تحميل رواية «حين يعود الحلم» PDF
بقلم ملك عبد الله احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
"أنتَ وعدتني." بصلي بعدم فهم. "وعدتك إيه؟" "إنك مش هتسبني." "أنا مش هسيبك." "بس هتسافر." "هسافر فترة، بس مش معناه إني هنساكي." "هثق فيك يا أمير." كانت آخر مواجهة بينا من أربع سنين، اتغير فيهم حاجات كتير، وأنا اتغيرت للدرجة إني بدأت أفقد الثقة فيه. معرفش حاجة عنه من وقتها. فكرت هنتبادل المكالمات، والرسائل، والحب! لكن هو نسيني... أو لأ، لسه هستناه. "مفيش أخبار عن ابنك يا طنط؟" لقتها بتتنهد بملل. عندها حق، كل يوم أجى أسألها عليه. أربع سنين بسأل عليه. "كويس الحمدلله يا نور، مش بتزهقي من السؤال ده؟"...
رواية حين يعود الحلم الفصل الأول 1 - بقلم ملك عبد الله احمد
"أنتَ وعدتني."
بصلي بعدم فهم.
"وعدتك إيه؟"
"إنك مش هتسبني."
"أنا مش هسيبك."
"بس هتسافر."
"هسافر فترة، بس مش معناه إني هنساكي."
"هثق فيك يا أمير."
كانت آخر مواجهة بينا من أربع سنين، اتغير فيهم حاجات كتير، وأنا اتغيرت للدرجة إني بدأت أفقد الثقة فيه. معرفش حاجة عنه من وقتها. فكرت هنتبادل المكالمات، والرسائل، والحب! لكن هو نسيني... أو لأ، لسه هستناه.
"مفيش أخبار عن ابنك يا طنط؟"
لقتها بتتنهد بملل. عندها حق، كل يوم أجى أسألها عليه. أربع سنين بسأل عليه.
"كويس الحمدلله يا نور، مش بتزهقي من السؤال ده؟"
رديت بتبرير: "ابن عمي برضه وواجب أسأل عليه، ولا إيه؟"
"واجب فعلًا... هيجي قريب."
عارفين إحساس الحياة الوردية؟ هو ده اللي غمرني. هيجي قريب، هشوفه أخيرًا... أمير!
قربت منها ومسكت إيديها بفرحة: "بتهزري ولا بتهزري؟ أكيد صح؟ لأ، لأ يارب تكوني بتقولي الصدق!"
"جاي يا نور قريب بس..."
ولا أقولك افرحي.
محاولتش أفهم كلامها، كل همي دلوقتي إن أمير جاي. هيوصل، هشوفه. هعاتبه آه على غيابه بعيد عني... بس مش مهم، المهم إنه هيجي.
"مش هتروحي الشغل النهاردة يا نور؟"
"لأ يا ماما."
أمير جاي النهاردة وهعمله الكيكة اللي بيحبها.
قربت مني بحنان: "لسه بتحبيه؟"
اتوترت ورديت بتبرير: "بحبه عشان ابن عمي أكيد. أنتِ عارفة حياتي كلها كانت معاه. من طفولتي لغاية ما سافر. بس رجع."
"لو على إنه ابن عمك بس، فاطمني. أنا خارجة أشتري طلبات وهرجع، عايزة حاجة؟"
نفيت وسابتني، وأنا لسه واقفة مكاني بردد كلماتها في دماغي: لو على ابن عمك بس... لأ، هو مش بس ابن عمي، هو حبيبي!
بقول دايمًا قدامهم إن حبي ليه حب لكونه ابن عمي. لكن معنديش الجرأة أقول إنه حبيبي، حتى معرفتش أقول ليه. بس الأكيد هو عارف، حاسس... زي ما أنا حاسة.
نفضت كل ده من دماغي. مش مهم مين هيبادر. دلوقتي هو جاي وده الأهم.
عملت الكيكة بكل حب. دايمًا بيحبها، ودايمًا كان بيحبني أعملها له. هو برضه حبيبي، كل طلباته مُجابة.
اتنهدت بفرحة وحماس وأنا داخلة البيت، وعارفة إنه موجود. إحساس يستاهل ياخد مليون نجمة!
شددت إيدي على طبق الكيكة بتمسك عشان يكون هو أول شخص يشوفها.
