تحميل رواية «حين يخدع الحب» PDF
بقلم الكاتبة مايو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
المطر كان خفيف، مجرد رذاذ بيلمع تحت إضاءة الشارع الصفراء. الجو فيه برودة خفيفة، لكنها مش هي اللي خلت ليان تحس برجفة غريبة وهي واقفة قدام باب الكافيه. ضغطت على حافة الكوفية بتاعتها، غطت نص وشها بيها وهي بتاخد نفس عميق. كانت بتحب المكان ده، بس النهارده كان مختلف. فيه توتر مش مفهوم، إحساس غريب بيزحف جواها وهي مش قادرة تحدد مصدره. كل اللي كانت عارفاه إنها محتاجة لحظة تفكير قبل ما تتحرك. الشارع كان لسه فيه شوية حركة، عربيات معدية، ناس رايحة جاية، وأصوات مختلطة بين ضحك وكلام مكملتش معانيه في ودنها. بس...
رواية حين يخدع الحب الفصل الأول 1 - بقلم الكاتبة مايو
المطر كان خفيف، مجرد رذاذ بيلمع تحت إضاءة الشارع الصفراء. الجو فيه برودة خفيفة، لكنها مش هي اللي خلت ليان تحس برجفة غريبة وهي واقفة قدام باب الكافيه.
ضغطت على حافة الكوفية بتاعتها، غطت نص وشها بيها وهي بتاخد نفس عميق. كانت بتحب المكان ده، بس النهارده كان مختلف. فيه توتر مش مفهوم، إحساس غريب بيزحف جواها وهي مش قادرة تحدد مصدره. كل اللي كانت عارفاه إنها محتاجة لحظة تفكير قبل ما تتحرك.
الشارع كان لسه فيه شوية حركة، عربيات معدية، ناس رايحة جاية، وأصوات مختلطة بين ضحك وكلام مكملتش معانيه في ودنها. بس وسط كل ده، كان فيه حاجة تانية… إحساس بالترقب، كأنها مستنية حاجة تحصل. أو يمكن، مستنية حد.
الباب اتفتح، ولحظة واحدة كانت كفاية علشان تدرك إن حد خارج بسرعة. قبل ما تلحق تتحرك، حسّت بالاحتكاك البسيط لما كتف حد خبط فيها. الخطوة كانت مفاجئة لدرجة إنها سابت الباب يرجع لوضعه بسرعة وهي بترفع عينيها للشخص اللي قدامها.
"آسف، مكنتش واخد بالي."
الصوت كان هادي، فيه نغمة واثقة لكنها مش مغرورة. عيونه البنية وقفت عندها لحظة، كأنها مألوفة له بشكل ما، لكنه مش متأكد. كان طويل، لابس جاكيت أسود وكأنه جزء من العتمة اللي حوالين المكان، نظراته ثابتة بس مش متطفلة… فيها نوع من الحذر، أو الفضول؟
هي فضلت ثابتة، قلبها بيدق بهدوء، مفيش انفعال، مفيش تسرع.
"عادي، مفيش مشكلة."
هو أخد خطوة للوراء، عينه لسه مركزة عليها للحظة، وبعدين عدّل ياقة الجاكيت بتاعه ونزل على السلالم. خلّف وراه ريحة عطر خفيفة… ريحة كانت مألوفة أكتر من اللازم.
ليان فضلت واقفة مكانها، لحظة صمت طويلة. عينيها تابعت خطواته لحد ما اختفى وسط الناس، وبعدها أخدت نفس طويل، كأنها كانت حابسة أنفاسها من غير ما تحس.
مدّت إيديها في جيب البالطو بتاعها، أصابعها لمست ورقة صغيرة، ملمسها كان خشن شوية، وكأنها قديمة… أو متعمدة تكون بالشكل ده. سحبتها بهدوء، فتحتها بعينيها قبل صوابعها، ولحظة واحدة بس كانت كفاية علشان ضربة قلبها تبقى أسرع.
الكلمات كانت قليلة، بس كانت كفاية علشان تعرف إن الليلة دي مش مجرد ليلة عادية.
"مرحبًا مجددًا."
حركة واحدة كانت كفاية إنها تلف وشها بسرعة، لكن الشارع كان فاضي… أو على الأقل، مفيش حد واقف يبص لها مباشرة.
لكنها كانت عارفة… في حد هناك. حد شافها. حد مستني الخطوة اللي بعدها.
وفي اللحظة دي، ابتسمت. ابتسامة خفيفة جدًا… كأنها ابتسامة حد كان مستني اللحظة دي من زمان.
لأنها كانت عارفة… إن مفيش حاجة بتحصل بالصدفة.
رواية حين يخدع الحب الفصل الثاني 2 - بقلم الكاتبة مايو
الورقة كانت لسه في إيدها، أصابعها بتضغط عليها لا إراديًا، كأنها بتحاول تستوعب إن اللي مكتوب ده حقيقي.
"مرحبًا مجددًا."
مجددًا؟! الكلمة دي لوحدها كفاية تخلي عقلها يلف بسرعة.
حست برجفة خفيفة، مش من البرد، لكن من الإحساس إن حد شايفها… أقرب مما تتخيل. رفعت عينيها، بصت حواليها، الوجوه طبيعية، ناس ماشية في حالها، ولا كأن فيه حاجة غريبة بتحصل، بس هي حاسة… حاسة إن فيه حد بيراقبها.
خدت نفس عميق، حطت الورقة في جيبها، وبخطوات محسوبة بدأت تمشي. مش بسرعة، مش بهدوء زيادة عن اللزوم، طبيعية جدًا… أو ده اللي كانت بتحاول توصّله لأي حد بيتابع تحركاتها.
بس الحقيقة؟ قلبها كان بيدق بسرعة، مش من خوف… لأ، من حماس غريب. إحساس حد كان مستني حاجة تحصل… وحصلت.
في اللحظة دي، موبايلها اهتز في جيبها.
طلّعته بسرعة، بصت على الشاشة… رقم غريب.
فتحت الرسالة، وعينيها جريت على الكلمات القليلة اللي كانت كفاية تخلي كل حاجة حواليها تبطأ.
"مش كل الحكايات بتنتهي لما نفتكرها انتهت."
وقفت. المرة دي فعلًا وقفت.
عينيها اتحركت بهدوء، مش بتدور على حد بعينه، بس بتحاول تحس… تشوف أي حركة مش طبيعية، أي حد باصص عليها أكتر من اللازم.
بس كل حاجة طبيعية. الناس ماشية، الشارع زي ما هو، حتى الهوا الساقع لسه بيحمل نفس الإحساس… بس هي عارفة، عارفة إن اللحظة دي مش عادية.
عقلها بدأ يشتغل بسرعة، مفيش غير احتمالين… يا إما دي صدفة، وده مستحيل، يا إما…
ابتسمت. ابتسامة خفيفة جدًا، شبه اللي كانت على وشها من شوية.
"اللعبة بدأت."
ومع آخر الكلمة، كانت بتتحرك، مش بنفس الطريق اللي كانت ناوية عليه، لكن بطريق مختلف… طريق كانت متأكدة إنه هيقربها أكتر من الإجابة اللي بتدور عليها.
لأنها عارفة… مفيش حاجة بتحصل بالصدفة.
رواية حين يخدع الحب الفصل الثالث 3 - بقلم الكاتبة مايو
خطواتها كانت هادية، لكنها مش عشوائية. كل حركة كانت محسوبة، كل لفة كانت مقصودة. كانت حاسة إنها مش لوحدها، حاسة بنظرات بتتبعها، حتى لو مكانتش شايفة صاحبها.
لفت في شارع جانبي، أهدى شوية من الشارع الرئيسي، بس لسه فيه ناس. وقفت عند كشك قهوة صغير، طلبت كابتشينو، ودون أي حركة مفاجئة، استغلت انعكاس الزجاج تراقب اللي وراها.
مفيش حد غريب… الظاهر إن الشخص اللي بيبعتها شاطر كفاية إنه يفضل في الظل.
الرسالة لسه في موبايلها، الكلمة الأخيرة بتلمع في دماغها:
"مش كل الحكايات بتنتهي لما نفتكرها انتهت."
مين؟ وليه دلوقتي؟ ليان مش من النوع اللي بيخاف بسهولة، بس هي برضه مش بتستهون. لما حاجة زي دي تحصل، يبقى لازم يكون فيه سبب.
شالت الكوباية، نفخت بخار القهوة الساخن، وبعد تفكير، بعتت رسالة على الرقم اللي وصل لها الرسالة:
"وأنت شايف إن دي لسه مخلّصتش؟"
ضغطت "إرسال"، وفضلت مستنية. خمس دقايق… مفيش رد. عشر دقايق… ولا حركة.
هزت كتفها، كأنها قررت تسيب الموضوع دلوقتي، لكن عقلها كان لسه شغال.
على الجانب الآخر
في مكان مش بعيد، كان فيه شخص قاعد في العربية، موبايله في إيده، عينيه بتلمع وهو شايف رسالتها على الشاشة.
"وأنت شايف إن دي لسه مخلّصتش؟"
ابتسم، بس مش ابتسامة عادية، ابتسامة حد كان مستني اللحظة دي من زمان.
قلب الموبايل في إيده، خد نفس عميق، وبعد تردد بسيط… مسح الرسالة من عنده من غير ما يرد.
لأن الإجابة مش هتنفع تيجي في رسالة. الإجابة… لازم تكون وجهًا لوجه.
عودة إلى ليان
الليل بدأ يدخل، وهي قررت ترجع البيت. دماغها شغالة، بس مفيش خيوط كفاية تربط بينها. مكنتش عايزة تتصل بأي حد، مش عايزة توصل إحساس إن في حاجة غلط.
لكنها كانت غلطانة… لإن الحاجة الغلط كانت أقرب مما تتخيل.
وصلت العمارة، دخلت الأسانسير، ضغطت على الزر، واستندت على الحيطة تفكر.
الباب اتقفل… والأسانسير بدأ يتحرك.
وفي اللحظة اللي كان المفروض فيها يبقى كل شيء عادي… موبايلها اهتز برسالة جديدة.
"وصلتي البيت؟"
الهواء اتحبس في صدرها.
حد شايفها. حد عارف هي فين بالضبط.
وبدل ما تتوتر… ابتسمت. ابتسامة خفيفة جدًا، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
"اللعبة لسه في أولها."
رواية حين يخدع الحب الفصل الرابع 4 - بقلم الكاتبة مايو
الإضاءة الخافتة جو الأسانسير زادت من إحساس الترقب اللي بدأ يجري في عروقها. الشاشة الصغيرة فوق الأزرار كانت بتعد الأدوار، بس عقلها كان بيعد الاحتمالات.
"وصلتي البيت؟"
الجملة دي لوحدها كانت كفاية تخلي أي حد يتجمد مكانه… لكن ليان؟ لا، ليان كانت مختلفة.
بعينين هادية، فتحت الرسالة تاني، وكأنها بتحاول تستوعب كل حرف فيها، مش مجرد تقراها. ثواني مرت قبل ما ترفع صباعها على الشاشة وتكتب رد:
"وأنت عرفت إزاي؟"
ضغطت إرسال. قلبها كان هادي بشكل غريب، أو يمكن هو مش هادي… يمكن هو متحمس. لأن اللي بيحصل مش مجرد صدفة، مش مجرد رسالة، ده تحذير… أو دعوة للعبة بدأت من غير ما تاخد إذنها.
الأسانسير وصل، الباب فتح، خرجت بخطوات ثابتة. الممر كان هادي، الإضاءة تنعكس على الأرضية الرخامية، كل شيء يبدو عادي… لكن هي عارفة، العادي دايمًا بيخفي وراه حاجة.
قبل ما تمد إيدها على مفتاح الشقة، موبايلها اهتز تاني.
رسالة جديدة.
"دايمًا كنتي شاطرة في الأسئلة… بس الإجابات عندي، مش عندك."
حركة بسيطة بس كانت كفاية تخلي أنفاسها تتسارع… مش خوف، لأ، لكن الإحساس إن اللي قدامها مش بيلعب لعبة عادية.
لفت بسرعة، بصت ناحية السلالم… فاضية. كاميرا الممر… شغالة. مفيش أثر لحد.
لكنها كانت متأكدة… في حد هناك. حد مش بعيد.
دخلت الشقة، قفلت الباب، وقفت في النص، سحبت نفس عميق، وبعدين اتجهت ناحية البلكونة.
الهواء البارد ضرب وشها وهي بتفتح الباب الزجاجي، خرجت بخطوات هادية، بصت لتحت… الشارع مشغول شوية، عربيات ماشية، ناس رايحة جاية.
وعلى الناحية التانية من الطريق… كان واقف.
جاكيت أسود، إيديه في جيوبه، وعينيه مرفوعة ليها مباشرة. هي مش شايفة ملامحه كويس بسبب المسافة، بس عارفة… هو ده.
وقفوا كده لحظات، سكون غريب، كأن الزمن وقف.
وبعدين… رفع إيده. حركة بسيطة، مش تحية، أكتر كأنها رسالة: "أنا هنا."
ردت عليه بحركة أبسط… فتحت الكاميرا، وصورت.
وعلى الشاشة، كان واقف… لكنه في اللحظة اللي الكاميرا التقطت فيها الصورة، كان بيتحرك، بيختفي وسط الناس.
مسحت الصورة، قفلت البلكونة، رجعت لجوا، قلبها بيدق بسرعه.
رواية حين يخدع الحب الفصل الخامس 5 - بقلم الكاتبة مايو
لم تكن ليان تتوقع أن الأمور ستأخذ هذا المنحى.
منذ تلك الرسائل الغامضة، وهي تشعر بأن هناك شيئًا أكبر يُحاك في الخفاء… شيء لم تفهمه بعد، لكنه بدأ يزحف إلى حياتها دون استئذان.
أمسكت بالهاتف، تقرأ الرسالة الأخيرة مجددًا:
"الحقيقة أقرب مما تظنين، لكن هل أنتِ مستعدة لرؤيتها؟"
تحركت في غرفتها بعصبية، عقلها لم يتوقف عن التفكير. من هذا الشخص؟ وماذا يريد منها؟ ولماذا الآن؟ هل للأمر علاقة بالماضي؟ أم هو شيء جديد؟
وفجأة… انتبهت لصوت خفيف بالخارج، كأنه حركة عند نافذتها.
التفتت بسرعة، لكن لم ترَ شيئًا. اقتربت بحذر، فتحت النافذة ونظرت للأسفل… كان الشارع هادئًا، وكأن شيئًا لم يكن.
عادت أدراجها، لكنها لم تكن مطمئنة. شعرت بأن هناك من يراقبها فعلًا، وليس مجرد وهم.
فتحت هاتفها مجددًا، وكتبت رسالة للشخص المجهول:
"إنت مين؟ وعايز مني إيه؟"
لكن بدلًا من أن تنتظر الرد… جاءها إشعار آخر. صورة جديدة!
ضغطت عليها بسرعة، واتسعت عيناها بصدمة… كانت صورة لها، التُقطت قبل دقائق، وهي تقف عند النافذة!
سقط الهاتف من يدها، وبدأ قلبها ينبض بعنف. هذا الشخص ليس مجرد مخادع عبر الإنترنت… إنه قريب، قريب جدًا!
بلعت ريقها بصعوبة، وأجبرت نفسها على الهدوء. لا، لن تخاف… لن تكون ضحية سهلة.
لكن السؤال الحقيقي الذي تسلل إلى عقلها كسم زعاف…
ماذا لو كان هذا الشخص يعرفها أكثر مما تتخيل؟ ماذا لو كان جزءًا من ماضيها… أو حاضرها؟ ماذا لو كان "الحب" نفسه هو من يخدعها؟
لم يكن الخوف هو الشعور الذي سيطر على ليان في تلك اللحظة، بل كان هناك شيء آخر… شيء أشبه بالغضب. كيف تجرأ هذا الشخص على التسلل إلى حياتها بهذه الطريقة؟ كيف استطاع أن يلتقط لها صورة وهي في أكثر لحظاتها ضعفًا، دون أن تشعر؟
رفعت الهاتف بيد مرتجفة وكتبت رسالة جديدة:
"إنت جبان، لو كنت راجل واجهني بدل ما تتصرف زي المجرمين!"
