اللون وهبطت خلفهم وجدتهم واقفون أمام المنزل. مدت رهف يدها بالخمار لتعطيه لوصال قائلة:
_ الخمار أهو يا وصال.
أخذته وصال من يدها برفق لتضعه بعشوائية على رأس قدر بعدما أرجعت خصلات شعرها المنعكش للوراء، وقالت وهي تضم وجهها بكفيها:
_ قدر أنتي بخير مفيش حاجة حصلت فوقي خلينا نمشي من هنا بسرعة.
فرت دمعة هاربة من أُعين قدر لتعانق وصال بقوة وتشكر ربها بداخلها على النجاة فاليوم كادت أن تخسر ذاتها. أبعدتها وصال عنها قائلة بلهفة:
_ خلينا نمشي من هنا.
أومأت قدر برأسها قائلة:
_ تمام بس هو أكيد عارف بيتكم وهيجي.
وصال وهي تمسك بحقيبتها الملاقاه أرضًا، وتردد:
_ ما أحنا مش هنروح علي بيتنا.
وهمت قدر بقول شيءٍ ما، لتقاطعها وصال قائلة:
_ هحكيلك كل اللي حصل بعدين خلينا نبعد عن هنا دلوقتي.
غمغمت قدر قائلة:
_ تمام.
وأمسكت بيد شقيقتها وغادروا من أمام المنزل.
"بمنزل وصال"
قصت نجلاء حديثها هي والخادمة على زوجها ليقف غاضبًا وهو يقول:
_ كل اللي حصل ده بسببك لو أختي جرالها حاجة فأنتي السبب فاهمة!
فهتفت نجلاء بعصبية وهي تشوح بكفيها:
_ بقولك إيه يا أيمن مش كل حاجه تحصل مع أختك ابقا انا السبب فيها.
أخذ نفسًا عميقاً وخطا للأمام لتصبح هي خلفه وهو يوليها ظهره وقال في تريث:
_ نجلاء أطلعي من الأوضه بسرعة مش عاوز أشوف وشك.
فغمغمت نجلاء بإعتراض:
_ مش هطلع يا أيمن هقعد، وكمان دلوقتي هرن على أحمد أخليه يقلب الدنيا على أختك ويجيبها.
أستدار أيمن ونظر لها بحدة وقال ببرود وإزدراء:
_ خلصتي كلامك، يلا أطلعي برة، ولو عملتي أي حركة أو كلمتي حد هطلقك يا نجلاء فاهمة؟
أحتقن وجه نجلاء بالغضب ومن داخلها لعنت وصال ألف مرة، خرجت من الغرفة وصفعت الباب خلفها بكل قوة لتتكأ عليه قائلة:
_ الحمدلله أنها مشيت، ليها سنين قعدة على قلبي مش عارفة اقعد في بيتي على راحتي وياريت ما ترجع تاني.
لا يعلموا كم مر من الوقت وهم يسيرون على أقدامهم، هائمون على وجوههم، نبذتهن الدنيا وأعز الناس. فقاطع الصمت السائد صوت رهف الطفولي وهي تقول:
_ أنا تعبت من المشي، مش هنقعد بقا؟
نظرت لها وصال فربتت على شعرها الأسود وتابعت وهي تؤشر إلي مكانا ما:
_ شايفين في سوبر ماركت فاتح هناك تعالوا نشتري أي حاجة ناكلها ونستريح شوية وكمان نفكر هنروح فين يلا.
أسرعت خطواتهم للأمام، ليجدوا أَنُفسهم واقفون أمام رجل بعمر الستون. فألقت وصال السلام عليه فنظر إلي هيئتهم ليرد هو بإبتسامة ووجه بشوش قائلاً:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يابناتي محتاجين أي مساعدة؟
ردت وصال بإبتسامة قائلة:
_ هنشتري بس شوية حاجات ولو ممكن بس البنت الصغيرة تقعد تستريح شوية من المشي.
أجابها الرجل ببشاشة مرحبًا:
_ يا مرحب بيكم من عيني يابنتي.
أستدار الرجل خلفه وجاء بثلاث كراسي مشتبكون ببعضهم فوضعهم بجانب بعض ونظر لهم وهو يؤشر على المقاعد قائلاً:
_ اتفضلوا.
جلسوا الفتيات فتابع هو متسائلاً:
_ أنتو شكلكم أغراب عن هنا.
ردت قدر قائلة:
_ لا أحنا ساكنين قريب من هنا.
تحدث الرجل خوفاً عليهم:
_ أنتو زي بناتي وأحنا دلوقتي فنص الليل، إيه اللي يخليكم تطلعوا من البيت.
ردت رهف سريعاً:
_ عمو سيد كان بيضرب قدر وجات وصال انقذتها وهربنا منه.
وكزتها وصال بكتفها. فقال الرجل بدهشة مما سمعه:
_ شكلكم واقعين في مشكلة لو حابين تحكوا فأنا هسمعكم.