بس فوق ده كله، كنت متوترة جدًا، خايفة. وكأن الإحساس فترة بسيطة. بس شجعت نفسي: أخيرًا هو موجود يا نور. صاحبك، حبيبك، جوه... يلا ادخلي شوفيه، وشوفي هل اتغير في الأربع سنين.
دخلت بخطوات حماسية وماما جنبي. ببص في الجهات حواليّ عشان أشوفه... لكن أملي خاب. أهله كلهم قاعدين ما عدا هو. فكرته هيستناني، بس الأكيد إنه تعبان وبيرتاح. عادي يا نور.
دخلت وسلمت عليهم، وقعدت جنب عمي بود. وفضلنا نهزر مع بعض مستنيين أمير ينزل.
وفجأة... أمير نزل.
كل الأنظار اتسلطت عليه، وأولهم أنا. لكن فرحتي اتلاشت ببطء... نازل وفي إيده إيد بنت!
ضربات قلبي عليت، وأنا بحاول لسه أرسم الابتسامة عليّا. بحاول أستفهم... وكل اللي دار في عقلي: إن حياتي انتهت.
لكن لسه جوايا بيهرب من الحقيقة.
وقفت واتكلمت بهزار: "أمير! أنتَ طلع عندك أخت ولا إيه؟!"
نقلت نظراتي لعمي واتكلمت بنفس النبرة: "أنتَ اتجوزت على طنط وجبت ولاد كمان يا عمي؟"
"دي مرات أمير يا نور."
دي نبرة مرات عمي. بصتلها بصدمة، وبحاول أستوعب هي قالت إيه. بصيت لماما باستنجاد. قامت ووقفت جنبي: "ولسه جايين تعرفونا يا سميرة؟! ده إحنا قرايب برضه."
"لأ يا مرات عمي... أنا اللي عرفتهم. محدش يقول دلوقتي بسبب كم لخبطة عندي معلشي، امسحيها فيّا المرة دي. وبعدين ده سلامك عليّا بعد الغياب ده كله؟"
نبرة صوته زي ما هي. فكرت إني هنساها، بس اكتشفت إني لسه عارفاها... حافظاها. شكله اتغير، ضحك، بقى مختلف. نظراته غريبة... مش اللي متعودة عليها.
"نسيتيني ولا إيه يا نور؟!"
قالها بهزار وهو بيقرب مني. ده مش أمير! مستحيل! لأول مرة أحس إني واقفة قصاد شخص غريب.
"أنتَ نسيتني يا دكتور."
"دكتور؟... امممم لأ، لسه فاكرك."
"حظ أوفر... أنا نسيتك."
قولتها وسبته مكانه، وجريت على بيتي. يمكن أحاول أفهم اللي بيحصل حواليّ. يمكن أحاول أفهم فين أمير... حبيبي.
عدى شهر وأنا مش بخرج من بيتي. كنت بحاول أستوعب ليه عمل كده. انهرت يومها كتير، بكيت وتعبت وكنت لوحدي. أصل مين هيعرف بعذابي غيري؟ أصل أنا السبب، أنا اللي عملت في نفسي كده. حبيت شخص غلط، وثقت فيه، اديته عمري كله، وهو غدر بيّا.
إحساس الوجع كان ملازمني، قلبي كان حزين. بفتكر ذكريات كانت بينا، حلوة ومميزة، هو دمرها. فيها إيه لو كان لسه معايا، حبني، عاش عمره معايا. ليه حبيبتُه؟!
دخلت ماما عليّا: "إيه يا نور، مش كفاية عليكي كده؟ لا بتروحي شغلك من شهر ولا بتخرجي من أوضتك. إيه يعني قطعتي علاقتك بصحبتك، ده كله عشان إيه؟ قولتلك هاتي أكلمها ونشوف الخناقة اللي ما بينكوا وأنتِ رافضة، لكن حالة الاكتئاب اللي أنتِ هتضيعي نفسك فيها مش هتنفع. كليتك بكرة عايزة تقوليلي مش راحة كمان ما هي ناقصة دي كمان."
اتنهدت بحزن وأنا بكمل كذب على ماما: "خلاص يا ماما، علاقتنا انتهت ومفيهاش رجوع من تاني. هي وعدتني تفضل معايا وخلّت بوعدها. وثقت فيها وهي غدرت. متخافيش، هنزل الكلية بكرة أكيد."
