أتى الصباح بنوره والشمس تتوسط عِنان السماء تبعث الدفء لما أسفلها، ها هو يومًا جديد بداخله العديد من الأحداث التي لا نعلم عنها شئ.
دقت الساعة السابعة صباحاً وقف عبدالله أمام محله وطرق أولاً على الباب قبل أن يفتح، حتى يستعدوا الفتيات.
فاقت رهف على إثر الصوت، وأعتدلت في جلستها، وتلفتت حولها حتى استدركت أين تكون، وما حدث بالأمس. وضعت يدها على كتف شقيقتها وهزتها ببطء وهي تُردد اسمها.
فانتفضت قدر برعبٍ دب في أوصالها وهي تعتقد إنه سيد. فأتاها صوت رهف الطفولي، وهي تسألها في خوفٍ:
_ دي أنا ياقدر خوفتي ليه؟!
تسلل الأمان إلى قلبها وأومأت بصمت. بينما فاقت وصال على سماع صوتهم وقالت وهي تضع يدها على فمها وتتثأب:
_ صباح الخير يا بنات.
كادت قدر أن ترد فقاطعها صوت طرقات العم عبدالله. فمدت قدر يدها وألتقطت خمارها واستقامت واقفة وهي تقول:
_ صحينا أهو يا عم عبدالله.
فرد عبدالله من خلف الباب:
_ على مهلكم يابنتي انا قلت أخبط الأول اشوفكم صاحيين ولا لأ بدل ما افتح عليكم كده.
هزت قدر رأسها من خلف الباب قائلة:
_ جزاك الله خيراً يا عمي أستأذنك دقيقتين وافتح.
فأجابها عبدالله بصوتٍ رخيم:
_ حاضر يا بنتي.
نظرت قدر إلى وصال ورهف وقالت بغضب طفيف:
_ يلا قوموا أنتو لسة قعدين خلينا نلم الفرشة دي عشان الراجل يشوف رزقة.
وقفت رهف ووصال وقاموا بتطبيق الفرش ووضعهم جانباً.
فنادت قدر من الداخل:
_ أفتح ياعم عبدالله.
فمال عبدالله واضعًا صينية الطعام جانبًا، ومال معالجًا مزلاج الباب، ثم سحبه لأعلى فقد كان الباب من المعدن الذي ينفتح من أسفل إلى الأعلى والعكس إذا أُغلق.
ومال مرة أخرى يلتقط الصينية، ودلف للداخل وقال بوجهٍ بشوش:
_ الحجة أرزاق لما عرفت أن عندنا ضيوف حلفت أنكم مش هتمشوا من غير فطار.
كادت قدر أن تتحدث لتسبقها وصال قائلة:
_ كده كتير ياعم عبدالله وكفاية أستقبالك لينا مش عاوزين نتقل عليك أكتر من كده.
مال عبدالله بجزعه ووضع الصينية أمامهم وقال:
_ دي أقل حاجة يابنتي ومش عاوز أسمع أعتراض من حد فيكم.
فتبسمت قدر لهذا الرجل الطيب، قائلة:
_ تسلم ياعم عبدلله، بس الأول هناخد قزازة مية نغسل وشنا منها.
أومأ عبدالله برأسه قائلاً:
_ أنا ومكاني البسيط تحت امركم.
غمغمت قدر قائلة:
_ الأمر لله ياعم عبدالله.
ومرت من أمامه وخلفها وصال ورهف. وألتقطت زجاجة مياه من الثلاجة المليئة بالعصائر والمشروبات الباردة. ووقفوا خارجاً فصبت وصال المياه بيد قدر التي نثرتها على وجهها وتكررت الحركة مع ثلاثتهم. ومن ثم دلفوا للداخل وتناولوا بعض اللقمات وبعد الأنتهاء وضعوا الأطباق جانباً.
فقالت قدر بود:
_ ربنا يبارك في عمرك أنت والحجة أرزاق وربنا يجعل عملك الصالح ده في ميزان حسناتك جعلك الله من أهل الجنة.
رد عبدالله بوجه بشوش مبتسم:
_ والله يابنتي بعد دعواتك الجميلة دي مش عاوز حاجه من الدنيا تاني، ربنا يسعدكم ويحفظكم. وكمان انتو ممكن تقعدوا هنا لحد ما أموركم تدبر.