انتظرت، وعيناها معلّقتان بالشاشة… دقائق مرت، ثم وصلها الرد.
"مش كل المواجهات زي ما إنتِ متخيلة، أوقات الحقيقة بتبقى أصعب من المواجهة نفسها."
شعرت بقلبها يغوص في قاع صدرها… هذا ليس مجرد تهديد، بل رسالة تحمل معنى أعمق، كأنها تحذير مما هو قادم.
لكن ليان لم تكن من النوع الذي ينسحب بسهولة.
قررت ألا تبقى في غرفتها أكثر. خرجت من المنزل، قررت أن تستنشق بعض الهواء، أن تفكر بعيدًا عن هذا الضغط.
لكنها لم تكن وحدها… كانت تشعر بذلك، بإحساسها الغريزي، هناك من يراقبها.
سارت في الشارع، تحاول التصرف بطبيعية، لكن خطواتها كانت حذرة.
فجأة، توقفت عند مقهى صغير وجلست، ثم فتحت هاتفها من جديد. قررت أن تفعل شيئًا مختلفًا هذه المرة…
التقطت صورة عشوائية للشارع أمامها، وكتبت رسالة جديدة للمجهول:
"لو كنت شايفني، قوللي أنا فين دلوقتي؟"
ضغطت على الإرسال، وراقبت هاتفها بترقب.
ثوانٍ فقط، وجاءها الرد…
لكن لم يكن مجرد كلام، بل كانت صورة.
صورة لها، وهي تجلس في المقهى، التُقطت من الخلف!
شهقت، والتفتت بسرعة… لكنها لم ترَ أحدًا مريبًا. المكان كان مزدحمًا، الناس يتحدثون، يضحكون… لكن في وسط كل هذا، كان هناك شخص ما يراقبها، شخص يعرف كل خطوة تخطوها.
عادت بنظرها للهاتف، وقرأت الرسالة الجديدة التي وصلت معها الصورة:
"قلت لك… المواجهة أصعب مما تتخيلين."
بدأت اللعبة تأخذ منحى أخطر… والخدعة لم تعد في الحب فقط، بل في كل شيء حولها.
رواية حين يخدع الحب الفصل السادس 6 - بقلم الكاتبة مايو
وقفت ليان في منتصف الشارع، قلبها ينبض بعنف وهي تراجع الصور التي التقطتها منذ لحظات. لا شيء واضح. فقط أشباح بشرية تتحرك، والظل الغامض الذي لاحقها، اختفى كأنه لم يكن.
تقدمت بخطوات سريعة، تشعر بوخز في جلدها كأنها مراقبة من جديد. لم تكن هذه المرة الأولى التي تشعر فيها بذلك، لكنها كانت الأولى التي تملك فيها دليلًا… حتى لو كان غير واضح.
عادت إلى منزلها وهي تحاول تهدئة نفسها، لكن عقلها كان يعمل بجنون. هل يمكن أن يكون هذا مجرد وهم؟ هل أصبحت تتخيل أشياء بسبب قلقها المستمر؟ لا، لقد رأته. رأت ذلك الشخص يقف في الظل، يراقبها.
ألقت بحقيبتها على الأريكة، وجلست وهي تقلب الصور مرة أخرى. ثم، فجأة…
اهتز هاتفها.
رسالة جديدة.
"الصورة لم تكن واضحة، لكنك كنتِ قريبة جدًا هذه المرة، ليان."
جمدت أنفاسها في حلقها، واتسعت عيناها وهي تقرأ الكلمات. لم يكن الأمر مجرد شعور. لم تكن تتوهم. هناك شخص يراقبها… بل ويعلم أنها تحاول كشفه.
جالت عيناها في الغرفة وكأنها تتوقع أن تجده يقف أمامها. قلبها يخبرها بأن هذه ليست مجرد لعبة عابرة، بل شيء أخطر مما كانت تتخيل.
حاولت أن ترد، لكن أصابعها ارتجفت فوق لوحة المفاتيح. من يكون هذا الشخص؟ ولماذا يراقبها؟
قبل أن تتمكن من التفكير في رد، جاءت رسالة أخرى:
"أنتِ تحبين الألغاز، أليس كذلك؟ فلنرَ إن كنتِ قادرة على حل هذا اللغز… قبل فوات الأوان."
ضغطت ليان على هاتفها بقوة، أنفاسها متسارعة وكأنها فقدت القدرة على السيطرة على خوفها. من يكون هذا الشخص؟ وكيف يعلم أنها تحب الألغاز؟
نهضت من مكانها وبدأت تتحرك في الغرفة بعصبية، تحاول ترتيب أفكارها. هذا ليس مجرد شخص عابر يراقبها، هذا شخص يعرف عنها أكثر مما ينبغي. لكن كيف؟
حاولت أن تفكر في أي شخص قد يكون وراء هذا الأمر… عائلتها؟ أصدقاؤها؟ زملاؤها في العمل؟ لا، لا أحد منهم قادر على فعل شيء كهذا.
أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم كتبت ردًا أخيرًا:
"ماذا تريد؟"
لم تنتظر طويلًا حتى جاءها الرد.
"أن نلعب."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. أي نوع من الألعاب يتحدث عنه؟ ولماذا هي تحديدًا؟
رن هاتفها فجأة، جعلها تقفز في مكانها. نظرت إلى الشاشة، كان الرقم مجهولًا. ترددت للحظة، ثم أجابت بصوت حذر:
"مين؟"
ساد صمت ثقيل للحظات، ثم جاءها صوت منخفض لكنه واضح، صوت جعل الدم يتجمد في عروقها.
"أنتِ متأخرة، ليان. كان عليكِ أن تكوني أسرع."
وقبل أن تتمكن من الرد، انقطع الاتصال.
ظلت ممسكة بالهاتف في يدها، وعقلها يعمل بسرعة. متأخرة؟ عن ماذا؟
وقبل أن تفكر في الأمر أكثر، جاءتها رسالة أخرى. فتحتها بيدين مرتجفتين، وعندما قرأتها، شعرت بأن العالم من حولها يتلاشى.
"حان وقت الخطوة التالية… ابحثي عني في المكان الذي بدأ فيه كل شيء."
رواية حين يخدع الحب الفصل السابع 7 - بقلم الكاتبة مايو
لم تستطع ليان أن تتحرك، عيناها معلقتان على الرسالة الأخيرة.
"ابحثي عني في المكان الذي بدأ فيه كل شيء."
أي شيء؟ أين بدأ كل شيء أصلًا؟
بدأت الأفكار تتزاحم في عقلها، تحاول أن تربط الخيوط ببعضها. المكان الوحيد الذي يمكن أن تعتبره "البداية" كان… الجامعة.
هناك التقت لأول مرة بشخص قلب حياتها رأسًا على عقب. هل يمكن أن يكون هذا له علاقة به؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك؟
نهضت بسرعة، أمسكت بمفاتيحها وهاتفها، وخرجت من شقتها. شعرت بأن الهواء أصبح أثقل، وكأن المدينة كلها تراقبها. لم يكن هذا إحساسًا جديدًا، لكنها هذه المرة كانت تعرف أن هناك من يراقبها بالفعل.
عندما وصلت إلى الجامعة، كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب. الجو هادئ بشكل غير طبيعي، وكأن الجميع اختفى فجأة. شعرت بقشعريرة تزحف على جسدها.
تحركت بخطوات حذرة، تمر بطرقات الجامعة القديمة، حتى وصلت إلى ذلك المكان… المكتبة القديمة.
المكان الذي كانت تهرب إليه دائمًا حين تحتاج إلى العزلة.
دفعت الباب ببطء، فصدر صوت طقطقة خفيفة. المكان كان مظلمًا تقريبًا، باستثناء ضوء خافت يتسلل من نافذة صغيرة. كانت رائحة الكتب القديمة تملأ الهواء، لكن كان هناك شيء آخر… شيء غير مألوف.
وفجأة…
سمعت صوت خطوات خلفها.
تجمدت في مكانها، قلبها يدق بعنف. التفتت ببطء، لكن لم يكن هناك أحد. هل كانت تتخيل؟ أم أن هناك من يختبئ في الظلام؟
أخرجت هاتفها، فتحت الكاميرا، وحاولت أن تلتقط صورة للمكان… لكن قبل أن تضغط على الزر، انطفأ الهاتف تمامًا.
وفجأة، دوّى صوت رسالة جديدة، لكن هذه المرة لم يكن من هاتفها.
كان الصوت قادمًا من بين الرفوف.
اقتربت ببطء، وعندما مدت يدها وسحبت الهاتف الذي كان هناك… شهقت.
كان هاتفًا قديمًا، هاتفها الذي ظنت أنها فقدته منذ سنوات.
وعلى شاشته، كانت هناك رسالة واحدة فقط:
"أخيرًا… وجدتكِ."
ظلت ليان تحدق في الهاتف القديم بين يديها، عقلها يحاول استيعاب ما يحدث. كيف عاد هذا الهاتف؟ ومن وضعه هنا؟
أناملها المرتجفة ضغطت على الشاشة، لكن الهاتف كان مغلقًا. حاولت تشغيله، وبمجرد أن ظهر شعار البداية، ارتفع صوت إشعار آخر… رسالة جديدة.
لكن هذه المرة، لم يكن مجرد نص.
كانت صورة.
شهقت حين رأت المشهد أمامها… صورة لها.
لكنها لم تكن صورة عادية، كانت لقطة مأخوذة من الخلف… التُقطت لها منذ دقائق، وهي تقف أمام باب المكتبة.
"مستمتعة باللعبة حتى الآن؟"
وقفت مكانها مشدوهة، عيناها تتسعان برعب. هذا يعني أن الشخص الذي يراقبها لا يزال هنا.
رفعت رأسها بسرعة، نظرت حولها محاولة التقاط أي حركة، لكن المكان كان ساكنًا.
لكنها لم تعد تشعر بالأمان.
دفعت الهاتف في جيبها، واستدارت مسرعة نحو الباب، عازمة على الخروج من هذا المكان المريب، لكن…
الباب لم يُفتح.
جربت مرة أخرى، دفعت بكل قوتها، لكنه لم يتحرك.
بدأ أنفاسها تتسارع، عقلها يحاول إيجاد تفسير منطقي. هل هو قديم وعلق بسبب الرطوبة؟ أم أن أحدهم أغلقه عليها عمدًا؟
وفجأة، دوى صوت طرقات بطيئة على الخشب من الجهة الأخرى.
طرقة… طرقتان… ثم توقف.
ليان حبست أنفاسها.
ثم جاء الصوت…
"مش هتهربي بسهولة كده."
كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها أن هذه اللعبة أصبحت أخطر مما تخيلت.
حبست ليان أنفاسها وهي تحدق في الباب المغلق. الطرقات توقفت… لكن الصمت اللي تلاها كان أسوأ بكتير.
عينها جريت بسرعة على المكان… هل في مخرج تاني؟ أي طريق تهرب منه؟ لكنها كانت عارفة إن المكتبة قديمة، والنوافذ عليها قضبان حديدية، يعني مفيش فرصة للهرب بسهولة.
سمعت صوت حركة خفيفة برا، كأن حد بيتحرك بعيدًا عن الباب. قلبها كان بيدق بعنف وهي بتحاول تفكر… هل تنتظر حتى يبتعد تمامًا؟ ولا تحاول الخروج بأي طريقة؟
مدت يدها المرتعشة نحو جيبها، سحبت الهاتف القديم، وحاولت تشغيله مرة أخرى. الشاشة أضاءت، لكن البطارية كانت ضعيفة جدًا.
ظهرت رسالة جديدة…
"المرة دي أنا اللي بحدد القواعد."
شهقت ليان وهي تقرأ الكلمات، وكأن الشخص ده بيخاطبها مباشرة، عارف هي بتفكر في إيه… بل والأخطر، عارف إنها لسه جوه!
حاولت تبص حواليها تدور على أي حاجة تستخدمها. رفعت رأسها، ولاحظت سلم خشبي صغير بيوصل للرفوف العلوية. مفيش وقت للتردد.
جرّت السلم بسرعة، وطلعته بخفة وهي بتحاول تسيطر على رجليها المرتعشة.
وصلت للرف العلوي، وبدأت تدور بسرعة بين الكتب، كانت فاكرة إن في فتحة تهوية صغيرة وراء أحد الأرفف. وفعلاً، بعد لحظات، إيديها لامست الحافة المعدنية الباردة.
حاولت تفتحها بصعوبة، لكن صوت طقطقة مقبض الباب خلاها تتجمد في مكانها.
الباب بيتفتح… وهو على وشك يدخل!
رواية حين يخدع الحب الفصل الثامن 8 - بقلم الكاتبة مايو
” انا موافقة يا نديم .. موافقة على الزواج بك .. موافقة على السفر معك الى الخارج .. موافقة على بداية جديدة تجمعنا سويا بعيدا عن هنا … موافقة يا نديم …”
وهذه المرة كان دوره للتشبث بها غير مصدقا لما تقوله أمامه .. لما تتفوه به .. لما أراد سماعه منذ مدة .. منذ أن أدرك صعوبة ما ينتظره .. صعوبة تحقيق أي نجاح بوضعه الجديد وفي بلد كهذا ومجتمع يرفضه …
ربما قد يبدو جبانا في نظر البعض لإنه هرب من اول صدام … قرر الهروب دون المحاولة حتى لكن علام سيحاول وماذا سيجني من محاولاته بالضبط ..؟!
هو أكثر من يفهم ويدرك حقيقة المجتمع الذي يحيا به .. خاصة مجتمعه هو تحديدا .. المجتمع الراقي وذوي الطبقة الإرستقراطية والذي لطالما كان واحدا منهم يفهمهم ويدرك أفكارهم جيدا ..
كون عائلته وابناء عمومه تقبلوه لإدراكهم حقيقة برائته ومعرفته عن قرب فهذا لا يعني أبدا أن يتقبله البقية مهما حدث ..
ستظل تلك التهمة وصمة عار ملتصقة في جبينه حتى آخر العمر ..
” نديم ..”
سمع همستها الرقيقة وهي تحاول الإبتعاد عنه قليلا فأدرك إنه ما زال يحتضنها حتى طالت مدة عناقهما ..
أبعدها عنه برفق وكأنها ماسة ثمينة يخشى أن تصاب بخدش صغير حتى ومد كفيه يحيطان وجهها دون أن يلمسه بالمعنى الحرفي وهمس متسائلا بلهفة مكتومة :-
” هل متأكدة من قرارك ..؟! هل تستوعبين تبعاته ..؟! هل أنت واثقة من رغبتك في السفر معي وترك كل شيء خلفك ..؟!”
إزدردت لعابها وأخذت تهز برأسها قبل أن تجيب بصوت خافت لكنه قوي وواثق :-
” اليوم انا إتخذت قراري يا نديم .. قرار لا رجعة عنه .. سنتزوج ونسافر سويا .. نبدأ من جديد … انت وأنا هناك حيث بداية جديدة وحياة جديدة .. ”
” هذا كل ما أريده ..”
قالها وهو يحتضن وجهها بالفعل هذه المرة لتبتسم بقوة قبل أن تبادر بالقول :-
” لكن عليك أن تفهم إنه لا مجال للتهاون مهما حدث .. ما إن نصل الى وجهتنا سنبدأ بالعمل .. انا سأدرس وانت ستعمل .. يجب أن ننجح يا نديم .. انت تستحق النجاح وأنا أريد بدوري أريد أن أنجح بل أثبت وجودي في مجال دراستي ..”
” سأكون معك خطوة بخطوة وأدعمك دائما ..”
قالها بثقة لتبتسم وهي تردد بدورها :-
” وأنا سأكون بجوارك دائما .. معك في كل خطوة تخطيها … ”
سألها بجدية :-
” هل ستتحملين الغربة ..؟! اختلاف العادات والتقاليد واللغة وكل شيء ..؟!”
ابتسمت ترد ببساطة :-
” سنتحمل سويا .. في البداية سيبدو الوضع غريبا وكل شيء مختلف .. لكن مع مرور الوقت سنعتاد ونتعايش مع كل هذه الإختلافات … ”
أضافت تتسائل وهي ترى شيئا من عدم الراحة يسكن ملامحه :-
” ماذا حدث الآن ..؟! تبدو غير مرتاحا .. ”
تنهد وأجاب :-
” لا أعلم ولكنني لا أستوعب إن كل شيء سيتم بهذه البساطة .. موافقتك السريعة فاجئتني ..”