تاني يوم جهزت نفسي وخرجت من الشقة. كنت متوترة، خايفة أشوفه لأن بيوتنا فوق بعض، قاعدين في عمارة ملكنا. نزلت بسرعة ومشيت للكلية.
دخلت وأنا لسه تايهة، حاسة إن كل اللي حواليّ ممكن يغدروا بيّا. بدأت أبعد عن الكل واحدة واحدة، وفضلت أكمل حياتي لوحدي من غير حد.
قعدت في الاستراحة على أساس إن لسه فيه ربع ساعة على معاد المحاضرة التانية، وده لأن محضرتش الأولى بسبب تأخيري في المواصلات.
طلعت دفتري وقلمي وعصير المانجا المفضل ليّ وبدأت أكتب أول سطور حزني:
أنا الحُزن، يتمهّل بقُربي
ليلتفّ على عنقي، يعنّفني، يطوّق روحي، يأسرني!
أتلعثم بكلمات النجاة نحوه
لكنّه لا يُبالي، وكأنّي صرتُ عدوًّا
بعد أن كنتُ يومًا مَأمنًا له وملاذًا.
أتعلمُ يا أنتَ بثِقل قلبي من غيرك؟
كنتَ الطمأنينة التي أحيا بها،
السَكينة التي أتشبّث بها في ضعفي.
سال الحُزن بيننا،
لكنّه لم يختر إلا أن يمتلكني أنا وحدي.
خلصت كتابة النص ودموعي عرفت طريقها. أنا كتبته وأنا بفكر فيه، وبفكر ليه عمل كده. بدأت أقررها كتير وأنا بحاول أقنع عقلي إن خلاص انتهينا.
تلفوني رن، كانت ماما. كلمتها وكانت بتتطمن عليّا. خلصت معاها وعيني لمحت الساعة، انذهلت، عدى تلت ساعة من المحاضرة. أخدت كل حاجاتي وجريت على المدرج.
الباب كان مقفول. اتوترت، مش بحب أدخل والكل موجود، بحس بخنقة وعينهم عليّ. لكن اتشجعت وخبطت على الباب. بعدها فتحت بتوتر وأنا عيني في الأرض وبطلب السماح للدكتور: "أنا آسفة يا دكتور على التأخير... ممكن أدخل؟!"
"اتفضلي!"
رفعت عيني بسرعة، وضربات قلبي بتعلى أكتر، وبرجع للورا بخطوات بطيئة: "أمير."
رواية حين يعود الحلم الفصل الثاني 2 - بقلم ملك عبد الله احمد
رفعت عيني بسرعة، وضربات قلبي بتعلى أكتر، وبرجع للورا بخطوات بطيئة: أمير.
لوهلة حسيت إني دخلت بيتنا، مش مدرج جامعتي.
أصل مش فاهمة هو هنا بيعمل إيه؟!
أخدت الصدمة داخليًا، هو سافر عشان يحضر الدكتوراه وتخيلت إنه هيكمل هناك.
متوقعتش ينزل ويستقر هنا، كنت فاكرة إن وجوده مؤقت… بس باين هفضل أتعذب لعُمري كله.
"هتفضلي واقفة هنا كتير؟ وقت المحاضرة بيخلص، وأنتِ أصلًا جاية متأخرة."
مستفز، آه والله!
ياه لو كان حبيبي دلوقتي وأقدر أتحداه… ما هو حبيبي عادي.
دخلت بهدوء، وللأسف لقيت مكان في أول صف.
اضطريت أقعد، وأنا كنت أبغي والله أقعد في الآخر.
"طبعًا من البداية أنا ملتزم جدًا في مواعيدي ومش بتأخر عن موعد ليّ. وإنتو كمان تتعلموا متتأخروش على ميعادكم، لأن ببساطة زي ما بعاملكم عاملوني. فتأخير عن المحاضرات ممنوع يا شباب."
مغرور والله.
بس مركزتش في مضمون كلامه أكتر من تركيزي على لغة كلامه.
ملتزم في مواعيده؟! طب ليه ملتزمش في وعوده؟!
خلصت المحاضرة أخيرًا.
مش هنكر إن شرحه ممتاز… عالي.
طبيعي هو مُدرسي الأول، أول شخص يذاكر معايا من صغري.
عدى معايا كل مراحلي الدراسية وأصعابها.
بس سابني في أول وأصعب طريق… بس كملت من غيره.