ابتسمت قدر قائلة:
_ لا أحنا هنمشي تسلم ياعمي.
أخذت كلاً منهم حقيبتها، وابتعدت قدر ووقفت جانباً وهي تنظر داخل حقيبتها فأخرجت فئة من المئتان ولفتها.
أقتربت منها وصال وقالت بصوت منخفض كي لا يصل للعم عبدالله:
_ أنا عاملة حسابي لكده. ومدت يدها بورقات المال لقدر وتابعت: خلي اللي طلعتيه معاكي.
فهمست قدر بنفي:
_ لا يا وصال حتى لو مش معايا كتير فأنا لازم أطلع كفاية وقفته معانا.
أومأت وصال تؤكد قولها، وغمغمت بتريث:
_ تمام وخدي دول برضه أديهم ليه.
أخذتهم قدر وأمسكت وصال بحقيبتها ليقفوا أمام عبدالله الذي كان واقفا خلف طاولة صغيرة ممسك بدفتر وقلم. فنطقت قدر اسمه جاذبة انتباهه:
_ عم عبدالله.
رفع الرجل وجهه ناظراً لها.
فأسترسلت قائلة وهي تمد يدها بالمال له:
_ دي حاجة بسيطة مننا.
تحدث الرجل بنظرات معاتبة قائلاً:
_ برضه كده يابنتي، أنا مش هقبل بكده.
فقالت قدر بإصرار:
_ ربنا جعلنا أسباب لبعض ياعم عبدالله ودول بعتهم ليك ربنا فأرجوك مترفضش.
عبدالله بإعتراض:
_ بس يابنتي.....
قاطعته وصال قائلة بمرح:
_ متحاولش ياعم عبدالله قدر أعند شخص فالدنيا ومش هتمشي ولا تتنازل غير لما حضرتك تاخد المبلغ البسيط ده.
نظر الرجل ليد قدر الممدودة ورفع نظره لها، فأماءت هي برأسها تحثه على أخذهم، فألتقطهم الرجل من يدها بإحراج. تبسمت له قدر وألقت السلام وخرجن الفتيات بعدما رد عبدالله السلام عليهن.
أبتعدوا الفتيات عن أنظاره فأخذ يعد المال الذي بيده بأعين دامعه وقال وهو رافعا نظره للأعلى:
_ سبحانك ربي أنا كل اللي طلبته منك ٥٠٠ عشان أدفع إيجار الدكان وأنت أكرمتني بألف و مائتين. ورفع يده بالمال يقبله ويحمد الله على ما أعطى.
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
هبط سيد من سيارة الأجرة امام منزل وصال واعطى السائق اجره وتقدم بأتجاه الفيلا وهو يغمغم بهوس:
_ هاخدك يقدر ونبعد عن هنا، أنا بعت البيت والهايبر والفلوس اللي معايا ياحبيبتي كلها ليكي وأنتي ليا.
أمام فيلا وصال كان يجلس رجل بجلباب صعيدي على كرسي بجانب الباب ورأى سيد وهو يتقدم نحوه وشفتاه تتحرك يحدث نفسه.
فضرب كفٍ بكف وهو يقول:
_ ده شكله مجنون ولا إيه، لا وكمان جاي عليا ربنا يستر.
أصبح سيد أمامه وقال بصوت اجش:
_ عاوز أشوف وصال هانم روح قولها.
أعتدل الرجل واقفًا أمامه، وهو يقول بتحفز:
_ الانسه وصال مفيش، أقولها مين.
سيد بأسلوب فظ:
_ هي اللي قالتلك تقول كده، أدخل قول لها سيد مش هيسكت على عملتك وهاخد قدر يعني هاخدها.
غمغم الرجل بحنق:
_ لا اله الا الله، ياعم قولنا مفيش الست وصال ولا قدر صحبتها جات هنا ليها فترة.
فدفعه سيد من أمامه وهو يهتف:
_ أنا هدخل بنفسي أتأكد ان كانت هنا أو لأ.
قال عبارته وانطلق للداخل، فلحق به الرجل مناديًا:
_ يا أستاذ أنت ميصحش كده.