سألته بدهشة :-
” هل أنت متردد في قرارك ..؟!”
رد بسرعة وجدية مطلقة :-
” أبدا .. انا لست مترددا .. انا فقط أصبحت أخشى التغيير المفاجئ خاصة عندما يكون تغيرا نحو الأفضل ..”
أطلق تنهيدة طويلة ثم قال بصراحة :-
” حياتي أصبحت مرتبطة بك كليا يا حياة .. أخشى أن يحدث شيئا يوما ما ويبعدك عني .. حينها سيتدمر كل شيء .. وانا سأتحطم كليا ..”
ارتجف قلبها من كلماتها التي شعرت إنها تشبه أفكارها الدائمة .. هل يشعر بما تفكر به وكيف تشعر دائما إن علاقتهما سوف تنتهي يوما ما لا محالة ..؟!
” لماذا تفكر هكذا ..؟! انا لن أبتعد عنك إلا ..”
توقفت عن حديثها عاجزة عن إكمال المزيد ليسألها بهدوء :-
” إلا إذا ماذا ..؟!”
ردت بعد لحظات صمت قصيرة :-
” إلا إذا شعرت إن وجودي في حياتك لم يعد مهما .. ”
“وجودك دائما سيكون مهما في حياتي وانتِ تعلمين ذلك ..”
قالها بجدية لتبتسم بتوتر وهي تردد :-
” برأيي دعنا نترك كل شيء لوقته المناسب … لنرى ما يحمله الوقت لنا ومالذي سيتغير في حياتنا .. ”
” ولكنني أريد وعدا ..؟!”
بدا مصرا في نبرته فسألته بترقب :-
” وعدا بخصوص ماذا ..؟!”
رد بقوة وثبات :-
“وعدا ألا تتركيني مهما حدث ولا تتخلي عني أبدا .. وعدا أن تبقين معي وتبقى يدك ممسكة بيدي الى الابد .. ”
إبتلعت ريقها بتوتر لحظي لكنها أزاحته جانبا وهي ترد بهدوء :-
” أعدك إنني سأفعل طالما أنت تريد هذا وطالما شعورك هذا لم يتغير … ”
وكلمة شعورك تلك بدت غامضة ولكنها وحدها من كانت تفهم ما تقصده خلف كلماتها وإن وعدها هذا يحمل بين طياته الكثير …
” ماذا يحدث يا مريم ..؟!”
سألت والدتها بصوت مرتعب مما تراه على ملامح ابنتها بعد تلك الصرخة المخيفة التي صدرت منها بكلمة واحدة لا غير ..
” لماذا …؟!”
خرجت كصرخة مدوية من أعماق روحها وسؤالها موجها له هو من يقف مخفضا رأسه بعدما انكشف كل شيء ..
تقدمت فاتن نحو ابنتها تسألها بقلق غير منتبهة لوضع زوجها ولا جمود ابنتها الكبرى :-
” ماذا بك يا مريم ..؟! ما مشكلتك يا حبيبتي ..؟!”
حاولت لمستها لكن مريم إبتعدت عنها فورا وأخذت تشير الى والدها متسائلة :-
” هل تخبرها أنت أم أخبرها أنا ..؟!”
نقلت فاتن بصرها بين زوجها بملامحه الشاحبة تماما وابنتها الغاضبة بقوة عندما تقدمت ليلى تقبض على ذراع مريم تهمس لها بصوت خافت :-
” تعالي معي يا مريم ..”
لكن مريم دفعتها بقوة وهي تصرخ بها :-
” انتِ اخرسي تماما .. كنت تعلمين بكل شيء وتكذبين علينا ..”
” مريم ..”
نهرتها ليلى بصدمة من تصرف اختها لكن صرخة والدتها القوية صدحت تهتف بهم جميعا :-
” أريد أن أفهم ما يحدث هنا بالضبط …”
إلتفتت مريم نحوها تتحدث والدموع بدأت تتساقط من عينيها :-
” سأخبرك ماما .. والدي العزيز متزوج .. متزوج منذ عدة اعوام .. ولديه صبي ايضا ..وزوجته حامل بآخر ..”
شهقت ليلى رغما عنها بينما ظلت والدتها صامتة تتابع شهقات مريم الباكية والتي تؤكد إن هذه ليست مزحة سخيفة ..
مريم التي لم تبكِ يوما بهذه الطريقة من قبل .. لم تكن تبكي بل كانت منهارة …
” مستحيل …”
همست بها فاتن وهي تلتفت نحو زوجها وعيناه المنخفضتان تخشى مواجهة عينيها ..
” احمد تحدث ..”
همست بها مجددا وبالرغم من ثبوتها الظاهري وبالرغم من كونها تدرك إن ما سمعته حقيقي لكنها كانت تحاول الإنكار وترجوه من خلال كلمتيها تلك أن ينفي ما سمعته ..
نطق أحمد أخيرا وعيناه ما زالتا كما هما :-
” هذا صحيح …”
وضعت فاتن يدها على صدرها تلقائيا وشعرت بألم حاد في قلبها .. شعرت بإنها ستموت في تلك اللحظة لا محالة ..
مر شريط حياتها أمامها معه .. حبهما الكبير والذي لم تغيره السنوات كما كانت تظن .. طفلها الصغير الذي فقدته بعد أيام من ولادته وأصبحت بعدها غير قادرة على الإنجاب .. وعده إنه لن يتزوج سواها وسيكتفي بالفتاتين فقط لأجلها … تضحياتها الكثيرة لأجله …
مر كل شيء أمامها عينيها لتكتشف بالنهاية إن كل ما جمعهما يوما كان كذبة .. كذبة كبيرة ..
” لماذا …؟!”
سألته بصوت جاف وملامحها ما زالت على ثباتها رغم الألم الذي يكوي روحها والأفكار المدمرة داخل عقلها ..
تأملت ليلى مظهر والدتها الثابت بقلق فهذا الثبات سيكون خلفه إنهيار مخيف لا محالة ..
اما مريم فكانت تبكي فقط .. تبكي بأحاسيس كثيرة …
” فاتن أنا ..”
توقف ولم يستطع الإكمال .. ماذا سيقول في تلك اللحظة وما هو مبرره ..؟!
” بعد كل هذه السنوات يا أحمد .. ”
قالتها بنبرة معاتبة رقيقة وقد ظهرت الهشاشة على ملامحها هذه المرة ليهمس بندم :-
” كنت مجبرا .. أردت صبيا .. تزوجتها لأجل الصبي ليس أكثر ..”
صاحت بقوة هذه المرة رغم الضعف الذي بدأ يحتل كل جسدها كما تشعر :-
” كان عليك أن تخبرني .. كان علي أن أعلم بكل شيء …”
” فاتن ..”
قالها ولأول مرة ينظر في عينيها فهمست بقوة وعيناها تجابهان عينيه بتحدي :-
” طلقني …”
هز رأسه نفيا وقبل أن يعترض كانت تضيف بقوة :-
” ورقة طلاقي تصلني خلال ايام .. وهذا المنزل لن أبقى فيه لحظة واحدة بعد الآن ..”
تحركت مندفعة خارج المكان نحو الطابق العلوي حيث غرفتها ليهتف أحمد بليلى :-
” إذهبي خلفها يا ليلى … لا تدعيها تغادر .. أخبريها إنه منزلها ..”
وعلى آثر كلمات والدها ركضت ليلى مسرعة خلف والدتها بعدما هزت رأسها عدة مرات بلا وعي بينما وقفت مريم أمام والدها الوجه بالوجه فصاحت بإنفعال :-
” لماذا فعلت هذا ..؟! لماذا فعلت بنا هذا ..؟! لماذا دمرتنا ..؟!”
حاول ان يقترب منها وهو يهمس بإسمها لكنها قذفته بكلمات قاسية حيث رددت من بين دموعها :-
” الآن فقط عليك أن تعلم إنني أكرهك .. أكرهك جدا ولا أريد رؤيتك بعد الآن .. لا أريد معرفتك أساسا …”
ضربت الأرض بقدميها وكأنها تفرغ غضبها بها ثم انطلقت خارج المكان حيث اتجهت نحو والدتها تاركة والدها لوحده يحاول أن يستوعب كم ما يمر به ونغزات خفيفة بدأ يشعر بها في صدره …
اندفعت ليلى داخل غرفة والديها حيث كانت والدتها تلقي بملابسها في حقيبة سفر كبيرة عندما ركضت نحوها تهتف بها بتوسل :-
” ماما من فضلك توقفي .. لا تفعلي هذا .. لا تتركي منزلك ..”
ردت والدتها وهي تغالب دموعها التي تنذر بالتساقط :-
” هذا لم يعد منزلي .. فصاحب المنزل لم يعد زوجي بعدما فعله ..”
” بلى هو منزلك .. والله منزلك ..”
قالتها ليلى بتوسل وهي تحاول أن تمنعها عما تفعله لكن والدتها هتفت وهي تقف في وجهها :-
” ليس منزلي بعد الآن ..”
اضافت وهي تشهق باكية :-
” سأتركه لهما .. هو وزوجته .. والدة الصبي .. من منحته الوريث الذي حلم به طويلا .. من الآن فصاعدا لا مكان لي هنا ..”
توقفت عن الحديث وهي ترى مريم تندفع بقوة الى الداخل تهتف بنفس الغضب :-
” أنا أيضا سأذهب معك .. لا مكان لي هنا بعدما حدث ..”
” توقفا أنتما الإثنتان ..”
قالتها ليلى بتوسل وهي تقف بينهما لتصرخ بها مريم بعصبية :-
” انت بالذات إصمتي ولا تتحدثي .. كنت تكذبين علينا طوال تلك الفترة ..”
هتفت فاتن بعدم تصديق :-
” هل كنت تعلمين حقا يا ليلى ..؟!”
ردت مريم بسرعة واندفاع :-
” نعم كانت تعلم أم نسيتِ تلك التمثيلية التي فعلتها بسهام وعمتي …”
تجمدت ملامح فاتن للحظات قبل أن تهمس بعدم تصديق :-
” سهام ..!! هل هي زوجته ..؟!”
رمقت ليلى مريم بنظرات مشتعلة قبل أن تستدير نحو والدتها تهمس برجاء وهي تحاول إحتضانها :-
” تزوجها لأجل الصبي فقط وبعد محاولات كثيرة من عماتي .. هو لم يكن يريدها وهي لا تمثل له أي شيء ..”
أبعدتها فاتن عنها وهي تردد بعدم وعي :-
” سهام .. تزوج سهام .. ابنة خاله .. يا إلهي كم كنت حمقاء ..”
أضافت وهي تشير الى نفسها بهذيان :-
” انا كنت أحبها كثيرا وأتعاطف معها دائما .. كنت حزينة لإنها تطلقت مرتين … انا حتى فكرت بتزويجها لإبن عمي الأرمل .. كانت تتواصل معي دائما وتأتي هنا .. كانت تفعل كل ذلك وهي متزوجة من زوجي .. كانت ضرتي طوال هذه المدة وأنا لا أعلم ..”
هتفت ليلى بصوت باكي على حال والدتها :-
” ماما من فضلك ..”
لكن فاتن صاحت بقوة وانفعال مخيف :-
” سيطلقني الآن .. والله لن أبقى على ذمته لحظة واحدة ..”
ثم اندفعت تجذب بقية ملابسها وهي تصرخ بمريم :-
” نادي على الخادمة تساعدني في جمع ملابسي ..”
” توقفي يا مريم ..”
قالتها ليلى بصرامة قبل ان تهتف وهي تسحب الملابس من يد والدتها :-
” لماذا لا تفهميني ..؟! هذا منزلك ..”
قاطعتها والدتها بعصبية :-
” انت بالذات لا تتحدثي .. منذ متى تعلمين ولم تخبريني ..؟! كيف أخفيتِ عني شيئا كهذا ..؟! كيف ..؟!”
هتفت ليلى بدموع باكية :-
” والله كنت سأخبرك .. كنت انتظر الوقت المناسب ..”
صاحت مريم بسخرية :-
” ومتى هذا الوقت من وجهة نظرك يا هانم ..؟!”
التفتت ليلى نحوها تردد بقوة ودموعها ما زالت تغطي وجهها :-
” انا كنت مضطرة لذلك .. أخفيت الموضوع عنكما لسبب في رأسي .. لو كان لدي ثقة إنكما ستوافقاني وستفعلان ما أريده منكما بعدما تعلمان لكنت أخبرتكما دون تردد ..”
أضافت وهي تنقل بصرها بين والدتها واختها :-
” هل تريدان معرفة لماذا أخفيت الموضوع عنكما وماذا كانت نتيجة ما فعلته ..؟!”
أضافت دون أن تنتظر جوابا منهما :-
” دقيقة واحدة وسأعود إليكما ..”
ثم اندفعت خارج المكان تتوجه نحو غرفتها حيث فتحت الخزانة بسرعة تخرج منها نسخ للأوراق الخاصة بتنازل والدها عن أملاكه لها ولأختها ووالدتها ..
اندفعت خارج الغرفة عائدة الى غرفة والدتها حيث تقدمت نحويهما وهي تحرك الأوراق في وجههما مرددة بإنفعال مكتوم :-
” هذا ما جعلني أخفيت الموضوع عنكما .. لهذا إضطررت ألا أخبركما بشيء .. انتظرت حتى أنتهي مما أريده …”
” ما هذه الأوراق ..؟!”
سألتها مريم وهي تسحب الاوراق وتقلب فيها لترد ليلى بفتور :-
” هذه الاوراق تحمل تنازلا عن معظم املاك والدي لنا ..”
أضاف وهي تشير الى والدتها :-
” لقد منحك ملكية هذا المنزل والمنزل الريفي ايضا .. ونقل ملكية ثلثي اسهم الشركة لي ولمريم … اضافة الى عمارتين سجلها بإسمينا وادارة الشركة أصبحت لي .. ”
اضافت بجدية وهي تشير بكفها الى انحاء الغرفة :-
” هذا المنزل رسميا لك وعماد بك سينهي إجرائات النقل في اسرع وقت … هذا المنزل منزلك يا ماما فلا داعي أن تخرجي منه ..”
سحبت فاتن الأوراق من يد مريم المذهولة تقرأها بصمت قبل ان ترفع وجهها في وجه ليلى وتسألها بإقتضاب :-
” كيف فعلتها ..؟! كيف أجبرته ..؟!”
ردت ليلى بخفوت :-
” هذا موضوع يطول شرحه … ”
لكن والدتها رمت الأوراق على الارض بلا مبالاة واندفعت خارج الغرفة لتتبادلان مريم وليلى النظرات بعدم تصديق قبل ان تندفع مريم اولا تتبع والدتها وخلفها ليلى بعدما جمعت الأوراق ..
اندفعت فاتن نحو زوجها الذي كان يجلس على احد الكراسي بضعف تتقدم منه وهي تهتف بغضب :-
” إن كنت تظن إنك بتنازلك عن المنزل لي سأغفر لك فأنت مخطئ … ”
رفع أحمد وجهه الشاحب نحوها فأضافت بقوة :-
” ستطلقني يا أحمد ..”
نهض أحمد من مكانها مرددا بتوسل :-
” لا تفعلي يا فاتن .. لا تهدمي ما بيننا من سنوات وعشرة وحب ..”
قاطعته بوجع :-
” حب ..؟! لا تجلب سيرة الحب على لسانك … من يحب لا يخدع .. لا يخون ولا يكذب وانت فعلت كل هذا ..”
قالها محاولا التبرير لنفسه بينما تقدمتا مريم وليلى تقفان على الجانب تتابعان الحوار بصمت :-
” انا كنت مجبرا .. لم يكن أمامي خيار آخر يا فاتن .. والله كنت مجبرا ..”
” من حقي أن أعلم .. من أبسط حقوقي أن تخبرني بزواجك من آخرى ..”
قالتها بحرقة ليسألها بضعف :-
” وهل كنت سترضين ..؟! هل كنت ستقبلين بزواجي منها يا فاتن ..؟!”
ردت بكبرياء :-
” بالطبع لا .. كنت سأطلب الطلاق بهدوء … كنت سأغادر حياتك بهدوء ولتتزوجها انت وتجلب منها بدل الصبي عشرة ..”