صمت الجميع فتحدثت وصال بالأخير:
_ مامت قدر أتوفت من تلت أيام والحقيقة أنه جوزها طردها و احنا مش عارفين نروح فين حضرتك تعرف أوتيل قريب من هنا.
أخذ الرجل يضرب كفا بكف وهو يحوقل قائلاً:
_ لا حول ولاقوة الا بالله، أنا والله يابنتي راجل على باب الله ومش عارف حاجه مات ابني ومراته من ست شهور وسابوا طفلين بنربيهم أنا والحجة وربنا يعينا ويعينكم.
ردت قدر بإشفاق عليه:
_ ربنا يعينك ويقويك ياحج.
فرد مبتسما:
_ يارب يابنتي طيب انا عندي حل، باتوا هنا النهاردة إيه رأيكم؟
نظرت وصال حولها إلي المكان فهو محل صغير كيف و أين سيناموا؟ وهل تأمن؟ وكأن الرجل فهم ما يدور برأسها فهتف قائلاً:
_ أنا هجيبلكم فرشة تناموا عليها مكانكم هنا، أنا عارف المكان ضيق بس ده اللي في أيدي والله يابنتي لو بيتي كان يسع الكل كنت هخدكم أكيد.
هذه المرة تركت قدر صمتها جانبًا فتحدثت بنبرة هادئة تبعث الأمان بالقلوب:
_ ده تدبير ربنا لينا كنا بنفكر هنروح فين و هنعمل إيه والحمدلله أننا مشينا فالطريق ده ولاقينا حضرتك ياعمي.
أبتسم الرجل وأجاب:
_ أسمي عبدالله يابنتي، هروح أجيبلكم حاجة تناموا عليها و اجي البيت قريب هنا.
ردت عليه قدر بشبه إبتسامة:
_ تسلم ياعم عبدالله.
خرج الرجل وتركهم فتحدثت رهف قائلة:
_ قدر أنا جعانة.
نظرت لها وقالت:
_ حاضر ياحبيبتي الراجل يجي ونشتري منه كام حاجة وناكلها.
هزت الصغيرة برأسها دلالةً على موافقتها. بعد قليل عاد الرجل وهو يحمل غطاء ووسادة. استقامت قدر واقفة وهي تمد يدها تأخذهم منه قائلة:
_ تسلم ايدك ياعم عبدالله.
بينما وصال وضعت الكراسي جانباً وقال الحج عبد الله لها:
_ أفرشي يابنتي وانا هقفل عليكم من برة وهفتح الصبح الساعة 7 وفي هنا عصاير وبسكوت خدوا اللي انتو عاوزينه يابنتي ومش هاخد حقه منكم.
ردت قدر قائلة:
_ حقك محفوظ ياعمي عندنا وعند ربنا، جزاك الله خيراً وبارك في عمرك.
رد عبد الله ببسمة وهو يهم بالمغادرة:
_ وإياكم يابنتي، تصبحوا على خير.
ردت قدر عليه فخرج هو وأغلق الباب خلفه من الخارج.
امسكت قدر بالفراش قائلة:
_ امسكي ياوصال معايا خلينا نفرش وانام شوية.
امسكت وصال معها ووضعوا الغطاء أرضا والوسادة فوقه جلسوا ثلاثتهم وقالت رهف مرة أخرى:
_ إيه مش هناكل حاجه بقا؟
فضحكت وصال واردفت:
_ روحي هاتي وهاتيلنا معاكِ.
بمنزل شقيق وصال كان يغط في سبات عميق وزوجته بجانبه مستيقظة. أعتدلت بجلستها قليلاً وهي تنظر له تتأكد ان كان قد نام. فأزاحت الغطاء من عليها واستقامت واقفة. ألتقطت هاتفها الذي كان أعلى الطاولة الصغيرة بجانب الفراش وخطت ببطء على أطراف أصابعها حتى خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها. دلفت إلى إحدى الغرف المجاورة وضغطت على شاشة هاتفها لتضيئ وأخرجت أسم أحمد من سجل مكالماتها وضغطت أتصال وانتظرت قليلاً حتى آتاها صوت شاب قائلاً:
_ خير يانجلاء حد يرن في الوقت ده.
لوت نجلاء فمها وردت قائلة:
_ مش وقت كلامك البايخ دلوقتي، البنت وصال سمعتني أنا وأيمن واحنا بنحكي أننا هنمضيها على تنازل بالأسهم بتوعها وهربت من البيت وانا عاوزاك تقلب الدنيا عليها وتلاقيها.
أحمد بلامبالاة:
_ وانا مالي بالموضوع ده ما تهرب ولا تروح في داهيه البنت مش طايقة تشوفني أصلاً، وبعدين تلاقيها عرفت أني أتقدمتلها قبل كده عشان فلوسها.
نجلاء بصوت منخفض:
_ أنا بقا عاوزاك تدور عليها عشان فلوسها هنمضيها غصبًا عنها ومتقلقش هراضيك.
تبسم أحمد بمكر وتمتم بخبث:
_ اه الحكاية فيها مصلحة يعني، ان كان كده موافق من بكرة هقلب عليها الدنيا.