فوقت على كلامه:
"معاد المحاضرة خلص، وأتوقع مفيش محاضرات تاني بعدي بما إن ده أول يوم. فهندردش مع بعض شوية نعرف فيها الأساسيات بما إن خلاص دي آخر سنة دراسية ليكم."
"أولًا هعرفكم بيا أنا دكتور "أمير مجدي الحُسني". كنت طالب زيكم وسافرت أحضر الدكتوراه. كان وقت شاق، لكن "لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها" نزلت مصر من فترة واتعينت هنا مكنتش دي السنة اللي هدرسها كان تالتة وتانية، بس دكتور مادتكم عمل للأسف حادثة واعتذر عن السنة دي، فهكمل معاكم."
زي ما بقولكم كده هو قعد يتكلم ويتكلم…وأنا مش هنا خالص، باصة في نقطة فراغ وعمالة أتخيل سيناريوهات
منها حزين… وحزين… وحزين… وبعضها سعيد برضه.
أصل تفكيري مختل، لسه بيحب يفكر في الذكريات الكدابة بينا.
آه ياريت لو كنا كملنا، وكان قلبي دلوقتي بيرفرف في الحب، مش زعل وخنقة وأنا شايفاه قصادي.
اتنهدت بحزن.
شكلي هفضل دايمًا كده.
هيفضل قصاد عيني حتى لو فضلت الهروب.
دلوقتي لما عايزة يبعد بيقرب أكتر، ووقت ما كنت محتاجة يقرب كان بيبعد… لغاية ما بقيت لوحدي حتى وهو قريب.
خلصت وخرجت بسرعة من غير ما يلاحظني.
معنديش فكرة هيكلمني ولا لأ.
هيتعامل معايا كأننا منعرفش بعض؟ ولا عادي؟
أرهقني التفكير، فقولت أروح أقعد في كافتيريا الجامعة.
لكن لقيت بعض من صحابي من سنة تالتة قاعدين.
روحت أسلم عليهم، وبالمرة أقعد شوية أفك عن نفسي.
كان الوقت لطيف معاهم، ونسيت كل العواصف اللي جوايا.
بس هل يا ترى هتكمل؟
لاحظت دخول أمير في المكان، بس مش لوحده.
كانت هي معاه… هي.
مكانها معاه كان المفروض مكاني.
نبضات قلبي زادت وتوتري ظهر.
جوايا كنت ببكي وبصرخ، بس ظاهريًا كنت صامتة… وكأني بحاول أعتاد على المشهد.
"مش دي دكتورة "مريم" يا بنات؟"
بصتلها بصدمة:
"دكتورة؟!"
ردت بعفوية عليّا:
"أيوة يا نور، دخلت علينا النهاردة. كانت مسافرة أصلًا ورجعت هنا، كانت بتحضر دكتوراه. بس للأمانة شرحها ممتاز أوي، حبيتها جدًا، وأسلوبها معانا لطيف."
طلعت دكتورة؟!
كانت معاه وبيدرسوا مع بعض… يعني حبها!
مقدرتش أكمل، واخدت بعضي ومشيت بدون كلام.
يمكن أحاول أستوعب.
مشيت من هناك وأنا تايهة.
خلّتني ماشية مسافة طويلة.
معرفش إيه الطرق دي، بس من كتر توهاني محسّتش بأي حاجة حواليّ.
كنت تعبانة من المشي، قعدت على أقرب استراحة قدامي.
في الوقت ده كان فيه هوا كتير.
الأشجار عمالة تتحرك، صوت العربيات وهي معدّية، الناس وهي ماشية.
ده كله كان شاغل عيوني.
بس بعدها بدقايق كل ده اختفى.
الهوا بطل، والعربيات مشيت، الناس اختفت.
اختفى كل ده… واتبقى الهدوء.
كل اللي حواليّ بس هدوء.
بدأت أجمع كل اللي حصل الفترة اللي عدّت كلها تاني.
ساعتها سمحت لدموعي تنزل.
بدأت أعيط بانهيار.
يمكن دي المرة الوحيدة اللي انهرت فيها بالشكل ده.
بس أنا ليه حبيته؟ ليه عملت كده في نفسي؟
ليه انجرفت ورا مشاعري الغبية؟
ليه محافظتش على قلبي بدل ما أنا بهدلته بالشكل ده؟
كان هيحصل إيه لو كنا بُعاد من الأول؟
بس أنا مشيت وراه غصب عني، حبيته غصب.