” لهذا أخفيت عنك .. لهذا لم أستطع إخبارك .. لم أكن أستطيع التخلي عنك .. لم أكن أتحمل خسارتك ..”
قالها بصدق ظهر في نبرة صوته وملامحه وجهه فهو رغم كل شيء يحبها ولم يحب يوما سواها ..
هتفت باكية :-
“ولكنك إستطعت خياناتي .. إستطعت أن تكذب وتخدعني وتخفي عني زواجك من أخرى .. أخرى كانت تأتي الى منزلي وتجلس معي وتتحدث بكل أريحية وانا ..”
صمتت قليلا تبتلع غصتها وهي تضيف بمرارة :-
” وانا كنت أسعد بقدومها وأعاملها أفضل معاملة .. كنت أراها إمرأة جيدة وصادقة ومحترمة وفي النهاية أكتشف إنها ضرتي .. إنها زوجة زوجي ..”
سقطت باكية فسارعت مريم توقفها وهي تخبرها بضراوة :-
” لا تفعلي يا ماما .. لا أحد يستحق دموعك .. لا أحد أبدا ..”
رفعت فاتن وجهها الباكي في وجه زوجها المتألم تهتف بأنفاس مقطوعة :-
” طلقني يا أحمد .. طلقني فأنا لا يمكنني أن أبقى على ذمتك ثانية واحدة بعد الآن ..”
” كلا يا فاتن .. سأفعل أي شيء تريدنه غير الطلاق … فاتن انا تنازلت عن اغلب املاكي لك ولبناتي .. ”
قاطعته بعصبية :-
” ستطلقني .. لا أريدك في حياتي ..”
” ماما من فضلك .. اهدئي قليلا ..”
قالتها ليلى بترجي ..
هتف احمد بصوت متوسل وهو يقف أمامها :-
” بالله عليك لا تفعليها .. اطلبي اي شيء آخر سوى الطلاق .. أي شيء فاتن .. حتى إذا أردت سأطلقها ..”
قاطعته بقوة وغضب :-
” لا تنطقها .. لست انا من أطلب شيئا كهذا .. لست أنا من أسمح لنفسي أن أطلب منك تطليق إمرأة على ذمتك لأجل نفسي .. ”
أضافت لنفور :-
” بزواجك من أخرى دون علمي خسرت ثقتي يا أحمد .. لم تخسر ثقتي فقط بل خسرت حتى إحترامي ..”
” لهذه الدرجة ..”
هتف بها بعدم تصديق لتردف بقسوة :-
” وبما تقوله الآن وبساطة حديثك عن تطليقك أم ابنك جعلك تفقد إحترامك عندي اكثر ..”
هز رأسه بعدم تصديق قبل أن يقول بنبرة جافة وهو يضع كف يده على صدره الذي إزدادت نغزاته اكثر :-
” يكفي يا فاتن .. لا يمكنني تحمل المزيد .. الى هنا ويكفي .. انا سأترك المنزل … هذا المنزل لك .. أساسا أصبح مسجلا بإسمك .. انا من سيترك المنزل وأنتِ ستبقين هنا معززة مكرمة كما كنت دائما ..”
ثم غادر المكان مشرعا لتسقط فاتن بضياع على الكرسي جانبها ومريم تربت على كتفها محاولة تهدئتها لتهمس الى ليلى الواقفة بجانبها وملامحها باكية رغم جفاف دموعها :-
” إذهبي خلف والدك يا ليلى .. وضعه ليس جيدا على الإطلاق … أخاف أن يصيبه مكروه ما ..”
أومأت ليلى برأسها ثم قالت بسرعة قبل أن تغادر الى مريم :-
” اعتني بها جيدا وأنا سأذهب الى بابا ..”
ثم خرجت بسرعة الى المكان تتجه الى والدها بقلق وقد لاحظت هي الأخرى كفه التي تتحرك فوق صدره بشكل يدل على كونه يتألم ..
دلفت ليلى الى غرفة والديها مجددا لتجد والدها هذه المرة يجمع أغراضه في حقيبة متوسطة الحجم فتقدمت نحوه على استيحاء سيطر عليها دون أن تفهم السبب ..
أشارت له وهي تتوقف بجانبه :-
” اجلس انت وأنا سأعد الحقيبة بدلا عنك …”
وكأنه كان ينتظر ما قالته فإتجه بسرعة يجلس على طرف السرير بإرهاق لتبدأ ليلى بجمع أغراضه عندما توقفت للخظة وقد سيطر عليها شعور شديد من الكآبة والألم ..
لم تتوقع في أسوء أحلامها أن تمر بكل هذا يوما وفي هذه اللحظة شعرت بمدى بشاعة ما تمر به وما تعيشه ..
عائلتها الصغيرة تحطمت تماما .. والدها يتألم ووالدتها تحطمت بسببه .. مريم ستعاني كثيرا ..وهي ماذا عنها ..؟! هي تدمرت تماما .. جميع الرجال في حياتها أذوها .. كل رجل دخل حياتها دمرها على طريقته الخاصة .. حتى والدها فعل مثلهم وألمها هو الآخر ..
لكن الغريب إن في هذه اللحظة لم تكن تتألم لأجل والدتها او لأجلها هي فقط بل كانت تتألم لأجله هو ..
الإنكسار في عينيه وتوسله وضعفه أوجعها بشكل لم تتصوره .. رغم كل شيء هو والدها ولا تتحمل أن تراه مكسورا منهزما بهذا الشكل والأسوء إنها ساهمت بما حدث حتى لو نيتها لم تكن سيئة كما يظن هو ..!!
كتمت شهقاتها بصعوبة وهي تحمل ملابسه وتأخذها نحو الحقيبة ..
توقفت للحظات أمام الخزانة والدموع أغشت عينيها تماما وهي تجاهد للسيطرة على نفسها كي لا يسمع والدها صوت بكائها ولا يرى دموعها ..
لحظات وبدأت تأخذ أنفاسها عدة مرات تحاول السيطرة على بكائها عندما تماسكت قليلا وعادت تكمل ما بدأته …
بعدما انتهت من وضع ما يحتاجه أغلقت الحقيبة بقوة وإلتفتت أخيرا نحو والدها لتجده ما زال جالسا مكانه ووجهه منخفض نحو الأرض وقد بدا ضعيفا جدا بشكل ضاعف من ألمها ..
تقدمت نحوه بتردد فرفع وجهه نحوها لتجده شاحبا للغاية ..
وجدت نفسها تنحني نحوه بلا وهي تقبض على كفيه بكفيها تهمس بصوت معتذر :-
” انا آسفة .. ”
منحها إبتسامة ضعيفة وهو يحرر يديها من يديها ويربت فوقها بخفة ويقول :-
” لا تعتذري يا ليلى .. انا من بدأ في ارتكاب الأخطاء وها أنا أحصد نتيجة ما فعلته …”
هزت رأسها تكبح دموعها رغما عنها ليهمس بخفوت :-
” اتصلي بالسائق من فضلك ..”
نهضت بسرعة من مكانها تردد :-
” سأتصل به حالا .. ”
أضافت وهي تنظر إليه :-
” تبدو متعبا للغاية .. هل صدرك يؤلمك .. ؟! من الأفضل أن تذهب الى الطبيب .. ما رأيك أن أتحدث مع الطبيب وأخبره أن يذهب الى منزلك الآخر ..”
قاطعها بجدية :-
” انا سأذهب الى منزلنا في القرية ..”
هتفت بدهشة :-
” ماذا ..؟! لماذا لا تذهب الى منزلك الآخر .. على الأقل سهام هناك و ..”
قاطعها بنفور غريب :-
” لا أريد الذهاب الى هناك .. ”
لم تجادله في رفضه لكنها قالت بجدية :-
” لكنني لا يمكنني أن أرسلك وحدك الى هناك وانت بهذه الحالة .. الطريق سيكون طويلا وهناك ستكون لوحدك .. ”
صمتت قليلا ثم قالت بعد تفكير :-
” لماذا لا تذهب الى شقتنا القديمة ..؟! وسأرسل معك خادمة تهتم بك وتتابعك ..”
قاطعها بإصرار :-
” سأذهب الى المنزل الريفي يا ليلى .. من فضلك أخبرني السائق بذلك ولا تجادليني ..”
صمتت للحظات ثم قالت :-
” ولكنني سأرسل خادمة معك .. لا يمكنني تركك تذهب لوحدك .. ارجوك بابا ..”
هز رأسه بعدم اكتراث بينما اتصلت هي بالسائق تطلب منه القدوم قبل أن تهبط الى الطابق السفلي وتطلب من احدى الخادمات ان تجهز حقيبتها سريعا حيث ستذهب الى هناك وقررت أن ترسل معها مدبرة المنزل الكبيرة كي لا تشعر الفتاة بالإحراج لوحدها هناك ..
أوصت مدبرة المنزل التي إستطاعت فهم أغلب ما حدث على والدها ونبهتها أن تتابعه وتتواصل معها اذا ما لاحظت أي ألم على ملامح وجهه او أية أعراض غير مريحة …
بعدها عادت نحو والدها عندما اتصل السائق بها لتنادي احدى الخادمات تحمل حقيبة والدها بينما هبطت هي معه الى الطابق السفلي ومنه الى خارج الفيلا ..
وقفت بجانب والدها في الظلام الدامس حيث ينتظران قدوم مدبرة المنزل مع الخادمة عندما جائتا بعد حوالي عشر دقائق تحملان حقائبهما …
تقدمت ليلى نحو والدها وعانقته في حركة فاجئته للغاية لكنها منحته قليلا من شعور الراحة والإمتنان ..
ابتعدت عنه تردد بإبتسامة خفيفة :-
” سأتصل بك بإستمرار لأطمئن عليك .. ”
أضافت وهي تحدث السائق :-
” أخبرني عندما تصلون الى المنزل يا محمد ..”
اومأ السائق برأسه قبل ان يركب والدها في مكانه جانب السائق ومدبرة المنزل والخادمة في الخلف بعدما ودعتهما ليلى ..
توجهت ليلى نحو السائق تخبره :-
” من فضلك ابقى معهم الليلة يا محمد .. بابا يبدو متعبا للغاية وأخشى أن تتدهور صحته لا سامح الله ..”
” أمرك يا هانم ..”
قالها محمد لتودعه ليلى وهي تشكره حتى ذهب الجميع في السيارة بينما سارعت ليلى تدخل الى الغرفة ومنه الى غرفة والديها حيث وجدت والدتها هناك تجلس على السرير منكسة الرأس وبجانبها مريم صامتة وملامحها يسيطر عليها البؤس ..
تقدمت نحويهما وجلست جانب والدتها من الجهة الأخرى عندما جذبت كفها تقبله قبل ان تهتف بجدية :-
” ارجوكِ لا تفعلي هذا .. لا يمكنني تحمل رؤيتك تتألمين ..”
لم تجبها والدتها بل بقيت على حالها صامتة عندما أحنت ليلى رأسها على كتفها تحاول السيطرة على دموعها التي عادت تتجمع داخل عينيها مجددا …
وفعلت مريم المثل على الجهة الأخرى …
ظل الثلاثة على هذا الوضع لأكثر من عشر دقائق عندما صدح صوت فاتن تهمس بنبرة باردة لا حياة فيها :-
” اريد البقاء لوحدي من فضلكما ..”
رفعت ليلى وجهها نحوها تتأمل جمودها المهيب لتشير الى مريم بعينيها أن تغادران ..
نهضت ليلى وفعلت مريم المثل عندما انحنت مريم وطبعت قبلة على وجنة والدتها وهي تخبرها :-
” سنظل معك دائما .. جانبك وفي ظهرك …”
ثم فعلت ليلى المثل وقبلتها من وجنتها الأخرى وهي تخبرها بدورها :-
” كل شيء سيصبح أفضل .. أعدك بهذا ..”
انسحبت الفتاتان خارج الغرفة بعدها لتبقى فاتن لوحدها محتفظة بجمودها لمدة لا بأس بها قبل أن تنفجر بعدها باكية بقوة على حالها وحال إبنتيها وما حصل معهم ..
ما إن خرجتا كلا من ليلى ومريم من الغرفة حتى هتفت مريم بنبرة هجومية :-
” لا أصدق ما فعلته يا ليلى .. كيف كذبت علي ..؟!”
جذبتها ليلى من ذراعيها تنهرها بقوة :-
” اصمتي قليلا من فضلك .. ليس هذا المكان المناسب لنتحدث بهذا الموضوع ..”
ثم دفعتها أمامها نحو غرفة نومها عندما دلفت الى الداخل تتبعها مريم التي وقفت أمامها تعقد ذراعيها أمام صدرها تسألها بحدة :-
” هل أصبحنا بالمكان المناسب الآن ..؟! أخبريني يا هانم اذا .. لماذا كذبت علي ..؟! لماذا أوهمتني بقصة ليست حقيقية ..؟!”
لم تجبها ليلى فورا بل اتجهت نحو باب الغرفة وأغلقتها قبل أن تتقدم نحو مريم وتقف أمامها مجددا تخبرها بجدية :-
” تصرفك الليلة وما فعلته أكبر سبب يدعوني لذلك .. لم أستطع أن أخبرك الحقيقة وانا لا أضمن ردة فعلك .. ردود أفعالك دوما مخيفة يا مريم وانتِ لا تجيدين التحكم بها ولا بتصرفاتك .. لذا بالطبع لم أخبرك بشيء ولست نادمة على هذا لإن ردة فعلك الليلة هي أكبر دليل على صحة قراري ..”
” كنت تنوين اخفاء الموضوع الى الابد إذا ..؟!”
قالتها مريم بملامح متحفزة لترد ليلى بسرعة وحدة :-
” لا تتغابي يا مريم .. بالطبع كنت سأخبرك وأخبر والدتك .. هذا زواج وهناك صبي نتج عنه .. انا فقط كنت أنتظر الوقت المناسب ..”
” أحترق فضولا لمعرفة الوقت المناسب من وجهة نظر سعادتك ..”
قالتها مريم بتهكم لترد ليلى ببرود :-
” الوقت المناسب يا هانم هو الوقت الذي أضمن فيه إن كل شيء أصبح لنا .. إن الشركة وأموال والدك وأملاكه باتت ملكنا .. ألم ترِ ما فعلته حقا ..؟! لقد تنازل والدي عن ثلثي الشركة لنا ومنحنا عمارتين من الثلاث عمارات بل سجل هذه الفيلا والمنزل الريفي الكبير بإسم والدتك .. هل فهمت الآن أيتها الغبية الحمقاء سبب إخفائك الأمر عنك انت ووالدتي ..؟! انا كنت أنتظر أن أسيطر على كل شيء وبعدها سأخبركما وأترك القرار لكما حينها ..”
أضافت بعدها بثقة :-
” انا أنقذت أملاك والدي من يد تلك الحرباء بل أصبحت مديرة الشركة رسميا بعدما تنازل والدي عن كرسي الإدارة لي ..”
سألتها مريم بعدم فهم :-
” ولماذا فعل والدي هذا ..؟! بماذا هددته يا ليلى ..؟! بالطبع لم يفعل هذا من تلقاء نفسه .. ”
صمتت ليلى ولم ترد لتردد مريم بإصرار :-
” كيف جعلته يتنازل عن كل هذا ..؟!”
أجابت ليلى أخيرا بتردد :-
” هناك شيكات ..”
سألتها مريم بتوجس :-
” آية شيكات …”
أخذت ليلى نفسا عميقا ثم قالت بجدية :-
” عمار لديه شيكات ضد والدي … قيمة الشيكات تتجاوز السبع ملايين دولار … ”
شهقت مريم بعدم تصديق لتضيف ليلى بخفوت :-
” عمار ساعدني وانا أقنعت والدي أن يتنازل عن هذه الأملاك وثلثي الشركة مقابل تأجيل موضوع الشيكات لفترة بل ومقابل تأجيل موضوع إخبار والدتي بأمر زواجه حتى يقرر هو .. وجاء موضوع السوار وسهل علي الأمر ..”
” لهذا السبب لم تتطلقِ من عمار …؟!”
سألتها مريم بعدم تصديق لتهتف ليلى بجدية :-
” نعم .. هذا السبب الرئيسي ..”