ابتسمت نجلاء برضا ورددت قائلة بملامح شيطانية:
_ أكيد راحت بيت قدر، وكده تبقا أنت عرفت هتلاقيها فين.
أجابها أحمد بظفر:
_ تمام يا بنت خالتي محلولة، وأنهى المكالمة دون إضافة شئ.
بينما نظرت نجلاء للهاتف بغيظ قائلة:
_ الغبي قفل السكة فـ وشي، وتراخت ملامحها وهي تبتسم وتمتمت قائلة:
_ المهم انه وافق، لازم أرجع دلوقتي لـ أيمن يصحى.
"بمنزل سيد"
واقفًا شاب بمنتصف العمر وهو ينظر لباب المنزل بأستغراب وقال متحدثاً مع نفسه:
_ الباب ده مفتوح كده ليه معقول يكون في حاجه حاصلة معاه غريبة، بنات مراته كمان عايشين معاه، الأفضل أدخل أشوف في إيه.
ولج الرجل للداخل وهو ينادي بأسم سيد ولكن لم يأتيه رد فتوقف أمام درجات السلم حائراً يفكر هل يصعد للأعلى ام يذهب ويعود في الصباح فقال بصوت مسموع:
_ خليني أطلع اشوف في إيه يمكن محتاجين مساعدة.
صعد درجات السلم ووقف عند أول غرفة نظر بداخلها فلم يجد أحد، فتقدم باحثًا في الثانية لتقع عينيه على سيد الملقي أرضاً فقال وهو يخطوا للداخل:
_ إيه اللي قلب الأوضة دي كده معقول كان في حرامي؟!
ومال بجزعه وهو يضرب سيد على وجهه برفق وينادي بأسمه قائلاً:
_ سيد، سيد، أنت إيه اللي عمل فيك كده؟
حرك سيد عينه وفتحها ببطء الرؤية مشوشة أمامه، أسند يده أرضًا يحاول الأعتدال فساعده الرجل وجلس وظهره متكأ على الحائط خلفه وتحدث الشاب:
_ أنت شكلك مزود فالشرب حبتين، هما فين بنات مراتك؟
هنا وأسترجع سيد كل ما حدث منذ قليل فقال وهو يحاول الوقوف:
_ ساعدني يا إسلام بس عاوز اقوم.
أمسك إسلام يده فوقف سيد وهو يضع يده خلف رأسه يتحسس موضع الضربة فوجدها متورمة وسب وصال بداخله. فقال الشاب متعجباً:
_ أنت حد ضربك على راسك ولا إيه؟
نفى سيد بكذب:
_ لا أنا وقعت ده كل اللي حصل، أنت كنت جاي ليه في حاجة.
إسلام وهو يجذبه من يده:
_ تعالَ كده ياعم أغسل وشك وفوق ونبقا نحكي.
دلف سيد إلي المرحاض دون التفوه بشيء وانتظره إسلام جالسا على طرف الفراش. وبعد قليل خرج مترنحاً، فقال إسلام عندما رآه:
_ شكلك دايخ أخدك على المستشفى؟
تقدم سيد منه وجلس بجانبه وقال:
_ لا هبقا كويس مقولتش انت كنت جاي ليه.
تنهد إسلام وقال:
_ رنيت عليك كتير و مردتش، لاقيتلك مشتري للبيت والسوبر ماركت وهو عاوز يخلص كل حاجه بكرة وهيدفع كاش إيه رأيك.
أرتسمت إبتسامة على وجه سيد قائلاً:
_ كويس أوي بكرة نخلص الموضوع ده.
وثب أسلام قائماً وهو يقول:
_ طيب هقوم أمشي أنا دلوقتي.
هز سيد رأسه ولم ينبس ببنت شفة وانصرف إسلام.
قصت وصال ما أستمعت إليه من أخيها وزوجته حتى جائها صوت قدر وهي تقول:
_ معقول حاسة إن في حاجة ناقصة، أخوكي أيمن باين عليه أنه شخص كويس مش ممكن تكوني فهمتي غلط.
ردت وصال بحنق:
_ غلط إزاي بس ياقدر انا سمعتهم بنفسي محدش قالي، الأكيد أنهم هيقلبوا عليا الدنيا دلوقتي.
ربتت قدر على فخذها وهي تقول:
_ مش عارفة أقولك إيه بس ربنا ليه حكمة فكده.
أبتسمت وصال لها قائلة:
_ من النهاردة طريقنا واحد، أحنا بنكمل مع بعض ياقدر الحمد لله أننا أتقابلنا وأننا مع بعض دلوقتي.
همست قدر بصوتٍ خفيض:
_ الحمدلله، خلينا دلوقتي نلحق ننام ساعتين يلا، والصبح نمشي عاوزين نبعد عن هنا.
أومأت وصال برأسها ولم يمضي الكثير من الوقت ليحلق شبح النوم فوقهم.
الحياة الغريبة، والأكثر منها غرابة هؤلاء من نظنهم أحبتنا فيغدروا بنا مع أول غضت بصر.