هو كان معايا في كل خطوة في حياتي، كان ملازماني، كان رفيق، وسند، وحبيب.
بس شكلي أنا اللي انغرست في الحب لوحدي.
طب وهو محبنيش؟ يعني مشاعري دي كانت لوحدي؟
كل التفاصيل والذكريات كانت بالنسباله سيّان؟
أنا السبب.
يمكن كان لازم أبعد من زمان… بس وثقت فيه، وعدني.
يا عيني، كُفّي الدمعَ،
فدمعي لا يسَعُ غدرًا بهذا الحجم.
أنتَ خائنُ اليمين،
لكن بقهرٍ أُقِرُّ: كنتَ لقلبي شفاءً،
فكيفَ أبصرتُ فيك العِلّة؟
رجعت البيت وأنا ضايعة، بس جوايا بدأت أفوق.
دخلت البيت وقابلت ماما، بصتلها كتير لدرجة إنها قلقت عليّا.
قربت مني وحضنتني، فبكيت من تاني وكأن البُكا بقى ملازمني.
"إيه يا نور، فيكِ إيه يا حبيبتي؟!"
فضلت تتكلم معايا وأنا تايهة في حزني لغاية ما وقفت مرة واحدة وبصتلها بخذلان:
"إنتو ليه عملتوا فيّا كده؟!"
ردت بصدمة:
"عملنا إيه فيكِ؟"
"ليه سبتوني مع أمير؟"
"يعني إيه بتقولي إيه؟!"
"سبتوني يا ماما مع شخص أعيش معاه كل تفاصيل حياتي، ألعب وأكل وأخرج وأذاكر، سبتيني مع واحد أحبه."
"تحبيه كأخ."
"أخ!! أنتِ متخيلة كده بجد؟! يعني بعد ده كله تقوليلي أخ؟! يعني إيه؟!"
ردت بتبرير:
"أنتِ وحيدة وهو كمان وحيد، فطبيعي حياتكم تكون مع بعض. وكنتِ دايمًا هناك في بيت عمك، مش بتنزلي من هناك غير على النوم. كنتِ عايزاني أعمل إيه؟ أمنعك إزاي وأنتِ روحك كانت معاه، بس على أساس أخوات."
ضحكت بسخرية:
"برضه بتقولي أخ."
اتكلمت بتريّث خفي:
"أومال إيه يا نور، هو أخوكي."
انفعلت بعصبية، ونبرة صوتي عليت:
"أنتِ مستوعبة كلامك بجد؟! عايزاني أقولك أيوة فعلًا هو أخ؟! إزاي ها؟! إزاي؟! أنتِ لسه بتقولي أهو روحك كانت فيه، عايزاني أعمل وأفكّر إزاي؟! قضيت طفولتي ومراهقتي معاه، يعني طبيعي أحبه، فيه كل الصفات اللي تخليني أحبه وأتعلق بيه. فهميني كنتِ عايزاني أتعامل إزاي معاه؟! أدفن مشاعري وحبه عشان هو أخ؟! طب والذكريات الحلوة، والكلام، والتفاصيل اللي بينا، المواقف، والحب، كنتِ عايزاني بعد ده كله أتعامل إزاي؟! أنتِ دمرتيني وهو... كلكم دمرتوني."
قالت باستنكار:
"أنتِ بتحبي أمير كحبيب مش كأخ؟!"
"برضه بتقولي أخ، افهمي بقى. يعني إيه؟! دي مشاعري كانت واضحة لكل الناس__تمتمت بحسرة _معادا إنتو."
قربت منها أكتر:
"عرفتي ليه حرام، وليه ربنا مانع كده؟! ليه معملتيش بكلام ربنا وبعدتني؟! وعرفتني إنه مش محرّم عليا؟! ليه خلتيني أنسى إزاي أتعامل مع الغريب عني؟! تعالي شوفي، مفيش غيري اللي اتوجع في الحكاية كلها، أنا وبس. فهمتي ليه ربنا نهى عن التقرب بين ولاد العم أو غيره؟! أهو ده الوجع اللي صابني لوحدي."