” تحالفت مع عمار يا ليلى ..”
رددتها مريم بعدم تصديق لتهتف ليلى مدافعة عن نفسها :-
” كنت مضطرة يا مريم …”
سألتها مريم بجدية :-
” وإلى متى سيؤجل عمار أمر الشيكات ..؟! الى متى سيبقى غير مطالبا بحقه فيها ..؟!”
ردت ليلى بخفوت :-
” لا أعلم … من المفترض أن أسدد المبلغ من أرباح الشركة بعدما أتولى إدارتها أنا ..”
” هذا سيأخذ أعواما طويلة .. هل سينتظر عمار كل هذه الأعوام هكذا ببساطة ..؟!”
سألتها مريم بعدم إستيعاب لترد ليلى بحيرة :-
” أخبرني إنه لا يهتم حاليا بأمر الشيكات .. لكنني أشعر إنه يخطط لأمر ما … على العموم تبقى خطوة واحدة فقط وبعدها سأبحث وأفهم ما يخطط له بالضبط وما غرضه من هذا الأمر ..”
جلست مريم على السرير وسألت بضعف :-
” عمار بالتأكيد سيطلب مقابل لهذه الشيكات .. ”
” مقابل ماذا ..؟! ماذا سيطلب مثلا ..؟! الإستمرار في زيجتنا ..؟! وماذا سوف يستفيد مني أساسا ..؟!”
رددت مريم بشرود :-
” ربما هناك شيء ما يريده لا تعلمين عنه …”
” شيء ماذا..؟!”
سألتها ليلى بحيرة فهزت مريم رأسها مدعية عدم الإهتمام :-
” لا أعلم .. لكن أخبريني ما الخطوة التي كنت تتحدثين عنها ..؟!”
هتفت ليلى بجدية :-
” انا متعبة كثيرا يا مريم .. أحتاج أن أرتاح قليلا ..”
انتفضت مريم من مكانها تهدر بغضب :-
” ستكذبين مجددا وتخفين عني أمورا مهمة مجددا ..”
هتفت ليلى بسرعة ونفاذ صبر :-
” سأخبرك يا مريم .. لكن الآن متعبة للغاية .. سأخبرك فيما بعد فقط دعيني أرتاح قليلا من فضلك .. ”
أضافت بتوسل :-
” الليلة فقط يا مريم .. ارجوكِ ..”
زفرت مريم أنفاسها وهزت رأسها بعدم اقتناع قبل ان تندفع خارج الغرفة بعصبية ظهرت في صوت الباب وهو ينغلق بقوة …
دلفت الى غرفتها وأخذت تسير داخل الغرفة ذهابا وإيابا قبل أن تجذب هاتفها لترى اتصالات عديدة من غادة فتتذكر أمر سفرهما سويا مساء الغد ..
ابتسمت بسخرية وهي تفكر إن كل شيء تدمر …
بعثت لها رسالة مختصرة تعتذر فيها عن السفر وقد أجلت أمر التفسير لوقت آخر ثم أغلقت هاتفها كي لا تستقبل أي إتصلات من أحد ..
جلست على سريرها تهز قدمها بعصبية وإنفعال لمدة لا بأس بها وغضبها يزداد بقوة مخيفة ..
نهضت من مكانها واتجهت نحو طاولة التجميل خاصتها فبدأت تحمل الأغراض وترميها على الأرضية بعصبية وإنفعال …
رمت كل شيء بغضب فائق قبل أن تجلس على الأرضية بتعب وأنفاس لاهثة قبل أن تنفجر باكية ….!!
كان يقف في ممر المشفى ينتظر خروج الطبيب من غرفة العمليات التي دخلتها منذ أكثر من ساعة ..
عقله يفكر فيما هو قادم وكيف يخرج من الموضوع دون مشاكل ..
يدرك جيدا إنه يستطيع الخروج في النهاية من الأمر دون أي شبهة فهو يعرف كيف يتفاهم مع بوسي ويمنعها عن البوح بأي شيء ..!!
توقف عن أفكاره وهو يرى الطبيب يخرج من غرفة العمليات أخيرا ليتقدم نحوه يسأله بقلق مصطنع :-
” كيف حال بوسي يا دكتور ..”
رد الطبيب متأسف :-
” لقد فقدت الجنين للأسف .. اما عن وضعها الصحي فالحمد لله الإصابات أغلبها في مناطق ليست خطرة … ستبقى في المشفى لمدة لا بأس بها فجسدها يحوي العديد من الكسور والرضوض … ستخرج بعدما تصبح بكامل صحتها فهذا أفضل لها ..”
قال عمار بسرعة :-
” بالطبع يا دكتور .. بوسي ستبقى هنا تحت رعايتكم حتى تصبح بأفضل حال ..”
اومأ الطبيب برأسه متفهما قبل أن يهتف بجدية :-
” اليوم ستبقى غائبة عن الوعي تماما بسبب تأثير المخدر .. يمكنك رؤيتها غدا صباحا حيث سوف تستيقظ مبكرا ان شاءالله … ”
” المهم هو أن تحصل على أفضل رعاية ممكنة يا دكتور ..”
قالها عمار بجدية ليهتف الطبيب بسرعة :-
” بالطبع يا بك لكن الحادثة التي أصابتها .. ربما سنحتاج أن نبلغ الشرطة ..”
قاطعه عمار بسرعة :-
” بالطبع يمكنكم ذلك .. انا لم أرها وهي تسقط .. لكن الحادثة طبيعية .. فهي سقطت من أعلى الدرج وانا سمعت صوت صرختها فهرعت خارج الشقة لأراها ممددة على الأرضية والدماء تنزف من حولها .. لكن بالطبع يجب إبلاغ الشرطة اذا كانت هناك شكوك حول الحادثة وعندما تستيقظ بوسي ستحقق الشرطة معها ..”
هز الطبيب رأسه بتفهم قبل أن ينسحب المكان تاركا عمار يتابعه بملل ..
هم بمغادرة المشفى عندما صدح رنين هاتفه ليجد جيلان تتصل به فأجاب بسرعة يسألها بلهفة :-
” جيلان صغيرتي ، كيف حالك ..؟!”
ردت جيلان بسرعة وقد شعر إن صوتها أفضل من الأيام السابقة :-
” انا بخير يا عمار .. انت لم تتصل بي اليوم ..”
صمتت ولم تكمل عندما هتف هو بسرعة وقد أدرك عدم قدرتها عن التعبير عن مشاعرها :-
” حبيبتي كنت منشغلا قليلا .. لكنني كنت سأتصل بك عند عودتي الى المنزل ..”
” ليس مهما .. فقط أردت الإطمئنان ..”
قالتها بخفوت ليرد بصدق:-
” انا سأكون بخير عندما تكونين أنت بخير ..”
أضاف يسألها :-
” أخبريني عنك .. هل أنت بخير ..؟! هل يعاملونك جيدا ..؟!”
ردت بسرعة :-
” كل مرة تكرر نفس السؤال .. نعم انا بخير .. والجميع جيد معي لكنني لا أشعر بالراحة …”
صمتت قليلا ثم أضافت :-
” اريد العودة الى شقتي ..”
قاطعها برفق :-
” ستعودين حبببتي .. لكن انتِ ايضا حاولي أن تندمجي معهم قليلا .. سيساعدك هذا ..”
” حسنا ..”
قالتها بطاعة ليسألها مجددا :-
” هل تلتزمين بمواعيدك مع الطبيبة ..؟!”
ردت بخفوت :-
” نعم ألتزم ..”
هتف بجدية :-
” ربما سأزورك غدا .. ”
هتفت بسعادة :-
” حقا ..؟!”
ابتسم رغم تعبه وقال :-
” بكل الأحوال سأزورك هذا الاسبوع .. ”
” سأنتظرك ..”
قالتها برقة ليسألها قبل أن يودعها :-
” هل تحتاجين شيئا مني ..؟! شيء تريدين أن أجلبه معي ..؟!”
ردت بخفوت :-
” كلا لا أحتاج لأي شيء …”
ودعها أخيرا مقررا أن يزورها خلال الاسبوع ليطمئن عليها رغم عدم رغبته في الذهاب الى قصر الهاشمي لكنه سيفعل ذلك مضطرا لأجلها ..
في صباح اليوم التالي ..
تقدمت صباح بسعادة نحو صالة الجلوس حيث أخبرتها الخادمة إن نديم وصل الى المنزل ورغم دهشتها من قدومه مبكرا لكنها شعرت بسعادة كبيرة ..
فتحت ذراعيها تعانقه عندما سارع هو يبادلها عناقها قبل ان يجلس بجانبها على الكنبة يسمعها وهي تهتف بسعادة :-
” لم أصدق حديث الخادمة عندما أخبرتني إنك هنا … كيف حالك حبيبي ..؟!”
رد وهو يربت على كفها :-
” بأفضل حال غاليتي ..”
سألته وهي ترى سعادة غريبة تشع من عينيه :-
” انت تبدو سعيدا للغاية … ماذا حدث معك يا نديم ..؟! هل هناك شيء جديد لا أعرفه ..؟! أخبرني فأريد أن أفرح معك …”
ابتسم وهو يجيب :-
” حياة وافقت على السفر يا أمي .. سنتزوج ونسافر سويا .. ”
رغم ضيقها من فكرة سفره لكنها تدرك جيدا إن هذا أفضل له من بقائه هنا ..
ابتسمت تقول :-
” هذا خبر سعيد حقا .. لكن كيف إقتنعت بهذه السرعة ..؟!”
أجاب بجدية :-
” لا أعلم .. المهم إنها إقتنعت وأنا أريد أن أسارع بأمر الزواج والسفر …”
” هل حددتما موعدا اذا ..؟!”
سألته بإهتمام ليرد عليها :-
” لم نحدد أي شيء بعد .. كل ما حدث إنها وافقت .. لكن سأتحدث معها اليوم ..”
ابتسمت وهي تدعو الله :-
” وفقك الله يا بني .. حياة فتاة طيبة وتحبك … انا واثقة إنك ستكون سعيدا معها وهي بدورها ستكون خير زوجة لك ..”
آمن على دعائها عندما سمع صوت غالية يصدح مرددا بخفوت :-
” صباح الخير ..”
ثم تقدمت نحوه تقبله من وجنتيه ليحتضنها بخفة رغم إنزعاجه من آخر حديث جمعهما ..
” كيف حالك ..؟!”
سألته برقة ليرد بهدوء :-
” بخير الحمد لله ..”
قالت صباح تحاول كسر هالة البرود المحيطة بهما :-
” باركي لنديم يا غالية .. حياة وافقت على السفر معه الى الخارج ..”
صاحت غالية بسعادة :-
” حقا ..؟! مبارك لك يا نديم .. سعدت لأجلكما كثيرا .. هذا يعني إنكما ستتزوجان في وقت قريب ..”
ابتسم وهو يجيب :-
” ان شاءالله .. سأتحدث مع حياة اليوم كي نحدد موعدا مناسبا …”
ابتسمت بحزن رغما عنها وهي تقول :-
” سأشتاق لك كثيرا ..”
قالت صباح بجدية :-
” سنشتاق له نحن الإثنان لكن ليس مهما شيء سوى سعادته وراحته .. وانا متأكدة إنه سيكون سعيدا ومرتاحا هناك خاصة بوجود حياة معه …”
” وانا أيضا أثق بذلك فحياة تأثيرها عليه قوي جدا وواضح ..”
قالتها بنوع من الشغب ليبتسم بخفوت ورغما عنه يشرد بما حدث البارحة عندما أفاق من شروده على صوت غالية وهي تودعهما من أجل الذهاب لعملها ..
أشارت صباح إليه بجدية :-
” أريد التحدث معك يا نديم بشأن موضوع غالية ..”
” بالطبع يا أمي .. تفضلي ..”
جلست هي وعاد هو يجلس بجانبها فقالت بجدية :-
” انا وافقت على أمر خطبتها من ذلك الشاب ولم يتبقَ سوى موافقتك ..”
هتف بعدم تصديق :-
” علام وافقت ..؟! على زواجها من رجل في مثل وضعه ..”
ردت بجدية لا تخلو من الصرامة :-
” اسمعني اولا وبعدها قل ما لديك ..”
صمت على مضض بينما تحدثتِ هي بجدية :-
” غالية تمتلك شخصية قوية للغاية .. ذكية ولديها حياتها المستقلة وقراراتها الخاصة بها .. انت تدرك ذلك جيدا وتدرك إنك أكثر من ساهمت في صقل شخصيتها تلك .. دائما ما كنت تمنحها ثقتك الكاملة وتسمح لها أن تتخذ قراراتها بنفسها بل تفعل ما تريده دون أن تمنعها يوما .. ”
” لإنني أثق بها وبذكائها ونباهتها والأهم إنني أثق بتربيتها … ”
” جيد اذا نحن متفقان على نفس الرأي .. غالية ذكية ونبيهة وهي قررت أن تخوض التجربة .. هي لا تريد سوى خطبة … رباط رسمي يسمح لها بالتعرف عن هذا الشخص عن قرب .. غالية تدرك حدودها جيدا ولا تسمح لنفسها أن تجمعها علاقة غير رسمية معه .. الفتاة أخبرتنا بوضوح عن إعجابها به وعن رغبتها في الإرتباط به رسميا .. هي تريد خوض التجربة وهي ستتحمل تبعاتها .. غالية لا تريد زواج فورا يا نديم .. هي تريد خطبة وأنا اثق جيد برجاحة عقلها وحكمتها وقدرتها على تقرير ما هو الأفضل لها خلال فترة الخطبة .. ”
صمت نديم ولم يعلق لتضيف صباح بتعقل :-
” من غير المنطقي ان تقف في وجهها وترفض قرارها هذا وانت من جعلتها تعتاد على إتخاذ قراراتها بنفسها … وليس جيدا إن تجعل الأمر بمثابة تحدي بينكما .. أتفهم مخاوفك وأقدرها فأنا أمتلك نفس المخاوف لكنني أثق بإبنتي جيدا وأعلم إنها لن تدخل في علاقة ليست متأكدة من نجاحها .. غالية لا تخطو أي خطوة في حياتها دون دراسة وتفكير … هذه ابنتي وأعرفها جيدا لذا سأمنحها حرية إتخاذ القرار المناسب كما فعلت دائما وسأراقبها من بعيد وأنتظر ما سيحدث …”
بدا عليه التفكير بوضوح فقبضت على كفه تخبره بجدية :-
” انت تدرك إن كلامي صحيح ولا خلاف على ذلك …”
أضافت تسأله برجاء :-
” ماذا قلت يا بني ..؟!”
أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يجيب :-
” لا كلام يعلو على كلامك يا أمي .. سأوافق وأمري لله ..”
تنهدت صباح براحة وأخذت تدعو ربها أن يمنح ابنتها النباهة الكافية لإتخاذ القرار المناسب والذي سيصب في صالحها فهي لا تريد شيئا سوى سعادتها وراحتها ..
كان يجلس على طاولة الطعام مع عائلته يتناول فطوره بصمت …
الجميع يلتزم الصمت حتى صدح والدته تسأله ببرود :-
” هل ما زلت مصرا على قرارك بخصوص تلك الزيجة يا فراس ..؟!”
توقف فراس عن تناول طعمه ليجيب بجدية:-
” نعم يا أمي .. غالية فتاة جيدة وتناسبني ..”
تبادلت باسمة الأنظار مع إبنها فادي قبل أن تسأل بإهتمام :-
” ما وضعها بالضبط ..؟! ولأي عائلة تنتمي ..؟!”
أجاب فراس بجدية ونوع من التباهي :-
” غالية مهندسة يا أمي وتعمل في شركة والدها مع أخيها الأكبر .. عمار الخولي شريكي في احد المشاريع … هي من عائلة محترمة ومعروفة ولها ثقلها في البلد .. وغالية فتاة رائعة ومميزة ..”
” هل سبق لها الزواج من قبل ..؟!”
سألته باسمة وهي تلوك الطعام داخل فمها ليرد بإستغراب :-
” كلا ، لم يسبق لها الزواج ولا أي نوع من الإرتباط ..”
هزت باسمة رأسها بتفهم قبل أن تهتف بجدية :-
” أريد أن أراها .. أرغب بالتعرف عليها .. ”
” بكل سرور ..”