وخرجت نجلاء على سماع صوتهم فقالت وهي تتفحصه من قمة راسه لأخمص قدمه:
_ إيه اللي بيحصل هنا، إيه الشوشرة دي يا إسماعيل.
هتف إسماعيل:
_ ياست هانم الراجل ده عاوز يشوف الست وصال وقولتله مش هنا، قال هدخل أتأكد بنفسي.
فصرفته نجلاء وهي تؤشر بيدها، قائلة:
_ خلاص روح أنت.
غادر إسماعيل إلي الخارج بينما وقفت نجلاء تحدق سيد بنظرات نارية وقالت:
_ وياترى أنت تعرف وصال منين.
أجابها سيد بإمتعاض:
_ بقولك إيه ياست أنتي أنا جاي اخد قدر وماليش دعوة بوصال ولا غيرها روحي هاتيها من جوة بدل ما ادخل أنا.
ضيقت نجلاء حاجباها وقالت:
_ عاوز تفهمني أن وصال مش عند قدر دلوقتي.
هتف سيد بحدة:
_ لأ وصال جات امبارح وخدتها.
صمتت نجلاء، تفكر أين قد تكون ذهبت تلك الفتاة. فقطع سيد شرودها وقال بصوتٍ عال:
_ انتي ياست أنا الحد دلوقتي واقف وبتكلم بحترام غير كده هغلط فيكي.
نظرت له نجلاء بإشمئزاز قائلة:
_ تغلط في مين أنت أتجننت، لا وصال ولا قدر هنا وأمشي من هنا بدل ما ابلغ عنك واقولهم إنك خاطفهم.
رفع سيد سبابته أمام وجهها وقال بتهديد:
_ همشي بس لو عرفت ان قدر جوة لا هرحمك ولا هرحم وصال سلام ياقطة.
ألقى جملته تلك وغادر تحت أنظارها. فتقدم منها إسماعيل وهو يقول:
_ ست نجلاء الراجل ده جوز والدة الانسه قدر وصلها فمرة لهنا والحقيقة شكله كان بيدايقها و....
نجلاء بضيق:
_ خلاص،خلاص انت هتحكيلي قصة حياتها.
قالت جملتها تلك وأولته ظهرها وولجت للداخل.
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ♥
عند قدر ووصال مازالوا يسيرون هائمين دون وجهه في الطرقات فقالت قدر بصوتٍ ضعيف:
_ هنروح فين يا وصال و هنعمل إيه أحنا بنات و لوحدنا.
أجابت وصال قائلة:
_ هنروح عند خالتي سامية في اسكندرية.
أبطأت قدر في سيرها ونظرت لها وأردفت:
_ بس أنتي قولتي ان والدتك كانت وحيدة أمها وأبوها.
أومات وصال:
_ أيوة فعلاً، خالتي سامية هي اللي كانت بتهتم بيا بعد وفاة ماما وبابا وهنروحلها وهي عايشة لوحدها.
هزت قدر رأسها:
_ فهمت بس أنتي عندك عنوانها وكلمتيها الأول.
أردفت وصال:
_ أيوه أنا عارفة عنوانها بس الحقيقة رقمها ضاع من عندي ومش هنعرف نتواصل معاها بس أطمني ومتقلقيش تمام.
بزفير التوتر وقلة الحيرة أردفت قدر:
_ ماهو للأسف مفيش حل تاني فتمام خلينا نروح على المحطة.
فتلك اللحظة كانت ستمر أمامهم سيارة أجرة فأوقفتها وصال بإشارة من يدها وصعدوا بها بعدما أملت السائق العنوان.
صلِّ على محمد🌼🤍
عند أحمد كان واقفا أمام منزل قدر عازمًا على العودة بعدما أخبره أحد الجيران بأن المنزل قد تم بيعه. علا صوت رنين هاتفه فأخرجه من جيب بنطاله وهو ينظر لشاشته ليجد اسم "نجلاء".
أستقبل المكالمة واجاب قائلاً:
_ أنتي بتشتغليني يانجلاء وصال مفيش هنا وبيت صاحبتها ده اتباع بعد وفاة والدتها.
نجلاء بنبرة حادة:
_ عشان كده انا رنيت عليك جوز والدة قدر كان هنا من شوية جه يدور عليها عند وصال.
أحمد بحدة:
_ يعني إيه الكلام ده.