"مكنتش أعرف إن ده كله هيحصل. كنت بحاول أعوّضك عن غياب باباكي، والله مكنتش أعرف إن الطريق هيكون كده، ولا أعرف إنك ممكن تحبي أمير. فكرته هيكون أخ ليكِ. أنا آسفة، والله آسفة، مكنتش أعرف إنك بتتعذبي بسببي."
"مينفعش الاعتذار دلوقتي، بقاش مهم حاليًا."
قطع كلامنا خبطات على الباب، قلبي عليت نبضاته، هو.
ماما فتحت الباب، وكان هو. إحساسي... مستحيل أنسى طريقة طرقه على الباب.
عيوني اتلاقت بعيونه، وكان بينا نظرات... لا أنا فاهمة نظرته ولا هو فاهم نظرتي. كانت لأول مرة محدش فينا يفهم التاني. بس كان فيه شيء مشترك بينا... حب خفي كنا بنحاول ندارِيه في نظراتنا. بس... هل هو حب؟!
نصفُ اعتراف، يا حبيبي...
أنتَنزيفٌ دائمٌ في قلبي،
وجُرحٌ غائر،
وأثرُ دمٍ
ما زال يبحث عن ارتواء.
أنتَدَمعٌ قاسٍ،
وانكسارٌ
يُؤلم... ولا يُشفى.
لكنّك،
وبالرغمِ من كُلّ ذاك،
حبيب.
"إزيك يا مرات عمي؟"
"بخير يا حبيبي، تعالَ اتفضل."
بصّيتلهم بنظرة عابرة وقررت أدخل أوضتي وأنا بجفّف دموعي اللي كان باين جدًا عليّا آثار البُكا.
"استني يا نور، عايزاك."
وقفت ثواني أحاول أجمع صوتي وبصّتلُه:
"نعم يا دكتور؟!"
كان باين عليه الإرهاق والتعب وإنه محافظ على هدوؤه، حافظاه أكتر من نفسي وفاهمة كل حركاته.
اتنهّد وهو بيدخل البيت، بيقرّب مني، وأنا كان هاين عليّا أعيط تاني، بس مسكت نفسي.
"ممكن تيجي نتكلم أنا وإنتِ شوية؟"
مكنش طلب أو أمر، كان تَمنّي، ترجي منه.
"اتفضل يا أمير."
"مش هنا، أنا وإنتِ بس."
"مش هينفع."
انصدم! آه والله، أصل كلمتي دي يعني جريمة، فردّد بصدمة:
"مش هينفع؟! ده اللي هو إزاي؟ مش فاهم!"
ردّيت وأنا صبري انتهى، أصل سبب عذابي قدامي، وجعي وخنقتي ودماري واقف قدامي. المفروض أصبر لإمتى؟ وأنا هاين عليّا أترمي في حضنه وأشتكيله:
"عادي، شكل غُربتك بتنسيك، أنا وإنتَ ولاد عم مش إخوات، فـ كلامنا ووقفتنا مع بعض غلط، فلو حضرتك عايز حاجة مهمة مني قول قدام ماما، مينفعش لوحدنا."
فكّرته هيثور، هيتعصب ويهدّ الدنيا، بس للمرة الألف توقّعي خاب. لمحت نظرة في عيونه غريبة، غير الابتسامة اللي ظهرت عليه وكأن كلامي مجرد كلام اتقال:
"ماشي يا بنت عمي، هبقى أجيلِك في وقت تاني نتكلم مع بعض بوجود حد تالتنا."
ردّيت بتهوّر:
"تبقى مراتك ها، أصل عايزة أتعرف عليها أوي."
كملت بقهر خفي بس الأكيد إنه لحظة:
"عرفت إنها دكتورة في جامعتي زيك يعني، كنتوا بتدرسوا مع بعض وحبّيتها أكيد. مُبارك، جاية متأخر، بس الأكيد إنك عارف إني فرحانة جدًا بخبر زي ده."
اتحرّك خطوتين لورا ورفع إيديه كـ علامة استسلام:
"حاضر يا نور، الله يبارك فيكِ."
"مش هتقولي عقبالك؟"
وقف لثواني، وعيونه جادة وكأنها ولّعت في البنزين. مبقتش فاهمة هو عايز إيه، نظراته، مرواغته، كلامه المُلغّم.
"معتقدش."
سابني ومشي، وأنا ضربات قلبي عليت، باصة لطيفة، وعيوني بدأت تلمع بالدموع.
بصّيت لماما وكانت نظراتي اتهام ليها.