قالها فراس وقد شعر بالراحة من بدء تقبل والدته لأمر الخطبة عندما أضافت بجدية :-
” سأنتظرها اليوم على العشاء اذا لم يكن لديها مانع بالطبع ..”
رد بجدية رغم دهشته مما يحدث :-
” سأتحدث معها وأسألها إذا كانت متفرغة الليلة ..”
” جيد ..”
قالتها والدته ببرود قبل ان تعاود التركيز على طعامها بينما تبادل فراس النظرات مع أخيه والذي هز رأسه بدوره مدعيا عدم المعرفة بأي شيء ..
خرج فراس من المنزل بعدما أنهى فطوره ليسارع بالإتصال بها أثناء قيادته سيارته عندما جاءه صوتها الناعم يلقي التحية فإبتسم مرددا :-
” صباح الجمال يا غالية ..”
أضاف بجدية :-
” هناك شيء هام … والدتي ترغب برؤيتك والتعرف عليك … ”
حل الصمت للحظات قبل أن يصدح صوتها الواثق وهي تقول :-
” بالطبع … لا مانع عندي …”
” هي تدعوك الليلة على العشاء في منزلنا ..”
” الليلة ..؟!!”
رددتها غالية بدهشة قبل أن تضيف بجدية :-
” حسنا لا مشكلة …”
” إذا سأخبرها إنك تقبلين الدعوة ..؟!”
ردت بجدية :-
” نعم أقبل ..”
ابتسم مرددا بترحيب :-
” ستنيرين منزلنا يا غالية ..”
ردت بخفوت :-
” أشكرك يا فراس .. المنزل منير بأصحابه ..”
ودعها بعدها وهو يبتسم براحة ليقود سيارته بسرعة أكبر بينما تأملت غالية الهاتف بتعجب …
تعجبت من طلب والدته لكنها لم تستطع الرفض ..
لا تعلم لماذا شعرت إن رفضها نحو من الضعف او الهزيمة ..
لم تفهم سبب شعورها هذا لكنها وجدت نفسها توافق وكأنها وضعت أمام تحدي بتلك الدعوة وهي بدورها قبلت التحدي دون تفكير ..
في المشفى ..
دلف عمار الى الغرفة التي تقطن بها بوسي ليجد الممرضة عندها تسألها عن أحوالها ..
تلاقت نظراتها الحادة مع نظراته الباردة لتستأذن الممرضة وتخرج تتركهما لوحديهما …
” كيف حالك ..؟!”
قالها وهو يتقدم نحوها متأملا جسدها الذي يلتف أغلبه بالشاش الأبيض وساعدها المجبر وقدمها اليمنى التي تم تجبيرها هي الأخرى ..
” لماذا أتيت ..؟!”
سألته بصوت خرج حادا رغم ألمها الشديد ليبتسم ببرود وهو يقول :-
” أردت الإطمئنان عليكِ يا بوسي … لم أستطع النوم من شدة القلق عليك ..”
” اخرج من هنا …”
قالتها بصوت حاد رغم ضعفها الواضح ليهتف بجدية :-
” سأخرج لكن سنتفق على شيء ما .. اذا جائك الشرطي وأراد التحقيق معه .. ستخبريه إنكِ فقدتِ توازنك ووقعتِ من أعلى الدرج .. هكذا فقط .. اتفقنا عزيزتي ..؟!”
ردت ببرود :-
” هذا ما كنت أنوي قوله أساسا .. لكن لا تظن إن هذه النهاية … يوما ما سأنتقم منك على ما فعلته بي .. سأثأر لنفسي ولإبني الذي خسرته بسببك .. ”
ضحك مرددا بخفة :-
“لا تبالغي يا بوسي .. صدقيني هذا الأفضل لك ..”
” لا أبالغ .. انت حاولتِ قتلي يا هذا .. دفعتني من أعلى السلم ..”
رددتها بإنفعال جعلها تتألم بقوة ليبتسم مرددا بإستفزاز :-
” لا تنفعلي بهذه الطريقة عزيزتي .. إنفعالك يضاعف من ألمك ..”
” اخرج من هنا حالا ..”
قالتها وهي تتحامل على نفسها كي لا يظهر ألمها على ملامحها ..
” سأخرج ولكن تذكري اذا ما حاولت الغدر بي والتفوه بأي شيء أمام الشرطي سأحاربك بأكثر شيء تحبينه وتنجحين به .. عملك وشركتك الصغيرة يا بوسي ..”
ردت وهي تلعنه داخلها :-
” لا يهمني أي شيء بعد الآن .. حتى الإتفاقيات التي بيننا جميعا ملغية .. لا يهمني ما سأخسره .. المهم إنني لا أريد رؤية وجهك بعد الآن .. ”
أضافت بعينين تلمعان بإصرار :-
” لكن كن واثقا إن نهايتك ستكون على يدي يا عمار .. فأنا لست هينة أبدا .. انت قررت الإستخفاف بي وستنال عقوبة فعلتك المتهورة .. حقي وحق ابني سأناله ولو بعد حين …”
” أنتظر ذلك بكل لهفة يا بوسي ..”
قالها ببساطة وهو يرفع يده مودعا قبل أن يخرج لتأخذ نفسها بصعوبة وهي تشعر بألم في قلبها يفوق ألم جسدها بمراحل
أيام جديدة تمر وهي في قصر عمها ..
أيام عديدة مرت وهي بدأت تعتاد قليلا على وجودها بين هذه العائلة الضخمة ..
كانت عائلة عمها كبيرة والقصر لا يخلو من الزوار وهي بدورها ما زالت تحاول الاعتياد على أفراد العائلة الأساسيين بينما تختار الإنعزال في غرفتها عندما يأتي الزوار الى القصر حتى لو كان الضيوف من بنات عمها او عائلة عمتها ..!!
اليوم ستعود ابنة عمها من السفر وهناك حفلة بسيطة لإستقبالها بوجود أخوانها الثلاثة المقيمين في المنزل أما الرابع والذي لم تلتقِ به سوى مرة واحدة لا تعرف اذا ما كان سيأتي أم لا .. هي لا تعرف لمَ لا يعيش في القصر كبقية أخوانه وتستغرب عدم حضوره أيا من جلسات العائلة وحتى ذلك التجمع العائلي كل جمعة والذي يصر عمها عابد عليه والتي بدورها مجبورة على حضوره …
جلست على الكنبة في صالة الجلوس بفستانها الأخضر الرقيق المقارب للون عينيها …
شعرها مرفوع بشكل ذيل حصان ووجها على طبيعته التامة ورغم هذا بدت جذابة بملامحها الناعمة اللطيفة ….
تأملت همسة التي تشرف على إعداد المفاجئة الخاصة بإستقبال الإبنة العائدة في رحلة قصيرة خلال إجازتها الدراسية ..
لا تعرف الكثير عن ابنة عمها لكنها تتذكر لقائاتهما القليلة وتتذكر كم كانت لطيفة ومحبوبة …
زوجة عمها عادت منذ أيام وتعاملت معها بلطف إستغربته قليلا لكنها تذكرت إنها لم تلتقِ بها سوى مرات قليلة جدا وهذه المرة الأولى التي تتعرف عليها عن قرب لتكتشف إنها غاية في الرقي واللطافة …
تقدمت زوجة عمها تسأل همسة بفرحة بالغة لعودة ابنتها الوحيدة :-
” هل كل شيء جاهز يا همسة ..؟!”
ردت همسة وهي تبتسم لها :-
” كل شيء جاهز خالتي … ”
التفتت زهرة زوجة عمها نحوها تتأملها للحظات قبل أن تهتف بإبتسامتها الرقيقة المعتادة :-
” كم تبدين جميلة يا جيلان بهذا الفستان الذي يشابه لونه لون عينيك …”
ابتسمت جيلان بخجل وهي تشكرها بخفوت بينما صدح صوت الإبن الأصغر يهتف ممازحا وهو يتقدم نحوهم :-
” إنها ميزة العيون الخضراء يا والدتي العزيزة .. هذا اللون تحديدا يمنح لكل من يمتلكه هالة من الجاذبية … همسة وجيلان ابسط مثال على ذلك ..”
قالها وهو يشير الى الفتاتين اللتين تحملان نفس لوني العين .. اللون الأخضر وإن كانت عينا همسة أفتح قليلا من عيني جيلان …
ابتسمت همسة وهي تردد مشاغبة :-
” لم أكن أعلم إنك من محبين صاحبات العيون الخضر …إذا أردت يمكنني البحث عن عروس مناسبة لك ذات عينين خضراوين ..”
” لم سأبحث وجيلان موجوده ..؟!”
وما إن أنهى كلماته حتى صدح صوت رجولي حاد قليلا يردد بسخرية لاذعة :-
” رائع .. ينقصنا شيخ فقط ووالدي يأتي ومعه راغب و راجي ليشهدا على عقد القران وانا أبارك لكما …”
كحت زهرة بحرج بينما شعرت جيلان بخجل مضاعف اما فيصل فإبتسم بهدوء وتقدم نحو جيلان يحاوطها بذراعيه مرددا بقصد :-
” ولم لا ..؟! أين سأجد عروسا أفضل من جيلان ..؟! لكن سأنتظرها حتى تتم الثامنة عشر من عمرها و ..”
قاطعه يصيح به بحدة :-
” ابتعد عنها ..”
صاحت زهرة تؤنب ولديها بقسوة :-
” ماذا يجري هنا بالضبط ..؟!”
أضافت وهي تشير الى فيصل :-
” ابتعد عن الفتاة يا فيصل ولا تبالغ في مزاحك مرة اخرى ..”
أضافت تنهر مهند هذه المرة :-
” وأنت حاول أن تنتقي كلماتك مرة ثانية ..”
أضافت بضيق :-
” أحرجتما الفتاة بتصرفاتكما السخيفة هذه …”
ابتسم فيصل بحرج بينما احتقنت ملامح مهند بقوة من حديث والدته لتهتف زهره وهي تتقدم نحو جيلان تربت على شعرها بحنو :-
” لا تنزعجي منهما يا حبيبتي .. هما هكذا دائما .. فيصل مزاحه ثقيل ومهند جلف قليلا .. أعتذر منكِ نيابة عنهما ..”
ردت جيلان بسرعة وصوت ضعيف :-
” لا داعي لذلك .. لست منزعجة ..”
أضافت وهي تنهض من مكانها بملامح مرتبكة :-
” سأخرج الى الحديقة قليلا … ”
” تفضلي حبيبتي ..”
قالتها زهرة وقد تفهمت رغبتها بالإنفراد بنفسها قليلا لترمي ابنيها بنظرات مشتعلة شديدة الغضب ما إن خرجت جيلان وهي تردد بقوة تليق بها :-
” لو لم نكن ننتظر وصول أختكما التي لا أرغب أن يتم إستقبالها بشكل كهذا لكنت تصرفت معكما بطريقة تلائم حماقة ما فعلتماه ..”
كح فيصل بحرج بينما اندفع مهند بغضب خارج المكان واتجه تحديدا الى الحديقة وهو قاصدا ان يذهب الى هناك …
تقدم بخطوات حذرة ليجدها تقف في أحد اركان الحديقة تأخذ نفسها عدة مرات وهي تردد داخلها :-
” شهيق وزفير يا جيلان .. كما أخبرتك الطبيبة …”
تأملها بجبين متغضن وهو يراها تستنشق الهواء ثم تزفره بقوة …
تقدم نحوها بعدما لاحظ توقفها عما تفعله ليرى نظرات القلق في عينيها ما إن رأته يتقدم نحوها ..
” ماذا تفعلين لوحدك هنا ..؟!”
سألها وهو يحرك بصره بإهتمام حول وجهها لترد بتلعثم واضح :-
” انا فقط .. انا أردت أن .. ”
صمتت ولم تعرف بماذا تجيب ليرفع حاجبه مرددا بسخرية خفية :-
” هل سؤالي صعب لهذه الدرجة ..؟!”
وقبل أن تجيب كان صوت فيصل يصدح مجددا وهو يتقدم نحويهما قائلا بمرح :-
” تعالي يا جيلو .. نزار يبحث عنك منذ الصباح لتساعديه في تخطي المستوى السادس من اللعبة ..”
توقف أمامها ليرفع مهند حاجبه مرددا بتعجب :-
” جيلو ..”
اومأ فيصل يقول وهو يكتم ضحكته بصعوبة :-
” نعم جيلو .. دلع جيلان ..”
” وتدلعها ايضا ..”
رددها مهند بتهكم قبل أن يقول مدعيا التفكير :-
” برأيي إن هناك دلع ملائم كثيرا لإسم جيلان .. جيجي مثلا ..”
ولم يكن يعرف إنه بما قاله عاد ذكرى سيئة للغاية لعقلها وهي تتذكر ذلك الشاب وهو يناديها بجيجي مخبرا إياها إنه يليق بها للغاية وبجمالها ..
شعرت بالإختناق في تلك اللحظة وعادت الذكريات مجددا بمجرد تذكرها بكل شيء فبدأت ذكريات ما حدثت تتدفق داخل عقلها ككابوس لا ينوي أن يفارقها طوال حياتها …
لاحظ فيصل شحوب وجهها فتقدم نحوها يسألها بإهتمام :-
” جيلان .. هل أنت بخير ..؟!”
وقبل أن يلمسها كانت تضع يدها على صدرها وهي تشعر بشيء ما يخنقها بشدة وهي لا تستطيع التنفس ..!!
تأمل مهند ما يحدث بدهشة قبل أن يسارع ويقبض على ذراعها بقوة يهمس لها بجانب أذنها :-
” اهدئي وحاولي أن تأخذي نفسك جيدا ..”
لكنه فوجئ بها تدفعه وهي تنتفض وتصرخ بفزع :-
” لا تلمسني …”
لحظات قليلة وبدأت تسعل بقوة بينما مهند ما زال مصدوما من ردة فعلها ..
حاول فيصل أن يقترب منها لكنها إنكمشت على نفسها كليا وهي تحاول السيطرة على إختناقها عندما هتف فيصل بسرعة :-
” سأنادي راجي فهو في المنزل ..”
وبالفعل ركض لينادي أخيه الأكبر الذي عاد مبكرا على غير العادة لأجل استقبال اخته ..
بعد حوالي عشر دقائق فتحت جيلان عينيها لتتفاجئ بالجميع حولها ..
راجي الذي يقيس ضغطها وهمسة التي تجلس جانبها تربت على شعرها بحنو والقلق واضح على معالمها ..
عمها يقف فوق رأس ابنه بملامح مرتعبة وزوجته جانبه والقلق يسيطر عليها هي الأخرى ..
وعلى الجانب الآخر يقف فيصل ومهند الاول يبتسم لها محاولا طمأنتها والثاني يتأملها بجمود …
” ماذا حدث يا راجي .. ؟! طمأني يا بني ..”
سأل عمها عابد ولده بخوف واضح ليجيب راجي بجدية بعدما انتهى من قياس ضغطها :-
” لا شيء يدعو الى القلق ..”
قاطعه فيصل متسائلا :-
” كيف ذلك وهي فقدت قدرتها على التنفس ؟!”
قاطعه راجي بهدوء مريب :-
” لا شيء يدعو الى القلق يا فيصل .. حالة كهذه تحدث مع البعض أحيانا ..”
أضاف وهو يشير الى الجميع بعينيه :-
” اتركوها ترتاح قليلا ..”
أضاف مشيرا الى همسة :-
” ابقى معها يا همسة فقد تحتاج شيئا ..”
أضاف بصوت صارم :-
” هيا نخرج جميعا فوجودنا جميعنا هنا ليس جيدا لأجلها ..”
خرج الجميع تدريجيا لتبقى هي مع همسة التي سألتها وهي تربت على وجهها :-
” هل أصبحتِ أفضل الآن ..؟!”
ردت جيلان بتعب :-
” نعم أفضل قليلا ..”
أضافت متأسفة :-
” أعتذر على ما تسببت به من فوضى ..”
هتفت همسة بسرعة :-
” لا عليكِ حبيبتي .. المهم أن تكوني بخير ..”
اما في الخارج وقف عابد أمام إبنه يسأله بإهتمام :-
” أخبرني الحقيقة يا راجي .. هل جيلان تعاني من مرض مزمن ..؟! هل هناك خطورة عليها ..؟!”