نجلاء وقد هدئ صوتها:
_ يعني قدر ووصال هربوا مع بعض.
هتف احمد قائلاً:
_ وايه العمل دلوقتي.
أجابت نجلاء بتريث وتفكير:
_ قعدت شوية افكر ممكن يكونوا راحو فين و....
قاطعها أحمد ساخرًا:
_ ها وعرفتي.
جزت نجلاء على أسنانها وقالت بغيظ:
_ اه عرفت مفيش غير سامية دي كانت دادة وصال ومشيت بعد ما اتجوزنا أنا وايمن متأكده انها هناك.
لوى أحمد فمه قائلاً:
_ وإيه الثقة دي العصفورة جات قالتلك.
نجلاء بحدة:
_ أحمد انا متأكدة من كلامي وصال ما تعرفش حد وصاحبتها دي كمان تعتبر مقطوعة من شجرة دلوقتي.
أستطرد أحمد حديثه قائلاً:
_ وإيه الحل دلوقتي.
اردفت نجلاء قائلة:
_ تنزل اسكندرية والنهاردة ومترجعش غير وأنت فأيدك ست وصال فاهم، وهبعتلك العنوان بالتفصيل على الواتس.
أحمد بإمتعاض:
_ هعمل كده، بس كل مليم هصرفه هاخده منك الضعف.
زفرت نجلاء بعمق قائلة:
_ تمام يا أحمد تمام.
أغلق أحمد الهاتف بوجهها دون ان يتفوه بحرف أخر.
أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه 🌼
كان سيد عند صديقه إسلام ماسكًا كأس من الخمر جالسون مقابل بعضهم على إحدى الطاولات فقال وهو يحاول فتح عينه من شدة أثر المشروب:
_ أصبلك كاس.
إسلام بإشمئزاز:
_ لا يعم مش بشرب أنا، بس اتفجأت لما لاقيتك رجعت قلت جاي يرجعلي الفلوس ويقول مش عاوز أبيع بعد ما خلاص مضينا العقود.
رد سيد مترنحًا:
_ معرفتش أروح فين فرجعت.
إسلام بشك:
_ أنت مش على وضعك ياسيد انت خبط بابي على ستة عشان تمضي وتاخد فلوسك، هما بنات مراتك فين.
سيد بدون وعي:
_ هربوا بس هلاقيهم، انا كل ده عملته عشانها، بس برضه مش هتكون لحد غيري.
حدجه إسلام بنظرات مليئة بالشك ووثب واقفًا وهو يقول:
_ طيب همشي أنا يا سيد ورايا شغل البيت بيتك.
هز سيد رأسه وهو يحتسي الكأس الذي بيده على دفعة واحدة، بينما غادر إسلام منزله.
وضع سيد الكأس الذي بيده أعلى الطاولة وألتقط الزجاجة واعتدل في جلسته ليلقي بجسده كاملاً على الأريكة وقال وهو يتحدث إلى الزجاجة كأنها كائن حي:
_ كالخمر أنتي تجعلينني مسطولًا أن نظرت لكِ فكيف حالي إذا أرتشفت منك القليل ياقدري.
اللهم أغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب🤍
أمام محطة القطار واقفة قدر تشتري بعض المأكولات لرحلتهم وبجانبها رهف. فتقدمت منهم وصال قائلة وبيدها ثلاث تذاكر:
_ عشر دقايق والقطر هيطلع.
هزت قدر رأسها:
_ وأنا أشتريت شوية حاجات ومية عشان الطريق هيبقا طويل علينا.
في نفس الوقت وصل أحمد أيضاً وكان واقفا بالقرب منهم فتقدم منه شاب بنفس عمره قائلاً:
_ مفيش تذاكر والقطر هيطلع على تسعة، بس في قطر تاني هيطلع على 12 حجزت فيه.
لوى أحمد فمه قائلاً:
_ تمام تعالى يا بهاء نستنى في الكافتيريا لحد ما يجي.
غمغم بهاء:
_ تمام يلا بينا.
عند وصال هتفت قائلة:
_ تعالوا نقعد على جنب لحد مايجي.
وكادوا أن يخطو حتى أحست قدر بيد أحد على كتفها.
فتوسعت أعين وصال قائلة وقد دب الرعب بقلبها:
_ أحمد.......