سبتها ودخلت وبرجع أنهار من تاني.
الحال بيَّ كان ماشي يوحي ليهم إني نسيت وبتعايش، بس جوايا كان وجع كبير مش قادرة ألِمّه... كسر وخذلان.
بس بعدت بالفعل، عن أهلي وصحابي وقرايبي وحبايبي، وحتى هو!
معرفش إذا كان ده صح ولا بقسّي على نفسي...
طريقي ماشي ولا واقف؟
بس بمشي مع التيار.
صحيت بدري جدًا عشان ألحق أول محاضراتي، جهزت وخلصت ونزلت.
عيني لمحته وهو بيفتح باب العربية ليها، قلبي اتقبض... وكسر جديد اتفتح جوايا.
لكني هربت بسرعة، معنديش الاستعداد أواجههم مع بعض.
فاكرني رُحت الجامعة عشان ألحق المحاضرة؟
بالعكس... رُحت قعدت في الشوارع في استراحة قصاد النيل،
المكان اللي شهد على انهياري طوال الفترة دي.
سكت على كده، ابسلوتلي،
كملت في قهرتي عشان الحزن يكون شامل.
وطلعت دفتري، وبدأت أكتب أتعس نص لحبيب عيوني الكذّاب:
"إلى حبيبي... الذي دَفن قلبي حيًّا"
حبيبي،
يغمرني الآن شعورٌ بالصمت...
كفى صدامًا بين خلاياي،
لكنّي سأخبرك فقط: كيف خُذِلت.
أنتَ تعلم كم عشقتُ قلبك،
هواك،
رِمشَك...
وتعلم كم من العمر مرّ قبل أن أدخل عالمك،
وكيف نُحر قلبي باتجاه هواك.
لكن — ببساطة — خُذِلت.
مِن مَن؟
حبيبُ عيني...
منذ لقائك توقّف السير،
وتحوّلتُ من فتاةٍ سائرةٍ في بلاطٍ أجوف
إلى أخرى مالكةٍ ونَفَس...
ثم لم يلبث أن انهار كل شيء،
فعُدتُ غريبةً مكسورة.
لكن... توقّف السير من جديد،
نُهِرَت منزلتي،
وأُلقيت بعيدًا.
وأنتَ تعلم كم نُزِفت،
لكنّك — يا حبيبي...
كنتَ الخنجرَ، والجرحَ، والنزيف.
كنتَ الخذلان كلّه.
عياط والله عياط، بس اللي كنت بعمله كان جلد ذاتي، وكأني عدوة لنفسي.
قعدت أتخيل سيناريو لحظي:
أمير يرجع من السفر وهو لسه متلهف عليّا، بيحبني، ولسه فاكر أنا مين. وأنا أرجع أعيش وأتنفس من جديد، أصل حبيب عيوني راجع، وأنا واثقة فيه، واثقة في حبه ووعده. أستقبله بحنان، ويبادلني بشوق وحنية. الكيكة أقدمهاله بحب، وأقعد أسمع حكاويه من وقت بُعده عني، وأشتكيله وأعاتبه على هجرانه مني. وبعدها نتصالح ونرجع أنا وهو.
شوفتوا إزاي السيناريو جميل، عسول؟ كان يستاهل يتحقق وياخد مليون ونص نجمة، صح؟
بس الإنسان مش بياخد كل حاجة في حياته، وخاصة الحاجة اللي بيحبها.
هديت وبطلت عياط، مسكت تليفوني، ويانهار أبيض! المحاضرة الأولى خلصت والتانية بدأت. قعدت أعيط تاني، بس المرة دي على اللبن المسكوب والله.
ليه الإنسان كده؟!
أخدت حاجتي وشبه جريت عشان ألحق أوصل، والحمد لله المسافة مش كبيرة.
طلعت السلالم بتوتر وخوف، ووصلت أخيرًا واقفة قدام المدرج. مستنية حد يخبط بدالي والله، لإن عدى نص ساعة.
أقدم خطوتين عشان أخبط أرجعهم عشرة! لكن قولت: يلا، اعملي فيها إندبندنت وومن.
ومش فاهمة فين الـ "إندبندنت" في اللي أنا فيه، بس طمنت نفسي إن التهزيق هيجي من ابن عمي، وهحاول أبلع الكلام منه.