هم بالرد لكنه توقف وهو يرى مهند يقف مقابلا لهما ينتظر جواب أخيه الذي خرج جادا :-
” لا يوجد شيء خطير .. ما حدث معها نفسي وليس عضوي .. هي تعاني من مشكلة ما وما يحدث معها بسبب أزمة نفسية يجب أن نعلم سببها ونعالجها .. لكن عضويا هي سليمة بناء على ما رأيته .. ”
سأله مهند بجدية :-
” ماذا تعني بأزمة نفسية ..؟! هي لم تكن قادرة على إلتقاط نفسها حتى …”
” وهذا ما أتحدث عنه .. هذه نوع من الأعراض التي تظهر على الأشخاص الذين يعانون من أزمة نفسية .. ربما هذا العارض لديها منذ سنوات حتى ..”
” وما الحل يا راجي ..؟!”
سأله عابد بإهتمام ليتنهد راجي وهو يجيب :-
” يجب أن نعرضها على طبيب نفسي في اقرب وقت ..”
ثم رمق مهند بنظراته ليجد الوجوم يسيطر على ملامحه فهمس مضيفا :-
” لنهبط الى الطابق السفلي .. تولاي ستصل بعد قليل ..”
وبالفعل هبط الثلاثة الى الطابق السفلي ليكونوا في استقبال اختهم الصغيرة ..
بعد مرور حوالي ساعة كانت قد وصلت تولاي ورحب الجميع بها بسعادة فصغيرة المنزل ومدللة الجميع قد وصلت ..
راغب بدوره وصل وعلم ما أصاب جيلان لكن راجي أخبره ألا يذهب إليها حاليا ويكفي وجود همسة معها ..
مرت نصف ساعة أخرى وتولاي تجلس بينهم تتحدث بحماس وسعادة عندما انتبه الجميع على دخول همسة ومعها جيلان الى المكان ..
نهضت تولاي بسعادة وركضت نحو همسة تعانقها بمحبة أخوية وهي تهمس :-
” لقد اشتقت لكِ كثيرا .. لماذا لم تكوني في إستقبالي كالبقية ..؟!”
ردت همسة وهي تبتسم لها :-
” الحمد لله على سلامتك حبيبتي .. كنت مع جيلان فهي كانت متعبة قليلا ..”
تقدمت تولاي نحو جيلان تبتسم لها بمحبة وهي تقول :-
” اهلا جيلان … كيف حالك ..؟! سعدت كثيرا برؤيتك اليوم .. مر وقت طويل على آخر مرة اجتمعنا .. ”
ابتسمت جيلان ترد بخجل :-
” اهلا توليب … الحمد لله على سلامتك ..”
عانقتها توليب او كما يناديها الجميع بتولاي وهي تردد :-
” من الجيد إنك هنا .. منذ وقت طويل وكنت أرغب في التعرف عليك عن قرب .. تخيلي يكون لي ابنة عم جميلة مثلك ولا أراها إلا نادرا ..”
ابتسمت جيلان بنفس الخجل ولم ترد عندما وجدت نزار يقترب نحوها ويسألها :-
” هل أصبحت أفضل ..؟! فيصل قال إنك متعبة قليلا ..”
ابتسمت وهي تنحني نحو الصغير بمحبة خالصة :-
” انا أفضل الآن يا نزار .. لا تقلق ..”
صدح صوت سيف يتقدم منها متسائلا :-
” اذا سوف تساعدينا في تخطي المستوى القادم من اللعبة ..”
ضحكت توليب تردد :-
” يبدو إن هناك من سرق محبة الصغيرين مني .. ”
ابتسمت جيلان بحرج بينما هتفت همسة بفرحة :-
” سيف ونزار تعلقا بجيلان كثيرا … لا يتركان الفتاة وشأنها أبدا ..”
هتفت جيلان برقة :-
” انا أحبهما كثيرا أيضا …”
صدح صوت زهرة يردد بحماس :-
” هيا إذا ، بما إنا جيلان أصبحت أفضل فالجميع سيذهب الى غرفة الطعام .. الطعام جاهز وينتظركم جميعا ..”
نهض الجميع من مكانهم متجهين الى غرفة الطعام حيث جلس كل شخص في مقعده عندما انتبه مهند الى فيصل الذي جلس بجانب جيلان وأخذ يمازحها كعادته فتبتسم هي له برقه ..
أخذ موقعه بجانب توليب التي انحنت نحوه تهمس بتساؤل :-
” كيف حالك يا مهند ..؟! ”
رد بجدية :-
” بخير الحمد لله ..”
ابتسمت وهي تعلم داخلها إنه عكس ما يدعي لكنها آثرت الصمت وبدأت في تناول طعامها ..
مر الطعام بأجواء مرحة خاصة بفضل فيصل وتوليب والصغيرين ..
اتجه الجميع بعدها نحو غرفة الجلوس حيث تقدمت الخادمة تقدم القهوة لهم …
أشار راغب بعدما أنها تناول فنجان قهوته الى مهند الواجم طوال الجلسة :-
” أريد التحدث معك قليلا .. سأنتظرك في المكتب ..”
لكن مهند نهض بدوره وقال :-
” سآتي معك أساسا ..”
وذهبا سويا الى المكتب عندما فوجئ مهند بأخيه يمنحه شيكا بمبلغ خمسين الف دولار فسأله بدهشة :-
” ما هذا الشيك ..؟! لماذا تمنحني مبلغ كهذا ..؟!”
رد راغب بجدية :-
” من الآن فصاعدا سأمنحك مبلغ كهذا بشكل مستمر .. ألم نتفق على تأمين مستقبلك لأجل السفر بعد انتهاء مدة زواجك من جيلان .. ها أنا أنفذ وعدي كي تدرك جيدا مدى صدقي معك ..”
ابتسم مهند مرددا بتهكم :-
” من هذه الناحية انا مطمئن تماما فراغب بك الهاشمي لا يخلف وعده ..”
رد راغب بقوة :-
” هذا صحيح .. راغب الهاشمي لا يخلف وعدا قطعه لأحد مهما حدث ..”
وضع مهند الشيك في جيبه وخرج عندما وجد فيصل أمامه يسأله بإهتمام :-
” هل حدث شيء ما يا مهند ..؟!”
” شيء مثل ماذا ..؟!”
سأله مهند بتحفز ليرد فيصل بعفوية :-
” مشكلة بينكما مثلا ..”
رد مهند ببرودة:-
” بيني وبين راغب لم يحدث شيء .. لكن بيني وبينك سيحدث اذا لم تتوقف عن تصرفاتك ..”
لم ينتبها كلاهما على جيلان التي كانت قد خرجت من صالة الجلوس بنية التوجه الى غرفتها وهي تحمل معها هدية توليب التي جلبتها لها من الخارج كما جلبت الهدايا للجميع ..
توقفت جيلان وهي تستمع لصوت فيصل يردد بسخرية :-
” ماذا حدث ..؟! عم تتحدث بالضبط ..؟! هل تقصد تصرفاتي مع جيلان وإهتمامي بها ..؟!”
ضحك مضيفا وهو يلاحظ إمارات الغضب ترتسم على وجه أخيه :-
” أنا أتعامل معها بكل عفوية وأراها كتولاي تماما ..لا تنسى إنها إبنة عمي بل وزوجة أخي أيضا ..”
تصنمت جيلان للحظات وهي تستمع الى كلمته الأخيرة لكن ما سمعته بعدها على لسان مهند وهو يقول :-
” من الجيد أن تتذكر هذا دائما .. وتذكر أيضا إنها لم تعلم بعد بأمر زواجها مني .. لا تهتم بها هكذا فربما تتعلق بك دون أن تعي ..”
تجمدت ملامح فيصل وهو يحاول ان يستوعب ما يقوله أخيه والذي لم يفكر به مطلقا بينما انتبه الاثنان على صوت شيء ما يسقط على الأرض فإلتفتا نحو الخلف ليجدا جيلان أماميهما تطالعهما بنظرات مذعورة وقد سقطت هديتها أرضا وتحطمت تماما كما تحطمت روحها منذ زمن ..
جلس نديم بجانب حياة بعدما منحها كوب قهوتها البلاستيكي على المسطبة المطلة على البحر في جلسة بات يحبها كثيرا ..
” سأشتاق الى جلستنا هنا كثيرا …”
قالتها بعفوية وهي ترتشف القليل من قهوتها ليبتسم وهو يردد :-
” هناك أيضا يوجد بحر بالتأكيد ..”
ردت تسأله بجدية :-
” هل حددت وجهة سفرنا …؟!”
ردت بجدية :-
” نعم حددت .. سنسافر الى امريكا … وتحديدا في ولاية كاليفورنيا ..”
أضاف بعدها :-
” لدي صديق هناك سيكون في استقبالي ويساعدنا في الكثير من الأمور .. هو يقيم هناك منذ اكثر من عشرة أعوام ..”
هتفت بتردد :-
” ظننت سوف نسافر الى كندا ..”
رد بتجهم :-
” كلا ، لا اريد كندا ..”
ابتسمت بخفوت ولم تعقب عندما سألها بإهتمام صادق :-
” هل تفضلين السفر الى مكان آخر ..؟! هل تريدين كندا تحديدا ..؟؟”
ردت بصدق :-
” لا يهمني المكان يا نديم .. المهم أن يكون مكانا مناسبا ومريحا والأهم أن نكون معا …”
ابتسم بسعادة على ما قالته قبل أن يهتف بجدية :-
” أنت تثيرين داخلي الكثير من الأحاسيس التي أعجز عن تفسيرها … أحاسيس جديدة ولذيذة للغاية وهذا ما يجعلني أكثر من راضي بها …”
أنهى كلماته وعيناه ما زالتا تحاصران بنيتيها المتلهفتين لسماع المزيد لينحني قليلا ويطبع قبلة بطيئة طويلة على موضع غمازتها التي يجب تقبيلها دائما …
ابتعد عنها متأملا عينيها المغمضتين بإستمتاع للحظات قبل أن يهمس بصوت خافت أجش:-
” افتحي عينيك يا حياة …”
فتحت عينيها بسرعة لتجده يرمقها بنظرات غريبة قليلا قبل ان يعاود الانحناء قليلا مقربا وجهه من وجهها مرددا بحميمية :—
” أنتِ مصدر قوتي يا حياة … تذكري هذا دائما …”.
توقف عن حديثه وأنفاسه الدافئة تلفح وجهها لتحمر وجنتيها لا إراديا من قربه هذا ..
كان الجو دافئا ونسمات الهواء الرقيقة تلفحهما بخفة ..
البحر وأمواجه والشمس التي غربت تماما ..
قربهما من بعضهما كان مثاليا في ذلك الوقت وهو لم يستطع مع نفسه مما يريد فعله ..
انحنى نحوها وطبع قبلة رقيقة وبطيئة على شفتيها المغلقتين تماما .. هكذا فقط .. قبلة رقيقة للغاية وناعمة ..
شعرت بقلبها ينبض بعنف وهي تتأمل تلك المشاعر الصريحة داخل عينيه والمليئة بالرغبة ..
” نديم ..”
همستها بصوت ضعيف فقال بسرعة :-
” أعتذر لكنني كنت أود تجربتها منذ مدة طويلة …”
أضاف وهو يسير بأنامله فوق شفتيها مفكرا إنها لم تكن قبلة كتلك المتعارف عليه .. هو فقط تلامس رقيق بين شفتيه وشفتيها الناعمتين وكم تمنى أن يقبلها بالفعل لكن لا بأس .. سينتظر حتى تصبح ملكه وينال منها ما يريد وهي حلاله ..
عند هذه الكلمة شعر ببرودة غريبة في روحه وجسده وذكرى لليلة عابرة مع بائعة الهوى كانت إثما عظيما إرتكبه بلا وعي ..
” ماذا حدث يا نديم ..؟!”
سألته بقلق وهي تلاحظ تحول ملامحه عندما همس وهو يتبلع ريقه بتوتر :-
” هناك شيء هام يجب أن تعرفينه ..”
توقفت للحظة تتابع الجمود الذي سيطر على ملامحه تماما ..
جمود مريب ينبئ بشيء قادم لن يرضيها او قد يؤلمها ..
” ماذا حدث ..؟!”
سألته بتوجس ليتقدم نحوها ويحيطها بذراعيه دون أن يحتضنها فعليا .. فقط ذراعها تحاوطان جسدها ..
” يوما ما إرتبكت إثما كبيرا .. ذنب ما زال يخنقني كلما تذكرته …”
” عم تتحدث بالضبط ..؟!”
سألته بترقب ونبضات قلبها بدأت ترتفع لا إراديا ليأخذ نفسا طويلا ثم يقول بعدها :-
” من حقك أن تعرفي … انت لستِ الأولى في حياتي … ”
صمت قليلا يراقب بهوت ملامحها ليضيف شارحا :-
” انا أتحدث عن العلاقة الجسدية …لقد مارست علاقة جسدية كاملة مسبقا دون وجود رباط شرعي حتى ..”
تجمدت ملامحها هي هذه المرة لما تسمعه قبل أن تسأل بخفوت مهيب :-
” من هي ..؟!”
رد بصوت منخفض خجل :-
” انا لا أتذكرها حتى .. كانت بائعة هوى ..”
” توقف من فضلك ..”
قالتها بنبرة قوية وعيناها بدتا باردتين بهذا الشكل لأول مرة …
” حياة ..”
نهضت من مكانها بلا وعي وشعرت إنها تراه للمرة الأولى … تراه مختلفا عما اعتادت عليه ..
نهض هو الآخر يهتف بتوسل :-
” اقسم لك إنني لم أكن بكامل وعيي حينها .. كنت يائسا للغاية فتناولت الكثير من المشروب … ”
أضاف بأنفاس متقطعة :-
” انا صحيح لست متدينا يا حياة لكنني لست زانيا ولست ممن يتناولون المشروبات الكحولية … لم أزني يوما ولم أتناول الخمر .. فقط هذه المرة بعد خروجي من السجن مباشرة .. لا يوجد مبرر لما فعلته لكنني نادم جدا .. نادم لإنني تصرفت على هذا النحو .. تصرفت بشكل يخالف ديني الذي يحرم فعلا كهذا وخالفت ما تربيت عليه ايضا .. ”
أضاف بخفوت :-
” شعرت إنه من أبسط حقوقك أن تعلمي ذلك ..”
طال الصمت بينهما بعدها وكلاهما يتبادل النظرات عندما همست أخيرا بنبرة جافة :-
” اريد العودة الى المنزل من فضلك .. أحتاج أن أبقى لوحدي قليلا ..”
اوقف فراس سيارته في كراج منزله واستدار نحوها يبتسم لها بخفة عندما هتف يسألها :-
” هل مستعدة اذا ..؟!”
ردت بثقة :-
” بالطبع مستعدة ..”
هبط من سيارته واتجه نحوها يفتح لها بابها فهبطت وهي تبتسم له برقة وتحمل بيدها باقة ورد أنيقة مع هدية بسيطة …
تقدمت الى الداخل عندما فتحت الخادمة لهما الباب وهي تبتسم لهما بعملية ..
دلفا الى الداخل حيث أشار فراس الى الخادمة أن تأخذ منها باقة الورد والهدية ..
منحتها غالية الاثنتين وسارت جانبه عندما دخلا الى صالة الجلوس الخاصة بإستقبال الضيوف لتجد والدته وأخته وأخيه ومعهم طفل صغير في إستقبالها..
قادها فراس نحو والدته وعرفها عليها قائلا :-
” باسمة هانم يا غالية .. والدتي …”
” مرحبا يا هانم ..”
قالتها غالية وهي تبتسم برسمية لتشعر بنظرات باسمة تخترقها تماما ..
لحظات ونظرات المرأة الكبيرة في السن تطالعها بإهتمام غامض قبل أن تبتسم بتكلف وهي ترد تحيتها :-
” اهلا بك يا ابنتي …”
اتجه بعدها نحو فادي وقال معرفا عنه :-
” وهذا فادي .. أخيه الوحيد والذي يصغرني بأعوام قليلة .. هو مقدم في الشرطة ..”
” اهلا سيادة المقدم ..”