بهزر، ده كلمة منه هتخلّيني أبكي لسنين قدّام والله.
قرأت آية الكرسي وأخدت كم نفس أهدى، وخبطت كم مرّة، وسمعت صوته وهو بيقول: "ادخلي".
كنت ههرب، في إيه يعني لو ما حضرتش؟ جت على المحاضرة دي؟ لكن خلاص فات الأوان ودخلت.
لحظة صمت حواليّ، واقف ونظراته مصوّباها عليّا، وكل المدرج كذلك، لكن أنا ركّزت عليه.
فجأة وبدون تمهيد:
"أفهم جاية تعملي إيه حضرتك ونص معاد المحاضرة خلص؟ من أول يوم وأنا منبّه على عدم التأخير، ولا الكلام مش بيتسمع؟! التساهل معاكوا مش نافع، يبقى الطرد هو اللي نافع معاكوا."
"خطوتين رجّعتهم وأنا بحاول أجمع صوتي، ناهيِك عن الدموع اللي ملَت عيني، وأنا واقفة وكل الأنظار عليّا ونبرة صوته وعصبيّته وكلامه.
عيني هربت لمكان ما، وهنا انكمشت مكاني وأنا شايفاها، هي… قاعدة في أول صف في المدرج وبتبصلي بشفقة.
أنا…رجّعت أثبّت عيني عليه من تاني، وكان لأول مرة أكرهه! كنت فاكرة إني هفضل أحبّه لآخر عمري مهما عمل، بس غلطت.
دلوقتي حسّيت بشعور النفور والكره منه.
خرجت بسرعة من غير ما أضيف ولا كلمة،
ألملم بقايا حزني لنفسي ودموعي، بس كان نفسي أقوله:
"كفاية كسرة قلبي بسببك، متزوّدهاش."
بس جريت…
"منذ تلك الليلة، لم أعد أتمايل على أنغام حبك، بل قطعتُ كل ترانيم الوصول إلى قلبك. لم تكن المُحب، ولم أكن العاشقة… كنا مجرد عابرين في شوارع حب مهجورة."
من يومها قطعتُ كل سُبل الوصول عنه.
سافرتُ لأهل ماما، بدأت أغيّر من حياتي ورتمها، بحاول أنساه وأنسى قسوته عليّ يومها، وأنسى حبه!
بس هل عرفت؟ فشلت فشل أكبر من حبي له، آه والله، أصل ده حب سنين وعُمر.
لكن بدأت أتلاشى من كل اللي حصل، واتبسط بحياتي حاليًا، بدأت أتعلم لغة جديدة، أشتغل أونلاين، وأهتم بمذكرتي. بس في المحاضرات كنت مأثرة جدًا بسبب غيابي، لكن الحمد لله معظم الدكاترة مكنوش بياخدوا غياب، وكل المحاضرات كانت بتنزل على جروب الدفعة.
تلت شهور عدّوا من غير ما ألمحه، لكن طيفه كان لسه في خيالي.
رجعت لإن امتحاناتي خلاص فاضل عليها أسبوع، كنت متوترة وخايفة، مش عارفة هل هيكون الوجع موجود زي ما هو ولا راح.
دخلت البيت، وكان الكل في انتظاري: ماما، وعمي، ومرات عمي… وهو!
جريت على ماما وأخدتها في حضني، كانت وحشاني بشكل، مهما حصل بينا هتفضل هي أحن واحدة عليّ.
وبعدها سلمت على عمي ومرات عمي بود، ووقفت عنده، أخدت كم نفس أهدى.
"حمد لله على السلامة يا نور."
"الله يسلمك يا أمير."
كلامنا كان رسمي، لكن ده الأفضل بينا.
بس عارفين؟ لسه نبضات قلبي كانت بتزيد من قُربه، وعيوني لسه فيها لمعة الغرام… لسه بحبه.
سألته ببرود مُزيَّف:
"أومال فين مراتك؟ مش شايفاها… ولا هي مش راضية تسلّم عليّ؟! آه صح، متعرّفناش قبل كده، بس الأكيد حكيتلها عني."
"فعلاً حكيتلها عنك كتير، كنتِ محور كلامنا وإحنا مسافرين."
عَلَت نبضاتي وأنا بحاول أستشف معنى كلامه، اتوترت ونظراتي اختلفت.
سألته بتردد: طب هي فين؟!
"اطلقنا."
يتبع...