قالتها غالية وهي تمد يدها لمصافحته ليتأملها فادي بإعجاب ليس لجمالها فقط بل للثقة الواضحة المشعة من عينيها ولباقتها الجذابة فرد وهو يبتسم لها :-
” اهلا بك يا هانم ..”
أضاف وهو يتقدم بها نحو لوجين :-
” وهذه لوجين صغيرتنا .. ما زالت طالبة جامعية ..”
ابتسمت غالية تحييها فردت الفتاة تحيتها برقة قبل ان يتجه فراس نحو الطفل الصغير ويقول وهو يحتضنه رغم جمود الطفل الواضح :-
” وهذا صغيري وحيدي .. تميم ..”
” اهلا بك ..”
قالتها غالية وهي تبتسم له بلطف تتأمل ملامح الطفل الجميلة ليهمس فراس لإبنه :-
” هذه غالية يا تميم … رحب بها ..”
هتف تميم بفتور :-
” اهلا بك …”
سمعت غالية صوت باسمة يصدح بقوة وهي تنهض من مكانها :-
” الطعام جاهز .. تفضلوا الى غرفة الطعام ..”
أشار لها فراس أن تتقدمه فسار الجميع الى غرفة الطعام حيث ترأست باسمة المائدة كعادتها وعلى يمينها جلس كلا من فادي ولوجين وتميم وعلى يسارها جلس فراس وجانبه غالية ..
بدأ الجميع يتناول طعامه عندما سألتها باسمة :-
” هل أعجبك الطعام يا غالية ..؟!”
ردت غالية وهي تبتسم لها :-
” إنه لذيذ جدا .. أعجبني للغاية ..”
منحتها باسمة إبتسامة شعرت بها غالية إنها ليست ودودة كما تبدو لكنها نحت شعورها جانبا عندما عادت تسألها باسمة :-
” أنت مهندسة اذا ..؟!”
ردت غالية :-
” نعم ، انا مهندسة يا هانم ..”
” وما هو تخصصك ..؟!”
سألها فادي بإهتمام لترد غالية بجدية :-
” انا مهندسة حاسبات .. وتحديدا قسم المعلومات ..”
” تخصص مهم خاصة في عصرنا هذا الذي يعتمد على الألكترونيات أكثر من أي شيء ..”
” معك حق …”
قالتها غالية وهي تبتسم له وتفكر إنه لا يشبه أخيه سوى بسمرة بشرته الخفيفة فهو أوسم من فراس بمراحل ويبدو ذو شخصية قوية ومحبوبة في نفس الوقت …
” فراس قال إنك تعملين في شركة والدك …”
قالتها باسمة وهي تحرك الطعام بشوكتها لترد غالية بجدية :-
” نعم ، انا أدير الشركة مع أخي ..”
” كم أخ لديك ..؟! وهل لديك أخوات ..؟!”
سألتها باسمة بنفس الإهتمام لترد غالية بهدوء :-
” كلا لا أخوات لدي … لدي أخين فقط والاثنان أكبر مني ..”
” انت من عائلة الخولي كما أخبرني فراس ..من هو والدك بالضبط ..؟!”
ردت غالية وقد شعرت بالضيق من طريقة باسمة التي بدت وكأنها تحقق معها :-
” والدي حسين الخولي .. وأعمامي حسن الخولي وحمدي الحولي اذا سمعتي عنهم ..”
ظهر التفكير على ملامح المرأة للحظات قبل أن تقول :-
” نعم تذكرت .. بالطبع أعرفهم .. عائلتك من أكبر العائلات ووالدك رحمة الله كان ناجحا في مجال عمله .. ”
أضافت وهي تتناول القليل من طعامها :-
” لكن اسمحي لي بهذا السؤال .. هل أخيك هو نفسه الشاب الذي تم سجنه بقضية تهريب او ما يشبه ذلك .. ؟! لقد كتبت الصحافة عن هذا الموضوع وقتها ..”
توقفت غالية عن طعامها للحظات بينما تجهمت ملامح فراس عندما رفعت غالية ذقنها تردد بقوة ولا مبالاة :-
” نعم ، نديم أخي .. لقد لفقوا له قضية بيع مواد مخدرة محظور بيعها في الصيدليات .. وللأسف تم حبسه لعدة سنوات …”
” لفقوا ..!!!”
رددتها باسمة بقليل من الإستهزاء عندما هتف فادي محاولا معالجة الموقف :-
” ألم تحاولوا الطعن بالقضية او معرفة المتسبب بهذا ..؟! البحث عن الشخص الذي لديه مصلحة بتصرف كهذا ..؟؟”
شعرت غالية بالمرارة وهي تفكر إن هذا الشخص هو أخوها الكبير لكنها ردت وهي تبتسم بضعف :-
” للأسف لم نتوصل الى شيء .. ”
” ربما أخوك كان مذنبا بالفعل ..”
قالها باسمة ببرود لترد غالية بقوة :-
” اخي لا يحتاج أن يفعل ذلك .. هو لديه الكثير من الأموال والأملاك فوالدي رحمه الله ترك لنا مجموعة شركات ناجحة واملاك كثيرة .. اساسا فكرة الصيدلية كانت مؤقتة .. فهو كان يخطط ليفتح شركة أدوية لكنه أراد أن يخطو خطواته بطريقة محسوبة ..”
هتف فادي بجدية :-
” هناك الكثير ممن يسجنون ظلما … لقد رأيتُ حالات كهذه بنفسي .. البعض ثبتت براءته بعد سنوات من سجنه والبعض للأسف لم يجدوا الدليل الكافي لتبرئته …”
” ألا يقولون يا سيادة المقدم .. ياما في الحبس مظاليم ..”
ابتسم لها فادي وقال :-
” نعم يقولونها وهي جملة واقعية لأبعد حد ..”
قال فراس بجدية محاولا انهاء الحديث :-
” ما رأيكم أن نتناول القهوة في الحديقة .. الجو لطيف للغاية هناك ..”
أيدت لوجين الفكرة وكذلك فادي حيث جلس الجميع في الحديقة لتأتي الخادمة وتقدم القهوة الحارة لهم مع مجموعة من الحلويات وكوب الشاي بالحليب الخاص لتميم ..
” سوف أخذ الكوب لتميم …”
قالتها لوجين وهي تهم بالنهوض لكن باسمة أوقفتها تهتف وهي تشير لغالية :-
” خذيه انتِ غالية .. من المفترض إنك ستصبحين زوجة والده وعليك أن تعرفي كيف تتعاملي معه ..”
” سآخذه أنا ..”
قالها فراس وهو ينهض من مكانه لكن باسمة قاطعته بقوة :-
” قلت ستأخذه غالية .. أم إن غالية لا تريد ذلك ..”
نهضت غالية من مكانها تهتف بذقن مرفوع :-
” بالطبع أريد ..”
ثم حملت الكوب الخاص بالطفل لتشير باسمة بكفها بعيدا :-
” ستجدينه في الجهة الثانية من الحديقة .. يلعب مع كلبه .. أنتِ لا تخافين من الكلاب ، أليس كذلك ..؟!”
ردت غالية بقوة :-
” انا لا أخاف من شيء ..”
ثم اندفعت تحمل الكوب وتتجه نحو الصغير الذي كان يلعب مع كلبه قبل أن يرمقها بنظراته وهي تتقدم نحوه مبتسمة بلطف ..
مدت يدها بالكوب له لكنه لم يأخذه حيث وجدته يسألها ببرود :-
” ماذا تفعلين انت هنا ..؟؟”
” عفوا .. ماذا تقصد ..؟!”
سألته متعجبة من طريقته في التحدث والتي لا تليق بعمره لينهض من مكانه يقابلها مرددا بقوة :-
” انتِ لا يمكنك ان تأخذي مكان والدتي .. ”
” انا لا أريد أن آخذ مكانها يا تميم .. انت فهمت الأمر بشكل خاطئ ..”
كانت تتحدث بصوت رقيق لطيف لكن الصغير هاجمها بعدائية واضحة :-
” أساسا لا يمكنك أن تفعلي ذلك .. فوالدتي يحبها الجميع .. اما انت ..”
صمت قليلا ثم قال هو يشير لها بكفه :-
” انت لا أحد يحبك ولا أحد يريدك .. جدتي لا تريدك أساسا وعمي فادي يرفضك وحتى عمتي لا تريد أن تحل أخرى مكان والدتي .. الجميع لا يريدك لكنهم مجبرون على إستقبالك لأجل والدي … ”
تجمدت أطرافها لا إراديا وهي تسمع ما يقوله ليضيف بتشفى :-
” جدتي قالت إنه لا يمكنك أن تكوني محل والدتي .. قالت إنك لا تناسبين والدي وإنها لن تقبل بك كنة مهما حدث … وعمي فادي قال إنك لن تستطيعي الإستمرار مع والدي لإنه لا يحبك ولن يفعل …”
انحنت تضع الكوب على أرضية الحديقة وهمت بالتحرك وهي تحاول السيطرة على غضبها الذي لن تفرغه في طفل صغير عندما وجدت فراس يتقدم نحوها مبتسما ليتفاجئ بها ترميه بنظرات جامدة وقبل ان يتحدث كان تهمس :-
” انا سأرحل ..”
قبض على ذراعها يسألها بقلق :-
” ماذا حدث يا غالية ولماذا سترحلين الآن ..؟!”
لكنها دفعته وهي تردد :-
” ابتعد عني .. أريد المغادرة حالا ..”
” سأوصلك انا ..”
قالها وهو يقف في وجهها لكنها دفعته بقوة اكبر وهي تصرخ به :-
” ألا تفهم ما أقوله .. أريد المغادرة لوحدي ..”
واندفعت بعصبية غير مبالية بأي شيء ..
خرج من شركته متأخرا ليجدها أمامه فهمس بعدم تصديق :-
” ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت يا مريم ..؟!”
ردت وهي تقترب منه تهتف بجدية :-
” لدي طلب منك ..”
همس متعجبا :-
” طلب ماذا ..؟!”
ردت بجدية :-
” عنوان زوجة والدي .. انت بالتأكيد تعرفه يا عمار ..”
ضحك عمار مرددا بعدم تصديق :-
” ألا يوجد سواي لتسأليه عن شيء كهذا ..؟؟”
ردت بخفوت :-
” نعم لا يوجد سواك .. فأنت تعلم بأمر الزيجة ولا يخفى عنك شيئا … بالطبع لن أسأل ليلى فهي سترفض البوح لي بمكانها …”
” حسنا سأخبرك ..”
قالها مبتسما مفكرا بما ستفعله مريمته بزوجة والدها ..
منحها العنوان لتأخذه منه وتغادر فورا ليبتسم بخفوت ثم يركب سيارته هو الآخر وبعد حوالي ثلث ساعة كان يتصل بليلى يخبرها بإختصار :-
” اختك ذهبت الى منزل سهام .. إلحقي بها سريعا قبل أن ترتكب جريمة ..!!”
أغلق الهاتف دون أن ينتظر ردها ثم حرك هو مقود سيارته مجددا مرددا مع نفسه :-
” للأسف لدي موعد هام وبسببه سأفوت مشهدا مميزا يضاف في فضائح سجل عائلة سليمان وستكون بطلته مريمتي ..”
اما مريم فوقفت امام الباب الداخلي لمنزل والدها الثاني تضغط على الجرس بقوة عندما فتحت الخادمة لها الباب فتقدمت الى الداخل تصيح بقوة :-
” أين سهام .. سهام يا سارقة الرجال .. أين انت ..؟!”
تقدمت سهام نحوها بملامح فزعة من صياحها لتسألها بعصبية ما إن رأتها :-
” ماذا تريدين يا مريم وفي هذا الوقت المتأخر ..؟!”
جذبتها مريم من شعرها تصيح بها بحقد :-
” كل خير يا سهام .. اريد منك كل خير ….”
” ابتعدي عني أيتها المجنونة .. ماذا تفعلين ..؟!”
ردت مريم ضاحكة :-
” مجنونة ..؟! أنتِ لم ترِ الجنون على أصوله بعد ..”
ثم صاحت تنادي أحدهم :-
” ادخلوا أيها الرجال .. هيا المنزل منزلكم ..”
تجمدت سهام وهي ترى مجموعة من الرجال الضخام يدخلون الى منزلها لتهتف بفزع ورعب :-
” ماذا تفعلين يا مريم .. لا تجني ارجوك ..”
ضحكت مريم وهي تربت على جانب وجهها بخفة :-
” لا تقلقي .. لا أنوي لمسك وتلويث يدي الجميلتين بك .. فأنتِ لا تستحقين أن أحبس يوما واحدا بسببك ..”
أضافت وهي ترمقها بنظرات ماكرة :-
” انا فقط سأترك لكِ آثرا جميلا مقابل ما فعلته بوالدتي …”
أشارت الى الرجال :-
” هيا يا رجال .. المنزل أمامكم … حطموا كل شيء أمامكم ..”
صرخت سهام بفزع بينما بدأ الرجال يحطمون الأغراض الثمينة ويقلبون المكان رأسا على عقبا ..
أشارت الى احد الرجال :-
” إمسكها جيدا حتى أنتهي من مهمتي ..”
ثم أشارت الى الخادمة بنبرة آمرة :-
” إتبعيني انت ..”
” لا تقتربي من ابني .. اتركيه نائما في غرفته بسلام ..”
قالتها سهام بنبرة عالية بينما أمرت مريم الخادمة تسألها بعدما صعدت الى الطابق العلوي :-
” أين غرفة تلك الحقيرة ..؟!”
أشارت الخادمة لها بتوتر نحو احدى الغرف فأمرتها مريم مجددا :-
” إتبعيني ..”
سالت أمام الخادمة واقتحمت الغرفة لتسألها :-
” أين تضع مجوهراتها ..؟!”
أشارت الخادمة بتوتر الى الخزانة لتفتحها وتجذب منها علبة ذهبية يوجد داخلها عدة مجوهرات ذهبية وماسيه ثمينة جدا ..
اخذت مريم العلبة وهبطت الى الطابق السفلي لتسأل الرجال :-
” هل أتممتم المهمة ..؟!”
جاء صوت بعضهم وهم يأتون من الغرف الداخلية :-
” كل شيء مدمر تماما كما أمرت يا هانم ..”
” المطبخ والحمامات ..؟!”
سألتهم بجدية ليؤكدون لها إنهم فعلوا ما تريده فتصرخ سهام :-
” حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مريم ..”
ضحكت مريم وهي تردد :-
” كان عليك ان تفكري جيدا عدة مرات قبل الإقتراب من رجل لديه فتاة مثلي ..”
ثم فتحت العلبة وقالت وهي تحمل بعضا من المجوهرات داخلها :-
لكن مريم حملت المجوهرات ورمتها ارضا وأخذت تدعس عليها بقدميها غير مبالية بصياح سهام الذي ما زال ذلك الرجل يمسكها بقوة ..
أشارت مريم الى المجوهرات التي تحطمت اغلبها :-
” هذا المكان المناسب لما ترتديه واحدة مثلك ..”
أضافت وهي تتقدم منها ترفع إصبعها في وجهها :-
” احذرك يا سهام .. انا لست طيبة القلب كأختي .. في الحقيقة اختي ايضا ليست هينة وانت تعلمين ذلك … لكن مع هذا عليكِ ان تعلمي إنني أختلف تماما عنها وعن أي واحدة عرفتها في حياتي .. انا لا يهمني شيء وقد تصدر مني تصرفات لا تتخلينها .. ما حدث قبل قليل شيء بسيط على ما سيحدث لك اذا فكرتِ في تجاوز حدودك او الإقتراب من والدتي مجددا ..”
أشارت بعدها الى الرجال أن يخرجوا تتبعهم هي عندما فوجئت بليلى تتقدم نحوها تسألها وهي ترمق الرجال بعدم تصديق :-
” ماذا كنت تفعلين بالداخل ..؟! ومن هؤلاء الرجال ..؟!”
” فعلت ما يفترض فعله مع إمرأة كهذه ..”
” ماذا فعلت يا مريم ..؟!”
سألتها ليلى بنفاذ صبر لتقص مريم ببساطة ما فعلته ..
انصدمت ليلى من تصرفات أختها ولم تستوعب ما قامت به من تصرف همجي ..
توقفت للحظات تطالعها بعدم تصديق قبل أن تهوي بكفها على وجنة مريم فهذا أقل ما تستحقه على تصرفها ..!!